صفة لمصدر دل عليه «كفروا» ، ولا لمصدر دل عليه قوله «لن تغني» ، للفصل بين الصلة والموصول بالخبر أو بالجملة التي هي «أولئك هم وقود النار» ، وإنما معمول لقوله «وقود النار» لأنه لا فصل بينهما.
وأما قوله تعالى: (الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) «١» ، فقوله «وقعدوا» اعتراض، لأنه يسدد ما يريدونه من تثبيطهم وإقعادهم عن الجهاد مع النبي صلى الله عليه وعلى آله، فقوله: «لو أطاعونا ما قتلوا» في موضع نصب. فقالوا:
ولا يحتاج هنا إلى إضمار فعل آخر كما احتجت إليه في قوله:
وقائلة تخشى علي أظنه
ولأن «تخشى» وصف، وإذا وصفت اسم الفاعل لم ينبغ أن يعمل.
فأما «الذين» فموضعه رفع، وقال: زيداً اضربه، نصب ألا ترى أنك تنصب: زيداً قال له خيراً، كما تقول: زيداً اضربه. وليس الرفع بمختار في قول أحد فيه، لأنه لا وجه للرفع على ذلك.
وأما قوله تعالى: (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) «٢» ، ف «من» موصولة، وتمام الصلة عند قوله: (وَآتَى الزَّكاةَ) «٣» ، وقوله: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ) «٤» رفع، عطف على «من آمن» ، فلا يجوز إذاً أن يكون قوله «والصابرين» عطفاً على قوله «ذوي القربى» على تقدير: وآتى المال على حبه ذوي القربى والصابرين، لأنك قد عطفت على الموصول قوله «والموفون» ، فلا يجوز أن يكون
стр. 632
«والصابرين» داخلاً في الصلة، ولكنك إن رفعت «والموفون» على المدح جاز عطف «الصابرين» على قوله «ذوى القربى» ، لأنّ الجملة تسدد الأول وتوضحه لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) «١» ، فقوله «وترهقهم ذلة» عطف على «كسبوا» ، وقوله «وجزاء سيئة بمثلها» اعتراض.
وقال قوم: بل التقدير: جزاء سيئة، والجملة في موضع خبر قوله:
«والذين كسبوا» .
فأما قوله تعالى: (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى) «٢» قال أبو علي:
يحتمل عندي قوله «أحوى» ضربين:
يجوز أن يكون حالا ل «المرعى» كأنه: والذي أخرج المرعى أحوى، فجعله غثاء أحوى، ولا يكون فصلاً بين الصلة والموصول، لأن «أحوى» في الصلة، وقوله «فجعله» أيضاً معطوف على الصلة، وتقديم بعض الصلة على بعضها غير جائز، فإذا حملته على هذا كان وصفه بالحوة إنما هو لشدة الري ولإشباع الخضرة، كأنه أسود، على هذا قوله: (مُدْهامَّتانِ) «٣» ، وإن كان هذا لا يقع من الوصف بالحوة لأنه أذهب في باب السواد.
وإن جعلت أحوى صفة ل «غثاء» كان المراد به السواد لا الخضرة التي في الري أنها سواد، ولكن بالقدرة أخرج المرعى فصار غثاءا أسود ليبسه وهيجه وتسويد الشمس له بأحراق لطيفة.
стр. 633
وأما ما ذهب إليه علي بن عيسى في قوله: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) «١» إلى قوله (وَقِيلِهِ) «٢» من أن قوله «وقيله» فيمن جر، معطوف على الجار والمجرور، أعني «٣» ... وجداً، للفصل بين الصفة والموصول بما تراه من الكلام.
وأما قوله: (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) ، فإن «٤» «حتى» متعلق إما بفعل مضمر يدل عليه «سلام» / أو بقوله (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ) «٥» .
فإن قلت: فإذا كان متصلاً بقوله «تنزل» فكيف فصل بين العامل والمعمول بالجملة التي هي «سلام» ؟
فإن ذلك لا يمتنع لأمرين:
أحدهما: أن هذه الجملة ليست بأجنبية، ألا تراها تتعلق بالكلام وتسدد.
والآخر: أن تكون في موضع حال من الضمير في قوله (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها) «٦» مسلمة، فهذا لا يكون فصلاً على هذا الوجه الآخر.
وأما إذا لم تحمله على هذا وجعلت «حتى» متعلقاً بفعل مضمر، فلا يخلو من أن يتعلق ب «هى» أو «سلام» ، فلا يتعلق ب «هى» ، لأنه لا معنى فعل فيه، ولا يجوز أن يتعلق أيضا ب «سلام» ، لأنك تفصل حينئذ بين الصلة والموصول بالمبتدأ، ألا ترى أن «سلاماً» مصدر، فإذا لم يجز هذا أضمرت ما يدل عليه «سلام» ، فكأنك قلت: تسلم حتى.
فإن قلت: فلم لا تضمر فعلاً بعد «هي» مما يتعلق به، ويكون المبتدأ الذي هو «هي» قد أخبر عنه بأنه سلام، وأنها «حتى مطلع الفجر» مثل:
стр. 634
حلو حامض، كأنه أراد أن يعلم أنه سلام، وأنه إلى هذا الوقت، فإن الإفادة بأنها إلى مطلع الفجر ليست بحسنة، لأن ذلك قد علم من غير هذا المكان، فإذا كان كذا حملناه على باب (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ) «١» ولهذا لم نجعل «حتى» خبر «هى» ، و «سلام» ل «هى» آخر، ولأنه إذا لم يكن من باب حلو حامض، فلا يكون من باب: هو قائم، أولى، وإن جعلت «هي» فاعل «سلام» ، و «حتى» فى موضع الخبر، فهو وجه.
قال عثمان: لا يلزم إذا جعلت «حتى» متعلقة ب «سلام» أن تكون فصلت بينهما ب «هى» ، لأن «سلاماً» في موضع: مسلمة، وأنشد:
فهلا سعيتم سعى عصبة مازن ... وهل كفلائي في الوفاء سواء
وأما قوله تعالى: (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ «٢» ) ، فينبغي أن يكون قوله «أو من وراء حجاب» إذا جعلت «وحيا» على تقدير: أن يوحي- كما قال الخليل- لما لم يجز أن يكون على أن الأولى من حيث فسد في المعنى/ يكون «من وراء حجاب» على هذا متعلّقا بفعل محذوف في تقدير العطف على الفعل الذي يقدر صلة، ل «أن» الموصولة ب «يوحى» ، ويكون ذلك الفعل: يكلم، وتقديره: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحى إليه أو يكلم من وراء حجاب، فحذف «يكلم» لجري ذكره أولا، كما حذف الفعل في قوله: (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ) «٣» لجري ذكره، والمعنى: كذلك أنزلنا، وكما حذف في قوله: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ «٤» ) ، والمعنى: الآن آمنت، فحذف، حيث كان ذكر «آمنت» قد جرى،
стр. 635
وهذا لا يمتنع حذفه من الصلة، لأنه بمنزلة المثبت، وقد تحذف من الصلة أشياء للدلالة عليها، ولا يجوز أن يقدر تعلق «من» في قوله (أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) «١» إلا بهذا، لأنك إن قدرت «٢» تعلقه بغيره فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي، ولا يجوز أن يقدر فعل غير هذا، كما قدر في «أو» في قوله:
(إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً) «٣» ، لأن هذا اعتراض يسدد ما قبله، وأنت إذا قدرت «أو من وراء حجاب» متعلقا بشيء آخر كان فصلاً بأجنبي، إذ ليس هو مثل الاعتراض الذي يسدد الأول.
