← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23582

أحكام القرآن للكيا الهراسي

الكيا الهراسي

Полный текст (904 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال محمد بن الحسن: لو رهنها بمهر المثل رهنا، وطلقها قبل الدخول، كان رهنا بالمتعة، ومحبوسا بها، إن هلك هلك بها. وذلك بعيد، مع الاتفاق على سقوط مهر المثل بالطلاق قبل الدخول «١» وليست المتعة بدلا عن البضع، فإن المعتبر به حال الرجل بنص كتاب الله تعالى: (عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) (٢٣٦) . فدل ذلك على أنها ليست بدلا عن البضع. كيف؟ والمتعة وجبت في حالة سقوط حقه عن بضعها، والمهر في مقابلة استحقاقه بعضها، فبينهما تضاد في الحقيقة، لأن أحدهما يدل لاجتماعهما، والآخر لافتراقهما. وسبب المتعة أذية حصلت بالطلاق، وهو أيضا في طريق النظر مشكل، فإن الزوج إذا جاز له أن يطلقها فإنما أسقط حقا لنفسه، فمن أين يجب عليه مال لها من جهة أنها لا تريد فراقه؟ ولو وجب لها شيء، فإنما يجب لأنه فوت عليها حقها، وذلك يمنع كون الطلاق مباحا. وعلى أنه لو كانت المتعة صداقا، أو عوضا عن صداق، لما صح الترغيب في المتعة التي تستحق المهر بالمسيس، والترغيب في الأحوال كلها في الامتاع واحد. وذلك يؤكد قول مالك في أن محل المتع كلها واحد، كما أن محل الصداق واحد، فالمتعة في الأحوال كلها بعد الفراق، والصداق قبله،

стр. 212

فدل مجموع ذلك على أن تعرية النكاح عن المهر ممكنة، وفي ذلك سقوط قول الذين زعموا أن المتعة عوض عن الصداق أو عن البضع. نعم، لا خلاف أن المطلقة قبل الدخول، لا تستحق المتعة على وجه الوجوب، إذا وجب لها نصف المهر المسمى، فذلك يوهم كون المتعة قائمة مقام المهر، لأنها وجبت حيث لا فرض، ولم تجب عند من أوجبها، حيث ثبت نصف المفروض. ويجاب عنه، بأن العلة فيه، أنه لما رجع البضع إليها مع نصف المفروض، حصل به التسلي، فزال معنى التأذي بالفراق. فلم تجب المتعة لعدم سببها، وهو التأذي بالفراق. وأما قوله تعالى: (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) عام في حق المطلقات. واختلف قول الشافعي ﵀ في حق المطلقة للدخول بها، وظاهر العموم لا يقتضي التردد، إلا أنه ربما قيل: إن المطلقة بعد المس، استحقت المهر في مقابلة وطء تقدم، فلم يرجع البضع إليها سليما، حتى يكون ذلك مانعا من التأذي بالفراق الذي هو سبب المتعة. ويقال في معارضة ذلك: إن المهر كان في مقابلة وطئات العمر، وقد عاد إليها ذلك مع كمال المهر، فيتردد ويتفاوت النظر، فلا جرم، اختلف قول الشافعي فيه. فأما تقدير المتعة فإن الله تعالى يقول: (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ «١» قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ) .

стр. 213

وذلك يقتضي بظاهره اعتبار حال الرجل، وذلك يختلف باختلاف الأزمنة. وذكر بعض علمائنا، أن حالها معتبر مع ذلك أيضا، ولو اعتبرنا حال الرجل وحده، لزم منه أنه لو تزوج بامرأتين، إحداهما شريفة والأخرى دنية، ثم طلقهما قبل الدخول ولم يسم لهما، أن يكونا متساويين في المتعة، فيجب للشريفة مثل ما يجب للدنية، والله تعالى يقول: (وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) وليس ذلك من المعروف، بل هو في العرف منكر. ويلزم منه: أن الموسر العظيم اليسار، إذا تزوج امرأة دنية فهو مثلها، وبيانه: أنه لو دخل بها، وجب لها مهر مثلها إن لم يسم لها شيئا، ولو طلقها قبل الدخول، لزمته المتعة على قدر حاله، فيكون ذلك أضعاف مهر مثلها، فتستحق قبل الدخول «١» أضعاف ما تستحقه بعد الدخول، وذلك يقتضي أن لا يزاد على قدر المهر الواجب بأعلى غايات الابتذال وهو الوطء. ثم قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) . (٢٣٧) المراد بالفرض ها هنا، تقدير المهر وتسميته في العقد، وإنما فهم منه الفرض في العقد، لأنه ذكر المطلقة التي لم يسم لها فرضا بقوله تعالى: (إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) ،

стр. 214

وذلك يقتضي أن يعقب بذكر من فرض لها في العقد وطلقت. فأما المفروض لها بعد العقد، إذا طلقت قبل الدخول: فقال أبو حنيفة: ليس لها مهر مثلها. ومالك والشافعي وأبو يوسف: يجعلون لها نصف الفرض. ويجعل أبو حنيفة المفروض بعد العقد، كالذي لم يفرض، ويوجب المتعة، وليس له في ذلك مستند ومرجع، فإن المفروض بعد العقد، إذا ألحق بالعقد، فلم لا يلحقه في حكم التشطير؟ واختلاف زمان الفرض لا يغير حقيقة المفروض. وقوله تعالى: (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) يتناول- بطريق العموم- ما بعد العقد. ولو توهم متوهم، أن فيما قبله ما يمنع من هذا العموم، فليس كذلك، فإن ما قبله عدم الفرض مطلقا، وما بعده إثبات الفرض، وإثبات الفرض يعم الأحوال. ولو كان النص على المفروض عند العقد، كنا نلحق به المفروض بعد العقد بطريق الاعتبار، مثل إلحاق الشيء، بمثل ما في معناه.. قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) ، يقوي أحد قولي الشافعي، وأن مجرد الخلوة لا تقرر المهر..

