← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23585

إعراب القرآن للباقولي - منسوب خطأ للزجاج

أبو الحسن الباقولي

Полный текст (1 085 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فأما قوله: (وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ) «١» ، فإنهما كانا طائفتين: طائفة قالت: يا أهل يثرب لا مقام لكم، وطائفة تستأذن النبي. فالواو للاستئناف عطف على «وإذ قالت» . ويجوز أن يكون للحال من «الطائفة» ، أي: وإذ قالت طائفة منهم كيت وكيت، مستأذنا فريق منهم النبي. وجاز لربط الضمير الجملة بالطائفة، أي: قالت كذا، وحال طائفة كذا. ومن ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً) «٢» . يجوز أن يكون حالاً من الباغين، أي: يصدون باغين ويجوز أن يكون حالا من «السبيل» . ويجوز الاستئناف، لقوله في الآية الآخرى: (وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً) «٣» . وحكم تعديته- أعني «تبغون» - إلى أحد المفعولين، أن يكون بحرف الجر، نحو: بغيت لك خيرا، ثم يحذف الجار. ومن ذلك قوله تعالى: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا) «٤» . الواو في «اتخذتموه» واو الحال، أي: أرهطي أعز عليكم من الله وأنتم بصفة كذا؟ فهو داخل فى حيز الاستفهام.

стр. 807

/ ومن ذلك قوله تعالى: (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ) «١» قيل: لم يقولوا: إن شاء الله. وقيل: لم يستثنوا حق المساكين. فعلى الثاني: الواو للحال، أي: أقسموا غير مستثنين، وعلى الأول: الواو للعطف، أي: أقسموا وما استثنوا، فهو حكاية الحال من باب: (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ) «٢» . وإن شئت من باب: (كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ) «٣» نظير قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) «٤» ، وقوله: (عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ) «٥» ، وقوله: (رَبِّ ارْجِعُونِ) «٦» . وأما قوله: (يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا) «٧» . قال الجرجاني «٨» : كما لا يجوز أن يكون «لا نكذب» معطوفاً على «نرد» لأنه يدخل بذلك الحتم ويجرى مجرى أن يقال: يا ليتنا لا نكذب، كذلك لا يجوز أن تكون الواو للحال، لأنه يوجب مثل ذلك من دخوله في التمني من حيث كانت الواو إذا كانت للحال ربطت الجملة بما قبلها. فإذا قلت: ليتك تأتيني وأنت راكب، كنت تمنيت كونه راكبا، كما تمنيت الإتيان. فإن قلت ما تقول في مثل قول المتنبي: فليتك ترعاني وحيران معرضٌ «٩» لا يتصور أن يكون دنوه من «حيران» متمنًّى، فإن ذلك لا يكون لأن المعنى

стр. 808

في مثل هذا شبيه التوقيف، نحو: ليتك ترعاني حين أعرض حيران، وحين انتهيت إلى حيران، ولا يكون ذلك إلا في الماضي الذي قد كان ووجد، وكلامنا في المستقبل، فهذه زيادة فى آخر الكتاب تجىء على قول الفراء دون سيبويه وأصحابه، من عطف الظاهر المجرور على المضمر المجرور، يذهب إليه في عدة آي: منها قوله: (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ) «١» ، يحمل جر «المسجد» على «الهاء» . ومنها قوله: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) «٢» ، فيمن قرأها بالجر. ومنها قوله: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ) «٣» ومنها قوله: (لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي) «٤» ، يحمل «أخي» على «الياء» في «نفسي» . ومنها قوله: (وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ) «٥» ، يحمل «من» على «الكاف والميم» . ونحن ذكرنا الأجوبة في هذا الكتاب وأبطلنا مقالته أن سيبويه «٦» لا يجيز: مررت به وزيدٍ، حتى يقول: وبزيد، بإعادة الباء، لأنه لا يقال: بزيد و «ك» ، / حتى تقول: «وبك» فأخذ هذا من ذاك، ولأن حرف الجر لا ينفصل عن المجرور، والتأكيد في هذا مخالف للعطف، لأنه يجيز: مررت بك نفسك، لأنه يجوز: مررت بنفسك، ولا يجوز: مررت

