فأما قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ) «١» ، فقيل: هو من هذا الباب، لقوله: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) «٢» ، فعبر عن التثنية بالجمع.
ومعنى «رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ» ، قيل: المشرقان: الشتاء والصيف، وكذا المغربان «٣» . عن ابن عباس.
وقيل: مشرق الشمس والفجر، ومغرب الشمس والشفق.
قوله: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين. قيل: معناه: بعد المشرق والمغرب. فهذا كالقمرين والعمرين.
وقيل: مشرق الشتاء والصيف.
وأما قوله تعالى: (وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) «٤» . وهم لم يدعوا إلهية مريم كما ادعوا إلهية المسيح، فيما يزعمون، فإن ذلك يجيء على:
لنا قمراها والنجوم الطوالع «٥»
والعجاجان، لرؤبة والعجاج والأسودان، للماء والتمر، أطلق على أحدهما اسم الآخر، وإن لم يكن ذلك اسما له.
واعلم أنه قد جاءت التثنية يراد بها الكثرة والجمع، كما جاء الجمع يراد به التثنية. قال الله تعالى: (بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) «٦»
стр. 772
وقال: (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) «١» .
أي: كرتين اثنتين. وإنما ذاك بكراتٍ، وكأنه قال: كرة بعد كرة، كما قالوا:
لبيك، أي: إلبابا بعد إلباب، وإسعادا بعد إسعادٍ، في: سعديك، وحنانيك: تحننا بعد تحنن، قال:
ضربا هذا ذيك وطعناً وخضا «٢»
أي هذا بعد هذٍ. وأنشدوا للكميت:
وأنت ما أنت في غبراء مظلمةٍ ... إذا دعت أللها الكاعب الفضل «٣»
أي: أللا بعد ألل.
وهذا حديث يطول.
وأما قوله تعالى: (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) «٤» . الفراء يريد به المفرد، كقوله: (ومهمهين) «٥» ، ثم قال: قطعته، وهذا لا يصح، كقوله (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ) «٦» ، وقوله: (جَنَّةً وَحَرِيراً) «٧» ، (وَدانِيَةً) «٨» ، وقوله «قطعته» كقوله:
«معين بسواد» «٩» في الرد إلى الأول ومن ذلك قوله: (أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ) «١٠» يعني: عائشة وصفوان.
وقال: (وَأَلْقَى الْأَلْواحَ) «١١» ، وفي التفسير: كان معه لوحان.
стр. 773
وقال: (وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) «١» والمتقدم: داود وسليمان.
وأما قوله تعالى: / (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) » .
هو على حذف المضاف، أي: في موضع قعود.
وكذا قراءة من قرأ، (فِي مَسْكَنِهِمْ) «٣» ، أي: في موضع سكناهم، لأن الاستغناء بالجمع عن المضاف إليه أكثره في الشعر، نحو:
(في حلقكم عظم) «٤» و (بعض بطنكم) «٥» .
نقل فارسهم.
стр. 774
الباب التاسع والأربعون
هذا باب ما جاء في التنزيل منصوبا على المضاف إليه وهذا شيء عزيز، قال فيه فارسهم: إن ذاك قد أخرج بطول التأمل والفكر.
فمن ذلك قوله عز من قائل: (قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) «١» «خالدين» حال من «الكاف والميم» المضاف إليهما «مثوى» ومثله: (أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) «٢» ، ف «مصبحين» حال من «هؤلاء» .
وكذلك قوله: (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً) «٣» ، «إخوانا» حال من المضاف إليهم في قوله في «صدورهم» .
ومثله: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً) «٤» .
قال أبو إسحاق: «المثوى» : المقام، و «خالدين فيها» منصوب على الحال، أي: النار مقامكم في حال خلودٍ دائما.
قال أبو علي: «مثوى» عندي في الآية اسم للمكان دون المكان، لحصول الحال في الكلام معملا فيها، ألا ترى أنه لا يخلو من أن يكون موضعا أو اسم مصدرٍ، فلا يجوز أن يكون موضعا، لأن اسم الموضع لا يعمل عمل الفعل، لأنه لا معنى للفعل فيه، فإذا لم يكن موضعا ثبت أنه مصدر، والمعنى: النار ذات إقامتكم، أي: النار ذات إقامتكم فيها خالدين، أي: هم
стр. 775
أهل أن يقيموا ويثبتوا خالدين، فالكاف والميم فاعل في المعنى، وإن كان في اللفظ خفض بالإضافة. وأما قوله:
وما هي إلا في إزار وعلقة ... مغار ابن همام على حي خثعما «١»
فهو أيضا على حذف المضاف. المعنى: وما هي إلا في إزار وعلقة وقت إغارة ابن همام. ألا ترى أنه قد عداه ب «على» إلى «حي خثعما» ، فإذا عداه ثبت أنه مصدر، إذ اسما المكان والزمان لا يتعديان، فهو من باب/: خفوق النجم، ومقدم الحاج، وخلافة فلان، ونحو، من المصادر التي استعملت في موضع الظرف، للاتساع في حذف المضاف، الذي هو اسم زمان، وإنما حسن ذلك في المصادر لمطابقتها الزمان في المعنى ألا ترى أنه عبارة عن منقض غير باق، كما أن الزمان كذلك، ومن ثم كثر إقامتهم «ما» التي مع الفعل بمعنى المصدر مقام ظرف الزمان، لقولهم: أكلمك ما خلا ليل نهارا، وما خلقت جرة درة، (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ) «٢» حتى إن قوما من النحويين يسمونها: «ما» الوقت، وحقيقته: ما أعلمتك.
وقال في «التذكرة» : القول في «مثوى» : إنه لا يخلو من أن يكون اسم مكان أو مصدرا، والأظهر المكان، فإذا كان كذلك فالحال من المضاف إليهم، كما إن قوله- يعني الجعدي:
كأن حواميه مدبراً ... خضبن وإن كان لم يخضب «٣»
حال من المضاف إليه.
