← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23585

إعراب القرآن للباقولي - منسوب خطأ للزجاج

أبو الحسن الباقولي

Полный текст (1 085 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ألا ترى أن للاسم من القدمة على الفعل ما للفعل على الحرف فيقبح لذلك ترك توكيد الفعل مع الاسم، كما قبح ترك توكيده مع الحرف. فإن قلت: فما الذي يدل على أن التوكيد لا حق للحرف؟ وما ننكر أن يكون لحاقه للفعل دون الجزاء، فيكون الفعل مؤكداً من أوله إلى آخره مثل «ليفعلن» ؟ فالذي يدل على لحاقه حرف الجزاء دون الشرط أن الوقف عليه وأن أحداً لم يقف على «إن» وحدها في نحو: (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً) «١» فيستأنفوا «ما» مع الفعل كما استأنفوا ب «لا» مع الفعل، كقوله: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ) «٢» . ويدل أيضاً على لحاقها للحرف دون الفعل: أنها قد لحقت الحروف أيضاً في نحو: ألا ليتما هذا الحمام لنا «٣» وفي الإدغام أيضاً تقوية لأن الكلمة لو نوي بها الانفصال جاز فيها الإظهار كما جاز في «من ما» وما أشبهه. وكل هذا يدل على أن التأكيد لاحق للحرف، وإذا أكد الحرف الذي لا يستقل إلا بالفعل بعد «إن» لا يؤكد الفعل فافترق فعل شرط «إن» وفعل شرط سائر الحروف في لزوم النون لها مع «ما» لاقترانهما فيما ذكرنا.

стр. 597

فهذا الذي ذكرناه يصلح أن يحتج به من زعم أن النون لازمة للشرط إذا لحقت «ما» «إن» الجزاء. وقد قال ذلك أبو العباس، وخالفه في ذلك سيبويه، فقال: إن «ما» إذا لحقت «إن» الجزاء تبعه الفعل منوناً بإحدى النونين، وغير منون بهما، كما أن سائر الحروف كذلك. وإذا لم يلزم النون مع «إن» كما لم يلزم في الحروف الأخر نحو: َيْنَ ما تَكُونُوا) «١» لم يلزم على قوله الفصل بينهما كما لزم في قول من زعم أن النون لازمة. وقد استقصينا الخلاف في هذا، والله أعلم.

стр. 598

الباب الثامن والعشرون هذا باب ما جاء في التنزيل عقيب اسمين كني عن أحدهما اكتفاء بذكره عن صاحبه وقد ذكر ذلك سيبويه في «الكتاب» «١» ، واحتج بأبيات، وربما أسوقها لك بعد البداية بآي التنزيل. فمن ذلك قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ) «٢» ، ولم يقل: وإنهما- اكتفاء بذكر «الصلاة» عن ذكر «الصبر» ، وقد ذكرنا أنهم قالوا: إن الهاء للاستعانة. ومن ذلك قوله: (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) «٣» . وقال: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً) «٤» ، فهذا على القياس المستمر، لأن التقدير: وإن كان أحد هذين و: من يكسب أحد هذين، لأن «أو» لأحد الشيئين. ولو صرح بهذا لصح وجاد: «له» و «به» . فكذلك إذا قال بلفظة: أو ما.

стр. 599

فأما قوله: (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما) «١» . وقوله: (أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ) «٢» . فهذا على قياس الآيتين المتقدمتين، حقهما: فالله أولى به، وحرمه ولكنه جاء على قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين على معنى أنه يجوز له مجالستهما. ومثل هذا قد جاء في الشعر، أنشدوا لرجل من هذيل «٣» : / وكان سيان ألا يسرحوا نعماً ... أو يسرحوه بها واغبرت السوح «٤» وأنت تقول: سيان زيد وعمرو، ولكنه قال: أو يسرحوه، على ما ذكرنا. ومن ذلك قوله: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها) «٥» ولم يقل: ينفقونهما. وقال: (وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ) «٦» ، ولم يقل: أكلهما. وقال: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) «٧» ، والتقدير: والله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه.

стр. 600

وقال: (فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ) «١» فيمن قرأ بالتاء. ولم يقل: يخيلان. وقال: (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها) «٢» ولم يقل: إليهما. وأنشد للأنصاري: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف «٣» ولم يقل: بما عندنا راضون اكتفاء بالثاني عن الأول. وقال: رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئاً ومن أجل الطوى رماني «٤» وقال: ... وكان وأنت غير غدور «٥» فأحفظها.

стр. 601

الباب التاسع والعشرون هذا باب ما جاء في التنزيل صار الفصل فيه عوضاً عن نقصان لحق الكلمة وذلك إنما يجئ في أكثر الأحوال في باب المؤنث، فيقولون: قامت هند، فإذا فصلوا بينهما قالوا: قام اليوم هند. فمن ذلك قراءة أكثرهم: (وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ) «١» ، قالوا: إن التذكير أحسن لمكان الفصل، وقد قرئ أيضاً بالتاء، ولم يعتد بالفصل. كما قال: (وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) «٢» . وقال: (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) «٣» . وقال: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) «٤» . وقال: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ) «٥» فيمن قرأ بالتاء.

стр. 602

وقال: (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ) «١» فيمن قرا بالتاء وهم الأئمة السبعة، إلا حماداً رواه عن عاصم بالياء. وقال: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) «٢» . وقال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها) «٣» . وقال: (أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى) «٤» . وقال: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ) «٥» فيمن قرأ بالتاء. هذه الآي ونحوها لم يعتد فيها بالفصل، كما اعتد به في قوله: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ) «٦» في «هود» . وقوله: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ) «٧» في آي كثيرة اعتد/ فيها بالفصل. ومما اعتد فيه بالفصل قوله تعالى: (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) «٨» ، لم تدخل النون هنا لأنها إنما تدخل فتفصل هذه من لام الابتداء. قال أبو علي في قوله: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) «٩» ، وهو يبطل

стр. 603

قول الفراء: إن قوله (كَمْ أَهْلَكْنا) «١» جواب القسم، وإن التقدير: لكم أهلكنا قال: هذا لا يجوز لأن اللام على هذا داخلة على الفضلة. ثم قال: فإن قال قائل: ما ننكر أن تكون اللام التي دخلت على الأفعال مرادة في «كم» محذوفة لطول الكلام وإن دخولها في «كم» العامل فيه «أهلكنا» بمنزلة دخولها على «إلى» المتعلقة بالفعل المنتصبة الموضع به في قوله: (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) «٢» . وكما جاز دخولها على الجار المنتصب الموضع كذلك يجوز دخولها على «كم» المنتصبة الموضع. ثم قال: الجواب عندي أن التقدير بهذه اللام في قوله: (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) «٣» . ألا ترى أن القسم إنما وقع على «أنهم يحشرون» لا على الجار والمجرور، والمقسم عليه بالفعل، وهو المؤكد باللام، والملقى المقسم به. وإنما دخلت اللام على الحرف الجار لتقدمه عليه، ولم تدخل إحدى النونين على الفعل، لوقوعه على الحرف، وجاز دخولها على الحرف في كلا الموضعين إذ المراد به التأخير، كما جاز دخول لام الابتداء في مثل: إن زيداً لطعامك آكل إذ المراد به التأخير إلى الخبر.

