← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23582

أحكام القرآن للكيا الهراسي

الكيا الهراسي

Полный текст (904 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لهم في اعتبار صورة الأقراء، وغاية ما ذكروه مستندا لاعتبار الأقراء ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض.. القصة.. إلى أن قال له رسول الله ﷺ : مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء. وهذا الذي قالوه فيه نظر، فإنه روي في بعض الأخبار عن سعيد ابن جبير وزيد بن أسلم، عن ابن عمر، أن النبي ﵇، أمره أن يراجعها حتى تطهر، ثم قال: إن شاء طلق وإن شاء أمسك. من غير ذكر هذه الزيادة. ويجوز أن يقال: إن الزيادة من الثقة مقبولة، مع أنه قيل: إذا لم تنقل الزيادة نقل الأصل، فذلك يوجب ضعفا ووهيا ... وأحسن الأحوال للمخالف أن يقبل منهم هذه الزيادة، وهي موافقة لأصلنا، فإنا نقول على مذهب لنا صحيح، إنه إذا طلق امرأته في الحيض. وندبناه إلى الرجعة فراجعها، فإذا طهرت بعد ذلك، فيكره له طلاقها، لأن ذلك يوجب أن يكون قد راجع للطلاق فقط، لا لغرض آخر، ويكره أن تكون الرجعة للطلاق فقط فلا جرم قيل يمسكها إلى أن تحيض مرة أخرى وتطهر، وهذا وفق مذهبنا ومقتضى قولنا. ومستند أبي حنيفة في إيجاب الفصل بين تطليقتين، هو هذا الخبر الذي يروونه وبينا وجه الكلام عليه، مع أنه نقل عن أبي حنيفة، أنه إذا طلقها ثم راجعها في ذلك الطهر، جاز له إيقاع طلقة أخرى في ذلك الطهر بعينه، يقدر كأن الطلاق لاقاها في الحيض، فإذا طهرت لم لا يجوز أن يطلقها طلقة أخرى وقد تحللت الرجعة؟.

стр. 177

وأبو بكر الرازي ذكر أن أبا حنيفة ذكر هذه المسألة في الأصول، ومنعه من إيقاع التطليقة الثانية في ذلك الطهر وإن راجعها، حتى يفصل بينهما بحيضة. قال الرازي: وهذا هو الصحيح عندنا، والرواية الأخرى غير معمول بها. ومما جعلوه مستندا لقولهم في اعتبار الأقراء ما رواه عطاء الخراساني عن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن عمر، أنه طلق امرأته وهي حائض، ثم إنه أراد أن يتبعها بطلقتين أخريين عند القرئين الباقيين، فبلغ ذلك النبي ﵇ فقال لابن عمر: «ما هكذا أمرك الله تعالى، إنك قد أخطأت السنة، والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء» . وأمرني رسول الله ﷺ فراجعتها وقال: إذا هي طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك، فقلت: يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان لي أن أراجعها؟ «قال لا: كانت تبين فتكون معصية» ، وهذا يرويه عطاء الخراساني وهو ضعيف جدا،، نعم تواترت الأخبار في سائر أخبار ابن عمر، حين ذكر الطهر الذي هو وقت لإيقاع طلاق السنة: «ثم طلقها إن شئت» ، ولم يخصص ثلاثا مما دونها كان ذلك طلاقها الإثنين أو الثلاث معا، وليس لهم أن يقولوا: إن مطلق قوله «طلق» مخصوص بالأقل، كلفظه لوكيله: طلق، لأن ذلك إنما يكون حيث لا تكون الطلقات مملوكة له، فأما إذا كانت مملوكة له، فمطلق اللفظ يتناول الجنس الذي يملكه. وقوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) خص منه الزوجان إذا كانا مملوكين، واختلفوا فيما إذا رق أحدهما:

стр. 178

فالشافعي يعتبر الطلاق بالرجال. وأبو حنيفة يعتبر عدده بالنساء. والبتي يقول: من أي جانب جاء الرق انتقص عدد الطلاق. وذكر بعض الروافض، أن الثلاث لا يقعن إذا جمع بينهن، وإنما يرد إلى واحد. والحجاج بن أرطأة كان على هذا المذهب فيما نقله أبو يوسف عنه. وقال محمد بن إسحاق بن محمد: ترد إلى واحدة. وزعموا أن قول الله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) لبيان الطلاق المشروع، وحصر المشروع في المذكور وقال: (إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ) فإن الطلاق لا يقع إلا على هذا الوجه، ورأوا أن هذه التصرف البديع في التصرفات لما شرع على وجه، لم يثبت إلا على ما شرع، ولم يشرع إلا مفرقا، فلا يثبت إلا مفرقا، وقول رسول الله ﷺ لابن عمر لما قال: أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ .. إذا عصيت ربك وبانت امرأتك يقضي على هذا الكلام ويستأصله. ولأن الطلقات مملوكة له جميعا فإن سبب الملك النكاح، والنكاح بالإضافة إلى الثاني والثالث واحد. وكيف لا، والأصل أن يزول بدفعه، ولكن حكم بالعدد منه نظرا للمالك ورخصة، فإذا جمع عاد إلى الأصل فوقع. وصح أن ركانة طلق امرأته البتة، فأتى رسول الله صلّى الله عليه

стр. 179

وسلم فقال: ما أردت إلا واحدة، فقال: والله ما أردت إلا واحدة، ولو كان لا يقع الثلاث لم يكن لهذا معنى. واحتج من معنى وقوع الثلاث بما رواه عكرمة عن ابن عباس قال: «طلق ركانة بن عبد ربه امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله رسول الله: كيف طلقتها؟ أطلقتها ثلاثا في مجلس واحد؟ قال: نعم، قال: إنما تلك واحدة فارتجعها إن شئت.. قال: فراجعها.. وروي ابن جريج عن طاوس عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: «ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله ﷺ ، وأبى بكر، وصدر من خلافة عمر ترد إلى الواحدة؟ .. قال نعم» . وذكر علماء الحديث أن هذين الحديثين منكران. وذكروا عن ابن عباس أنه قال: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدر من خلافة عمر واحدة: أي أنهم كانوا يطلقون طلقة واحدة، هذا الذي يطلقون ثلاثا، أي ما كانوا يطلقون في كل قرء طلقة، وإنما كانوا يطلقون في جميع العدة واحدة إلى أن تبين وتنقضي العدة. قوله تعالى: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) (٢٢٩) : وظاهر الفاء الدال على التعقيب أن يكون الإمساك عقيب الطلاق، والإمساك إنما هو الرجعة لأنها ضد حكم الطلاق، لأن حكم الطلاق