وأما من رفع فقال: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) «٤» فينبغي أن يكون قوله «أو من وراء حجاب» متعلقا بمحذوف، ويكون الظرف في موضع حال، لأن قوله (إِلَّا وَحْياً) «٥» على هذا التقدير مصدر في موضع الحال، كأنه يكلم الله إيحاء، أي: موحياً، كقولك: جئت ركضاً ومشياً، ويكون «من» في قوله «أو من وراء حجاب» في أنه في موضع حال، مثل «من» في قوله (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) »
بعد قوله (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) »
، فهذا موضع وقعت فيه «من» ظرفاً في موضع الحال، كما وقع سائر حروف الجر، ومعنى «أو من وراء حجاب» في الوجه الأول: يكلمهم غير مجاهر لهم بالكلام، أي:
يكلمهم من حيث لا يرى كما لا يرى سائر المتكلمين، ليس أنه هناك حجاب يفصل موضعا من موضع.
стр. 636
وأما قوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) «١» ، ف «رسله» معطوف على الضمير المنصوب الذي قبله، كما قال: (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) «٢» ، ولا يجوز أن يكون معطوفاً على مفعول «ليعلم» لأنك تفصل بين الصلة والموصول ألا ترى أن قوله «بالغيب» متعلق ب «ينصر» ولا يجوز أن يتعلق ب «ليعلم» ، فإذا كان كذلك، فلو عطفت «رسله» على «يعلم» فصلت بالمعطوف بين الصلة والموصول.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً) «٣» . فقوله بعد:
(وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) «٤» اعتراض بين الصلة والموصول، وقوله:
(وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا) «٥» في الصلة من الفعل. ونظير هذا (قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ) «٦» هو فصل بين الفعل ومفعوله دون الصلة وموصوله.
أما قوله: (أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) «٧» . فزعم أنه لا يكون عطفاً على ما تقدم من ألا يفصل بين الصلة والموصول بقوله: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) ، «٨» ولكن النصب على إضمار «أن» بعد «أو» . ونعني بالموصول قوله: (بُشْرى لَكُمْ) «٩» لأن اللام من قوله «ليقطع» متعلق به، وقوله: (وَمَا النَّصْرُ) اعتراض.
فهذه آي وردت، فيها يقول النحويون من امتناع الفصل بين الصلة والموصول، ولا نرى منها حرفاً في كتبهم، والحمد لله الذي هدى لهذا.
стр. 637
الباب الثاني والثلاثون
هذا ما جاء في التنزيل من حذف حرف النداء والمنادى وذلك حسن جائز فصيح ورد به الكلام، وعلى هذا جميع ما جاء في التنزيل من قوله: (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا) «١» .
ومنه قوله تعالى: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا) «٢» أي: يا يوسف.
أما قوله: (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) «٣» فقد قيل: التقدير: ثم أنتم يا هؤلاء، ف «أنتم» مبتدأ، و «تقتلون» الخبر، و «هؤلاء» نداء اعترض بين المبتدأ والخبر، كما اعترض بين الشرط والجزاء في قوله: (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي) «٤» أي: يا رب. وكما اعترض بين المصدر ومعموله في قوله:
فندلاً زريق المال ندل الثعالب «٥» / وكقوله:
أوساً أو يس من الهباله «٦»
стр. 638
ونحن نقول: إنّ «أنتم» مبتدأ، و «هؤلاء» على وجهين:
أحدهما: ثم أنتم كهؤلاء.
وإن شئت: «هؤلاء» بمعنى الذين، أي: أنتم الذين تقتلون أنفسكم، كما قال عز من قائل: (أُولاءِ عَلى أَثَرِي) «١» .
وأما قوله تعالى: (رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا) «٢» .
إن شئت كان «ربنا» من صلة قوله: «واغفر لنا» ، أي: واغفر لنا ربنا، فتقف على «ربنا» وإن شئت ابتدأت، فقلت: (رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) «٣» . فإنما قلنا: لا يكون «هؤلاء» على: يا هؤلاء، لأن «هؤلاء» يجوز أن يكون وصفا ل «أي» ، فتقول: يا هؤلاء أقبل، كل ما يوصف به «أي» لا يحذف منه حرف النداء، ألا ترى أنه لا يجوز: رجل أقبل، لأنك تقول: يا أيها الرجل أقبل، وتقول: زيد أقبل، لأنك لا تقول:
أيها الزيد أقبل.
وأما قوله: (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ) «٤» فيمن خفف، فقد قيل: إن الهمزة بمعنى «يا» ، والتقدير: يا من هو قانت، فأقيمت الهمزة مقام «يا» .
قال أبو علي: المعنى: أمن هو قانت كمن هو بخلاف هذا الوصف؟
ولا وجه للنداء هاهنا، لأن الموضع موضع معادلة، فليس النداء مما يقع في هذا الموضع، إنما يقع في نحو هذا الموضع الجمل التي تكون أخباراً، وليس النداء كذلك.
стр. 639
ويدل على المحذوف هنا قوله: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) «١» ، لأن التسوية لا تكون إلا بين شيئين، وفي الجملتين في الخبر، فالمعنى: أمن هو قانت كمن جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله.
وكما جاز حذف حرف النداء فيما تقدم جاز حذف المنادى، كما قال:
(يا لَيْتَنا نُرَدُّ) «٢» أي: يا قوم، ليتنا نرد. ومثله: (يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ) «٣» ، و (يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ) «٤» وما أشبه ذلك.
وأما قوله تعالى: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ) «٥» فقد قال المبرد: إن التقدير: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فحذف المنادى.
والذي اختاره أبو علي: أن الجملة هاهنا كأنها المنادى في الحقيقة، وأن «يا» هاهنا أخلصت للتنبيه مجرداً من النداء، كما أن «ها» من قوله:
(ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ)
«٦» للتنبيه، من غير أن تكون للنداء.
