← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23585

إعراب القرآن للباقولي - منسوب خطأ للزجاج

أبو الحسن الباقولي

Полный текст (1 085 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

«اليوم» ، الذي يعنى به وضح النهار، ويكون «اليوم» الموصوف بأنه عسير خلاف الليلة ويكون التقدير: فذلك اليوم يوم عسير حينئذ، أي: ذلك اليوم يوم في ذلك الحين، فيكون متعلقا بمحذوف ولا يتعلق ب «عسير» ، لأن ما قبل الموصوف لا تعمل فيه الصفة. فأما «إذا» في قوله: «فإذا نقر في الناقور» فالعامل فيه المعنى الذي دل عليه قوله: «يوم عسير» ، تقديره: إذا نقر في الناقور عسر الأمر فصعب، كما أن «لا بشرى يومئذ» يدل على «يحزنون» . ومن ذلك قوله تعالى: (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) «١» ، و (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) «٢» ، و (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) «٣» و (ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ) «٤» ، و (وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) «٥» كل هذا «ما» فيه منصوب بفعل الشرط الذي بعده، والفعل منجزم به. ومثله: (أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) «٦» ، «أيا» منصوب ب «تدعو» ، و «تدعو» منجزم به. ومنهم من قال: إن «أيا» ينتصب بمضمر دون «تدعو» ، لأن «تدعو» معموله، فلو نصبه وجب تقدير تقديمه. وأما قوله: (أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) «٧» ، فالتقدير: أي انقلاب ينقلبون، ف «منقلب» مصدر. و «أي» مضاف إليه، فيصير حكمه حكم المصدر، فيعمل فيه «ينقلبون» . ومن ذلك ما قيل في قوله تعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) «٨» .

стр. 702

عن ابن بحر: إن فيه تقديماً وتأخيراً، والتقدير: وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها والله مقلب قلوبهم في حال أقسامهم، وعالم منها بخلاف ما حلفوا عليه إذ هو مقلب القلوب والأبصار، عالم بما في الضمير والظاهر، وما يدريكم أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة، أي: قبل الآية التي طلبوها (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) «١» . وحمله قوم على أن «الكاف» بمعنى «على» ، وآخرون على أنه بمعنى: من أجل، أي: من أجل ما لم يؤمنوا/ به أول مرة. ومن ذلك قوله: (لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) «٢» ، أي: ثبتت لهم دار السلام جزاء لعملهم، وهو أحسن من أن تعلقه بقوله: «وليهم» ، إنما يجازيهم بعملهم الجنة. ومثله: (أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) «٣» . ومن ذلك قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً) «٤» ، أي: على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً، ففصل وقدم وأخر. ويجوز أن يكون الواو واو الحال، فيكون «قيماً» حالاً بعد حال. ومن ذلك قوله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) «٥» ، يكون التقدير: على قرية على عروشها، فيكون بدلاً، ويكون «وهي خاوية» بمعنى: خالية، والجملة تسدد الأول.

стр. 703

وأما قوله تعالى: (وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ) «١» ، التقدير: فمهما يكن من شيء فسلام لك من أصحاب اليمين إن كان من أصحاب اليمين، فقوله: «إن كان من أصحاب اليمين» مقدم في المعنى، لأنه لما حذف الفعل وكانت تلي الفاء «أما» قدم الشرط وفصل بين الفاء و «أما» به، وعلى هذا جميع ما جاء في التنزيل. ومن ذلك قوله: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً) «٢» . روي عن حمزة الزيات أنه قال في التفسير: فكيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إن كفرتم. قال أبو علي: أي: كيف تتقون عذابه أو جزاءه، ف «اليوم» على هذا اسم لا ظرف وكذلك: واتقوا يوماً يجعل الولدان شيباً، إن «اليوم» محمول على الاتقاء. «وقد قيل» : إنه على «إن كفرتم يوماً» فهذا تقديره: كفرتم بيوم، فحذف الحرف وأوصل الفعل. وليس بظرف، لأن الكفر لا يكون يومئذ، لارتفاع الشبه لما يشاهد. وقال الله تعالى: (وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ) «٣» إلى قوله: (لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا) «٤» . قيل: الاستثناء من قوله: (أَذاعُوا بِهِ) فهو في نية التقديم. وقيل: هو من قوله: (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ) «٥» ، و «لولا» وجوابه اعتراض وقيل: بل هو مما يليه ويعني به: زيد بن عمرو بن نفيل، يبعث وحده.

стр. 704

ومنه قوله تعالى: (فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) «١» . إن نصبت «أربعين» ب «يتيهون» كان من هذا الباب، وهو الصحيح. وقيل: بل هو متعلق ب «محرمة» ، والتحريم كان على التأبيد. ومن ذلك (فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) «٢» فيمن رفع «المثل» أنه صفة لل «جزاء» ، والمعنى: فعليه جزاء من النعم يماثل المقتول، والتقدير: فعليه جزاء وفاء اللازم له، أو: فالواجب عليه جزاء من النعم مماثل ما قتل من الصيد. ف «من النعم» على هذه القراءة صفة للنكرة التي هي «جزاء» وفيه ذكره، ويكون «مثل» صفة ل «الجزاء» ، لأن المعنى: عليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد من النعم، والمماثلة في القيمة أو الخلقة، على حسب اختلاف الفقهاء في ذلك. ولا يجوز أن يكون قوله: «من النعم» على هذا متعلقاً في المصدر، كما جاز أن يكون الجار متعلقاً به في قوله: (جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها) «٣» ، لأنك قد وصفت الموصول، وإذا وصفته لم يجز أن تعلق به بعد الوصف شيئاً كالعطف في التأكيد. وقيل: قوله: «من النعم» من صلة «ما قتل» وليس بوصف لل «جزاء» . وقيل: هو من صلة «يحكم» وإن تقدم عليه والجزاء يقوم في أقرب المواضع إلى القاتل عند أبي حنيفة، وعند الشافعي الجزاء من النظير، ولو كان من النظير لم يقل (يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ) «٤» ولم يعطف عليه (أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ) «٥» ، لأن ذلك إلى الحكمين، والنظير لا يحتاج فيه إلى ذلك.