стр. 180

الفرقة بعد انقضاء العدة. فسمى الله تعالى الرجعة إمساكا لبقاء الرجعة لها بعد مضي الثلاث حيض، وارتفاع حكم البينونة المتعلقة بانقضاء العدة. وإنما أباح الله تعالى إمساكا على وصف، وهو أن يكون بمعروف، وهو وقوعه على وجه يحسن ويجمل، ولا يقصد به الإضرار بها على ما ذكره في قوله: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) «١» . فإنه إنما أباح له الرجعة على هذه الشريطة، ومتى راجع بغير معروف، كان عاصيا، والرجعة صحيحة. وظن ظانون أن قوله تعالى: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ) ، يتناول ما يكون متمسكا به، والجماع أقوى مقاصد النكاح، فكان إمساكا بالمعروف فتحصل به الرجعة وهذا الظن غلط فإن قوله: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ) ، ما كان بالقول، فإن قابله بقوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) ، ولا طلاق إلا بالقول، وكذلك لا إمساك إلا بالقول، ويدل عليه أنه قال في موضع آخر: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) «٢» . ولا يقول عاقل إنه يتناول الجماع، ليشهد عليه ذوي عدل، إلا أن يقر بالوطء، ويشهد على الإقرار، وذلك خلاف المشروع، لأن المشروع الشهادة على نفس الرجعة، لا على الإقرار بها.

стр. 181

وقوله تعالى: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) ، فقد قيل فيه قولان: أن المراد به «١» الثالثة.. ورووا عن أبي رزين أنه قال رجل: يا رسول الله، أسمع الله تعالى يقول: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ) فأين الثالثة؟ فقال: أو تسريح بإحسان، وهذا الخبر غير ثابت من طريق النقل.. وقال الضحاك والسدي إنه بتركها «٢» حتى تنقضي عدتها، ويظهر هذا المعنى في موضع آخر في قوله: (وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) (٢٣١) . والمراد التسريح بترك الرجعة إذ يبعد أن يقول: طلقوا واحدة أخرى وقال: (فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) . ولم يرد به إيقاعا مستقبلا، وإنما أراد به تركها حتى تنقضي عدتها.. نعم، الثالثة مذكورة في مساق الخطاب في قوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) (٢٣٠) . فالثالثة مذكورة في صلة «٣» هذا الخطاب، مفيدة للبينونة الموجبة

стр. 182

التحريم، إلا بعد زوج، ووجب حمل قوله تعالى: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) على فائدة «١» مجددة، وهي «٢» وقوع البينونة بالثنتين عند «٣» انقضاء العدة. وعلى أن المقصد من الآية بيان عدد الطلاق الموجب للتحريم، ونسخ ما كان جائزا من إيقاع الطلاق بلا عدد محصور، فلو كان قوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) هو الثالثة، لما أبان عن المقصد في إيقاع التحريم بالثلاث، إذ لو اقتصر عليه، لما دل على وقوع البينونة المحرمة لها، إلا بعد زوج، وإنما علم التحريم بقوله: (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) ، فوجب أن لا يكون معنى قوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) الثالثة، ولو كان قوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) بمعنى الثالثة، كان قوله عقيب ذلك: (فَإِنْ طَلَّقَها) الرابعة، لأن الفاء للتعقيب، قد اقتضى طلاقا مستقبلا بعد ما تقدم ذكره. فثبت بذلك أن قوله (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ) ، وهو تركها حتى تنقضي عدتها. وهذا صحيح عندنا، إلا أنه إذا لم يكن التسريح المذكور في القرآن بمعنى الطلاق، فلا يكون فيه دلالة على كون لفظ السراح صريحا على ما قاله أصحابنا، لأن الله تعالى ما أراد به بيان اللفظ، وإنما أراد به تخلية سبيلها، حتى تبين بالطلاق المتقدم بعد انقضاء العدة، من غير

стр. 183

اعتبار لفظ آخر، فليطلب لكون السراح صريحا مأخذ آخر على هذا الرأي ... قوله تعالى: (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) ، تبعد دلالته على الوطء مضافا إليها حتى يقال: إن المراد به حتى تطأ زوجا غيره. وإنما المراد به حتى تجتمع بزوج غيره، والاجتماع يحتمل الوطء، ويحتمل غيره، ودل خبر رفاعة «١» على اعتبار الوطء، ولم يخالف فيه غير سعيد بن المسيب، فإنه قال: يكفي النكاح. ولئن قيل: ترك دلالة الغاية المذكورة لمجرد خبر رفاعة بعيد. فيقال: وما بين الله تفصيل الغاية، فإنه قال: (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) . فذكر الوطء شرطا، ويجوز أن يكون وراء هذا الشرط شرط آخر، ويجوز أن لا يكون، مثل قوله: (وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) «٢» . ويجوز أن تغتسل وتتوقف الاستباحة على شرط آخر. وذكر شرط وبيان توقف الحكم عليه، لا يمنع اعتبار شرط آخر،

стр. 184

والدليل عليه أنه قال: (فَإِنْ طَلَّقَها) ، فاعتبر الطلاق وحل المحل ثابت قبله، وقال: (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما) (٢٣٠) وانقضاء العدة معتبر أيضا. قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ. الآية) (٢٢٩) . وقد قال تعالى في آية أخرى. (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) «١» . فهذا يمنع أخذ شيء منه دون رضاها، إذا كان النشوز منه.. وقال في آية أخرى: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ) «٢» فقيد بحالة خوف الشقاق.. وقال في موضع آخر: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ «٣» )

стр. 185

(لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) «١» .. ومعنى الفاحشة، يحتمل أن يكون نشوزا من قبلها، أو زنا يخرج صدره، ويحمله على المخاصمة. وذكر الله تعالى في موضع آخر، إباحة أخذ المهر في قوله تعالى: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ «٢» نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) «٣» . وقال تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) «٤» .