стр. 776
وإن جعلت «المثوى» مصدرا ألزمك أن تقدر حذف المضاف، كأنه: موضع ثوائكم خالدين، فيكون الحال من المصدر والعامل فيها، كأنه:
يثوون فيها خالدين. فالعامل في الحال- على هذا- المصدر، وفي الوجه الأول معنى الإضافة، مثل قوله تعالى: (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) «١» ، الحال عن الإضافة، وما فيه من معنى الفعل هو العامل، والدليل على ذلك أنه لا يخلو من أن يكون العامل المضاف إليهم أو معنى اللام، فلا يكون معنى اللام، لأنه لو كان كذلك لم تكن الحال مجموعا بالواو والنون ألا ترى أن «ما لهم» ، أي: شيء، وأي شيء ثبت لهم، لا يكون جميعا مما يعقل، فلا يكون الحال عنه، وإذا لم يكن عنه علمت أنه من المضاف إليهم، وأن العامل في الحال ما في الإضافة من معنى الفعل، وحروف الجر في هذا بمنزلة الأسماء كما كانت الأسماء بمنزلتها، في نحو: غلام من تضرب أضرب، وفي الاستفهام: غلام من تضرب؟ كما تقول: بأيهم تمرر وغلام من تضرب أضرب، بمنزلة: من تمرر أمرر.
وقال في موضع آخر من «التذكرة» . القول في قوله تعالى: (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) «٢» : إن الحال لا يخلو فيه من أن يكون: عما في اللام، أو عن المضاف إليهم، فلا يجوز أن يكون عما في اللام، فإذا لم يجز ذلك ثبت أنه عن المضاف إليهم، والمضاف إليه إنما جاز انتصاب الحال عنه لأنه لا تخلو الإضافة فيه/ من أن تكون بمعنى اللام، أو بمعنى «من» ، فمن أي القسمين كان فمعنى الفعل فيه حاصل، فانتصابهما عن معنى الفعل، ولا يكون ذلك معنى مضمرا، كما ذهب إليه أبو عثمان في قوله:
وإذ ما مثلهم بشر «٣»
стр. 777
ولكن حكم منزلة الحرف المراد في الظرف في ذلك حكم الإظهار، لأن الإضمار لا يلزمه، ألا ترى أنك إذا كنيت عنه ظهر الحرف، فكذلك حكم الظرف المراد في الإضافة لما لم يلزم حذفه، لقولك: ثوب زيدٍ، وثوب لزيدٍ وحلقة حديدٍ، وحلقة من حديد بمنزلة الحرف الذي يراد في الظرف ولا يلزم حذفه فعن هذا يلتزم الحال عن المضاف إليه.
ومما يبين ذلك قوله:
كأن حواميه مدبرا «١»
ألا ترى أن الحال لا تكون من المضاف إليه ولا تكون من «كان» ، لأنه لا عمل لها في ذي الحال، ولا من خبرها، فإذا لم يجز ذلك ثبت أنه من المضاف إليه، كما أنها في الآية من المضاف إليه.
فأما قوله:
فهل في معدٍّ فوق ذلك مرفدا «٢»
فلا يخلو من أحد أمرين:
أحدهما: على ما يذهب إليه أبو الحسن في قوله تعالى: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ) «٣» ونحوها فيكون في موضع رفع.
والآخر: أن يكون صفة والموصوف محذوف.
فيجوز انتصاب «المرفد» أن يكون حالا عن كل واحدٍ من القولين، ويجوز أن يكون من المضاف إليه، ويجوز أن يكون تبيينا عن ذلك، مثل. أفضلهم رجلا.
ومن ذلك قوله: (أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) «٤» ف «مصبحين» .
حال من المضاف إليهم، أعنى: «هؤلاء» .
стр. 778
الباب المتم الخمسين
باب ما جاء في التنزيل «أن» فيه بمعنى «أي» فمن ذلك قوله تعالى: (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) «١» . / المعنى: أي لا تشركوا به شيئا، ف «لا» ناهية جازمة، و «أن» بمعنى «أي» .
وقيل: بل التقدير فيه: ذلك ألا تشركوا فيه فيكون خبر مبتدأ مضمر، أي: المتلو ألا تشركوا وليس التقدير: المحرم ألا تشركوا لأن ترك الشرك ليس محرما، كما ظنه الجاهل، ولا أن «لا» زائدة.
وقيل: التقدير: حرم عليكم بألا تشركوا.
وقيل: التقدير: أتلو عليكم ما حرم، أي: أتلو المحرم لئلا تشركوا.
وقيل: التقدير: عليكم ألا تشركوا، و «أن» هذه نابية عن القول، وتأتي بعد فعل في معنى القول وليس بقول، كقولك: كتبت إليك أن قم.
تأويله: قلت لك قم. ولو قلت: قلت لك أن تقوم، لم يجز لأن:
القول يحكى ما بعده، ويؤتى بعده باللفظ الذي يجوز وقوعه في الابتداء، وما كان في معنى القول وليس بقول فهو يعمل، وما بعده ليس كالكلام المبتدأ.
وهذا الوجه في «أن» لم يعرفه الكوفيون ولم يذكروه، وعرفه البصريون وذكروه وسموه: «أن» التي للعبارة، وحملوا عليه قوله:
(وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا) «٢» . وفي تقديره وجهان:
أحدهما: انطلقوا فقالوا: قال بعضهم لبعضٍ: امشوا واصبروا وذلك أنهم انصرفوا من مجلسٍ دعاهم فيه النبي- صلى الله عليه وعلى آله-
стр. 779
إلى توحيد الله تعالى وذكره وترك الآلهة دونه، وصار «انطلق الملأ» لما أضمر القول بعده لمعنى فعلٍ يتضمن القول، نحو: «كتبت» وأشباهه.
والوجه الأخر: أن يكون «انطلقوا» بمعنى: «تكلموا» كما يقال: انطلق زيد في الحديث، كأن خروجه عن السكوت إلى الكلام هو الانطلاق.
ويقال في «أن امشوا» : أن اكثروا وانموا. وليس «المشي» هاهنا قطع الأماكن بل المعنى هو الذهاب في الكلام، مثل: (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا) «١» . ومعنى «المشى» هو الدؤوب والملازمة والمداومة على عبادتها، مثل: (إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً) «٢» ليس يريد الانتصاب، وإنما يريد الاقتضاء، ومثل: (الْقَيُّومُ) «٣» ، أي: المديم حفظه خلقه.
