← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23582

أحكام القرآن للكيا الهراسي

الكيا الهراسي

Полный текст (904 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال الشافعي. ظاهره أن الذين يطيقونه إذا لم يصوموا أطعموا، ونسخ ذلك في غير الحامل والمرضع، وهي في حقهما ظاهره، ومنه قال علي ﵁ في المريض والمسافر إنه يفطر ويطعم كل يوم مسكينا صاعا، ثم قال: وذلك قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) . وكانت عائشة تقرأ: «وعلى الذين يطوقونه فدية» وذلك في الشيخ الهرم «١» . والذي قاله علي- ﵁ فيه نظر، فإن قوله: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ) يتبع «٢» دلالة قوله بعد ذلك: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) على المسافر والمريض، لأن ما عطف على الشيء غيره لا «٣» محالة، وليس يظهر أيضا حمله على الشيخ الكبير، فإنه ليس مطيقا، بل كان مطيقا ثم عجز، فعلى هذا قال مالك وربيعة في حق الشيخ الكبير: لا أرى عليه إطعاما فإن فعل فحسن، ولم يروا الفدية قائمة مقام الصوم الذي هو عبادة بدنية، ولا أن تكليف الصوم لاقاه، وهم يقولون: الذي نسخ كان ترك الصوم إلى الإطعام لا قضاء الصوم مع الإطعام، وقد سمى الله تعالى ذلك فدية، والفدية ما يقوم مقام ما يفدى عنه، فالجمع بين الفدية والقضاء لا وجه له، وكان الواجب في الأصل أحد سببين من فدية أو صيام لا على وجه

стр. 72

الجمع، فكيف يجوز الاستدلال به على إيجاب الجمع بينهما على الحامل أو المرضع.. نعم قال ابن عباس في الحامل والمرضع عليهما الفدية ولا قضاء عليهما، فله حجة في ظاهر القرآن في اقتصاره على إيجاب الفدية دون القضاء، فكانت الآية دالة في الأصل على التخيير بين الفدية والصوم، فلا يجوز أن يتناول الحامل والمرضع لأنهما غير مخيرين، لأنهما إما أن يخافا فعليهما الإفطار بلا تخيير، أو لا يخافا فعليهما الصيام بلا تخيير، ولا يجوز أن تتناول الآية فريقين: تقتضي بظاهرها إيجاب الفدية، ويكون المراد في أحد الفريقين التخيير بين الإطعام والصيام، وفي الفريق الآخر إما الصيام على وجه الإيجاب بلا تخيير أو الفدية بلا تخيير، وقد تناولهما لفظ الآية من وجه واحد، فثبت بذلك أن الآية لم تتناول الحامل أو المرضع. قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ) (١٨٥) يحتمل معاني، منها: من كان شاهدا لمعني مقيما غير مسافر، كما يقال الشاهد والغائب، فمقتضاه أن لا يجب على المسافر، لكنه لما قال: (وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (١٨٥) بين حكم المرضى والمسافرين في الإيجاب. ويحتمل أن يكون قوله (شَهِدَ ... الشَّهْرَ) أي علمه، وذلك يدل على أن من أفاق من الجنون بعد مضي شهر رمضان فلا قضاء عليه، خلافا لمالك فإنه قال فيمن بلغ وهو مجنون، فمكث سنين ثم أفاق، فإنه يقضي صيام تلك السنين ولا تقضى الصلاة، ومالك يحمل قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) على شهوده بالإقامة وترك السفر دون ما ذكره غيره من شهوده بالتكليف.

стр. 73

ويصعب عليه الفرق بين الصغر والجنون فإنهما ينافيان التكليف وليس اسم المرض متناولا له.. وأبو حنيفة يقول: قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) لا يمكن أن يراد به شهود جميع الشهر لأنه لا يكون شاهدا لجميع الشهر إلا بعد مضيه كله، ويستحيل أن يكون مضيه شرطا للزوم صومه كله، لأن الماضي من الوقت يستحيل فعل الصوم فيه، فعلم أنه لم يرد شهود جميعه، فتقدير الكلام عنده: فمن شهد منكم بعض الشهر فليصم ما لم يشهده منه، وهذا بعيد جدا.. ومالك يقول: شهد أي أدرك، كما يقال: شهد زمان النبي ﵇ أي أدرك، والمجنون قد أدرك ذلك الزمان فلزمه الصوم لزوما في الذمة.. قوله تعالى: (فَلْيَصُمْهُ) : والصوم في اللغة: الإمساك المطلق، غير مختص بالإمساك عن الأكل والشرب دون غيرهما، بل كل إمساك فهو مسمى في لغة صوما، غير أن الله تعالى أحل الأكل والشرب والجماع إلى أن يصبح، ثم أمر بإتمام الصوم إلى الليل، ففحوى الكلام تحريم أباحه الليل وهو الأشياء الثلاثة، ولا دلالة فيه على غيرها بل هو موقوف على الدليل، ولهذا ساغ الإختلاف فيه واختلف فيه علماء السلف. وأما الحيض والاستقاء فلمنافاتهما للصوم، فلا يعلل «١» أصلا، فقاس قوم الجنابة على الحيض، وقاس قوم الحجامة على الاستقاء، لأنهما استخراج الفضلة من البدن..

стр. 74

وروى ابن عباس أن رسول الله ﷺ احتجم صائما «١» . قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) يدل على جواز القضاء متتابعا ومتفرقا، فإنه ذكر الأيام منكرة، فإذا فرق فقد أتى بما اقتضاه الأمر، وفهمنا أن تتابع صوم رمضان للشهر لا لنفس الصوم، ولذلك لم يكن إفساد يوم منه مانعا صوم الباقي، وقد قال الله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) فدل على جواز التأخير من غير أن يتحدد بوقت، وهو كالأمر المطلق الذي لا يتقيد بوقت، ويجوز مفرقا ومجموعا.. والشافعي رأى تقييد القضاء بالسنة قبل دخول رمضان آخر وقال: إذا دخل رمضان آخر فدى عن كل يوم بمد، ورواه عن ابن عباس وابن عمر. فأما ما روي عن ابن عباس أن رجلا جاء إليه فقال: مرضت رمضانين، فقال ابن عباس: استمر بك المرض أو صححت فيما بينهما؟ .. قال: بل صححت، قال: صم رمضانين، واطعم ستين مسكينا.. وعن ابن عمر: أنه سئل عمن فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر؟ .. قال: يصوم الذي أدركه ويطعم عن الأول كل يوم مدا من تمر ولا قضاء عليه، وهذا يشبه مذهبه في الحامل والمرضع أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما، وأقوال الصحابة على خلاف القياس قد يحتج بها.. فقيل لهم فالقضاء بعد الصوم الآخر مأخوذ من قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) . واللفظ قد تناول الأوقات فلا يجوز أن يكون قد

