← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23585

إعراب القرآن للباقولي - منسوب خطأ للزجاج

أبو الحسن الباقولي

Полный текст (1 085 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أي: إني لغريب وإن قياراً كذلك. وقال الله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) «١» أي: رسوله برئ، فحذف الخبر. وقيل: بل هو عطف على الضمير فى «برئ» هو ورسوله. وعند سيبويه: هو محمول على موضع «إن» ، كقوله: (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) «٢» ، فيمن فتح. ومن ذلك قوله تعالى: (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً) «٣» ، ولم يذكر الخبر، والتقدير: كمن كان على ضلالة. وقال: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً) «٤» ، أي: كمن لم يزين له ذلك. وقال: (أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) «٥» ، والتقدير: كمن لا يقام عليه. فحذف الخبر في هذه الآي. وقد أظهر في قوله، (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ) «٦» . وأما قوله: (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ) «٧» فيمن خفف، فيكون، أي: يكون من هذا الباب، على تقدير: أمن هو قانت آناء الليل كالجاحد والكافر.

стр. 737

وزعم الفارسي أن التقدير: أمن هو قانت آناء الليل كمن جعل لله أنداداً. ثم قال: واستضعفه أبو الحسن، دون الاستفهام لا يستدل عليه بما قبله وإنما يستدل عليه بما بعده. فقيل: إن ذلك على تقديرك دون تقديرنا، فما تقول في قوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ) «١» ، وقوله: (أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ) «٢» ، أليس الخبران محذوفين؟ وقوله: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) «٣» . قلت: أيها الفارسي، جواباً: إن سيبويه قال: إن الخبر محذوف، يعني خبر قوله (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ) ، ولم تكن لتذب عن أبي الحسن: أن التقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب، أفأنت تنقذ، بل قدرت حذف الخبر. وزعم أحمد بن يحيى أن من قدر: أمن هو قانت آناء الليل، فهو كالأول. وزعم الفارسي أن هذا ليس/ موضع نداء بل موضع تسوية، ألا تراه قال من بعد: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) «٤» ، وجواب الفارسي تحت قول أحمد هو كالأول، يعني أنه قال- عز من قائل: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ) «٥» ، يا من هو قانت آناء الليل أبشر إنك من أصحاب الجنة، فحذف في الثاني لذكره أولاً.

стр. 738

فأما من شدد فقال: «أمن هو قانت» ، فالتقدير: الكافر الجاحد خير أمن هو قانت؟ كقوله: (أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ) «١» ، والتقدير: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار؟ ومن ذلك قوله: (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) «٢» ، قوله «إلا الله» بدل من موضع الجار والمجرور، والخبر مضمر، والتقدير: ما من إله في الوجود إلا الله، كقوله: (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) ، «٣» فليس الرفع محمولاً على الوصف للمجرور، لأن الأكثر في الاستثناء والبدل دون الوصف. وأما قوله تعالى: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) «٤» ، ف «الذين يلمزون» مبتدأ، وخبره (سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) «٥» . ومن نصب «زيداً مررت به» كان «الذين» منصوباً عنده، ولا يكون (فَيَسْخَرُونَ) «٦» خبره، لأن لمزهم للمطوعين لا يجب عنه سخريتهم بهم، كما أن الإنفاق يجب عنه الأجر في قوله: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ) «٧» إلى قوله: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) «٨» ، وإذا لم يجب عنه كان «فيسخرون» عطفاً على «يلمزون» ، أو على «يجدون» ، وموضع (وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ) «٩» جر تابع ل «المؤمنين» ، أو نصب تابع ل «المطوعين» ، للفصل بين الصلة والموصول، أي: يعينون في إخراج الصدقات لقلتها، ومنه قوله: (فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ) «١٠» ، ومنه قوله: (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ) «١١» ، أي: فله نزل من حميم، وفي الظرف ذكر من الموصوف.

стр. 739

الباب الحادي والأربعون هذا باب ما جاء في التنزيل من «إن» المكسورة المخففة من «إن» وذلك إذا جاءت لزمتها اللام في الخبر، كما أن النافية يلزمها إلا في الخبر. فمن ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) «١» . قال: (وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) «٢» . قال: (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) «٣» . قال: (إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ) «٤» . قال: (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا) «٥» . قال: (وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ) «٦» فاللام هنا ك «إلّا» . كقوله: (إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ) «٧» . وقوله: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ) «٨» . وقوله: (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا) «٩» . قال «١٠» سيبويه: ويكون «إن» يبتدأ بما بعدها في معنى اليمين، وفي اليمين، كما قال: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ) «١١» . و (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) «١٢» .

стр. 740

قال: وحدثني من لا أتهم به أنه سمع عربياً يتكلم بمثل قوله: إن زيداً لذاهب، وهي التي في قوله: (وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا) «١» ، وهذه «إن» مخففة من «إن» الشديدة. قال أبو علي: أما «إن» في الآي فالقول فيها أنها مخففة من الثقيلة، وقد دخلت على الفعل مخففة، وامتنعت من الدخول عليه مشددة فالجواب أنها امتنعت من ذلك مثقلة لشبهها بالفعل في إحداثها النصب والرفع، كما يحدثهما الفعل من حيث لم يدخل الفعل على الفعل لم تدخل هي أيضاً عليه، وأصلها أنها حرف تأكيد، وإن كان لها هذا الشبه الذي ذكرنا بالفعل، فإذا خففت زال شبه الفعل عنها، فلم تمتنع من الدخول على الفعل إذ كانت الجمل المخبر بها على وجهين: مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل، وقد تحتاج المركبة من الفعل والفاعل من التأكيد إلى مثل ما تحتاج إليه المركبة من المبتدأ والخبر، فدخلت المخففة على الفعل مؤكدة، إذ كان أصلها التأكيد، وزال المعنى الذي كان امتنع من الدخول على الفعل، وهو شبهها به، ولزوال شبهها بالفعل اختير في الاسم الواقع بعدها الرفع، وجاء أكثر القراءة على ذلك، كقوله: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) «٢» ، و: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ) «٣» ، فمن حيث اختير الرفع في الاسم الواقع بعدها جاز دخولها على الفعل في الآي التي تلوناها أو غيرها. وأما اللام التي تجئ بعدها مخففة فهي لأن تفرق بينها وبين «إن» التي تجئ نافية بمعنى «ما» ، كالتي في قول الله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ

стр. 741

مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) «١» وليست هذه اللام التي تدخل على خبر المشددة التي هي الابتداء، لأنه كان حكمها أن تدخل. على «إن» / فأخرت إلى الخبر لئلا يجتمع تأكيدان، إذا كان الخبر هو المبتدأ في المعنى، أو ما هو واقع موقعه وراجع إليه، فهذه اللام لا تدخل إلا على المبتدأ أو على خبر «إن» إذا كان إياه في المعنى أو متعلقاً به، ولا تدخل من الفعل إلا ما كان مضارعاً واقعاً في خبر «إن» وكان فعلاً للحال، فإذا لم تدخل إلا على ما ذكرنا لم يجز أن تكون هذه اللام التي تصحب «إن» الخفيفة إياها، إذ لا يجوز دخول لام الابتداء على الفعل الماضي، وقد وقع بعد «إن» هذا الفعل، نحو: (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا) «٢» و: (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) «٣» . وقد جاءت الأفعال الواقعة بعد «إن» فعملت فيما بعد اللام، ومعلوم أن لام الابتداء التي تدخل في خبر «إن» الشديدة لا يعمل الفعل الذي قبلها فيما بعدها، وذلك قوله: (إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ) «٤» ، وقول القائل: هلبتك أمك إن قتلت لفارساً ... حلت عليك عقوبة المتعمّد «٥» فلما أعمل الفعل فيما بعد هذه اللام علم من ذلك أنها ليست التي تدخل في خبر «إن» الشديدة، وليست هي التي تدخل على الفعل المستقبل، والماضي للقسم، نحو: ليفعلن، أو لتفعلن. ولو كانت تلك للزم الفعل، الذي تدخل عليه «النون» يعني: ليفعلن، الذي تدخل عليه إحدى النونين، فلما لم يلزم النون علم أنها ليست إياها قال الله تعالى: (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا) «٦» و (وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ) «٧» ، فلم يلزم النون.

стр. 742

حكى سيبويه إن هذه النون قد لا تلزم المستقبل في القسم، فيقال: والله لتفعل، وهم يريدون: لتفعلن. قال: إلا أن الأكثر على ألسنتهم ما أعلمتك، يعني من دخول النون، ولا ينبغي أن نقول: إن هذه اللام هي التي في «لتفعلن» فتحمل الآي التي تلوناها على الأقل في الكلام، على أن هذه اللام لو كانت هذه التي ذكرنا أنها للقسم، وتدخل على الفعل المستقبل والماضي، لم تدخل على الأسماء، مثل: (إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ) «١» و «إن قتلت لفارسا» ، لأن تلك تختص بالدخول على الفعل الماضي أو المستقبل المقسم عليه، أو ما يتصل بهما، نحو «إلى» من قوله: (لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ) «٢» . والدليل على ذلك أنها لا تعلق الأفعال الملغاة قبل «إن» إذا وقعت/ في خبرها، كما تعلقها التي تدخل على الأسماء. فقد ثبت بما ذكرنا أن هذه اللام الداخلة على خبر «إن» المخففة التي تدخل في خبر «إن» المشددة، ولا هي التي تدخل على الفعل المستقبل والماضي في القسم، لكنها تلزم «إن» هذه لتفصل بينها وبين التي بمعنى «ما» النافية، ولو أدخلت شيئاً من الأفعال المعلقة على «إن» المكسورة المخففة من الثقيلة، وقد نصبت واللام في خبرها. لم تعلق الفعل قبلها من أجل اللام، كما تعلقه مع لام الابتداء، لأن هذه اللام قد ثبت أنها ليست تلك، فإذا لم تكن تلك لم تعلق الفعل الملغى كما تعلقه لام الابتداء. فهذه حقيقة «إن» هذه المخففة واللام التي تلحق معها عندي، ويدل على أن هذه اللام ليست التي للابتداء أن تلك تدخل على الخبر نفسه التي

стр. 743

لا تسغنى، أو يكون قبل الخبر ويكون الأول في المعنى أو ما يقوم مقام ما هو الأولى في المعنى، أو تدخل على الاسم نفسه إذا فصل بين «إن» واسمها، ولا تدخل على الفضلات وما ليس بالكلام افتقار إليه، كما دخلت هذه في قوله «لفارساً» ونحوه، فلو أدخلت «علمت» على مثل: إن وجدك زيدا لكاذبا، فقلت: علمت إن وجدك زيد لكاذباً. لوجب انفتاح «إن» إذ ليس في الكلام شيء يعلق الفعل عنها، ولم يجب أن يكون في «إن» ضمير القصة من هذه المسألة، كما تقول «أن» في مثل قوله: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ) «١» ضمير، لأن هذا الضمير إنما يكون في «أن» المخففة من «أن» الشديدة، وليست هذه تلك، إنما هي «أن» التي كانت قبل دخول الفعل عليه، «أن» التي لا تمتنع من الدخول على الفعل لزوال العلة التي كانت تمنعها من الدخول عليه، وهي ثقيلة، وكما تقول في حال انكسارها نحو: (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا) «٢» إنه لا ضمير فيه كذلك تقول في حال انفتاحها بعد الفعل: إنه لا ضمير فيها. والوجه أن تقول: إنه لا ضمير فيه، في نحو: (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا) «٣» وإنه دخل على الفعل كما دخل على الاسم، لأنه حرف وضعه للتأكيد، فالصنفان جميعاً يؤكدان، وإنما امتنع من الدخول على الفعل في حال التثقيل لشبهه بالفعل، وكما لم يدخل فعل على فعل كذلك لم تدخل هذه مثقلة عليه، وهذه العلة زائلة عنها في حال التخفيف، فيجب أن تدخل عليها، فإذا قلنا: علمت أن قد وجدك زيد لكاذباً لم تدخل اللام، كما كانت تدخل قبل دخول «علمت» ، ولم يمنع الفعل من فتح «أن» شيء، وارتفعت الحاجة إليها مع دخول «علمت» ، لأن «علمت» يفتحها، إذ لا مانع لها من فتحها، فإذا فتحتها لم تلتبس «بإن» التي ينفي بها، ولولا