стр. 186

قوله: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً) محكم تعضده «١» الأصول، وهو أنه إذا جاز له أخذ المال منها برضاها في غير الخلع، فهو في حال الخلع جائز. وقال بعض السلف: إنه لا يجوز إلا في حالة الضرورة وخوف الشقاق وهو باطل، فإن الغرض من ذكر حال الشقاق، بيان الخلع في غالب الحال، وإلا فعموم قوله تعالى: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً) ، مع ظهور العلة فيه، وهو كون المبذول حقا لها، ولها أن تهب من شاءت أولى بالاعتبار. وكذلك يشهد له قوله ﵇: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» . واختلف العلماء في الخلع هل هو فسخ أم طلاق؟ فالذي لا يراه طلاقا يقول: قد قال تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) . ثم قال: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ) . ثم قال بعد ذلك: (فَإِنْ طَلَّقَها) ، فلو كان الخلع طلاقا، لكان

стр. 187

الخلع بعد ذكر طلقتين ثالثا، وكان قوله: (فَإِنْ طَلَّقَها) بعد ذلك، دالا على الطلاق الرابع. وهذا غلط، فإن قوله (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) ، أفاد حكم الاثنتين إذا أوقعهما على غير «١» وجه الخلع، وأثبت معهما الرجعة بقوله: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ) ، ثم ذكر حكمهما إذا كان على وجه الخلع، فعاد الخلع إلى الثنتين المقدم ذكرهما. أو المراد بذلك بيان الطلاق المطلق، والطلاق بعوض، والطلاق الثلاث بعوض كان أو بغير عوض، فإنه يقطع الحل إلا بعد زوج. وظن ظانون أن في الآية ما يدل على أن المختلعة يلحقها الطلاق، فإنه قال: (فَإِنْ خِفْتُمْ) ، وذلك بيان الطلاق المقدم ذكره بعوض، ثم قال: (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) . فتكون الثالثة حاصلة بعد «٢» الخلع. ويدل على أنّ الثالثة بعد الخلع قوله تعالى في نسق التلاوة: (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ) (٢٣٠) ، عطفا على ما تقدم ذكره في قوله:

стр. 188

(وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ) (٢٢٩) . فأباح لهما التراجع بعد التطليقة الثالثة، بشريطة زوال ما كانا عليه من الخوف، لترك إقامة حدود الله تعالى، لأنه جائز أن يندما بعد الفرقة ويحب كل واحد منهما أن يعود إلى الألفة. فدل ذلك على أن هذه الثالثة مذكورة بعد الخلع. وزعموا أن قوله تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ) ، يبعد أن يرجع إلى قوله: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) ، لأن الذي تخلل من الكلام يمنع بناء قوله: (فَإِنْ طَلَّقَها) ، على قوله: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) ، بل الأقرب عوده إلى ما يليه كما في الاستثناء، بلفظ التخصيص أنه عائد إلى ما يليه ولا يعود إلى ما تقدمه إلا بدلالة، كما أن قوله تعالى: (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) «١» . صار مقصورا على ما يليه، غير عائد إلى ما تقدمه، حتى لا يشترط الدخول في أمهات النساء. وذكروا أن هذا أبعد من ذلك، فإن عطفه على ما يليه وما تقدمه، أقرب من إخراج ما يليه بالكلية وترك العطف عليه «٢» . وهذا الذي توهمه هؤلاء باطل، فإن قوله: (فَإِنْ طَلَّقَها) ، ليس يدل على الثالث، إلا بتقدير عطفه على عدد مذكور قبله.

стр. 189

وقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) (٢٢٩) ، لا يدل على طلقتين، لا تعريضا ولا تصريحا، حتى يكون قوله: (فَإِنْ طَلَّقَها) مرتبا عليه. وقوله تعالى: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) ، مسوق لبيان جواز بذل العوض، لا لبيان عدد الطلاق والمقابل للعوض. وقوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ) يدل على عدد الطلاق الذي يثبت فيه حق الرجعة. وقوله (فَإِنْ طَلَّقَها) ، بيان تمام ذلك العدد، الذي لا يقترن به الاستدراك. ثم جواز الافتداء يستوي فيه الواحد والعدد، وذلك بين بأول الخاطر، وليس فيه شبهة على متأمل. قوله تعالى: (وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) الآية (٢٣١) : أجمع العلماء على أن المراد ببلوغ الأجل مقاربة البلوغ، ولذكر بلوغ الأجل- والمراد به مقاربته دون انقضائه- نظائر كثيرة من القرآن واللغة، قال الله تعالى: (إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) «١» ومعناه: إذا أردتم الطلاق وقاربتم أن تطلقوا فطلقوا للعدة. وقال تعالى: (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) «٢» .

стр. 190

ومعناه: إذا أردت قراءته. وقال: (وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) «١» . وليس المراد به العدل بعد القول، لكن قبله يعزم على أن لا يقول إلا عدلا. فعلى هذا ذكر بلوغ الأجل، والمراد به مقاربته دون وجود نهايته. وإنما ذكر مقاربته البلوغ عند الأمر بالإمساك بالمعروف- وإن كان ذلك عليه في سائر أحوال بقاء النكاح- لأنه وصل به التسريح وهو انقضاء العدة وجمعهما في الأمر، ومعلوم أن التسريح له حالة واحدة لا تدوم، فخص حالة بلوغ الأجل بذلك، لينتظم المعروف الأمرين جميعا. وقوله: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ) : إباحة الإمساك بمعروف، فهو القيام بما يجب لها من حق على زوجها «٢» . والتسريح بالإحسان أن لا يقصد مضارتها لتطويل العدة عليها بالمراجعة، وتبين ذلك بقوله عقيب ذلك: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) (٢٣١) . ويجوز أن يكون من الفراق بالمعروف أن يمتعها عند الفرقة. فإذا ثبت ذلك فالشافعي يقول: «إن عجز عن نفقة امرأته فليس يمسكها بمعروف، فيجب عليه أن

стр. 191

يسرحها بإحسان، فإن الله تعالى إنما خيره بين شيئين لا ثالث لهما، فإذا عجز عن أحدهما تعين الثاني» اهـ. فظن بعض الجهلة، أن العاجز ممسك بمعروف، إذ لم يكلف الانفاق في هذه الحالة، وهذا جهل وحمق، فإن العاجز إنما لم يكلف ما عجز عنه، ونحن لا نكلفه النفقة، إلا أنا نقول: إذا عجز عن الإمساك بالمعروف، فالتسريح بالإحسان مقدور. نعم إذا قدر على نفقة المعسرين فلينفق مما آتاه الله. ويدل عليه أن العلماء قالوا: إذا عجز عن الانفاق على عبده أو أمته يقال له: بع عندك أو أمتك، لا على معنى أنا نكلف العاجز، ولكن إن عجز عن النفقة، فلم يعجز عن البيع. وإمساك العبد بالمعروف ليس منصوصا عليه، وإنما هو مفهوم من النكاح، فالنكاح بذلك أولى. قوله: (وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً) . بيان النهي عن تطويل العدة عليها بالمراجعة، إذا قارب انقضاء العدة راجعها، فأمر الله تعالى بالإمساك بالمعروف، ونهاه عن مضارتها بتطويل العدة عليها. وقوله: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) «١» (٢٣١) . يدل على أن الرجعة تنعقد «٢» على هذا الوجه، ويكون بذلك ظالما، ولو لم يثبت التطويل به ما كان ظالما، وكانت رجعته لغوا لا حكم لها. وقوله تعالى: (وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً) «٣» (٢٣١) .