فإن قيل: فإذا كان تأويل المشى على ما ذكرتم فغير ممتنع أن يكون التقدير: انطلقوا بالمشى لأنه يكون على هذا المعنى: أوصوهم بالملازمة لعبادتها، قيل «الوصية» وإنما هي العبادة في الحقيقة لا بغيرها، فلا يجوز تعليق «الوصية» بغير العبادة. وأيضا ليس المعنى: ذهبوا في الكلام وخاضوا فيه بالمداومة والملازمة بالعبادة.
وأما قوله: (ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) «٤» . «أن» بمعنى: أي، وهي تفسير «أمرتني» ، لأن في الأمر معنى «أي» :
ولو قلت: ما قلت لهم إلا ما قلت لي أن اعبدوا الله، لم يجز، لأنه قد ذكر القول، وإن «أن» إذا كانت بمعنى «أي» ، فهى تحتاج إلى ثلاثة شرائط:
أولها: أن يكون الفعل والذي يفسره، أو يعبر عنه، فيه معنى القول وليس بقول، وقد مضى هذا.
стр. 780
والثاني: ألا يتصل به شيء منه صار في جملته ولم يكن تفسيرا له كالذي قدّره سيبويه: أو عزت إليه بأن افعل.
والثالث: أن يكون ما قبلها كلاما تاما، لأنها وما بعدها جملة تفسر جملة قبلها، ومن أجل ذلك كان قوله: (وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) «١» :
وآخر قولهم، «دعواهم» مبتدأ، و «آخر قولهم» ، مبتدأ لا خبر معه، وهو غير تام، فلا يكون بعده «أن» بمعنى «أي» .
وقوله تعالى: (وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) «٢» . ومعناه:
بأنك قد صدقت الرؤيا.
وأجاز الخليل أيضاً أن يكون على «أي» ، لأن «ناديناه» كلام تام، ومعناه: قلنا: يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا «٣» .
ومن ذلك قوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ) «٤» ، يكون بمعنى «أي» ، ويكون بإضمار «الباء» ، كما حكى الخليل: أرسل إليه بأنك ما أنت وذا.
وأما قوله: (وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) «٥» ، فيمن زعم- وهو معمر- (أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي) «٦» على إضمار القول، كأنه يراد به: قلنا أن لا تتخذوا، ولم يكن قوله هذا متجها، وذلك أن القول لا يخلو من أن تقع بعده جملة على معنى: يحكى، أو معنى جملة تعمل فى لفظه.
стр. 781
القول الأول: كقولك: قال زيد عمرو لمنطلق، فموضع الجملة نصب بالقول.
والآخر، يجوز أن يقول القائل: لا إله إلا الله، فتقول: قلت حقا أو يقول: الثلج حار، فتقول: قلت باطلا فهذا معنى ما قاله وليس نفس القول.
وقوله (أَلَّا تَتَّخِذُوا) «١» خارج من هذين الوجهين، ألا ترى أنّ (أَلَّا تَتَّخِذُوا) «٢» ليس هو معنى القول، كما أن قولك: «حقا» ، إذا سمعت كلمة الإخلاص، معنى القول، وليس قوله (أَلَّا تَتَّخِذُوا) «٣» بجملة، فيكون كقولك: قال زيد عمرو منطلق. ويجوز أن يكون بمعنى «أي» أي التي للتفسير، وانصرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب، كما انصرف من الخطاب في قوله تعالى: (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا) «٤» إلى الأمر، كذلك انصرف من الغيبة إلى النهى فى قوله: (أَلَّا تَتَّخِذُوا) «٥» وكذلك قوله: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي) «٦» في وقوع الأمر بعد الخطاب، ويجوز أن تضمر القول وتخمل «تتخذوا» على القول المضمر، إذا جعلت «أن» زائدة، فيكون التقدير: وجعلناه هدى لبني إسرائيل، فقلنا: لا تتخذوا من دونى وكيلا، فيجوز إذا فى قوله: (أَلَّا تَتَّخِذُوا) «٧» ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون الناصبة للفعل، فيكون المعنى: وجعلناه هدى كراهة أن تتخذوا من دوني وكيلا، أو لئلا تتخذوا.
والآخر: أن تكون بمعنى «أي» ، لأنه بعد كلام تام، فيكون التقدير:
أي لا تتخذوا.
стр. 782
والثالث: أن تكون «أن» زائدة، وتضمر القول.
وأما قوله: (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا) »
. قال أبو علي: يكون «أن» التفسير، لأن «قضى ربك» كلام تام، و «لا تعبدوا» نهى، كأنه: قضى ربك هذا وأمر بهذا.
فعلى هذا يكون قوله: (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) »
كأنه أمر بعد نهي، كأنه:
وأحسنوا بالوالدين إحسانا، وتكون الناصبة للفعل أيضا، فيكون الواو في «بالوالدين» عاطفة على «أن» ، كأنك قلت: قضى بأن لا تعبدوا، وأن تحسنوا، ويكون الفعل بعد «الواو» القائمة مقام «أن» محذوفا، وما أقل ما يحذف الفعل في صلة «أن» ، وكذلك ينبغى ألا يحذف بعد ما يقوم مقامها، وقد قال: أما أنت منطلقا انطلقت إليك، فحمله على «أن كنت» ، «وما» بدل من الفعلين، وليس في الآية «بل» ، فلا تحمل على «أن» الناصبة.
стр. 783
الباب الحادي والخمسون
هذا باب ما جاء في التنزيل من المضاعف وقد أبدلت من لامه حرف لين فمن «١» ذلك ما قاله القاسم في قوله تعالى: (لَمْ يَتَسَنَّهْ) «٢» إنه من قوله:
(مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) «٣» ، أي: يتغير، ثم أبدلت من النون الأخيرة ياء، فصار «يتسنى» ، فإذا جزمت قلت: لم يتسن، كما تقول: لم يتفن، ثم تلحق الهاء لبيان الوقف.
وقيل: هو من «السنة» ، تسنى، أي: مرت عليه السنون فتغير. ومن أثبت الهاء في الوصل، فلأنهم قالوا: سنة وسنهات، فيكون الهاء لام الفعل.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) «٤» ، أي: تمل، لقوله: (فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ) «٥» . يقال: أمللت، وأمليت.
