← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23582

أحكام القرآن للكيا الهراسي

الكيا الهراسي

Полный текст (904 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فأجابوا بأن سياق الآية يدل على الإختصاص بالحرة لأنه قال: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) «١» . ثم قال: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) «٢» . وكل ذلك مخصوص بالحرة، غير متصور في الأمة بحال. ولأنه تعالى قال بعده: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا» أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) «٤» . فلو كان اسم المحصنات يتناول الإماء لما قال: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) ، فدل أن المحصنة المذكورة ها هنا هي الحرة، فلا تعلق للمخالف بالآية. ولهم أن يقولوا على ما تعلقنا به من عموم لفظ المشركة: إن الآية ظاهرها الحرة، فإنه تعالى قال: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) ولو كانت المشركة عامة في الجميع، لما صح هذا القول.

стр. 142

فعلم أن الآية سيقت لبيان تحريم المشركات الحرائر، ثم المشركات الإماء معلومات من طريق الفحوى والأولى. وظن قوم أن قوله تعالى: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) ، يدل على جواز نكاح الأمة مع وجود الطول، لأن الله تعال أمر المؤمنين بتزويج «١» الأمة المؤمنة، بدلا من الحرة المشركة التي تعجبهم لوجدان الطول إليها، وواجد الطول إلى الحرة المشركة، هو واحده إلى الحرة المسلمة. وهذا غلط من الكلام فإنه ليس في قوله: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) ذكر نكاح الإماء في تلك الحال، وأنه لا خلاف في أن نكاح الإماء مكروه مع القدرة على طول الحرة، وإنما ذلك تنفير عن نكاح الحرة المشركة، فإن العرب كانوا بطباعهم نافرين عن نكاح الإماء، فقال: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) ، فإذا نفرتم عن نكاح الأمة المسلمة فإن المشركة أولى بأن تكرهوا نكاحها. قوله تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) الآية (٢٢٢) : قد يكون اسما للحيض نفسه. ويجوز أيضا أن يكون موضع الحيض كالمقيل والمبيت، وهو موضع القيلولة والبيتوتة «٢» . ودل اللفظ على أن المراد بالمحيض ها هنا الحيض، لأن الجواب ورد

стр. 143

بقوله: (قُلْ هُوَ أَذىً) ، وذلك صفة لنفس الحيض لا للموضع الذي فيه. ويحتمل أن يقال: قوله (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ) ، هو موضع الحيض، لأن الاعتزال في المحيض لا يتحقق له معنى إذا أراد به نفس الدم. وقد كان اليهود يتجنبون مؤاكلة النساء ومشاربتهن ومجالستهن في الحيض، فنسخ الإسلام ذلك، فسأل المسلمون عن الوطء، وقالوا: ألا نطأهن يا رسول الله؟ يعني أنه إذا لم نجتنب سائر الأعضاء منهن، فلا نجتنب موضع الحيض؟ فاستثنى الله تعالى موضع الحيض بقوله: (قُلْ هُوَ أَذىً) «١» ، أي موضع الأذى، وإلا فنفس الدم مجتنب ولا يقرب، وقد عرفوا نجاسته، فإن النجاسة مجتنبة، وذلك يقتضي كون التحريم مختصا بموضع الأذى، وهو الصحيح من مذهب الشافعي. وعبر عن الموضع بالأذى، مع أن الأذى ليس عبارة عن نفس النجاسة، بل هو كناية عن العيافة «٢» في حق متوخي النظافة. وأبو حنيفة يحرم ما تحت الإزار، ويحتج بأن قوله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ) ، دال على حظر ما فوق الإزار وما تحته، غير أنه قام الدليل فيما فوق الإزار في الإباحة، وبقي ما دونه على حكم العموم.

стр. 144

وهذا غير صحيح، فإنهم إنما سألوا بناء على ما علموا من استباحة مخالطتها في المأكل والمشرب والفراش، وإنما سألوا عن الوطء فقط، فلا يجوز أن تكون الآية دالة على الاعتزال المطلق، مع ما ذكرناه. وإنما معنى الآية: قل هو أذى فاعتزلوا إتيان النساء في المحيض، أو وطء النساء في المحيض، فهو مضمر محذوف دل عليه ما بعده وهو قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) . فمد التحريم إلى غاية التحليل، فذكر بعد الغاية الإتيان، فدل أن المحرم قبله هو الإتيان فقط. ويدل عليه حديث حماد بن سلمة عن ثابت بن أنس، أن اليهود كانوا يخرجون الحائض من البيت، ولا يؤاكلونها ولا يجامعونها في بيت، فسئل النبي ﵇ عن ذلك، فأنزل الله تعالى: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً) ، فقال ﷺ : «جامعوهن في البيوت وافعلوا كل شيء إلا النكاح» «١» .. وروي عن عائشة أن النبي ﵇ قال لها: «ناوليني الخمرة، فقالت: إني حائض، فقال: ليست حيضتك في يدك» «٢» .. وذلك يدل على حل كل عضو ليس فيه حيض، فهذا يدل على معنى الآية..

стр. 145

قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) . تنازع أهل العلم في معناه: فقال قوم: هو انقطاع الدم، فيجوز وطؤها بعد انقطاع الدم، من غير فرق بين أقل الحيض وأكثره. ومنهم من حرم قبل الغسل، من غير فرق بين أقل الحيض أو أكثره، وهو قول الشافعي. وأبو حنيفة أباحه قبل الغسل، إذا انقطع الدم على الأكثر، وحرم إذا انقطع على ما دون الأكثر، مع وجوب الغسل عليها، مع الحكم بطهارتها. أما من أتاح الوطء مطلقا، فإنه يتعلق بقوله تعالى: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) ، ومعلوم أنها طاهرة وإنما أراد به: حتى يطهرن من العارض وهو الحيض. ويقال: طهرت من الحيض والنفاس «إذا زال الحيض والنفاس، ولذلك يقال زمان الطهر وزمان الحيض» «١» ، وإنما هو زمان طهر المرأة وإن لم تغتسل للأكثر. وإذا لم تكن حائضا فهي طاهرة، وليس بين كونها حائضا وطاهرة درجة ثالثة، فقد طهرت إذا. فهذا قول ظاهر إلا أن قوله: (فَإِذا تَطَهَّرْنَ) ، يخالف هذا المذهب ظاهره،

стр. 146

وكذلك قراءة التثقيل في قوله (حَتَّى يَطْهُرْنَ) . وفيه احتمال. وهو أن يكون معنى قوله: (فَإِذا تَطَهَّرْنَ) ، أي إذا حل لهن التطهر بالماء والتيمم، كما قال ﷺ : «إذا غابت الشمس أفطر الصائم» أي حل له أن يفطر. وقال: «من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل» «١» ، أي حل له أن يحل. ويقال للمطلقة إذا انقضت عدتها، إنها قد حلت للأزواج، ومعناه: أنه حل لها أن تتزوج. وقال النبي ﵇ لفاطمة بنت قيس: «إذا حللت فآذنيني» «٢» وإذا احتمل ذلك، لم تزل الغاية عن حقيقتها بحظر الوطء بعدها فهذا أمر محتمل. إلا أن الذي ينصر مذهب الشافعي يقول: إن الله تعالى قال: (قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) . فيقتضي ذلك حتى يطهرن من الأذى وهو العيافة، وذلك لا يحصل بنفس انقطاع الدم قبل الاغتسال، ولذلك يسن لها أن تتبع بفرصة من مسك أثر الدم لإزالة بقية العيافة.

