← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23585

إعراب القرآن للباقولي - منسوب خطأ للزجاج

أبو الحسن الباقولي

Полный текст (1 085 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ومن ذلك قوله في البقرة: (وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) «١» ، أي: يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقناهم ففصل بين الواو والفعل بالظرف. ومثله: (فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) «٢» ، فيمن فتح الباء، أي: بشرناها بإسحاق ويعقوب من وراء إسحاق، ففصل بين الواو والاسم بالظرف. وقد تقدم هذا في غير موضع. وحمله قوم على إضمار فعل، وآخرون على إضمار الجار والمجرور. ومن ذلك قوله تعالى: (وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى) «٣» ، أي: كتاب موسى من قبله، ففصل بين الواو وبين ما عطف به عليه على «شاهد» بالظرف. نظيره/ في الأحقاف: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ) «٤» إلى قوله: (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى) . «كتاب» معطوف على قوله «شاهد» ، أي: وشهد شاهد وكتاب موسى من قبله. وكذلك قوله: (رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً) «٥» ، أي: وأمة مسلمة لك من ذريتنا. ومثله: (خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) «٦» ، أي: ومثلهن من الأرض.

стр. 667

والذي نص عليه في «الكتاب» أن الفصل بين الواو والمعطوف بالظرف وغيره، إنما يقبح إذا كان المعطوف مجروراً، ولم يذكر في المنصوب والمرفوع شيئاً. وقال أبو علي: قياس المرفوع والمنصوب كقياس المجرور، قال: لأن الواو نابت عن العامل وليس بعامل في الحقيقة، فلا تتصرف فيه كما لا تصرف في معمول عشرين، لما كان فرعاً على باب «ضاربين» . وحمل هذه الآي على إضمار فعل آخر فقال: التقدير في قوله (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) «١» أي: وخلق من الأرض مثلهن. وقال في قوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) «٢» التقدير: واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك. ولعله يحمل «كتاب موسى» في الآيتين على الابتداء، والظرف على الخلاف، ولا يحمله على المرفوع الظاهر، وقال: لو قلت: هذا ضارب زيد أمس وغداً عمرو، امتنع الجر والنصب في «عمرو» . والذي نص عليه سيبويه في باب القسم عند قوله: والله لا قومن ثم الله لأقتلن. فقال: هو ردئ خبيث على تقديم: الله لأقتلن. قال أبو علي: وإنما جاء الفصل بين الواو والمنصوب والمرفوع في الشعر دون سعة الكلام. وقال قوم في قوله: (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) «٣» فيمن نصب. إنه حال، على تقدير. وهو من الأرض مثلهن، أي: الخلق من الأرض، أي: كان

стр. 668

من الأرض مثلهن، فجعل الجار الخبر وأضمر المبتدأ، وفيمن رفع «مثلهن» أظهر، على تقدير: وهو مثلهن من الأرض. وقد نبهتك على الأبيات في «البيان» . ومن ذلك قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ/ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) «١» ، التقدير عند الفراء: يستفتونك في الكلالة قل الله يفتيكم، فأخر. ومثله قال: (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) «٢» ، والتقدير عنده: آتوني قطراً أفرغه عليه، فأخر. وقال: (فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) «٣» ، أي: خذ إليك، عند الفراء. ومثله: (لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً) «٤» في الموضعين، أي: لكي لا يعلم شيئاً من بعد علم علماً، أي من بعد علمه، فأخر عند الفراء. فأما قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) «٥» ، فقوله «بالله» يجوز أن يكون من صلة «الشهادة» ، ومن صلة «الشهادات» ، إذا نصب «الأربع» . وقياس من أعمل الثاني أن يكون قوله: «بالله» من صلة «شهادات» ، وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول «بالله» من صلة «شهادات» ، وحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، كما تقول: ضربت وضربني، ومن رفع فقال: فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله، فإن الجار والمجرور من صلة «شهادات» ،

стр. 669

ولا يجوز أن يكون من صلة «شهادة» ، لأنك إن وصلتها بالشهادة فقد فصلت بين الصلة والموصول، ألا ترى أن الخبر الذي هو «أربع شهادات بالله» يجوز أن يكون من صلة «شهادة أحدهم» فتكون الجملة التي هي «إنه لمن الكاذبين» في موضع نصب، لأن الشهادة كالعلم فيتعلق بها «إن» كما يتعلق بالعلم، والجملة في موضع نصب بأنه مفعول به، و «أربع شهادات» ينتصب انتصاب المصادر. ومن رفع «أربع شهادات» لم يكن قوله «لمن الكاذبين» إلا من صلة «شهادات» دون «شهادة» ، كما كان قوله «بالله» من صلة «شهادة» ففصلت بين الصلة والموصول. ومن ذلك قوله: (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً) «١» ، والتقدير: وأنهم ظنوا أن لن يبعث الله أحداً كما ظننتم. وقال الله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً) «٢» ، أي: هزي إليك رطباً تساقط عليك. فهذه الآي محمول على الفعل الثاني عندنا، وما يقتضيه الأول مضمر، وهم يحملون الأول دون الثاني. ويضمرون/ الثاني ويفصلون بالثاني بين الأول ومقتضاه: ومن التقديم والتأخير: (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) «٣» ، التقدير: فلا أقسم بمواقع النجوم، إنه لقرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون. وإنه لقسم لو تعلمون عظيم. وفصل بين

стр. 670

الصفة والموصوف بالجملة، وهو «لو تعلمون» ، وبين القسم وجوابه بقول: «وإنه لقسم» . ومن ذلك قوله: (فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) «١» والتقدير: وحين تصبحون وعشيّا، فأخّر واعترض بالجملة. التقديم والتأخير قراءة ابن عامر: (وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ) «٢» ، والتقدير: قتل شركائهم أولادهم، فقدم المفعول على المضاف إليه، قالوا: وهذا ضرورة ليس بضرورة، لأنه قد كثر عندهم ذلك، وأنشدوا فيه أبياتاً جمة. فمن ذلك قوله: كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج «٣» أي: كأن أصوات أواخر الميس. وقال: هما أخوا في الحرب من لا أخا له «٤» أي: هما أخوا من لا أخا له في الحرب. وقال: بين ذراعي وجبهة الأسد «٥» أي: بين ذراعى الأسد وجبهته.

стр. 671

وقال: كأن برذون أبا عصام ... زيد حمار دق باللجام أي: برذون زيد يا أبا عصام حمار دق باللجام. ومن ذلك ما قاله أبو الحسن في قول الله تعالى: (مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) «١» . أي: إنه لراد من شر الوسواس الخناس من الجنة والناس الذي يوسوس في صدور الناس. ومنه قول الله تعالى: (اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ) «٢» ، أي: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم. وقيل في قوله: (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) «٣» : إن تقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة ثم يعودون. قال أبو الحسن: المعنى فتحرير رقبة لما قالوا ثم يعودون إلى نسائهم. فإن قلت: كيف جاز أن تقدر/ «لما قالوا» متعلقاً بالمصدر، وهو متقدم قبله؟ قيل: لا يمتنع أن يتقدم على وجه التبيين، ليس إنه متعلق بالصلة، ألا ترى قوله: تقول ودقت نحرها بيمينها ... أبعلى هذا بالرّحى المتقاعس «٤»