ومن ذلك قوله: (ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى) «٦» ، والأصل:
«يتمطط» . قالوا: لأنه من المطيطاء «٧» .
ومنه قوله: (وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) «٨» ، أي: دسها بالفجور والمعاصي، فأبدلت من اللام ياء، فصار: «دساها» .
ومنه قوله تعالى: (فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ) «٩» ، أي: دللهما، لقوله: (هَلْ أَدُلُّكَ) «١٠» .
ويكون «فعل» ، دلى يدلى، الذي مطاوعه «تدلى» : كقوله:
هما دلّتانى من ثمانين قامة «١١»
стр. 784
أي: أوقعهما في المعصية بغروره وإلقائهما فيها وطرحهما.
ويجوز أن يكون «دلى» مثل «سلقى «١» » ، وقد روى: فلان آفى من فلان، وهذا مثل «أملى» في «أمل» .
قال سيبويه: وكل هذا التضعيف فيه عربي كثير جيد جدا، يعني:
ترك القلب إلى الياء عربي جيد، إذا قلت: تظنيت وتسريت.
وقد جعل سيبويه الياء في «تسريت» بدلا من الراء، وأصله: تسررت، وهو من السرور، فيما قاله الأخفش، لأن السرية يسر بها صاحبها.
وقال ابن السراج: هو عندي من السر، لأن الإنسان يسر بها ويسترها عن حزبه كثيرا.
والأولى عندي أن يكون من «السر» ، الذي هو النكاح.
وقيل: ليس الأصل فيه «تسررت» ، وإنما هو «تسريت» بمعنى:
سراها، أي: أعلاها، وسراة كل شىء: أعلاه. وأما «كلا» «وكل» فليس أحد اللفظين من الآخر، لأن موضعهما مختلف، تقول: كلا أخويك قائم، ولا تقول: كل أخويك قائم. ولا يجوز أن تجعل الألف في «كلا» بدلا من اللام في «كل» ، / ولم يقم الدليل على ذلك، وكذلك قال سيبويه «٢» .
ومثله: ذرية، أصله: ذروة، فعلولة من «الذر» ، فأبدلت من الراء ياء، وقلبت الواو ياء، وأدغمت فيه فصارت «ذرية» .
стр. 785
وفي ذلك ما روى عن ابن كثير فى قوله: (فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ) «١» .
قال أبو علي: وجه ما روى من «فذانيك» أنه أبدل من النون الثانية الياء، كراهية التضعيف «٢» .
وحكى أحمد بن يحيى: لا وربيك ما أفعل يريد: لا وربك.
ومن ذلك قراءة من قرأ: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) «٣» هو من «قر» في المكان «يقر» ، أصله: اقررن، فأبدل من الراء الأخيرة ياء، ثم حذفها وحذف «همزة الوصل» ، فصار: «قرن» ، وهو مشكل.
ومثله: (فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها) «٤» ، فيمن قرأها بالتخفيف، أصله «تعتدونها» ، فأبدل من الدال حرف اللين.
стр. 786
الباب الثاني والخمسون
هذا باب ما جاء في التنزيل من حذف واو العطف فمن ذلك قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) «١» ، والتقدير: صم وبكم وعمى، كقوله في الأخرى: (صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ) «٢» ، فالتقدير فيه أيضا:
وفي الظلمات.
ومن ذلك قوله: (أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) «٣» ، و (أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) «٤» ، فحذف الواو. وهكذا في جميع التنزيل من هذا النوع.
ومن ذلك قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) «٥» أي: ورابعهم كلبهم. وكذلك قوله: (وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ) «٦» أي: وسادسهم.
دليل ذلك قوله: (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) «٧» .
وكما ظهرت الواو هنا فهي مقدرة في الجملتين المتقدمتين، إذ ليست الجملتان صفة لما قبلهما ولا حالا ولا خبرا، لما تقدم في غير موضع، وإنما هما جملتان في تقدير العطف على جملتين.
ومن ذلك قوله تعالى: (رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ) «٨» التقدير:
وأغويناهم، وقد تقدم شرحه.
стр. 787
وأما قوله تعالى: (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ) «١» فإن جواب «إذا» قوله «تولوا» وليس الجواب «قلت» والتقدير في «قلت» أن يكون بحرف عطف، إلا أنك استغنيت عنه بتضمن الثانية الذكر مما في الأولى، بمنزلة/ قوله (رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ) ، ألا ترى أن إفاضتهم الدمع إنما هو إياسهم من الخروج والتوجه نحو العدو لتعذر الظهور الحاملة لهم عليها.
وأما قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا) «٢» . فحمله أبو الحسن على حذف الواو، نهى بعد أمرٍ. وحمله الفراء على جواب الأمر، وفيه طرف من النهي، ومثله: (ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ) «٣» .
ومن ذلك قوله: (رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا) «٤» ، أي:
وأنعم الله، فحذف الواو.
وقال الله تعالى: (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ) «٥» ، أي: وقال.
ومن ذلك قال الفرّاء فى قوله: (أَوْ هُمْ قائِلُونَ) «٦» ، على إضمار الواو، كأنه: أو وهم قائلون، فحذفت الواو لاجتماع شيئين.
قال أبو علي: إنما قال هذا، لأن «أوهم قائلون» معطوف على «بياتا» الذي هو حال، فهذه الجملة إذا دخلت كانت مؤذنة بأن الجملة بعدها للحال
стр. 788
أيضا، فالتقدير أتاهم بأسنا بائتين، أو قائلين. ولو قلت: جاءني زيد ويده فوق رأسه، بلا واو، لكان حسنا، وإذا كان كذلك فقد يجوز ألا تقدر الواو، يدلك على أن قوله (أَوْ هُمْ قائِلُونَ) جملة فى موضع مفرد، قوله: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً) «١» ، فقوله: (أَوْ هُمْ قائِلُونَ) بمنزلة «نهارا» .
стр. 789
الباب الثالث والخمسون
هذا باب ما جاء في التنزيل من الحروف التي أقيم بعضها مقام بعض وهذا الباب يتلقاه الناس معسولا ساذجا من الصنعة، وما أبعد الصواب عنهم، وأوقفهم دونه، وذلك أنهم يقولون: إن «إلى» يكون بمعنى «مع» ويحتجون لذلك بقول الله تعالى: (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ) «١» ، أي: مع الله.