стр. 75

أوجب القضاء على قوم والفدية على قوم آخرين، بل يقتضي أن يكون الحكم في الكل واحدا، وغاية قول الصحابي على خلاف القياس، أن يتوهم فيه توقيف، مع احتمال كون احتجاجه بالتوقيف فاسدا وغلطا، فظهور هذا من كتاب الله تعالى أولى بالاعتبار والإتباع. وذكر داود الأصفهاني «١» أن قضاء رمضان يجب على الفور، وأنه إذا لم يصم اليوم الثاني من شوال أثم لأنه لو مات عصى، وبنى عليه أنه لو وجب عليه عتق رقبة، فوجد رقبة تباع بثمن، فليس له أن يتعداها ويشتري غيرها، لأن الفرض عليه أن يعتق أول رقبة يجدها فلا يجزيه غيرها، ولو كان عنده رقبة فلا يجوز أن يشتري غيرها، ولو مات الذي عنده فلا يبطل العتق كما يبطل فيمن نذر أن يعتق رقبة بعينها فماتت يبطل نذره، وذلك يفسد قوله.. وقد قال بعض الأصوليين: إذا مات بعد مضي اليوم الثاني من شوال لا يعصى على شرط العزم. وقال الرازي أبو بكر إنه لا يعصى إلى السنة القابلة، فإن آخر الوقت معلوم، فبنى عليه أنه لو مات في خلال السنة لا يعصى، فقدر القضاء بالسنة، وذلك خلاف قول الجماعة، وجعله كوقت الصلاة لما كان التأخير موسعا عليه إلى آخره، لم يكن مفرطا بتأخيره إلى أن مات قبل مضي الوقت، فكذلك قضاء رمضان. وأجمعوا على وجوب الفدية إذا مات قبل مضي السنة لا لكونه

стр. 76

عاصيا، كما تجب على الشيخ الكبير، وتجب الفدية أيضا على من فاته صوم رمضان ومات في أول يوم من شوال ... قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» : استدل به قوم على أن المسافر لا صوم عليه، لأن قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) يدل على أن الصوم المسافر في الأيام الأخر، ولم يقدروا الإضمار مثل قول أكثر العلماء: فأفطر فعدة من أيام أخر، وهذا مذهب يروى عن أبي هريرة وقال به داود إلا أنه صح أن رسول الله صام في السفر. وعن عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال لرسول الله ﷺ : أصوم في السفر؟ .. فقال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر» «١» .. وروى أبو سعيد الخدري وابن عباس وأنس وجابر وأبو الدرداء وسلمة ابن المحبق صيام النبي ﵇ في السفر، ومن خالف في هذا يدفع بظاهر قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) . من غير فصل بين المفطر وبين الصائم.. ورووا عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ليس من البر الصوم في السفر» «٢» .. ورووا عن الزهري عن أبي سلمة عن أبيه قال: قال

стр. 77

رسول الله ﷺ : «الصائم في السفر كالمفطر في الحضر» «١» . وبحديث أنس عن النبي ﵇: «إن الله تعالى وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم، وعن الحامل والمرضع» «٢» .. ومن يخالف هؤلاء يقول: روى جابر أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يظلل عليه والزحام عليه فقال: «ليس من البر الصيام في السفر» فجائز أن يكون كل من روى ذلك، فإنما حكى ما ذكره النبي ﵇ في تلك الحال، وساق بعضهم ذكر السبب وحذفه بعضهم. وذكر أبو سعيد الخدري، أنهم صاموا مع النبي ﷺ عام الفتح في رمضان، ثم إنه قال لهم: «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا» ، فكانت عزيمة من رسول الله ﷺ . قال أبو سعيد الخدري: لقد رأيتني مع النبي ﵇ أصوم قبل ذلك وبعده «٣» ، فيجوز أن يكون الخبر ورد على سبب، وهو حال لزوم القتال مع العلم بالعجز عنه مع فعل الصوم. ولأن قوله: «وأن تصوموا خير لكم» معطوف على كل من تقدم وبينهم المسافر والمريض.. ثم إنه إذا صام أهل بلد تسعة وعشرين يوما للرؤية، وفي البلد رجل مريض لم يصم، فإنه يقضي تسعة وعشرين يوما. وقال قوم منهم الحسن بن صالح: إنه يقضي شهرا بشهر من غير

стр. 78

مراعاة عدد الأيام. وهذا بعيد، لقوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ، ولم يقل فشهر من أيام أخر. وقوله: (فَعِدَّةٌ) يقتضي استيفاء عدد ما أفطر فيه، ولا شك في أنه لو أفطر بعض رمضان، وجب قضاء ما أفطر بعدده، كذلك يجب أن يكون حكم إفطار جميعه في اعتبار العدد ... وأجمع أصحاب أبي حنيفة على أنه إذا صام أهل بلدة ثلاثين للرؤية وأهل بلدة أخرى تسعة وعشرين، أن على الذين صاموا تسعة وعشرين قضاء يوم، وأصحاب الشافعي ﵀ لا يرون ذلك، إذا كانت المطالع في البلدتين يجوز أن تختلف. وحجة أصحاب أبي حنيفة قوله تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) وثبت برؤية أهل بلد أن العدة ثلاثون فوجب على هؤلاء إكمالها، ومخالفهم يحتج بما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «صوموا لرؤيته.. الحديث» ، وذلك يوجب اعتبار عادة كل قوم في بلدهم.. وروى الشافعي بإسناده عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام، فقضيت حاجتها، فاستهل رمضان وأنا بالشام. فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ .. فقلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصومه حتى يكمل الثلاثين أو نراه، فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟. قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ «١» ،

стр. 79

فقيل على هذا: قوله «هكذا أمرنا» يحتمل أن يكون تأول فيه قول النبي ﵇: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» . قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ، الآية) (١٨٧) . الرفث يقع على الجماع ويقع على الكلام الفاحش، والمراد به الجماع ها هنا لأنه الذي يمكن أن يقال فيه: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ) ، ولا خلاف فيه. وقوله: (هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ) يعني كاللباس لكم في إباحة المباشرة وملابسة كل واحد منهما لصاحبه. ويحتمل أن يراد باللباس الستر، لأن اللباس هو ما يستره، وقد سمى الله تعالى الليل لباسا لأنه يستر كل شيء يشتمل عليه بظلامه، فالمراد بالآية أن كل واحد منهما يستر صاحبه عن التخطي إلى ما يهتكه، ويكون كل واحد منهما متعففا بالآخر مستترا به. قوله تعالى: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ) . أي يساتر بعضكم بعضا في مواقعة المحظور من الجماع، والأكل بعد النوم في ليالي الصوم، كقوله تعالى: (تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) «١» يعني: يقتل بعضكم بعضا. ويحتمل أن يريد به كل واحد منهم في نفسه بأنه يخونها، وكان خائنا لنفسه من حيث كان صرره عائدا إليه. ويحتمل أن يريد به أنه يعمل عمل المساتر له، فهو يعامل نفسه بعمل الخائن لها، والخيانة انتقاص الحق على وجه المساترة.