стр. 672

وقوله: كان جزائي بالعصا أن أجلدا لم يجعلوه متعلقا ب «جزائى» ، ولكن جعلوه تبييناً للجلد، وكذلك ما ذكره أبو الحسن. وأما التقديم والتأخير الذي قدر، فمثله كثير، ويجوز أن يكون التقدير: والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون للقول، و «القول» في المعنى «المقول» ، كالخلق بمعنى/ المخلوق، ألا ترى أن الذي يعاد هو الجسم، فلهذا كان الخلق بمعنى المخلوق، فى قوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) «١» . فإن قلت: وكيف وقع «اللام» موقع «إلى» في قولك: عدت إلى كذا. فإنه لا يمتنع، ألا ترى أنه قد جاء: (قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ) «٢» . على أن «اللام» في قول من يخالف في هذا التأويل بمعنى «إلى» . ومثله: (فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى) «٣» . أي: فاستمع إلى ما يوحى، لا بد من ذلك، لا سيما في قراءة الزيات: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ) ، ويكون التقدير: فاستمع لأنا اخترناك إلى ما يوحى، ولو لم تحمله على هذا لكان التقدير: فاستمع لأنا اخترناك لما يوحى، فتعلق اللامين بقوله «فاستمع» ، وقد قال: لا يتعدى فعل بحرفى جر متفقين. فإن قلت: ولم لا تحمل «وأنا اخترتك» على «نودي» في قوله (نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ... وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) «٤» ، أي نودي بأني أنا ربك وأنا اخترتك.

стр. 673

قيل: إن «اخترناك» قراءة حمزة، وهي تقرأ: (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) ، مكسورة الألف، فكيف تحمله عليه. وقد ذكرنا ما في هذا فى «البيان» و «الاستدراك» . ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ) «١» . اضطرب قول أبي علي في هذه الآية، وله كلام في «الحجة» وكلام في «الإغفال» وكلام فى «الحلبيّات» «٢» وهو أجمع الثلاثة. قال فى «الحلبيات» : والقول في أن حرف العطف في قوله: «وأقرضوا» لا يخلو من أن يكون عطفاً/ على الفعل المقدر في صلة «المصدقين» أو على غيره: إن قوله «وأقرضوا الله» لا يجوز أن يكون معطوفاً على الفعل المقدر في الموصول الأول، على أن يكون التقدير: إن الذين صدقوا وأقرضوا الله، وذلك أنك إذا قدرته هذا التقدير فقد فصلت بين الصلة والموصول بما ليس منهما، وما هو أجنبي، والفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي وما ليس منهما لا يصح، ولذلك لم يجيزوا: رأيت القائمين وزيداً إلا عمراً، وهذا النحو من المسائل لأن «زيداً» معطوف على «رأيت» ، والاستثناء من الصلة من حيث كان المستثنى معمول الفعل الذي فيها، فقد فصلت بينهما بالمعطوف، ولم يجز ذلك. كما لم يجز أن يكون «وأقرضوا» معطوفاً على «صدقوا» المقدر في الصلة، لفصل «المصدقات» المعطوف

стр. 674

على ما بينهما. وإنما لم يجز ذلك لأن العطف على الموصوف وغيره في الأسماء يؤذن بتمامه، ألا ترى أنك لا تعطف على الاسم من قبل أن يتم بجميع أجزائه، فإذا كان العطف يؤذن بالتمام فعطفت ثم أتيت بعد العطف بما هو من تمامه فقد زعمت أنه تام غير تام، فنقضت بذكرك ما بقي من الصلة ما قدمته من حكم التمام بالعطف، وكان مدافعاً غير مستقيم. ولا يستقيم أن يكون قوله «وأقرضوا الله» ، في هذه الآية، محمولاً على المقدر في الصلة، كما كان قوله: (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) «١» على المقدر من قوله: (فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) «٢» ، لأنك لم تزد في هذا الموضع على أنك عطفت على الموضع ولم تفصل بين الصلة والموصول بأجنبي منهما، كما فصلت بالمعطوف بينهما في الأخرى، والحمل على المعنى في هذا النحو من العطف مستقيم حسن، فإذا لم يجز أن يكون معطوفاً على الصلة لم تحمله على ذلك، ولكن على وجوه أخر، منها: أن تجعل العطف اعتراضاً بين الصلة والموصول. وإن شئت كملته على أن الخبر غير مذكور. وإن شئت جعلت المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة الفاعلين وجعلت العطف عليهم. وأما حمله على الاعتراض فهو أرجح الوجوه عندي، لأن الاعتراض قد شاع/ في كلامهم واتسع وكثر، ولم يجر ذلك عندهم مجرى الفصل بين المتصلين بما هو أجنبي منهما، لأن فيه تسديداً وتثبيتاً، فأشبه من أجل ذلك الصفة والتأكيد، فلذلك جاء بين الصلة والموصول في الفعل والفاعل والمبتدأ والخبر والمفعول وفعله، وغير ذلك.

стр. 675

فما جاء من ذلك من الصلة والموصول قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) «١» . وكقوله: ذاك الذي وأبيك يعرف مالك ... والحق يدفع ترهات الباطل «٢» فإذا جاء الفصل بين الصلة والموصول بما ذكرنا من الاعتراض فإنه يجوز الفصل بين اسم «إن» وخبرها بالاعتراض الذي هو قوله (وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً) «٣» أحرى، لأن اتصال الصلة بالموصول أشد من اتصال المبتدأ بالخبر، ألا ترى أنهما يجريان مجرى الاسم الواحد، وأن المبتدأ قد يحذف خبره ولا يستعمل إثباته. وقوله: «يضاعف لهم» على هذا التأويل في الآية فى موضع رفع ب «إن» خبر المبتدأ. ومما جاء من الاعتراض بين الفعل والفاعل قوله: ألا هل أتاها والحوادث جمة ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا «٤» فالمبتدأ والخبر اعتراض، والجار والمجرور في موضع رفع ب «أن» فاعل، كما أنهما في «كفى بالله» كذلك، وإذا جاز في الفعل والفاعل كان المبتدأ والخبر أجوز. ومن الاعتراض بين الصفة والموصوف قوله: تعالى: (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) «٥» كما أن قوله: (لَوْ تَعْلَمُونَ) «٦» كذلك، والمعنى في «لو تعلمون» : اعلموا، كما تقول: لو قمت، أي: قم.

стр. 676

وزعم أبو الحسن أن الماضي في هذا المعنى أكثر من المضارع. وإن حملت على أن الخبر غير مذكور ولم تجعل قوله «وأقرضوا الله» اعتراضاً، ولكن جملة معطوفة على ما تقدم، جاز في قوله «والمصدقات» أمران: أحدهما- أن تكون الواو بمنزلة «مع» ، على أن تكون قد سدت مسد خبر المبتدأ، كما انك لو قلت: إن المصدقين مع المصدقات، كان كذلك، ألا ترى أنه لما كان معنى قولك «أقائم الزيدان» : أيقوم الزيدان، استغنيت بالفاعل عن خبر المبتدأ، وإن كان قد ارتفع «قائم» ارتفاع المبتدأ، فكذلك قولك «والمصدقات» ، وإن كان منتصباً بالعطف على «إن» ، فإنه سد مسد الخبر، فلا يحتاج مع ذلك إلى تقدير خبر، كما لم يحتج إليه في قولك: أقائم الزيدان. ومثل ذلك قولهم: الرجال وأعضادها، والنساء وأعجازها لما كان المعنى: الرجال مع أعضادها، والنساء مع أعجازها. استغنيت عن خبر الابتداء، وكما استغنيت عن خبر المبتدأ بما كان معطوفا عليه لما كان المعنى كذلك، يدخلان على هذا الحد، فيكون المعنى: إنهم معهن في نيل الثواب وارتفاع المنزلة. فإذا حملت على ذلك جاز بلا خلاف فيها. وقد «١» يجوز أن تضمر لهذا النحو خبراً، فيكون التقدير: كل رجل وضيعته مقرونان وعلى هذا تضمر أيضاً في خبر «إن» في قوله: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ) «٢» . أي: إن المصدقين والمصدقات يفلحون، أو مضاعف لهم، ونحو ذلك مما ذكروا به في التنزيل، ويكون موضع