стр. 705

وأما قوله تعالى: (إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ) «١» ، و (وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) «٢» ، و (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) «٣» فتبيين للظاهر وليس بصلة، لأنه لا تتقدم الصلة على الموصول. ومن ذلك قوله: (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) «٤» إلى قوله: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) «٥» ، «فتطردهم» جواب النفي في قوله: (ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) «٦» ، وقوله: «فتكون» جواب النفي في نية التقديم. ومن ذلك قوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ) «٧» إلى قوله: (وَدَرَسُوا ما فِيهِ) «٨» ، فقوله: «درسوا» عطف على «ورثوا» ، وكلتا الجملتين صفة لقوله: «خلف» . / وقوله: (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ) «٩» اعتراض بين الفعلين اللذين هما صفة «خلف» . ومن ذلك قوله: (زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ) «١٠» إلى قوله: (وَلِتَصْغى) «١١» والآية بينهما اعتراض. ومن ذلك قوله: (لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ) «١٢» ، اللام متعلق بقوله: (فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً) «١٣» ، أي: يحكم به ليذوق وبال أمره. فيكون قوله «هدياً» حالاً من الهاء المجرور بالباء،

стр. 706

وقوله «أو كفارة» عطف على «جزاء» ، و «طعام» بدل منه، أو «عدل ذلك» عطف على «كفارة» والتقدير: فجزاء مثل ما قتل من النعم، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياماً يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة ليذوق وبال أمره. ومن ذلك: (قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) «١» . «يوم» ظرف لقوله: «له» ، ويجوز أيضاً أن يتعلق بالمصدر الذي هو «الملك» فيكون مفعولاً به، كأنه: يملك ذلك اليوم، كما قال: (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) «٢» . وقوله: (عالِمُ الْغَيْبِ) «٣» فيمن جر، وهي رواية عن أبي عمرو، نعت لقوله: (وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) «٤» . ومن رفع «عالم» فهو رفع بفعل مضمر، أي: ينفخ فيه عالم الغيب، كقوله: (رِجالٌ) «٥» بعد قوله: (يُسَبِّحُ) «٦» . ومن ذلك قوله: (وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها) «٧» نصب عطف على قوله: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها) «٨» ، تقديره: (ومغانم أخرى) نظيره: (وَأُخْرى تُحِبُّونَها) «٩» والتقدير: على تجارة «١٠» تنجيكم وتجارة أخرى. وإن شئت كان التقدير: ولكم تجارة أخرى تحبونها. ثم قال: (نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ) «١١» أي: هى نصر.

стр. 707

ومن ذلك قوله: (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ) «١» . قال: معمر: التقدير: وجاءتهم رسلهم بالبينات من العلم. ومن ذلك قوله: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) «٢» إلى قوله: (لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ) «٣» قال أبو الحسن: اللام من صلة «كف» ، ولو قال: متعلق بمضمر دل عليه «كف» لم يكن فصلاً بين الصلة والموصول وكان أحسن. ومن ذلك قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ) «٤» . قال أبو علي: الظرفان صفة للنكرة متعلقان بمحذوف، والشهادة من الله هي شهادة يحملونها ليشهدوا بها، كما قال: (فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) «٥» ، فإنه يجوز أن يكون التقدير: إن أحوالهم ظاهرة وإن كتموها، كما قال: (لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) «٦» ، فإذا لم يتعلق ب «كتم» تعلق ب «الشهادة» ، وتعلقه به على وجوه: فإن جعلت قوله: «عنده» صفة للشهادة لم يجز أن يكون «من الله» متعلقا ب «شهادة» ، لأنه فصل بين الصلة والموصول، كما انك لو عطفت عليه كان كذلك. ويجوز أن تنصب «عنده» لتعلقه ب «شهادة» ، فإذا فعلت ذلك لم يتعلق به «من الله» لأنه لا يتعلق به ظرفان. وإن جعلت «عنده» صفة أمكن «من الله» حالاً عما فى «عنده» ،

стр. 708

فإذا كان كذلك وجب أن يتعلق بمحذوف في الأصل، والضمير العائد إلى ذي الحال هو في الظرف الذي هو «من الله» . ويجوز أن تجعل الظرفين جميعاً صفة للشهادة. وقيل في قوله: (لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ) «١» تقديره: لا يذوقون أحقاباً، فهو ظرف ل «لا يذوقون» ، وليس بظرف ل «لابثين» ، إذ ليس تحديداً لهم، لأنهم يلبثون غير ذلك من المدد، فهو تحديد لذوق الحميم والغساق. ومن ذلك قوله: (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ) «٢» . عند الأخفش على تقدير: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم. ولا يلزم قول ابن جرير، لأن «من» فى قوله «من بعد» يتعلق ب «ما اختلف» لا المصدر، والفصل بين المفعول له والمصدر، لأن المفعول له علة للفعل، والمصدر اختلف فيه الأصحاب. بيض الموضع أبو علي في الكتاب. ومن ذلك قوله: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ) «٣» إلى قوله: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ) «٤» جر «المسجد» عندنا محمول على «الشهر» ، والتقدير: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والشهر الحرام، لأن القتال كان حقه عند المسجد. / وقوم يحملونه على الباء في قوله «كفر به» ، والمضمر المجرور لا يحمل عليه المظهر حتى يعاد الجار.

стр. 709

وأبو على يحمله على المصدر، والتقدير: وصد عن سبيل الله وعن المسجد، ووقع الفصل بالمعطوف، وهو قوله «وكفر به» بين الصلة والموصول، وهذا لا يجوز. وقد ذكر ... «١» هو في مواضع أشياء أبطلها بمثل هذا القول، حتى إنه قال في قوله: (أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) «٢» لا يكون «أو يرسل» عطفا على «وحيا» ، وقد علقت «أو من وراء حجاب» بمضمر، لأنك فصلت بين المعطوف على الوصول بما ليس من صلته. وقد تقدم هذا. ومن ذلك قوله: (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) «٣» . ويجوز أن يكون من صلة «تتفكرون» . وقيل في قوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً) «٤» . قيل: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: إنه كان فاحشة إلا ما قد سلف، فصار فاحشة بعد نزول الفاحشة. وقيل: إنها نزلت في قوم كانوا يخلفون الآباء على نسائهم، فجاء الإسلام بتحريم ذلك، وعفا عما كان منهم في الجاهلية أن يؤاخذوا به إذا اجتنبوه فى الإسلام. وقيل: التقدير: ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم، ف «ما» مصدرية، و «من» صلة «تنكحوا» . وقيل: الاستثناء منقطع، أي: لكن ما قد سلف في الجاهلية، وإنه معفو عنه.

стр. 710

ومن ذلك قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) «١» . قالوا: فيه قولان: أحدهما: «ما» بمعنى: «من» ، وهو قبيح. والآخر: أن تكون صفة «كل» ، والفصل لا يمنع كما لم يمنع (أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) «٢» و (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) «٣» و (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً) «٤» وأما قوله: (ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) «٥» . لا يكون الباء من صلة «قلته» ، لأنه لا يتقدم على الشرط ما في حيزه، ولا يكون للقسم، لأنه لا لام مع «إن» ، ولا مع «قد» والقسم يوجب ذلك، نحو: والله لئن تأت لأقومن، فهو من صلة الظرف الذي قبله. ومن ذلك قوله: (وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ) «٦» إلى قوله: (مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) «٧» يجوز في موضع «الحوايا» وجهان: أحدهما: إنه رفع، عطف على «الظهور» ، بتقدير: أو ما احتملت الحوايا. والثاني: النصب، / بمعنى العطف على «ما» فى «إلا ما حملت» ، وموضع «ما اختلط» نصب، لأنه معطوف على «ما» الأولى. وقال قوم: حرمت عليهم الثّروب وأحل لهم ما حملت الظهور، فصار قوله (الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ) «٨» نسقا على «ما حرم» لا على الاسم