стр. 192

فروي عن أبي الدرداء أنه كان الرجل يطلق امرأته ثم يرجع فيقول: كنت لاغيا، ويعتق، ويرجع، ويقول: كنت لاغيا، فأنزل الله تعالى: (وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً) . وروى عن أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ثلاث جدهن جد وهولهن جد: الطلاق، والنكاح، والرجعة» . وإنما ذكر ذلك رسول الله ﷺ ، تفسيرا لكتاب الله تعالى: قوله: (وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ) (٢٣٢) . فذكر أصحاب الشافعي أن بلوغ الأجل ها هنا حقيقة الانفصال. وقوله: (فَلا تَعْضُلُوهُنَّ) «١» ، خطاب للأولياء، ونهيهم عن الامتناع من تزويجها. وذكر أصحاب أبي حنيفة، أن معنى هذه الآية لا يتحقق عندكم، فإن الولي، إذا كان هو المزوج والمتصرف فلا يقال: لا تمنعوا فلانا من أن يبيع وأنتم البائعون، فلو لم يكن إلى المرأة النكاح لما صح أن يقول: «فلا تمنعوهنّ من النّكاح أن ينكحن» ، وهو لا يمنعها إنما يمنع نفسه. وقوله (يَنْكِحْنَ) فعل مضاف إليهن، وإذا نهاه عن البيع، وجب

стр. 193

أن لا يكون له حق بما نهى عنه من منع المرأة، فتقدير الكلام: ليس للولي منع المرأة من النكاح، إذا تراضوا بينهم بالمعروف وهو الكفؤ، وإنما نهى الله تعالى عن العضل، إذا تراضوا بينهم بالمعروف. ومما استشهدوا به أيضا قوله تعالى: (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) «١» ولم يذكر الولي. والذي ذكره هؤلاء غلط، وذلك أن الله سبحانه إنما قال: (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) . وقوله: (أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ) ، بناء على العادة الجميلة المندوب إليها في الشرع، وهي تفويضهن النكاح إلى الأولياء، بعد الرضا بالأزواج، واختيارهم، لا مباشرة المرأة عقد النكاح دون الأولياء، فإن ذلك خرم للمروءة، وهتك للستر، وفتح لأبواب التهمة، وشناعة في العرف. وذكر آخرون أن الآية بنظمها، دالة على أن الولي غير مراد بالآية، فإنه قال في أول الآية: (وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ) . وقوله: (فَلا تَعْضُلُوهُنَّ) خطاب لمن طلق، فمعنى ذلك عضلها عن الأزواج بتطويل العدة عليها. وغاية ما يرد على هذا: أن ذلك يخرج قوله (فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) عن البلوغ حقيقة.

стр. 194

والأول يجيب عن هذا، أن حمل البلوغ على مقاربة البلوغ، لا يلحق اللفظ بالمستكره والبعيد في مجاري كلام البلغاء. أما قول القائل: (إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ) يا أولياء، فيقطع نظام الكلام، ويضمر ما لم يجر له ذكر بوجه، فهو ركيك من الكلام، مستكره في التأويل. فقيل لهم: إن الذي قلتموه فهمناه من قوله قبل هذا: (وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) . فكيف يعيد عين ذلك بلفظ هو كناية عن القرب من ذكره باللفظ الصريح من غير فائدة، وهذا بين جدا. ويدلك على ذلك ما رواه شريك عن سماك، عن ابن أخي معقل ابن يسار، عن معقل، أن أخت معقل كانت تحت رجل فطلقها، ثم أراد أن يراجعها، فأبى عليه معقل فنزلت هذه الآية. وروى عن الحسن هذه القصة، وأن الآية نزلت فيها، وأن النبي ﵇ دعا معقلا وأمره بتزويجها إياه. وهذا الحديث غير ثابت على مذهب أهل النقل، لما في سنده من الرجل المجهول الذي يروى عنه سماك، وحديث الحسن مرسل، ولكنه مشهور، والمرسل عندهم حجة. والقاضي إسماعيل بن إسحاق يرويه في أحكام القرآن عن الحسن قال: «حدثني معقل بن يسار، الحديث.» ثم يقول: «ثم تركها حتى انقضت عدتها» . ويروى ذلك بأسانيد شتى..

стр. 195

قوله تعالى: (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ «١» كامِلَيْنِ) الآية (٢٣٣) . إلى قوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (٢٣٣) . وذلك يدل على جواز استئجار الأم على إرضاع ولدها، سواء كانت مطلقة أو مزوجة. وعندنا الأم إذا امتنعت من إرضاع ولدها إلا بأجرة ومؤونة، فيجوز لها ذلك، والأب يستأجرها. وإذا رضيت الأم بما ترضى به الأجنبية، فلا تضار والدة بولدها في انتزاعه منها، فلا يكون للزوج انتزاع الولد منها، إذا رضيت بأن ترضعه بأجرة مثلها، وهي الرزق والكسوة بالمعروف، وإن لم يرض. ولما قال: (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ) جعلن أحق بحضانة الولد، وذلك يدل على أن الأصل في الحضانة الأم، لأن حاجة الولد بعد الرضاع إلى من يحضنه، كحاجته إلى من يرضعه، فإذا كانت في حالة الرضاع أحق به، وإن كانت المرضعة غيرها، علمنا أن في كونه عند الأم حقا لها وللولد جميعا، وهو أن الأم أرفق وأحنى عليه، فإذا بلغ سن التمييز- وهو السن الذي يؤمر بالصلاة فيه، وذلك يدل على التمييز

стр. 196

والعقل- فيخير بين أبويه، فإن في تلك الحالة تتحرك همته لتعلم القرآن والأدب ووظائف العبادات، وذلك يستوي فيه الغلام والجارية، خلافا لأبي حنيفة، فإنه جعل الأم أولى بالجارية إلى الحيض والبلوغ، لحاجتها- بخلاف الغلام- إلى آداب النساء، وهذا بعيد، فإن الحاجة إلى الوظائف والفرائض الدينية أصلية، وآداب النساء قريبة، وليست الحاجة إليها ضرورية، وهي قليلة يمكن تحصيلها في مدة يسيرة، ومع ذلك فهيبة الأب تكفها عن المساوئ، وليس للنساء مثل هيبة الرجال، وفي المسألة أخبار لا تتعلق بمعاني القرآن، فتركنا ذكرها) .. قوله تعالى: (لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ) (٢٣٣) . وظن ظانون أن قوله: (وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ) من النفقة، فإنها على الوارث. وليس ذلك مذهبا لأبي حنيفة، فإنه لا يعلقها على الإرث، وإنما يعلقها على الرحم والمحرمية مع الإرث، ولا نعلم في العلماء من يعلق على الإرث، سوى ما ذكر عن أحمد، فإنه طرد ظاهر الإرث حتى قال: الجد من قبل الأم لا نفقة عليه مع وجود ابن العم، وطرد ذلك في النساء والرجال والحجب بالأشخاص والأوصاف. وذلك في غاية البعد عن الأوضاع الشرعية، ومع هذا فلا دلالة للقرآن عليه، فإن قوله تعالى: (وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ) ، يمكن أن يحمل على أقرب مذكور، وهو نفي المضارة. وعن ابن عباس والشعبي: وعلى الوارث أن لا يضار في تفسير هذه الآية.