стр. 677

«يضاعف» نصباً صفةً للقرض. وإن شئت جعلته جملة مستأنفة، إلا أنك لم تلحق الواو، أو لالتباس أحدهما بصاحبه، وقوله: (وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) «١» مستأنف. ومن شاء جعل ما قبله وصفاً، إذ لا تعلّق له بالموصوف. وإن شئت جعلته حالاً من «لهم» في قوله «يضاعف لهم» . وإن شئت جعلت المعطوف والمعطوف عليه بمنزلة الفاعلين، وجعلت قوله «وأقرضوا» معطوفاً على ذلك، لأن معنى «المصدقين والمصدقات» كمعنى: إن الناس المصدقين. فإذا كان ذلك معناه جاز أن يعطف «وأقرضوا» عليه، كما كان يجوز ذلك لو أبرزت ما هذا المذكور في معناه وموضعه. وعلى هذا الوجه حمله أبو الحسن لأنه قال في تفسيرها: لو قلت: الضاربه أنا، وقمت زيد، كان جائزاً، كأنه يريد: إنه كما استقام أن يحمل «الضارب» على «ضرب» فتعطف «قمت» عليه، كذلك يستقيم أن تجعل الفاعلين، فتحمل «وأقرضوا» عليه، إذ لا يستقيم عطف «وأقرضوا» على الصلة الأولى، ولأن العطف على المعنى قد جاء في الصلات وغيرها كثيراً، فأفهمه. ومن التقديم والتأخير/ قوله تعالى: (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ) «٢» ، أي: جزيناهم ذلك، فقدم المفعول الثاني. وقال: (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا) «٣» ، أي: جزيناهم ذلك بكفرهم. وقال: (وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها) «٤» أي: مجرميها أكابر.

стр. 678

وقال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ) «١» ، أي: الجن شركاء. وقال: (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ) «٢» أي: يؤتي من يشاء ملكه. وقال: (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ) «٣» ، أي: تؤتي من تشاء الملك. وأما قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) «٤» . جاء في التفسير أن قريشاً في الجاهلية كانت تكثر التزوج بغير عدد محصور، فإذا كثر على الواحد منهم مؤن زوجاته وقل ماله مد يده إلى ما عنده من أموال اليتامى، فحل له الأربع. وإلى هذا الوجه أشار أبو علي بعد ما حكى عن أبي العباس في كتابه في القرآن تعجب الكسائي من كون «فانكحوا» ما طاب لكم جواباً لقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى) «٥» . قال: وقاله أبو عبيد، وليس هذا الجواب، فإنما الجواب قوله: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) «٦» ، كأنه قال: فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة. فقال أبو علي: جواب «إن خفتم» الفاء في «فواحدة» ، كأنه في التقدير: إن خفتم ألا تقسطوا، إن كثرت عليكم مؤن الزوجات وأحوجتم إلى مال اليتامى. أي: فانكحوا واحدة. وقوله «فانكحوا ما طاب» اعتراض بين الشرط والجزاء، مثل قولك: إن زيداً- فافهم ما أقول-

стр. 679

رجل صدق. قال: ولما كان الكلام باعتراض الجملة المسددة للشرط كرر الشرط ثانياً، فقيل: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا) «١» وهو قوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا) «٢» . وهذه الجملة متأخرة معنىً، أي: في حال الضيق واحدة، وفي السعة أربع. والقصة عن عكرمة والشرح لأبي علي. قال قوم: إنهم كانوا يتوقون أموال اليتامى ولا يتوقّون الزنى، فقيل: كما خفتم في ذا فخافوا الزنى وأتوا الكلالة. عن مجاهد. وقيل: كانوا يخافون ألا يعدلوا في أموال اليتامى ولا يخافون أن يعدلوا في النساء. عن سعيد بن جبير. وقيل: التقدير: ألا تقسطوا في نكاح اليتامى فانكحوا ما حل لكم من غيرهن من النساء. عن عائشة. وروي عن عروة عن عائشة أنها قالت: كان الناس يتزوجون اليتامى ولا يعدلون بينهن، ولم يكن لهن أحد يخاصم عنهن، فنهاهم الله عن ذلك، وقال: (وَإِنْ خِفْتُمْ) «٣» . ومن ذلك قوله تعالى: (ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) «٤» . «ذلك» منصوب ب «يدعو» ، ويكون «ذلك» بمعنى «الذي» والجملة بعده صلة. وقال الفراء: بل «اللام» في «لمن ضره» في نية التأخير، والتقدير: من لضره، وهو خطأ، لأن الصلة لا تتقدم على الموصول.

стр. 680

وقيل: إن «من» ليس في موضع مفعول «يدعو» «١» ، لأنه مكرر من الأول معاد للتوكيد، واكتفى من مفعوله بمفعول الأول، وكرر تفظيعاً للأمر في عبادة الأصنام، وقوله «لمن ضره» على هذا مبتدأ، وخبره «لبئس المولى» . ووجه ثالث: وهو أن يكون «يدعو» بمعنى «يقول» كقول القائل: ما يدعى فلان فيكم؟ أي: ما يقال له؟ وكذلك: يدعون عنته «٢» ، أي: يقولون: يا عنته، أي: يقولون الذي ضره أقرب من نفعه هو إلهنا، ويكون الخبر محذوفاً لدلالة الكلام عليه. ووجه رابع: وهو أن يكون «يدعو» من تمام الضلال البعيد، أي: يدعوه، و «يدعوه» في موضع الحال للمبتدأ، والتقدير: ذلك هو الضلال البعيد داعياً، أي: في حال دعايته إياه. و «لمن ضره» ابتداء، وخبره «لبئس المولى» . ولا يكون «لبئس المولى» خبراً في قول من يقول: إن «يدعو» بمعنى يقول، لأن المنافق لا يقول: إن الصنم والله لبئس المولى. وإن قلت: إنه لا يقول أيضاً: ضره أقرب من نفعه، وإنما يقول غير ذلك، فإن ذلك على اعتقادنا ما فيه من كونه ضاراً، على تقدير أن المنافق يقول: الصنم إله، ثم يأخذ في ذمه. ومن ذلك قراءة من قرأ: (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) «٣» بالفتح، لأن التقدير: ولأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون، أي: فاتقون هذا.