стр. 147

فالذي يستحب هذا القدر، كيف يرى زوال الأذى بمجرد انقطاع الدم، ثم لما قال تعالى: (فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) قال: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) ، وذلك يدل دلالة ظاهرة على تعلق قوله: (فَإِذا تَطَهَّرْنَ) بقوله: (يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) . وإنما يحب الله تعالى المتطهرين باختيارهم لا غير، فليكن قوله: (فَإِذا تَطَهَّرْنَ) محمولا على التطهر بالاختيار وهو فعل، ويكون قوله أخيرا، بيانا لما تقدم، وهذا على مذهب الشافعي، فأما أبو حنيفة، فإن بعض الأصوليين من أصحابه يقول: إنا نعمل بالقراءتين، فنحمل القراءة المشددة في قوله: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) على انقطاع الدم على ما دون الأكثر، فإن عند ذلك لا يحل الوطء قبل الغسل، والقراءة المخففة في قوله (حَتَّى يَطْهُرْنَ) على انقطاع الدم على الأكثر. وهذا قول بعيد، وأقل ما فيه إخراج قوله تعالى: (فَإِذا تَطَهَّرْنَ) عن كونه حقيقة في الاغتسال، إذا حمل على انقطاع الدم على الأكثر، وحمله على حقيقته في الاغتسال، إذا كان انقطاع الدم على ما دون الأكثر، وذلك بعيد جدا. ولأن الآية لو كانت متناولة للحالتين، كان تقدير الكلام: «حتى يغتسلن» في آية «ولا يغتسلن» في آية أخرى، أو قراءة أخرى، ويكون ذكر المحيط متناولا لهما جميعا، ولا يكون فيه بيان المقصود، فيكون مجملا غير مفيد للبيان.

стр. 148

ولأنه إذا كانت قراءة التشديد حقيقة في الاغتسال، وقد حملوها على انقطاع الدم فيما دون الأكثر، فيجب أن يتوقف الحل فيه على الاغتسال، وقد قالوا: «إذا دخل وقت الصلاة وإن لم تغتسل حل للزوج وطؤها» . فجعلوا وجوب الصلاة والصوم مجوزا للوطء، ولم يجعلوا وجوب الغسل مجوزا. فإن حملوا قراءة التشديد على الغسل، لزمهم أن يوقفوا الحل على الغسل، فلا هم عملوا بقراءة التخفيف ولا بقراءة التشديد، وإن موهوا باعتذارات في وجوب الصلاة، فلا أثر لها في إخراج قراءة التشديد عن كونها حقيقة، ومقصودهم مراعاة القراءتين، في إلحاق إحداهما بالحقيقة والأخرى بالمجاز.. قوله تعالى (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ «١» لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) (٢٢٣) : فالحرث المزدرع، وهو في هذا الموضع كناية عن الجماع، وتسمى النساء حرثا لأنهن مزدرع الأولاد «٢» . وقال أكثر الفقهاء: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) ، يدل على أن المراد به موضع الحرث.

стр. 149

واشتهر عن مالك إباحة «١» ذلك. وقوله (أَنَّى شِئْتُمْ) يحتمل كيف شئتم، ويحتمل أين شئتم «٢» فلفظ (أَنَّى) يحتملهما جميعا. وروي عن جابر أن اليهود قالوا للمسلمين: «من أتى امرأته وهي مدبرة جاء ولده أحول» «٣» ، فأنزل الله تعالى: (نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) فقال رسول الله ﷺ : «مقبلة ومدبرة ما كان في الفرج» . ومالك يحتج بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) «٤» ، وأن عموم ذلك يقتضي إباحة وطئهن في الموضع الذي جوزنا وطأهن فيه. قيل قوله: (إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ) دال على الإباحة المطلقة لا على موضع الإباحة، كما لم يدل على وقت الإباحة في الحائض وغيرها. ومما تعلق به من حرم الوطء أن قوله تعالى: (قُلْ هُوَ أَذىً) ، تعليل تحريم وطء الحائض، بما يقتضي تحريم الوطء في الذي ينازعنا فيه فإنه موضع الأذى.

стр. 150

وهذا المعنى كان يقتضي تحريم وطء المستحاضة، لولا الحرج في تحريم وطئها، لطول أمد الاستحاضة. ومعنى الأذى ليس يستقل بتحريم الوطء، لولا إيماء الشرع إليه. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن قولنا: «ليس هذا موضع الحرث» ، لا يظهر دلالته على تحريم الوطء فيه، كالوطء فيما دون الفرج، ولكن دليل التحريم مأخوذ من غير ذلك في قوله تعالى: (فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) مع قوله تعالى: (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ) . إذ يدل على أن في المأتي اختصاصا، وأنه مقصور على موضع الولد. وروي عن محمد بن كعب القرظي، أنه كان لا يرى بذلك بأسا ويتأول فيه قوله تعالى: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ) «١» . ولو لم يبح مثله من الأزواج، لما صح ذلك. وليس المباح من الموضع الآخر مثاله، حتى يقال: تفعلون ذلك وتتركون مثله من المباح. وهذا فيه نظر، إذ معناه: وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتكم، ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعا، فيجوز التوبيخ على هذا المعنى.

стр. 151

قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ) (٢٢٤) فيه معنيان: أحدهما: أن يتخذ يمينه حجة مانعة من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فإذا طلبت منه المعاونة على البر والتقوى والإصلاح قال: قد حلفت. فيجعل اليمين معترضة بينه وبين ما ندب إلى فعله، أو أمر به من البر والتقوى والإصلاح، فلا جرم قال الشافعي: الأيمان لا تحرم ما أحل الله، ولا تحل ما حرمه الله عن فعل، وإن الذي حل لكونه صلاحا، لا يصير حراما باليمين، فإن حلف حالف أن لا يفعل ذلك، فليفعل وليدع يمينه. ودل عليه قوله تعالى: (وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى) إلى قوله: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) «١» . قال ابن سيرين: حلف أبو بكر ﵁، في يتيمين كانا في حجره، وكانا فيمن خاض في أمر عائشة، أحدهما مسطح وقد شهد بدرا، وقد أشهد الله تعالى أن لا يصلهما ولا يصيبان منه خيرا، فنزلت هذه الآية.: وفي الخبر: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير» «٢» .