стр. 711

المعنى على هذا للقول: أو حرمنا عليهم شحومهما، أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم، إلا ما حملت ظهورهما فإنه غير محرم، ودخلت «أو» على طريق الإباحة. ومن ذلك قوله: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ) «١» . قال مجاهد: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: لآتينهم من بين أيديهم وعن أيمانهم حيث ينظرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم من حيث لا ينظرون. وقال أبو علي: أي: أسول لهم تسويلاً وأغويهم إغواء أكون به كالغالب لهم المستولي عليهم، لأن من أوتي من هذه الجهات فقد أحيط به، ومن أحيط به فقد استولى عليه. وقيل: من بين أيديهم أشككهم في أخراهم، ومن خلفهم أرغبهم في دنياهم، وعن أيمانهم، أي: من قبل حسناتهم، وعن شمائلهم: من قبل سيئاتهم. عن ابن عباس. ويقال: لم دخلت «من» فى الخلف والقدام، و «عن» في اليمين والشمائل؟ والجواب: لأن في الخلف والقدام معنى طلب النهاية، وفي اليمين والشمال الانحراف. قال أبو عيسى: لم يقل: «من فوقهم» ، لأن رحمة الله تنزل عليهم من فوقهم ولم يقل: «من تحت أرجلهم» ، لأن الإتيان منه موحش.

стр. 712

ومن ذلك قوله: (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ) «١» . قال ابن عباس: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، وإن كان موجزاً في اللفظ. وقيل: هو على حذف المضاف، أي: يعذبهم بمصائبها التي تصيبهم وقيل: بزكاتها وقيل: بغنيمتها وسبي الأولاد، لأنه قيل: «الهاء» للأولاد، لقوله: (انْفَضُّوا إِلَيْها) «٢» . وقيل: يعذبهم الله بجمعها والبخل بها. ومن ذلك قوله: (إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي) «٣» إلى قوله: (لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ) «٤» . اللام من صلة «أسكنت» وهو في نية التقديم، والفصل بالنداء غير معتد به. (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ) «٥» . فإنه في المعنى في نية التقديم والتأخير، والتقدير: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر. ولكنه يمنع من ذلك شيء، وهو «من قبل» لأنه لا يعمل فيما بعده إذا تم الكلام قبله، ولكنه يحمله على مضمر دل عليه الظاهر، أي: أرسلناهم بالبينات. ومن ذلك قوله تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) «٦» ، جوز: إما أن يكون «يوم نطوي» منصوبا ب «نعيده» ، أو بدل من الهاء في (كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) «٧» ، ولم يجز أن يكون منصوبا ب «هذا يومكم» «٨» كقوله:

стр. 713

أيام فارس والأيام من هجرا «١» لأنه اليوم بعينه، ولا معنى لفعل فيه. ومن ذلك قوله: (حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ) «٢» ، و (حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ) «٣» . العامل فى «إذا» (إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ) «٤» و (إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ) «٥» الفعل والفاعل، و «إذا» للمفاجأة، وهو الناصب للجار والمجرور، أعنى: حتى إذا فتحنا، و: حتى إذا أخذنا، كما تقول: يوم الجمعة عندك زيد، ولا تنصب «إذا» الأولى بما بعد «إذا» الثانية، لأن الثانية كالفاء، فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها. ومن ذلك قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) «٦» . إن جعلت «ما» استفهاما كان مفعولا مقدما لقوله «يدعون» ، عن الخليل، لمجى «من» بعده، وإن جعلته بمعنى «الذي» ، كان منصوبا ب «يعلم» ، أي: أعلم الذين تدعونه فلا تعلم ما أخفى لهم من قرة أعين، فيكون استفهاما، ويكون موصولا. وأما قوله: (ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) «٧» يكون حالا من الضمير فى «دعاكم» . ولا يتعلق ب «تحرجون» لأن ما لا في حيّز المضاف لا يتقدم عليه. ومن ذلك قوله: (فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ) «٨» . التقدير: فأنى لهم ذكراهم إذا جاءتهم الساعة. وهو قول أبى الحسن. يدل عليه قوله: (أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى) «٩»

стр. 714

فى الأخرى، وفيما ذكر من وصف هذا اليوم، فى نحو قوله: (يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ) «١» . وقوله: (يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً) «٢» ونحوها من الآي المتضمّنة صعوبة الأمر دلالة على التذكّر لا يكون فيه، لما يدهم الناس ويغشاهم. ومن ذلك قوله: (وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ) «٣» . أي: فبشّرناها/ بإسحاق فضحكت. ومنه قوله: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى) «٤» . «أجل» معطوف على «كلمة» فى نية التقديم. ومنه قوله: (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها) «٥» . أي: فعقروها فكذبوه. ومن ذلك قوله: (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى) «٦» أي: تدلّى فدنا. وقيل: قرب من الأفق إلى سماء الدنيا فتدلّى إلى الأرض، وكل من استرسل من علو إلى سفل فقد تدلى، تشبيها بإرسال الدّلو في البئر. ومن ذلك قوله: (فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ) «٧» . إن جعلت «ما» صلة تعلق قوله «فى أي صورة» ب «ركبك» ، و «شاء» صفة للصورة، أي: شاءها، ولا يكون «ما» شرطا. وإن تعلق الجار ب «ركبك» . لأنك تقول «زيدا إن تضرب اضرب، فتنصب ب «أضرب» . وقيل: «فى» بمعنى «إلى» . فيتعلق ب (فَعَدَلَكَ) «٨» ، أي: عدلك إلى أي صورة، أي: صرفك.

стр. 715

وأما قوله: (لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا) «١» أولى أن الفعل من غير فصل، وليس هذا كقوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) «٢» ، لأن «ليس» ليست لها قوة الفعل، ولكنه يكون «لا» المركبة مع «لو» عوضاً من الفصل، وإن تقدمت، كما كان عوضاً من التوكيد في قوله: (ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا) «٣» ، وإن كانت بعد حرف العطف زائدة عن موضع التوكيد في الحاشية. قال عثمان: راجعته في هذا فقلت: ولم جعلت «أن» مخففة من الثقيلة، وما أنكرت أن تكون هي الخفيفة الناصبة للفعل؟ فتفكر ملياً ثم جوزه. ومن التقديم والتأخير قول الكوفيين: نعم زيد رجلا. واستدلوا ب (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) «٤» . قال: وقد يكون التقدير على غير ما قالوا، لأن «نعم» غير متصرف. ومن ذلك: (حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ) «٥» إلى قوله: (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) «٦» هو جواب القسم. فأما قوله: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ) «٧» اعتراض ليس بجواب، لأنه صفة القرآن، وليس من عادتهم أن يقسموا بنفس الشيء إذا أخبروا عنه، فهو معترض بين القسم وجوابه.