стр. 744

فتحها إياها لاحتيج إلى اللام، لأن «علمت» من المواضع التي يقع فيها النفي كما وقع بعد «ظننت» في نحو قوله: (وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) «١» . فلو بقيت «إن» على كسرتها بعد «علمت» للزمتها اللام، وكان ذلك واجباً لتخليصها من النفي، فإذا لم تبق على الكسرة فلا ضرورة إلى اللام، فإن شئت قلت: إذا أدخلت «علمت» عليها حذفت اللام لزوال المعنى الذي كانت اللام اجتلبت له، وإن شئت قلت. أتركها ولا أحذفها، فتكون كالأشياء التي تذكر تأكيداً من غير ضرورة إليه، وذلك كثير في الكلام. فأما قول أبي الحسن: ويدخل على من زعم أن هاهنا ضميراً أن تقول له: كيف تصنع. إلى آخر الباب؟ فذلك من قوله يدل على انه جعل اللام التي في نحو: إن وجدت زيداً لكاذباً، لام ابتداء، وقد بينا فساد ذلك، وكيف يجوز أن تكون هذه لام الابتداء وقد دخلت في نحو قوله: (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) «٢» وليس في هذا الكلام شيء يصلح أن تدخل عليه لام الابتداء البته، ولا يوجد فيها شرطه ووصفه، وقد بينا ذلك، ولا يصلح أن يكون في «إن» هذه ضمير، من حيث ذكرت قبل. وأما قوله تعالى: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) «٣» ، من خفف «إن» ونصب بها «كلا» فهو الذي حكاه سيبويه، ويكون «لما» : ما، صلة فصل بها بين لام «إن» ولام القسم. ومن قال: «وإن كلا لما» فشدد، كان «لما» مصدراً، لقوله: «كلا لما» ، لكنه أجرى الوصل مجرى الوقف.

стр. 745

وأما قوله: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) «١» ، و (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ) «٢» فشدد، وكذلك: (وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا) «٣» ، فشدد قوم، وأما من خفف فسهل سائغ، و «إن» على قراءته هي المخففة من الثقيلة المكسورة الهمزة المعلمة عمل الفعل، وهي إذا خففت لزمتها اللام لتفصلها من النافية وتخلصها منها، ولهذا المعنى جاءت هذه اللام، وقد تكون «ما» صلة. فأما من ثقل فقال «لما» ، قيل: إن «لما» بمنزلة: إلا. قال سيبويه: وسألت الخليل عن قولهم: أقسمت عليك إلا فعلت، ولم فعلت؟ لم جاز هذا في هذا الموضع، وإنما «أقسمت» هاهنا، كقولك: والله؟ فقال: وجه الكلام ب «لتفعلن» هاهنا، ولكنهم أجازوا هذا لأنهم شبهوه ب «نشدتك الله» ، إذ كان فيه معنى الطلب. قال أبو علي: ففي هذا إشارة من سيبويه إلى أنهم استعملوا «لما» حيث يستعملون فيه «إلا» . وقال قطرب: حكاه لنا الثقة، يعني كون «لما» بمعنى «إلا» . وحكى الفراء عن الكسائي أنه قال: لا أعرف جهة التثقيل. وقال الفراء في قوله: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) «٤» الوجه التخفيف، ومن ثقل إن شئت أردت: وإن كل لمن ما جميع، ثم حذفت إحدى الميمات لكثرتها، مثل قوله: طفت علماء «٥» علة حاتم

стр. 746

والوجه الآخر من التثقيل أن تجعلوا «لما» بمنزلة «إلا» مع «إن» خاصة، فتكون في مذهبها. وقال أبو عثمان المازني، فيما حكاه عنه أبو إسحاق: الأصل «لما» فثقل. فهذا ما قيل في تثقيل «لما» من هذه الآي الثلاث، أعني قوله: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ) «١» ، وقوله: (وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا) ، «٢» وقوله: (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ) «٣» . ويجوز أن يتأول على هذا الذي قيل من أن معنى «لما» ك «إلا» على أن يكون «إن» فيها هي النافية، لا يمتنع ذلك في شيء منها. فأما قوله: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) «٤» ، فلا يجوز فيه هذا التأويل ولا يسوغ، ألا ترى أنك لو قلت: إن زيداً إلا لمنطلق، لم يكن لدخول إلا مساغ ولا مجاز. فإن قال: أو ليس قد دخلت «إلا» بين المبتدأ وخبره في المعنى، فيما حكاه سيبويه من قولهم: ليس الطيب إلا المسك، و «إن» مثل «ليس» في دخولها على المبتدأ وخبره؟ قيل. إنه ذكر: أن قوماً يجرون «ليس» مجرى «ما» ، كما أجروها مجراها، فقولهم: ليس الطيب إلا المسك، كقولهم: ما الطيب إلا المسك، ألا تراهم رفعوا المسك كما يرتفع خبر «ما» في نحو ذا، ولم يتأول سيبويه

стр. 747

«ليس» على أن فيه ضمير القصة والحديث، لما كان، لا يرى في هذا التأويل، من إدخال «إلا» بين المبتدأ والخبر، فلا مساغ لتثقيل «لما» في هذه الآية على/ انه يكون بمنزلة «إلا» . فأما ما قاله الفراء من قوله: إن هي لمن ما، ثم حذفت إحدى الميمات لكثرتهن، فلا تخلو «ما» هذه التي قدرها هاهنا من أن تكون زائدة أو موصولة، فلا يسهل أن تكون موصولة، لأن التقدير يكون: لمن الذين هم جميع لدينا محضرون. وقلت: قولي «هم جميع لدينا» صلة «الذين» ، و «الذين» مع صلته بمنزلة اسم واحد في صلة «من» ، و «محضرون» خبر «ما» الذي بمعنى «الذي» ، والاسم وخبره صلة «من» ، فقولك غير جائز، لأن «من» على هذا لم يرجع من صلته إلى شيء، فهذا التقدير في هذه الآية غير متأت. وأما قوله: (وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا) «١» ، فلا يجوز فيه ذلك أيضاً، ألا ترى أنك إن قدرت «ما» زائدة، كان المعنى: وزخرفاً «٢» وإن كل ذلك متاع الحياة الدنيا. و «الزخرف» وما قبله من المذكور لا يكون من في المعنى، فلا يكون من المتاع. فهذا قول ساقط مستكره لانكساره وتجويز مالا يجاز فيه، حيث يوجد لتأويله مجاز، وإن كان غير هذا الوجه من حذف الحرف من «من» ، وحذفه غير سائغ، لأن أقصى أحوالها أن تكون كالمتمكنة، والمتمكنة إذا كانت على حرفين لم تحذف، إنما تحذف من الثلاثة لتصير على حرفين، فإذا بلغ ذلك لم يكن بعده موضع حذف، هذا على «إن» من غير متمكنة، والحذف فيها وفي ضربها غير موجود.