стр. 80

وقوله (فَتابَ عَلَيْكُمْ) يحتمل معنيين: أحدهما: قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم. والآخر التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة، كقوله تعالى: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ) «١» . (وَعَفا عَنْكُمْ) : يعني خفف عنكم. وذكر عقيب قتل الخطأ: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) «٢» يعني تخفيفا، لأن قاتل الخطأ لم يفعل شيئا يلزمه التوبة منه. وقال الله تعالى: (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ) «٣» ، وإن لم يكن من النبي ﵇ ما يوجب التوبة منه.. وقوله: (وَعَفا عَنْكُمْ) . يحتمل العفو عن المذنب، ويحتمل التوسعة والتسهيل كقول النبي ﵇: «أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله» «٤» ، يعني تسهيله وتوسعته.. قوله: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) (١٨٧) ، كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه خيطا أبيض وخيطا أسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا، قال: فذكر سهل بن سعد الساعدي- وهو راوي الحديث- أنهم كانوا على

стр. 81

ذلك حتى نزل قوله تعالى: (مِنَ الْفَجْرِ) ، فعلموا أنه إنما عنى بذلك الليل والنهار، ولا يجوز أن لا يكون في قوله (الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ) بيان للحكم مع الحاجة، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز أصلا.. ويجوز أن يكون التجوز بالخيط الأبيض عن الفجر سائغا في لغة قريش دون غيرها من اللغات، فأشكل على قوم آخرين، حتى تبين لهم بقوله من الفجر، ولا يجب أن يكون البيان بلغة يشترك في معرفتها جميع الناس قبل أن يتبين لهم بلغة من كان بيانا في لغتهم.. ويجوز أن يكون قد قال: (مِنَ الْفَجْرِ) أولا، لكن قوله (مِنَ الْفَجْرِ) يحتمل أن يكون تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، على معنى أنه يتبين الخيطان من أجل الفجر، ويحتمل أن يكون المستبان في نفسه هو الفجر.. فإن قيل: كيف يشبه الليل بالخيط الأسود وهو يشتمل على جميع العالم، وقد علمنا أن الصبح إنما شبه بخيط مستطيل أو معترض في الأفق، أما الليل فليس بينه وبين الخيط مشاكلة؟ .. الجواب: أن الخيط الأسود هو السواد الذي في المواضع «١» قبل ظهور الخيط الأبيض فيه، وهو في ذلك الموضع مساو للخيط الأبيض الذي يظهر بعده، فلأجل ذلك سمي الخيط الأسود، وإذا أباح الله الأكل والشرب إلى أن يتبين، فيدل ذلك على جواز الأكل قبل التبين حالة الشك.

стр. 82

ويدل على أنه لا نظر إلى الشك إذا أمكن درك اليقين، وأنه يجوز استصحاب حكم الليل في حق الشاك. وفيه الدلالة على أن الجنابة لا تنافي صحة الصوم، لما فيه من إباحة الجماع من أول الليل إلى آخره، مع العلم بأن المجامع من الليل إذا صادف فراغه من الجماع طلوع الفجر، أنه يصبح جنبا، ثم حكم مع ذلك بصحة صيامه بقوله: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) . والذي يخالف هذا يقول، إنما أبيح الأكل إلى الفجر لا الجماع، فإنه لم يقل: «وباشروهن إلى أن يتبين» . وفيه دليل على أن البياض بعد تبين الفجر من النهار، بخلاف البياض بعد غروب الشمس. وظن قوم أنه إذا أبيح له الفطر إلى أول الفجر، فإذا أكل على ظن أن الفجر لم يطلع، فقد أكل بإذن الشرع في وقت جواز الأكل، فلا قضاء عليه، كذلك قاله مجاهد وجابر بن زيد، ولا خلاف في وجوب القضاء، إذا غم عليه الهلال في أول ليلة من رمضان، إذا أكل ثم بان أنه من رمضان، والذي نحن فيه مثله، وكذلك الأسير في دار الحرب إذا أكل ظنا أنه من شعبان ثم بان خلافه.. قوله تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) (١٨٧) . ظاهر ذلك يقتضي تحريم المباشرة مطلقا لشهوة وغير شهوة، والمباشرة أن تتصل بشرته ببشرتها، إلا أن عائشة كانت ترجل شعر رسول الله وهو «١» معتكف، فكانت لا محالة تمس بدن الرسول ﵇ بيدها،

стр. 83

ودل ذلك على أن المباشرة بغير شهوة غير محظورة.. وزعم قوم أن الآية لا تدل على المباشرة بالشهوة أيضا، بعد أن اتفق الناس على أن الجماع مراد به، لأن الكناية بها عن الجماع مجاز، وإذا حمل اللفظ على المجاز فلا يحمل بعينه هو على الحقيقة. وهذا ليس بصحيح، فإن لفظ المباشرة عموم في الجماع، لا بطريق المجاز، بل من حيث أن الجماع مباشرة، إذ المباشرة هي الإفضاء ببشرته إلى بشرة صاحبه، فإذا كانت حقيقة المباشرة- لا من حيث المجاز- إلصاق البشرة بالبشرة فهي عامة في الجماع وغيرها، فدلالتها على الجماع من حيث الحقيقة لا من حيث المجاز.. قوله: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) يقتضي أن يكون الحظر مختصا بالمسجد، حتى لو جامع عند الخروج لا يبطل اعتكافه: ويحتمل أن يقال: قوله: (وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) معناه: لا تباشروهن حال ما يقال لكم إنكم عاكفون في المساجد، والرجل وإن خرج من المسجد لقضاء الحاجة فهو عاكف، واعتكافه باق. وأمكن أن يقال: لا يقال له عاكف في المسجد بل يقال: لم يبطل تتابع اعتكافه، فأما أن يكون عاكفا في المسجد لفظا وإطلاقا وهو خارج منه فلا. ولما كان الرجل باعتبار قعوده في المسجد، لا يقال له عاكف، إذا كان يخرج ويرجع على ما جرت به العادة، وإنما يقال عاكف للمواظب، فيقتضي ذلك زوال اسم العاكف عنه، إذا كان يتردد في حاجاته، ويخرج لأشغاله، إلا ما لا بد له منه.

стр. 84

قوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ) (١٨٨) فيه دلالة على أن حكم الحاكم لا يغير بواطن الأحكام، ولأن الحاكم يحكم بالظاهر وهو مصيب في عمله، لا أنه مصيب ما عند الله تعال حقيقة. قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) «١» (١٨٩) . سماه على وحدته أهلة إذ الأهلة ليست اسما للقمر، وإنما سمي الهلال هلالا في أول ما يرى، وما قرب منه لظهوره في ذلك بعد خفائه، ومنه الإهلال بالحج وهو إظهار التلبية، واستهلال الصبى ظهور حياته بصوت أو حركة، ويقولون تهلل وجهه إذا ظهر فيه البشر والسرور، وليس هناك صوت مرفوع حتى يقال: الإهلال رفع الصوت وإن إهلال الهلال من ذلك لرفع الصوت عند رؤيته، قال تأبط شرا: وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل وأمكن أن يقال متهلل لصوت الرعد فإن البرق لا يخلو منه، واستدل به أصحاب أبي حنيفة على جواز الإحرام بالحج في سائر السنة، ومعلوم أنه لم يرد به أفعال الحج فحملوه على الإحرام به. فقيل لهم: فقد قال: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) «٢» ، فأجابوا بأنه لا بد في الكلام من ضمير ولا بيان فيه دونه، فإن الحج فعل الحاج، وفعل الحاج لا يكون أشهرا، فلا بد أن يكون المراد به أفعال الحج