وقال أبو علي: وجه دخول حرف التنبيه على «ألا» من انه موضع يحتاج فيه إلى استعطاف المأمور لتأكيد ما يؤمر به عليه، كما أن النداء موضع يحتاج فيه إلى استعطاف المنادى لما ينادى له من إخبار أو أمر أو نهي أو نحو ذلك، مما يخاطب به، وإذا كان كذلك فقد يجوز ألا يريد منادىً في نحو قوله: (أَلَّا يَسْجُدُوا) «٧» كما يريد المنادى:
стр. 640
يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار «١»
وكذلك ما حكي عن أبي عمرو من قوله: يا ويلاً له. ويؤكد ذلك قوله:
«هلم» . وبناؤهم «ها» للتنبيه مع «لم» وجعلها مع الفعل كشئ واحد، وإجماع الناس على فتح آخر الكلمتين في اللغتين. وكما لا يجوز أن يراد هاهنا مأمور، لبناء الكلمتين على الفتح، وإن فكت إحداهما من الأخرى، بل لا يسوغ إرادة المنادى لمكان بنائهما معاً وجعلهما بمنزلة شيء واحد، كذلك يجوز لك ألا تريد مأمورا في قوله: (أَلَّا يَسْجُدُوا)
«٢» . ويجوز أن يراد تقدير مأمورين، فحذفوا كما حذف من قوله:
يا لعنة الله والأقوام كلهم
وكما كان «يا هذا» لا يكون إلا لغير اللعنة، كذلك يجوز أن يكون المأمورون مرادين، وحذفوا من اللفظ.
قال أبو علي في قوله: (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ)
«٣» يحتمل ضربين:
يجوز أن يكون «ها» للتنبيه دخلت على «أنتم» ، ويكون التنبيه داخلاً على الجملة كما دخل في قولهم «هلم» ، وكما دخلت «يا» للتنبيه في نحو (أَلَّا يَسْجُدُوا) «٤» .
ويجوز أن يكون «الهاء» في «انتم» بدلاً من همزة الاستفهام، كما كان بدلاً منها في قول ابن كثير، حيث قرأ (هأنتم) «٥» على وزن «هعنتم» ، وتكون الألف التي تدخل بين الهمزتين لتفصل بينهما كما تدخل بين النونين
стр. 641
لتفصل بينهما في «إحسانان» ، وجاز «ها انتم» ولم يجزها قوم لشبه المضمر بالميم في الإبهام. وأما قوله: (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) «١» ، فيمكن أن يكون من هذا الباب، على تقدير: يا إبراهيم، فحذف، ويمكن أن يكون رفعاً، أقيم مقام فاعل «٢» «يقال» .
وأما قوله: (وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا/ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا) «٣» ، فقد قيل: التقدير: يا ذرية وقيل: قوله «ذرية» مفعول ثان ل «تتخذوا» ، و «وكيلا» الأول، فيمن قرأه بالتاء «٤» .
وأما قوله: (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ) «٥» ، و (قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) «٦» فالميم في آخر «اللهم» بدل من «يا» ، فيقال: يا الله، واللهم. وانتصاب قوله: «مالك الملك» على نداء آخر، أي: يا مالك الملك، و: يا فاطر السموات، كقوله: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ) «٧» أي: يا فاطر السموات.
وأبو العباس يحمله على موضع المنادى، كقولهم: يا زيد أخا عمرو.
وسيبويه لا يرى ذلك، لأنه لما ضمت الميم إلى الكلمة صارت الأصوات التي لا توصف.
ومثله قراءة من قرأ: (طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ) «٨» بالنصب، أي:
يا حسن ماب، فحذف.
стр. 642
الباب الثالث والثلاثون
هذا ما جاء في التنزيل قد حذف منه المضاف إليه وذلك يجئ أكثرها من كلمات تلت: «قبل» و «بعد» و «كل» .
فأما «قبل» و «بعد» إذا كانا مضافين فإنهما معربان وإذا كانا مبنيين كان المضاف إليهما قد حذف منهما ونوى فيهما، فاستحقا البناء، لأنهما صارا غايتين، على ما عرفت في كتب النحو.
وذلك قوله تعالى: (وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) ، «١» أي: كانوا من قبل مجيئه، أي: مجئ الكتاب، يعني القرآن، أي:
يستفتحون على الذين كفروا، فحذف المضاف.
وكذلك قوله: (وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ) «٢» أي: من قبل مجيئهم.
وقال: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) «٣» ، أي: من قبل كل شيء ومن بعد كل شيء، وقرئ: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ) «٤» ولم يبنيا وجعلا اسمين من غير تقدير المضاف إليه.
ومن ذلك قوله: َ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ)
«٥» ، أي: ولكل أهل قبلة وجهة، فحذف المضاف.
стр. 643
وكذلك: (كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ) «١» ، أي: كل من في السموات والأرض.
وكذا: (وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ) «٢» ، أي: وكلهم.
وكذا: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) «٣» أي: كل ذلك.
وكذا قوله: (إِنَّا كُلٌّ فِيها) «٤» أي: كلنا، فحذف المضاف إليه.
فأما قوله «فيما» فلا يخلو قوله «فيها» أن يكون صفة أو حالاً، فإن حملته على الحال لم يستقم، لأنه ليس في هذا الكلام ما يكون هذا حالاً عنه، وإذا لم يستقم أن يكون حالاً كان صفة، وإذا كان صفة كان «كل» نكرة، وإذا كان نكرة جاز دخول لام المعرفة عليه.
فإن قلت: فأجعله حالاً وأحمله على المعنى، لأن معناه «الجميع» ، وكأنه قال: نجتمع مستقرين «٥» ، فهذا لا يستقيم.
فإن قال قائل: هذا التأويل ليس بالقريب، لأن المعنى كأنه ليس عليه لأنه ليس يريد: إنا كل، وإنا فيها، أي جمعنا الأمرين، ولكن المعنى على الصفة، ولا حجة في هذا أن «كل» نكرة، لأنه يجوز أن يجعل «كلا» مبتدأ ثانيا و «فيها» خبره، فيها التقدير: إنا كلنا فيها، إن الأمر كله لله.
فإن قلت: واجعل «فيها» و «كل» جميعا الخبر، لأن ذلك
стр. 644
كما قال سيبويه في قوله: وهذا بعلي شيخ، ومثل: حلو حامض. فإذا كان كذلك جاز أن يتعلق بالمضمر على حد: زيد في الدار، فإذا جاز ذلك لم يكن صفة، وإذا لم يكن صفة لم يكن هذا دليلاً قاطعاً على أن «كل» نكرة، وإذا لم يكن نكرة لم يجز دخول اللام عليه، فهذا يمكن أن يقال.
ويجوز أن يكون «كل» ابتداء، و «فيها» خبراً، والجملة خبر «إن» ، كقوله:
(إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) «١» ، وكقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ) «٢» فيمن رفع «المؤمنون» بالابتداء دون العطف على «الرسول» في قوله: (آمَنَ الرَّسُولُ) «٣» .