стр. 215

قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) (٢٣٧) معناه: الزوجات يكون عفوها أن تترك الصداق، وهو النصف الذي جعله الله تعالى من بعد الطلاق، بقوله: (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) . وقد يكون الصداق عقارا وعينا معينة، فلا يصح العفو فيه، ولكن معنى العفو، هو تركها الصداق عليه على الوجه الجائز في عقود التمليكات، بأن تملكه إياه بغير عوض. والعفو التسهيل: يقال: جاء الأمر عفوا، أي سهلا سمحا من غير تعويق. فقال الشافعي: «في هذا دلالة على جواز هبة المشاع فيما ينقسم وفيما لا ينقسم، لإباحة الله تعالى تمليك نصف المفروض الثابت بعد الطلاق» . ولم يفرق بين ما كان منها عينا أو دينا، وما يحتمل القسمة وما لا يحتملها، فوجب اتباع موجب الآية في جواز هبة المشاع. نعم: العفو كناية عن التمليك فتقديره: إلا أن يهبن نصف المهر ويتركنه على الأزواج، فكان اللفظ عاما في جميع ما كان صداقا. نعم يجوز أن يقال إنه لم يتعرض الشرع لشروط الهبة كالقبض وغيره، فإن ذلك ليس مقصودا بالذكر، وإنما المقصود منه أن كل ما دخل تحت الصداق يصح منه هبة نصفه وتركه على الزوج، فلئن لم يتعرض كتاب الله تعالى لشروط العفو، فدلالته على أن ما دخل تحت الصداق يجب أن يدخل تحت العفو قائمة. قوله: (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) (٢٣٧) فقد اختلف السلف فيه.

стр. 216

فقال علي وجبير بن مطعم، وابن المسيب وقتادة: هو الزوج. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري وأصح قولي الشافعي. وقال مالك «١» : هو الأب في حق البكر، وهو رواية عن ابن عباس. ولا شك بأن قوله: (بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) ، محتمل للوجهين اللذين تأولهما السلف عليهما، فينظر في أقرب الوجهين إلى معاني الشرع والأصول المحكمة، التي ترد المتشابهات إليها، وقد قال تعالى: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) «٢» . فذكر تركه الصداق عليها، وتركها الصداق عليه. فاللائق بالبيان ها هنا أيضا: أنه إذا ذكر العفو من أحد الزوجين، ذكر من الزوج الآخر، وقال تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) «٣» . وقال: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً) «٤» . وكل ذلك منع للزوج من انتزاع شيء منها، إلا أن تترك هي عليه، أو يترك هو عليها، ما استحق استرجاعه منها قبل الدخول.

стр. 217

ولأن قوله: (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) ، يقتضي كون العقد موجودا في يد من هو في يده، فأما عقد غير موجود، فليس في يد أحد. نعم بعد الطلاق، ليس العقد الذي كان بيد الزوج في الحال، ولكنه كان بيد الزوج، والذي كان من العقد ليس هو بيد الزوج، ولكنه كان عند وجوده بيد الزوج، ولأنه قال: (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) (٢٣٧) فندب إلى الفضل. وقال: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) (٢٣٧) ، وليس في هبة مال الغير إفضال منه إلى غيره. والمرأة لم يكن منها إفضال ولا تقوى، في هبة مال الغير بغير إذن مالكه.. ولأن الصداق تارة يكون عينا، وتارة يكون دينا، وليس للولي في هبة مالها المعين المشار اليه دخل. فهذه الأنواع تدل على صحة قولنا: إن المراد به الزوج، هذا ما يتعلق باللفظ. وأما ما يتعلق بقياس الأصول فبين، غير أن أقوى ما يرد عليه، أنا إذا تنازعنا معنى اللفظ، وقوله (بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) ، يبعد أن يراد به الزوج وقد طلق قبل المس، وإنما يظهر ذلك في الولي الذي بيده أن يعقد النكاح، وقال تعالى: (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ) (٢٣٥) . ويجاب عنه بأن قوله: (بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) ، يبعد فهم الولي

стр. 218

منه، بالإضافة إلى عقد كان، فإن إلى الولي أن يعقد عقدا آخر غير الأول، وبيده أن يعقد عقدا غير موجود، وليس بيده عقدة معدومة «١» ، وثبوت الولاية له في أن يعقد عقدا آخر، لا يقتضي جواز عقده في نكاح مضى، وليس بيده ما قد مضى، ولا كان الذي مضى بيده عقدته عند وجوده، وهذا ظاهر كما ترى. نعم هو أولى بالزوج، لأن الله تعالى أراد أن يميز المرأة عن الزوج بوصف يختص به الزوج، وهو أن بيده عقدة النكاح، فكان ذلك كناية عن الأزواج على وجه مستحسن، وكان المعنى فيه: أن الله تعالى رغب الزوجة في العفو، لأن الزوج لم ينل منها شيئا يقوم مقام ما أوجبه على نفسه، فذكر ما يتعلق بأحد النصفين، ثم عاد وذكر النصف الآخر فقال: (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) . رغب الزوج في أن يثبت على ما ساقه إليها وقد ابتذلها بالطلاق، وقطع طمعها في وصلته، ولذلك قال: (وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ) (٢٢٩) فإن قيل: فقد قال الله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) الآية. وذلك بيان الحكم في الأزواج، ثم قال:

стр. 219

(فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) . وقد ذكر بلفظ المغايبة عادلا عن المخاطبة، ولو كان المراد به الزوج، لقال: إلا أن تعفون أو يعفو، ليكون جاريا على نسق التلاوة، وموجب سابق الخطاب. ويجاب عنه: بأن الله تعالى أراد أن يبين بطريق الكناية، صفة تتميز بها المرأة عن الرجل، فعدل عن المخاطبة إلى قوله: (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) . فإن قيل: لما قال تعالى: (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا) ، اقتضى ذلك من حيث الظاهر، أن يكون عفوهن وعفو الذي بيده عقدة النكاح، راجعا إلى النصف المذكور، وهذا يدل على بعد حمل المطلق على الزوج. ويجاب عنه: بأن قوله: (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) ، تعرض لأحد النصفين، فلا يبعد أن يتعرض للنصف الآخر، ليكون حكم العفو في جميع الصداق مذكورا. فإن قيل قوله (إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) يرجع إلى حق وجب لها عليه، فيصح منها العفو عن ذلك بأن تتركه عليه، فأما إذا سقط النصف الآخر، فلم يجب له عليها حق حتى يعفو عنه. نعم له أن يهب لها شيئا من ماله، وذلك الذي يهبه ليس صداقا ولا من جملته، فلا يتحقق معنى العفو فيه، وإنما هو على معنى الهبة، والعفو إنما يتحقق في شيء مستحق لها عليه. فيجاب عنه: بأنه يتحقق معنى العفو، بأن يكون قد سلم الصداق

стр. 220

إليها، فلما طلقها رجع عليها بنصفه، فإذا عفا فمعناه: ترك حقه عليها، وإن كان بطريق الهبة. وقد بينا أن الصداق تارة يكون عينا، وتارة يكون دينا، ولا يتحقق معنى العفو فيه، إلا أن يجعل العفو كناية عن الهبة بضرب من المجاز. وأقوى كلام لمن يحمل على الولي، أن العفو منهما يجب أن يرجع إلى النصف المذكور، لا إلى النصف الذي لم يجر له ذكر، وقد ذكرنا الكلام عليه. والذي وجه عليهم من قوله تعالى (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) (٢٣٧) ، وأن ذلك إنما يتحقق في الذي يسقط حق نفسه لا حق غيره، فهو أقوى كلام عليهم، في أن المراد به الزوج. ولكن ربما يقولون: عنى به الذي بيده عقدة النكاح والنساء، ولأن الذي بيده عقدة النكاح أفرد ذكره، ولو كان هو المعنى لقال: «وأن تعفوا أنتم أقرب للتقوى» . ولو عنى به جميع النساء لقال: وأن تعفون، فلما قال: (وَأَنْ تَعْفُوا) جمع بينهما. وإذا جمع النساء مع الرجال، كان جمعهم على التذكير. وهذا غلط عظيم، فإنه إذا ذكر الجميع وغلب لفظ التذكير لأجل إرادة الولي، لزم منه أن يكون العفو أقرب للتقوى في حق الولي، كما كان أقرب للتقوى في حق الزوج والمرأة، وذلك محال. قوله تعالى: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) (٢٣٧) : يدل على تأكيد الأمر في الصلاة الوسطى.