стр. 681

ومثله (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) «١» . المعنى: ولأن المساجد لله فلا تدعو. وكذلك عند الخليل، (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ) «٢» كأنه: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش، أي: ليقابلوا هذه النعمة بالشكر والعبادة للمنع بها فأما قوله: (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) «٣» في سورة مريم، فيجوز أن يكون على هذا: فاعبدوه لأنه ربي وربكم. ولكن أبا علّى حمله على قوله: (وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ) «٤» بأن الله ربي. وأما قوله: (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ) «٥» فيكون مثل هذا، والفاء في قوله «فاتبعوه» مثل الفاء في قوله: بزيد فامرر. والفاء في قوله الثاني عاطفة جملة على جملة، وعلى القول الأول زيادة. وقال الفراء فيمن فتح (وَأَنَّ هذا صِراطِي) «٦» : إنه محمول على «الهاء» من قوله: (ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ) ، «٧» أي: به وبأن هذا. وهكذا قال أيضاً في قوله: (وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا) «٨» : إنه محمول على قوله: (فَآمَنَّا بِهِ) «٩» وبأنه تعالى. وقد ذكرنا أن عطف الظاهر على المضمر لا يجوز، وقد جوز في خمس آيات هذا الوجه، فهاتان «١٠» ، وقوله: (وَكُفْرٌ بِهِ

стр. 682

وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ) «١» وقوله: (تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) «٢» فيمن جر وقوله: (وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ) «٣» . وقد أبطلنا ذلك كله في غير موضع. ومن ذلك قوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ) «٤» إلى قوله: (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ) «٥» . قال الشافعي: في مس أحد الزوجين: إنه ينقض وضوء الماس، واحتج بهذه الآية. وقال لنا: متى حملنا الآية على اللمس باليد صارت الآية حاجة لبيان الطهارتين وبيان أنواع الحدث الأصغر، فإن الآية نزلت في أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله- وكانوا عرسوا. فالمعنى: إذا قمتم إلى الصلاة، أي: عن التعريس والنوم، فاغسلوا، فيكون بيان النوم حدثاً، وما هو بمعناه مما يوجب استطلاق وكاء الحدث من الإغماء والجنون. ثم قال: (أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ) «٦» ، وكان بياناً لجميع ما يخرج من المخرج المعتاد دلالة، وكان في الآية تقديم وتأخير، أي: إذا قمتم عن النوم، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، أي: مسستم باليد، فيكون بيان أن المس حدث، إذ هو سبب اشتهاء، فاغسلوا وجوهكم، / فإن عدمتم الماء فتيمموا، من غير ذكر أسباب الحدث، لأن البدل يتعلق بما يتعلق به الأصل، فلا يفتقر إلى بيان زائد. ومتى لم يجعلوا هكذا كانت الآية ساكتة عن بيان أنواع الحدث.

стр. 683

وعندنا المراد بالآية: الجماع، مجازاً، كما في قوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) «١» ، ولأنا أجمعنا أن الجماع مراد، فإن الشافعي أباح التيمم للجنب، وذكر أنه في كتاب الله تعالى إلا هاهنا، فبطل أن تكون الحقيقة، إلا أنه يقول: أبحت التيمم للجنب، لأن الله تعالى جعله بدلاً عن الوضوء والاغتسال جملة. وعن ابن عمر وابن مسعود أنهما كانا يحملان الآية على المس باليد، وكانوا لا يبيحون التيمم للجنب، فدل أن تأويل الآية بالإجماع ليس على التقديم والتأخير، ولا يصار إلى التقديم والتأخير إلا بدليل قاطع يمنع من حمله على الظاهر، على ما ذكرناه قبل في هذه الآي. وكذلك قوله تعالى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ) «٢» ، أي: بل فاعبد الله، فقدم المفعول. وأما قوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ) «٣» فهو في نية التقديم والتأخير، والتقدير: نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلو الشياطين، ف «اتبعوا» معطوف على (نَبَذَ) «٤» ، وقوله (كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) «٥» في موضع الحال، أي: نبذوه مشابهين الجهال. وقوله: (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) «٦» ، في «ما» قولان: أحدهما: أنه بمعنى: الذي، فيكون نصباً عطفاً على السحر «٧» على «ما تتلو» ، أو جرّا بالعطف على (مُلْكِ سُلَيْمانَ) «٨» .

стр. 684

والثاني: أن يكون نفياً بالعطف على قوله (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ) «١» أي: وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين. ويقال: إن سحرة اليهود زعموا أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان، فأكذبهم الله بذلك، فيكون التقدير: وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ببابل هاروت وماروت فعلى هذا اختلفوا فيهما على ثلاثة أقوال: الأول: أن هاروت وماروت رجلان من سحرة أهل بابل تعلما السحر من الشياطين. الثاني: أنهما شيطانان من مردة الشياطين خصا بالذكر من بينهم لتمردهما، والسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة أفهامهم، لأن أفعال الحيوان مناسبة. وقيل: إنهما ملكان من الملائكة أهبطهما الله على صورة الإنس لئلا ينفروا منهما. وقيل: سبب هبوطهما أن الله تعالى أهبطهما ليأمرا بالدين وينهيا عن السحر، لأن السحر كثر في ذلك الزمان وانتشر. واختلف من قال بهذا: هل كان للملكين تعليم الناس السحر أم لا؟ على قولين: أحدهما: أن الملكين كانا يعلمان الناس السحر وينهيان عن فعله، ليكون النهي عنه بعد العلم به، لأن ما لا يعلم أنه سحر لا يمكن الاحتراز منه،

стр. 685

كالذي لا يعرف الكفر لا يمكنه الامتناع منه، فيكون التعليم إذاً بالنهي عنه. عن علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه. والثاني: أنه لم يكن للملكين تعليم السحر ولا إظهاره للناس، لما في تعليمه من الإغراء بفعله، ولأن السحر قد كان فاشياً، فأهبط الملكان بمجرد النهي. قال ابن بحر: جملة هذا أن «تلا» بمعنى: كذب. يقال: تلا، أي: كذب. يقول: نبذ هذا الفريق كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا كذب الشياطين على ملك سليمان أنه كان بسحر. وموضع «ما» في قوله (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) «١» جر عطف على (مُلْكِ سُلَيْمانَ) «٢» . أي: الشياطين كذبوا عليه وعلى ما أنزل. قال: ومعنى (أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) «٣» : أنزل معهما وعلى ألسنتهما، كما قال الله تعالى: (عَلى رُسُلِكَ) «٤» ، أي: على ألسن رسلك ومعهم. فلا يجوز أن يكون نصباً عطفاً على «السحر» لأن الإنزال على الملكين لا يكون إلا من الله تعالى، والله لا يضاف إليه السحر وإنما يضاف إلى الكفرة وأوليائهم من الشياطين، وهما نزلا بالنهي عن السحر، فقالوا: نزلا بتعليمه. وكان معنى الكلام: أن الشياطين يعلمان الناس السحر، وأن الملكين لا يعلمان ذلك أحداً بل ينهيان عنه حتى يبلغ من نهيهما وصدهما عن تعلمه أن يقولا للمتعلم: إنما نحن فتنة فلا تكفر، فإن كان من الملائكة فإنما يقولان ذلك للأنبياء، ويقوله الأنبياء لسائر البشر، وإن كان من البشر قالا ذلك لكل واحد من البشر/ وذلك كما يقول الرجل:

стр. 686

ما أمرت فلاناً بما فعل ولقد بالغت في نهيه حتى قلت له: إنك إن فعلت ذلك نالك كذا وكذا. ووقع الاختصار بعد قوله: (وَما يُعَلِّمانِ) «١» فحذف: «بل ينهيان» ، ليستنبطه العلماء بالفكرة فيؤجروا. وقال ابن جرير: من جعل «ما» جحدا، و «الملكين» : جبريل وميكائيل، جعل التقدير: لم ينزل السحر إلى سليمان مع جبريل وميكائيل، كما يقول اليهود، وجعل «من» فى قوله: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما) بمعنى المكان والبدل، أي: فيتعلمون مكان ما علماه ما يفرقون به بين المرء وزوجه. ومن ذلك قوله: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ) «٢» إلى قوله: (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ) «٣» . «ما» في موضع الرفع بالعطف على الضمير في «يفتيكم» ، أي: يفتيكم الله فيهن، ويفتيكم أيضاً القرآن الذي يتلى عليكم، و «فى» من قوله: «في يتامى النساء» من صلة «يتلى» ، و «المستضعفين» جر عطف على «يتامى النساء» ، و «أن تقوموا لليتامى بالقسط» جر عطف على «المستضعفين» . ويجوز في «المستضعفين» أن يكون عطفاً على قوله: «في الكتاب» ، أي: يتلى عليكم في الكتاب وفي حال المستضعفين. وجاء في التفسير: إنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الأطفال، فلما فرض الله تعالى المواريث في هذه السورة شق ذلك على الناس فسألوا رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله- عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية. و (ما كُتِبَ لَهُنَّ) «٤» يعني: الميراث. عن ابن عباس.