стр. 809

بك أنت وزيد، حتى تقول: وبزيد، فالتأكيد ب «أنت» : يخالف التأكيد بالنفس، وللفراء أبياتٌ كلها محمولة على الضرورة. قالوا: والتوكيد بالمضمر المجرور لا يحسن عطف الظاهر عليه كما حسن في المرفوع، لأن المرفوع بالفعل قد يكون غير متصل بالفعل الرافع له الظاهر فيه، وإنما استحسن التوكيد لأن التوكيد خارج عن الفعل، فنصبوه بمنزلة الفاعل الذي ليس متصلا، فيعطف عليه كما يعطف على ما ليس بمتصل من الفاعل، والمجرور لا يكون إلا متصلا بالجار، فلا يخرجه التوكيد إلى شبه ما ليس بمتصل.

стр. 810

الباب الحادي والستون باب ما جاء في التنزيل من حذف «هو» من الصلة. وهذا الباب وإن تقدم على التفصيل فينبغي أن يفرد له باب فمن ذلك قوله تعالى: (مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها) «١» ، فيمن رفع. وقوله: (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) «٢» فيمن رفع أيضا. وقوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ) «٣» . فالتقدير في هذه كلها: ما هي بعوضة، وتماما على الذي هو أحسن، وهو الذي هو في السماء إله. فأما قوله: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا) «٤» ، فعلى مذهب سيبويه «٥» من هذا الباب، والتقدير: أيهم هو أشد، فحذف «هو» ، فلما حذف «هو» دخله نقص فعاد إلى البناء، لأن «أيا» إنما أعرب من جملة أخواته إذ كان بمعنى «الذي» حملاً على البعض، فلما نقص عاد إلى البناء. واستبعد أبو بكر قول سيبويه، وقال: لأنه لو كان مبنيا لكل بناؤه في غير الإضافة أحق وأجوز، ولا يلزم ذلك لأنه على تقدير إضافة لازمة/ مع الحذف، وكلزوم الألف واللام في «الآن» .

стр. 811

فإن قلت: لم استحسن: لأضربن أيهم أفضل، وامرر على أيهم أفضل. ومثله قوله تعالى: (لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ) «١» بإضمار «هو» ، ومثل قوله: إذا ما أتيت بني مالك ... فسلم على أيهم أفضل ولم يستحسن: بالذي أفضل، ولأضربن الذي أفضل، وقال: هذا ضرورة، مثل قول عدي: لم أر مثل الفتيان في غبن ال ... أيام ينسون ما عواقبها «٢» أي هو فيمن قال: «ما» خبر، دون أن تجعله زيادة، فالجواب «قال» لأن «أيهم أفضل» مضاف، وكان المضاف إليه قام مقام المحذوف، «والذي» ليس بمضاف، فخالف «أيهم» فأما إذا لم يكن «أي» مضافا فهو في نية الإضافة اللازمة. قال سيبويه: واعلم أن قولهم: فكفى بنا فضلاً على من غيرنا «٣» أجود يعنى، الرفع وهو ضعيف، وهو نحو: مررت بأيهم أفضل، وكما قرأ بعض الناس هذه الآية تماما على الذي أحسن. واعلم أنه قبيح أن تقول: هذا من منطلق، إن جعلت «المنطلق» وصفا أو حشوا، فإن أطلت الكلام فقلت: خير منك، حسن في الوصف والحشو. وزعم الخليل أنه سمع من العرب رجلا يقول: ما أنا بالذي قائل لك سوءا، وما أنا بالذي قائل لك قبيحا، إذا أفرده فالوصف بمنزلة الحشو، لأنه يحسن بما بعده، كما أن المحشو إنما يتم بما بعده.