стр. 221

ويدل على المفروضات المعهودات في اليوم والليلة، فإن دخول الألف واللام عليها إشارة إلى معهود. فأما الوسطى، فلا تبين إلا إذا بانت الأولى والأخرى. وروي عن زيد بن ثابت أنه قال: هي الظهر، لأنه ﵇، كان يصلي في الهجير، فلا يكون وراءه إلا القليل، وذلك أن الناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فلما كانت أثقل الصلوات على الصحابة أنزل الله ذلك. وقال زيد بن ثابت: إنما سماها الله الوسطى، لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين. ولا شك أن ما من صلاة من الصلوات الخمس بعينها، إلا وقبلها صلاتان وبعدها صلاتان. وقال عمر وابن عباس: هي العصر، وفي بعض مصاحف الصحابة: تعبير العصر «١» : إما تفسيرا، وإما قراءة منسوخة. وفي بعض الأخبار عن علي ﵁ أنه قال: قاتلنا الأحزاب فشغلونا عن صلاة العصر حتى قربت الشمس أن تغيب، فقال النبي ﵇: «اللهم املأ قلوب الذين شغلونا عن الصلاة الوسطى نارا» . وقال علي ﵁: «كنا نرى أنها صلاة الفجر» . وعن ابن عباس عن النبي ﵇ مثل ذلك.

стр. 222

وذكروا أن العصر سميت الوسطى لأنها بين صلاتين من صلاة النهار، وصلاتين من صلاة الليل. وقيل: إن أول الصلوات كان وجوب الفجر، وآخرها العشاء، فكانت العصر هي الوسطى في الوجوب. ومن قال الوسطى هي الظهر، قال: لأنها وسطى صلاة النهار من الفجر والعصر. ومن قال الصبح، فقد قال ابن عباس: لأنها تصلي في سواد من الليل، وبياض من النهار، فجعلها وسطى في الوقت. والرواية عن ابن عباس في ذلك صحيحة، لم يختلف الثقاة فيها، فلذلك اختار الشافعي أن الوسطى هي صلاة الصبح، وإفرادها مبين، في قوله (أَقِمِ الصَّلاةَ) - إلى قوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) «١» . واعلم أن الوسطى إنما تقدر في العدد الوتر، فإنك إذا أخذت واحدة بقيت أربعة: اثنتان قبلها واثنتان بعدها، وذلك يقتضي إخراج الوتر من الواجبات، لأنها تكون ستا مع الوتر، فلا تكون الواحدة منها وسطى في الإيجاب، إلا أن يقال إنها الظهر، لأنها بين صلاتي نهار، الفجر والعصر، فيقدر العدد الوتر لصلوات النهار، وذلك ضعيف جدا. فإن قوله: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ) انصرف إلى الصلوات الخمس المعهودة بجملتها، فتبعيضها خلاف المفروض قطعا. وقد قيل إنها وسطى الصلوات المكتوبات، وليس الوتر من المكتوبات

стр. 223

لأنه يسمى واجبا، وهذا أيضا ضعيف، لأن الاختلاف في التسمية كان لتمييز المختلف فيه بين العلماء، من المتفق عليه، ولا يجوز أن يكون ذلك معتبرا عند الله في إخراج الوتر عن جملة الواجبات، لاختلاف يقع بين العلماء في عبارة، فيضعوا سمة للمختلف فيه، وأخرى للمتفق عليه. وأقرب ما قيل في دفع ذلك: أن وجوب الوتر زيادة وردت بعد فرض المكتوبات، لقوله ﷺ : «إن الله زادكم صلاة وهي الوتر» . وإنما سميت وسطى بعد الوتر، وهذا لأنه «١» ادعاء نسخ للذي ورد في القرآن من معنى الوسطى، بالاحتمال المجرد، وذلك لا وجه له. قوله: (وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) «٢» . اعلم أن القنوت في أصل اللغة هو الدوام على الشيء، قال ابن عباس: قوموا لله قانتين: أي مطيعين. وقال ابن عمر: القنوت هو طول القيام، وقرأ (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ) «٣» وقال ﷺ : «أفضل الصلاة طول القنوت» «٤» يعني القيام. وقال مجاهد: القنوت هو السكوت، والقنوت الطاعة، ومن حيث

стр. 224

كان أصل القنوت الدوام على الشيء، جاز أن يسمى مديم الطاعة قانتا. وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصلاة، أو أطال الخنوع والسكوت، كل هؤلاء فاعلون للقنوت.. وروي أن النبي ﵇ قنت شهرا، يدعو فيه على حي من أحياء العرب- أراد به إطالة قيام الدعاء. وروي عن أبي عمرو الشيباني قال: «كنا نتكلم في الصلاة على عهد رسول الله ﷺ فنزل قوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ) فأمرنا بالسكوت» . فأبان أن ذلك يقتضي النهي عن الكلام في الصلاة، وكذلك قال زيد ابن أرقم. وقد ورد القنوت في القرآن لا بمعنى السكوت في قوله: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) «١» والمراد به الخشوع والطاعة. وقال في موضع آخر: (وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) «٢» . وقال في قصة مريم: (اقْنُتِي لِرَبِّكِ) «٣» . ورد في التفسير عن مجاهد، أنها كانت تقوم حتى تتورم قدماها. والشافعي يرى أن الأمر بالسكوت إنما يتناول العالم بالصلاة، فأما الساهي عن الشيء، فلا يتناوله الأمر، وهذا مما لا يشك فيه محصل.