стр. 687

وقيل: إنهم كانوا لا يؤتون النساء صدقاتهن ويتملكها أولياؤهن، فلما نزل قوله: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) «١» سألوا رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله- فأنزل الله هذه الآية. و «ما كتب لهن» يعني: من صداق. قيل: إنه وارد في ولي اليتيم، كان لا يتزوجها وإن حلت له، ويعضلها ولا يزوجها طمعاً في مالها، لأنه لا يشاركه الزوج فيه، فنزل ذلك فيه. ومعنى: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) «٢» : أي: ترغبون عن نكاحهن. ومن ذلك قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ) «٣» . قوله «في الحياة الدنيا» لا يخلو من تعلّقه ب «حرّم» ، أو ب «زينة» ، أو ب «أخرج» ، أو ب «الطيبات» ، أو ب «الرزق» فجوز تعلقها ب «حرّم» ، أي: حرم ذاك إذ ذاك. ومنع من تعلقها ب «زينة» كما يمتنع: الضرب الشديد يوم الجمعة، إن علقت «اليوم» ب «الضرب» ، لكون المصدر موصوفاً. فإن قلت: فقد جاء: إذا ... «٤» فرحين، فإن اسم الفاعل ليس كالمصدر، لأن الوصف يؤذن بانقضاء أجزائه، والوصل يؤذن ببقائه. وجوز أن يتعلق ب «الطيبات» وب «الرزق» وب «أخرج» . فإن قلت: فإن «أخرج» في صلة «التي» ، و «الطيبات» فى صفة اللام، و «الرزق» مصدر، فكيف يوصل بهذه الأشياء، «وهي للذين آمنوا» فاصلة؟ فإنه قد جاء والطلاق عزيمة ثلاثاً، وجزاء سيئة بمثلها، لأنه يسدد الأول. ويجوز أن يتعلق ب «الطيبات» ، تقديره: والمباحات من الرزق

стр. 688

ويجوز أن يتعلق ب «آمنوا» ، الذي هو صلة «للذين آمنوا في الحياة الدنيا» . ثم انظر ما أغفله «أبو علي» من الفصل بين الصلة والموصول بقوله: (وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ» ، لأن هذا غير معطوف على قوله: «زينة الله» . ولا يمكن «أبو علي» أن يجيب عن هذا الفصل بأنه مما يسدد القصة، وإذا كان العطف على الموصول يتنزل منزلة، صفته في منع تعلق شيء به بعد العطف، فالعطف على ما قبل الموصول أولى بالمنع وأحق، لأن قوله: «والطيبات» منصوب ب «حرم» لا ب «أخرج» ، وفي تعلقه ب «الطيبات» نظر، لأن قوله «من الرزق» بيان ل «الطيبات» يتنزل منزلة الحال، وكما يمنع النعت بما قبله فكذلك الحال، إلا أن لأبي علي أن ينحو بهذا البيان نحو التمييز فيتوجه له حينئذ الفرق بينه وبين الحال. وجوز فى «الإغفال» تعلقها بآمنوا وباللام في «الذين» ، وبمحذوف في موضع الحال، والعامل فيه معنى اللام، فعلى هذا يكون فيه ضمير. وعلى الأولين لا ضمير ولا يجوز تقديمه على «الذين» في الوجهين أعني: الحال والتعلق ب «آمنوا» . ويجوز في الوجه الآخر التقديم، كما جاز: كل يوم لك ثوب وهي مبتدأ واللام خبره، و «خالصة» أيضاً، كحلو حامض، فيمن رفع، وفيمن نصب حال، ولم يجز أن يتعلق ب «أخرج» لأنه فصل به، أعني «في الحياة الدنيا» بين المبتدأ وخبره، فيمن رفع وبين الحال وذي الحال فيمن نصب، لكون «في الحياة الدنيا» أجنبية من هذه الأشياء، ثم لم يرتض من نفسه أن يظن به ما يخطر بخاطر من أن هذا ظرف، والظروف يتلعب بها، فذكره حجة لأبي الحسن.

стр. 689

ومن ذلك قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) «١» . قالوا: إن التقدير: له معقبات من أمر الله، فيكون «من أمر الله» معمول الظرف الذي هو قوله «له» . وقيل: يحفظونه عند نفسه من أمر الله، ولا راد لأمره ولا مانع لقضائه. وقيل: إن «لا» مضمر، أي: لا يحفظونه من أمر الله. وقيل: في «المعقبات» : حراس الأفراد الذين يتعاقبون الحرس. عن ابن عباس. وقيل: إنه ما يتعاقب من الله وقضائه في عباده. عن عبد الرحمن ابن زيد. وقيل: إنهم الملائكة، إذا صعدت ملائكة الليل عقبتها ملائكة النهار، وإذا صعدت ملائكة النهار عقبتها ملائكة الليل. عن مجاهد. وقيل: في «من بين يديه» : أي: من أمامه وورائه. وهذا قول من زعم أن المعقبات حراس الأفراد. وقيل: في الماضي والمستقبل. وهذا قول من زعم أن المعقبات ما يتعاقب من أمر الله وقضائه. وقيل: من هداه وضلالته. وهذا قول من زعم أنه الملائكة. وقيل: يحفظونه من أمر الله، أي: من تلك الجهة وقع حفظهم له، أي: حفظهم إياه إنما هو من أمر الله، كما يقال: هذا من أمر الله. عن سعيد بن جبير.

стр. 690

فإذا حملته على التقديم كان قوله. «من بين يديه» متعلقاً بقوله «يحفظونه» ، والتقدير: له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه. قاله النخعي فيكون الظرف فاصلاً/ بين الصفة والموصوف، فنظيره: (إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) «١» ، جمع: راصد. يعني: الملائكة يحفظون النبي- صلى الله عليه وعلى آله- من الجن والإنس، وهم أربع. ومن ذلك قوله: (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) «٢» . قيل: الكاف من صلة ما قبله. وقيل: من صلة ما بعده. فمن قال: هي من صلة ما قبله، قال: «كما أخرجك» أي: كما ألزمك الخصال المتقدم ذكرها التي تنال بها الدرجات، ألزمك الجهاد وضمن النصرة لك والعاقبة المحمودة. وقيل: بل المعنى: الأنفال لله والرسول مع مشقتها عليهم، لأنه أصلح لهم، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق مع كراهتهم، لأنه أصلح لهم. وقيل: هو من صلة ما بعده، والتقدير: يجادلونك في الحق متكرهين كما كرهوا إخراجك من بيتك. وقيل: أن يعمل فيه «بالحق» ، يعني: هذا الحق كما أخرجك ربك. جائز حسن. «٣» وقيل: التقدير: يجادلونك في القتال كما جادلوا في الإخراج.