стр. 152

وهو معنى قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ) . والوجه الثاني في التأويل: أن يكون معنى قوله: (عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ) ، يريد به كثرة الحلف، وهو نوع من الجرأة على الله تعالى، والابتذال لاسمه في كل حق وباطل، ومن أكثر من ذكر شيء، فقد جعله عرضة، كقول القائل: «قد جعلتني عرضة للومك» . وذم الله تعالى مكثر الحلف بقوله تعالى: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ) «١» . والمعنى: لا تعرضوا اسم الله تعالى، ولا تبتذلوه في كل شيء، لأن تبروا إذا حلفتم، وتتقوا المأثم فيها، إذا قلت أيمانكم، لأن كثرتها تبعد عن البر والتقوى، وتقرب من المأثم والجرأة على الله تعالى، وكأن المعنى: إن الله ينهاكم عن كثرة الأيمان والجرأة عليها، لما في توقي ذلك من البر والتقوى والإصلاح، فكونوا بررة أتقياء، كقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) «٢» . فأفادت الآية المعنيين، ومتضمنهما النهي عن ابتذال اسم الله سبحانه واعتراضه باليمين في كل شيء، حقا كان أو باطلا، والنهي أيضا عن جعل اليمين مانعة من البر والتقوى والإصلاح. ودل ذلك على أن اليمين يجوز أن يجعل سببا للكفارة كما قاله الشافعي لأن اسم الله المعظم، صار متعرضا للابتذال بوصف الحنث، ووصف

стр. 153

الحنث راجع إلى اليمين، فكانت اليمين سببا، وليست اليمين عبادة لا يمكن جعلها سببا للكفارة. فإن الإكثار من العبادات مندوب إليه، والإكثار من اليمين منهى عنه. والإكثار من العبادات تعظيم الله تعالى، والإكثار من اليمين تعريض الإسم للابتذال. فصح على هذا المعنى جعل اليمين سببا، على خلاف ما رآه أبو حنيفة، وجاز لأجله تقديم الكفارة على الحنث، وجاز لأجله فهم إيجاب الكفارة في اليمين، على فعل الغير وعلى فعل نفسه، وعلى ما يجب فعله، وعلى ما لا يجب، وهو أصل الشافعي في الأيمان.. قوله تعالى: (لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ «١» فِي أَيْمانِكُمْ) (٢٢٥) : اعلم أن اللغو مذكور في القرآن على وجوه، والمراد به معاني مختلفة على حسب اختلاف الأحوال التي خرج الكلام عليها. فقال الله تعالى: (لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً) «٢» يعني كلمة فاحشة قبيحة. و (لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً) «٣» على هذا المعنى، وقال:

стр. 154

(وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) «١» . يعني الكفر والكلام القبيح. وقال: (وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) «٢» . يعني الكلام الذي لا يفيد شيئا ليشتغل السامعون عنه بذلك، وقال: (وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) «٣» . يعني بالباطل. ويقال: لغا في كلامه يلغو إذا أتى بكلام لا فائدة فيه. وقد روي في لغو اليمين معان عن السلف: فروي عن ابن عباس أنه: هو في الرجل يحلف على الشيء يراه كذلك، ولا يكون كذلك. وروي عن مجاهد وإبراهيم، قال مجاهد في قوله تعالى: (وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ) . أنه يحلف على الشيء وأنه يعلم، وهذا في معنى قوله: (بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) . وقالت عائشة: «هو قول الرجل: لا والله، بلى والله» «٤» . وكثرت أقاويل السلف فيه، وأقربها قول سعيد بن جبير: هو الرجل يحلف «٥» على الحرام فلا يؤاخذه الله بتركه.

стр. 155

وذلك يقرب من أحد تأويلي قوله : (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ) . وقد ظن قوم أن المراد به، المؤاخذة في الآخرة، فتجب الكفارة في الدنيا، وليس على ما ظنوه، فإنه تعالى قال في موضع آخر: (لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ) «١» . فذلك يدل على أن المؤاخذة المذكورة في القسم الثاني، هي المتيقنة في القسم الأول. وظن أبو حنيفة، أن قوله عقدتم، يدل على ما يتصور عقد العزم عليه من الأفعال، حتى يخرج منه اليمين على الماضي، وذلك إن صح له، فيخرج منه الأيمان على فعل الغير، وحنث النسيان وغيرهما، فالأقرب في معانيه، ما قالته عائشة وهو مذهب الشافعي.. قوله تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ «٢» مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ «٣» أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) (٢٢٦) : ليس في نظم القرآن ما يدل على الجماع، ولا على الحلف على مدة معلومة، وإنما قال: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ ... تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) .

стр. 156

واختلفت تصرفات العلماء في ذلك. فمنهم من جرى على العموم، ومنهم من خص. فممن خص ذلك علي وابن عباس، صارا إلى أنه لو حلف لا يقربها لأجل الرضاع، لم يكن مؤليا، وإنما يكون مؤليا إذا كان على وجه الغضب. ومنهم من لم يفصل «١» بين اليمين المانعة من الجماع، والكلام والاتفاق، ولا بين الرضا والغضب، وهو قول ابن سيرين. والأكثرون على أنه لا يعتبر قصد المضارة، حتى لو آلى في حالة رضاها، كان به مؤليا. والأولون يقولون: ما قصد حقها ولا مضارتها. وفي قوله: (غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، ما يدل على اعتبار قصد الإضرار. فالأكثرون اعتبروا اليمين على ترك الجماع. وقال الشافعي: إذا آلى أربعة أشهر ومضت المدة لم يكن مؤليا «٢» . وأبو حنيفة يوقع به الطلاق، وإن لم يبق الإيلاء بعده، لأنه رأى أن قوله تعالى: (تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) يدل على ما قاله. ولكن الشافعي يقول: قوله: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ ... تَرَبُّصُ) ، يدل على أن مدة الأربعة أشهر حق له خالص، فلا يفوت به حق له، ولا يتوجه عليه مطالبة، أنه أجل مضروب له.

стр. 157

قوله تعالى: (فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (٢٢٦) : والفيء في اللغة الرجوع، قال الله تعالى: (حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ) «١» . أي ترجع إلى أمر الله. وعند ذلك قد يظن الظان: أن ظاهر اللفظ، يدل على أنه إذا حلف أن لا يجامعها على وجه الضرار، ثم قال: قد فئت إليك، وقد أعرضت عما عزمت عليه من هجران فراشك باليمين، أن يكون قد فاء إليها، سواء كان قادرا على الجماع أو عاجزا. وقد اتفق أهل العلم على أنه إذا أمكنه الوصول إليها، لم يكن فيؤه إلا الجماع. وأبو حنيفة يقول فيمن آلى وهو مريض، أو بينه وبين زوجته المؤلي منها، مسيرة أربعة أشهر وهي رتقاء «٢» أو صغيرة، أو هو مجبوب «٣» أنه إذا فاء إليها بلسانه، ومضت المدة والعذر قائم، فذلك في صحيح. والشافعي يخالفه على أحد مذهبيه، ووجه قوله: أنه إذا قال القائل: والله لا أجامع فلانة، فلا يكون حانثا بقوله أجامعك، وإنما يكون حانثا