стр. 225

وروى الشافعي حديث ذي اليدين، وأن أبا هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ أحد صلاتي العشاء الظهر أو العصر. وتحريم الكلام في الصلاة كان بمكة، لأن ابن مسعود لما قدم من أرض الحبشة، كان الكلام محرما، لأنه سلم على النبي ﵇ فلم يرد عليه، وأخبره بنسخ الكلام في الصلاة. فإن قال قائل: قد جرى الكلام في الصلاة والسهو أيضا، وقد كان قال ﷺ : «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» فلم لم يسبحوا؟ فيقال: لعله في ذلك الوقت لم يكن أمرهم بذلك، ولأنه ورد في الخبر أن رسول الله ﷺ ، صلى ركعتين، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يديه عليها، إحداهما على الأخرى، يعرف الغضب في وجهه، وخرج سرعان الناس فقالوا: أقصرت الصلاة؟ فقام رجل طويل اليدين- كان رسول الله ﷺ يسميه ذا اليدين- فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فأقبل على القوم فقال: أصدق ذو اليدين؟ .. فقالوا: نعم. فجاء فصلى بنا الركعتين الباقيتين وسلم وسجد سجدتي السهو» «١» . فأخبر أبو هريرة بما كان منه ومنهم من الكلام، ولم يمنعه ذلك من البناء، ولم يسبحوا، لأنهم توهموا أن الصلاة قصرت.

стр. 226

وقال بعض المخالفين: قول أبي هريرة: صلى بنا رسول الله ﷺ ، يحتمل أن يكون مراده أنه صلى بالمسلمين وهو منهم كما روي عن البراء ابن سبرة أنه قال: قال لنا رسول الله ﷺ : «إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف، وأنتم اليوم بنو عبد الله، ونحن اليوم بنو عبد الله» «١» ، وإنما عنى به أنه قال لقومه. وهذا بعيد، فإنه لا يجوز أن يقول «صلى بنا» ، وهو إذ ذاك كافرا ليس أهلا للصلاة، ويكون ذلك كذبا، وفي حديث البراء هو كان في جملة القوم، وسمع من رسول الله ما سمع. قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا «٢» أَوْ رُكْباناً) «٣» (٢٣٩) : لما ذكر الله تعالى وجوب الصلاة بشروطها وحدودها، وأمر بالقنوت والصمت وملازمة الخشوع وترك العمل، قال: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً) ، أرخص في جواز ترك بعض الشروط، تعظيما لأمرها، وتأكيدا لوجوبها. وقد روي عن ابن عمر في صلاة الخوف أنه قال: إن كان خوفا أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها.

стр. 227

قال نافع: لا أرى ابن عمر قال ذلك إلا عن رسول الله ﷺ «١» : وإذا ثبت جواز ترك الشروط، ففيه دليل على أن الصلاة لا تفسد، خلافا لأبي حنيفة. وفي الآية أيضا دليل على أن الماشي يصلي في القتال على حسب حاله، لأنه تعالى قال: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً) . ومالك يقول: الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطل الصلاة، والأمر بالقنوت لا فرق فيه بين كلام وكلام.. قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) الآية (٢٤٣) : قد قيل إنهم فروا من الطاعون «٢» . وقيل إنهم فروا من القتال. وقد كره قوم الفرار من الطاعون والوباء والأراضي السقيمة. وقصة عمر في خروجه إلى الشام مع أبي عبيدة معروفة، وفيها أنه رجع، وروى عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: «إذا سمعتم أن الطاعون في أرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها فرارا منه» . فحمد عمر الله تعالى وانصرف. وبالجملة، الفرار منه يجوز أن يكره، لما فيه من تخلية البلاد، ولا

стр. 228

تخلو من مستضعفين يصعب عليهم الخروج منها، ولا يتأتى لهم ذلك، ويتأذون بخلو البلاد عن المياسير، الذين كانوا أركانا للبلاد، ومغوثة للمستضعفين «١» . وإذا كان الوباء بأرض فلا يدخلها، لئلا يلحقه الغموم والكرب في المقام، مع الوجل الذي لا يخلو منه الإنسان، وذلك يشغله عن مهمات دينه ودنياه. ولما عزم عمر على الرجوع فقال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ .. فقال له عمر: لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت بها واديا له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيتها الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيتها الجدبة رعيتها بقدر الله؟ .. ولا نعلم خلافا، في أن الكفار أو قطاع الطريق، إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين، فلهم أن يتنحوا من بين أيديهم، وإن كانت الآجال المقدرة لا تزيد ولا تنقص ... قوله تعالى: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (٢٤٤) : من قبيل ما تأخر بيانه إلى وقت الحاجة، لأن السبيل مجمل، وقد بينه في مواضع عدة..

стр. 229

قوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً «١» فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً) (٢٤٥) . ترغيب في أعمال البر والإنفاق في سبيل الخير، بألطف كلام وأبلغه. وسماه قرضا تأكيدا لاستحقاق الثواب به، إذ لا يكون قرضا إلا والعوض مستحق به، فكأنه قال: أوجبت لكم عبادي العوض. فجهلت اليهود أو تجاهلت «٢» وقالت: «إن الله يستقرض منا فنحن إذا أغنياء وهو فقير إلينا) . وعرف المسلمون معنى الكلام، ووثقوا بوعد الله وثوابه، فبادروا إلى الصدقات، فكان ذلك في التلطف والترغيب، بمثابة الرأفة والرحمة، وإن كانت الرحمة منا تدل على رقة وتحزن وتأثر يلحقه. وكذلك القول في الغضب المضاف إلى الله تعالى. والعجب من الجهال كيف لم يفهموا هذه الكنايات. قوله : (إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا) الآية (٢٤٧) : يدل على أن الزعامة والإمامة ليست وراثة متعلقة بأهل بيت النبوة ولا الملك، وأن ذلك مستحق بالعلم والقوة لا بالنسب، ولا حظ للنسب مع العلم وفضائل النفس، وأنها مقدمة عليه.

стр. 230

فإن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته، وإن كانوا أشرف منه نسبا، وذكر الجسم ها هنا، كناية عن فضل قوته، لاقتران فضل القوة بزيادة الجسم غالبا، ولم يرد به عظم الجسم بلا قوة، لأن ذلك لاحظ له في القتال، بل هو وبال على صاحبه إذا لم يكن به قوة فاضلة.. قوله: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ «١» غُرْفَةً بِيَدِهِ) (٢٤٩) . وذكر أبو بكر الرازي من أصحاب أبي حنيفة في أحكام القرآن: أن ذلك يدل على أن الشرب من النهر، إنما يكون بالكرع فيه، ووضع الشفة عليه، لأنه كان حظر الشرب منه إلا لمن اغترف غرفة بيده، وهذا يدل على أن الاغتراف منه ليس بشرب، وهو تصحيح لقول أبي حنيفة فيمن قال: «إن شربت من ماء الفرات فعبدي حر» ، أنه محمول على أن يكرع فيه، فأما إذا اغترف منه أو شرب بإناء لم يحنث» . وهذا بعيد، فإن الله تعالى أراد ابتلاءهم بالنهر، ليتبين المحقق بنيته في الجهاد من المعذر، فمن شرب منه- أي من مائة- فأكثر، فقد عصى الله تعالى، ومن اغترف غرفة بيده أقنعته. فهجموا على النهر بعد عطش شديد، فوقع أكثرهم في النهر، وأكثروا الشرب، فإن بذلك ضعف نيتهم في أنهم يجبنون عن لقاء العدو،