стр. 716

ومن ذلك قول الفراء في قوله: (فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً) «١» قال: وعذبناها في الدنيا وحاسبناها في الآخرة وأما قوله: (وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) «٢» فإن الجار يجوز تعلقه بشيئين: بالأخذ والعزة فإن علقته ب «الأخذ» كان المعنى: أخذه بما يؤثم، أي: أخذه بما يكسبه ذلك. والمعنى، أنه للعزة يرتكب ما لا ينبغي أن يرتكبه بما يؤثمه. وكأن العزة حملته على ذلك وقلة الخشوع. وقد يكون المعنى الاعتزاز بالإثم، أي: مما يعتز بإثمه فيبعده مما يرضاه الله. ومن ذلك قوله: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ) «٣» . قال أبو الحسن: عني به الشياطين. وقوله: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) «٤» ، عني به الناس. الطبري: هذا المخالف لقول جميع أهل التأويل، لأنهم مجمعون أن قوله (وَلَقَدْ عَلِمُوا) «٥» يعني به اليهود دون الشياطين، وهو خلاف ما دل عليه التنزيل، لأن الآيات قبل قوله وبعد قوله: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) «٦» جاءت بذم اليهود، فقوله (لَمَنِ اشْتَراهُ) «٧» مثله، ومعناه التقديم، والتقدير: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون. ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق. وقال بعضهم: نفي عنهم العلم بعد أن أثبته لهم لأنهم علموا ولم يعلموا.

стр. 717

ومن ذلك قوله: (وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) «١» . أي: وادعوا شهداءكم، ولن تفعلوا، واتقوا النار. ومن هذا الباب عندى دون سائر النحويين: قوله: (أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) «٢» . وقوله: (إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) «٣» . وقوله: (أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ) «٤» ف «إذا» فى هذه الآي محمول على ما بعد «إن» ، وجاز ذا لأنه ظرف. وقد تصالح الأستاذ والغلام «٥» على أن الظرف يعمل فيه الوهم ورائحة الفعل، وحكى عنه ذلك في مواضع، ولكنهم تعاضدوا في هذه الآي وأجمعوا أن ذا محمول على مضمر دون ما بعد «إن» . وقد قال «٦» سيبويه في ذلك: وسألت الخليل عن قوله: أحقا إنك لذاهب؟ فقال: لا يجوز كما لا يجوز: يوم الجمعة إنه لذاهب. قال أبو سعيد: لأن «أحقا» ، و «يوم الجمعة» في مذهب الظرف، ولا يجوز نصبهما بعد «إن» لأنه لا يعمل فيما قبل «إن» ما بعدها، وإنما تنصبها كما تنصب «خلفك زيد» ، ولا يجوز: «خلفك إن زيدا ذاهب» ، وإنما يقال: خلفك زيد ذاهب، كما تقول: خلفك ذهاب زيد، فإذا لم يجز: خلفك إن زيدا: ذاهب. فقولك: خلفك إن زيدا لقائم، أبعد في الجواز، لمنع اللام من اتصال ما قبلها بما بعدها، ولا يجوز أيضا: أحقا إنه لذاهب، صح بفتح «أن» مع اللام، لأن «اللام» يوجب أن ما بعدها جملة مستأنفة.

стр. 718

وهذا الفصل نقله أبو علىّ بهذا اللفظ من كلام أبى سعيد، وجروا عن آخرهم على هذا، ونسى أبو علىّ هذا الفصل في قوله: ولو شهدت أم القديد طعاننا ... بمرعش خيل الإرمنى أرنّت «١» فى كلام طويل حكاه عن أبى علىّ، وأن «خيل الإرمنى» منصوب ب «طعاننا» ، و «الباء» متعلق بمحذوف حالا من «نا» فى «طعاننا» ، أو من نفس المصدر، والفصل به كلا فصل، لأنه ظرف. وقال في بعض كلامه: (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ) «٢» . قال «٣» فى بعض المواضع: قياس قول سيبويه أنه يكون انتصاب «جميعا» كانتصاب «أرخص» ، فى قولهم: البر أرخص ما يكون قفيزان. ويجعل «الأرض» «القبضة» على الاتساع، فلا يحمله على حذف المضاف، أي: ذات قبضته، لأن ما يتعلق بالمضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، إلا أن يحمل الكلام على المعنى، لأن المعنى: ذات قبضته متذللة منقادة، فيكون كقوله: (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ) «٤» ويجوز أن يكون «الأرض» مرتفعا بالابتداء، و «قبضته» مبتدأ ثان، لأن القبضة ليست بالأرض، و «جميعا» منتصب، ب «إذا يكون» ، كأنه: والأرض قبضته إذا يكون جميعا ف «إذا» خبر عن القبضة لأنه مصدر، وقدم خبر المبتدأ، مثل قولك: ويوم الجمعة القتال. وقال في «التذكرة» : لا يجوز أن يكون «جميعا» منصوبا على تقدير: إذا

стр. 719

كانت جميعا، لأن «إذا» تبقى غير متعلقة بشيء لأن القبضة مصدر، فلا تعمل فيما قبلها، ولكنه على أن تجعل المصدر، يعني «المفعول» ، أي: المقبوض، والمفعول ينصب ما قبله، وإن لم يعمل المصدر فيما قبله. «ومثل القبضة» : «القسمة» في نحو قوله: (وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى) «١» ، لقوله: (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) «٢» ، أي: من المقسوم، لأن الرزق لا يكون [القسمة] «٣» . هذا كلامه في هذه الآية. وقال في الظرف في قوله: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ) «٤» : إنه متعلق بمعنى «إله» ، كقوله: «كل يوم لك ثوب» ، ولم يلتفت إلى معنى: إله ذو العبادة، وأن المتعلق بالمضاف إليه لا يتقدم على المضاف. ولعله جعله بمعنى «مألوه» من أن «القبض» بمعنى «المقبوض» . فإن راجعنا درس «الكتاب» وحضرتنا نكتة تدفع الفصل أخبرناك بها إن شاء الله. وقد بلغ من أمرهم ما هو أشد من هذا، فقالوا: لا يجوز: زيداً ما ضربت، على تقدير: ما ضربت زيداً، لأنه نقيض قولهم: إن زيداً قائم: فتقول: ما زيد قائم، ألا ترى أن «ما» يكون جواباً للقسم في النفي كما يكون جواباً في الإيجاب فلما صارت بمنزلة «إن» لم يعمل ما بعدها فيما قبلها. ثم إنهم قالوا في قوله: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ) «٥» : ويجوز أن تكون، ما «نافية» ، و «قليلا» نصب ب «يهجعون» ، لأنه ظرف، والظرف يكتفى فيه برائحة الفعل، أي: ما كانوا يهجعون من الليل. فقد حصل من هذا كله أن الحارثي يسوي بين الظرف وبين الاسم

стр. 720

المحض فلا يعمل ما بعد «إن» فيما قبل «إن» ، سواء كان ظرفاً أو اسماً محضا، فعلى هذا قوله: (يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) «١» ، لا يتأتى إعمال قوله «في شأن» في قوله: «كل يوم» على قول الحارثي، وإن كان ظرفاً، لأن الظرف والاسم الصريح عنده سيان، فجاء من هذا أن قوله: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) «٢» كقولهم: زيداً أجله أحرز، فتنصب «زيدا» ب «أحرز» ، للفصل بين المعمول والعامل بالمبتدأ، وهو أجنبي، وكما لا يجوز: زيداً أجله أحرز، وجب ألا يجوز «كل يوم هو في شأن» أن تنصب «كل» ب «في شأن» . لأنه مثل «أجله» في المسألة، فلهذا اضطرب كلام الأستاذ وغلامه فيما أنبأناك به. والله أعلم. وأما قوله: (وَثَمُودَ فَما أَبْقى) «٣» فتحمله على مضمر، أو على قوله: (أَهْلَكَ عاداً الْأُولى) «٤» ، لا تحمله على «أبقى» . ومثل الآي المتقدم ذكرها: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) «٥» لا تحمله على قوله «إنا منتقمون» لما ذكرنا، وإنما تحمله على مضمر. وأما قوله: رأسها ما تقنع فالنصب على أن يكون مفعول «تقنع» على هذه القاعدة خطأ، والصحيح رواية من رواه بالرفع على تقدير: ورأسها ما تقنعه، فحذف الهاء. كقراءة ابن عامر: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى) «٦» أي: وعده الله. ومن ذلك قوله: (لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ) «٧» «فبصائر» حال من «هؤلاء» ، وقد أخّره عن الاستثناء.