стр. 748

فأما «لدن» فهو على ثلاثة أضرب، وقد قلنا فيه فيما تقدم. وكذلك ما قالوه من قولهم: م الله لأفعلن. قال العجّاج: خالط من سلمى خياشيم وفا موضع ضرورة، فأما ما ذكره الفراء من الحذف من «لمن ما» كالحذف من قولهم «علما» . فالذي نقول: إن الحذف أحد ما تخفف به الأمثال إذا اجتمعت، وهو على ضربين: أحدهما: أن يحذف الحرف مع جواز الإدغام كقولهم: بخ بخ، في: بخٍ بخٍ. والآخر أن يحذف لامتناع الإدغام في الحرف المدغم فيه لسكونه، وإن الحركة غير متأتية فيه مثل «علما» ، أو لأن الحرف المدغم يتصل بحرف إذا أدغم فأسكن لزم تحريك ما قبله، وهو مما لا يتحرك، مثل «يسطيع» ، فلا يشبه قولهم «علما» إذا أرادوا: على الماء، ما شبهه به لو أريد به: لمن ما لأنك لو أدغمت اللام من «على» في التي للتعريف للزم تحريكها، وهي ما يلزمه السكون، ولذلك اجتلبت معها همزة الوصل، فلما كان كذلك حذفت اللام الأولى، وليس كذلك «لمن ما» ، ألا ترى إن الحرف المدغم فيه هنا متحرك وليس بساكن، فلا يشبه هذا ما شبهه به. فإن قلت: اجعله مما ذكرته مما يحذف الحرف فيه مع جواز الإدغام ك «بخ» قيل: هذا يمتنع من وجهين: أحدهما: إنه منفصل و «بخ» متصل، والمنفصل في الإدغام ليس كالمتصل، إذ لا يلزم لزومه، وإن التقدير باتصاله الانفصال، ألا ترى أنك تظهر مثل: جعل لك، و: قعد داود، ونحوه من المفصل، ولو كان متصلاً لم يجز

стр. 749

إلا الإدغام، وكما لم يستثقل اجتماع الأمثال، لما كان التقدير بها الانفصال في هذه الأشياء، كذلك لا يستثقل في «لمن ما» اجتماع الأمثال. وأيضاً فإذا لم يدغم مثل: «قوم موسى» ، من أدغم مثل: «جعل لك» ، لكراهية تحريك الساكن في المنفصل، فأن يكره الحذف أولى، لأن التغيير بنقل حركة ثابتة في الحرف أسهل من حذف حرف بكثير، ألا ترى إلى كثرة ما ينقلون من الحركات للإدغام في المتصل، وقلة حذف الحرف للإدغام في المتصل، فإذا امتنعوا من الكثير الذي أنس به في المتصل كان أن يمتنعوا من القليل الذي لم يأنسوا به في المنفصل أولى. والآخر «١» : أن الحذف في هذا قياساً على «بخ» لا يجوز لما أعلمتك من قلته، وأنا لا نعلم له مثلاً فلا مساغ للحمل على هذا الضيق القليل، مع ما ذكرته لك من الفصل بين المنفصل والمتصل، وعلى أن «بخ» ليس لنا أن نقول إنه حذف، لاجتماع المثلين دون أن تجعله محذوفاً على حد بناء جاء على علته غيره من ذوات الثلاثة المحذوفة، لأنها كحذف «دد» ونحو ذلك، فقول الفراء في هذا فاسد في المعنى من حيث أريتك، وفي اللفظ لما ذكرته من امتناع حذف «من» قبل الإدغام وبعد الإدغام. وقول المازني أيضاً ليس بالجيد، لأن الحروف يخفف مضاعفها، ك «أن» و «ربّ» ، ونحو ذلك، ولا ينقل إلى أنه أقرب إلى الصواب، لأن الدخل فيه من جهة اللفظ دون المعنى، فأما ما حكوه من كون «لما» / بمعنى «إلا» فمقبول، ويحتمل أن تكون الآي الثلاث عليه، كما أعلمتك، وتكون «إن» النافية. قال: وقد رأينا نحن في ذلك قولاً لم أعلم أحداً تقدمنا فيه، وهو أن تكون «لما» هذه في قول من شدد في هذه الآي «لم» النافية دخلت

стр. 750

عليها «ما» فهيأتها للدخول على ما كان يمتنع دخولها عليه قبل لحاق «ما» لها، ونظير ذلك: إنما أنذركم بالوحي، ولعلما أنت حالم، وما أشبهه، وربما أوفيت. ألا ترى أنها هيأت الحرف للدخول على الفعل، فكأنه في التقدير: إن كل نفس لما عليها، أي: ليس كل نفس إلا عليها حافظ، نفياً لقول من قال: كل نفس ليس عليها حافظ، أي: كل نفس عليها حافظ. ف «إن» على هذا التقدير تكون النافية الكائنة بمعنى «ما» ، والقراءة بالتثقيل على هذا تطابق القراءة بالتخفيف، لأن المعنى يؤول إلى: كل نفس عليها حافظ، مثل قوله: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ) «١» إلا أنه أكد ب «إن» ، والقراءة بالتخفيف «لما» أسهل مأخذاً وأقرب متناولاً. وأما تقدير قوله: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) «٢» كأنه قيل: كل ما جميع لدينا محضرون، على ما كانوا ينكرونه من أمر البعث حتى حمل عظيم إلى النبي- صلى الله عليه وعلى آله- فقيل له: أترى الله يحيي هذا بعد ما رم؟ وكما حكي في التنزيل من قولهم: (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) «٣» في كثير من الآي تحكي عنهم أنهم ينكرون فيها البعث، فقيل لهم: كل ما جميع لدينا محضرون، نفي لقولهم: كلهم ليس يجمعون عند الله ولا ينشرون.

стр. 751

وأما قوله: (وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ) «١» فكأنه قيل: كل ذلك ليس متاع الحياة الدنيا، فنفى ذلك بأن قيل: ليس ذلك ليس متاع، وإذا نفي أنه كله ليس متاع الحياة الدنيا، أي: ليس شيء من ذلك للكافر يقربه إلى الله وإلى الدار الآخرة إنما هو متاع الدنيا والعاجلة. وأما قوله: (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ) «٢» قيل: التقدير: ما كنا فاعلين، وليست «إلا» معها. فأما قوله: (قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ) «٣» على أنه لا ولد له. وقيل: إن كان للرحمن ولد على الشرط فأنا أول العابدين، على انه لا ولد له صح وثبت، ولا يكون ذلك أبداً كما قال عيسى: (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) «٤» أي إن صح وثبت أني كنت قلته فيما مضى فقد علمته.