وقال الله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) «٢» ، أي: مع امولكم.
ويقولون «في» بمعنى «على» ، ويحتجون بقوله تعالى: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) «٣» ، أي: عليها.
وهذا في الحقيقة من باب الحمل على المعنى.
فقوله: (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ) «٤» معناه: من يضيف نصرته إلى نصرة الله، وكذا: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) «٥» . أي مضمومة إليها، وكذلك قوله: (هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى) «٦» ، وأنت إنما تقول: هل لك في كذا؟
/ لكنه لما كان هذا دعاء منه- صلى الله عليه وعلى آله- له صار تقديره: أدعوك وأرشدك إلى أن تزكى.
وأما قوله: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) «٧» ، فليس في بمعنى «على» ، وإنما هو على بابه، لأن المصلوب فى الجذع، والجذع وعاء له.
стр. 790
الباب الرابع والخمسون
هذا باب ما جاء في التنزيل من اسم الفاعل المضاف إلى المكنى وذلك قد جاء في التنزيل في ستة «١» مواضع:
فمن ذلك قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ) «٢» .
وقال: (فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ) «٣» .
وقال الله تعالى: (لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ) «٤» .
وقال الله تعالى: (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ) «٥» .
وقال: (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ) «٦» .
وقال: (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) «٧» .
فهذه ستة مواضع.
فالهاء والكاف في هذه الآي جرٌّ عندنا.
وقال أبو الحسن: هو نصب، واحتج بانتصاب قوله (وَأَهْلَكَ) «٨» ، فلولا أن الكاف منصوب المحل لم ينصب «أهلك» واحتج بأن النون إنما حذف حذفا لتعاقبه المضمر، لا لأجل الإضافة فوجب أن يكون منصوبا،
стр. 791
قياسا على قولنا: هؤلاء ضوارب زيداً، وحجاج بيت الله، فإن التنوين هنا حذف حذفا فانتصب ما بعده، كذلك هاهنا، ولا يلزم قولكم إن المضمر يعتبر بالمظهر، لأنا نرى نقيض ذلك في باب العطف، حيث لم يجز عطف المظهر على المضمر المرفوع ولا على المضمر المجرور، وإن جاز عطفه على المضمر المنصوب، فكذلك هاهنا يجوز أن يقع المضمر منصوبا، وإن كان المظهر لو وقع كان مجرورا.
ولنا أنه اسم مضاف إليه اسم قبله، فوجب أن يكون مجرورا قياسا على: ضاربا زيدٍ، وغلاما بكر، وهذا لأن المضاف إليه يعاقب النون أو التنوين، وهذا الاسم عاقب النون، حتى لا يجمع بينه وبين النون في حال السعة، فوجب أن يكون مجرورا، ولأن المضمر يعتبر بالمظهر ما لم يعرض هناك- عارض- مثل- ما عرض في باب العطف/ بامتناع المظهر على المضمر المرفوع، لما صار المضمر المرفوع كالجزء من الفعل، بدليل إسكانهم لام الفعل من أجل هذا المضمر، في «ضربت» ، وامتنع عطف المظهر المجرور على المضمر المجرور، لامتناع الفصل بين الجار والمجرور، وهذا المعنى لم يعرض هاهنا، فبقى اعتباره بالمظهر. وأما انتصاب «أهلك» من قوله: (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ) «١» فبفعلٍ مضمرٍ، لامتناعه من أن يكون معطوفا على مضمر مجرور، لأن الظاهر لا يعطف على المضمر المجرور.
وأما الهاء في قوله: (ما هُمْ بِبالِغِيهِ) «٢» فقد قال أبو على: المعنى: ما هم ببالغي ما في صدورهم، وليس المعنى: ما هم ببالغي الكبر، لأنهم قد بلغوا الكبر، إذ كانوا قد فعلوه وطووا صدورهم عليه.
стр. 792
فإن قلت: فإن معنى قوله: (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ) «١» : ما في صدورهم إلا كبر. وإذ لم يكن في صدورهم إلا كبر، قلت: المعنى: ما هم ببالغي ما في صدورهم فقد قلت: إن المعنى: ما هم ببالغي ما في الكبر لأن في صدورهم الكبر لا غير.
فالقول في ذلك: إن هذا على الاتساع، وتكثير «الكبر» لا يمتنع أن يكون في صدورهم غيره، ألا ترى أنك قد تقول للرجل: ما أنت إلا سير، وما أنت إلا شرب الإبل وإذا كان كذلك كان المعنى: إن في صدورهم إلا كبر، ما هم ببالغي ما في صدورهم، ويكون المعنى بقوله «ما في صدورهم» :
ما كانوا يجادلونه من أمر النبي، صلى الله عليه وعلى آله. كقوله تعالى:
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) «٢» ، فمعنى (ما هُمْ بِبالِغِيهِ) «٣» ما هم ببالغي ما يرونه من توهين أمره وتنفير الناس عنه وصدهم عن الدين.
قال أبو عثمان المازني: ولا يضاف «ضارب» إلى فاعله، لأنك لا تضيفه إليه مضمرا، وكذلك لا تضيفه إليه مظهرا.
قال: وجازت إضافة المصدر إلى الفاعل مظهراً لما جازت إضافته إليه مضمرا. وكأن أبا عثمان إنما اعتبر في هذا الباب المضمر فقدمه وحمل عليه المظهر، / من مثل أن المضمر أقوى حكما في باب الإضافة من المظهر، وذلك أن المضمر أشبه بما تحذفه الإضافة، وهو التنوين، من
стр. 793
المظهر. وكذلك لا يجتمعان فى نحو: ضار بانك، وقاتلونه، من حيث كان المضمر بلطفه وقوة اتصاله، وليس كذلك المظهر لقوته ووفور صورته، ألا ترك تثبت معه التنوين فتنصبه، نحو: ضاربان زيدا، وقاتلون بكرا، فلما كان المضمر مما تقوى معه مراعاة الإضافة حمل المظهر، وإن كان هو الأصل، عليه.