стр. 85

ومعناه أفعال الحج في أشهر معلومات. فقيد تخصيص أفعال الحج بالأشهر المعلومات، وهو كذلك، فإنه لو أحرم بالحج قبل أشهر الحج، وطاف له وسعى قبل أشهر الحج، فسعيه ذلك لا يجزيه، وعليه أن يعيده، لأن أفعال الحج لا تجزئ قبل أشهر الحج، فعلى هذا معنى قوله: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) أي أن أفعاله في أشهر معلومات. وهذا غلط، فإنه إذا قال: «أشهر معلومات» فيجب أن يقع في الأشهر، فيكون الأشهر المعلومات ظرفا، ويكون الفعل واقعا في جميعه، كالإحرام يقع في الأشهر ويبقى في الأشهر، فيقال هو في الأشهر محرم. ولا يجوز أن يكون الفعل الذي هو السعي يقع في الأشهر، وإنما يقع في ساعة من يوم، ولا يجوز أن يكون المراد به بقاء الإحرام كما قالوه، فإنهم قالوا: إذا أحرم بالحج في أشهر الحج أو في غيرها، فإذا فاته الوقوف بعرفة فاته الإحرام، فقول الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ) يعني: دوام الحج وبقاؤه أشهر، وهذا باطل، فإن الذي ذكروه من بقاء الإحرام، ليس يتحدد له أشهر معلومات، فإنه لو أحرم من وقت الفوات، دام الإحرام والحج إلى مثل ذلك الوقت من العام القابل، والحج لا يتعين له أشهر، بل أشهره جميع السنة، وإنما يفوت في وقت خاص، ولا يبقى أكثر من سنة قط، فإذا بطلت تأويلاتهم، بقي تأويل الآية التي تعلقوا بها، ووجه ذلك أن قوله: (قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) معناه: «قل هي مواقيت للناس في الحج» ، فيحصل في الأهلة المعنيان من غير تفصيل، فلا دلالة في الآية على أن الأهلة يجب أن تكون مواقيت للحج.. نعم الأهلة كلها مواقيت للناس لا مفهوما من هذا اللفظ، فإن المفهوم من هذا اللفظ بيان فائدة الأهلة، والفائدة حصلت بما قلناه من غير

стр. 86

تفصيل، ويدل عليه أن مراد الله تعالى من ذلك بيان الحاجة إلى الأهلة، ببيان منافعها في كونها مواقيت للناس، فإنما يقال ذلك فيما يعتاده الناس ويتعارفونه، وما اعتاد الناس قط الإحرام في غير أشهر الحج ولا ندبوا إليه، ولذلك سمي بعض الشهور أشهر الحج، وغير المعتاد لا يحصل به الامتياز في كونه ميقاتا، وما يعد ميقاتا أصلا، كما تعد الشهور كلها بأسرها مواقيت للأعمال والآجال، فهذا يدل على صحة هذا التأويل وبطلان تأويلات من يخالف هذا القول ... قوله: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها) (١٨٩) ، هو تنبيه من الله تعالى على أن يأتوا البر من وجهه، وهو الوجه الذي أمر الله تعالى به، فذكر إتيان البيوت من أبوابها مثلا يشير به إلى أن تأتي الأمور من مأتاها الذي ندبنا الله تعالى إليه، وفيه بيان أن ما لم يشرعه الله تعالى قربة، ولا ندب إليه لا يصير قربة، بأن يتقرب به متقرب، ومثله تحريم الوصال الذي يتقرب به ولا تقرب فيه. والرهبانية التي يتقرب بها ولا تقرب فيها.. فرض الجهاد: قال الله : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) (١٩٠) الآية.. ولا خلاف بين العلماء في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) «١» ، إلى قوله: (ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) ، وقوله: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) «٢» ، وقوله: (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) «٣» ، (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ) «٤» .

стр. 87

الآية..، (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) «١» . وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن عبد الرحمن ابن عوف وأصحابا له كانت أموالهم بمكة، فقالوا: يا رسول الله، كنا في عز ومنعة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلاء، فقال: «إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم» ، فلما حوله إلى المدينة انكفوا، فأنزل الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) الآية «٢» .. وعن ابن عباس في قوله تعالى: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) «٣» وقوله: (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) «٤» ، وقوله: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) «٥» ، وقوله: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) «٦» قال: نسخ هذا كله قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) «٧» ، وقوله: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) «٨» .. الآية.. واختلف السلف في أول آية نزلت في القتال، فروي عن الربيع ابن أنس وغيره أن قوله تعالى: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ)

стр. 88

أول آية نزلت في القتال. وروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: أول آية نزلت في القتال قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) الآية «١» .. وقال آخرون: قوله تعالى: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أول آية نزلت في إباحة قتال من قاتلهم، والثانية نزلت في الإذن بالقتال عامة لمن قاتلهم، ومن لم يقاتلهم من المشركين «٢» . فقال الربيع بن أنس: أول آية نزلت في الإذن بالقتال في المدينة قوله تعالى: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) ، فكان النبي ﵇ بعد ذلك يقاتل من قاتله من المشركين ويكف عمن كف عنه إلى أن أمر بقتال الجميع، وهو مثل قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) «٣» .. ويحتمل أن يقال إن قوله: (الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) لم يرد به حقيقة القتال، فإن جواز دفع المقاتل عن نفسه ما كان محرما قط، حتى يقال إنه أذن فيه بعد التحريم، وإنما المراد به الذين يقاتلونكم دينا، ويرون ذلك جائزا اعتقادا، ولم يرد به حقيقة القتال. وقال آخرون: نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، فإنه ﷺ لما انصرف من صلح الحديبية إلى المدينة، حين صده المشركون

стр. 89

عن البيت، صالحهم على أن يرجع عامة القابل، ويخلو له مكة ثلاثة أيام، فلما كان في العام القابل، تجهز رسول الله ﷺ وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش، وأن يصدوهم عن البيت ويقاتلونهم، وكره أصحاب رسول الله ﷺ قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله تعالى: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) «١» يعني قريشا الذين صالحوهم، (وَلا تَعْتَدُوا) فنبذوا في الحرم بالقتال، ودل عليه ظاهر ما بعده وهو قوله: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) «٢» يعني أن شركهم بالله ، أعظم من قتلكم إياهم في الحرم، والذي كان منهم من تعذيب من أسلم وظفروا به، ليفتنوهم عن الدين، أعظم من قتالكم إياهم في الشهر الحرام. وقال: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) «٣» . معناه حتى لا يكون الشرك الذي هو باعث على الفتنة، ويكون الدين كله لله، ولذلك لم يقبل العلماء الجزية من وثنيي العرب، فإن الله تعالى قال في حقهم:

стр. 90

(وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) «١» . فأمر الله تعالى بقتالهم، حتى لا يكون الشرك ويكون الدين كله لله «٢» . وروي عن أبي بكر أنه أمر بقتال الشماسنة، لأنهم يشهدون القتال ويرون ذلك رأيا، وأن الرهبان من رأيهم أن لا يقاتلوا، فأمر أبو بكر أن لا يقتلوا، ثم قال: قد قال الله سبحانه: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) «٣» .. وحمل ذلك أبو بكر ﵁ على المقاتلة دينا واعتقادا، فالآية على هذا ثابتة الحكم لا نسخ فيها. وعلى قول الربيع بن أنس، أن النبي ﵇ والمسلمين، كانوا مأمورين- بعد نزول الآية- بقتال من قاتل دون من كف عنهم، سواء كان ممن يتدين بالقتال أو لا يتدين «٤» وليس بصحيح. وروي عن عمر بن عبد العزيز في قوله: (الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) قال: ذلك في النساء والذرية، فعلى هذا لا نسخ في الآية. ويحتمل أن يقال: إن قوله تعالى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) «٥» ، عام في الرجال والنساء والصبيان، وهم يقتلون إذا كانت المصلحة في قتلهم، على ما عرف من مذهب الشافعي ﵀ فيه.