стр. 158

بما يكون «١» منه مخالفا، وإنما يكون مخالفا بما يكون به حانثا «٢» ، ثم لا يكون حانثا بمجرد القول، وكذلك لا يكون قد فاء بمجرد قوله: وإنما هو وعد الفيئة، إذ لو كان قد فاء حقا لما احتاج بعده إلى تحقيق مقتضى قوله بالجماع، وهذا بين. نعم اختلف قول الشافعي في المجبوب إذا آلى. ففي قول: لا إيلاء له. وفي قول: يصح إيلاؤه ويفيء باللسان. والأول أصح «٣» وأقرب إلى مقتضى الكتاب، فإن الفيء هو الذي يسقط اليمين. والفيء بالقول لا يسقطه. فإذا بقيت اليمين المانعة من الحنث، بقي حكم الإيلاء. قوله : (وَإِنْ عَزَمُوا «٤» الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٢٢٧) : وذلك يقتضي أن لا يقع الطلاق بمجرد مضي المدة على ما قاله قوم، لأن مضي المدة لا يكون عزيمة على الطلاق، وإنما عزيمة الطلاق ما يتوقف على قصده. فأما حكم الله تعالى الحاصل بمضي المدة، فلا يصح العزم عليه، فلا يقال: عزموا على مضي الشهر، أو غروب الشمس، أو طلوعها.

стр. 159

ومن فوائد هذه الآية: دلالة عمومها على صحة إيلاء الكافر والمسلم، سواء كان الإيلاء بعتق، أو طلاق، أو صدقة، أو حج، أو يمين بالله. وأبو حنيفة يقول: لا يصح من الكافر ما كان بالتزام صدقة أو حج، ويصح ما كان بطلاق، أو عتاق، أو حلف بالله، وإن لم يلزمه بالحلف بالله شيء، وصحح الإيلاء ممن لا يلتزم بالوقاع شيئا، يتوقى الوقاع لأجل ذلك الأمر، مع أنه لو آلى بطلاق زوجته، أو عتاق عبده، فمات العبد قبل مضي المدة، بطل الإيلاء، لأنه لا يخشى التزاما، فكذلك قياس قوله أن لا يصح منه الإيلاء إذا حلف بالله، لأنه لا كفارة عليه بالمخالفة. واحتج محمد بن الحسن على امتناع جواز الكفارة قبل الحنث، بأن قال: إنه لما حكم الله تعالى للمولى بأحد حكمين، من فيء أو عزيمة للطلاق، فلو جاز تقديم الكفارة على الحنث، لبطل الإيلاء بغير فيء ولا عزيمة طلاق، لأنه إن حنث فلا يلزمه بالحنث شيء، ومتى لم يلزم الحالف بالحنث شيء، لم يكن مؤليا، وفي جواز تقديم الكفارة إسقاط حكم الإيلاء بغير ما ذكره الله تعالى، وذلك خلاف الكتاب. وهذا غير صحيح لأن الله تعالى إنما أبقى «١» حكم الإيلاء إذا بقيت المضارة، وإنما تبقى المضارة إذا كان يتوقع التزام أمر بالوقاع، فشرط بقاء الإيلاء بقاء حكمه، فإذا قدمه زال هذا المعنى، كما يزول بموت العبد المحلوف على عتقه، أو المرأة المحلوف على طلاقها، وليس يقتضي ذلك مخالفة الكتاب بل يطابق معناه إذا تأمل..

стр. 160

قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقاتُ «١» يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ «٢» ) (٢٢٨) : واختلف أصحاب رسول الله ﷺ وعلماء السلف في الثلاثة: فقال قوم: الثلاثة من الحيض، فما لم تغتسل المرأة من الحيض فزوجها أحق بها. وقالت عائشة: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا سبيل له عليها. فالثلاثة إذا من الأطهار. وأما اسم الأقراء فيتناول الحيض والطهر جميعا. واختلفوا في كونه حقيقة فيهما، أو مشتركا اشتراكا لا يظهر رجحان أحد المعنيين على الآخر. وقال قوم: هو حقيقة في الحيض ومجاز في الطهر، وذلك بحسب النظر في موضع الاشتقاق، واختلف فيه: فمنهم من قال: القرء من الوقت، وعلى ذلك شواهد من اللغة. وقال آخرون: هو من الجمع والتأليف، وعلى ذلك شواهد. فإن كانت حقيقته الوقت، فقد ظن بعض أصحاب أبي حنيفة أن الحيض أولى به، لأن الوقت في الأصل إنما كان وقتا لما يحدث فيه،

стр. 161

والحيض هو الحادث، وليس الطهر شيئا أكبر من عدم الحيض، وزوال العارض، والرجوع إلى ما كان في الأصل، فكان الحيض أولى بمعنى الإسم. وهذا غير صحيح، فإن الحيض والطهر وصفان يعتوران «١» على المرأة، ولكل واحد منهما وقت معلوم أقله وأكثره. وهم يقولون: لكن الطهر إنما يعلم بغيره لا بنفسه، فإن الطهر لا نهاية لأكثره إذ هو عدم الحيض، وإنما يعلم بوجود الحيض. قالوا: وإن كان القرء اسما للضم والجمع، فهو أولى بالدم المجتمع. ولا يتيقن كونه حالة الطهر، إذ لا يتعلق به حكم، وليس يبين لنا أن الدم يجتمع في حالة الطهر، بل يجوز أن يجتمع في حالة الحيض ويسيل فيه، فلا مستند لهذا القول. وزعموا أن حد الحقيقة وجد في الحيض، لأن اسم القرء لا ينتفي عنه أصلا، ولا يتحقق ذلك في الطهر، لأنه يوجد الطهر ولا يسمى قرءا بحال مثل طهر الآيسة والصغيرة، فيظهر أن الطهر سمي قرءا لمجاورته للحيض، فالحيض بذلك أولى. وادعوا تطرق المجاز إلى قولنا من حيث اللغة من وجهين، ومن وجه ثالث، وهو أن مقتضى قولنا الاكتفاء بقرءين وبعض الثالث، وإطلاق اسم الجمع على شيئين وبعض الثالث مجاز على خلاف الحقيقة، وإنما يعلم ذلك بدليل مثل حمل أشهر الحج على شهرين وبعض الثالث،

стр. 162

وإذا جعل للقرء بدل، وهو الأشهر، لا جرم كانت الأشهر ثلاثة تامة من غير نقصان ولا حطيطة، فليكن الطهر كذلك. والذي توجه لأصحاب الشافعي على هذه الكلمات: أن الذي ذكره هؤلاء من مواضع الاشتقاق، لا يصح التعويل عليه في هذا الباب، فإنه لو قدر التصريح بمحال الاشتقاق على ما قالوه، لم ينتظم الكلام. وإذا كان الإسم مشتقا من شيء، فيجب أن يكون بحيث لو صرح بموضع الاشتقاق يستقيم معنى الكلام، مثل قول القائل في قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) . «١» والزاني مشتق من الزنا، فلو ذكر موضع الاشتقاق وعلق عليه الحد، يستقيم معنى الكلام. وها هنا: إن كان اشتقاق القرء من الوقت، فإذا ذكر الوقت في نفسه، أو الضم بلفظ الثلاث، لم يكن الكلام مستقيم النظم، فإنه لو قال: «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات، أو ثلاثة اجتماعات» ، ولم يضف الوقت إلى شيء، والاجتماع إلى شيء، لم يصح معنى الكلام في إرادة الحيض والطهر جميعا.. نعم إنما يستقيم النظر إلى موضع الاشتقاق من وجه آخر، وهو أن يجعل القرء مشتقا من الانتقال من حال إلى حال، فعل هذا يستقيم الكلام، إذا ذكر موضع الاشتقاق، فإنه إذا قيل: معنى الكلام:

стр. 163

والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أدوار، أو ثلاثة انتقالات، فهي متصفة بحالتين فقط. فتارة تنتقل من طهر إلى حيض. وتارة تنتقل من حيض إلى طهر. فيستقيم معنى الكلام في دلالته على الحيض والطهر جميعا، فيصير الإسم مشتركا. أو يقال: إذا ثبت أن القرء هو الانتقال، فخروجها من حيض إلى طهر غير مراد بالآية أصلا، ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقا سنيا «١» مأمورا به. وقيل: إنه ليس طلاقا على الوجه المأمور به، وهو الطلاق للعدة، فإن الطلاق للعدة ما كان في الطهر، وذلك يدل على كون القرء مأخوذا من الانتقال. فإذا كان الطلاق في الطهر سببا، فتقدير الكلام عدتهن ثلاثة انتقالات، فأولها: هي الانتقال من الطهر الذي وقع فيه الطلاق، والذي هو الانتقال من حيض إلى طهر لم يجعل قرءا، لأن اللغة لا تدل عليه، لكن عرفنا بدليل آخر، أن الله تعالى لم يرد من حيض إلى طهر، واللفظ دل على الانتقال، والانتقال محصور في الحيض والطهر، فإذا خرج أحدهما عن كونه مرادا، بقي الآخر، وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض مرادا، فعلى هذا عدتها ثلاثة انتقالات: أولها: الطهر، وعلى هذا يمكن استيفاء

стр. 164

ثلاثة أقراء كاملة، إذا كان الطلاق في حالة الطهر، فلا يكون ذلك حملا على المجاز بوجه ما، وهذا نظر دقيق في غاية الاتجاه لمذهب الشافعي. وأكثر ما يرد على هذا الكلام وجوه: منها: أن ذلك خلاف ما قالته عامة العلماء، من أن القرء طهر أو حيض، وذلك إحداث قول ثالث. وهذا لا وجه له، فإن القرء حقيقة في الانتقال، ثم اختلف العلماء في المراد من الانتقال: فإنه متردد في اللغة بين الحيض والطهر، فأما أن يكون القرء اسما لنفس الطهر، أو اسما لنفس الحيض حقيقة فلا، والدليل على موضع الاشتقاق قولهم: قرأ النجم: إذا طلع، وقرأ النجم إذا أفل، بمعنى تبدل الأحوال عليه. نعم وضع اللغة يقضي أن يكون انتقالها من الطهر إلى الحيض قرءا ومن الحيض إلى الطهر قرءا ثانيا، ومن الطهر الثاني إلى الحيض الثاني قرءا ثالثا، وتنقضي عدتها بدخولها في الحيضة الثالثة، غير أن تحريم الطلاق في خاصة الحيض دل على أن ذلك الانتقال- وهو من الحيض إلى الطهر- ليس مرادا بالآية. ويمكن أن يذكر في ذلك شيء لا يبعد فهمه من دقائق حكم الشريعة، وهو أن الانتقال من الطهر إلى الحيض، إنما جعل قرءا لدلالته على براءة الرحم، فإن الحامل لا تحيض في الغالب، فحيضتها علم على براءة رحمها، والانتقال من حيض إلى طهر بخلافه، فإن الحائض يجوز أن تحبل من أعقاب حيضتها، وإذا تمادى أمد الحمل، وقوي الولد انقطع دمها، ولذلك تمدح العرب بحبل نسائهم في حالة الطهر، ومدحت عائشة رسول الله بقول تأبط شرا:

стр. 165

ومبرأ من كل غبر «١» حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل تعني أن أمة لم تحمل به في الحيضة الثانية. ومن أجل ذلك كان الاستبراء بحيضة، لأن المسبية لا تعرف حبلها فتستبرئ بحيضة، فإذا حاضت علمت براءة رحمها، إلا أن الاحتياط في العدة أكثر، فلم يكتف بدلالة واحدة دون الدلالات الثالثة، فيحصل من مجموعها ما يقرب من اليقين، أو ما يتضاعف به الظن ويقوى، وإذا تقرر أن الأمر كذلك فالانتقال من الطهر إلى الحيض، جعل قرءا معتبرا لهذا المعنى. فإن قالوا: فإذا كان الانتقال من الطهر إلى الحيض جعل قرءا، لدلالة ذلك الانتقال على براءة الرحم، فذلك الانتقال لم يدل على براءة الرحم لأجل الطهر، وإنما دلالته للحيض، فالحيض هو الأصل في الدلالة ومتى كان هو الأصل في البراءة والدلالة عليها، فهو أولى بأن يجعل أصلا في العدة من الطهر، فإن الطهر يقارن الحمل، فكيف يقع به الاستبراء؟ وإنما يقع الاستبراء بما ينافيه وهو الحيض، فيكون دلالة على براءة رحمها من الحمل. وربما قرروا ذلك فقالوا: إن الحيضة الثانية اعتبرت احتياطا، لأن في التكرار زيادة دلالة على البراءة. فلا جرم؟ قيل إن الاستبراء «٢» يكتفي فيه بحيضة واحدة، ويعتبر في العدة الكاملة زيادة عدد، لزيادة الدلالة على قدر رتبة العدة، فإذا

стр. 166

تعذر ذلك، وقيل: الثلاثة ها هنا مثل الواحدة في الاستبراء، فليكن العدد المعتبر في العدة الكاملة من جنس ما اعتبر في الاستبراء، وليكن العدد عددا يزيد في الدلالة من جنس الأصل، والطهر لا دلالة فيه، فاعتبار العدد من الطهر لا معنى له، فعدد الثلاثة يجب أن يوجد من الحيض، فإذا شرعت في الحيضة الثالثة فليقل: يعتبر تمام دلالة هذه الثالثة، كما دلت الحيضتان من قبل، فاعتبار العدد من الطهر الذي لا دلالة لأصله مما وجه له. وربما قالوا: الحمل إذا ظهر كان أولى من الحيض، لأن الوضع أقوى «١» من الحيض، فتفاوت ما بين الحيض والطهر، كتفاوت ما بين الحيض والحمل، ثم الحمل أصلا فليكن الحيض أصلا. الجواب: أن الذي قالوه ليس كلاما في مقتضى اللفظ، وإنما هو قياس في معاني الفقه، وليس الكلام فيه، وإنما الكلام في اللفظ، وهو أن الله تعالى إذا قال: يتربصن ثلاثة انتقالات، وعرفنا أنه لم يرد به الانتقالات كلها من الحيض إلى الطهر، ومن الطهر إلى الحيض، فإن ذلك يزيد على الثلاثة، فعرفنا أنه إنما عنى به الانتقال الذي هو من الطهر إلى الحيض. فهذا ما فهمناه من اللفظ، وجاز مع ذلك أن يقترن بالعدة قصدان وراء براءة الرحم، كالاختلاف بالحرية والرق، ووجوبها إلى سن اليأس، في حق التي انقطع حيضها لعلة، وغير ذلك من المسائل، فإذا ثبت ذلك لم يرد عليه كل ما قالوه. ودل على ما قلناه، أن الله تعالى قال: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) «٢»