стр. 604

فإذا كان التقدير ما ذكرنا لم يجز أن يكون (كَمْ أَهْلَكْنا) «١» بمنزلة (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) «٢» في جواز دخول اللام عليها كدخولها في «كم» ، إذا كان دخولها في قوله (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) «٣» بمنزلة دخولها على الفعل، وعلى حسب ما تكون عليه هذه اللام في سائر مواضعها ومتصرفاتها، فليس يسوغ تقدير دخولها على الفعل في «كم» والفصل الذي وقع بين اللام وبين (تُحْشَرُونَ) صار عوضاً عن دخول النون. ومما يجري مجرى الفصل: المفعول الواقع بين المعطوف والمعطوف عليه في نحو قوله: (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) «٤» ، وقوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ) «٥» . صار المفعول هنا عوضاً عن إبراز الضمير في نحو قوله: / (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ) «٦» ، وهكذا قال: (ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) «٧» .

стр. 605

الباب المتم الثلاثين هذا باب ما جاء في التنزيل وقد حمل فيه اللفظ على المعنى وحكم عليه بما يحكم على معناه لا على اللفظ وقد ذكر ذلك سيبويه في غير موضع، وأنشد فيها أبياتاً، ربما نسوقها لك بعد البداية بالآي. فمن ذلك قوله تعالى: (إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) «١» . من وقف على قوله «فاقع» وجعل «فاقعا» تابعا ل «صفراء» ابتدأ «لونها» ورفعها بالابتداء، وجعل قوله «تسر الناظرين» خبراً عنها. وإنما قال «تسر» ولم يقل: يسر حملاً على المعنى لأن قوله «لونها» : صفرتها فكأنه قال: صفرتها تسر الناظرين. ومثله قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ) «٢» . فعدّى «رفثا» ب «إلى» حملاً على الإفضاء، وكما قال: (أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) «٣» كذا قال: (الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ) «٤» .

стр. 606

ومثل ذلك قول أبي علي في قوله تعالى: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) «١» . ثم قال: (أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ) «٢» فقال: هذا محمول على المعنى لأنه لما قال: (وَلا تُؤْمِنُوا) «٣» كأنه قال: أجحدوا أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم؟ ومثله: (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) «٤» فعدّاه ب «من» . كأنه قال: ونجيناه من القوم الذين كذبوا. وقال: (فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا) «٥» ، كأنه قال: من يعصمنا من بأس الله إن جاءنا؟ وقال: (وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) «٦» ، فحمله على الإحسان، كأنه قال: وتحسنوا إليهم. ومن هذا الباب قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ) «٧» إلى قوله (وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ) «٨» . «في الرقاب» لم يعطف على «الفقراء» لأن المكاتب لا يملك شيئا، وإنما ذكر لتعريف الموضع، و «الغارمين» عطف على «الفقراء» إذ لا يملكون، «وفي سبيل الله» مثل قوله «وفي الرقاب» لأن ما يخرج في سبيل الله يكون فيه

стр. 607

ما لا يملك المخرج فيه، مثل بناء القناطر، وعقد الجسور، وسد الثغور، وقوله: «وابن السبيل» عطف على اللام في «الغارمين» أو في «ابن السبيل» لم يكن سهلاً. والمكاتب عبد لقوله: (هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) «١» . ومن هذا الباب/ قوله تعالى: (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) «٢» فيمن رفع قوله «غيره» . وكذلك (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) «٣» فيمن رفع. وكذلك قوله: (وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ) «٤» فيمن رفع. كان ذلك كله محمولاً على المعنى إذ المعنى: ما لكم إله غيره، وهل خالق غير الله، وما يعزب عن ربك مثقال ذرة. ومثله: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) «٥» . ثم قال: (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى) «٦» ، لأن معنى قوله: أخذ الله ميثاق بني إسرائيل، وأخذ الله ميثاقا من بني إسرائيل، واحد فجاء قوله «ومن الذين قالوا» على المعنى، لا على اللفظ.

стр. 608

ومن ذلك قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي) «١» ، أي: هذا الشخص أو: هذا المرئي. وكذلك قوله تعالى: (فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ) «٢» ، لأن الوعظ والموعظة، واحد. وقالوا في قوله تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) «٣» : إنه أراد ب «الرحمة» هنا: المطر، ويجوز أن يكون التذكير هنا إنما هو لأجل «فعيل» ، على قوله: بأعين أعداء وهن صديق «٤» وقوله: ... لا عفراء منك قريب «٥» وأما قوله تعالى: (بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) «٦» ، فإنه حمله على «النفس» لأن «الإنسان» و «النفس» واحد، وقيل: بل التاء للمبالغة، وقيل: بل التقدير: عين بصيرة فحذف الموصوف. وقال مجاهد: بل الإنسان على نفسه شاهد: عينه ويداه ورجلاه، فيكون «الإنسان» مبتدأ، والظرف فيما ارتفع به خبر، والهاء العائد من الجملة إلى المبتدأ، وهو المجرور بالإضافة، كما تقول: زيد في داره عمرو. وعكس الأول قول الحطيئة: ثلاثة أنفس وثلاث ذود ... لقد جار الزّمان على عيالى

стр. 609

حمل «الأنفس» على «الأشخص» كأنه قال: ثلاثة أشخص. ومنه قوله تعالى: (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) «١» ، أنث «العشر» لما كان «الأمثال» بمعنى: الحسنات، حمل الكلام على المعنى. ومن ذلك قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ) «٢» ، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ) «٣» ، (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ) «٤» ، (أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ) «٥» ، / عدي «ترى» ب «إلى» حملاً على النظر كأنه قال: ألم تنظر. وإن شئت كان المعنى: ألم ينته علمك إلى كذا؟. وعكس هذا قوله: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) «٦» ولم يقل: إلى ملكوت، لأن المعنى: أو لم يتفكروا في ملكوت السموات. ومن الحمل على المعنى قوله: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ) «٧» بعد قوله: (إِلَى الَّذِي حَاجَّ) «٨» كأنه قال: أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية فجاء بالثاني على أن الأول كأنه قد سيق كذلك. ومنه قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ) «٩» إلى قوله: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ) «١٠» ، لأن معناه: إن يؤخرنى أصدق وأكن، فحمل «أكن» على موضع «فأصدق» لأنه في موضع الجزم لما كان جواب «لولا» .