стр. 721

وهم يقولون: ما قبل «إلا» لا يعمل فيما بعده، إذا كان الكلام تاما. وحدثتك غير مرة ما زعم أن «بادئ الرأى» محمول على الظرف، لأن الظرف يعمل فيه الوهم. فربما يقول هنا: إن الحال يشبه الظرف. وقد بيّنا شبهه بالظرف فيما سلف. ومن التقديم والتأخير قوله: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ) «١» ، تقديره: ثم صرفكم عنهم ليبتليكم وليبتلى الله ما في صدوركم، فيكون كقوله: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) «٢» ، وقوله: (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) «٣» . هذا كله على أفعال مضمرة. قد ذكرناه في حذف الجمل ولم نحكم بزيادة الواو. ومن ذلك قوله تعالى: (لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) «٤» . والتقدير: إلى أجل مسمى إلى البيت العتيق، ثم محلها، ف «إلى» الأولى تتعلق بالظرف، أعنى: «لكم» و «إلى» الثانية متعلقة بمحذوف فى موضع الحال «من منافع» ، أو من الضمير، أي: واصلة إلى البيت العتيق، «ثم محلها» ، أي: محل نحرها. قال مجاهد: ثم محل البدن والهدايا إلى البيت العتيق إلى أرض الحرم، فعلى هذا لا تقديم ولا تأخير. وقيل: معناه: ثم محلكم أيها الناس من مناسك حجكم. وعن أبى موسى: محل هذه الشعائر كلها الطواف بالبيت. وقيل: ثم محلها منافع أيام الحج إلى البيت العتيق بانقضائها. روى ذلك ابن وهب.

стр. 722

عن ابن زيد: محلها حتى تنقضى تلك الأيام، يعنى أيام الحج إلى البيت العتيق. ومقتضى هذه الأقاويل غير ما قدمنا أن يكون قوله: «إلى البيت» متعلقا بخبر المبتدأ، أي: محلها منتهى إلى البيت، أو يكون «إلى» زيادة، ولم نعلمها جاءت زيادة في موضع. والله أعلم. ومن ذلك ما قاله الجرجاني «١» فى قوله تعالى (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا) «٢» . قال: التقدير: والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وفرحوا بالحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع، أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار، وقوله تعالى (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ) «٣» عارض بين الكلام وتمامه. والصواب أنه يكون: إنه لما بسط الله الرزق لقوم فرحوا بهذا البسط، أي: حملهم على المرح، وهو كثير. وأنشد سيبويه: وما مثله في النّاس إلا مملّكا ... أبو أمه حىّ أبوه يقاربه «٤» تقديره: وما مثله في الناس حىّ يقاربه إلا مملكا أبوه، وذلك أن الفرزدق مدح هشام بن إسماعيل المخزومي، فقال: وما مثله- أي هشام المخزومي- فى الناس حى يقاربه إلا مملكا- يعنى هشام بن عبد الملك- أبو أمه- أي: أبو أمه هذا الخليفة هشام بن عبد الملك- أبو هشام بن إسماعيل المخزومي، وذلك أن إسماعيل أب المخزومي جد الخليفة هشام بن عبد الملك من قبل أمه، وأمه عائشة بنت هشام بن إسماعيل المخزومي،

стр. 723

فهشام الممدوح خال هشام الخليفة، وأبو أم الخليفة أبو الممدوح، ف «حي» اسم «ما» ، و «يقاربه» صفته، وفصل بين الصفة والموصوف بخبر المبتدأ، وهو «أبو أمه» مع خبره في موضع النصب ل «مملك» ، وقدم المستثنى وهو «مملكاً» على المستثنى منه وهو «حي» ، وأنشدوا للقلاخ: وما من فتى كنا من الناس واحداً ... به نبتغي منهم عميدا ًنبادله قال البياني «١» : هذا كلام مستكره، وتلخيصه: فما كان أريب فتى، وذلك من شرط المرتبة. والفصل بينهما وبين المدح، أعني إدخال كان فيها، فحذفها واكتفى منها بقوله «كنا» ، و «من» لغو، كقولك: ما رأيت أحداً، وما رأيت من أحد كنا من الناس واحداً، أي: كنا نبغي عميداً أو أحداً من الناس نبادله به. والمعنى: لا أحد أفتى وأسود نتمناه مكانه. والقلاخ بن حزن بن جناب العنبري، نصري، عمر عمراً طويلاً في الإسلام، والقلاخ مأخوذ من «القلخ» ، وهو رغاء من البعير فيه غلظ وخشونة، وأحسبه لقباً. والله أعلم. وله مع معاوية بن أبي سفيان خبر يذكر فيه أنه ولد قبل مولد النبي صلى الله عليه وعلى آله. قال عثمان: في البيت فيه أشياء في التقديم والتأخير، وذلك أنه أراد: فما من الناس فتى كنا نبتغي منهم واحداً عميداً نبادله به. ولا يحسن أن يكون «واحداً» صفة ل «عميد» من حيث لم يجز أن تقوم الصفة على موصوفها، اللهم إلا أن يعتقد تقديمه عليه، على أن

стр. 724

يجعله حالاً منه، فقوله «من الناس» خبر من «فتى» ، وقد فصل بينهما ببعض صفة الفتى، وهو قوله «كنا» ، ويجوز أن «من الناس» صفة أيضاً ل «فتى» على أن يكون خبر «فتى» محذوفاً «أي «ما في الوجود أمر في المعلوم أو نحو ذلك: فتى من أمره ومن شأنه. ويجوز أن يكون نصب «واحدا» ب «ينبغى» ، و «عميدا» وصف له، وقدم «واحداً» وهو مفعول «ينبغي» عليه، وقدم «به» وهو متعلقه بقوله «نبادله» ، وهو صفة ل «عميد» هي. ولا يجوز تقديم «ما» فى الصفة على موصوفها، لو قلت: عندي زيداً رجل ضارب، وأنت تريد: عندي ضارب زيداً، لم يجز، وذلك أنه إنما يجوز وقوع المعمول بحيث يجوز وقوع العامل، والعامل هنا هو الصفة، ومحال تقديمها على موصوفها، فإذا لم يجز ذلك أضمرت «للناس» مما يتعلق به مما يدل عليه. قوله «نبادله» ، هنا بمعنى نبدله، وقع فاعل موقع أفعل، كقولهم: عافاه الله، أي أعفاه، وطارقت النعل، أي أطرقتها، وجعلت لها طرقاً. ويجوز أن يكون «به» متعلقة ب «نبتغي» ، كقولك. طلبت بهذا الثوب مائة درهم، وأردت فيما بعت، نبادله به، فحذفت الثانية لمجيء لفظة الأولى.