стр. 167

وقال ﷺ لعمر حين طلق ابنة امرأته وهي حائض: مره فليراجعها حتى تحيض ثم تطهر ثم يجامعها وليدعها حتى تطهر ثم ليطلقها إن شاء، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء. وذلك إشارة إلى الطهر فدل أن العدة «١» الطهر، وأمر بإحصاء العدة عقيب الطهر، فليكن المحصي بقية الطهر. وأبو حنيفة لا يرى ذلك أصلا، ولا يحصي عقيب الطلاق شيئا. وقوله تعالى: (لِعِدَّتِهِنَّ) لا يجوز أن يريد به عدة ماضية قبل الطلاق، كما يقال: «صوموا لرؤيته» «٢» أي لرؤية ماضية ... فإن قيل: الطلاق ليس بعدة بالاتفاق، ولا يخطر ببال عاقل أن يقول: قوله ﵇ لعمر: «حتى تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق فتلك العدة» ، معناه: فتلك العدة الماضية، أعني الحيضة الماضية، أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء، فإذا كان الطلاق في الطهر والانتقال منه إلى الحيض، فتقدير الكلام: إذا طلقتم النساء يتربصن بعد الطلاق السنى البدعي «٣» ثلاثة انتقالات: أولها: الانتقال مما سن الطلاق فيه، وذلك لا يكون إلا الطهر، وهذا بين ظاهر في تحقيق مذهب الشافعي من معنى الآية. فإن قيل: العدة وأحكامها ثابتة في حالتي الطهر والحيض، فما معنى قوله تعالى لعدتهن؟

стр. 168

قيل: العدة مأخوذة من العد، فكأنه تعالى قال: فطلقوهن لزمن بعد ذلك من العدة، وذلك الطهر، فإن عدد الثلاث مأخوذ منه وهذا بين. قالوا: فالمرأة قبل الدخول يجوز طلاقها في الحيض، فكيف يصح مطلق الآية على هذا التأويل؟ الجواب: أن معنى الكلام: إذا طلقتم النساء ذوات العدة، فطلقوهن لعدتهن. قالوا: فإذا طلقها في طهر جامعها فيه، فبقية الطهر محسوبة، وإن لم يكن الطلاق سنيا. الجواب: أن ذلك مخصوص من هذا العموم بدليل، وذلك لا ينافي دلالة اللفظ على ما تعلقنا به، وعلى أن في حق التي جومعت في طهرها، وإنما خرج الطلاق عن كونه سببا لوجود ما يحتمل خروج الطهر به، عن أن يكون عدة تحصى بأن يبين حملها، حتى لو كانت آيسة «١» لم يحرم طلاقها في طهر جامعها فيه. ثم قوله تعالى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) ، وإن كان عاما في حق المنكوحة الحرة، والمنكوحة الأمة، ولكن الإجماع انعقد على أن عدة الأمة المنكوحة على النصف فتركناه لذلك. قوله تعالى: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ) (٢٢٨) : قال قائلون: لما وعظها بترك الكتمان، دل على وجوب قبول قولها

стр. 169

فبنى عليه وقوع الطلاق عليها بقولها إذا قالت: حضت، وقد علق الطلاق على حيضها. وهذا عندنا لا يقوى، فإنه ليس النهي عن الكتمان دالا على أن قولها حجة على الزوج في قطع نكاحها، كما لا يدل على وقوع الطلاق على ضرتها، كيف وقوله تعالى: (يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ) ليس يظهر في معنى الحيض لأن الدم إنما يكون حيضا إذا سال، ولا يكون حيضا في الرحم، لأن الحيض حكم يتعلق بالدم الخارج، فما دام في الرحم فلا حكم له. نعم يجوز أن يقال: إن كل دم سائل لا يكون حيضا، وإنما يكون حيضا بالعادة والوقت وبراءة الرحم من الحمل، فهي إذا قالت: حضت ثلاث حيض، وهذه الأمور التي يقف عليها الحيض من قبلها، فالقول قولها: وإنما التصديق متعلق بحيض قد وجد ودم قد سال. وبالجملة قوله: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ) ، ليس يظهر في الحيض، وإنما تظهر دلالته على الحمل، وهو مما يعرف بغير قولها، وإذا علق الطلاق على حملها فقالت: أنا حامل، يقع الطلاق ما لم تستبرئ ويظهر حملها، ويجوز أن يكون معنى ذلك منعها من التزوج، ومنعها من إهلاك الولد وإجهاض الجنين، وهذا لا يبعد فهمه من الآية، فالمعتمد فيه الإجماع. وقوله تعالى: (إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) (٢٢٨) : وليس ذلك شرطا في النهي عن الكتمان، وإنما هو على وجه التأكيد وهو كقوله تعالى:

стр. 170

(وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) «١» . وقول مريم ﵍: (إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) «٢» . قوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) الآية (٢٢٨) : اعلم أن الله تعالى سماه بعلا، وذلك يدل على بقاء الزوجية، ولكن قال بردهن، وذلك يدل على وجود سبب يزول به النكاح. ولا يبعد أن يقال: زال النكاح، وله الإستدراك، كما يزول الملك في زمن الخيار على قول، وله الإستدراك. ودلت هذه الآية على جواز إطلاق العموم في المسميات، ثم يعطف عليه بحكم يختص به بعض ما انتظمه العموم، فلا يمنع ذلك اعتبار عموم «٣» فيما شمله، في غير ما يختص به المعطوف، لأن قوله: (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ) ، عام في المطلقات ثلاثا، وفيما دونها لا خلاف فيه. ثم قوله: وبعولتهن «٤» : حكم خاص فيمن كان طلاقها دون الثلاث، ولم يوجب ذلك الاقتصار بحكم قوله: (وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) ، على ما دون الثلاث.. ونظيره من القرآن.