وهذه آية يتجاذبها، على ما وصف لك سيبويه، وأبو العباس، لأن سيبويه يجيز إدخال لام التعريف على «كل» ، وبه قال الأخفش. وقال المبرد:
لا يجوز، واحتج المبرد بأن، «كلا» و «بعضا» لا يكونان أبداً منفردين، إنما يجيئان مضافين في الابتداء، نحو قولك: كل القوم جاءوني، وبعضهم قال كيت وكيت، ولا تقول «كل جاءوني» إلا أن يكون هذا مبنياً على كلام، كأنه قيل: ما جاءك القوم، فقلت: كل جاءوني، على تقدير: كلهم جاءوني.
وهذا الحكم فى «كل» و «بعض» قائم فيهما أبداً، مضافين أو في تقدير الإضافة، وإذا كان كذلك لم يجز إدخال الألف واللام عليهما، لأن الألف واللام والإضافة لا يجتمعان، فثبت أنهما لا يدخلان عليهما، ونحن تقيس البعض والكل على النصف.
وفي التنزيل: (وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) «٤» . وقد ذكرنا هذه المسألة فى «الخلاف» مستقصى.
стр. 645
وأما قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ) «١» ، فقيل: التقدير: ولكل مال جعلنا موالي. [أو: ولكل قوم جعلنا موالي] «٢» . والأول الوجه، لقوله: (مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) «٣» ، وهو صفة «كل» ، أي: ولكل مال مستقر مما تركه الوالدان، أي: متروك الوالدين. والظرف وصف ل «كل» .
وزعم أبو إسحاق أن «أيّا» فى قوله: (يا أَيُّهَا النَّاسُ) «٤» و (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) «٥» و (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ) «٦» و (يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا) «٧» :
أن «أياً» حذف منها المضاف إليه وعوضت «ها» عما أضيفت إليه.
قال أبو إسحاق: و «ها» لازمة ل «أي» عوض مما حذف منها من الإضافة وزيادة في التنبيه، و «أي» في غير النداء لا يكون معها «ها» ، ويحذف معها الذكر، نحو: اضرب أيهم أفضل، أي: أيهم هو أفضل.
ومذهب سيبويه خلاف ما قال، جعلوا «ها» فيها بمنزلة «يا» ، وأكّدوا ب «ها» التنبيه، فمن ثم لم يجز لهم أن يسكتوا على «أي» ، ولزمه التفسير.
وقوله (وَمِنْ حَيْثُ) «٨» ، أي: من حيث ألزموها، فصارا كاستئناف نداء.
وقال في موضع آخر: وأما الألف والهاء اللتان لحقتا «أي» توكيداً، فكأنك كررت «يا» مرتين، إذا قلت يا، وصار الاسم بينهما كما صار بين «ذا» و «ها» ، وإذا قلت: ها هو ذا، فقوله: «ذا» هذا إشارة إلى أن المقصود
стр. 646
بالنداء في هذا الكلام هو: الرجل، كما أن المقصود بالإشارة في قولهم:
ها هو ذا: الاسم المبهم دون المضمر، والمضمر قد اعترض بين حرف الإشارة والمشار إليه، كما أن المقصود في النداء في المعنى من قولهم:
يا أيها الرجل: هو الرجل، وإن كان النداء واقعاً في اللفظ على/ «أي» ، وصار هذا دلالة على هذا المعنى، ولا يلزم أن يعوض «أي» منها، فحذف الإضافة فيها، لأنها تدل على الإضافة، وإن حذف منها لأنها لا تكون إلا بعضاً لكل، فهي دالة على الإضافة، وكما لم يعوض كذلك، ولا يلزم تعويض «أي» بل لو عوض «بعض» و «كل» لكان «أي» جديراً ألا يعوض هنا منه، لأمرين:
أحدهما- أن النداء موضع حذف وتخفيف، ألا ترى أن فيه نحو الترخيم، وحذف الياءات، ويافل، وما أشبه ذلك.
والآخر- أن الإضافة قد حذفت مما هو أمكن منه ولم تعوض، لدلالة المضاف على الإضافة، فإذا لم يعوض ما هو أمكن منه في الموضع الذي هو أولى بالعوض، كذلك العوض، هذا في الموضع الذي لا تليق به الزيادات للعوض.
وأيضاً فإن «أياً» قد حذفت صلتها في غير الندا ولم تعوض من صلتها شيء، مع أن الدلالة على الحذف من الصلة أنقص من الدلالة على حذف المضاف إليه منه، لأنها يعلم منها أن معناها الإضافة كيف كانت موصولة، كالعلم بأنها أبداً مقتضية للإضافة.
فإذا لم تعوض من حذف صلتها شيء كان ألا تعوض من حذف إضافتها في النداء.
стр. 647
وإن قال قائل: ف «إذ» ليس بتمكن، وقد عوض إضافتها لما حذفت منها «يومئذ» و «حينئذ» وقوله: (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) «١» ، و (مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ) «٢» و (عَذابِ يَوْمِئِذٍ) «٣» ، فما تنكر أن تعوض «أي» في النداء.
إذا حذف المضاف إليه، فإن لم يعوض من «بعض» و «كل» .
قيل له: «أي» أشبه ب «بعض «وكل» في اللفظ، والمعنى بحمله عليهما أولى من حملها على «إذ» على انه لا يلزم إذا عوض «إذ» أن يعوض «أي» ، لما ذكرنا من دلالتها على المضاف إليه بمعناها ولفظها، ولأنها في موضع حذف، وليست «إذ» كذلك، ألا تراها أنها لا تدل على إضافة كما تدل «أي» عليه، وإنما تدل على وقت ماض، ولا تتمكن تمكن «أي» لأنها تتصرف في وجوه الإعراب، و «إذ» إنما تمكنت في موضعين هذا أحدهما، وكأنه كره أن يسلب ذلك ولا يعوض منه، و «أي» أمكن منها وأشد تصرفاً، فلم يلزم العوض منها من حيث لزم/ في «إذ» ، ولأنهم قالوا:
اضرب أي أفضل، فحذفوا الصلة منه والإضافة ولم يعوضوا مع حذف شيئين، فلأن لا يعوض في النداء أولى، وقد استقصينا هذا فى «الخلاف» .
стр. 648
الباب الرابع والثلاثون
هذا باب ما جاء في التنزيل من حروف الشرط دخلت عليه اللام الموطئة للقسم فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ) «١» ، (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) «٢» ، (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) . «٣»
وقوله: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ) «٤» .
وقوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ) «٥» .
وقوله: (وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) «٦» .
وقوله: (لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ) » .
وقوله: (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) «٨» .