стр. 812

فنرى سيبويه رجح في هذا الفصل رفع «غير» ، وإن كان «هو» محذوفا على حده تابعاً ل «من» المذكور. والحديث ذو شجون، جر هذا الحديث ما فيه تدافعٌ يدفع أحدهما صاحبه، فمن ذلك هذا ما نقلته لك. ومنه قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) «١» ، يحرك هنا شيئان: الابتداء بالنكرة، أو أن تقدر الجملة تقدير المفرد فتجعله مبتدأ، وإن لم يكن في اللفظ، فإما أن تقدر: الإنذار وترك الإنذار سواء أو تقدر: سواء عليهم الإنذار وتركه. ولما كان هذا الكلام على هذا التجاذب قرأ من قرأ فى سورة يس: (وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) «٢» ، فجعل «سواء» دعاء، كما كان «ويل» و «ويح» و «ويس» «٣» و «جندل وترب» «٤» كذا. ومما تجاذبه شيآن من هذا الجنس قوله تعالى: (وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ) «٥» / فتحمله على حذف الموصوف، أو على حذف «أن» ، وكلاهما عنده كما ترى إلا أن حذف الموصوف أكثر من حذف «أن» . ومنه قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا) «٦» إما أن تقدر: وممن حولكم من الأعراب منافقون مردوا ومن أهل المدينة، أو تقدر: ومن أهل المدينة إن مردوا. ومن ذلك قوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) «٧» إما أن تقدر «ليس» كصاحب صفته، فتضمر المضاف أو تقدر زيادة «الكاف» . فهذا مما تجاذبه الحذف والزيادة، وكان الحذف أكثر من الزيادة، ومثله: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ) «٨»

стр. 813

الباب الثاني والستون هذا باب ما جاء في التنزيل من إجراء غير اللازم مجرى اللازم وإجراء اللازم مجرى غير اللازم فمن ذلك قوله: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) «١» ، وقوله: (فَهِيَ كَالْحِجارَةِ) «٢» . جعلوا «الواو» من قوله «وهو» ، و «الفاء» من قوله «فهي» بمنزلة حرف من الكلمة، فاستجازوا إسكان «الهاء» تشبيها ب «فخذ» و «كبد» ، لأن الفاء والواو لا ينفصلان منهما. ومثله لام الأمر من قوله: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا) «٣» . استجازوا إسكانها لاتصالها بالواو، فأما: (ثُمَّ لْيَقْطَعْ) «٤» وقوله (ثُمَّ هُوَ) «٥» فمن أسكن «اللام» و «الهاء» معها أجراها مجرى أختيها، ومن حركها فلأنها منفصلة عن اللام والهاء. قال أبو علي: قد قالت العرب: لعمرى، و: رعملى، فقلبوا لما عدوا «اللام» كأنها من الكلمة، كما قلبوا «قسيا» ونحو ذلك، وكذلك قول من قال: «كاء» في قوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ) «٦» و (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) «٧» أبدل الألف من الياء، كما أبدلها فى «طيىء» : «طاء» . ونحو ذلك. ومثل ذلك (وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ) «٨» لمّا كان يتقه مثل «علم» «٩» .

стр. 814

ومن ذلك قوله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً) «١» ، وقوله: (وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً) «٢» ولما كان مثلين من كلمتين استجازوا الإدغام كما استجازوه فى نحو: «ردّ» ، و «مدّ» . وقد قالوا: لم يضربها ملق، فامتنعوا من الإمالة لمكان المستعلى، وإن كان منفصلا، كما امتنعوا من إمالة «نافق» ، ونحوه من المتصلة «٣» . ومن ذلك قوله: (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ) «٤» و (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) «٥» . فهذا بيانه نحوٌ من بيان سبب «تلك» ، و «جعل لك» / إلا أنه أحسن من قوله: الحمد لله العلي الأجلل وبابه، لأن هذا إنما يظهر مثله في صورةٍ، وإظهار نحو «اقتتل» مستحسن، وعن غير ضرورةٍ، وكذلك قوله: (أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ) «٦» و (أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ) «٧» و (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) «٨» وما أشبه ذلك، وكذلك: يضربونني، وهم يضربانني، أجرى مجرى: «يضربان نعمان» «ويشتمون نافعا» ووجه الشبه بينهما أن نون الإعراب هذه لا يلزم أن يكون بعدها نون الأتراك،