стр. 171

قوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (٢٢٨) : يقتضي وجوب حقوق لها في التحصن والنفقة والمهر. وقوله: (وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) يقتضي أنه مفضل عليها وذكر الله تعالى بيان ذلك في قوله: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ) «١» . فأخبر أنه جعل قيما عليها بما أنفق من ماله، وفيه دليل على أنه: إذا أعسر بالنفقة لم يكن قيما عليها، وإذا لم يكن قيما عليها فهي كلحم على وضم «٢» فلا بد لها من قوّام، ولم يشرع النكاح إلا لتحصينها وحاجتها إلى القوام، فإذا زال هذا المعنى، فالأصل أن لا يثبت الرق على الحرة. والشافعي يقول: لكونه قواما عليها، يمنعها من الحج وصوم التطوع. واعلم أن قوله تعالى: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) تطرق إليه التخصيص في مواضع: منها في الأمة، ومنها في الآيسة والصغيرة، ومنها في الحامل في قوله: (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) «٣» ، (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ ... الآية «٤» ) . ومنه ما قبل الدخول بقوله تعالى: (فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ)

стр. 172

(عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها) «١» . وقوله: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) «٢» خص منه ما قبل الدخول، وخص منه المطلق ثلاثا. قوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) (٢٢٩) : فرأى الشافعي أنه بيان لما يبقى معه الرجعة من الطلاق، ويدل عليه ما ذكره عقيبه من قوله: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) . وظن قوم ممن يرى جمع الطلقات في قرء واحد بدعة، أن قوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) ، يقتضي التفريق، لأنه لو طلق إثنتين معا، لما جاز أن يقال: طلقها مرتين، وأن من دفع إلى رجل درهمين، فلا يقال إنه أعطاه مرتين حتى يفرق الدفع. ويقال لهذا القائل: لو كان المراد به بيان ما ذكره، لم يكن هذا النظم المذكور دالا، لأنه ليس التبديع عنده من جهة جمع فعل الطلاق، فإنه إن طلقها مرتين في قرء واحد عنده فهو حرام، وإن كان قد طلق مرتين حقيقة، فيحرم عنده أعداد الطلقات في قرء واحد، تعدد الإيقاع أو اتحد، وليس في قوله: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) ما ينبئ عن ميقات تحريم المرات وحلها، فليس في اللفظ بيان ما ذكروه. نعم، إذا كان الطلاق الواحد يدل على إسقاط الملك ولا يسقط به، فيحسن أن يقال: إنما يسقط لمرتين، إذا كان يسقط بعدد منه، وليس كإعطاء درهمين معا، فإن الدراهم الثاني لا يتعلق بالأول في رجوعهما

стр. 173

إلى فائدة واحدة، ومعنى واحد، حتى يقال ذلك المعنى لا يثبت بمرة واحدة، بل يثبت بمرتين، أما الطلاق فإسقاط ملك النكاح، فإذا لم يسقط ملك النكاح بطلقة واحدة، فالطلقتان منه في حالة واحدة، كالطلقتين في ساعتين، ومثله قوله تعالى: (نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ) «١» . لا أن ذلك في حالتين منفصلتين، بعد تخلل فاصل بين الآخر «٢» الأول والثاني، فإن نعيم الآخرة متصل، لا انقطاع له ولا انفصال فيه. ويحتمل أن الله تعالى ذكر بيان الرخصة على خلاف القياس، فقال: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) أي: لكم أن تطلقوا مرتين وتراجعوا بعدهما، فإن طلقتم الثالثة فلا رجعة، إلا أن تنكح زوجا غيره، وهذا لا يقتضي كون مخالفة الرخصة بدعة، ولما كانت هذه الرخصة في إثبات الرجعة مع صريح إسقاط الملك فيما غلب فيه التحريم، وجعل مبعضه مكملا، وفاسده صحيحا، فصحيحه وصريحه في إسقاط الرجعة، كيف لا يكون باتا للملك، وقاطعا للرجعة، بديهة في قياس الطلاق؟ نعم كرر الله تعالى الرجعة في مواضع فقال: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) إلى قوله: (لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً) «٣» . وليس في هذا دليل على أنه إذا أخذ بما هو الأصل في إسقاط ملك هو له أن لا يجوز.

стр. 174

وربما احتج بعض الجهال بقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) «١» . وظاهره يقتضي تحريم الثلاث، لما فيه من تحريم ما أحل الله لنا من الطيبات. وهذا جهل، فإن الله تعالى إنما نهانا عن تحريم طيبات أحلها لنا، مع بقاء سبب الحل، كما كانت العادة جارية به في الجاهلية، من البحيرة والسائبة، والوصيلة، والحام «٢» . فأما إذا كان الحل عارضا لأجل الملك، فما دام الملك قائما فله الحل، فإذا زال الملك، زال الحل، كما يزول الانتفاع بالبيع في العبد والجارية والثوب. كيف والحل في حق الأجنبية، مع أن الأصل في الأبضاع التحريم عجب، فأما رفع ملك ثبت له، وحصول تحريم في ضمن ذلك، بالرجوع إلى الأصل في تحريم الأجنبيات، حيث لا ملك، فلا تتناوله هذه الآية.

стр. 175

ومن اعتقد تناول هذه الآية لتحريم البيع والعتق وسائر الإزالات ثم خص بدليل، فهو جاهل جدا لمعاني الكلام. وما ذكره مالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، والليث ابن سعد، والحسن بن صالح، أن طلاق العدة السني، أن يطلقها واحدة، ولا يطلقها في تلك العدة أخرى، فإنه لا حاجة إليها في قطع النكاح، إنما الحاجة إلى الطلقة الأولى، وهي تبين عند انقضاء العدة من غير حاجة إلى الثانية، فأي معنى للثالثة؟ وهذا لازم على أبي حنيفة، إذا سلك مسلك النظر في مراعاة الحاجة إلى قطع النكاح. نعم إذا راجعها فله أن يطلقها الثانية، أما الطلاق الثاني في القرء الثاني في عدم الحاجة، كالطلاق الثاني في القرء الأول. هذا حسن على قياس أصولهم. فإن قال من يذب عن أبي حنيفة: إن ظاهر قوله مرتين، يبيح في القرءين، فيبيح في القرء الواحد، فاعتبار الأقراء من أي أصل تلقوه وليس في إيقاع الثانية في القرء الثاني فائدة أصلا، فلا هو يقطع النفقة ولا أنه يقطع سببا من الأسباب، إلا أن يقول جاهل إنه يقطع الميراث، إن كان في حالة الصحة ومات فجأة، وهذا جهل عظيم في إباحة اعتقاد الطلاق لهذا القدر من الغرم، وجوزوا الطلاق الأول من غير حاجة في حق غير المدخول بها، وفيه قطع للنكاح، ولم يجوزوا الطلقتين، مع أن الثانية لا حاجة إليها في قطع هذا النكاح، وليس في إيقاعها إلا توقع التدرج به إلى منع التزوج بها ابتداء، فإذا لم يحرم قطع هذا النكاح من غير حاجة، فالنكاح الآخر لأن لا يحرم قطعه أولى، والنكاح الآخر يجوز قطعه بالطلاق الثالث في القرء الثالث من غير حاجة إليه، فأي مستند