стр. 725

الباب الثامن والثلاثون هذا باب ما جاء في التنزيل من اسم الفاعل الذي يتوهم فيه جريه على غير من هو له، ولم يبرز فيه الضمير، وربما احتج به الكوفي، ونحن لا نجيز ذلك لأنا نقول: أن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له خبراً أو صفة أو حالاً أو صلة وجب إبراز الضمير فيه فمن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها) «١» . فقوله «خالدين» حال من المجرور ب «على» ، أي: أولئك عليهم لعنة الله خالدين فيها، فقد جرى على غير من هو له، فلم يبرز فيه الضمير. ومن قال: إنه حال من «اللعنة» لمكان الكناية المتصلة به وهو «فيها» لم يصح، لأنه حينئذ جرى على اللعنة والفعل لغيرها، فوجب أن يبرز فيه الضمير، وكان يجيء: خالدين فيها هم. ومثله: (أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها) «٢» ، هو على هذا الخلاف. ومثله: (يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها) «٣» ، لا يكون «خالداً فيها» صفة للنار، لأنه لم يقل: خالداً فيها هو، وإنما حال من الهاء في «يدخله» ، أي: يدخله ناراً مقدراً الخلود فيها، كما قال: (فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها) ، «٤» أي: مقدراً الضحك من قولها.

стр. 726

وأما قوله: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها) «١» لا يكون «خالداً» حالاً من الهاء في «جزاؤه» لأنه أخبر عن المصدر بقوله «جهنم» ، فيكون الفصل بين الصلة والموصول، ولا يكون حالاً من «جهنم» لمكان «فيها» ، لأنه لم يبرز الضمير، ألا ترى أن الخلود ليس فعل «جهنم» ، فإذا هو محمول على مضمر، أي: يجزاه خالداً فيها. ونظيره في «الحديد» : (بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) «٢» . وقال: (جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) «٣» . قال أبو علي: بشراكم اليوم جنات، أي: حلول جنات، أو: دخول جنات لأن البشرى حدث، والجنة عين، ولا تكون هي هي، وإذا كان كذلك لم تخل «خالدين» من أن تكون حالاً من «بشراكم» ، أو من المصدر المحذوف في اللفظ المراد في المعنى، فلا يجوز أن يكون من «بشراكم» على معنى: تبشرون خالدين، لئلا يفصل بين الصلة والموصول فإذا كان كذلك قدرت الحال من «الدخول» المحذوف من اللفظ المثبت في التقدير، ليكون المعنى عليه، كأنه: دخول جنات خالدين، أي: مقدرين الخلود مستقبلاً، كقوله: (فَادْخُلُوها خالِدِينَ) «٤» . فإن قلت: فهل يجوز أن يكون الحال مما دل عليه البشرى، كما كان الظرف متعلقاً بما دل عليه المصدر، في قوله تعالى: (إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ) «٥» كأنهم يبشرون خالدين فالقول: إن ذلك لا يمتنع

стр. 727

فيما ذكرت من الظرف، إذ كان الظرف أسهل من الحال، ألا ترى أن الحال هو المفعول به في المعنى، فلا يحسن أن يعمل فيه ما لا يعمل في المفعول به، ومن ثم اختلفا في امتناع تقديم الحال إذا كان العامل فيها بمعنى، ولم يمتنع ذلك في الظرف وقد جعلنا الظرف متعلقاً «بالبشرى» وإن لم تقدره كذلك، ولكن إن جعلت الظرف خبراً جاز ذلك، ويكون «جنات» بدلاً من «البشرى» ، على أن حذف المصدر المضاف مقدر، ويكون «خالدين» على الوجهين اللذين تقدم ذكرهما. ومثله في «التغابن» : (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) «١» . «خالدين» حال من الهاء العائدة إلى «من» ، وحمل على المعنى فجمع. ومثله في «الطلاق» : (خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً) «٢» . وفي «التوبة» موضعان: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) «٣» ، وبعده: (وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) «٤» . وفي «آل عمران» : (الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا) «٥» . وفي «النساء» : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) «٦»

стр. 728

وفي «المائدة» : (فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) «١» . «خالدين» حال من المفعول دون جنات. وفي «التوبة» : (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً) «٢» . فهذا ونحوه على الخلاف الذي قدمناه. قال: (أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) «٣» . ف «ماكثين» «٤» حال من الهاء والميم، وعندهم صفة ل «الأجر» . فأما قوله: (إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ) «٥» ، أي: ما الماء ببالغ فيه. وإن شئت: ما فوه ببالغ الماء ولا يكون: وما فوه ببالغه الماء، ويكون الضميران ل «فيه» ، وفاعل «بالغ الماء» لأنه يكون جارياً على «فيه» وهو للماء، والمعنى: إلا كاستجابة كفيه إلى الماء، وكما أن (بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ) «٦» و (مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ) «٧» لم يذكر معهما الفاعل، واللام متعلق ب «البسط» . فأما قوله: (وَما هُوَ بِبالِغِهِ) ، أي: ما الماء بالغ فاه من كفيه مبسوطتين. ويمكن أن يكون «هو» في قوله: «وما هو ببالغه» ضميراً ل «باسط» ، أي: ما الباسط/ كفّيه إلى الما بالبالغ الماء، أي: ليس ينال الماء بيده،

стр. 729

فإذا لم ينل الماء لبعده عنه مع بسطه الكفين، فأن لا يبلغ فاه، مع هذه الصورة على الامتناع، أولى. وقيل: إن الذي يدعو الماء ليبلغ إلى فيه، وما الماء ببالغ إليه. وقيل: إنه كالظمآن يرى خياله في الماء، وقد بسط كفيه ليبلغ فاه، وما هو ببالغه، لكذب ظنه وفساد توهمه. عن ابن عباس. وقيل: إنه كباسط كفيه إلى الماء ليفيض عليه، فلا يحصل في كفيه شيء منه. وعن الفراء: إن المراد بالماء هاهنا البئر، لأنها معدن للماء، وإن المثل: كمن مدّيده إلى البئر بغير رشاء. وأما قوله تعالى: (فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) «١» . فقد قال الفراء: إن «خاضعين» جرى حالاً عن المضاف إليهم دون الأعناق، فجمع جمع السلامة، ولو جرى على «الأعناق» لقيل: خاضعة. وليس الأمر كما قال لأنه لم يقل: خاضعين هم، ولكن الأعناق بمعنى الرؤساء. وإن شئت كان محمولاً على حذف المضاف، أي: فظلت أصحاب أعناقهم، فحذف المضاف. وأما قوله: (إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) «٢» . فهو نصب على الحال من الضمير في قوله: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ) «٣» ولم يجر وصفاً ل «طعام» ، لأنه لم يقل: غير ناظرين أنتم إناه، إذ ليس فعلا ل «طعام» .