стр. 610

ومن ذلك قوله تعالى: (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً) «١» . «الهاء» في «إليه» يعود إلى ما تقدم ذكره، من اسم الله، والمعنى: ويهديهم إلى صراطه صراطاً مستقيماً. كما قال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ) «٢» ، وإن حملت «صراطاً» على أنه لما قال: (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ) «٣» دل هذا الكلام على انه قال: يعرفهم، فنصب «صراطاً» على أنه مفعول لهذا الفعل المضمر، والأول أشبه. ومن ذلك قوله: (دِيناً قِيَماً) «٤» ، يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لما قال: (إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) «٥» ، استغنى بجري ذكر الفعل عن ذكره ثانياً، فقال «ديناً قيماً» ، أي: هداني ديناً قيماً كما قال: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) «٦» . وإن شئت نصبته على «اعرفوا» ، لأن هدايتهم إليه تعريف لهم، فحمله على «اعرفوا» . و «دينا قيماً» إن شئت حملته على الإتباع كأنه قال: اتبعوا ديناً قيماً والتزموه، كما قال: (اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) » . ومن ذلك قوله تعالى: (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً) «٨» .

стр. 611

قال أبو علي: وجه الجر في «ولؤلؤ» أنهم يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤ أي منهما. وهذا هو الوجه لأنه إذا نصب فقال: (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً) «١» حمله على: ويحلون لؤلؤاً، واللؤلؤ إذا انفرد من الذهب والفضة لم يكن حلية. فإن قلت: / فقد قال الله تعالى: (حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَسْتَخْرِجُونَ) «٢» فعلى أن يكون «حلية» إذا وضع في الذهب والفضة صار حلية، كما قال في العصير (إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً) «٣» لأنه قد يستحيل إليها بالشدة كما يكون ذلك حلية على الوجه بخلافه. ويحتمل النصب وجهاً آخر، وهو أن تحمله على موضع الجار والمجرور لأن موضعهما نصب. ألا ترى أن معنى «يحلون فيها من أساور» «٤» : يحلون فيها أساور، فتحمله على الموضع. وقيل في قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) «٥» - إن «من» دخلت، لأن معنى قوله: «أحرص الناس» : أحرص من الناس، فقال: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) حملاً على المعنى. وقد ذكرنا ما في هذا في حذف الموصوف.

стр. 612

ومن الحمل على المعنى قوله: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ) «١» ، والمتقدم ذكر الوصية ولكن معناه الإيصاء، أي: من بدل الإيصاء. كقوله: (وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ) «٢» ثم قال: (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) «٣» حملاً على الحظ والنصيب. ومن ذلك قوله تعالى: (ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ) «٤» ، و (ما لَنا لا نَرى رِجالًا) «٥» ، لما كان المعنى في قولك: مالى لا أراه وما لنا لا نراهم، أخبرونا عنهم صار الاستفهام محمولاً على معنى الكلام، حتى كأنه قال: أخبروني عن الهدهد، أشاهد هو، أم كان من الغائبين؟. وكذلك الآية الأخرى، فيمن وصل الهمزة ولم يقطعها في قوله: (أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا) «٦» . وكما استقام الحمل على المعنى في هذا النحو كذلك حمل الآية عليه، فيما ترى أنه مذهب أبي الحسن. يعني قوله: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ) «٧» . ومن ذلك قوله: (وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ) «٨» .

стр. 613

«من» منصوب الموضع حملاً على المعنى لأن معنى (جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ) : أعشناكم، وكأنه قال: وأعشنا من لستم له برازقين. ويجوز أن يكون «من» مبتدأ- والخبر مضمر. والتقدير: ومن لستم له برازقين جعلنا لكم فيها معايش. ومن ذلك ما قال سيبويه: قال: سألت الخليل عن قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماء فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) «١» ، قال: هذا واجب، وهو تنبيه، كأنك قلت: انتبه/ إن الله أنزل من السماء ماء، وكان كذا وكذا. ومن ذلك قوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً) «٢» فيمن قرأ بالنصب لأنه إنما ينصب إذا كان السؤال على القرض لو قال: أيقرض زيد فيضاعفه عمرو؟. وفي الآية السؤال عن المقرض، لا عن الإقراض ولكنه حمل على لمعنى فصار السؤال عن المقرض، كالسؤال عن الإقراض. ومن ذلك قوله: (وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ

стр. 614

وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ) «١» فيمن جزم «يكفر» حملاً على موضع الفاء لأن الفاء في موضع الجزم. ومن الحمل على المعنى: (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) «٢» هو محمول على المعنى إذا جعلته يسد مسد الجواب لأن «ليس» لنفي الحال، والجزاء لا يكون بالحال تقديره: باينتم نساء المسلمين. ويجوز أن يكون الجواب «فلا تخضعن» دون «لستن» ، و «لستنّ» أوجه. ومن ذلك قوله: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ) «٣» ، فيمن جزم حمله على موضع «الفاء» . ومن ذلك قوله: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) «٤» في قراءة الجمهور، غير أبي عمرو. لأن معنى: «من رب السموات» : لمن السموات؟ فقال: «لله» حملاً على المعنى. كما أن من قال في الأول- وهو رواية العباس وأبي عمرو، (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ) «٥» حمل قوله: (لِمَنِ الْأَرْضُ) «٦» على المعنى، كأنه قال: من رب الأرض؟ فقال: الله.