стр. 794
الباب الخامس والخمسون
باب ما جاء في التنزيل في جواب الأمر فمن ذلك قوله تعالى: (فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا) «١» ف «يخرج لنا» جزم، لأن التقدير: ادع لنا ربك وقل له أخرج يخرج لنا مما تنبت الأرض.
ومنه قوله: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ) «٢» أي: أخرجها تخرج.
وقال: (قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ) «٣» ، ففي «يقيموا» ثلاثة أقوال:
الأول: أن يكون جواب «قل» ، لأنه يتضمن معنى: مرهم بالصلاة يفعلوا، لأنهم آمنوا.
والثاني: أن «قل» تقتضى مقولا، وذلك المقول هاهنا «أقيموا» ، فالتقدير: قل لهم أقيموا الصلاة يقيموها، أي: إن قلت أقيموا أقاموا، لأنهم يؤمنون، فيكون جواب أمر محذوف دل عليه الكلام.
والثالث: أن يكون بحذف اللام من فعل أمر الغائب، على تقدير:
قل لهم ليقيموا الصلاة. وجاز حذف اللام هنا، ولا يجوز ابتداء مع الجزم، لأن لفظ الأمر هاهنا صار عوضا من الجازم، وفي أول الكلام لا يكون له عوض إذا حذف «٤» .
стр. 795
وفي «التذكرة» في قوله: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) «١» إلى قوله (يَغْفِرْ لَكُمْ) «٢» قيل: «تؤمنون» على إرادة «أن» فلما حذفت رفع، كأنه: هل أدلكم على أن تؤمنوا، على أنه بدل من «تجارة» فلما حذف رفع، فيكون المعنى معنى «أن» ، وإن حذفت، وأن يكون بمعنى «آمنوا» / أقوى، لانجزام قوله «يغفر» ، ألا ترى أنه لا يخلو من أن يكون جوابا لقوله: (هَلْ أَدُلُّكُمْ) ، أو يكون جواب «آمنوا» ، فلا يكون جواب «هل أدلكم» لأنه ليست المغفرة تقع بالدلالة، إنما تقع بالإيمان، فإذا لم يمتنع أن يكون جوابا له ثبت أنه بمعنى الأمر. هذا قول سيبويه «٣» .
وقال قوم: إن قول الفراء أجود، وذا كأن «تؤمنوا» لا يقتضى جوابا مجزوما، لأنه مرفوع والاستفهام يقتضيه، وإذا وجب بالإجماع حمل الكلام على المعنى، فأن يقدر «هل تؤمنوا يغفر» أولى، لارتفاع «تؤمنون» ، ولكون المعنى عليه، ويكون «تؤمنون» بدلا من «أدلكم» .
قال أبو عثمان في قوله: (وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) «٤» : التقدير في «يقولوا» : «قولوا» ، لأنه إذا قال «قل» فقوله لم يقع بعد، فوقوع «يفعل» في موضع «افعلوا» غير متمكنٍ في الأفعال، فلما وقع التمكن وقع «افعلوا» وهكذا تقول في قوله:
إذا الدين أودى بالفساد فقل له ... يدعنا ورأساً من معدٍّ نصارمه
أي: دعنا. وهذا لا يرتضيه أبو علي، لأن الموجب للبناء في الاسم الواقع موقع المبني لا يكون مثل ذلك في الأفعال، وإنما يكون فى الأسماء.
стр. 796
الباب السادس والخمسون
هذا باب ما جاء في التنزيل من المضاف الذي اكتسى من المضاف إليه بعض أحكامه فمن ذلك قوله تعالى: (فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) «١» ، وقف على «فاقع» ، أنث اللون، لأنه قد اكتسى من المضاف إليه التأنيث.
وقال: (فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) «٢» ، لما أضاف «الأمثال» إلى المؤنث اكتسى منه التأنيث، ولم يقل «عشرة» .
وقال: (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) «٣» ، في قراءة الحسن «٤» بالتاء.
ومن ذلك قوله: (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) «٥» ، (وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ) «٦» ، (مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ) «٧» .
وقوله: (فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ) «٨» ، فيمن فتح، فتحه لأنه بناه حين أضافه إلى «إذ» فاكتسى منه البناء.
وربما يكتسى منه الشيوع، ومعنى الشرط، ومعنى الاستفهام.
فالشيوع كقوله: (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا) «٩» ، لما أضاف «مثل» إلى «اللام» كان بمعنى اللام «١٠» .
стр. 797
فأما قوله تعالى: (قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) «١» ، فليس من هذا الباب، لأنه مضاف إلى المعرب دون المبني، فانتصابه إنما هو على الظرف، أي: هذا واقع يوم ينفع الصادقين أو يكون ظرفا ل «قال» ، أي: قال الله هذا في ذلك اليوم.
وقال قوم: (يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) «٢» : إن قوله (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ) «٣» مبني على الفتح، وهو في موضع الرفع، لأنه بدل من قوله (يَوْمُ الدِّينِ) «٤» .
وقالوا: إنما بني لأنه أضيف إلى الجملة، والجملة لا يتبين فيها الإعراب، فلما أضيف إلى شيئين كان مبنياًّ.
وقالوا في قوله تعالى: (وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ) «٥» فجرى ذكر «الدين» .
وهو الجزاء، قال: (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) «٦» أي: الجزاء يوم لا تملك، فصار (يَوْمَ لا تَمْلِكُ) خبر الجزاء المضمر، لأنه حدث، فيكون اسم الزمان خبرا عنه ويقوى ذلك قوله: (الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) «٧» .
ويجوز النصب على أمرٍ آخر، وهو أن «اليوم» لما جرى في أكثر الأمر ظرفا ترك على ما كان يكون عليه في أكثر أمره ومن الدليل على ذلك ما اجتمع عليه القراء فى قوله تعالى: (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ) «٨» .
стр. 798
وقوله تعالى: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ) «١» .
ومثله: (وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ) «٢» .
ومثله: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) «٣» فيمن نصب.
ومثله: (يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) «٤» ، مرتبا للمفعول، لما جرى «بين» في كلامهم منصوبا بقاه على النصب.
قال سيبويه: وسألته «٥» عن قولهم في الأزمنة: كان ذلك زمن زيدٍ أمير؟
فقال: لما كانت بمنزلة «إذ» أضافوها إلى ما قد عمل بعضه في بعض، كما يدخلون «إذ» على ما قد عمل بعضه في بعض فلا يغيرونه، فشبهوا هذا بذاك.