стр. 231

وأطاع قوم قليل عددهم، فلم يزيدوا على الاغتراف ضابطين لأنفسهم، فأبانوا بذلك عن ضبطهم لأنفسهم، وصبرهم في الشدائد، وقوى الله بذلك قلوبهم. وليس حكم اليمين مأخوذا من هذا الجنس، بل هو مأخوذ من دلالة اللفظ، يدل عليه أن الآية حجة عليهم من وجه آخر، فإنه قال: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ) (إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) ، فاستثنى المغترف من الشارب، ولو لم يكن اللفظ الأول دالا عليه، لما صح الاستثناء منه إلا بتقدير، كونه استثناء منقطعا، وظاهر الاستثناء يدل على خلافه. قوله تعالى: (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) (٢٥٦) : قال كثير من المفسرين: هو منسوخ بآية القتال «١» . وروي عن الحسن وقتادة، أنها خاصة في أهل الكتاب الذين يقرون على الجزية، دون مشركي العرب، فإنهم لا يقرون على الجزية، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف «٢» . وكل ذلك محتمل، يجوز أن يكون قد نزل قبل الأمر بالقتال، فلما لاح عنادهم، أمر المسلمون بقتالهم.. نعم، مشركو العرب والعجم، لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وكذلك المرتد.. فإن قال قائل: فما معنى إكراههم على الإسلام، وأن لا يقبل منهم

стр. 232

الجزية؟ وكيف يتحقق إكراهه على الإسلام، وذلك الإسلام لا ينفعه عند الله تعالى؟ .. وما معنى الحمل على ما لا ينفع؟ .. ولأي معنى فرق بين المشرك والكتابي في هذا المعنى، والعناد الداعي إلى القتال كان في حق أهل الكتاب أشد، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم حرفوا وكتموا الحق من بعد علمه، والمشركون كانوا أبعد من ذلك؟ .. والجواب: أن الكفار أكرهوا على إظهار الإسلام، لا على الاعتقاد الذي لا يصح الإكراه عليه. نعم، الدليل منصوب على تبديل الباطل بالحق، اعتقادا بالقلب وإظهارا باللسان. لأن تلك الدلائل من حيث ألزمتهم اعتقاد الإسلام، اقتضت منهم إظهاره، والقتال لإظهار الإسلام، وكانت الحكمة في ذلك «١» أن مجالسته المسلمين، وسماعه للقرآن، ومشاهدته لدلائل الرسول ﵇، مع ترادفها عليه تدعوه إلى الإسلام، وتوضح عنده فساد اعتقاده. والحكمة الثانية، أن في نسلهم من يعتقد التوحيد، فلم يجز أن يقتلوا، مع العلم بأنه سيكون من أولادهم من يعتقد الإسلام والإيمان. ولما أعلم الله تعالى نوحا، أن قومه لا يلدون إلا فاجرا كفارا، لا جرم دعا عليهم بالهلاك والاستئصال. ويجوز أن يكون اختلاف أحوال أهل الشرك، وأهل الكتاب في ذلك، أن الكتابي إذا خالطنا، ورأى توافق ما بين الشرائع، وصدق الإعلام والآيات، كان ذلك أدعى إلى إيمانه، فإن كتب الله يصدق

стр. 233

بعضها بعضا، فهذا هو السبب في الفرق بين الكتابي والمشرك، لا جرم إذا قبل الجزية، فلا يجوز إكرامه على الإسلام، وإذا أكره عليه لم يصح إسلامه، خلافا لأبي حنيفة فإنه حكم بإسلامه، مع أن الردة لا يثبت حكمها حالة الإكراه. قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ «١» إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ «٢» أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) (٢٥٨) : يدل على تسمية الكافر ملكا، إذا آتاه الله الملك والعز والرفعة في الدنيا. ويدل على جواز المحاجة في الدين، وأن لا فرق بين الحق والباطل، إلا بظهور حجة الحق ودحض الباطل. قوله: (كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ) (٢٥٩) : يدل على أن قول هذا القائل، لم يكن كذبا، لأنه أخبر عما عنده، فكأنه قال: عندي أني لبثت يوما أو بعض يوم. ومثله قول أصحاب الكهف: (لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) «٣» ، وإنما لبثوا ثلاثمائة وتسع سنين، ولم يكونوا كاذبين، لأنهم أخبروا بما

стр. 234

عندهم، كأنهم قالوا: الذي عندنا، وفي ظنوننا، أنا لبثنا يوما أو بعض يوم. ونظيره قول النبي ﵇ في قصة ذي اليدين: لم أقصر ولم أنس. وفي الناس من يقول: إنه كذب على معنى وجود حقيقة الكذب منه، ولكن لا نؤاخذه به، وإلا فالكذب هو الإخبار عن الشيء، على خلاف ما هو به، وذلك لا يختلف بالعلم والجهل، وهذا بين في نظر الأصول، فعلى هذا يجوز أن يقال: إن الأنبياء لا يعصمون عن الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو به، إذا لم يكن عن قصد، كما لا يعصمون عن السهو والنسيان، فهذا ما يتعلق بهذه الآية.. قوله تعالى: (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ) (٢٦٧) : يعم الفرض والنفل، من طريق الندب والوجوب، وإن كان الأمر أظهر في جهة الوجوب، إلا أن تقوم دلالة الندب. فمن هذا الوجه يظهر أن يقال: هو أولى بالواجب. ومن جهة أخرى، وهو أن في النفل أداء القليل والكثير والجيد والرديء. وقوله: (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ) ، يؤكد الاختصاص بالواجب، فإن هذا الكلام، إنما يذكر في الديون إذا اقتضاها طالبها، ولا يتسامح بالرديء عن الجيد، إلا على إغماض وتساهل «١» .