стр. 615

ومثله: (قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) «١» جواباً لقولهم: (أَتَتَّخِذُنا هُزُواً) «٢» . ولو حمل على اللفظ لقال: أن أكون من الهازئين. وأما قوله تعالى: (وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) «٣» . فقد قال في التذكرة: إنه محمول على ما قبله من المصدر، والمصدر مفعول له، وهو: (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) «٤» أي: للغرور. وغرورهم على ضربين: إما أن يغري بعضهم بعضاً، أو يغروا جميعاً من يوسوسون له ويوالونه ممن لا يؤمنون. فنقديره: للغرور، ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون. والضمير في «إليه» ل «زخرف القول» . أو «لوحيهم» ، أو «ليرضوه» . ولا يكون أن تحمله على الأمر، على قوله: / (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ) «٥» لثبات الألف في الفعل، وليست بفاصلة، فتكون مثل (السَّبِيلَا) «٦» . فإذا كان كذلك لم يتجه إلا على هذا الذي ذكرنا أو على قول أبي الحسن، مع أن ذلك عزيز غامض ما علمته مر بي إلا هذا البيت الذي أنشده فيه. قال وللقائل أن يقول: إن المقسم عليه محذوف مضمر، كأنه: إذا قال قدني قلت آليت حلفة ... لتغنى عنّى ذا إناؤك أجمعا «٧»

стр. 616

أي قلت: بالله لتشربن أو لتقتحمن جميع ما في الإناء فحذف «لتقتمحن» لدلالة الحال عليه، ولأن ما في الكلام من قوله: «لنغنى عني» ، وإن أجاز ذلك فيه، لم يكن فيه حجة. قلت: الذي قال «بلام الأمر» في الآية هو الجبائي، ولم ينظر إلى إثبات الألف، ولم يعلم أن قوله «لا ترضاها» وأخواته من الضرورة كأنه استأنس بقراءة زبّان: (لا تخف دركاً ولا تخشى) «١» . فزعم الفارسي أن ذاك للفاصلة ك (الظُّنُونَا) «٢» و (السَّبِيلَا) «٣» ، وليس قوله: «ولتصغي» فاصلة. ومن ذلك ما ذهب إليه أبو علي في قراءة أبي عمرو في نصبه (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا) «٤» فزعم أنه محمول على قوله: (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ) «٥» . وأنت لا تقول: فعسى الله أن [يأتي بأن] «٦» يقول الذين آمنوا ولكن حمله على المعنى، لأن معنى: فعسى الله أن يأتي بالفتح، [وفعسى أن يأتي الله بالفتح] «٧» ، واحد. وجوز فيه أن يكون بدلاً من قوله «أن يأتي» . أجزنا فيه قديماً أن يكون محمولاً على «الفتح» ، أي: وأن يأتي بالفتح ويقول المؤمنون. كما قال الخليل في قوله تعالى: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) «٨» أنه محمول على «الوحى» «٩» .

стр. 617

وكرواية هبيرة «فنجي» بالنصب. حملاً على «نصرنا» من قوله: (جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ) «١» . ومن ذلك قوله: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) «٢» . ومنه: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) «٣» ، حمله على (يَعْدِلُونَ) «٤» فعداه ب «عن» . وهذا النحو كثير. ألا ترى أن سيبويه قال في قولهم: ألست أتيتنا فتحدثنا- بالرفع والنصب- فحمل مرة على اللفظ وأجاز النصب، وعلى المعنى فمنع النصب إذ معناه الإثبات. ولهذا جاء: (أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ) «٥» ، بخلاف قوله: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) «٦» . فجاء الاختلاف/ في الآيتين كما جاء الرفع والنصب في المسألة فحمل مرة على الإثبات، وأخرى على النفي ومن ذلك قوله: (يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ) «٧» ، إن اللفظ لفظ النداء، والمعنى على غيره. كما أن قوله: اغفر لنا أيتها العصابة، اللفظ على النداء، والمعنى على غير النداء، إنما هو الاختصاص.

стр. 618

قال أبو علي: مثل ما يكون اللفظ على شيء والمعنى على غيره قولهم: لا أدري أقام أم قعد؟ ألا ترى أن اللفظ على الاستفهام والمعنى على غيره. وكذلك قولهم: «حسبك» ، اللفظ لفظ الابتداء والمعنى على غيره. وكذلك قولهم: اتقى الله امرؤ فعل خيراً يثب عليه اللفظ لفظ الخبر والمعنى معنى الدعاء. وكذلك: (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا) «١» . وإلى هذا النحو ذهب أبو عثمان في قولهم: ألا رجل ظريف؟ فقال: اللفظ لفظ الخبر، والمعنى معنى التمني. وليس هذا بسائغ لأن الكلام قد دخله ما منع هذا المعنى، ألا ترى أن هذا ارتفع بالابتداء، وقد دخل الكلام من المعنى ما أزال معنى الابتداء ألا ترى أن معنى الطلب قد أزال معنى الابتداء من حيث جرى مجرى: اللهم غلاماً أي: هب لي. وكذلك قولك: ألا رجل؟ بمنزلة قوله: هب لي وألا آخذ وألا أعطي، ونحو ذلك. فإذا دخل هذا المعنى أزال معنى الابتداء وإذا زال معناه لم يجز ارتفاعه بالابتداء، لمعاقبة هذا المعنى له وإذا عاقبه ذلك وأزاله لم يجز أن يرتفع «أفضل» بأنه خبر لبطلان كون الأول أن يكون مبتدأ أوفي موضع الابتداء. فالقول في ذلك قول سيبويه لهذه الآية.

стр. 619

الباب الحادي والثلاثون باب ما جاء في التنزيل من حذف «أن» وحذف المصادر، والفصل بين الصلة والموصول وهو من باب لطائف الصناعة، لأنهم زعموا أن «أن» موصولة، وحذف الموصول وإبقاء صلته منكر عندهم، ومع ذلك فقد جاء في التنزيل. فمن ذلك قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) «١» . قالوا: التقدير: بأن لا تعبدوا إلا الله، فلما حذفت «أن» عادت «النون» . وكذلك قوله: (لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ) «٢» . تقديره: / بأن لا تسفكوا دماءكم، فحذف «أن» وعادت «النون» . قالوا: ومثله قولهم: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه «٣» » أي: أن تسمع. ومن ذلك قوله تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ) «٤» ، أي: بعد إيمانهم أن شهدوا، فحذفت «أن» ليصح عطفه على «إيمانهم» . وإن شئت كان التقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا، فتضع المصدر موضع «أن» ليصح عطف «شهدوا» عليه. ومن ذلك قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا) «٥» فيمن قرأ بالياء، أي: أن سبقوا، ليصح قيامه مقام المفعولين.