стр. 730

الباب التاسع والثلاثون هذا باب ما جاء في التنزيل نصباً على المدح ورفعاً عليه وذلك إذا جرى صفات شتى على موصوف واحد، يجوز لك قطع بعضها عن بعض، فترفعه على المدح أو تنصبه، وكذلك في الشتم تقول: مررت بالرجل الفاضل الأديب الأريب، وبالرجل الفاسق الخبيث اللئيم. يجوز لك أن تتبعها الأول، وأن تنصب على المدح، وترفع. فمن ذلك قوله تعالى: (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) «١» ، إلى قوله: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ) «٢» . والتقدير: هم الموفون. (وَالصَّابِرِينَ) أي: أمدح الصابرين. وقيل: إن قوله «والموفون» رفع عطف على «من آمن» . ومن ذلك/ قوله تعالى: (لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ) «٣» . أي: وامدح المقيمين. (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ) «٤» . أي: وهم المؤتون، وكذلك: (وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) «٥» . وقيل إن قوله: «والمقيمين» جر وعطف على قوله: «منهم» وهذا خطأ، لأنه لم يعد لفظة «من» . وأما قوله: (ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ) «٦» ، فنصب على الذم، أي: أذم الملعونين.

стр. 731

وقيل: هو حال من الضمير في (لَنُغْرِيَنَّكَ) ، «١» أي: لنغرينك بهم ملعونين. ومن ذلك قوله تعالى: (سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) «٢» . فيمن نصب على تقدير: أذم حمالة الحطب، فيكون قوله: «وامرأته» رفعاً عطفاً على الضمير في «يصلى» ، أي: يصلى هو وامرأته. وأما من رفع «حمالة الحطب» فيكون «وامرأته» مبتدأة، ويكون «حمالة الحطب» خبره. وإن رفعته بالعطف كان التقدير: هي حمالة الحطب، وكل ما ذكرنا فى «الذي» و «الذين» : إذا جاز كونهما وصفاً لما قبلهما، فإن نصبهما ورفعهما على المدح جائز. وأما قوله تعالى: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ) ، «٣» فقد يكون من هذا الباب، وقد يكون جراً جرياً على قوله: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ.... الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا ... الصَّابِرِينَ) «٤» . ومن ذلك قوله: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ) «٥» ، أي: أذمهم. وأما قوله: (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ) «٦» فيكون على الذم، ويكون على الحال من (الْمُعَوِّقِينَ) ، «٧» أي: يعوقون هاهنا عند القتال ويشحون عن الإنفاق على فقراء المسلمين. وإن شئت من (وَالْقائِلِينَ) «٨» وإن شئت (وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا) ، «٩» ويكون على الذم.

стр. 732

الباب المتم الأربعين هذا باب ما جاء في التنزيل من المبتدأ المحذوف خبره فمن ذلك قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) ، «١» والتقدير: فيما يتلى عليكم شهر رمضان. ويكون قوله: (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ نعتاً. وقيل: بل هو الخبر. وقيل: بل الخبر قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ) ، «٢» أي: فمن شهده منكم. وجاز دخول الفاء لكون المبتدأ موصوفاً بالموصول، والصفة جزء من الموصوف، وكان المبتدأ هو الموصول. ومثله قوله: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) «٣» . لما وصف اسم «إن» بالموصول أدخل الفاء في الخبر كما دخل في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ) «٤» . وكما قال: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ) «٥» ، ثم قال: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) «٦» ، لأن المبتدأ الموصول والنكرة الموصوفة يدخل «الفاء» في خبرهما. وقال الأخفش: بل الفاء في قوله: (فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ) «٧» زائدة، فعلى قياس قوله هنا تكون زائدة.

стр. 733

ويجوز أن يكون قوله «الذي تفرون» خبر «إن» ، كأنه قال: الموت هو الذي تفرون منه، نحو القتل أو الحرب، ويكون الفاء في «فإنه ملاقيكم» للعطف. ومن ذلك قوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) «١» ، أي: فيما يتلى عليكم. ومن ذلك أيضاً: (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ) «٢» ، أي: فيما يتلى عليكم. ويجوز أن يقال: وإنما رفع قوله «واللذان» ولم ينصبه. وقال فى «الكتاب» «٣» : «اللّذين يأتيانك فاضربهما» لأن الاختيار النصب، لأن الذي في «الكتاب» يراد بهما معينان، والفاء زائدة، فهو بمنزلة: زيداً فاضرب. وفي الآية لا يراد بهما معينان، بل كل من أتى بالفاحشة داخل تحتها. فقوله: (فَآذُوهُما) «٤» في موضع الخبر، والفاء للجزاء في الآية، وفي المسألة الفاء زائدة. وقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما) «٥» . وقال: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) «٦» أي: فيما يتلى عليكم: فأما قوله: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) «٧» فهو على القياس المتقدم، أي: فيما يتلى عليكم.

стр. 734

وقال أبو إسحاق: التقدير صفة الجنة التي وعد المتقون، وليس بصحيح، لأن اللغة لا تساعد عليه، ولأن موضوعه التشابه، ولا معنى للوصفية في شيء من تصاريفه، وكيف يصح. ومن جهة المعنى أيضا: إنه ولو قال قائل: صفة الجنة فيها أنهار، لكان كلاماً غير مستقيم، لأن الأنهار في الجنة لا في صفتها وأيضاً فقد أنث ضمير «المثل» حملاً على الصفة، وهذا أيضاً بعيد. وقول الفراء أيضاً من أن الخبر جعل عن المضاف إليه، وهو الجنة، دون المضاف، الذي هو «مثل» ، فباطل أيضاً لأنا لم نر اسماً يبدأ به ولم يخبر عنه البتة، وكذا من قال: «المثل» يقحم، أي: يلغى، لأن الاسم لا يكون زائداً، إنما يزاد الحرف، فكذلك قول الزجاج، لأنه إن أراد بالمثل الصفة، فقوله: «صفة الجنة جنة» فاسد، لأن الجنة ليست بالصفة، والزيادة شيء يقوله الكوفيون في: مثل، واسم، ويعلم، ويكاد، ويقول: هذه الأربعة تأتي في الكلام زيادة، ونحن لا نقول بذلك. وأما قوله: (الَّذِي خَلَقَنِي) ، «١» إن جعلته مبتدأ، فقوله: (فَهُوَ يَهْدِينِ) «٢» خبره وما، بعده معطوف على «الذي» ، والتقدير: هو يطعمني ويسقينى، إلى قوله: (بِالصَّالِحِينَ) «٣» محذوف الخبر، أي: فهو يهديني، كما تقول: زيد قائم، وبكر وخالد. ومن ذلك قوله تعالى: (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) «٤» ، أي: البر والتقوى أولى، فحذف الخبر.