стр. 235

والرد إلى الإغماض في اقتضاء الدين، يدل على أن ذلك وارد في قضاء دين الله تعالى، وأن الجنس الرديء، إذا لم يخف عليكم، فكيف يخفى علي؟ .. وقد احتج قوم لأبي حنيفة بقوله: (وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) (٢٦٧) أن ذلك عموم في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره، وفي سائر الأصناف، ورأوا ظاهر الأمر للوجوب، وهذا بعيد. فإن المراد به، بيان الجهات التي تعلق حق الله تعالى بها، وليس ذكر مقدار ما وجب فيه الحق مقصودا، ولا بيان مالا زكاة فيه، ولذلك لم يتعرض للنصاب في كل ما يعتبر فيه النصاب شرعا، ولم يذكر من جنس ما يكتسب ما تتعلق الزكاة به، وإن لم تتعلق الزكاة بكل ما يكتسب، وهذا بين في خروج الآية عن الدلالة على مقصودهم. قوله: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (٢٧١) : فيه دلالة على أن إخفاء الصدقات مطلقا أولى. وأنها حق الفقير، وأنه يجوز لرب المال أن يفرقها بنفسه، على ما هو أحد قولي الشافعي. وعلى القول الآخر، ذكروا أن المراد بالصدقات ها هنا، هو التطوع بعد الفرض الذي إظهاره أولى، لئلا تلحقه تهمة، ولأجل ذلك قيل: صلاة النفل فرادى أفضل، والجماعة في الفرض أولى، لأن إظهار الفرض أبعد عن التهمة. قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) (٢٧٢)

стр. 236

ظاهر السياق، تعلق الكلام بما تقدم من قوله: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) . وذكر بعد قوله (مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) (٢٧٢) ، فدل المساق والمتقدم، على أن المراد به الصدقة عليهم، وإن لم يكونوا على دين الإسلام. وروى سعيد بن جبير مرسلا عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم. وقال ﵇: تصدقوا على أهل الأديان. وكره الناس أن يتصدقوا على المشركين، فأنزل الله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ) . ونظير ذلك قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً، وَيَتِيماً وَأَسِيراً) «١» . والأسير في دار الإسلام لا يكون إلا مشركا. ونظيره قوله: (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) «٢» . وظواهر هذه الآيات تقتضي جواز صرف الصدقات إليهم جملة، إلا أن النبي ﵇، خص من ذلك الزكوات المفروضة. واتفق العلماء أن زكوات الأموال، لا تصرف إليهم، لقوله ﷺ لمعاذ:

стр. 237

«خذ الصدقة من أغنيائهم وردها في فقرائهم» ، والذي يتولاه رب المال بنفسه، لا يتناوله هذا الخير، إلا أنه في معناه، لأن الكل كان مأخوذا من أرباب الأموال إلى زمان عثمان. ورأى أبو حنيفة، أن غير زكاة المال يجوز صرفها إليهم، مثل صدقة الفطر، نظرا إلى عموم الآية، في البر وإطعام الطعام وإطلاق الصدقات. ورأى الشافعي أن الصدقات الواجبة بجملتها مخصوصة منها، لقوله ﵇ في صدقة الفطر: «اغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» . وظاهر أن ذلك كان لتشاغلهم بالعيد وصلاة العيد، وهذا لا يتحقق في المشركين. ودل أيضا، وجوب اعتاق العبد المسلم في كفارة القتل، على أن المفروض من الصدقات لا يصرف إلى الكافر. ومعاذ كما يأخذ صدقات الأموال، فكان يأخذ صدقة الفطر أيضا. واللفظ شامل للجميع، وهو قوله ﵇ له: «خذ الصدقة من أغنيائهم وردها في فقرائهم» «١» . على أن قول الله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ) ، ليس ظاهرا في الصدقات وصرفها إلى الكفار، بل يحتمل أن يكون معناه: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ) ابتداء، وقوله (وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) «٢» ، للفقراء.

стр. 238

يعني: وما تنفقوا للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، والمراد بالإنفاق فقراء المهاجرين. وقوله تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) (٢٧٣) يدل على أن اسم الفقير يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة، ولا يمنع ذلك من إعطائه الزكاة. وقد أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم، وكانوا من المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله ﷺ ، غير مرضى ولا عميان. ولما قال تعالى: (تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ) «١» ، دل على أن للسيما أثرا في اعتبار حال من تظهر عليه، حتى لو رأينا ميتا في دار الإسلام ميتا وعليه زنار غير مجبوب «٢» ، لا يدفن في مقابر المسلمين، ويقدم ذلك على حكم الدار على قول أكثر العلماء. ومثله قوله: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) «٣» ، فدلت الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزي المتجمل «٤» ، واتفق العلماء على ذلك، وإن اختلفوا بعده في مقدار ما يحرم أخذ الصدقة. وأبو حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة.

стр. 239

والشافعي اعتبر قوت سنة. ومالك اعتبر ملك أربعين درهما. والشافعي لا يصرف الزكاة إلى المكتسب. قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا «١» لا يَقُومُونَ «٢» إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ «٣» الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ) «٤» (٢٧٥) والربا في اللغة هو الزيادة. وربما لا تعرف العرب بيع الدرهم بالدرهم نساء «٥» ربا، إلا أن الشرع أثبت زيادات جائزة، وحرم أنواعا من الزيادة، فجوز الزيادة من جهة الجودة، ولم يجوز من جهة المدة. وإذا اختلف الجنس، يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا نقدا، ولا يجوز متماثلا نسيئة. وكل ذلك لا يقتضيه لفظ الربا، ولكن ذلك لا يمنع التعلق بعموم

стр. 240

اللفظ، وعموم اللفظ يقتضي تحريم الزيادة مطلقا، إلا ما خصه الشرع. وقوله: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) . يقتضي جواز ما لا زيادة فيه، إلا ما خصه دليل الشرع، فنحن نحتاج إلى البيان فيما لم يرد باللفظ، وما دل عليه اللفظ محرم مع غيره، فلا بد من بيان في الذي ما أريد باللفظ، وفي تخصيص بعض ما أريد باللفظ. والله تعالى حرم الربا، فمن الربا ما كانوا يعتادونه في الجاهلية من إقراض الدنانير والدراهم بزيادة. والنوع الآخر تحريم الإسلام الدراهم في الدراهم والدنانير من غير زيادة. ورأى ابن عباس، أن سياق الآية يدل على أن المذكور في كتاب الله ربا النساء، لا ربا الفضل فإنه قال: (فَلَهُ ما سَلَفَ) . (وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا) (٢٧٨) . وقال: (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) (٢٨٠) . وقال تعالى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) (٢٧٩) . وقال ﵇ في خطبة الوداع: «كل ربا موضوع، ولكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أن لا ربا، وإن العباس بن عبد المطلب موضوع، وإن كل دم كان في الجاهلية فإنه موضوع، وأول دمائكم أضع دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في