وهذا ونحوه من الآي دخلت اللام على حرف الشرط فيه مؤذنة بأن ما بعدها جواب قسم مضمر، على تقدير: والله لئن اتبعت أهواءهم يدل على صحة هذا، وأن الجواب جواب قسم مضمر دون جواب الشرط، ثبات النون في قوله:
«لا يأتون بمثله» . وقوله: «لا يخرجون معهم» ، ولو كان جواب الشرط لم يقل:
стр. 649
«لنذهبن» ، ولا «ليولن» ولا «إنه ليئوس» ، ولا «إنكم لمشركون» ، ولا «ما تبعوا قبلتك» . والجواب جواب قسم مضمر دون جواب الشرط، فلا يجوز: والله لئن تأتني آتك، وإنما يقال: والله لئن تأتني لأتينك.
وأصل هذا الكلام أن تقول: والله لآتينك، ثم بدا له عن الحلف بالبتات فقال: والله إن تأتني، فإذا أضمروا القسم دخلت اللام على «إن» تؤذن بالقسم المضمر الذي ما بعده جوابه، فهذا مساغ هذا الكلام. فقول من قال: إن الفاء في قوله: (إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) «١» مضمرة، ذهاب عن الصواب، وكذا (إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ) «٢» ، ليست الفاء هناك مضمرة بتة.
وأما قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ) «٣» ففيه وجهان:
أوجههما- أن يكون «من» بمعنى «الذي» ، و «اشتراه» صلته، ويكون قوله: «ما له في الآخرة» خبر المبتدأ.
/ ويجوز أن يكون «من» شرطا، و «اشتراه» جزم ب «من» ، ويكون «ماله» جواب القسم المضمر، على تقدير: والله ماله.
وإنما قلنا: إن الأول أوجه، لأنهم قد أجروا «علموا» في كلامهم مجرى القسم، فتكون «اللام» التي في «لقد» جواب القسم، ويكون «لمن اشتراه» جواب «لقد علموا» ، فيكون هذا قسماً داخلاً على قسم فلا يجوز، ولا يلزم هذا في الوجه الأول.
فأما قوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ) «٤» ، إن جعلت «ما» بمعنى «الذي» كانت مبتدأة، و «آتيتكم» صلته،
стр. 650
والتقدير: آتيتكموه، ويكون قوله: (ثُمَّ جاءَكُمْ) «١» معطوفاً على الصلة، والتقدير: ثم جاءكم به، إلى قوله: (لِما مَعَكُمْ) «٢» ، ويكون قوله (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) «٣» خبر المبتدأ.
ومن رأى أن الظاهر يقوم مقام المضمر كان قوله: «لما معكم» يغني عن إضمار «به» .
ومن قال: إن «ما» شرط، كانت اللام بمنزلتها في «لئن» ، ويكون «آتيتكم» مجزوما ب «ما» ، و «ما» منصوبة به، ويكون قوله «ليؤمنن» جواب القسم الذي ذكرناه.
والوجهان اللذان ذكرناهما في قوله «لمن اشتراه» جائزان في قوله: (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ) «٤» .
وقد جاءت لام «لئن» محذوفة في التنزيل:
قال الله تعالى: (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، «٥» والتقدير: ولئن لم ينتهوا، كما ظهرت في قوله: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ) «٦» إلى قوله: (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) «٧» .
ومثل قوله: (إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ) «٨» قوله: (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ) «٩» .
قال أبو علي: ويدل أيضاً على أن اعتماد القسم على الفعل الثاني دون الأول في نحو قوله: (وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) «١٠» و (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) «١١» ، وما أشبه ذلك، أنه لا يخلو من أن يكون اعتماد القسم على الفعل الثاني، أو على الفعل الأول،
стр. 651
والدليل على أنه الثاني دون الأول حذفهم اللام الأول في نحو هذا، ألا ترى أنه لو كان اعتماد القسم عليها دون الثانية لما حذفت، كما لم تحذف الثانية في موضع.
فمما جاءت فيه هذه اللام الأولى محذوفة في التنزيل قوله: (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا/ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ) «١» ، (وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ) «٢» .
وفي موضع آخر: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ) «٣» ثم قال: (لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) «٤» فيدلك حذفهم لها على الاعتماد على الثانية لا عليها.
فإن قلت: ما ننكر أن يكون اعتماد القسم في نحو ذا على اللام الأولى دون الثانية، لأن اللام حذفت كما حذفت من قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) ، «٥» ولا يكون في حذفهم اللام من غير هذا دلالة على أن اعتماد القسم على الفعل الثاني.
قيل: هذا لا يجوز لأن اللام في «لقد» إنما استحسن حذفها لطول الكلام بما اعترض بين القسم والمقسم عليه ولم يطل في هذا الموضوع كلام فيستجاز حذفها كما استحسن حذفها هناك، فإن هذه اللام بمنزلة «إن» في قولك: والله إن لو فعل لفعلت، تثبتها تارة وتحذفها أخرى، واللام الثانية هي المعتمدة، والأولى زيادة كان سقوطها لا يخل بالكلام، واختص به القسم، كقولهم: آثراً ما، وربما، وما أشبه ذلك.
وأما قوله: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ) «٦» ، والتقدير: ليظلن، فوضع الماضي موضع المستقبل.
стр. 652
ولأن جميع ما جاء في التنزيل على هذا الوجه فيما تقدم من الآي، من قوله «١» : (وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) «٢» ، وقوله: (لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ) «٣» ، وقوله: (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ) «٤» ، وقوله: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ) «٥» ، وقال: (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ) «٦» .
стр. 653
الباب الخامس والثلاثون
هذا باب ما جاء في التنزيل من التجريد وهو باب شريف لطيف يعز وجوده في كتبهم، وذلك نحو قولهم:
لئن لقيت فلاناً لتلقين منه الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر فظاهر هذا أن فيه من نفسه أسداً أو بحراً، وهو عينه هو الأسد والبحر، لا أن هناك شيئاً منفصلاً عنه وممتازاً منه، وعلى هذا يخاطب الإنسان منهم نفسه حتى كأنها تقابله أو تخاطبه، وقد يكون ذلك بحرف «الباء» / و «من» وحرف «فى» فمن ذلك، قوله تعالى: (ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) «١» ، أي:
مالك الله وليّا وكذا: (ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ) «٢» .
وقال: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) «٣» ، أي: كونوا أمة.
وقال: (وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) «٤» أي: كن لنا ولياً.
(وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) «٥» ، أي: كن لنا نصيراً.
وقال: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماء لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ) «٦» ، أي: لكم هو شراب.
وقال الله تعالى: (ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ) «٧» . أي:
لهم هي دار الخلد.
стр. 654
ومسألة «الكتاب» جاء بالباب: أما أبوك فلك به أب، أي لك منه أو به، أي: بمكانه أي: بمكانه أب.
وقال عز من قائل: (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ) «١» أي: بعذاب ربهم عذاب جهنم.