стр. 91

وإذا كانت المرأة مقاتلة بالمال والرأي والتدبير، وكانت ذات عز في قومها، فيجب قتلها، وإذا كانت المصلحة في استرقاقها، فنفع الاسترقاق إذا أوفى على قتلها، فلا يجوز قتلها. قوله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) ، يعني كفرهم وتعذيبهم للمؤمنين، في البلد الحرام والشهر الحرام، أعظم مأثما من القتل في الشهر الحرام «١» ، وأنه إذا كان يتوقع منهم مثل ذلك، وجب قتلهم في البلد الحرام وفي الشهر الحرام، وكذلك معنى قوله: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) ، فعلل القتال والقتل بهذا المعنى، وهذا يستوي فيه الحرم وغيره، والشهر الحرام وغيره. وكذلك قاله الربيع بن أنس فإنه قال: قوله تعالى: (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) . منسوخ بقوله تعالى: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) . وقال قتادة: هو منسوخ بقوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) .، وقد نزل قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) «٢» في سورة براءة (التوبة) بعد سورة البقرة، والذي كان من خطبة رسول الله ﷺ يوم الفتح، وقوله فيها: «إن الله تعالى حرم مكة» الحديث «٣» ، نسخه ما بعده، وسورة براءة فإنها

стр. 92

نزلت بعد ذلك بمدة «١» . وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع: الفتنة في قوله: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) ، الشرك بالله. وقيل: إنما سمي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك كما تؤدي إليه الفتنة.. قوله تعالى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ «٢» وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) (١٩١) : صفة مشركي قريش، فلم يدخل أهل الكتاب في هذا الحكم، فلا جرم لا تقبل الجزية من المشركين لقوله تعالى: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) - يعني كفر- (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) . فمد القتال في حقهم إلى غاية وجود الإسلام، وفي حق أهل الكتاب إلى غاية وجود الجزية في قوله: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ) «٣» لأنهم إذا أعطوا الجزية حصلت منفعة المسلمين، إلا في حق من لا يقنع منه بالجزية لعظم جريمته. وبنى الشافعي ﵀ على ذلك جواز قتل النساء المرتدات، لعظم جرائمهن وكبر ذنوبهن، وأن ذلك لا يندفع بالاسترقاق ومنفعته، كما لا يندفع بالجزية، وليس إذا عدم القتال منهن فلا مصلحة في قتلهن، بل في قتلهن مصالح منها:

стр. 93

منعهن عن إمداد الرجال بالأموال، وبالحث على القتال بإنشاد الأشعار المحركة لطباعهم، فإنه إذا حدث الحرب بالعرب أبرزن النساء باعثات على الحرب متناشدات بالأشعار، وذلك من أعظم الفتن، وترى الواحد منهم يقتل نفسه ويرد الأمان قائلا: بأن نساء الحي لا يتحدثن عني بالجزع في القتال وطلب الأمان. ففي قتلهن على هذا الوجه مصالح عظيمة، وهل يقاتل أكثر الناس إلا ذبا عن النساء؟ غير أنهن إذا حصلن في السبي، فالاسترقاق أنفع لسرعة إسلامهن ورجوعهن عن أديانهن، وبعد فرارهن إلى أوطانهن بخلاف الرجال. وليس يتوقع من القتال إلا أذية المسلمين، وذلك يحصل للمسلمين بما يصدر منهن وإن لم يباشرن القتال، ولم تكن فتنة فني بها خلق في الأكثر، إلا كان سببه أمور النساء، والذي كان من شؤم البسوس «١» ورعيف حولا وغيرهما، مما نتج الحروب العظيمة وهيج الفتن الهائلة مشهور معروف.. قوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ) «٢» الآية. (١٩٤) روي عن الحسن أن مشركي العرب قالوا للنبي ﷺ : أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام؟ .. قال: نعم، فأراد المشركين أن يغتروه في الشهر الحرام فيقاتلوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية «٣» ..

стр. 94

يعني إذا استحلوا منكم فاستحلوا منهم مثله. وروي عن ابن عباس والربيع بن أنس والضحاك، أن قريشا لما ردت رسول الله عام الحديبية- محرما في ذي القعدة- عن البلد الحرام فأعاده الله إليه في مثل ذلك الوقت فقضى عمرته، وأقصه لما حيل بينه وبينه في يوم الحديبية «١» ، فيكون على هذا التقدير إخبارا بما أقصه الله تعالى من الشهر الحرام، الذي صده المشركون فيه عن البيت بشهر مثله في العام القابل، ويتضمن مع ذلك أمرا بالقتال. فإن قيل: إنه إذا حمل اللفظ على حقيقة الجزاء انتفى كونه أمرا، فيقال: يجوز أن يكون الإخبار حاصلا في تعويض الله تعالى نبيه من فوات العمرة في الشهر الحرام، الذي صده فيه المشركون عن البيت، بشهر مثله في العام القابل، وكانت حرمة الشهر الذي أبدل كحرمة الشهر الذي فات، فلذلك قال: (وَالْحُرُماتُ «٢» قِصاصٌ) ، ثم عقب ذلك بقوله: (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ) (١٩٤) . فأبان أنهم إذا قاتلوهم في الشهر الحرام، فعليهم أن يقاتلوهم فيه، وإن لم يجز الابتداء.. ويحتمل أن يكون الابتداء جزاء على ما كان من سابق فعلهم في

стр. 95

مثل ذلك الوقت، ولا يكون قوله (فَمَنِ اعْتَدى) لاستثناء وحكم، بل يكون معناه: فمن اعتدى في الماضي بهتك حرماتكم في الشهر الحرام في البلد الحرام فاعتدوا عليه الآن بمثل ما اعتدى عليكم في الماضي، فيكون ذلك إباحة للقتال مطلقا في كل موضع وفي كل وقت، ويحتج بذلك في مراعاة المماثلة في القصاص على ما يقوله الشافعي ﵀.. قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) «١» الآية ١٩٥، روى يزيد بن حبيب عن أسلم بن أبي عمران أنه قال: غزونا القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: سبحان الله، أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار، لما نصر الله تعالى نبيه، وأظهر دينه. قلنا هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، والإلقاء بالأيدي إلى التهلكة، أن نقيم في أموالنا فنصلحها وندع الجهاد.. قال الراوي: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية، فأخبر أبو أيوب أن الإلقاء باليد إلى التهلكة، هو ترك الجهاد في سبيل الله، وأن الآية نزلت في ذلك..