стр. 241

بني ليث فقتلته هذيل» «١» . وإن كان الربا ينقسم أقساما، فالذي في القرآن يدل على تحريم الزيادة، من غير نظر في جنس المال وما يقابله، ولا دلالة فيه على تحريم النساء من غير زيادة في نفس المال، لأن ذلك لا يعد زيادة في النسيء، ولا يقال: أكل الربا، ومن أجل ذلك جوز بعض العلماء- وهو مالك- الأجل في القرض، إلا أنا منعنا من ذلك، لا من جهة الآية، بل من جهة أخرى. والذي كان في الجاهلية كان القرض بزيادة، وما كانوا يؤجلون إلا بزيادة في نفس النسيء. ونقل عن الشافعي، أن لفظ الربا لما كان غير معلوم، أورث احتمالا في البيع، والصحيح أن الربا غير مجمل، ولا البيع كما ذكرناه، فإن ما لا زيادة فيه، جاز على عموم حكم البيع. نعم خص من الربا زيادة أبيحت، وخص من البيع بياعات نهى عنها، وعموم اللفظ معتبر فيما سوى المخصوص. ورد الله تعالى على المشركين في قولهم: (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا) (٢٧٥) ، وذلك أنهم زعموا أنه لا فرق بين الزيادة المأخوذة على وجه الربا، وبين الأرباح المكتسبة بضروب البياعات، من حيث غاب عنهم وجه المصلحة، وتحريم الزيادة على وجه دون وجه، فأبان الله تعالى أنه إذا حرم الربا وأحل البيع، فلا بد أن يشتمل المنهي عنه على مفسدة، والمباح على مصلحة، وإن غابتا عن

стр. 242

مرأى نظر العباد، فعلى هذا كل ما وجد فيه حد البيع «١» ، فيجوز أن يحتج فيه بعموم البيع. وأما قوله تعالى: (فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ) (٢٧٥) : يدل على أن ما سلف من المقبوض قبل نزول تحريم الربا، لا يتعقب بالفسخ، ويدل على أنه أراد غير المقبوض. قوله تعالى: (وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا) (٢٧٨) . ظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضا، وإن كان معقودا عليه قبل نزول آية التحريم، ولا يتعقب بالفسخ ما كان مقبوضا. وقال تعالى: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ) (٢٧٩) . وهو تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه، فإذن رأس المال الذي لا ربا فيه، فاستدل بعض العلماء على ذلك، على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم ذلك العقد أبطل العقد، كما إذا اشترى مسلم صيدا، ثم أحرم المشتري قبل القبض، أو البائع، بطل البيع، لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريم العقد، كما أبطل الله تعالى من الربا ما لم يقبض، لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض، ولو كان مقبوضا لم يؤثر، هذا مذهب أبي حنيفة، وهو قول لأصحاب الشافعي. ويستدل به على أن هلاك المبيع «٢» في يد البائع، وسقوط القبض فيه، يوجب بطلان العقد خلافا لبعض السلف.

стр. 243

ويروى هذا الخلاف عن أحمد. ويمكن أن يقال إن هذا الاستدلال، إنما يصح على رأي من يقول إن العقد في الربا في الأصل كان منعقدا، حتى يقال: إن الذي انعقد من قبل بطل بالإسلام «١» قبل القبض، فإذا منع انعقاد الربا في الأصل، لم يكن هذا الكلام صحيحا. وهذا لأن الربا كان محرما في الأديان، وما كان تحريمه في شرعنا حتى يقال كان مباحا من قبل. وإنما حرم بعد العقد، ليصح الاستدلال بطريان المنافي من التحريم على فساد العقد قبل القبض، وانبرامه بعض القبض. فأما إذا قلنا إن العقد لم ينعقد من الأصل، والذي فعلوه في الشرك كان على عادة الجاهلية، لا بناء على شريعة، فلا يستقيم هذا الكلام، بل يقال: ما قبضوه منه، كان بمثابة أموال وصلت إليهم بالنهب والسلب، فلا يتعرض له، فعلى هذا لا يصح الاستشهاد به على ما ذكروه من المسائل. واشتمال شرائع من قبلنا من الأنبياء على تحريم الربا، كان مشهورا ومذكورا في كتاب الله، كما أخبر عن اليهود في قوله: (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ) «٢» . وذكر في قصة شعيب أن قومه أنكروا عليه وقالوا: (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) «٣» ؟

стр. 244

فعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به. نعم، يفهم من هذا أن العقود الواقعة في دار الحرب، إذا ظهر عليها الإمام، لا يعترض عليها بالفسخ، وإن كانت معقودة على فساد. وبالجملة، فإنه تخللت مدة طويلة بين نزول الآية وبين خطبة النبي ﵇ بمكة، ووضعه الربا الذي لم يكن مقبوضا من عقود الربا بمكة، قبل أن تفتح، ولم يميز بين ما كان منها قبل نزول الآية وما كان بعدها. ويمكن أن يستدل به على أن الأنكحة التي جرت في الشرك، لا تتعقب بالنقض بعد انبرامها كما في البيع بعد الانبرام. قوله تعالى: (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) (٢٨٠) عام في الربا وغيره من الديون. إلا أن الربا يكون في رأس المال، لأن الله تعالى جعل لهم رأس المال، فقال: (وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ) ... وفي غير الربا حكمه بين. وكان شريح يرى حبس المعسر في غير الربا من الديون، ويرى أن الإنظار مخصوص بالربا. فإن كان معتقدا لوجوب الزيادة على رأس المال في الربا، وأنه يجب فيه الإنظار بعد التوبة، فهذا خلاف الإجماع، وإن كان يقول في رأس المال يجب الإنظار فإنه واجب، وفي غيره من الديون الواجبة لا يجب الإنظار فهو غلط، فإنه لا فرق بينه وبين غيره من الديون، بحال، بعد أن جعل الله تعالى له رأس المال بعد التوبة.

стр. 245

نعم إن الله تعالى ذكر الإنظار بعد ذكر الربا، وذلك لا يمنع من التعلق بعمومه في الديون كلها. وقوله: (فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ) مع قوله (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ) يدل على ثبوت المطالبة لصاحب الدين على المدين، وجواز أخذ ماله بغير رضاه. ويدل على أن الغريم متى امتنع من أداء الدين مع الإمكان، كان ظالما، فإن الله تعالى يقول: (فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ) ، فجعل له المطالبة برأس ماله، وإذا كان له حق المطالبة، فعلى من عليه الدين لا محالة وجوب قضائه. وقوله: (لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ) ، يدل على أن من عليه رأس «١» المال بالامتناع من أداء رأس المال اليه ظالم، كما أنه «٢» بطلب الزيادة ظالم، وأن الممتنع من أداء رأس المال اليه ظالم مستحق للعقوبة وهي «٣» الحبس.. قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) (٢٨٢) : فقد ذهب بعض علماء السلف: إلى وجوب الاشهاد فيما قل وجل، وفيما حل وأجل من الديون، واليه ذهب أبو داود وابنه أبو بكر، ورووا عن ابن عباس أنه قال لما قيل له إن الدين منسوخة فقال: لا والله بل آية الدين محكمة ما فيها نسخ.