стр. 197

ولما أراد النفقة بعد ذلك قال: (وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ) ذكر الولادة، ورد الأمر في النفقة إليها. وقال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق ﵀ في كتاب «معاني القرآن» : أما أبو حنيفة فإنه قال: تجب نفقة الصغير ورضاعه على كل ذي رحم محرم، مثل أن يكون رجل له ابن أخت صغير محتاج، وابن عم صغير محتاج وهو وارثه، أن النفقة تجب على الحال لابن أخته الذي لا يرثه، وتسقط عن ابن العم لابن عمه الوارث، ثم قال: وقالوا قولا ليس في كتاب الله تعالى، ولا نعلم أحدا قاله، ثم قال هذا الرجل: وإذا ولد الولد وأبوه ميت، فعلى أمه أن ترضعه لأن الله تعالى جعلها المرضعة، فلا يسقط عن الأم ما كان واجبا عليها بسقوطه عن الأب بالموت. فلم ير هذا الرجل ما وجب عليها بإزاء ما وجب لها، فإذا لم يكن ما وجب لهم، لم يجب ما يقابله. ولا خلاف أنه إذا انقطع لبنها بمرض أو غيره، فلا شيء عليها، وإن أمكنها أن تسترضع، ولا عليها نفقة بعد الرضاع، وكذلك قبله لا فرق. ومالك لا يوجب النفقة إلا على الأب للابن، وعلى الابن للأب، ولا يوجبها للجد على ابن الابن.. قوله تعالى: (فَإِنْ أَرادا فِصالًا «١» عَنْ تَراضٍ مِنْهُما) (٢٣٣) ،

стр. 198

يدل على الفطام قبل الحولين، وقد يدل على الفطام أيضا بعد الحولين، لأن الفاء للتعقيب، فوجب أن يكون الفصال الذي علقه بإرادتهما بعد الحولين. وإذا ثبت ذلك، فتخصيص تحريم الرضاع بمدة الحولين، لا بد من تأصل مستنده، مع أن الليث بن سعد صار إلى أن إرضاع الكبير، يوجب تحريم الرضاع، وانفرد به من بين العلماء. وروي عن عائشة مثل ذلك. وكانت تروي في ذلك حديث سالم مولى أبي حذيفة أن النبي ﵇ قال لسهلة بنت سهيل- وهي امرأة أبي حذيفة-: «أرضعيه خمس رضعات ثم يدخل عليك» . وتمام هذا الحديث، أن سهلة بنت سهيل قالت: «يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة «١» من دخول سالم علي» ، فقال النبي ﵇: «أرضعيه» . وقد روى مسروق في مقابلته عن عائشة، أن رسول الله دخل عليها وعندها رجل فقالت: يا رسول الله، إنه أخي من الرضاعة، فقال ﵇: «انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة» «٢» . وهذا يقتضي اختصاص الرضاع بالحالة التي يسد اللبن مجاعته، ويكتفي في غذائه به.

стр. 199

وقد روي عن أبي موسى أنه كان يرى رضاع الكبير، وروي عنه ما يدل على رجوعه، وهو ما روى أبو حصين عن أبي عطية قال: قدم رجل بامرأته إلى المدينة فوضعت وتورم ثديها، فجعل يمجه «١» ويصبه، فدخل في بطنه جرعة منه، فسأل أبا موسى فقال: بانت منك وائت ابن مسعود فأخبره، ففعل، فأقبل بالأعرابي إلى الأشعري وقال: أرضيعا ترى هذا الأشمط؟ «إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللجم والعظم» ، فقال أبو موسى الأشعري: لا تسألوني ما دام هذا بين أظهركم. وقوله: «لا تسألوني» ، يدل على أنه رجع عن ذلك. وروى جابر عن رسول الله أنه قال: «لا يتم بعد حلم ولا رضاع بعد فصال» . وفي حديث آخر: «الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم» . فإذا ثبت أن رضاع الكبير لا يحرم، فالشافعي يقدر أثر الرضاع بالحولين. وأبو حنيفة يزيد ستة أشهر ويقول: ما يحرم بعد الحولين يحرم- فطم أو لم يفطم، إلى ستة أشهر. وقال زفر: ما دام يجتزى باللبن ولم يفطم، فهو رضاع، وإن أتى عليه ثلاث سنين.

стр. 200

وقال الأوزاعي: إذا فطم لسنة واستمر فطمه، فليس بعده رضاع. فأما الشافعي فإنه يرى: كأن التقدير بستة أشهر، كالتقدير بسنة، والتقدير بشهر، وذلك تحكم لا مستند له، وهو مثل تقدير أبي حنيفة في بلوغ الغلام بثمان عشرة سنة، وقوله: لا يدفع المال إلى الذي لم يؤنس رشده، إلا بعد خمس وعشرين سنة، وكل ذلك تحكم. ولا مستند في مثل ذلك إلا التوقيف، والتوقيف قوله تعالى: (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ) . ونص على أن الحولين إتمام الرضاعة، ولفظ الإتمام، يمنع إمكان الزيادة عليه في الحكم المتعلق بما قبل التمام. نعم، قد قال ﷺ : «من أدرك عرفة فقد تم حجه» . ومعناه تمام الإدراك الذي لا يلحقه إمكان فوت. وهذا المعنى متعلق بالوقوف، فإذا ظهر لنا هذا المستند، فالتقدير لستة أشهر بعده، لا وجه له. وقد روى جابر أن النبي ﵇ قال: «لا رضاع بعد الحولين» . وفي رواية: «لا رضاع بعد فصال» ، والأصل كتاب الله تعالى الدال على تمام الرضاع في الحولين. وقوله تعالى: (فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ) يدل على فوائد، منها:

стр. 201

جواز الاجتهاد في الأحكام، بإباحة الله تعالى للوالدين التشاور فيما يؤدي إلى صلاح أمر الصغير، وذلك موقوف على غالب ظنونهما، لا على الحقيقة واليقين. وفيه دليل على أن الفطام في مدة الرضاع موقوف على تراضيهما، وأنه ليس لأحدهما أن يفطمه دون الآخر، لقوله: (فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما) . وروي عن قتادة قال: كان الرضاع واجبا في الحولين، وكان يحرم الفطام قبله، ثم خفف وأبيح الرضاع أقل من هذه المدة، بقوله تعالى: (فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما) . أن يفطما قبل الحولين وبعدهما.. قوله تعالى: (يَتَرَبَّصْنَ «١» بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) (٢٣٤) : نسخ ذلك قوله تعالى: (مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ) «٢» ، وفي ذلك الوقت، كانت الوصية للأزواج واجبة، وهي النفقة إلى الحول، ثم أبدلت الوصية بالميراث، إما ربعا في حالة، أو ثمنا في حالة. وقوله: (مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ) نسختها العدة أربعة أشهر وعشرا. ولا خلاف أن هذه الآية خاصة في غير الحامل.