стр. 691

ومن ذلك قوله تعالى: (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) «١» ، ثم قال: (ذَواتا أَفْنانٍ) «٢» . فقوله «ذواتا» صفة ل «جنتين» ، أي: جنتان ذواتا أفنان. واعترض بينهما بقوله: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) «٣» . وهكذا الآي كلها التي تتلوها إلى قوله: (وَمِنْ دُونِهِما) «٤» ، كلها صفات لقوله: (جَنَّتانِ) ، والتقدير: وله من دونهما جنتان، وما بعدها صفات ل «جنتان» المرتفعة بالظرف. وقوله: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) «٥» اعتراض، ويكون قوله: (مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ) «٦» حالاً من المضمرين في قوله: (وَمِنْ دُونِهِما) «٧» أي: ولهم من دونهما، كما أن قوله: (مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ) «٨» حال من قوله «ولمن» . والتقديم والتأخير كثير في التنزيل. ومضى قبل هذا الباب الخبر المقدم على المبتدأ في قوله: (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) «٩» ، (وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) «١٠» ، (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) «١١» ، ونحوه كثير. وأما قوله: (الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) «١٢» ، وقد قرئ بالرفع والنصب: وجه الرفع في «سواء» أنه خبر ابتداء مقدم، والمعنى: العاكف والبادي فيه سواء، أي: ليس أحدهما بأحق به من صاحبه،

стр. 692

فاستواء العاكف والبادي، فيه دلالة على أن أرض الحرم لا تملك، ولو ملكت لم يستويا فيه، وصار العاكف فيه أولى بها من البادي بحق ملكه، ولكن سبيلهما سبيل المساجد التي من سبق إليها كان أولى بالمكان لسبقه إليه، وسبيله سبيل المباح الذي من سبق إليه كان أولى به. ومن نصب فقال: (سَواءً الْعاكِفُ) أعمل المصدر عمل اسم الفاعل، فرفع «العاكف» به كما يرتفع «بمستو» ، ولو قال: مستوياً العاكف فيه والبادي، فرفع العاكف «بمستو» فكذلك يرفعه ب «سواء» . والأكثر الرفع في نحو هذا، وألا يجعل هذا النحو من المصدر بمنزلة الفاعل، ووجهه أن إعماله المصدر قد يقوم مقام اسم الفاعل في الصفة، نحو: رجل عدل، فيصير: عدل العادل. وقد كسر اسم المصدر تكسير اسم الفاعل في نحو قوله: فنواره ميل إلى الشمس زاهر «١» فلولا أن «النور» عنده كاسم الفاعل لم يكسر تكسيره، فكذلك قول الأعشى: وكنت لقى تجرى عليك السوائل «٢» ومن أعمل المصدر إعمال اسم الفاعل فقال: مررت برجل سواء درهمه وقال: مررت برجل سواء هو والعدم كما تقول: مستو هو والعدم، فقال: سواء العاكف فيه والباد، كما تقول: مستويا العاكف فيه والباد، فهو وجه حسن.

стр. 693

ويجوز في نصب قوله «سواء العاكف فيه» وجه آخر: وهو أن تنصبه على الحال، فإذا نصبته عليها وجعلت قوله. «للناس» مستقراً، جاز أن يكون حالاً يعمل فيها معنى الفعل، وذو الحال الذكر الذي في المستقر. ويجوز أيضاً في الحال أن يكون من الفعل الذي هو «جعلناه» ، فإن جعلتها حالاً من الضمير المتصل بالفعل كان ذو الحال الضمير والعامل فيها، وجواز قوله «للناس» / مستقر، على أن يكون المعنى: أنه جعل للناس منسكا ومتعبدا، فنصب، كما قال: وضع للناس. ويدل على جواز كون قوله «للناس» مستقراً، أنه قد حكى: أن بعض القراء قرأ: (الذي جعلناه للناس العاكف فيه والبادي سواء) ، فقوله «للناس» يكون على هذا مستقراً في موضع المشغول الثاني ل «جعلناه» ، فكما كان في هذا مستقراً كذلك يكون مستقراً في الوجه الذي تقدمه، ونعني: الذي جعلناه للعاكف والبادي سواء. أنهما يستويان فيه في الاختصاص بالموضع ومن ذلك قوله تعالى: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) «١» قوله «نصفه» بدل من «الليل» ، كما تقول: ضربت زيداً رأسه، فالمعنى: نصف الليل إلا قليلاً، نصفه أو انقص من النصف أو زد عليه. وقوله «إلا قليلاً» يفيد ما أفاده أو «انقص منه قليلاً» ، لكنه أعيد تبعاً لذكر الزّيادة خيّره الله تعالى بين أن يقوم النصف أو يزيد عليه أو ينقص منه.

стр. 694

وقال الأخفش: المعنى: أو نصفه أو زد عليه قليلاً، لأن العرب قد تكلم بغير «أو» ، يقولون: أعط زيداً درهماً درهمين أو ثلاثة. وقال المبرد: خطأ لا يجوز، إنما «نصفه» بدل من «الليل» ، والاستثناء مقدم من «النصف» . ومن ذلك قوله: (فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) «١» . هذا من طرائف العربية، لأن «هى» ضمير القصة مرفوعة بالابتداء، و «أبصار الذين كفروا» مبتدأة، و «شاخصة» خبر مقدم، وهي خبر أيضاً، والجملة تفسير «هي» ، والعامل في «إذا» قوله «شاخصة» ، ولولا أن «إذا» ظرف لم يجز تقديم «ما» في حيز «هي» عليها، لأن التفسير لا يتقدم على المفسر، ولكن الظرف يلغيه الوهم، وقد جاء ذلك في الشعر في غير الظرف، قال الفرزدق: وليست خراسان الذي كان خالد ... بها أسد إذ كان سيفاً أميرها والتقدير: الذي كان خالد بها سيفاً إذ كان أسداً أميرها. ففي «كان» الثانية/ ضمير القصة وأسد «مبتدأ» ، وأميرها «خبر» ، والجملة تفسير الضمير الذي في «كان» ، وقدم «الأسد» على «كان» الذي فيه الضمير وقالوا: يمدح خالد بن عبد الله القسري «٢» ويهجو أسداً، وكان أسد واليها بعد خالد، قال: وكأنه قال: وليست خراسان بالبلدة التي كان خالد بها سيفاً، إذ كان أسد أميرها. ففصل بين اسم «كان» الأول، وهو خالد، وبين خبرها الذي هو «سيفاً» بقوله: «بها أسد إذ كان» ، فهذا واحد. وثان أنّه قدم

стр. 695

بعض ما أضافه إليه، وهو «أسد» عليها، وفي تقديم المضاف إليه أو شيء منه على المضاف من القبح ما لا خفاء به، فنظير الآية قوله: (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ) «١» ، وقوله: (إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) «٢» ، وقوله: (إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ) «٣» ، ثم قال: (إِنَّ رَبَّهُمْ) «٤» ، ف «إذا» في هذه الأشياء متعلقة بمحذوف دل عليه ما بعد «إن» و «الفاء» . وقيل في البيت: إن «كان» زائدة، فيصير تقديره: إذ أسد أميرها، فليس في هذا أكثر من شيء واحد، وهو ما قدمنا ذكره من تقديم ما بعد «إذ» عليها، وهي مضافة إليها. وهذا أشبه من الأول، ألا ترى أنه إنما نفي حال خراسان إذ أسد أميرها لأنه إنما فضل أيامه المنقضية بها على أيام أسد المشاهدة فيها، فلا حاجة به إلى «كان» ، لأنه أمر حاضر مشاهد. فأما «إذا» هذه فمتعلقة بأحد شيئين. إما ب «ليس» وحدها، وإما بما دلت عليه من غيرها، حتى كأنه قال: خالفت خراسان إذ أسد أميرها التي كانت أيام ولاية خالد لها، على حد ما نقول فيما يضمر للظرف، ليتأولها ويصل إليها. ومن ذلك قوله: (إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ) «٥» ، تقدير «من قبل» أن يكون متعلقا ب «كفرت» ، المعنى: أي: كفرت من قبل بما أشركتموني. ألا ترى أن كفره قبل كفرهم، وإشراكهم إياه فيه بعد ذلك، فإذا كان كذلك علمت أن «من قبل» لا يصح أن يكون من صلة «ما أشركتموني» ، وإذا لم يصح ذلك فيه ثبت أنه من صلة «كفرت» .