ويجوز أن يتعلق الباء بنفس «كفروا» ، فيكون على الأول الظرف معمول الظرف، وعلى الثاني يكون الظرف معمول الظاهر.
وأما قوله تعالى: (وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ) » .
فقد قال أبو علي: جعلنا بدلكم ملائكة لأن الإنس لا يكون منهم ملائكة، وقال:
كسوناها من الرّيط اليماني ... ملاءً في بنائقها فصول «٣»
وإن جعلت «من» كالتي في قوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) «٤» و:
يأبى الظلامة منه النوفل الزفر
كان التقدير: ولو نشاء لجعلنا منكم مثل ملائكة، أي: فلا تعصون كما لا يعصون، فأجبرناكم على الطاعة.
وقال أبو علي: لك به أب، أي: بمكانه، فقولك «بمكانه» في موضع ظرف. والعامل فيه «لك» . وكذلك: (لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ) «٥» «فيها» ظرف، والعامل فيه «لهم» . ويجوز على قول الشاعر: «٦»
أفادت بنو مروان قيساً دماءنا ... وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
стр. 655
أن يكون من قوله: (لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ) «١» مستقرّا، و «لهم» لغواً.
ألا ترى أن قوله:
وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
لا يكون إلا مستقراً، فإذا صح هذا هاهنا وجب جواز كونه مستقراً في الآية أيضاً، وكما تجعل هذا بمنزلة الظرف/ كذلك تجعل الجار والمجرور في موضع المفعول من قوله:
بنزوة لص بعد ما مر مصعب بأشعث لا يفلى ولا هو يقمل و «مصعب» نفسه هو. الأشعث. وقالوا: في هذا الدرهم خلف من هذا الدرهم، أي: هذا الدرهم خلف. وكذلك: (لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ) «٢» أي:
لهم النار دار الخلد، وقال:
أخو رغائب يعطيها ويسألها ... يأبى الظّلامة منه النّوفل الزّفر «٣»
ف «أخو رغائب» هو «النوفل الزفر» ، فقال: منه النوفل، وهو هو.
قال عثمان في قوله:
وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل
في هذا غاية البيان والكشف، ألا ترى أنه لا يجوز أن يعتقد أن الله تعالى ظرف لشئ ولا متضمن له، فهو إذاً على حذف المضاف، أي عدل الله عدل حكم. ومثله: (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) «٤» أي: أسأل الله خبيرا.
стр. 656
الباب السادس والثلاثون
هذا باب ما جاء في التنزيل من الحروف الزائدة في تقدير وهي غير زائدة في تقدير آخر فمن ذلك قوله تعالى: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) «١» ، إن شئت كان التقدير: فإن آمنوا مثل ما آمنتم به، فتكون الباء زائدة. وإن شئت كان التقدير: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم. والوجه الأول أحسن.
ومثله: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ) «٢» ، إن شئت كان التقدير: ألم تر إلى الذي حاج، وإلى الذي مر، وتكون الكاف زائدة. وقد تقدم فيه وجه آخر.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) «٣» .
إن شئت كانت الباء زائدة، أي: لا تلقوا أيديكم، وعبر بالأيدي عن الذوات. وإن شئت كان التقدير: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم، «وألقى» فعل متعد، بدليل قوله: (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ) «٤» .
قال أبو على: الباء الجارة للأسماء تجئ على ضربين:
أحدهما- أن تكون زائدة.
والآخر- أن تكون غير زائدة.
والزائدة- تلحق [شيئين] :
حدهما- جزء من الجملة.
والآخر- فضلة عن الجملة، أو ما هو مشبه بها فأما الجزء من الجملة فثلاثة أشياء: مبتدأ، وخبر مبتدأ/، وفاعل مبني على فعله الأول، أو على مفعول بنى على فعله الأول.
стр. 657
من ذلك، وهو دخولها على المبتدأ زائدة: ففي موضع واحد في الإيجاب، وهو قولهم: بحسبك أن تفعل الخير، ومعناه: حسبك فعل الخير، فالجار مع المجرور في موضع رفع بالابتداء، ولا نعلم مبتدأ دخل عليه حرف الجر في الإيجاب غير هذا الحرف.
فأما غير الإيجاب فقد دخل الجار غير الباء عليه، وذلك نحو قوله: هل من رجل في الدار؟ وقال: هل لك من حاجة، وقال: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) «١» .
فأما قوله: (فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا) «٢» فمن رفع ما بعد الظرف بالابتداء كان قوله: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) «٣» كذلك، ومن رفعه بالظرف كان في موضع الرفع بالفعل كما يرتفع بالظرف، كقوله: (أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ) «٤» ، وقوله: (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) «٥» .
أما الثاني: دخولها على خبر المبتدأ في موضع، في قول أبي الحسن الأخفش، وهو قوله: (جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها) «٦» ، زعم أن المعنى: جزاء سيئة مثلها، وكأنه استدل على ذلك بالآية الأخرى. وهو قوله: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) «٧» .
ومما يدلك على جواز ذلك أن ما يدخل على المبتدأ قد تدخل على خبره لام الابتداء التي دخلت على خبر المبتدأ، في قول بعضهم: إن زيداً وجهه لحسن. وقد جاء في الشعر:
أم الحليس لعجوز شهربه «٨»
стр. 658
والذي أجازه أبو الحسن أقوى من هذا في القياس، وذلك أن خبر المبتدأ يشبه الفاعل من حيث لم يكن مستقلاً بالمبتدأ، كما كان الفعل مستقلاً بالفاعل، وقد دخلت على الفاعل فيما تدخله بعد، فكذلك يجوز دخولها على الخبر.
وقد تحتمل الآية وجهين غير ما ذكر أبو الحسن:
أحدهما- أن تكون الباء مع ما قبلها في موضع الخبر، وتكون متعلقة بمحذوف، كما يقال: ثوب بدرهم، ولا يمتنع هذا من حيث قبح الابتداء بالنكرة، لمعنى العموم فيه وحصول الفائدة به.
والآخر- أن تكون الباء من صلة المصدر وتضمر الخبر/ لأنك تقول:
جزيتك بكذا، فيكون التقدير: جزاء سيئة بمثلها واقع، أو كائن.
الثالث: دخولها على الفاعل المبني على فعله، وذلك في موضعين:
أحدهما- قوله: «وكفى بالله» .
والأخر قولهم في التعجب: أكرم به.