стр. 620

ومن ذلك قوله تعالى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ) «١» ، فقال: «تأمروني» لغو، كقولك: هذا يقول ذاك بلغني، ف «بلغني» لغو، وكذلك «تأمروني» كأنه قال: فيما تأمروني وكأنه قال: فيما بلغني، وإن شئت كان بمنزلة: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى «٢» قال «س» «٣» : «غير» منصوب ب «أعبد» على القول الأول، وعلى القول الثاني ب «تأمرونى» . ولا يجوز انتصابه ب «أعبد» لأن «أعبد» فى صلة «أن» و «غير» قبله، ولا يعمل ما في الصلة فيما قبل الموصول. «فا» «٤» : يؤكد أنهم يراعون الحال الأولى، بعد حذف «أن» ما روى أبو عثمان المارنى عن قطرب: «أحضر الوغى» بنصب «أحضر» . قال أبو سعيد «٥» : أجود ما يقال فيه ما ذكره سيبويه عن الخليل، وهو نصب «غير» «بأعبد» ، و «تأمرونى» غير عامل، كما تقول: هو يقول ذلك فيما بلغني، وزيد قائم ظننت، كأنك قلت: هو يقول ذاك فيما بلغني، وزيد قائم فيما ظننت. قال: وقال سيبويه: «وإن شئت كان بمنزلة: ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وهو ضعيف لأنه [يؤدي إلى أن] «٦» يقرر «أعبد» بمعنى: عابداً غير الله، وفيه فساد.

стр. 621

والذي عليه الناس، هو الوجه الأول الذي ذكرناه» . وقد قال سيبويه هذا الكلام هاهنا، وقال في الباب المترجم عنه: «هذا باب «١» ما يكون فيه «إلا» وما بعده وصفاً بمنزلة: «مثل» ، و «غير» . ومضى في كلامه « [ولا يجوز أن تقول: ما أتاني إلا زيد، وأنت تريد أن تجعل الكلام بمنزلة «مثل» ، إنما يجوز ذلك صفة] «٢» ثم قال: ولا يجوز أن يكون رفع «زيد» على إضمار: إلا أن يكون زيداً لأنك لا تضمر الاسم الذي هذا من تمامه، لأن «أن» يكون اسماً وما بعده صلة له» . ويجوز في الآية الأولى حذف «أن» ولم يجوزّه في الفصل الثاني. وأبو إسحاق تكلم على الآية، أعني قوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي) «٣» ونقل كلامه أبو علي في «الإغفال» وأراد أن يتكلم عليه، فبيض الموضع. وهذا كلام أبى إسحاق: «أفغير» منصوب ب «أعبد» لا بقوله «تأمروني» . المعنى: أفغير الله أعبد أيها الجاهلون فيما تأمرونى. ولو كان أبو العباس حين تتبع سيبويه، وتكلم بمثل هذا الكلام البارد الذي لا يخدش شيئاً من كلامه، وتتبعه على هذا الوجه، وتكلم بمثل هذا الكلام، وفصل بين الموضعين. كان أحق وأجدر. وقد ضمنت هذا الكتاب مثل هذا الفصل فصولاً أخر، تقدم بعضها، وأنت بصدد الثاني فاحفظها. قال الشيخ: ومما يحمل على إضمار «أن» في التنزيل قوله تعالى: (فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ) «٤» ، ف «أن» مضمرة، وهي مع الفعل في تقدير المصدر معطوف على «خزى» .

стр. 622

ومثله: (مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ) «١» ، أي: ثم كفر بعضكم ببعض يوم القيامة، فأضمر «أن» ومثله: (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) «٢» ، أي: ويوم القيامة رؤية الذين كذبوا على الله، لأن قبله (أَنْ تَقُولَ) «٣» ، و: (أَوْ تَقُولَ) «٤» . وقد قال أبو علي في قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا) «٥» ، يجوز أن تقدر حذف «أن» كأنه: لا تحسبن الذين كفروا أن سبقوا، فحذفت «أن» كما حذفتها في تأويل سيبويه في قوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي) «٦» . قال: وحذف «أن» قد جاء في غير شيء من كلامهم. قال: وإن كبيراً لم يكن رب علبة ... لدن صرحت حجاجهم فتفرقوا «٧» أي: لدن أن صرحت. وأثبت الأعشى في قوله: أراني لدن أن غاب رهطي كأنما ... يراني فيكم طالب الضيم أرنبا «٨» وقد حذفت من الفعل وبنيت مع صلتها في موضع الفاعل. أنشد أحمد بن يحيى لمعاوية بن خليل النصري: وما راعني إلا بشير بشرطه ... وعهدي به فينا يفش بكير «٩» فإذا وجهه على هذا سدّ «أن» مسد المفعولين.

стр. 623

كما أن قوله: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا) «١» فقال: هذا كلامه في الآية من «الحجة» . وإن شئت فاسمع كلامه في موضع آخر، قال: ومما يمكن أن يكون انتصابه على أنه مفعول به على الاتساع، وكان في الأصل ظرفاً، قوله: (أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) «٢» في قوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) «٣» ، والعامل في، الأيام «كتب» ، تقديره: كتب عليكم الصيام أياماً معدودات، أي: في أيام معدودات. وإن شئت اتسعت فنصبته نصب المفعول به، فتقول على هذا: مكتوب أياماً عليه. ولا يستقيم أن ينتصب «أيام» ب «الصيام» على أن يكون المعنى: كتب عليكم الصيام في أيام، لأن ذلك وإن كان مستقيماً في المعنى فهو في اللفظ ليس كذلك، ألا ترى أنك لو حملته على ذلك فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي منهما، وذلك أن «أياماً» تصير من صلة «الصيام» ، وقد فصلت بينهما بمصدر «كتب» لأن التقدير: كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على من كان قبلكم، فالكاف فى «كما» متعلقة، ب «كتب» ، وقد فصلت بها بين المصدر وصلته، وليس من واحد منهما. فإن قلت: أضمر «الصيام» لتقدم ذكر المتقدم عليه، كأنه: صيام أياماً، فإن ذلك لا يستقيم لأنك لا تحذف بعض الاسم، ألا ترى أنه قد قال في قوله: وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان «٤» أنه لا يكون على: أن لا يكون الفرقدان، لحذفك الموصول، وكذلك الآية. وإذ قد/ عرفت هذا وتبينت أن المصدر و «أن» مع ما بعده عندهم بمنزلة واحدة،