стр. 735

وأما قوله: (وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) ، «١» فيمن لم ينون، فيجوز أن يكون «عزير» مبتدأ، و «ابن» صفة، والخبر مضمر، أي: قالت اليهود عزير ابن الله معبودهم. ويجوز أن يكون حذف التنوين لالتقاء الساكنين، ويكون «ابن» خبراً. ويجوز أن يكون لم يصرف «عزير» ، ومثله: (يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) «٢» فيمن جعل «يدعو» بمعنى «يقول» . وقد تقدم ذلك في المبتدأ. ومثله: (وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) ، «٣» ولم يقل: محطوط عنا، وقد تقدم. ومثله: (طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ) «٤» و: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) «٥» ، وقد تقدم. ومثله قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) «٦» ، والتقدير: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا) إلى قوله: (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) «٧» / والصابئون كذلك، فالتقدير في «والصابئون» ، أي: والصابئون كذلك، فحذف الخبر وفصل بين اسم «إن» بمبتدأ مؤخر تقديراً، وقال: ومن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإنّى وقيّارا بها لغريب «٨»

стр. 736

أي: إني لغريب وإن قياراً كذلك. وقال الله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) «١» أي: رسوله برئ، فحذف الخبر. وقيل: بل هو عطف على الضمير فى «برئ» هو ورسوله. وعند سيبويه: هو محمول على موضع «إن» ، كقوله: (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) «٢» ، فيمن فتح. ومن ذلك قوله تعالى: (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً) «٣» ، ولم يذكر الخبر، والتقدير: كمن كان على ضلالة. وقال: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً) «٤» ، أي: كمن لم يزين له ذلك. وقال: (أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) «٥» ، والتقدير: كمن لا يقام عليه. فحذف الخبر في هذه الآي. وقد أظهر في قوله، (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) «٦» . وأما قوله: (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ) «٧» فيمن خفف، فيكون، أي: يكون من هذا الباب، على تقدير: أمن هو قانت آناء الليل كالجاحد والكافر.

стр. 737

وزعم الفارسي أن التقدير: أمن هو قانت آناء الليل كمن جعل لله أنداداً. ثم قال: واستضعفه أبو الحسن، دون الاستفهام لا يستدل عليه بما قبله وإنما يستدل عليه بما بعده. فقيل: إن ذلك على تقديرك دون تقديرنا، فما تقول في قوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ) «١» ، وقوله: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ) «٢» ، أليس الخبران محذوفين؟ وقوله: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) «٣» . قلت: أيها الفارسي، جواباً: إن سيبويه قال: إن الخبر محذوف، يعني خبر قوله (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ) ، ولم تكن لتذب عن أبي الحسن: أن التقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب، أفأنت تنقذ، بل قدرت حذف الخبر. وزعم أحمد بن يحيى أن من قدر: أمن هو قانت آناء الليل، فهو كالأول. وزعم الفارسي أن هذا ليس/ موضع نداء بل موضع تسوية، ألا تراه قال من بعد: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) «٤» ، وجواب الفارسي تحت قول أحمد هو كالأول، يعني أنه قال- عز من قائل: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) «٥» ، يا من هو قانت آناء الليل أبشر إنك من أصحاب الجنة، فحذف في الثاني لذكره أولاً.

стр. 738

فأما من شدد فقال: «أمن هو قانت» ، فالتقدير: الكافر الجاحد خير أمن هو قانت؟ كقوله: (أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ) «١» ، والتقدير: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار؟ ومن ذلك قوله: (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) «٢» ، قوله «إلا الله» بدل من موضع الجار والمجرور، والخبر مضمر، والتقدير: ما من إله في الوجود إلا الله، كقوله: (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) ، «٣» فليس الرفع محمولاً على الوصف للمجرور، لأن الأكثر في الاستثناء والبدل دون الوصف. وأما قوله تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) «٤» ، ف «الذين يلمزون» مبتدأ، وخبره (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) «٥» . ومن نصب «زيداً مررت به» كان «الذين» منصوباً عنده، ولا يكون (فَيَسْخَرُونَ) «٦» خبره، لأن لمزهم للمطوعين لا يجب عنه سخريتهم بهم، كما أن الإنفاق يجب عنه الأجر في قوله: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ) «٧» إلى قوله: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) «٨» ، وإذا لم يجب عنه كان «فيسخرون» عطفاً على «يلمزون» ، أو على «يجدون» ، وموضع (وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ) «٩» جر تابع ل «المؤمنين» ، أو نصب تابع ل «المطوعين» ، للفصل بين الصلة والموصول، أي: يعينون في إخراج الصدقات لقلتها، ومنه قوله: (فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ) «١٠» ، ومنه قوله: (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ) «١١» ، أي: فله نزل من حميم، وفي الظرف ذكر من الموصوف.

стр. 739

الباب الحادي والأربعون هذا باب ما جاء في التنزيل من «إن» المكسورة المخففة من «إن» وذلك إذا جاءت لزمتها اللام في الخبر، كما أن النافية يلزمها إلا في الخبر. فمن ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) «١» . قال: (وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) «٢» . قال: (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) «٣» . قال: (إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ) «٤» . قال: (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا) «٥» . قال: (وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ) «٦» فاللام هنا ك «إلّا» . كقوله: (إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) «٧» . وقوله: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ) «٨» . وقوله: (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا) «٩» . قال «١٠» سيبويه: ويكون «إن» يبتدأ بما بعدها في معنى اليمين، وفي اليمين، كما قال: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ) «١١» . و (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) «١٢» .

стр. 740

قال: وحدثني من لا أتهم به أنه سمع عربياً يتكلم بمثل قوله: إن زيداً لذاهب، وهي التي في قوله: (وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا) «١» ، وهذه «إن» مخففة من «إن» الشديدة. قال أبو علي: أما «إن» في الآي فالقول فيها أنها مخففة من الثقيلة، وقد دخلت على الفعل مخففة، وامتنعت من الدخول عليه مشددة فالجواب أنها امتنعت من ذلك مثقلة لشبهها بالفعل في إحداثها النصب والرفع، كما يحدثهما الفعل من حيث لم يدخل الفعل على الفعل لم تدخل هي أيضاً عليه، وأصلها أنها حرف تأكيد، وإن كان لها هذا الشبه الذي ذكرنا بالفعل، فإذا خففت زال شبه الفعل عنها، فلم تمتنع من الدخول على الفعل إذ كانت الجمل المخبر بها على وجهين: مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل، وقد تحتاج المركبة من الفعل والفاعل من التأكيد إلى مثل ما تحتاج إليه المركبة من المبتدأ والخبر، فدخلت المخففة على الفعل مؤكدة، إذ كان أصلها التأكيد، وزال المعنى الذي كان امتنع من الدخول على الفعل، وهو شبهها به، ولزوال شبهها بالفعل اختير في الاسم الواقع بعدها الرفع، وجاء أكثر القراءة على ذلك، كقوله: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) «٢» ، و: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ) «٣» ، فمن حيث اختير الرفع في الاسم الواقع بعدها جاز دخولها على الفعل في الآي التي تلوناها أو غيرها. وأما اللام التي تجئ بعدها مخففة فهي لأن تفرق بينها وبين «إن» التي تجئ نافية بمعنى «ما» ، كالتي في قول الله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ
следующие страницы →