ولا يجوز هذا في الأزمنة حتى تكون بمنزلة «إذ» ، فإن قلت: يكون هذا يوم زيد أمير، خطأ. حدثنا بذلك عن يونس عن العرب في ذلك، لأنك لا تقول: يكون هذا إذا زيد أمير.
قال أبو عثمان: جملة هذا الباب: إن الزمان إذا كان ماضيا/ أضيف إلى الفعل أو إلى الابتداء والخبر، لأنه في معنى «إذ» ، فأضيف إلى ما يضاف إليه، وإذا كان لما لم يقع لم يضف إلا إلى الأفعال، لأنه في معنى «إذا» «وإذا» هذه لا تضاف إلّا إلى الأفعال.
стр. 799
قلت: وفى التنزيل: (يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ) «١» ، و (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ) «٢» .
وفيما اكتسى المضاف من المضاف إليه التأنيث: (وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ) «٣» و (الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ) «٤» ، وقوله: (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ) «٥» ، جاء تأنيث الفعل في هذه الآي وأمثالها، لأن «كلا» لما أضيف إلى المؤنث اكتسى منه التأنيث ليكون حجة لقراءة الحسن (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) «٦» و «كل» ك «بعض» و «بعض» ك «كل» .
стр. 800
الباب السابع والخمسون
هذا باب ما جاء في التنزيل وصار المضاف إليه عوضا من شيء محذوف فمن ذلك قوله تعالى: (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ) «١» ، وأنت تقول: أقمت إقامة، فإذا قلت: إقام الصلاة، حذفت التاء، ويصير المضاف إليه عوضا من التاء.
نظيره في الأنبياء: (فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ) «٢» .
وقد شاع كون المضاف إليه بدلاً من التنوين والألف واللام.
стр. 801
الباب الثامن والخمسون
هذا باب ما جاء في التنزيل معطوفا وليس المعطوف مغايرا للمعطوف عليه وإنما هو هو أو بعضه فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) «١» ، إن حملت الكلام على المعنى وقلت: إن التقدير: أحرص من الناس، كان «الذين أشركوا» داخلين معهم، وخصوا بالذكر لشدة عنادهم.
ومثله: (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) «٢» .
ومثله: (إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) «٣» .
ومثله: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً) «٤» ، و «الضياء» في المعنى هو الفرقان.
وقال: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) «٥» .
فأما قوله: (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) «٦» ، فالشافعي يجعله من هذا الباب فيقول، لو قال رجل: والله لا آكل الفاكهة فأكل من هذين يحنث، وجعله من هذا الباب ك «جبريل وميكال» .
стр. 802
وأبو حنيفة يحمله على أصل العطف من المغايرة دون ما خص بالذكر بعد الواو، إما تعظيماً، وإما لمعنى آخر.
ومثله: (الَّذِي/ خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) «١» ، إلى قوله: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) «٢» .
وحكى سيبويه: مررت بزيد وصاحبك، ولا يجوز: فصاحبك، بالفاء، خلافا لأبي الحسن الأخفش.
وقال: (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) «٣» .
وفي موضع آخر: (تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ) «٤» . والكتاب والقرآن واحد.
فأما قوله، (تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ) «٥» .
فيكون من هذا الباب، فيكون «الذي» في موضع الجر، أي: تلك آيات الكتاب المنزل إليك، ويرتفع «الحق» إذاً بإضمار مبتدأ، ويكون «الذي» مبتدأ، و «الحق» خبرا له.
стр. 803
الباب التاسع والخمسون
هذا باب ما جاء في التنزيل من التاء في أول المضارع فيمكن حمله على الخطاب أو على الغائبة فمن ذلك قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها) «١» ، يجوز أن يكون: «تطهرهم أنت» ، وأن يكون التقدير: تطهرهم هي، يعني الصدقة، فيكون الأول حالا من الضمير في «خذ» ، وفي الثانية صفة ل «صدقة» .
قال أبو علي: يمكن أن يكون حالا للمخاطب، أي: خذها مطهراً لهم، فإن جعلت «تطهر» صفة ل «صدقة» لم يصح أن يكون «تزكيهم» حالا من المخاطب، فيتضمن ضميره لأنك لو قلت: خذ مزكيا، وأنت تريد الحال، فأدخلت الواو، لم يجز ذلك لما ذكرنا، ويستقيم في «تطهرهم» أن يكون وصفا، وكذلك «تزكيهم» وصفا له، وكذلك «تزكيهم» لمكان «بها» . كما يستقيم فيهما أن تكونا حالين، ولا يستقيم أن تكون الأولى وصفا والأخرى للمخاطب، كما لا يجوز أن تكون الأولى حالا والأخرى وصفا، لمكان الواو.
ومن ذلك قوله: (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ) «٢» . أي تحل أنت وإن شئت: أو تحل القارعة.
стр. 804
ومثله: (وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ) «١» ، إن شئت: تلقف أنت، وإن شئت: تلقف العصا التي في يمينك، فأنث على المعنى.
وقال: (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها) «٢» إن شئت: تحدث أنت، أو: تحدّث هى، يعنى الأرض.
стр. 805
الباب المتم الستين
هذا باب ما جاء في التنزيل من واو الحال تدخل على الجملة من الفعل والفاعل، والمعروف منها دخولها على المبتدأ والخبر، كقوله:
(وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) «١» .
وقد دخل على الفعل والفاعل في مواضع فمن ذلك قوله: (لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ) «٢» كان سهل «٣» يقف على «ذلول» ويبتدى بقوله: «تثير الأرض» فيكون «الواو» في «ولا تسقى الحرث» للحال دون العطف، لأن النفي لا يعطف على الإثبات.
ومن ذلك قوله: (إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً) ، (وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ) «٤» ، أي: غير مسئول، فهو في موضع الحال، وحمله مرةً أخرى على الإثبات.
ومن ذلك قوله تعالى: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ) «٥» ، فيمن خفف النون. قال: وإن شئت كان على لفظ الخبر، والمعنى: معنى الأمر، كقوله: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) «٦» ، (لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها) «٧» ، أي: لا ينبغي ذلك.