стр. 696

ومن ذلك قوله: (كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ) «١» ، أي: أنزل إليك لتنذر، فأخر اللام المتعلق بالإنزال. وقيل: فلا يضيق صدرك بأن يكذبوك. عن الفراء- فيكون «اللام» متعلقاً بالحرج. ومن ذلك قوله: (وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ) «٢» ، أي: كانوا يظلمون أنفسهم. ومنه: (وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) «٣» ، و (أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ) «٤» . هذا يدل على جواز: يقوم كان زيداً، ألا ترى أن «أنفسهم» منتصب ب «يظلمون» ، فإذا جاز تقديم مفعوله جاز تقديمه وجاز وقوعه موقع المعمول. فأما قوله: (وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) «٥» ففي موضعه ثلاثة أقوال: رفع بالعطف على «كتاب» ، وقيل: بل مبتدأ مضمر. وإن شئت كان نصبا ب «تذكر» ، أي، لتنذر فتذكر. وإن شئت هو جر باللام، أي: لتنذر وللذكرى. وضعفه ابن عيسى فقال: باب الجر باب ضيق لا يتسع فيه الحمل على المعاني: وليس الأمر كما قال، لأنا عرفنا أن تعد اللام مضمرة، وكأنه قال: للإنذار به وذكرى للمؤمنين، وإذاً جاء: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا) «٦» ، والتقدير: وبعد أن شهدوا، لم يكن لنظر أبي الحسن مجال في هذا الباب، وابن من أنت من أبي علي، وكلامك ما تراه من الاختصار والإيجاز.

стр. 697

فأما قوله تعالى: (فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ) «١» فإن العامل في «إذا» محذوف، كقولك: خرجت فإذا زيد، فبالحضرة زيد، فيكون «فريقان» بدلاً من «هم» وإن كان متعلقاً بالمحذوف، فيكون الإخبار عن المبدل منه، وقد قال: وكأنه لهق السراة كأنه ... ما حاجبيه معين بسواد «٢» أخبر عن المبدل منه والإخبار في الآية إذا قدرت قوله «فريقان» بدلاً من «هم» كان متعلقاً بمحذوف، كما يكون مع البدل منه فكذلك يجوز أن تجعل قوله «فريقان يختصمون» الخبر عن «هم» ، فإذا قدرته كذلك أمكن أن تعلق «إذا» بما في «فريقان» من معنى الفعل، وإن شئت علقته بالاختصام، وقال: يختصمون، على المعنى. ويجوز أن تجعل «الفريقان» الخبر ونجعل «يختصمون» وصفاً، فإذا قدرته كذلك تعلق «إذا» بما في «الفريقان» من معنى الفعل، ولا يجوز أن يتعلق ب «يختصمون» ، لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف/ ألا ترى أنه لم يجز: أزيداً أنت رجل تضربه، إذا جعلت «تضرب» وصفاً. «وأجاز المازني: زيداً أنت رجل تكرمه، على أن يكون «تكرمه» خبرا ثانيا ل «أنت» لا وصفاً للنكرة. ويجوز أن تجعل «يختصمون» حالاً من «هم» ، وتجعل «فريقين» بدلاً، فالعامل في الحال الظرف، كقوله: فيها زيد قائماً. وقال في موضع آخر: «يختصمون» وصف أو حال. والحال من أحد الشيئين:

стр. 698

إما من الضمير في «فريقان» لأنه منصوب، ألا تراهم قالوا: يومئذ يتفرقون، وليس كذا. والآخر: أن يكون حالاً مما في «ذا» من معنى الفعل، وذاك إذا جعلته على قولهم: حلو حامض، فإنه على هذا التقدير متعلق بمحذوف، فإذا تعلق بالمحذوف كان بمنزلة قولهم: في الدار زيد قائماً. فإذا لم تجعله على هذا الوجه لم يجز أن ينتصب عنه حال، ألا ترى أنك إذا لم تجعله على قولهم: حلو حامض، كان «فريقان» خبر «هم» الوقعة بعد «إذا» ، وإذا كان كذلك كان «إذا» في موضع نصب مما في قوله «فريقان» من معنى الفعل، فليس في «إذا» ضمير لتعلقه بالظاهر، فإنما ينصب الحال إذا تعلق بمحذوف خبراً «لهم» . وأما قوله تعالى: (وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) «١» ، يحتمل أن يكون: أتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ولعنة يوم القيامة فحذف المضاف، ويجوز أن يكون محمولاً على موضع «في هذه الدنيا» كما قال: إذا ما تلاقينا من اليوم أو غد ويشهد لذلك، والوجه الذي قبله، قوله تعالى في آية أخرى: (لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) «٢» ، وقوله: (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ) «٣» ، ويكون قوله (هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) «٤» . جملة استغنى بها عن حرف

стр. 699

العطف فيها بالذكر الذي تضمنت مما في الأولى، كما استغنى عنه بذلك في قوله تعالى: (ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) «١» ولو كانت الواو لكان ذلك حسناً كما قال: (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) . ويجوز أن يكون العامل فيه «من المقبوحين» لأن فيه معنى فعل، وإن كان الظرف متقدماً، كما أجاز: كل يوم لك ثوب. ويجوز أن يكون العامل فيه مضمراً يدل عليه قوله: «من المقبوحين» لقوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ) «٢» . وأما قوله: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ) «٣» فيكون «يومئذ» من صلة المصدر، كما كان في التي قبلها، يعني في قوله: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) «٤» ، و «الحق» صفة والظرف الخبر، ويجوز أن يكون «يومئذ» معمول الظرف، ولا يتقدم عليه ولا يتصل على هذا بالمصدر. وأما قوله: (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ) «٥» ، إن جعلت الظرف من صلة المصدر جاز أن تنصبه نصب المفعول به، كقولك: الوزن الدراهم حق، ويكون «الحق» على هذا خبر المبتدأ. وإن جعلت «يومئذ» خبر المصدر، لأن «الوزن» حدث، فيكون ظرف الزمان خبراً عنه تعلق بمحذوف، جاز أن ينتصب انتصاب الظرف دون المفعول به، ألا ترى أن المفعول به لا تعمل فيه المعاني، ويكون «الحق» على هذا صفة ل «الوزن» ، ويجوز أن يكون بدلاً من «الذكر» المرفوع الذي في الخبر.

стр. 700

وأما قوله: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) «١» فهو متعلق بمحذوف، ألا ترى أنه ليس في هذا الكلام فعل ظاهر يجوز أن يتعلق الظرف به، فإذا كان كذلك تعلق بما دل عليه قوله: (فَهُمْ يُوزَعُونَ) ، كما أن قوله، (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) «٢» الظرف فيه كذلك، وكذلك قوله: (يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) «٣» ، لأن الظرف من حيث كان مستقبلاً كان بمنزلة «إذا» ، ومن ثم أجيب بالفاء كما يجاب «إذا» بها. وأما قوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ) «٤» . فقد تكون مثل التي تقدمت، ألا ترى أن قوله: (وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا) «٥» ماض، كما أن قوله: (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا) «٦» كذلك، و «ندعو» مستقبل، كما أن (يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ) «٧» كذلك، فتجعل الظرف بمنزلة «إذا» كما جعلته ثم بمنزلته، فيصير التقدير: يوم ندعو كل أناس بإمامهم لم يظلموا، أو عدل عليهم، ونحوه. ومن ذلك قوله: (فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ) «٨» ، القول فيه: إن ذلك إشارة إلى النقر، كأنه قال: فذلك النقر يومئذ يوم عسير، أي: نقر يوم عسير، فقوله «يومئذ» ، على هذا متعلق بذلك، لأنه في المعنى مصدر وفيه معنى الفعل، فلا يمتنع أن يعمل في الظرف كما عمل في الحال، ويجوز أن يكون «يومئذ» ظرفاً لقوله «يوم» ، ويكون «يومئذ» بمنزلة «حينئذ» ، ولا يكون