стр. 176

لهم في اعتبار صورة الأقراء، وغاية ما ذكروه مستندا لاعتبار الأقراء ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض.. القصة.. إلى أن قال له رسول الله ﷺ : مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء. وهذا الذي قالوه فيه نظر، فإنه روي في بعض الأخبار عن سعيد ابن جبير وزيد بن أسلم، عن ابن عمر، أن النبي ﵇، أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم قال: إن شاء طلق وإن شاء أمسك. من غير ذكر هذه الزيادة. ويجوز أن يقال: إن الزيادة من الثقة مقبولة، مع أنه قيل: إذا لم تنقل الزيادة نقل الأصل، فذلك يوجب ضعفا ووهيا ... وأحسن الأحوال للمخالف أن يقبل منهم هذه الزيادة، وهي موافقة لأصلنا، فإنا نقول على مذهب لنا صحيح، إنه إذا طلق امرأته في الحيض. وندبناه إلى الرجعة فراجعها، فإذا طهرت بعد ذلك، فيكره له طلاقها، لأن ذلك يوجب أن يكون قد راجع للطلاق فقط، لا لغرض آخر، ويكره أن تكون الرجعة للطلاق فقط فلا جرم قيل يمسكها إلى أن تحيض مرة أخرى وتطهر، وهذا وفق مذهبنا ومقتضى قولنا. ومستند أبي حنيفة في إيجاب الفصل بين تطليقتين، هو هذا الخبر الذي يروونه وبينا وجه الكلام عليه، مع أنه نقل عن أبي حنيفة، أنه إذا طلقها ثم راجعها في ذلك الطهر، جاز له إيقاع طلقة أخرى في ذلك الطهر بعينه، يقدر كأن الطلاق لاقاها في الحيض، فإذا طهرت لم لا يجوز أن يطلقها طلقة أخرى وقد تحللت الرجعة؟.

стр. 177

وأبو بكر الرازي ذكر أن أبا حنيفة ذكر هذه المسألة في الأصول، ومنعه من إيقاع التطليقة الثانية في ذلك الطهر وإن راجعها، حتى يفصل بينهما بحيضة. قال الرازي: وهذا هو الصحيح عندنا، والرواية الأخرى غير معمول بها. ومما جعلوه مستندا لقولهم في اعتبار الأقراء ما رواه عطاء الخراساني عن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، ثم إنه أراد أن يتبعها بطلقتين أخريين عند القرئين الباقيين، فبلغ ذلك النبي ﵇ فقال لابن عمر: «ما هكذا أمرك الله تعالى، إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء» . وأمرني رسول الله ﷺ فراجعتها وقال: إذا هي طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك، فقلت: يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان لي أن أراجعها؟ «قال لا: كانت تبين فتكون معصية» ، وهذا يرويه عطاء الخراساني وهو ضعيف جدا،، نعم تواترت الأخبار في سائر أخبار ابن عمر، حين ذكر الطهر الذي هو وقت لإيقاع طلاق السنة: «ثم طلقها إن شئت» ، ولم يخصص ثلاثا مما دونها كان ذلك طلاقها الإثنين أو الثلاث معا، وليس لهم أن يقولوا: إن مطلق قوله «طلق» مخصوص بالأقل، كلفظه لوكيله: طلق، لأن ذلك إنما يكون حيث لا تكون الطلقات مملوكة له، فأما إذا كانت مملوكة له، فمطلق اللفظ يتناول الجنس الذي يملكه. وقوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) خص منه الزوجان إذا كانا مملوكين، واختلفوا فيما إذا رق أحدهما:

стр. 178

فالشافعي يعتبر الطلاق بالرجال. وأبو حنيفة يعتبر عدده بالنساء. والبتي يقول: من أي جانب جاء الرق انتقص عدد الطلاق. وذكر بعض الروافض، أن الثلاث لا يقعن إذا جمع بينهن، وإنما يرد إلى واحد. والحجاج بن أرطأة كان على هذا المذهب فيما نقله أبو يوسف عنه. وقال محمد بن إسحاق بن محمد: ترد إلى واحدة. وزعموا أن قول الله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) لبيان الطلاق المشروع، وحصر المشروع في المذكور وقال: (إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ) فإن الطلاق لا يقع إلا على هذا الوجه، ورأوا أن هذه التصرف البديع في التصرفات لما شرع على وجه، لم يثبت إلا على ما شرع، ولم يشرع إلا مفرقا، فلا يثبت إلا مفرقا، وقول رسول الله ﷺ لابن عمر لما قال: أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ .. إذا عصيت ربك وبانت امرأتك يقضي على هذا الكلام ويستأصله. ولأن الطلقات مملوكة له جميعا فإن سبب الملك النكاح، والنكاح بالإضافة إلى الثاني والثالث واحد. وكيف لا، والأصل أن يزول بدفعه، ولكن حكم بالعدد منه نظرا للمالك ورخصة، فإذا جمع عاد إلى الأصل فوقع. وصح أن ركانة طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله صلّى الله عليه

стр. 179

وسلم فقال: ما أردت إلا واحدة، فقال: والله ما أردت إلا واحدة، ولو كان لا يقع الثلاث لم يكن لهذا معنى. واحتج من معنى وقوع الثلاث بما رواه عكرمة عن ابن عباس قال: «طلق ركانة بن عبد ربه امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله رسول الله: كيف طلقتها؟ أطلقتها ثلاثا في مجلس واحد؟ قال: نعم، قال: إنما تلك واحدة فارتجعها إن شئت.. قال: فراجعها.. وروي ابن جريج عن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: «ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله ﷺ ، وأبى بكر، وصدر من خلافة عمر ترد إلى الواحدة؟ .. قال نعم» . وذكر علماء الحديث أن هذين الحديثين منكران. وذكروا عن ابن عباس أنه قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة: أي أنهم كانوا يطلقون طلقة واحدة، هذا الذي يطلقون ثلاثا، أي ما كانوا يطلقون في كل قرء طلقة، وإنما كانوا يطلقون في جميع العدة واحدة إلى أن تبين وتنقضي العدة. قوله تعالى: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) (٢٢٩) : وظاهر الفاء الدال على التعقيب أن يكون الإمساك عقيب الطلاق، والإمساك إنما هو الرجعة لأنها ضد حكم الطلاق، لأن حكم الطلاق

стр. 180

الفرقة بعد انقضاء العدة. فسمى الله تعالى الرجعة إمساكا لبقاء الرجعة لها بعد مضي الثلاث حيض، وارتفاع حكم البينونة المتعلقة بانقضاء العدة. وإنما أباح الله تعالى إمساكا على وصف، وهو أن يكون بمعروف، وهو وقوعه على وجه يحسن ويجمل، ولا يقصد به الإضرار بها على ما ذكره في قوله: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) «١» . فإنه إنما أباح له الرجعة على هذه الشريطة، ومتى راجع بغير معروف، كان عاصيا، والرجعة صحيحة. وظن ظانون أن قوله تعالى: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ) ، يتناول ما يكون متمسكا به، والجماع أقوى مقاصد النكاح، فكان إمساكا بالمعروف فتحصل به الرجعة وهذا الظن غلط فإن قوله: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ) ، ما كان بالقول، فإن قابله بقوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) ، ولا طلاق إلا بالقول، وكذلك لا إمساك إلا بالقول، ويدل عليه أنه قال في موضع آخر: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) «٢» . ولا يقول عاقل إنه يتناول الجماع، ليشهد عليه ذوي عدل، إلا أن يقر بالوطء، ويشهد على الإقرار، وذلك خلاف المشروع، لأن المشروع الشهادة على نفس الرجعة، لا على الإقرار بها.
следующие страницы →