وإن شئت جعلته حالا من «استقيما» ، وتقديره: استقيما غير متبعين.
وأنشد فيه أبياتاً تركتها مع أبيات أخرى.
стр. 806
فأما قوله: (وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ) «١» ، فإنهما كانا طائفتين: طائفة قالت: يا أهل يثرب لا مقام لكم، وطائفة تستأذن النبي. فالواو للاستئناف عطف على «وإذ قالت» .
ويجوز أن يكون للحال من «الطائفة» ، أي: وإذ قالت طائفة منهم كيت وكيت، مستأذنا فريق منهم النبي. وجاز لربط الضمير الجملة بالطائفة، أي: قالت كذا، وحال طائفة كذا.
ومن ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً) «٢» . يجوز أن يكون حالاً من الباغين، أي: يصدون باغين ويجوز أن يكون حالا من «السبيل» .
ويجوز الاستئناف، لقوله في الآية الآخرى: (وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً) «٣» . وحكم تعديته- أعني «تبغون» - إلى أحد المفعولين، أن يكون بحرف الجر، نحو: بغيت لك خيرا، ثم يحذف الجار.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) «٤» . الواو في «اتخذتموه» واو الحال، أي: أرهطي أعز عليكم من الله وأنتم بصفة كذا؟ فهو داخل فى حيز الاستفهام.
стр. 807
/ ومن ذلك قوله تعالى: (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ) «١» قيل: لم يقولوا: إن شاء الله. وقيل: لم يستثنوا حق المساكين. فعلى الثاني: الواو للحال، أي: أقسموا غير مستثنين، وعلى الأول: الواو للعطف، أي: أقسموا وما استثنوا، فهو حكاية الحال من باب: (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ) «٢» .
وإن شئت من باب: (كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ) «٣» نظير قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) «٤» ، وقوله: (عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ) «٥» ، وقوله: (رَبِّ ارْجِعُونِ) «٦» .
وأما قوله: (يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا) «٧» .
قال الجرجاني «٨» : كما لا يجوز أن يكون «لا نكذب» معطوفاً على «نرد» لأنه يدخل بذلك الحتم ويجرى مجرى أن يقال: يا ليتنا لا نكذب، كذلك لا يجوز أن تكون الواو للحال، لأنه يوجب مثل ذلك من دخوله في التمني من حيث كانت الواو إذا كانت للحال ربطت الجملة بما قبلها.
فإذا قلت: ليتك تأتيني وأنت راكب، كنت تمنيت كونه راكبا، كما تمنيت الإتيان. فإن قلت ما تقول في مثل قول المتنبي:
فليتك ترعاني وحيران معرضٌ «٩»
لا يتصور أن يكون دنوه من «حيران» متمنًّى، فإن ذلك لا يكون لأن المعنى
стр. 808
في مثل هذا شبيه التوقيف، نحو: ليتك ترعاني حين أعرض حيران، وحين انتهيت إلى حيران، ولا يكون ذلك إلا في الماضي الذي قد كان ووجد، وكلامنا في المستقبل، فهذه زيادة فى آخر الكتاب تجىء على قول الفراء دون سيبويه وأصحابه، من عطف الظاهر المجرور على المضمر المجرور، يذهب إليه في عدة آي:
منها قوله: (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ) «١» ، يحمل جر «المسجد» على «الهاء» .
ومنها قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) «٢» ، فيمن قرأها بالجر.
ومنها قوله: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ) «٣» ومنها قوله: (لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) «٤» ، يحمل «أخي» على «الياء» في «نفسي» .
ومنها قوله: (وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ) «٥» ، يحمل «من» على «الكاف والميم» .
ونحن ذكرنا الأجوبة في هذا الكتاب وأبطلنا مقالته أن سيبويه «٦» لا يجيز:
مررت به وزيدٍ، حتى يقول: وبزيد، بإعادة الباء، لأنه لا يقال:
بزيد و «ك» ، / حتى تقول: «وبك» فأخذ هذا من ذاك، ولأن حرف الجر لا ينفصل عن المجرور، والتأكيد في هذا مخالف للعطف، لأنه يجيز:
مررت بك نفسك، لأنه يجوز: مررت بنفسك، ولا يجوز: مررت
стр. 809
بك أنت وزيد، حتى تقول: وبزيد، فالتأكيد ب «أنت» : يخالف التأكيد بالنفس، وللفراء أبياتٌ كلها محمولة على الضرورة.
قالوا: والتوكيد بالمضمر المجرور لا يحسن عطف الظاهر عليه كما حسن في المرفوع، لأن المرفوع بالفعل قد يكون غير متصل بالفعل الرافع له الظاهر فيه، وإنما استحسن التوكيد لأن التوكيد خارج عن الفعل، فنصبوه بمنزلة الفاعل الذي ليس متصلا، فيعطف عليه كما يعطف على ما ليس بمتصل من الفاعل، والمجرور لا يكون إلا متصلا بالجار، فلا يخرجه التوكيد إلى شبه ما ليس بمتصل.
стр. 810
الباب الحادي والستون
باب ما جاء في التنزيل من حذف «هو» من الصلة. وهذا الباب وإن تقدم على التفصيل فينبغي أن يفرد له باب فمن ذلك قوله تعالى: (مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها) «١» ، فيمن رفع.
وقوله: (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) «٢» فيمن رفع أيضا.
وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ) «٣» .
فالتقدير في هذه كلها: ما هي بعوضة، وتماما على الذي هو أحسن، وهو الذي هو في السماء إله.
فأما قوله: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا) «٤» ، فعلى مذهب سيبويه «٥» من هذا الباب، والتقدير: أيهم هو أشد، فحذف «هو» ، فلما حذف «هو» دخله نقص فعاد إلى البناء، لأن «أيا» إنما أعرب من جملة أخواته إذ كان بمعنى «الذي» حملاً على البعض، فلما نقص عاد إلى البناء.
واستبعد أبو بكر قول سيبويه، وقال: لأنه لو كان مبنيا لكل بناؤه في غير الإضافة أحق وأجوز، ولا يلزم ذلك لأنه على تقدير إضافة لازمة/ مع الحذف، وكلزوم الألف واللام في «الآن» .