стр. 202

واختلفوا في الحامل المتوفي عنها زوجها على ثلاث مذاهب: فقال علي ﵁، وإحدى الروايتين عن ابن عباس: عدتها آخر الأجلين «١» . وقال عمر وابنه، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة في آخرين: عدتها أن تضع حملها. وقال الحسن: عدتها أن تضع حملها، وتطهر من نفاسها، ولا تتزوج وهي ترى الدم. فأما علي ﵁: فإنه ذهب إلى أن قوله: (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) يوجب الشهور. وقوله: (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) «٢» ، يوجب انقضاء العدة بوضع الحمل. فجمع بين الآيتين في إثبات حكمهما في المتوفي عنها زوجها، وجعل انقضاء عدتها آخر الأجلين، من وضع الحمل أو مضي الشهور. وقال ابن مسعود «٣» : من شاء باهلته، إن قوله تعالى: (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) نزلت بعد قوله: (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) .

стр. 203

فاتفق الجميع على أن قوله: (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ) عام في المطلقة والمتوفى عنها زوجها، وإن كان مذكورا بعد ذكر الطلاق، لاعتبار الجميع الحمل في انقضاء العدة. قالوا جميعا: إن مضي الشهور لا تنقضي به عدتها إذا كانت حاملا، حتى تضع حملها، فلا تعتبر الشهور معه، ولم يختلفوا في أن عدة الطلاق تنقضي بوضع الحمل، من غير ضم الأقراء إليها، وقد كان جائزا أن يكون الحمل والأقراء مجموعين عدة لها، بأن لا تنقضي عدتها بوضع الحمل، حتى تحيض ثلاث حيض، فكذلك يجب أن تكون عدة الحامل المتوفي عنها زوجها في الحمل، غير مضموم اليه الشهور. وقال الأصم: إن الآيات في عدة الوفاة والطلاق بالأشهر والأقراء عامة في حق المرأة والأمة، فعدة الحرة والأمة سواء. وهذا مذهب له وجه من حيث التوقيف، فإن العمومات لا فصل فيها بين الحرة والأمة، وقد استوت الحرة والأمة في النكاح، إلا أن الذي نصف، تلقاه من وجوب العدة باعتبار الحرمة، وحرمة الأمة دون حرمة الجرة، وهذا فيه ضعف، لاستواء المسلمة والكافرة الحرة في العدة، ولأن العدة وجبت لحق الزوج، وحق الزوج بالإضافة إلى الحرة والأمة واحد، وهذا بين، فإن صح الخبر في قوله ﷺ : «طلاق الأمة طلقتان وعدتها حيضتان فهو متعلق، وإلا فالمتعلق ضعيف. واختلف السلف في المتوفي عنها زوجها إذا لم تعلم بموته وبلغها الخبر. فقال ابن مسعود وابن عباس وعطاء وجابر بن زيد: إن عدتها من يوم

стр. 204

يموت، وكذلك الطلاق من يوم طلق، وهو قول فقهاء الأمصار. وقال علي ﵁ والحسن البصري: يوم يأتيها الخبر في الموت، وفي الطلاق من يوم طلق. وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ) «١» يدل على أنه يتعلق بالموت، وكذلك قوله: (وَالْمُطَلَّقاتُ) يدل على أن العدة متعلقة بالطلاق. والذي ذهب اليه من اعتبر بلوغ الخبر، أن عدة الوفاة قضاء لحق الزوج، وإنما يتحقق ذلك إذا علمت واعتزلت وتركت الزينة عن اختيار، فإذا لم تعلم، فلا يتحقق هذا المعنى، وهذا بين، إلا أنها لو علمت موت الزوج، فلم تجتنب الزينة، انقضت عدتها، فعلم أن المعتبر في ذلك تقضي الوقت. فأما السكنى فللمطلقة لقوله تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ) «٢» . والمتوفى عنها زوجها لم يذكر في القرآن سكناها. وقد اختلف قول الشافعي، فيما إذا مات عنها زوجها وهي في منزل: فالذي عليه الأكثرون أنها لا تخرج. ونقل عن الشافعي أنه قال: تخرج وتسكن أي منزل شاءت، إنما الإحداد في الزينة «٣» . وقد ورد في الخبر عن أخت أبي سعيد الخدري، أنها استأذنت رسول

стр. 205

الله ﷺ في عدة وفاة زوجها أن ترجع إلى أهلها من بني عذرة، فقال لها رسول الله ﷺ : «امكثي حتى يبلغ الكتاب أجله» . وليس في لفظ العدة في كتاب الله ما يدل على الإحداد، إلا أن الإحداد وجب بالسنة.. قوله تعالى: (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ «١» النِّساءِ) : فأباح التعريض بالخطبة وإضمار نكاحها، من غير إفصاح به. وفيه دليل على نفي الحد بالتعريض بالقذف، فإن الله تعالى لم يجعل التعريض في هذا الموضع بمنزلة التصريح، فكذلك لا يحصل التعريض بالقذف كالتصريح، وإذا خالف الله تعالى بين حكمهما، بأن به تفاوت ذنبه ما بين التعريض والتصريح، والحدود مما يسقط بالشبهات، فهي في حكم السقوط والنفي آكد من النكاح، فإذا لم يساو التعريض في النكاح والتصريح، وهو آكد في باب الثبوت من الحد، كان أولى أن لا يثبت بالتعريض من حيث دل على أنه لو خطبها بعد انقضاء العدة بلفظ التعريض، لم يقع بينهما عقد النكاح، وكان تعريضه بالعقد مخالفا للتصريح، فالحد أولى أن لا يثبت به، ومعلوم أن المراد بالتعريض قد يحصل في الخطبة، ولكنه دون التصريح فافترقا «٢» ، وكذلك في القذف،