стр. 815

تقول: يضربان زيداً، ويكرمونك ومن أدغم نحو هذا، واحتج بأن المثلين في كلمة واحدة، فقال: يضرباني، وقل أتحاجونا، فإنه يدغم أيضا، نحو «اقتتل» . فيقول: قتل، ومنهم من يقول: اقتتل، فيثبت همزة الوصل مع حركة الفاء لما كانت الحركة عارضة للنقل أو للالتقاء الساكنين، وهذا مبين في فصل الإدغام «١» . ومن ضد ذلك قولهم: ها الله، أجرى مجرى: «دابة» و «شابة» . وكذلك قراءة من قرأ: (وَلا تَيَمَّمُوا) «٢» ، (وَلا تَفَرَّقُوا) «٣» ، (وَاذْكُرُوا) «٤» ، (وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ) «٥» ، وقوله: (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) «٦» ، في نيف وثلاثين موضعا، أدغم التاء الأولى في الثانية، وجعل ما ليس من الكلمة كأنهما واحد. ومثله: (إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ) «٧» ، هذا كما أنشدوه من قوله: من أي يومي من الموت أفر ... أيوم لم يقدر ام يوم قدر والقول فيه أنه أراد: أيوم لم يقدر أم يوم قدر، ثم خفف همزة «أم» فحذفها. وألقى فتحتها على «لم يقدر» ، فصار تقديره: أيوم لم يقدر، ثم أشبع

стр. 816

فتحة الراء فصار تقديره: لم يقدر ام، فحرك الألف لالتقاء الساكنين، فانقلبت همزة فصار: يقدر أم، واختار الفتحة إتباعا لفتحة الراء. ونحو من هذا التخفيف قولهم في «المرأة» و «الكمأة» إذا خففت الهمزة: «المرأة» و «الكماة» ، وهذا إنما يجوز في المتصل. ومن ذلك قوله: (لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) «١» . «لكنا» أصله: لكن أنا، فخففت الهمزة فحذفها وألقيت حركتها على نون «لكن» ، فصارت «لكنا» فأجرى غير اللازم مجرى اللازم، فاستثقل التقاء المثلين متحركين. فأسكن الأول وأدغم الثاني، فصار/ «لكنا» كما ترى. وقياس قراءة من قرأ (قالوا الن) «٢» فحذف الواو، ولم يحفل بحركة اللام، أن يظهر النونين هناك، لأن حركة الثانية غير لازمة، فقوله «لكننا» بالإظهار كما يقول في تخفيف «حوأبة» و «جيأل» : حوية، وجيل، فيصبح حرفا اللين هنا لا يقلبان، لما كانت حركتهما غير لازمة. ومثله قوله: (قالُوا الْآنَ) «٣» ... «٤» لأن قوله: (عاداً الْأُولى) «٥» من أثبت التنوين