فالدلالة على زيادتها أن قولهم: «كفى بالله» «وكفى الله» واحد، وأن الفعل لم يسند إلى فاعل غير المجرور. وفي التنزيل: (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) «١» ، (وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً) «٢» ، (وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً) «٣» ، والتقدير في كل هذا:
كفاك الله شهيداً، وكفاك الله حسيباً، وكفت جهنم سعيراً وكذلك: (وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) «٤» ، أي: كفيناك حاسبين. قال الشاعر:
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا «٥»
стр. 659
وتقول: مررت برجل كفاك به، وبرجلين كفاك بهما، وبرجال كفاك بهم، فتفرد الفعل لأن الفاعلين بعد الباء، وإن لم تلحق الباء قلت:
مررت برجل كفاك من رجل، وبرجلين كفياك من رجلين، ورجال كفوك من رجال.
وأما الدلالة على زيادتها في قولهم: أكرم به، وقوله: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) «١» ، فهي أن الفعل لا يخلو من أن يكون للمخاطب أو الغائب، فلو كان للمخاطب لثني فيه الفاعل تثنيته للمخاطب وجمع بجمعه وأنث لتأنيثه، فلما أفرد في جميع الأحوال ولم يعتبر به الخطاب علم أنه ليس للمخاطب، وإذا لم يكن له ثبت أنه للغائب.
ويدل على ذلك أيضاً أن المعنى إنما هو على الإخبار عن المخاطب، ألا ترى أن قولهم: أكرم به، يراد به أنه قد كرم، وإنما دخلت الهمزة على حد ما دخلت في قولهم: أجرب الرجل، وأقطف، وأعرب، وألأم، وأعسر، وأيسر، إذا صار صاحب هذه الأشياء، وكذلك «أكرم» معناه: صار ذا كرم، و (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) «٢» صاروا ذوي بصر وسمع، خلاف من قال تعالى فيه: (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى) «٣» .
فإن قلت: كيف جاء على لفظ الأمر؟ قيل: كما جاء (قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا) «٤» ، والمعنى: فمد له الرحمن مدا.
والموضوع الآخر من الموضعين الذي لحقت الباء/ بهما زائدة، وهو أن يكون فضلة عن الجملة، أو مشبهاً بها، فالمشبه كقوله:
стр. 660
(أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) «١» «٢» (وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ) «٣» (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) «٤» ، وقوله.
(لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ) «٥» فالباء الأولى متعلقة باسم الفاعل.
والثانية التي تصحب «ليس» قال: (وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ) » .
والآخر زيادتها في المفعول، كقوله: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) «٧» .
فأما قوله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) «٨» ، فقد قيل: الباء زيادة.
وقد قيل: التقدير: بهز جذع النخلة.
ومن ذلك قوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) «٩» ، أي: تنبت الثمرة بالدهن، فحذف المفعول، فيكون «الباء» حالاً.
وقيل: التقدير: تنبت الدهن، والباء زائدة.
وأما قوله تعالى: (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) «١٠» ، فقد قيل: الباء زائدة، والتقدير:
أيكم المفتون.
وقد قيل: «المفتون» بمعنى: الفتنة، أي: بأيكم الفتنة، كما يقال:
ليس له معقول، أي: عقل.
فأما قوله تعالى: (جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها) «١١» ، أي: جزاء سيئة مثلها، لقوله فى الأخرى: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) «١٢» .
стр. 661
وأما قوله تعالى: (عَيْناً يَشْرَبُ بِها) «١» فالباء زائدة. وقيل: بل هي بمعنى «من» . وقيل: بل هي محمول على المعنى، أي: يروى بها وينتفع. وقيل:
شربت بالعين، حقيقة، و: من العين، والعين، مجازاً، لأن العين اسم للموضع الذي ينبع منه الماء، فهو كقولك: شربت بمكان كذا، ولهذا يقال: ماء العين، وماء السّلسبيل، ثم توسع واجتزئ باسم العين عن الماء، لما كان لا يسمى المكان عيناً إلا ينبوع الماء منه.
فأما قوله: «عيناً» فالتقدير: ماء عين، أي: يشربون من كأس موصوفة بهذا ماء عين.
وقيل: بل «عين» بدل من «كافور» ، لأن «كافور» اسم عين في الجنة.
وقيل: هو نصب على المدح.
ومن زيادة الباء قوله: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى) «٢» ، والتقدير: ألم يعلم أن الله يرى، لقوله: (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ) «٣» .
ومن ذلك قوله: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ) «٤» ، وقال: (تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) «٥» ، ومثله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) «٦» . أي: اقرأ اسم ربك، لقوله: (فَإِذا قَرَأْناهُ)
«٧» .
стр. 662
ومن ذلك قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ) «١» ، فالباء في «بقادر» ، زائدة، لأنه خبر «أن» ، وجاءت زيادتها للحاق النفي أول الكلام.
وأما قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) «٢» فالكاف زائدة، والتقدير: ليس مثله شيء، لأن حمله على الظاهر يوجب إثبات المثل.
وقيل: الباء بمعنى الصفة، أي: ليس كصاحب صفته شيء، وصاحب صفته هو هو.
وقيل: بل «المثل» زيادة.
وقد تزاد «من» في النفي بلا خلاف، نحو قوله: (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) «٣» أي: ما لكم إله، وكقوله: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) ، وقوله:
(وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) «٤» ، (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ) «٥» .
فأما زيادتها في الواجب فلا يجوز عند سيبويه، وهو جائز عند الأخفش، وقد تقدم ذلك فيما مضى، كقوله تعالى: (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً) «٦» .
و: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) «٧» . وقد تقدّم ذلك.
الباب السابع والثلاثون
هذا باب ما حاء في التنزيل من التقديم والتأخير، وغير ذلك فمن ذلك قوله تعالى: (كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ) «١» ، قيل: الكاف تتعلق بقوله: (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) «٢» .
وقيل: بل هو متعلق بقوله: (فَاذْكُرُونِي) »
، أي: اذكروني كما أرسلنا فيكم.
ومثله قوله: (وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ) «٤» .
قال أبو علي: «كما» متعلق ب «فليكتب» ، بمنزلة: بزيد فامرر، ولا تحمل على: «أن يكتب كما علمه الله» .
فأما قوله: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا) «٥» .
يجوز أن يكون الوقف على «خاشعين» و «اللام» من صلة «يشترون» ، أي: لأجل الله لا يشترون. ويجوز أن يكون «وما أنزل إليهم» تماماً، ويكون التقدير: لا يشترون بآيات الله خاشعين لله، فيكون حالاً مقدماً.
ومثله في التقديم قوله: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ) «٦» .
стр. 665
قال أحمد بن موسى: (وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) «١» ، أي: لا يفترون النهار، فهو في نية التقديم.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) «٢» ، أي: لا تؤمنوا أن يؤتي أحد إلا لمن تبع دينكم، ف «أن يؤتي» مفعول «لا تؤمنوا» .
وقدم المستثنى فدل على جواز: ما قدم إلا زيداً أحد.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ) «٣» ، وقال: (لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها) «٤» ، فالمفعول مقدم على الفاعل، ووجب تقديمه هاهنا، لأن تأخيره يوجب إضماراً قبل الذكر.