стр. 206

وقد أمكن أن يكون التعريض بالقذف لا للمقذوف، ولكن لشخص آخر متصل به، وذلك الشخص لا يدري حاله. وعرض رسول الله ﷺ بخطبة فاطمة بنت قيس وهي في العدة وقال: «لا تفوتينا نفسك» وإنما كان يريد خطبتها لأسامة بن زيد، وفي ذلك رد على مالك في إيجابه الحد بالتعريض بالقذف، والاحتجاج بالتعريض بالخطبة على مالك، وهو لطيف.. وفي قوله تعالى: (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ «١» النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ) (٢٣٥) . دليل على تحريم نكاح المعتدة. وقوله تعالى: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ) (٢٣٥) . يعني بالتزويج، لرغبتكم فيهن، ولخوف أن لا يسبقكم إليهن غيركم، فأباح لهم التوصل إلى المراد بذلك التعريض دون الإفصاح. وذلك يدل على جواز التوصل إلى الأشياء من الوجوه المباحة، وإن كانت محظورة من وجوه أخر، نحو ما أشار الله تعالى إليه في ثمر خيبر، على ما بينه الفقهاء في كتبهم.

стр. 207

ولا خلاف بين الفقهاء: أن من عقد على امرأة نكاحا وهي في عدة غيره، أن النكاح فاسد. وبلغ عمر، أن امرأة من قريش تزوجها رجل من ثقيف وهي في عدتها، فأرسل إليهما وفرق بينهما وعاقبهما وقال: لا تنكحها أبدا، وجعل الصداق في بيت المال، وفشا ذلك في الناس، فبلغ عليا ﵁ ذلك فقال: «يرحم الله أمير المؤمنين، ما بال الصداق في بيت المال، إنهما إن جهلا فيجب على الإمام أن يردهما إلى السنة» ، فقيل له: «فما تقول فيه أنت» .. فقال: «لها الصداق بما استحل به من فرجها، ويفرق بينهما، وتكمل عدتها من الأول، ثم تكمل عدتها من الآخر، ثم يكون خاطبا» . فبلغ ذلك عمر فخطب الناس فقال: «يا أيها الناس، ردوا الجهالات إلى السنة» «١» . وقال مالك والأوزاعي والليث بن سعد: لا تحل له أبدا. قال مالك والليث: ولا بملك اليمين، مع أنهم جوزوا التزويج بالمزني بها. وفي اتفاق عمر وعلي ﵄ على انتفاء الحد، دليل على أن النكاح الفاسد لا يوجب الحد، إلا أنه مع الجهل بالتحريم، متفق عليه، ومع العلم به، مختلف فيه.. قوله تعالى: (لا جُناحَ «٢» عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ)

стр. 208

(تَمَسُّوهُنَّ «١» أَوْ تَفْرِضُوا «٢» لَهُنَّ فَرِيضَةً) (٢٣٦) : تقدير الآية: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة «٣» . وقد نزلت الآية في رجل من الأنصار، تزوج امرأة ولم يسم لها مهرا، وطلقها قبل أن يمسها. وكما دل على ذلك سبب النزول دل السياق عليه، فإنه تعالى قال معطوفا عليه: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ «٤» فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) (٢٣٧) : فلو كان الأول بمعنى ما لم تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة أو لم تفرضوا، لما عطف عليها المفروض لها، فعلم أن معناه: ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة، فيكون أو بمعنى الواو. وقال تعالى في مثله: (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) «٥» .

стр. 209

وقال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) «١» . معناه: وجاء أحد منكم من الغائط وكنتم مرضى أو مسافرين. وهذا موجود في اللغة، وهو في النفي أظهر من دخولها عليه بمعنى الواو «٢» ، مثل ما قدمناه من قوله: (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) . وقوله: (وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) «٣» ، «أو» في هذه المواضع هي بمعنى الواو.. وقوله تعالى: (لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) . لما دخلت «٤» على المنفي كانت بمعنى الواو. فيشترط وجود المعنيين، لوجوب المتعة على هذا التقدير. وفي عموم قوله: (ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ) ، دليل على جواز الطلاق في حالة الحيض قبل الدخول «٥» .

стр. 210

وقد زعم قوم أن المتعة ندب، وهو قول مالك، وذكروا أن قوله تعالى: (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) «١» ، يدل على أنه ليس بأمر جزم، فإن التقوى لا تدرى. ولا شك أن عموم الأمر بالإمتاع في قوله: (وَمَتِّعُوهُنَّ) . وإضافة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله: (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ) يظهر في الوجوب، وقوله (عَلَى الْمُتَّقِينَ) تأكيد لإيجابها، لأن كل أحد يجب عليه أن يتقي الله تعالى في الإشراك به ومعاصيه، وقد قال الله تعالى في القرآن: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) . ومالك يقول: إن الأصل أن لا يجب للمطلقة شيء، إذا عاد البضع سليما إليها، كما لا يجب للبائع شيء، إذا رجع المبيع سليما اليه. فقياس ذلك نفي المتعة. وهذا ضعيف، فإن هذا القياس، كان لمنع وجوب عوض البضع وهو المهر للمفوضة، وليس فيه ما ينفي المتعة التي وجبت في مقابلة الأذى الحاصل بالطلاق، وليس في قياس الأصول ما يدفع ذلك بوجه، وهذا يقتضي أن لا يكون للمملوكة متعة، إذا طلقت قبل الفرض والمس، لأن المتعة تكون للسيد، وهو لا يستحق مالا في مقابلة تأذي مملوكته بالطلاق، ولا أعلم أحدا قال ذلك سوى الأوزاعي والثوري، فإنهما زعما أن لا متعة في هذه الحالة. وذكر أصحاب أبي حنيفة، أن مهر المثل مستحق بالعقد، والمتعة هي بعض مهر المثل، فتجب لها، كما يجب نصف المسمى إذا طلقها قبل الدخول.