стр. 817

في «عاد» ولم يدغمها في اللام. فلأن حركة اللام غير معتد بها، لأنها نقلت إليها من همزة «أولى» ، فاللام في تقدير السكون وإن تحركت، فكما لا يجوز الإدغام في الحرف الساكن فكذا لا يدغم في هذه اللام. و «عادا» على لغة من قال: «ألحمر» ، فأثبت همزة الوصل مع تحرك اللام، لأنها غير معتد بها. ومن قال: «عاد لولى» ، فأدغم، فإنه قد اعتد بحركة اللام فأدغم، كما أن من قال: (قالوا لان) ، أثبت الواو اعتداداً بحركة اللام. ومثله قوله تعالى: (إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ) «١» ، من اعتد بحركة اللام أسكن النون، ومن لم يعتد حرك النون. ومن ذلك قوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ) «٢» ، حرك النون من «يكن» لالتقاء الساكنين، ولم يعتد بها لأنها في تقدير السكون، ولو كان الاعتداد بها لأعاد ما حذف من أجله، وهو الواو. وقال أبو علي: فإن قلت: فقد اعتدوا بتحريك التقاء الساكنين في موضع آخر، وذلك قوله: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) «٣» ، ألا ترى أن من يقول: لم يك زيد منطلقا، إذا تحرك لالتقاء الساكنين لم يحذف، كما أنه إذا تحرك بحركة الإعراب لم يحذف، فالقول إن ذلك أوجه من الأول من حيث كثر في الاستعمال وجاء به التنزيل، فالاحتجاج به أقوى. فأما حذف الشاعر له مع تحريكها بهذه الحركة، كما يحذفها إذا كانت ساكنة، فإن هذه الضرورة من رد الشيء إلى أصله، نحو- يعنى بحذف الشاعر له- قوله:

стр. 818

لم يك الحق على أن هاجه ... رسم دارٍ قد تعفى بالسرر «١» وقد ذكرنا في «المستدرك» أن هذا ليس بلغة من قال: لم «يكن» ، وإنما من لغة من قال: (أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ) «٢» و (وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ) «٣» ، وما أشبه ذلك. ومن ذلك قوله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) «٤» ، و (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ) «٥» ، و (قُمِ اللَّيْلَ) «٦» ، (قُلِ اللَّهُ) «٧» ، (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ) «٨» . يعتد بكسرة اللام والميم فلم يرد المحذوف، كما اعتد بها في قوله: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً) «٩» ، َقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ) «١٠» فرد المحذوف لما اعتد بفتح اللام. ومن قرأ: «فقلا له قولاً لينا» حمله على قوله: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) «١١» ، فإن قلت: إنهم قد اعتدوا بحركة التقاء الساكنين في قوله: (عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) «١٢» و (مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ) «١٣» و (إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ) «١٤» . فيمن قرأ بضم الهاء، إنما ضموا تبعا لضم الميم. وهي لالتقاء الساكنين، وعلى ما قدمت تلك حركة لا اعتداد بها، فكيف أتبعها الهاء؟ قيل: إن من ضم الهاء أراد الوفاق بين الحركتين. وهم مما يطلبون المطابقة، فكأنهم اعتدوا لأجل هذا المعنى بحركة التقاء الساكنين.

стр. 819

فمن ذلك قوله تعالى: (وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي) «١» . و (وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ) «٢» . وقوله: زنت الأمة، وبغت الأمة، فحذفوا الألف المنقلبة عن اللام، لسكونها وسكون تاء التأنيث، ولما حركت التاء لالتقاء الساكنين لم ترد الألف ولم تثبت، كما لم تثبت في حال سكون التاء، وكذلك: لم يخف الرجل، ولم يقل القوم، ولم يبع. ومن ذلك قولهم: اضرب الاثنين، واكتب الاسم، فحركت اللام من «افعل» بالكسرة لالتقاء الساكنين ثم لما حركت لام المعرفة من «الاسم» «والاثنين» لم تسكن اللام من «افعل» كما لم تسكنها في نحو: اضرب القوم، لأن تحريك اللام لالتقاء الساكنين، فهي في تقدير السكون. ومن ذلك قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ) «٣» ، وقوله: (حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ) «٤» ، وقوله: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ) «٥» ، وقوله: (أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ) «٦» ، فحذفوا النون في هذه المواضع، كما حذفوا الألف والواو والياء السواكن إذا كنّ لا مات من حيث عودلن بالحركة، ولو كانت حركة النون معتدّاً بها لحذفت هي من دون الحرف، كما فعل ذلك بسائر الحروف المتحركة إذا لحقها الجزم، ويدل على