стр. 246

وروي عن أبي سعيد الخدري والشعبي والحسن، أن الاشهاد في آية المداينة منسوخ بقوله تعالى: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ) (٢٨٣) . فاختلفت الأقوال على ما ترى، فنقول وبالله التوفيق. إن قوله تعالى: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) ، لم يتبين تأخر نزولها عن صدر الآية المشتملة على الأمر بالاشهاد، بل وردا معا، ولا يجوز أن يرد الناسخ والمنسوخ معا جميعا في حالة واحدة، فدل ذلك على أن الأمر بالإشهاد ندب لا واجب، والذي يزيده وضوحا أنه قال: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) ، ومعلوم أن هذا الأمن لا يقع إلا بحسب الظن والتوهم، لا على وجه الحقيقة، وذلك يدل على أن الشهادة إنما أمر بها لطمأنينة قلبه لا لحق الشرع، فإنها لو كانت لحق الشرع ما قال: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) . ولا ثقة بأمن العباد، إنما الاعتماد على ما يراه الشرع مصلحة. فالشهادة متى شرعت في النكاح، لم تسقط بتراضيهما وأمن بعضهم بعضا، فدل ذلك أن الشهادة شرعت للطمأنينة، ولأن الله تعالى جعل لتوثيق الديون طرقا: منها: الكتاب. ومنها: الرهن. ومنها الإشهاد. ولا خلاف بين علماء الأمصار، أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد. وما زال الناس يتبايعون سفرا وحضرا، وبرا وبحرا، وسهلا وجبلا

стр. 247

من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير، ولو وجب الإشهاد لما تركوا النكير على تاركه. ومعلوم أن الإنسان في غير البيع والشراء، قد يأتمن الرجل على ماله فلا يحرم عليه، ولو باعه شيئا وأسلفه الثمن، يجوز إذا ائتمنه على ثمنه. فإذا ملك الإنسان الثمن بالبيع، فسواء ائتمن عليه المشترى أو اختلفا بعد استيفائه منه، فالكل واحد، وذلك يدل على أن الأمر بالإشهاد ندب. وقد ظن بعض الناس أن قوله تعالى: (إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) دليل على جواز التأجيل في القروض على ما قاله مالك، إذ لم يفصل بين القرض وسائر عقود المداينات، وهذا غلط منه، لأن الآية ليس فيها بيان جواز التأجيل في سائر الديون، وإنما فيها الأمر بالإشهاد، إذا كان دينا مؤجلا، ثم يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه. قوله: (وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ) (٢٨٢) : ظن ظانون أنه قد كان وجب في الأول على كل من اختاره المتبايعان، أن يكتب، وكان لا يجوز له أن يمتنع، حتى نسخه قوله تعالى: (وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) . وهذا بعيد، فإنه لم يثبت وجوب ذلك على كل من أراده المتبايعان كائنا من كان، وإنما كان ذلك على وجه آخر، وهو أنه من علم ذلك «١» بينه لهما، وليس عليه أن يكتبه، ولكن يبينه لهما حتى يكتباه أو يكتبه لهما أجير أو متبرع بإملاء من يعلمه، كما لو استفتيناه في صوم أو صلاة تطوعا أو فرضا، فعليه بيان الشريعة في ذلك، فهذا مثله، ولو كانت

стр. 248

الكتابة واجبة، لما صح الاستئجار عليها، لأن الإجارة على فعل الواجبات باطلة، ولم يختلف العلماء في جواز الإجارة على كتب كتاب الوثيقة. قوله تعالى: (وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ) : (٢٨٢) : نهى الكاتب أن يكتب على خلاف العدل الذي أمر الله به، وهذا النهي على الوجوب، إذ المراد به كتبه على خلاف ما توجبه أحكام الشرع، كما لا يصلي النفل بغير طهارة وستر، لا لوجوب النفل، ولكن لأنها إذا أديت فلا يجوز أداؤها إلا بشروطها. قوله : (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) : عند الحكم بما أقر به على نفسه. وقوله تعالى: (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً) «١» . فيه دلالة على أن من أقر لغيره بشيء، فالقول فيه قوله، لأن البخس هو النقص، فلما وعظه في ترك البخس، دل على أنه إذا بخس كان قوله مقبولا. وهو مثل قوله: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ) «٢» ، لما وعظهن في الكتمان، دل على أن المرجع في ذلك إلى قولهن.. ومثله قوله: (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) «٣» ، فدل على أنهم متى كتموها، كان القول قولهم فيها.

стр. 249

وكذلك وعظه الذي عليه الحق في تركه البخس، دليل على أن المرجع إلى قوله فيما عليه. وقال ﷺ : «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه» ، فجعل القول قول المدعى عليه دون المدعي، وأوجب عليه اليمين، وهو معنى قوله: (وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً) في إيجاب الرجوع إلى قوله: وقوله تعالى: (فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) (٢٨٢) : اعلم أنه تعالى ذكر السفيه في مواضع من كتابه في أمر الدين والدنيا: فأما في أمر الدين، فمثل قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) «١» . وقال: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ) «٢» الآية. وإنما ذلك في أمر الدين. وقال في نوع آخر: «٣» (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً) «٤» . فهذا وإن كان خطاب غير السفهاء، ولكن المراد بقوله: (أَمْوالَكُمُ أي أموالهم، ولذلك قال: (وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ) «٥» .

стр. 250

فعلم به أن المراد بقوله «أموالكم» ، الأموال التي أضيفت إليكم ولاية لا ملكا. وذلك يدل دلالة ظاهرة، على أن على السفيه في أمواله ولاية، وأن أمر أمواله مفوض إلى وليه، حتى إنه يرزقه منه ويكسوه، فقال: أموالكم، وأراد به أموالكم من حيث نفاذ التصرف، وأموالهم من حيث الملك. ومثله قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) «١» أي ليقتل بعضكم بعضا. وقال في موضع آخر (فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً) «٢» أي يسلم بعضكم على بعض. وأصل السفه في الدين والدنيا واحد، وهو الخفة والجهل بموضع الحط «٣» والأمر الذي قصد له، فالسفيه في الدين والسفيه في رأيه هو الجاهل فيه، ومنه قول الشاعر: نخاف أن تسفه أحلامنا ... ونخمل الدهر مع الخامل والبذيء اللسان يسمى سفيها، لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهال الناس وأصحاب العقول الخفيفة. وجمع الله تعالى بين السفيه والضعيف، والضعيف ها هنا عند المفسرين هو العاجز عن الإملاء، إما بعيّه أو خرسه أو جهله بأداء الكلام. فليملل وليه «٤» من يقوم مقامه، وليس في ذلك تصريح بأن إقرار الولي عليه مقبول.
следующие страницы →