стр. 752

الباب الثاني والأربعون هذا باب ما جاء في التنزيل من المفرد ويراد به الجمع فمن ذلك قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ) «١» ، يعني: الكتب، لأنه لا يجوز أن يكون لجميع الأولياء كتاب واحد. وقال: (كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ) «٢» فيمن قرأه هكذا، يريد: وكتبه. وقال: (وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ) «٣» أي: وكتبه. فأما قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) «٤» «فالطاغوت» يقع على الواحد وعلى الجمع، وأراد به الجمع هنا. وقال في الإفراد: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) «٥» جاء في التفسير أنه أراد: كعب بن الأشرف. وقال في موضع آخر: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها) «٦» أراد به الأصنام، و «أن» في موضع النصب بدل من الطاغوت، أي: اجتنبوا عبادتها، هو في الأصل مصدر «طغى» ، وأصله: طغيوت، على: فعلوت، مثل: الرهبوت، والرحموت، فقدم الياء وأبدل منها الفاء فصار طاغوت.

стр. 753

ومن ذلك قوله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) «١» لفظه لفظ المفرد ومعناه «الجنس» ، ألا ترى قوله: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) «٢» يدل على صحة هذا: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) «٣» . «الذين» مبتدأ وخبره «فلهم أجر غير ممنون» فهذا لا يصح في سورة «العصر» إذ لا خبر بعده. ومن ذلك قوله تعالى: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً) «٤» ، أي: سماراً، لقوله «مستكبرين» قبله، وبعده «تهجرون» : فالسامر كالباقر، والحامل، عند أبي علي. ومثله: (فَلْيَدْعُ نادِيَهُ) «٥» . عند أبي علي، وعلى هذا حمل أيضا ًقوله: / (عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ) «٦» فيمن أسكن الياء، فقال: يكون «ثياب سندس» مبتدأ، على قول سيبويه، و «عاليهم» خبر مقدم. وزعم أنه بمنزلة قوله: (سامِراً تَهْجُرُونَ) «٧» وهذا لعلة نظره فيما قبل الآية لقوله: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ) «٨» ألا ترى أنه يجوز أن يكون «عاليهم» صفة له. قال: ومثله: «دابر» . من قوله (فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا) «٩» . قال: ينبغي أن يكون «دابر» فاعلاً، من باب: الحامل، والباقر، على تفسير معمر إياه ب: آخر القوم الذي يدبرهم. قوله في موضع آخر: (وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ) «١٠» فقال: «وما كانوا» فجمع الضمير.

стр. 754

فإن قلت: يكون الضمير عائداً على «الذين كذبوا» ، وهو جمع. قيل: هذا يبعد، لأن «الذين كذبوا بآياتنا» معلوم أنهم غير مؤمنين، فإذا لم يجز هذا ثبت أن الضمير يعود إلى «الدابر» ، وإذا عاد إليه ثبت أنه جمع، و «الدابر» يجوز أن يكونوا مؤمنين، ويجوز أن يكونوا كافرين، مثل «الخلف» ، ويصح الإخبار عنهم بأنهم كانوا مؤمنين. ومن ذلك قوله: (وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) «١» أي: الكفار، فيمن، أفرد أراد الجنس، ومنه: (وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً) «٢» . أي: على معصية ربه ظهيراً. وأما قوله تعالى: (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ) «٣» . «فالفلك» اسم يقع على الواحد والجمع جميعاً. قال في المفرد: (وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) «٤» . وقال في الجمع: (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ) «٥» . فقال: «وجرين» ، فجمع، وهو في الجمع مثل: أسد، وفي المفرد مثل: قفل. ومن ذلك «أحد» في قوله: (وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) «٦» . وقال: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً) «٧» . أي: أنفساً. وقال: (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) «٨» . أي: رفقاء. وقال: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) «٩» أي: أطفالا.

стр. 755

وقال: (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) «١» . أي: وكلاء. وقال: (فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي) «٢» أي: أعداء. وقال: (خَلَصُوا نَجِيًّا) «٣» . أي أنجية. وقال: (فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ) «٤» . أي: أصدقاء.

стр. 756

الباب الثالث والأربعون هذا باب ما جاء في التنزيل من المصادر المنصوبة بفعل مضمر دل عليه ما قبله فمن ذلك قوله تعالى: (وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ) «١» ، أي: نسألك غفرانك، ونستغفر غفرانك، واغفر لنا غفرانك. ومن ذلك قوله تعالى: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) «٢» . أي: لأثيبنهم ثوابا، فدل على ذلك «لأكفرن» . ومثله: (لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) «٣» إلى قوله: (نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) «٤» . لأنه يدل على: أنزلهم إنزالاً. ومن ذلك قوله: (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا) «٥» ، لأن قوله: «وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله» «٦» دل على أنه كتب ذلك، أي: كتب ذلك عليهم كتاباً مؤجلاً. ومن ذلك قوله: (كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) «٧» لأن قبله (حُرِّمَتْ) «٨» ، وقد نقدم ذلك. ومن ذلك قوله: (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ) «٩» فيمن نصب، أي: أقول قول الحق. ومنه قوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ) «١٠» لأن معنى «تهجد» «وتنفل» واحد.

стр. 757

ومن ذلك قوله: (وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ) «١» . لأن معنى هذه الجملة: صنع الله ذلك صنعاً. ومثله قوله: (بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ) «٢» لأن معنى «ينصر» و «يعد» واحد. ومثله، (لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ) «٣» لأن ما قبله يدل على «يعد الله» . فهذا قياس ما يرد عليك مما قد فاتني منه، والله أعلم. وأما قوله تعالى: (اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ) «٤» . أي: استكبروا ومكروا المكر السيء، ألا ترى أن بعده، (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) «٥» كما أن «السيء» صفة «للمكر» ، كذلك الذي قبل، تقديره: ومكر المكر السيئ. وكذلك: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ) «٦» . أي: مكروا المكرات، السيئات فحذف الموصوف هذا وأقام صفته، فوقعت الإضافة إليه، كما تقع على موصوفه الذي هو المصدر، وأجرى مجراه.

стр. 758

الباب الرابع والأربعون هذا باب ما جاء في التنزيل من دخول لام «إن» على اسمها وخبرها أو ما اتصل بخبرها، وهي لام الابتداء دون القسم. وقد تقدم على ذلك أدلة، وهي تدخل على خبر «إن» أو ما يقع موقعه، أو على اسم «إن» إذا وقع الفصل بين «إن» ، / واسمها. فمن ذلك قوله تعالى (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ) «١» فإذا دخل على الاسم لما وقع الفصل بينها وبين اسمها. وقال: (إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ) «٢» . وقال: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً) «٣» ، فأدخل على الخبر. وقال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) «٤» . وقال: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ) «٥» . وقال: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ) «٦» . وقال: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) «٧» .