стр. 96

وروى مثله عن ابن عباس، والحسن، وحذيفة، وقتادة، ومجاهد والضحاك. وروي عن البراء بن عازب، أن الإلقاء باليد إلى التهلكة، هو اليأس من الرحمة بارتكاب المعاصي. وقيل: هو الإسراف في الإنفاق حتى لا يجد ما ينفق فيتلف. وقيل: هو أن يقتحم الحرب من غير نكاية في العدو. وقال محمد بن الحسن في السير الكبير: لو حمل رجل واحد على ألف من المشركين وهو وحده، لم يكن به بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه، لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين. فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل ما صنعه، فلا يبعد جوازه، لأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه. وإن كان قصده إرهاب العدو، ليعلم العدو صلابة المسلمين في الدين، فلا يبعد جوازه، وإذا كان فيه نفع للمسلمين، فيتلف نفسه لإعزاز الدين وتوهين الكفر، فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: (اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ) الآية «١» ..، إلى غيرها من آيات مدح الله بها من يذل نفسه لله . وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل، كان في أعلى درجات الشهداء، قال الله تعالى:

стр. 97

(وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) «١» .. وقد روي عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﵇ أنه قال: «أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله» «٢» . وروي أبو سعيد الخدري عن النبي ﵇ أنه قال: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» . وروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «شر ما في رجل شحّ هالع، وجبن خالع» . وقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) (١٩٦) . فالمنقول عن عمر وعلي وسعيد بن جبير وطاوس، أن الإتمام فيهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.. وقال مجاهد: إتمامهما بلوغ آخرهما بعد الدخول فيهما، وذلك أشبه بالظاهر، ودل عليه ما بعده فإنه قال: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) ، والإحصار إنما يمنع الإتمام بعد الشروع، ويوجب ما استيسر من الهدى عند ذلك قد وجب الإتمام إجماعا، ويظهر أن مأخذ وجوبه هذه الآية، ولا فصل فيه بين الحج الأول والثاني، والعمرة الأولى والثانية.

стр. 98

قوله تعالى (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) «١» الآية. ذكر بعض أهل اللغة أنه لا يقال في العدو «أحصرتم» وإنما يقال حصرتم «٢» ، وهو كقوله حبسه إذا جعله في الحبس، وأحبسه أي عرضه للحبس، وقتله إذا أوقع به القتل، وأقتله إذا عرضه للقتل، وقبره إذا جعله في القبر، وأقبره عرضه للدفن في القبر، كذلك حصره حبسه وأوقع به الحصر، وأحصره عرضه للحصر. فإذا كان كذلك، فالعدو إذا كان بعيدا منه على الطريق، فهذا هو التعريض للحصر، وهو متعرض به لأن ينحصر، وليس بمحصور في الحال ولا محبوسا، ولكنه معرض لذلك، فتقدير الآية: فإن عرضتم للحبس والمنع، وإن لم يلحقكم في الحال حصر ولا منع، وذلك إنما يكون بالعدو، أما المريض فقد احتبس عليه المضي في الحال، فليس هو معرضا بل هو محصور في الحال، وقد حصره المرض ولذلك قال ابن عباس «٣» ذهب الحصر الآن. وكذلك نزلت هذه الآية في شأن الحديبية، وما كان من حصر إلا العدو ولا يجوز أن لا يذكر سبب النزول ويذكر غيره، مما يدل على العدو بطريق الاستنباط والدلالة..

стр. 99

وقال تعالى بعد قوله: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) ، (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً) ، فلو كان المرض مذكورا في أول الآية، لم يذكر المرض بعده، وإذا ذكر المرض في أول الآية، وكان يحل بذلك الدم المذبوح في محله، لم يكن يحتاج إلى فدية. ولا يجوز أن يكون المرض ها هنا هوام الرأس، فإنه ذكر ذلك بعد المرض فقال: (مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ) . ولهم أن يقولوا: لعله أباح ذلك قبل أن يبلغ الهدى محله، إذا حلق للأذى والمرض، أو عنى به مرضا لا يمنعه من الوصول إلى البيت، وإلا فأي معنى لذكر المرض عند ذكر الإحلال، وحكمه عند عدم الإحلام يثبت؟ ويحتمل على موجب مذهب أبي حنيفة أن قوله: فمن كان منكم مريضا، عائدا إلى أول الخطاب، كما عاد إليه حكم الإحصار وهو قوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) ، ثم عطف عليه قوله: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) أي صددتم عن الإتمام، ثم عقب بقوله (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ) . يعني أيها المحرمون بالحج والعمرة، ليكون على هذا الرأي مثبتا حكم المريض، إذا صد عن الإتمام أن الذي يجب عليه ما استيسر من الهدي، وأنه إن لم يكن المريض ممنوعا من الإتمام، فحكمه كذلك، ليكون قد بين حكم المرض دون الإحصار، والمرض عند الإحصار.. فقيل لهم: فقد قال: (فَإِذا أَمِنْتُمْ) ، وذلك إنما يطلق على العدو لأن الأمن نقيض الخوف، ويقال في نقيض المرض الشفاء.

стр. 100

نعم قد يقال: أمن المرض وزال الخوف منه، ولكن لا يطلق اسم الأمن عليه غالبا. وحكي عن ابن الزبير، أنه لا يتحلل بالعدو والمرض إلا بأن يلقى البيت ويطوف «١» .. وقال ابن سيرين: الإحصار يكون من الحج دون العمرة، وذهب إلى أن العمرة غير مؤقتة وأنه لا يخشى الفوات.. والمذهبان مختلفان لنص الخبر عام الحديبية، فإنه ﵇ تحلل من عمرته وكان محرما بها.. قوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) الآية (١٩٦) : زعموا أن مطلق المحل هو الحرم، لقوله : (ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) «٢» . وقال في موضع آخر: (هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ) «٣» فجعل بلوغ الكعبة من صفات الهدي، كما يجعل التتابع من صفات الصوم ولا خفاء بوجه الجواب عن هذا «٤» . فقيل لهم: فقد قال الله تعالى: (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ)

стр. 101

(مَحِلَّهُ) «١» ، فأجابوا بأن ذلك هو الدليل على أن المحل هو الحرم. فقيل لهم: هو كذلك في غير المحصر وهو الأصل، فالإحصار عذر نادر، ودل قوله تعالى: (مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) ، أن رسول الله ﷺ تحلل بذبح وقع في الحل. فأجابوا بأن النبي ﵇ ذبح في الحرم، ولكن لما حصل أدنى منع، جاز أن يقال: إنهم منعوا لمنعهم الهدي بديا قبل الصلح، كما وصف المشركين بصد المسلمين عن المسجد الحرام، وإن كانوا أطلقوا بعد ذلك، وقال سبحانه: (يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) «٢» ، وإنما منعوه في وقت وأطلقوه في وقت آخر. وقد جوز مالك والشافعي وأبو حنيفة، ذبح هدي الإحصار في الحج متى شاء. وأبو يوسف ومحمد والثوري لا يرون الذبح قبل يوم النحر، فكأنهم يقيسون الزمان على المكان، ويستدلون بقوله تعالى: (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ، والمحل يقع على الوقت والمكان جميعا فكان عموما. ولا شك أن الله تعالى ذكر العمرة أيضا، ووردت الآية في صلح الحديبية، وهدي العمرة لا يتأقت بزمان بالاتفاق. ولهم أن يقولوا: في الآية ذكر الحج والعمرة، وذكر محل الهدي فهو عموم إلا ما خصه دليل الإجماع. ونقول من طريق النظر: إن الإختصاص بمكان التحلل، يدل على