стр. 624

وأنهما كليهما موصول ل «أن» ، فلا بد وأن نعد لك الآي التي وردت فيها المصادر وظاهرها فصل بينها وبين صلاتها بمنزلة «أن» ، والحديث ذو شجون. فمن ذلك قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ) «١» ، لا يجوز تعليق «على» بقوله «حجتنا» للفصل بين المصدر وما يتعلق به بالصفة. قال أبو علي: وإن كان «حجتنا» بدلا ف «آتيناها» خبره، و «على» متعلق بمحذوف، كقوله: (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ) «٢» . وكذلك إن جعلت «حجتنا» خبراً، فإن جعلت «آتيناها» في موضع الحال على: حجة آتيناها، وإضمار «قد» ، جاز أن يكون متعلقا، ب «الحجة» لأنه لها فصل. قال عثمان: قلت لأبي علىّ في قول الله تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ) «٣» يكون «آتيناها» حالاً من «الحجة» إما على: قد آتينا، وإما: على: حجة آتيناها، وعادت مع هذا على قوله بنفس حجتنا، فمثل هذا ألا فصل بين الصلة والموصول بالأجنبي؟ فقال: الحال تشبه الظرف، وقد يجوز في الظرف ما لا يجوز في غيره، ولم يزد على هذا بعد المراجعة. والفصل بين الموصول والصلة لا يجوز بالظرف ولا غيره، ألا ترى أنك لو قلت، أعجبني ضربك يوم الجمعة زيداً، فعلقت «يوم الجمعة» ب «أعجبنى» لا ب «الضرب» لم يجزه أحد، وإنما المتجوز بالفصل الفصل بالظرف ما كان بين الفعل وفاعله، نحو: كان فيك زيد راغباً، ونحو قوله: فإن بحبها ... أخاك مصاب القلب جم بلا بله «٤»

стр. 625

وأما ما ذهب إليه أبو علي، فيما حكينا عنه، فلا، والله أعلم. وقال أبو علي في موضع آخر: ففي هذا دلالة على وقوع مثال الماضي حالاً، وذلك أن «آتينا» لا تخلو من أن تكون صفة أو جملة متبعة جملة، على حد: (هُمْ فِيها خالِدُونَ) «١» ، أو حالاً، ولا تكون صفة لأن «حجتنا» معرفة، ولا تكون على حد (هُمْ فِيها خالِدُونَ) «٢» ، و (ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) «٣» لأنك إن جعلته على ذلك فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي، فإذا امتنعتا ثبت أنه واقع موقع الحال، إذا كانت/ حالاً لم تفصل بين الصلة والموصول، وكانت على [ذلك] «٤» متصلة بالمصدر الظاهر الذي هو «حجتنا» . فإن قلت: فلم لا تكون على قول أبي الحسن في نحو: (أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ) «٥» ، أن يكون على تقدير: أو جاءوكم قوم حصرت، ولا يكون على قوله: أو جاءوكم قوماً قد حصرت، فإن ذلك لا يكون على حذف الموصوف، كما يكون قوله: أو يكون جاءوكم قوماً حصرت لأنك على هذا تحذف الموصول وتبقي بعض صلته. وقد قال سيبويه: إن ذلك لا يجوز فيه. وأما قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) «٦» فإن قوله «يوم خلق السّموات» تتعلق بمضمر دون «عدة» ، لأن الفصل بين المصدر والمعمول لا يجوز، ولهذا لا يتعلق «فى كتاب الله» ب «عدة» ولا يكون بدلاً من «عند الله» للفصل، أو يكون أن يتعلق ب «حرم» ، كأنه: منها أربعة حرم فيها كتب الله يوم خلق السموات

стр. 626

فيكون المعنى: مثبتاً في كتاب الله، أي: فيما فرض كونه حرماً أربعة أشهر لا أكثر، فإذا نشأتم أنتم الشهور فجعلتم الشهور الحرم أكثر من أربعة لما كتبه الله أجل لهم ما حرم الله. ويجوز أن يتعلق «يوم» ب «كتاب» . وأما قوله تعالى: (وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) «١» . فإن قوله «من الله» صفة فيها ذكر من الموصوف، وكذلك «إلى الناس» ، ولا يكون من صلة «أذان» لأنه اسم، وليس بمصدر. ومن أجرى هذا الضرب من الأسماء مجرى المصادر فينبغي ألا يتعلق به هذا الجار، ألا ترى أن المصدر الذي هذا منه لا يصل بهذا الحرف كما يصل قوله: (بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ) «٢» به، لقوله: برئت إلى عرينة من عرين «٣» و: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) «٤» . فأما قوله: «يوم الحج الأكبر» فيجوز أن يتعلق ب «أذان» لأنك تفصل بين الصلة والموصول بالصفة، ولا بد من تقدير الجار في قوله «إن الله» أي، ب «إن الله» لأن الله برئ من المشركين، لا يكون الإعلام كما يكون الثاني الأول، في نحو: خبر له أنك خارج.

стр. 627

وأما قوله في: (هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ) «١» : لا يتعلق الباء ب «عطاؤنا» / للفصل، ولا ب «أمسك» لأنه لا يقال: أمسكت بغير حساب، إنما يقال: أعطيت بغير حساب، فهو إذاً متعلق ب «امنن» ، ويكون معناه: أنه مخير بين أن يعطي كثيراً وأن يمسك، وكأن معنى «امنن» أعط، لما كان مناً وتفضلاً على المعطى، قيل: «امنن» ، والمراد: أعط. ومثله في جعل «المن» عطاء قوله تعالى: و (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) «٢» ، كأنه: لا تعط مستكثراً، أي: لا تعط لتأخذ أكثر منه. ومثله: (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ) «٣» . وتقدير «تستكثر» : أي: مقدراً فيه الاستكثار، وجزم «تستكثر» على هذا يبعد في المعنى، لأنه يصير: إن لا تمنن تستكثر، وليس المعنى على هذا. وقد أجاز أبو الحسن نحواً من هذا اللفظ، وإن لم يكن المعنى عليه. وأما قوله تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ) «٤» ، ف «الذين» جر، عطف على «المؤمنين» ، أو نصب، عطف على «المطوعين» . فالظرف. أعني «في الصدقات» . متعلق ب «مطوعين» أو «يلمزون» ، أي: ويعيبون في إخراج الصدقات لقلتها، ولا يكون «الذين يلمزون» ، بدلاً من «من» في قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ) «٥» ، لأن هؤلاء غيرهم ... «٦» في وضع الصدقات.