стр. 759

فأدخل على الفضلة الواقعة قبل الخبر. وقال: (إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) «١» . وقال: (أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ) «٢» . وقال: (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ) «٣» . وقال: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) «٤» ، (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) «٥» و (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) «٦» . وأما قوله: (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) «٧» ، فإنك لو جعلت «في أم الكتاب» خبراً كنت أدخلت اللام على الخبر الثاني، والأحسن من ذلك أن تدخل على الخبر الأول، فوجب أن يكون قوله «في أم الكتاب» ظرفاً متعلقاً بالخبر لا خبراً. وأما قوله تعالى: (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) «٨» فيمن أضمر، لأن لو جعل «إن» بمعنى «نعم» فإنه قد أدخل اللام على خبر المبتدأ، لأن «هذان» في قولهما ابتداء، واللام لا تدخل على خبر الابتداء، وإنما تدخل على المبتدأ، وإدخالها على الخبر شاذ، وأنشدوا فيه: أم الحليس لعجوز شهر به ... ترضى من اللحم بعظم الرقبة «٩» وقد تقدم ما هو الاختيار عندنا. وتختص هذه اللام بباب «إن» وشبهوا ب «إن» «لكن» ، وأنشدوا.

стр. 760

ولكنني من حبها لعميد «١» وهذا حديث يطول، وفيما ذكرناه كفاية. فأما قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) «٢» فإن قوماً من النحويين أنكروا أن يدخل الصلة قسم، كما ذهب إليه أبو عثمان لأن الفراء حكى ذلك، وقال: فاحتججنا عليه بقوله: (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) «٣» بهذا ما أشار إليه في كتاب «الأخبار» في قوله: (وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ) «٤» وكان الوجه الذي ذهبوا لأجله إلى ذلك القسم جملة ليس لها بالصلة ولا بالموصول التباس، فإذا لم يلتبس لم يجب أن يفصل بها، ألا ترى أن: والله ولعمرك، ونحوهما في نحو «الذي» والله، لا تعلق له بالموصول، / فلما رأوه كذلك لم يجيزوا، والجواب عن ذلك أنه ينبغي أن يجوز من وجهين: أحدهما: أن القسم بمنزلة الشرط والجزاء، وكما يجوز أن يخلو الشرط مما يعود إلى الموصول، إذا عاد إليه من الجزاء، كذلك يجوز أن يخلو القسم من الراجع. والوجه الآخر: أن القسم تأكيد وتسديد ل «ما» الصلة، وإذا جاز الفصل فيها والاعتراض من حيث كان تسديداً للقصة، نحو قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها) «٥» فالفصل بين القسم وبينه أجدر وأقيس، لما ذكرناه من شبهه بالجزاء والشرط، مع أن فيه ما ذكرناه من تسديد القصة، فهذا وجه الجواز.

стр. 761

الجزء الثالث من إعراب القرآن المنسوب إلى الزجاج

стр. 762

الباب الخامس والأربعون هذا باب ما جاء في التنزيل وفيه خلاف بين سيبويه وأبي العباس وذلك «١» في باب الشرط والجزاء، وذلك أنك إذا قلت: إن تأتني آتيك، فسيبويه يقدره على التقديم، أو كأن قال: آتيك أن تأتني. وأبو العباس يقدره على إضمار الفاء، على تقدير: أن تأتني فآتيك. ومن ذلك قوله: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) «٢» ، فيمن ضم الراء وشدد، هو على التقديم عند سيبويه، وعلى إضمار الفاء عند أبي العباس. وكذلك قوله: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً) «٣» من جعل قوله «وما عملت من» شرطا أضمر الفاء في قوله «تود» . وهو عند أبي العباس وعند سيبويه يقدر التقديم في «تود» . ومن جعل «ما» بمعنى «الذي» فله أن يبتدىء بها ويجعل «تود» الخبر. ومن قال: إن «ما» معطوفة على قوله «ما عملت» جعل قوله «تود» في موضع الحال من «عملت» . قال أبو علي: في قوله: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها) «٤» : إن جعلت «تجد» من: وجدان الضالة، كان «محضرا» حالاً، وقوله «وما عملت من سوء» فى موضع

стр. 763

نصب بالعطف على «ما» الأولى، و «تود» في موضع الحال عن «ما» الثانية/ لأن في الجملة ذكرا يعود إلى «ما» . وإن جعلت «تجد» بمعنى تعلم، كان «محضرا» المفعول الثاني. والمعنى: يوم تجد كل نفس جزاء ما عملت من خير محضرا وتود لو أن بينها وبينه جزاء ما عملت لا يكون إلا كذلك، لأن ما عملته فيما مضى لا يكون محضرا هناك. وقريب من هذا في المعنى قوله: (تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ) «١» ، أي: جزاؤه، لأن الإشفاق منه يجب ألا يقرب منه. ويجوز أن يكون موضع «ما» الثانية رفعا، و «تود» في موضع رفع خبر الابتداء. ولا يجوز أن يكون «ما» بمعنى الجزاء، إلا أن يكون «تود» : «فهي تود» ، ولو كان: وما عملت من سوء ودت، «٢» لجاز أن يكون جزاء. ويجوز على قياس قول أبي الحسن في قوله: (الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ) «٣» من أن المعنى: فالوصية، أن يكون جزاء، ويقدر حذف الفاء، ويكون المعنى: فهي تود لو أن بينها وبينه. وهو قياس قول الفراء عندي، لأنه ذكر في حد الجزاء أن قوله: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) «٤» على حذف الفاء. فسيبويه حمل هذه المواضع على التقديم، ولم يجز إضمار الفاء، وقال في باب «أي» : إذا قلت: أيها تشألك، هو على إضمار الفاء، أي: فلك. ولعله عمل هناك على الموصول إذ أجراها مجراها، إذا قلت: أيها تشأ لك هو.

стр. 764

وأبو العباس يزعم أنك إذا قلت: إن تأتني آتيك. فقد وقع الجزاء موقعه فلا ينوى به التقديم، كما أن الفاعل إذا وقع موقعه لا ينوى به غير موضعه وسيبويه يقول «١» : إن الشرط على وجهين: أحدهما أن يكون المعتمد المقصود تقديم الشرط وإتباع الجزاء له، كقولك: إن تأتني آتك، وإن تأتني فأنا مكرم لك. ولا يجوز تقديم الجواب على الشرط. والآخر أن يكون الاعتماد على فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبرٍ، يبتدئه المتكلم ويعلقه بشرط كما يعلقه بظرف، فيقول: أكرمك إن أتيتني، وأنا مكرمك إن زرتني، كما تقول: أكرمك يوم الجمعة. فإذا قال: إن أتيتني أكرمك، فليس «أكرمك» بجواب، فيكون تقديما إلى غير موضعه، وإنما هو الفعل، الذي القصد فيه التقديم.