ومن ذلك: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى) «٥» أي: أوجس موسى في نفسه، فقدم الكناية على المكنى عليه، كما كان في نية التأخير، فدل على جواز: ضرب غلامه زيد.
ومن ذلك قوله: (لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) «٦» .
التقدير: ليغفر لنا خطايانا من السحر ولم يكرهنا عليه، فيمن قال: إن «ما» نافية.
ومن ذلك قوله تعالى: (خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ) «٧» هذا كقولهم: راكباً جاء زيد، والتقدير: يخرجون من الأجداث خشعاً أبصارهم.
стр. 666
ومن ذلك قوله في البقرة: (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) «١» ، أي: يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقناهم ففصل بين الواو والفعل بالظرف.
ومثله: (فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) «٢» ، فيمن فتح الباء، أي: بشرناها بإسحاق ويعقوب من وراء إسحاق، ففصل بين الواو والاسم بالظرف.
وقد تقدم هذا في غير موضع. وحمله قوم على إضمار فعل، وآخرون على إضمار الجار والمجرور.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى) «٣» ، أي: كتاب موسى من قبله، ففصل بين الواو وبين ما عطف به عليه على «شاهد» بالظرف.
نظيره/ في الأحقاف: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ) «٤» إلى قوله: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى) .
«كتاب» معطوف على قوله «شاهد» ، أي: وشهد شاهد وكتاب موسى من قبله.
وكذلك قوله: (رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً) «٥» ، أي: وأمة مسلمة لك من ذريتنا.
ومثله: (خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) «٦» ، أي: ومثلهن من الأرض.
стр. 667
والذي نص عليه في «الكتاب» أن الفصل بين الواو والمعطوف بالظرف وغيره، إنما يقبح إذا كان المعطوف مجروراً، ولم يذكر في المنصوب والمرفوع شيئاً.
وقال أبو علي: قياس المرفوع والمنصوب كقياس المجرور، قال: لأن الواو نابت عن العامل وليس بعامل في الحقيقة، فلا تتصرف فيه كما لا تصرف في معمول عشرين، لما كان فرعاً على باب «ضاربين» .
وحمل هذه الآي على إضمار فعل آخر فقال: التقدير في قوله (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) «١» أي: وخلق من الأرض مثلهن.
وقال في قوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) «٢» التقدير: واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك. ولعله يحمل «كتاب موسى» في الآيتين على الابتداء، والظرف على الخلاف، ولا يحمله على المرفوع الظاهر، وقال: لو قلت: هذا ضارب زيد أمس وغداً عمرو، امتنع الجر والنصب في «عمرو» .
والذي نص عليه سيبويه في باب القسم عند قوله: والله لا قومن ثم الله لأقتلن. فقال: هو ردئ خبيث على تقديم: الله لأقتلن.
قال أبو علي: وإنما جاء الفصل بين الواو والمنصوب والمرفوع في الشعر دون سعة الكلام.
وقال قوم في قوله: (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) «٣» فيمن نصب. إنه حال، على تقدير. وهو من الأرض مثلهن، أي: الخلق من الأرض، أي: كان
стр. 668
من الأرض مثلهن، فجعل الجار الخبر وأضمر المبتدأ، وفيمن رفع «مثلهن» أظهر، على تقدير: وهو مثلهن من الأرض. وقد نبهتك على الأبيات في «البيان» .
ومن ذلك قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ/ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) «١» ، التقدير عند الفراء: يستفتونك في الكلالة قل الله يفتيكم، فأخر.
ومثله قال: (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) «٢» ، والتقدير عنده: آتوني قطراً أفرغه عليه، فأخر.
وقال: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) «٣» ، أي: خذ إليك، عند الفراء.
ومثله: (لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً) «٤» في الموضعين، أي: لكي لا يعلم شيئاً من بعد علم علماً، أي من بعد علمه، فأخر عند الفراء.
فأما قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) «٥» ، فقوله «بالله» يجوز أن يكون من صلة «الشهادة» ، ومن صلة «الشهادات» ، إذا نصب «الأربع» .
وقياس من أعمل الثاني أن يكون قوله: «بالله» من صلة «شهادات» ، وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول «بالله» من صلة «شهادات» ، وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول: ضربت وضربني، ومن رفع فقال:
فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله، فإن الجار والمجرور من صلة «شهادات» ،
стр. 669
ولا يجوز أن يكون من صلة «شهادة» ، لأنك إن وصلتها بالشهادة فقد فصلت بين الصلة والموصول، ألا ترى أن الخبر الذي هو «أربع شهادات بالله» يجوز أن يكون من صلة «شهادة أحدهم» فتكون الجملة التي هي «إنه لمن الكاذبين» في موضع نصب، لأن الشهادة كالعلم فيتعلق بها «إن» كما يتعلق بالعلم، والجملة في موضع نصب بأنه مفعول به، و «أربع شهادات» ينتصب انتصاب المصادر. ومن رفع «أربع شهادات» لم يكن قوله «لمن الكاذبين» إلا من صلة «شهادات» دون «شهادة» ، كما كان قوله «بالله» من صلة «شهادة» ففصلت بين الصلة والموصول.
ومن ذلك قوله: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً) «١» ، والتقدير: وأنهم ظنوا أن لن يبعث الله أحداً كما ظننتم.
وقال الله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً) «٢» ، أي: هزي إليك رطباً تساقط عليك.
فهذه الآي محمول على الفعل الثاني عندنا، وما يقتضيه الأول مضمر، وهم يحملون الأول دون الثاني. ويضمرون/ الثاني ويفصلون بالثاني بين الأول ومقتضاه:
ومن التقديم والتأخير: (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) «٣» ، التقدير: فلا أقسم بمواقع النجوم، إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون. وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. وفصل بين
стр. 670
الصفة والموصوف بالجملة، وهو «لو تعلمون» ، وبين القسم وجوابه بقول: «وإنه لقسم» .
ومن ذلك قوله: (فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) «١» والتقدير: وحين تصبحون وعشيّا، فأخّر واعترض بالجملة.
التقديم والتأخير قراءة ابن عامر: (وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ) «٢» ، والتقدير: قتل شركائهم أولادهم، فقدم المفعول على المضاف إليه، قالوا: وهذا ضرورة ليس بضرورة، لأنه قد كثر عندهم ذلك، وأنشدوا فيه أبياتاً جمة.
فمن ذلك قوله:
كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج «٣»
أي: كأن أصوات أواخر الميس.
وقال:
هما أخوا في الحرب من لا أخا له «٤»
أي: هما أخوا من لا أخا له في الحرب.
وقال: بين ذراعي وجبهة الأسد «٥» أي: بين ذراعى الأسد وجبهته.