стр. 628

وأما قوله: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ) «١» ف «على» من صلة «وتمت» دون «الكلمة» وإن كانت «الكلمة» بمعنى، النعمة، لأنها وصفت بالحسنى، وكما يتعلق «على» ب «حقت» في قوله: (حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ) «٢» وكذا هاهنا. وأما قوله: (فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ) «٣» فقد تكلمنا عليه في باب المفعول. وأما قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ) «٤» ، فقد تردد فيه كلامه، فقال مرة: الظرفان صفة للنكرة متعلقان بمحذوف، والشهادة من الله هي شهادة يحملونها ليشهدوا، فهذا كما قال: (فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) «٥» ، وقال في موضع آخر: لا يتجه أن يتعلق «من» ب «كتم» لأن الله لا يكتم شيئاً. فإن قلت: فقد جاء (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) «٦» فإنه يجوز أن يكون التقدير: إن أحوالهم ظاهرة وإن كتموها. كما قال: (لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) «٧» ، فإذا لم يتعلق بكتم «تعلق بالشهادة» ، وتعلقه به على وجوه. فإن جعلت قوله «عنده» صفة للشهادة لم يجز أن يكون «من الله» متعلقا ب «شهادة» لأنه فصل بين الصلة والموصول، وكما انك لو عطفت عليه كان كذلك. ويجوز أن تنصب «عند» لتعلقه ب «شهادة» . فإذا فعلت ذلك لم يتعلق ب «من الله» ، لأنه لا يتعلق به ظرفان. وإن جعلت «عنده» صفة أمكن أن يكون «من الله» حالا عمّا فى «عنده» ،

стр. 629

فإذا كان كذلك وجب أن يتعلق بمحذوف في الأصل، والضمير العائد إلى ذي الحال هو الظرف. هذا كلامه وقد منع من تعلق الظرفين بالمصدر، وهذا يجوز في الظرفين المختلفين، وإنما الكلام في المتفقين، وقد بيناه في «الاستدراك» . وأما قوله: (لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ) «١» . فلا يخلو قوله «إذ تدعون» من أن يتعلق ب «لمقت الله» ، ولا يجوز أن يتعلق بقوله «مقتكم» لأنهم مقتوا أنفسهم في النار، وقد دعوا إلى الإيمان في الدنيا. ولا يتعلق بالمبتدأ، لأنه أخبر عنه بقوله «أكبر من مقتكم» ، والموصول لا يخبر عنه، وقد بقيت منه بقية، والفصل بين الصلة والموصول غير جائز. وأما قوله تعالى: (إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ) «٢» إن جعلت الهاء للكافر، على معنى: إنه على إحيائه لقادر، لم يجز أن يتعلق «يوم تبلى السرائر» بقوله «رجعه» ، لأن قوله «لقادر» في موضع الخبر ل «إن» ، وقد فصل بين المصدر وما يتعلق به، ولكن ينتصب بمضمر يفسره «رجعه» ، أي: يحييه يوم تبلى السرائر. ويجوز أن يجعل «يوم» بمعنى «إذا» فيعمل فيه مدلول «إذا» : (فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ) «٣» كقوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ) «٤» . ألا ترى أن مدلول «الفاء» يعمل في «يوم ندعو» . ومثله: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) «٥» . ومثله: (فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ) «٦» .

стр. 630

ولا يجوز أن يتعلق بقوله «لقادر» ، لئلا يصغر المعنى لأن الله قادر يوم تبلى السرائر وغيره، في كل وقت وعلى كل حال، على رجع النشور. قال أبو علي في «الإغفال» في قوله: (أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) «١» قولاً يخالف ما حكينا عنه في «الحجة» قبل، وهو أنه قال: يجوز/ أن يجعل «أياماً» متعلقا ب «الصيام» ، دون «كتب» ، وكانت الكاف في موضع النصب حالاً من فاعل الصيام، الا ترى أنه لا يستقيم: كتب عليكم أن تصوموا مشابهين الكتابة، فهذا من جهة المعنى. ويصح كونه حالاً من «الصيام» على تقدير: كتب عليكم الصيام مثل ما كتب الصيام على من قبلكم، أي كتب الصيام مشابهاً كتابته على الذين من قبلكم. فالصيام لا يشبه الكتابة، وحق التشبيه أن تشبه كتابة بكتابة، أو صيام بصيام، فأما أن يشبه الصيام بالكتابة فليس بالوفق، إلا أن يدل اشتباه الصيام بالكتابة من حيث كان كل واحد منهما مراداً، وإن لم يكن الآخر. وهذا مما يدلك على أن حمل «كما» ، على أنه منصوب ب «كتب» ، أوجه وأبين من أن تجعله متعلقا ب «الصيام» ، ولا يجوز في «كما» أن يكون صفة لمصدر «كتب» الذي دل، «كتب» عليه، في قول من جعل «أياماً» معمول «الصيام» ، لأنه يفصل بين الصلة والموصول بما هو أجنبي منهما، وما عمل فيه شيء. وأما قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) «٢» لا تكون الكاف «٣»

стр. 631

صفة لمصدر دل عليه «كفروا» ، ولا لمصدر دل عليه قوله «لن تغني» ، للفصل بين الصلة والموصول بالخبر أو بالجملة التي هي «أولئك هم وقود النار» ، وإنما معمول لقوله «وقود النار» لأنه لا فصل بينهما. وأما قوله تعالى: (الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) «١» ، فقوله «وقعدوا» اعتراض، لأنه يسدد ما يريدونه من تثبيطهم وإقعادهم عن الجهاد مع النبي صلى الله عليه وعلى آله، فقوله: «لو أطاعونا ما قتلوا» في موضع نصب. فقالوا: ولا يحتاج هنا إلى إضمار فعل آخر كما احتجت إليه في قوله: وقائلة تخشى علي أظنه ولأن «تخشى» وصف، وإذا وصفت اسم الفاعل لم ينبغ أن يعمل. فأما «الذين» فموضعه رفع، وقال: زيداً اضربه، نصب ألا ترى أنك تنصب: زيداً قال له خيراً، كما تقول: زيداً اضربه. وليس الرفع بمختار في قول أحد فيه، لأنه لا وجه للرفع على ذلك. وأما قوله تعالى: (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) «٢» ، ف «من» موصولة، وتمام الصلة عند قوله: (وَآتَى الزَّكاةَ) «٣» ، وقوله: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ) «٤» رفع، عطف على «من آمن» ، فلا يجوز إذاً أن يكون قوله «والصابرين» عطفاً على قوله «ذوي القربى» على تقدير: وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين، لأنك قد عطفت على الموصول قوله «والموفون» ، فلا يجوز أن يكون