стр. 765

الباب السادس والأربعون هذا باب ما جاء في التنزيل من إدخال همزة الاستفهام على الشرط والجزاء وهذه «١» أيضاً مسألة فيها اختلاف بين سيبويه ويونس، وصورتها: أإن تأتني آتك، بجزم الجواب عند سيبويه. ويونس يقول: أإن تأتني أتيك، بالرفع، ويقول: هو في نية التقديم، ويقدره: أآتيك إن تأتني. فمن ذلك قوله تعالى: (أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ) «٢» . وقال الله تعالى: (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) «٣» . فهاتان آيتان يحتج بهما سيبويه على يونس، وذلك أنه إذا نوى بالجزاء التقديم وجب أن يكون التقدير في الآية الأولى: انقلبتم على أعقابكم فإن مات؟ وفي الآية الأخرى: أفهم الخالدون فإن مت؟ وهذا ليس وجه الكلام، وإنما وجه الكلام: أفهم الخالدون إن مت؟ وكذا: انقلبتم على أعقابكم إن مات! لأن من قال: أنت ظالم إن فعلت، لم يقل: فأنت ظالم إن فعلت فإن قيل: فإن الفاء زيادة، قيل: الفاء هاهنا نظير «ثم» في قوله: (أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ) «٤» . وكما لا يجوز تقدير الزيادة فى «ثم» فكذا هاهنا.

стр. 766

الباب السابع والأربعون هذا باب ما جاء في التنزيل من إضمار الحال والصفة جميعا وهو شيء لطيف غريب، فمن ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ) «١» ، أي: فمن شهده منكم صحيحا بالغا. ومن ذلك قوله في الصفة: (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) «٢» والتقدير: وله أخ أو أخت من أم، فحذف الصفة. وقال: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) «٣» ، (فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ) «٤» ، كان المعنى: كل شيء أحبته، وكل شيء أحبوه. وقال في الريح: (ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ) » . وقال: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ) «٦» ولم تجتح هودا والمسلمين معه. وقوله: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ) «٧» يعني «الكافرين» لأن فيهم حمزة وعلياً وجعفرا. وقال: (حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) «٨» ، أي: شيئا مما ظنه وقدره، يبين ذلك قول العباس بن مرداس: وقد كنت فى الحرب «٩» ذا تدرأ «١٠» ... فلم أعط شيئاً ولم أمنع / أراد شيئاً مما قدرت إعطائي إياه. وبعد هذا البيت:

стр. 767

إلا أفائل أعطيتها عديد قوائمه الأربع «١» فقال: لم أعط شيئا. ثم قال: إلا أفائل أعطيتها. وعلى هذا قولهم: ما أنت بشيء، أي: شيء يقع به اعتداد. فهذا قريب من قولهم: تكلمت ولم تتكلم. وقريب من هذا قول الكميت: سئلت فلم تمنع ولم تعط نائلا ... فسيان لا ذم عليك ولا حمد كأنه لم يعط عطاء يكون له موضع، أو يكون له اعتداد. وقريب من هذا قوله تعالى: (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى) «٢» والذي لا يموت يحيا، والذي لا يحيا يموت ولكن المعنى: لا يحيى حياة طيبة يعتد بها ولا يموت موتا مريحا، مما دفعوا إليه من مقاساة العذاب، وكأن الإحياء للعذاب ليس بحياة معتدٍّ بها. قال عثمان: وأما حذف الحال فلا يحسن، وذلك أن الغرض فيها إنما هو توكيد الخبر بها، وما طريقه طريق التوكيد غير لائقٍ به الحذف، لأنه ضد الغرض ونقيضه، ولأجل ذلك لم يجز أبو الحسن تأكيد «الهاء» المحذوف من الصلة، نحو: الذي ضربت نفسه زيد، على أن يكون «نفسه» توكيدا للهاء المحذوفة من «ضربت» وهذا مما يترك مثله كما يترك إدغام الملحق إشفاقا من انتقاض الغرض بإدغامه.

стр. 768

فأما ما أجزناه من حذف الحال في قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) «١» ، أي: فمن شهده صحيحا بالغا، فطريقه: أنه لما دلت الدلالة عليه من الإجماع والسنة جاز حذفه تخفيفا. وإما إذا عريت الحال من هذه القرينة، وتجرد الأمر دونها، لما جاء حذف الحال على وجه. وحكى سيبويه: سير عليه ليل، وهم يريدون: ليل طويل، وكأن هذا إنما حذفت فيه الصفة لما دل من الحال على موضعها، وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك من التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقامه قوله: «طويل» / ونحو ذلك، وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وذلك أن يكون في مدح، فتقول: كان والله رجلاً، فتزيد في قوة اللفظ «بالله» هذه الكلمة، وتمكن في تمطيط اللام وإطالة الصوت عليها، أي: رجلا فاضلا شجاعا، أو كريما، أو نحو ذلك وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنسانا، وتمكن الصوت بإنسان وتفخمه فتستغنى بذلك عن وصفه، وتريد: إنسانا سمحا، أو جوادا، أو نحو ذلك وكذلك إن ذممته ووصفته بالضيق، قلت: سألناه وكان إنسانا. وتزوى وجهك وتقطبه، فيغنى عن ذلك قولك: إنسانا لئيما، أو بخيلا، أو نحو ذلك. فعلى هذا وما يجري مجراه تحذف الصفة. فأما إن عريت من الدلالة عليها من اللفظ أو الحال فإن حذفها لا يجوز، ألا تراك لو قلت: وردنا البصرة فاجتزنا بالأبلة على رجل، أو رأينا بستانا،

стр. 769

وسكت، لم تفد بذلك شيئا، لأن هذا ونحوه مما لا يعرى منه ذلك المكان، وإنما المتوقع أن تصف من ذكرت وما ذكرت، فإن لم تفعل كلفت علم ما لا يدل عليه، وهو لغو من الحديث، وتجوز في التكليف. ومن ذلك ما يروى في الحديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» . أي: لا صلاة كاملة أو فاضلة، ونحو ذلك. ومثله: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي، ﵇.