стр. 211

وقال محمد بن الحسن: لو رهنها بمهر المثل رهنا، وطلقها قبل الدخول، كان رهنا بالمتعة، ومحبوسا بها، إن هلك هلك بها. وذلك بعيد، مع الاتفاق على سقوط مهر المثل بالطلاق قبل الدخول «١» وليست المتعة بدلا عن البضع، فإن المعتبر به حال الرجل بنص كتاب الله تعالى: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) (٢٣٦) . فدل ذلك على أنها ليست بدلا عن البضع. كيف؟ والمتعة وجبت في حالة سقوط حقه عن بضعها، والمهر في مقابلة استحقاقه بعضها، فبينهما تضاد في الحقيقة، لأن أحدهما يدل لاجتماعهما، والآخر لافتراقهما. وسبب المتعة أذية حصلت بالطلاق، وهو أيضا في طريق النظر مشكل، فإن الزوج إذا جاز له أن يطلقها فإنما أسقط حقا لنفسه، فمن أين يجب عليه مال لها من جهة أنها لا تريد فراقه؟ ولو وجب لها شيء، فإنما يجب لأنه فوت عليها حقها، وذلك يمنع كون الطلاق مباحا. وعلى أنه لو كانت المتعة صداقا، أو عوضا عن صداق، لما صح الترغيب في المتعة التي تستحق المهر بالمسيس، والترغيب في الأحوال كلها في الامتاع واحد. وذلك يؤكد قول مالك في أن محل المتع كلها واحد، كما أن محل الصداق واحد، فالمتعة في الأحوال كلها بعد الفراق، والصداق قبله،

стр. 212

فدل مجموع ذلك على أن تعرية النكاح عن المهر ممكنة، وفي ذلك سقوط قول الذين زعموا أن المتعة عوض عن الصداق أو عن البضع. نعم، لا خلاف أن المطلقة قبل الدخول، لا تستحق المتعة على وجه الوجوب، إذا وجب لها نصف المهر المسمى، فذلك يوهم كون المتعة قائمة مقام المهر، لأنها وجبت حيث لا فرض، ولم تجب عند من أوجبها، حيث ثبت نصف المفروض. ويجاب عنه، بأن العلة فيه، أنه لما رجع البضع إليها مع نصف المفروض، حصل به التسلي، فزال معنى التأذي بالفراق. فلم تجب المتعة لعدم سببها، وهو التأذي بالفراق. وأما قوله تعالى: (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) عام في حق المطلقات. واختلف قول الشافعي ﵀ في حق المطلقة للدخول بها، وظاهر العموم لا يقتضي التردد، إلا أنه ربما قيل: إن المطلقة بعد المس، استحقت المهر في مقابلة وطء تقدم، فلم يرجع البضع إليها سليما، حتى يكون ذلك مانعا من التأذي بالفراق الذي هو سبب المتعة. ويقال في معارضة ذلك: إن المهر كان في مقابلة وطئات العمر، وقد عاد إليها ذلك مع كمال المهر، فيتردد ويتفاوت النظر، فلا جرم، اختلف قول الشافعي فيه. فأما تقدير المتعة فإن الله تعالى يقول: (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ «١» قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ) .

стр. 213

وذلك يقتضي بظاهره اعتبار حال الرجل، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة. وذكر بعض علمائنا، أن حالها معتبر مع ذلك أيضا، ولو اعتبرنا حال الرجل وحده، لزم منه أنه لو تزوج بامرأتين، إحداهما شريفة والأخرى دنية، ثم طلقهما قبل الدخول ولم يسم لهما، أن يكونا متساويين في المتعة، فيجب للشريفة مثل ما يجب للدنية، والله تعالى يقول: (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) وليس ذلك من المعروف، بل هو في العرف منكر. ويلزم منه: أن الموسر العظيم اليسار، إذا تزوج امرأة دنية فهو مثلها، وبيانه: أنه لو دخل بها، وجب لها مهر مثلها إن لم يسم لها شيئا، ولو طلقها قبل الدخول، لزمته المتعة على قدر حاله، فيكون ذلك أضعاف مهر مثلها، فتستحق قبل الدخول «١» أضعاف ما تستحقه بعد الدخول، وذلك يقتضي أن لا يزاد على قدر المهر الواجب بأعلى غايات الابتذال وهو الوطء. ثم قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) . (٢٣٧) المراد بالفرض ها هنا، تقدير المهر وتسميته في العقد، وإنما فهم منه الفرض في العقد، لأنه ذكر المطلقة التي لم يسم لها فرضا بقوله تعالى: (إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) ،

стр. 214

وذلك يقتضي أن يعقب بذكر من فرض لها في العقد وطلقت. فأما المفروض لها بعد العقد، إذا طلقت قبل الدخول: فقال أبو حنيفة: ليس لها مهر مثلها. ومالك والشافعي وأبو يوسف: يجعلون لها نصف الفرض. ويجعل أبو حنيفة المفروض بعد العقد، كالذي لم يفرض، ويوجب المتعة، وليس له في ذلك مستند ومرجع، فإن المفروض بعد العقد، إذا ألحق بالعقد، فلم لا يلحقه في حكم التشطير؟ واختلاف زمان الفرض لا يغير حقيقة المفروض. وقوله تعالى: (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) يتناول- بطريق العموم- ما بعد العقد. ولو توهم متوهم، أن فيما قبله ما يمنع من هذا العموم، فليس كذلك، فإن ما قبله عدم الفرض مطلقا، وما بعده إثبات الفرض، وإثبات الفرض يعم الأحوال. ولو كان النص على المفروض عند العقد، كنا نلحق به المفروض بعد العقد بطريق الاعتبار، مثل إلحاق الشيء، بمثل ما في معناه.. قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) ، يقوي أحد قولي الشافعي، وأن مجرد الخلوة لا تقرر المهر..

стр. 215

قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) (٢٣٧) معناه: الزوجات يكون عفوها أن تترك الصداق، وهو النصف الذي جعله الله تعالى من بعد الطلاق، بقوله: (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) . وقد يكون الصداق عقارا وعينا معينة، فلا يصح العفو فيه، ولكن معنى العفو، هو تركها الصداق عليه على الوجه الجائز في عقود التمليكات، بأن تملكه إياه بغير عوض. والعفو التسهيل: يقال: جاء الأمر عفوا، أي سهلا سمحا من غير تعويق. فقال الشافعي: «في هذا دلالة على جواز هبة المشاع فيما ينقسم وفيما لا ينقسم، لإباحة الله تعالى تمليك نصف المفروض الثابت بعد الطلاق» . ولم يفرق بين ما كان منها عينا أو دينا، وما يحتمل القسمة وما لا يحتملها، فوجب اتباع موجب الآية في جواز هبة المشاع. نعم: العفو كناية عن التمليك فتقديره: إلا أن يهبن نصف المهر ويتركنه على الأزواج، فكان اللفظ عاما في جميع ما كان صداقا. نعم يجوز أن يقال إنه لم يتعرض الشرع لشروط الهبة كالقبض وغيره، فإن ذلك ليس مقصودا بالذكر، وإنما المقصود منه أن كل ما دخل تحت الصداق يصح منه هبة نصفه وتركه على الزوج، فلئن لم يتعرض كتاب الله تعالى لشروط العفو، فدلالته على أن ما دخل تحت الصداق يجب أن يدخل تحت العفو قائمة. قوله: (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) (٢٣٧) فقد اختلف السلف فيه.
следующие страницы →