стр. 632

«والصابرين» داخلاً في الصلة، ولكنك إن رفعت «والموفون» على المدح جاز عطف «الصابرين» على قوله «ذوى القربى» ، لأنّ الجملة تسدد الأول وتوضحه لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) «١» ، فقوله «وترهقهم ذلة» عطف على «كسبوا» ، وقوله «وجزاء سيئة بمثلها» اعتراض. وقال قوم: بل التقدير: جزاء سيئة، والجملة في موضع خبر قوله: «والذين كسبوا» . فأما قوله تعالى: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى) «٢» قال أبو علي: يحتمل عندي قوله «أحوى» ضربين: يجوز أن يكون حالا ل «المرعى» كأنه: والذي أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء أحوى، ولا يكون فصلاً بين الصلة والموصول، لأن «أحوى» في الصلة، وقوله «فجعله» أيضاً معطوف على الصلة، وتقديم بعض الصلة على بعضها غير جائز، فإذا حملته على هذا كان وصفه بالحوة إنما هو لشدة الري ولإشباع الخضرة، كأنه أسود، على هذا قوله: (مُدْهامَّتانِ) «٣» ، وإن كان هذا لا يقع من الوصف بالحوة لأنه أذهب في باب السواد. وإن جعلت أحوى صفة ل «غثاء» كان المراد به السواد لا الخضرة التي في الري أنها سواد، ولكن بالقدرة أخرج المرعى فصار غثاءا أسود ليبسه وهيجه وتسويد الشمس له بأحراق لطيفة.

стр. 633

وأما ما ذهب إليه علي بن عيسى في قوله: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) «١» إلى قوله (وَقِيلِهِ) «٢» من أن قوله «وقيله» فيمن جر، معطوف على الجار والمجرور، أعني «٣» ... وجداً، للفصل بين الصفة والموصول بما تراه من الكلام. وأما قوله: (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) ، فإن «٤» «حتى» متعلق إما بفعل مضمر يدل عليه «سلام» / أو بقوله (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ) «٥» . فإن قلت: فإذا كان متصلاً بقوله «تنزل» فكيف فصل بين العامل والمعمول بالجملة التي هي «سلام» ؟ فإن ذلك لا يمتنع لأمرين: أحدهما: أن هذه الجملة ليست بأجنبية، ألا تراها تتعلق بالكلام وتسدد. والآخر: أن تكون في موضع حال من الضمير في قوله (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها) «٦» مسلمة، فهذا لا يكون فصلاً على هذا الوجه الآخر. وأما إذا لم تحمله على هذا وجعلت «حتى» متعلقاً بفعل مضمر، فلا يخلو من أن يتعلق ب «هى» أو «سلام» ، فلا يتعلق ب «هى» ، لأنه لا معنى فعل فيه، ولا يجوز أن يتعلق أيضا ب «سلام» ، لأنك تفصل حينئذ بين الصلة والموصول بالمبتدأ، ألا ترى أن «سلاماً» مصدر، فإذا لم يجز هذا أضمرت ما يدل عليه «سلام» ، فكأنك قلت: تسلم حتى. فإن قلت: فلم لا تضمر فعلاً بعد «هي» مما يتعلق به، ويكون المبتدأ الذي هو «هي» قد أخبر عنه بأنه سلام، وأنها «حتى مطلع الفجر» مثل:

стр. 634

حلو حامض، كأنه أراد أن يعلم أنه سلام، وأنه إلى هذا الوقت، فإن الإفادة بأنها إلى مطلع الفجر ليست بحسنة، لأن ذلك قد علم من غير هذا المكان، فإذا كان كذا حملناه على باب (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ) «١» ولهذا لم نجعل «حتى» خبر «هى» ، و «سلام» ل «هى» آخر، ولأنه إذا لم يكن من باب حلو حامض، فلا يكون من باب: هو قائم، أولى، وإن جعلت «هي» فاعل «سلام» ، و «حتى» فى موضع الخبر، فهو وجه. قال عثمان: لا يلزم إذا جعلت «حتى» متعلقة ب «سلام» أن تكون فصلت بينهما ب «هى» ، لأن «سلاماً» في موضع: مسلمة، وأنشد: فهلا سعيتم سعى عصبة مازن ... وهل كفلائي في الوفاء سواء وأما قوله تعالى: (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ «٢» ) ، فينبغي أن يكون قوله «أو من وراء حجاب» إذا جعلت «وحيا» على تقدير: أن يوحي- كما قال الخليل- لما لم يجز أن يكون على أن الأولى من حيث فسد في المعنى/ يكون «من وراء حجاب» على هذا متعلّقا بفعل محذوف في تقدير العطف على الفعل الذي يقدر صلة، ل «أن» الموصولة ب «يوحى» ، ويكون ذلك الفعل: يكلم، وتقديره: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحى إليه أو يكلم من وراء حجاب، فحذف «يكلم» لجري ذكره أولا، كما حذف الفعل في قوله: (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ) «٣» لجري ذكره، والمعنى: كذلك أنزلنا، وكما حذف في قوله: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ «٤» ) ، والمعنى: الآن آمنت، فحذف، حيث كان ذكر «آمنت» قد جرى،

стр. 635

وهذا لا يمتنع حذفه من الصلة، لأنه بمنزلة المثبت، وقد تحذف من الصلة أشياء للدلالة عليها، ولا يجوز أن يقدر تعلق «من» في قوله (أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) «١» إلا بهذا، لأنك إن قدرت «٢» تعلقه بغيره فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي، ولا يجوز أن يقدر فعل غير هذا، كما قدر في «أو» في قوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً) «٣» ، لأن هذا اعتراض يسدد ما قبله، وأنت إذا قدرت «أو من وراء حجاب» متعلقا بشيء آخر كان فصلاً بأجنبي، إذ ليس هو مثل الاعتراض الذي يسدد الأول. وأما من رفع فقال: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) «٤» فينبغي أن يكون قوله «أو من وراء حجاب» متعلقا بمحذوف، ويكون الظرف في موضع حال، لأن قوله (إِلَّا وَحْياً) «٥» على هذا التقدير مصدر في موضع الحال، كأنه يكلم الله إيحاء، أي: موحياً، كقولك: جئت ركضاً ومشياً، ويكون «من» في قوله «أو من وراء حجاب» في أنه في موضع حال، مثل «من» في قوله (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) » بعد قوله (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) » ، فهذا موضع وقعت فيه «من» ظرفاً في موضع الحال، كما وقع سائر حروف الجر، ومعنى «أو من وراء حجاب» في الوجه الأول: يكلمهم غير مجاهر لهم بالكلام، أي: يكلمهم من حيث لا يرى كما لا يرى سائر المتكلمين، ليس أنه هناك حجاب يفصل موضعا من موضع.
следующие страницы →