стр. 770

الباب الثامن والأربعون هذا باب ما جاء في التنزيل من الجمع يراد به التثنية فمن ذلك قوله تعالى: (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) «١» . وأجمعوا، غير ابن عباس، أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس، خلافا له، فإنه لا يحجب إلا بوجود ثلاثة إخوة. ومن ذلك قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما) «٢» ، أي: يديهما. ومن ذلك قوله: (إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما) «٣» ، أي: قلباكما. مثل هذا لا يجوز فيه الإفراد استغناء بالمضاف إليه، وتجوز فيه التثنية اعتبارا بالحقيقة، ويجوز فيه الجمع اعتبارا بالمعنى، لأن الجمع ضم نظير إلى نظير كالتثنية. وقالوا: كل شيء من شيئين فتثنيتهما جمع، كقولك: ضربت رءوس الزيدين، وقطعت أيديهما وأرجلهما وهذا أفصح عندهم من «رأسيهما» ، كرهوا أن يجمعوا بين تثنيتين في كلمة واحدةٍ، فصرفوا الأول إلى لفظ الجمع، / لأن التثنية جمع في المعنى، لأن معنى الجمع ضم شيءٍ إلى شيءٍ، فهو يقع على القليل والكثير، وأنشدوا: ومهمهين قذفين مرتين ... ظهراهما مثل ظهور التّرسين «٤»

стр. 771

فأما قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ) «١» ، فقيل: هو من هذا الباب، لقوله: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) «٢» ، فعبر عن التثنية بالجمع. ومعنى «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ» ، قيل: المشرقان: الشتاء والصيف، وكذا المغربان «٣» . عن ابن عباس. وقيل: مشرق الشمس والفجر، ومغرب الشمس والشفق. قوله: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين. قيل: معناه: بعد المشرق والمغرب. فهذا كالقمرين والعمرين. وقيل: مشرق الشتاء والصيف. وأما قوله تعالى: (وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) «٤» . وهم لم يدعوا إلهية مريم كما ادعوا إلهية المسيح، فيما يزعمون، فإن ذلك يجيء على: لنا قمراها والنجوم الطوالع «٥» والعجاجان، لرؤبة والعجاج والأسودان، للماء والتمر، أطلق على أحدهما اسم الآخر، وإن لم يكن ذلك اسما له. واعلم أنه قد جاءت التثنية يراد بها الكثرة والجمع، كما جاء الجمع يراد به التثنية. قال الله تعالى: (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) «٦»

стр. 772

وقال: (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) «١» . أي: كرتين اثنتين. وإنما ذاك بكراتٍ، وكأنه قال: كرة بعد كرة، كما قالوا: لبيك، أي: إلبابا بعد إلباب، وإسعادا بعد إسعادٍ، في: سعديك، وحنانيك: تحننا بعد تحنن، قال: ضربا هذا ذيك وطعناً وخضا «٢» أي هذا بعد هذٍ. وأنشدوا للكميت: وأنت ما أنت في غبراء مظلمةٍ ... إذا دعت أللها الكاعب الفضل «٣» أي: أللا بعد ألل. وهذا حديث يطول. وأما قوله تعالى: (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) «٤» . الفراء يريد به المفرد، كقوله: (ومهمهين) «٥» ، ثم قال: قطعته، وهذا لا يصح، كقوله (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ) «٦» ، وقوله: (جَنَّةً وَحَرِيراً) «٧» ، (وَدانِيَةً) «٨» ، وقوله «قطعته» كقوله: «معين بسواد» «٩» في الرد إلى الأول ومن ذلك قوله: (أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ) «١٠» يعني: عائشة وصفوان. وقال: (وَأَلْقَى الْأَلْواحَ) «١١» ، وفي التفسير: كان معه لوحان.

стр. 773

وقال: (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) «١» والمتقدم: داود وسليمان. وأما قوله تعالى: / (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) » . هو على حذف المضاف، أي: في موضع قعود. وكذا قراءة من قرأ، (فِي مَسْكَنِهِمْ) «٣» ، أي: في موضع سكناهم، لأن الاستغناء بالجمع عن المضاف إليه أكثره في الشعر، نحو: (في حلقكم عظم) «٤» و (بعض بطنكم) «٥» . نقل فارسهم.

стр. 774

الباب التاسع والأربعون هذا باب ما جاء في التنزيل منصوبا على المضاف إليه وهذا شيء عزيز، قال فيه فارسهم: إن ذاك قد أخرج بطول التأمل والفكر. فمن ذلك قوله عز من قائل: (قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) «١» «خالدين» حال من «الكاف والميم» المضاف إليهما «مثوى» ومثله: (أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) «٢» ، ف «مصبحين» حال من «هؤلاء» . وكذلك قوله: (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً) «٣» ، «إخوانا» حال من المضاف إليهم في قوله في «صدورهم» . ومثله: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً) «٤» . قال أبو إسحاق: «المثوى» : المقام، و «خالدين فيها» منصوب على الحال، أي: النار مقامكم في حال خلودٍ دائما. قال أبو علي: «مثوى» عندي في الآية اسم للمكان دون المكان، لحصول الحال في الكلام معملا فيها، ألا ترى أنه لا يخلو من أن يكون موضعا أو اسم مصدرٍ، فلا يجوز أن يكون موضعا، لأن اسم الموضع لا يعمل عمل الفعل، لأنه لا معنى للفعل فيه، فإذا لم يكن موضعا ثبت أنه مصدر، والمعنى: النار ذات إقامتكم، أي: النار ذات إقامتكم فيها خالدين، أي: هم

стр. 775

أهل أن يقيموا ويثبتوا خالدين، فالكاف والميم فاعل في المعنى، وإن كان في اللفظ خفض بالإضافة. وأما قوله: وما هي إلا في إزار وعلقة ... مغار ابن همام على حي خثعما «١» فهو أيضا على حذف المضاف. المعنى: وما هي إلا في إزار وعلقة وقت إغارة ابن همام. ألا ترى أنه قد عداه ب «على» إلى «حي خثعما» ، فإذا عداه ثبت أنه مصدر، إذ اسما المكان والزمان لا يتعديان، فهو من باب/: خفوق النجم، ومقدم الحاج، وخلافة فلان، ونحو، من المصادر التي استعملت في موضع الظرف، للاتساع في حذف المضاف، الذي هو اسم زمان، وإنما حسن ذلك في المصادر لمطابقتها الزمان في المعنى ألا ترى أنه عبارة عن منقض غير باق، كما أن الزمان كذلك، ومن ثم كثر إقامتهم «ما» التي مع الفعل بمعنى المصدر مقام ظرف الزمان، لقولهم: أكلمك ما خلا ليل نهارا، وما خلقت جرة درة، (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ) «٢» حتى إن قوما من النحويين يسمونها: «ما» الوقت، وحقيقته: ما أعلمتك. وقال في «التذكرة» : القول في «مثوى» : إنه لا يخلو من أن يكون اسم مكان أو مصدرا، والأظهر المكان، فإذا كان كذلك فالحال من المضاف إليهم، كما إن قوله- يعني الجعدي: كأن حواميه مدبراً ... خضبن وإن كان لم يخضب «٣» حال من المضاف إليه.
следующие страницы →