стр. 102

الإختصاص بزمان التحلل، وزمان التحلل هو يوم النحر، وهذا على أصل أبي حنيفة لازم، أما الشافعي فإنه يعتبر معنى الحاجة في جواز ترك الزمان والمكان جميعا، نظرا إلى معنى الرخصة. ولما قال تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ، ظهر منه أنه إذا بلغ الهدي محله جاز الحلق، وليس فيه دليل على وجوبه، بل يجوز أن يكون استباحة المحظور الذي كان، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد. وأبو يوسف يوجبه في رواية. والذي لا يوجب الحلق يقول: إنه لما سقط عنه سائر المناسك التي لم يتعذر فعلها، مثل الوقوف بالمزدلفة، ورمي الجمار، ولم يمكنه الوصول إلى البيت، ولا الوقوف بعرفة، فلا يلزمه الوقوف بالمزدلفة، ولا رمي الجمار مع إمكانهما، لأنهما مرتبان على مناسك تتقدمهما، كذلك الحلق مرتب على أفعال أخر، لم يكن فعله قبلها نسكا. وحجة أبي يوسف أنه ﷺ : أمر بالحلق وترحم على المحلقين ثلاثا. ويجاب عنه بأنه أمر وأعاد القول، لأنه أراد أن يتحللوا ويرجعوا وما كانوا يفعلون، لأنهم كانوا ينتظرون نزول القضاء، بأمر يمكنهم به الوصول إلى العمرة، ثم إن النبي ﷺ بدأ فنحر هديه وحلق رأسه، فلما رأوه كذلك، حلق بعضهم وقصر بعضهم، فدعا للمحلقين ثلاثا لمبالغتهم في متابعة رسول الله، ومسارعتهم إلى أمره.. ولما قيل له: يا رسول الله، دعوت للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة؟

стр. 103

قال: لأنهم لم يشكوا، يعني أنهم لم يشكوا في أن الحلق أفضل من التقصير، واستحقوا الثواب للمتابعة.. قوله: (فَإِذا أَمِنْتُمْ «١» فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) . الآية (١٩٦) . ذكر ذلك بعد ما ذكر شأن المحصر، فقال ابن عباس وابن مسعود: على المحصر بعد زوال الإحصار حجة وعمرة، فإن جمع بينهما في أشهر الحج، فهو متمتع وعليه دم، وإن لم يجمعهما في أشهر الحج فلا دم عليه. وهو قول علقمة، والحسن، وإبراهيم، والقاسم، وسالم، ومحمد بن سيرين، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه. وإنما يوجب عليه أبو حنيفة حجة وعمرة، إذا حل بالدم ولم يحج من عامه ذلك، ولو أنه حل من إحرامه قبل يوم النحر، ثم زال الإحصار فأحرم بالحج، ثم حج من علمه لم يكن عليه عمرة، لأنه رأى أن هذه العمرة إنما هي العمرة التي تلزم بالفوات، لأن من فاته الحج فعليه التحلل لعمل العمرة، فلما حصل حجه فائتا كان عليه عمرة للفوات. والدم الذي عليه في الإحصار، إنما هو لتعجل إحلاله، لا لقيام الدم مقام الأعمال التي تلزم بالفوات، إذ الدم لا يقوم مقام تلك الأعمال «٢» ، ويدل على ذلك: أن الدم لو قام مقام الأعمال، ما جاز الدم قبل الفوات، كما لا يجوز فعل العمرة التي لا تلزم بالفوات قبل الفوات، لعدم وقتها

стр. 104

وسببها، ودم الإحصار يجوز ذبحه والإحلال به قبل الفوات، وهو يوم النحر. وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومحمد «١» ، وإن خالف فيه أبو يوسف «٢» في رواية: فرأى أن الدم بالإحلال لا على أنه قائم مقام أعمال العمرة، فدل أن الدم يتعلق بتعجيل الإحلال. وهذا من أبي حنيفة دليل دال، على أنه يجعل أعمال من فاته الحج، أعمال العمرة وهذا بعيد، فإنه لم ينو إلا الحج وما لزمه غيره، غير أنه إذا فاته من أعمال الحج ما يتأقت، وهو الوقوف، وجب أن يأتي منها بما لا يتأقت، فالمؤدي أعمال الحج لا غير، إلا أنه رخص في المحصر أن يتحلل، ولا يأتي بأفعال الحج، لا أن عليه مع الحج عمرة حتى يقضي الحج ويتداركه مع العمرة، ولو أمكن تدارك الوقوف دون غيره لفعل، ولكنه غير ممكن، فلا بيان لقوله في إيجاب العمرة مع الحج. وإذا لم يحل المحصر حتى فاته الحج، ووصل إلى البيت، فعليه أن يتحلل بعمل عمرة. وقال مالك: يجوز له أن يبقى محرما حتى يحج في السنة الآتية. وقال: وإن شاء تحلل لعمل عمرة، ولا يجوز ذلك لفائت الحج لتقصيره، وكأنه يقول: جاز له التحلل نظرا له، فإذا اختار الضرر فله ذلك، وهذا بعيد. فإنه لو جاز له استبقاء الإحرام، لما جاز التحلل كما لا يجوز له التحلل في السنة الأولى، حين أمكن فعل الحج به، ولقوله وجه على كل حال..

стр. 105

ولا يوجب الشافعي ومالك على المحصر في حجة التطوع قضاء من قابل. وأبو حنيفة يحتج بأن آية الإحصار، نزلت في عام الحديبية، ورسول الله ﷺ ، معتمر، وكان قد اعتمر من قبل الهجرة مرارا، وقضى العمرة في القابل، وسميت عمرة القضاء «١» .. وعندنا يجوز أن يقضي وإنما الكلام في الوجوب.. ولما قال تعالى في المحصر: (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ، قال أبو حنيفة: إذا لم يجد المحصر هديا، لا يحل حتى يجد هديا ويذبح عنه. وقال الشافعي في قول: يحل ويذبح إذا قدر. وقيل: إن لم يقدر على دم أجزأه، وعليه الطعام، أو الصيام إن لم يجد «٢» ولم يقدر، وقاسه على دم المتمتع. واحتج محمد بن الحسن، بأن هدي المتمتع منصوص عليه، وهدي المحصر كذلك، فلا يقاس المنصوصات بعضها على بعض. وذكر غيره أن الكفارات بالقياس لا يجوز إثباته، ووجه الجواب عنه بين. قوله تعالى: (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ) إلى قوله: (فَفِدْيَةٌ)