стр. 701

«اليوم» ، الذي يعنى به وضح النهار، ويكون «اليوم» الموصوف بأنه عسير خلاف الليلة ويكون التقدير: فذلك اليوم يوم عسير حينئذ، أي: ذلك اليوم يوم في ذلك الحين، فيكون متعلقا بمحذوف ولا يتعلق ب «عسير» ، لأن ما قبل الموصوف لا تعمل فيه الصفة. فأما «إذا» في قوله: «فإذا نقر في الناقور» فالعامل فيه المعنى الذي دل عليه قوله: «يوم عسير» ، تقديره: إذا نقر في الناقور عسر الأمر فصعب، كما أن «لا بشرى يومئذ» يدل على «يحزنون» . ومن ذلك قوله تعالى: (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) «١» ، و (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) «٢» ، و (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) «٣» و (ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ) «٤» ، و (وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) «٥» كل هذا «ما» فيه منصوب بفعل الشرط الذي بعده، والفعل منجزم به. ومثله: (أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) «٦» ، «أيا» منصوب ب «تدعو» ، و «تدعو» منجزم به. ومنهم من قال: إن «أيا» ينتصب بمضمر دون «تدعو» ، لأن «تدعو» معموله، فلو نصبه وجب تقدير تقديمه. وأما قوله: (أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) «٧» ، فالتقدير: أي انقلاب ينقلبون، ف «منقلب» مصدر. و «أي» مضاف إليه، فيصير حكمه حكم المصدر، فيعمل فيه «ينقلبون» . ومن ذلك ما قيل في قوله تعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) «٨» .

стр. 702

عن ابن بحر: إن فيه تقديماً وتأخيراً، والتقدير: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها والله مقلب قلوبهم في حال أقسامهم، وعالم منها بخلاف ما حلفوا عليه إذ هو مقلب القلوب والأبصار، عالم بما في الضمير والظاهر، وما يدريكم أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة، أي: قبل الآية التي طلبوها (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) «١» . وحمله قوم على أن «الكاف» بمعنى «على» ، وآخرون على أنه بمعنى: من أجل، أي: من أجل ما لم يؤمنوا/ به أول مرة. ومن ذلك قوله: (لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) «٢» ، أي: ثبتت لهم دار السلام جزاء لعملهم، وهو أحسن من أن تعلقه بقوله: «وليهم» ، إنما يجازيهم بعملهم الجنة. ومثله: (أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) «٣» . ومن ذلك قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً) «٤» ، أي: على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً، ففصل وقدم وأخر. ويجوز أن يكون الواو واو الحال، فيكون «قيماً» حالاً بعد حال. ومن ذلك قوله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) «٥» ، يكون التقدير: على قرية على عروشها، فيكون بدلاً، ويكون «وهي خاوية» بمعنى: خالية، والجملة تسدد الأول.

стр. 703

وأما قوله تعالى: (وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ) «١» ، التقدير: فمهما يكن من شيء فسلام لك من أصحاب اليمين إن كان من أصحاب اليمين، فقوله: «إن كان من أصحاب اليمين» مقدم في المعنى، لأنه لما حذف الفعل وكانت تلي الفاء «أما» قدم الشرط وفصل بين الفاء و «أما» به، وعلى هذا جميع ما جاء في التنزيل. ومن ذلك قوله: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً) «٢» . روي عن حمزة الزيات أنه قال في التفسير: فكيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم. قال أبو علي: أي: كيف تتقون عذابه أو جزاءه، ف «اليوم» على هذا اسم لا ظرف وكذلك: واتقوا يوماً يجعل الولدان شيباً، إن «اليوم» محمول على الاتقاء. «وقد قيل» : إنه على «إن كفرتم يوماً» فهذا تقديره: كفرتم بيوم، فحذف الحرف وأوصل الفعل. وليس بظرف، لأن الكفر لا يكون يومئذ، لارتفاع الشبه لما يشاهد. وقال الله تعالى: (وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ) «٣» إلى قوله: (لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا) «٤» . قيل: الاستثناء من قوله: (أَذاعُوا بِهِ) فهو في نية التقديم. وقيل: هو من قوله: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ) «٥» ، و «لولا» وجوابه اعتراض وقيل: بل هو مما يليه ويعني به: زيد بن عمرو بن نفيل، يبعث وحده.

стр. 704

ومنه قوله تعالى: (فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) «١» . إن نصبت «أربعين» ب «يتيهون» كان من هذا الباب، وهو الصحيح. وقيل: بل هو متعلق ب «محرمة» ، والتحريم كان على التأبيد. ومن ذلك (فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) «٢» فيمن رفع «المثل» أنه صفة لل «جزاء» ، والمعنى: فعليه جزاء من النعم يماثل المقتول، والتقدير: فعليه جزاء وفاء اللازم له، أو: فالواجب عليه جزاء من النعم مماثل ما قتل من الصيد. ف «من النعم» على هذه القراءة صفة للنكرة التي هي «جزاء» وفيه ذكره، ويكون «مثل» صفة ل «الجزاء» ، لأن المعنى: عليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد من النعم، والمماثلة في القيمة أو الخلقة، على حسب اختلاف الفقهاء في ذلك. ولا يجوز أن يكون قوله: «من النعم» على هذا متعلقاً في المصدر، كما جاز أن يكون الجار متعلقاً به في قوله: (جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها) «٣» ، لأنك قد وصفت الموصول، وإذا وصفته لم يجز أن تعلق به بعد الوصف شيئاً كالعطف في التأكيد. وقيل: قوله: «من النعم» من صلة «ما قتل» وليس بوصف لل «جزاء» . وقيل: هو من صلة «يحكم» وإن تقدم عليه والجزاء يقوم في أقرب المواضع إلى القاتل عند أبي حنيفة، وعند الشافعي الجزاء من النظير، ولو كان من النظير لم يقل (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) «٤» ولم يعطف عليه (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ) «٥» ، لأن ذلك إلى الحكمين، والنظير لا يحتاج فيه إلى ذلك.

стр. 705

وأما قوله تعالى: (إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) «١» ، و (وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) «٢» ، و (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) «٣» فتبيين للظاهر وليس بصلة، لأنه لا تتقدم الصلة على الموصول. ومن ذلك قوله: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) «٤» إلى قوله: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) «٥» ، «فتطردهم» جواب النفي في قوله: (ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) «٦» ، وقوله: «فتكون» جواب النفي في نية التقديم. ومن ذلك قوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ) «٧» إلى قوله: (وَدَرَسُوا ما فِيهِ) «٨» ، فقوله: «درسوا» عطف على «ورثوا» ، وكلتا الجملتين صفة لقوله: «خلف» . / وقوله: (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ) «٩» اعتراض بين الفعلين اللذين هما صفة «خلف» . ومن ذلك قوله: (زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ) «١٠» إلى قوله: (وَلِتَصْغى) «١١» والآية بينهما اعتراض. ومن ذلك قوله: (لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ) «١٢» ، اللام متعلق بقوله: (فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً) «١٣» ، أي: يحكم به ليذوق وبال أمره. فيكون قوله «هدياً» حالاً من الهاء المجرور بالباء،
следующие страницы →