стр. 106

(مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) «١» . وقوله تعالى: (أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ) ، يفيد أنه لو كان به قروح في رأسه، أو جراح، فاحتاج إلى سده وتغطيته، كان حكمه في الفدية حكم الحلق، وكذلك سائر الأمراض التي تصيبه، واحتاج معها إلى لبس الثياب جاز له أن يستبيح ذلك ويفتدى. لأن الله تعالى لم يخصص شيئا من ذلك، فهو عموم في الكل. فعلى هذا إن قال قائل: (أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ) معناه: فحلق، ففدية قبل الحلق «٢» ، وهو غير مذكور وإن كان مرادا، وكذلك اللبس وتغطية الرأس، كل ذلك غير مذكور وهو مراد، لأن المعنى فيه استباحة ما يحظره الإحرام للعذر، وكذلك لو لم يكن مريضا وكان به أذى في بدنه، يحتاج معه إلى حلق الشعر، كان في حكم الرأس في باب الفدية، إذ كان المعنى معقولا وهو استباحة ما يحرمه الإحرام في حالة العذر. وصيام الجبرانات «٣» ثلاثة أيام في خبر كعب بن عجرة، ويحكى فيه خلاف ذلك عن الحسن وعكرمة، وأن الصيام لها عشرة أيام كصيام المتمتع. وأما النسك فأقله شاة. والفدية بالصدقة، أن يطعم ستة مساكين ثلاثة آصع من تمر أو

стр. 107

طعام، فأما الصدقة بالطعام والدم، فيمكنه عند الشافعي، والصيام، حيث شاء، وأبو حنيفة يجوز الصدقة حيث شاء، لمطلق قوله ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، غير أن الدم اختص بالحرم بقوله: (ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) ، وقال: (هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ) . والشافعي يرى أن وجوب الذبح متى كان في الحرم، أوجب اختصاص التصدق باللحم بالحرم أيضا، وهذا أيضا مذكور في علم الخلاف.. قوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) الآية..، والتمتع كرهه عمر، لأنه أحب عمارة البيت بكثرة الزوار له في غير الموسم، وأراد إدخال الرفق على أهل الحرم بدخول الناس إليهم، تحقيقا لدعوة إبراهيم ﵇ بقوله: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) «١» . ورخص الشرع في ذلك نظرا لأرباب الدور البعيدة «٢» ، وليجمعوا بين النسكين في أيام الحج، مراغمة لأهل الجاهلية، في جعلهم العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور وأكبر الكبائر. وسماه الله تعالى تمتعا، لأنه تمتع بربح سفر العمرة. ولزمه الدم لذلك، ولم يجب على حاضري المسجد الحرام، لأنهم لم يربحوا سفرا. وأبو حنيفة يقول: لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام، فإن قرن منهم قارن أو تمتع، فهو مخطئ، وعليه دم لا يأكل منه، لأنه ليس هو بدم متعة، إنما هو دم جناية.

стр. 108

والشافعي يقول: لهم أن يتمتعوا بلا هدي.. واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى: (ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ «١» حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) . فانصرف ظاهره إلى القرآن والمتعة، أي: ليس للحاضرين ذلك، ولو كان المراد به الدم لقال: «ذلك على من لم يكن» . والشافعي يقول: لهم، بمعنى عليهم، وإلا فالنسك لا يختلف في متعة أهل مكة من القرآن. والتمتع دليل على أن القرآن رخصة، لكنه رآها لأرباب المسافة البعيدة، وذلك يقتضي كون الإقران أفضل، لأن الرخصة لا تكون أفضل، بل هي لمكان الحاجة، وكونه رخصة، يقتضي كون الدم دم جبر، حتى لا يؤكل منه خلافا لأبي حنيفة. ثم اعتقد أبو حنيفة أن استثناء أهل مكة، إنما كان لإلمامهم بالأهل، فالإلمام بالأهل بين العمرة والحج في حق الآفاقي، يمنع كونه متمتعا، ولم ينظر إلى صورة السفر، وقال: إذا خرج من مكة حتى جاوز الميقات، فهو متمتع، إن حج من عامه ذلك، إذا لم يلم بأهله بعد العمرة. وقال أبو يوسف: إنه ليس بمتمتع، لأن ميقاته الآن في الحج ميقات أهل بلده، لأن الميقات صار بينه وبين مكة، فكان بمنزلة عوده إلى أهله، وزعموا أنه لو أحرم بالعمرة في رمضان، واعتمر في شوال، وحج من عامه، كان متمتعا، وإن وقع الإحرام في غير أشهر الحج،

стр. 109

وقالوا: يعتبر وقوع أكثر الطواف في أشهر الحج، فإن وقع في «١» غيره لم يكن متمتعا، يعني الأكثر. وشيء من ذلك لا يعتبر عندنا.. وأما حاضري المسجد الحرام، فهم من كان دون مسافة القصر عند الشافعي، ودون الميقات عند أبي حنيفة، ويبعد جعل أهل ذي الحليفة من حاضري المسجد الحرام، وبينهم وبين مكة مسيرة عشرة أيام. وذكر عبد الله بن الزبير، وعروة بن الزبير متعة أخرى: وهو أن يحصر الحاج المفرد بمرض أو أمر يحبسه فيقدم فيجعلها عمرة، ويتمتع بحجه إلى العام القابل ويحج، فهدا المتمتع بالعمرة إلى الحج، فكان من مذهبه أن المحصر لا يحل، ولكنه يبقى على إحرامه، حتى ينحر عنه الهدي يوم النحر، ثم يحلق ويبقي على إحرامه، حتى يقدم مكة فيتحلل بعمل عمرة من حجه.. والذي ذكره ابن الزبير بخلاف عموم قوله: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) بعد قوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) ، ولم يفصل في حكم الإحصار بين الحج والعمرة، والنبي ﵇ وأصحابه، حين حصروا بالحديبية، حلق وحل وأمرهم بالإحلال، وعلى أن الذي يلزم بالفوات، ليس بعمرة، وإنما هو مثل عمل عمرة، وهي من أعمال الحج. والله يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) . فجعل الهدي معلقا بفعل العمرة والحج،

стр. 110

والدم الذي يلزمه هو بالإحصار، غير متعلق بوجود الحج بعد العمرة، وهذه المتعة هي الإحلال إلى النساء، لا على الوجه الذي ذكرناه من الجمع بين العمرة والحج في أشهر الحج. نعم إذا بان أنه ليس بعمرة، فالذي قاله أبو حنيفة، من وجوب قضاء الحج والعمرة على المحصر بعد التحلل ليس بصحيح. المتعة الأخرى: وهي فسخ الحج، إذا طاف له قبل يوم النحر، وهذا الحكم غير ثابت، إلا على قول ابن عباس، فإنه كان يراه على ما رواه عطاء عنه، وأنه كان يقول: لا يطوف أحد بالبيت قبل يوم النحر إلا حل من حجه، فقيل له: من أين قلت ذلك؟ .. فقال: من سنة رسول الله ﷺ ، وأمره الناس في حجة الوداع أن يحلوا، ومن قول الله تعالى: (ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) ، وتظاهرت الأخبار أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه بفسخ الحج، من لم يكن معه منهم هدي، ولم يحل هو ﵇ وقال: «إني سقت الهدى فلا أحل إلى يوم النحر» ، ثم أمرهم فأحرموا بالحج يوم التروية، حين أرادوا الخروج إلى منى، وهي إحدى المتعتين اللتين قال عمر: متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهي عنهما وأضرب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج. وروي عن بلال بن الحارث «١» المزني أنه قال: قلت: يا رسول
следующие страницы →