стр. 820

ذلك أيضا اتفاقهم على أن المثلين إذا تحركا ولم يكونا للإلحاق، أو شاذا عن الجمهور، أدغموا الأول في الآخر وقالوا، اردد ابنك، واشمم الريحان، فلم يدغموا في الثاني، / إذا تحرك لالتقاء الساكنين، كما لم يدغموه قبل هذا التحريك، فدل ذلك على أن التحريك لا اعتداد به عندهم. ومن ذلك قوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى) «١» . و (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) «٢» . لم يهمزوها كما همزوا: أقتت، وأجوه، لما لم يعتد بحركة التقاء الساكنين. ومن ذلك قوله تعالى: (لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ) «٣» . وقوله: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) «٤» . وقولهم: نوى. قالوا في تخفيف ذلك كله: رويا ونوى، فيصح الواو هنا، وإن سكنت قبل الياء، من قال: إن التقدير فيهما الهمزة، كما صحت في: ضو ونو، تخفيف ضوء ونوء، لتقديرك الهمز وإرادتك إياه. وكذلك أيضا صح نحو: شي، وفى، في: شيء وفيء، كذلك.

стр. 821

الباب الثالث والستون باب ما جاء في التنزيل من الحروف المحذوفة تشبيها بالحركات، وذلك يجيء في الواو والياء، وربما يكون في الألف قال الله تعالى: (ما كُنَّا نَبْغِ) «١» ، (وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ) «٢» ، (عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي) «٣» ، وما أشبه ذلك، حذفت الياء تشبيها بالحركة استخفافا، كما حذفت الحركة لذلك. وذلك قولهم: أخراهم طريق ألاهم، كما قيل: يراد أولاهم. وقال: (قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ) ، يريد: حاشى. وقال رؤبة: وصاني العجاج فيما وصنى فنظير حذف هذه الحروف للتخفيف حذف الحركات أيضا له، فى نحو قوله: وقد بدا هنك من المئزر «٤» وقوله: فاليوم أشرب غير مستحقب «٥» وحذف الياء أكثر من حذف الألف لخفاء الألف، ألا تراه قال: ورهط ابن المعل «٦» أقلّ من قوله: «نبغ» و «يسر» «٧» ، ولهذا لم يحمل البصريون

стр. 822

قوله: (قالَ ابْنَ أُمَّ) «١» على أن أصله: يا ابن أمى، فقلبت الكسرة فتحة والياء ألفا ثم حذفت الألف، لقلة ذلك، ولكن حملوه على باب خمسة عشر، مما جعل الاسمان فيه اسما واحدا، وهكذا قالوا في قوله: (يا أَبَتِ) «٢» إنه فتح التاء تبعا للباء، وعلى أنه أقحم التاء، على لغة من قال: يا طلحة، ولم يحملوه على أن أصله «يا أبتا» فحذف الألف «٣» . ولكن من قال: يا بني، أدغم ياء التصغير في ياء الإضافة، وياء الإضافة مفتوحة، وحذف لام الفعل. وحذف الألف من هذه الكلمات الثلاث مذهب أبي عثمان. ومن ذلك: إن تاء التأنيث في الواحد لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا، نحو: حمزة، وطلحة، وقائمة، ولا يكون/ ساكنا، فإن كانت الألف وحدها من سائر الحروف جازت، وذلك نحو: قطاة، وحصاة، وأرطاة، وحبنطاة، أفلا ترى إلى مساواتهم بين الفتحة والألف حتى كأنها هي هي. وهذا أحد ما يدل على أن أضعف الحروف الثلاثة الألف دون أختيها، لأنها قد خصت هنا بمساواة الحركة دونها. ومن ذلك أنهم قد بينوا الحرف بالهاء، كما بينوا الحركة بها، وذلك قولهم: وا زيداه، وا غلاماه، وا غلامهوه، وا غلامهيه، وانقطاع ظهراه. فهذا نحو من قولهم: أعطيتكه، ومررت بكه، وا غزه، ولا تدعه، والهاء في كله لبيان الحركة «٤» . ومن ذلك قراءة من قرأ: (إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ) «٥» بكسر الواو. وقولهم: القود، والحوكه، والخونة. وقد جرت الياء والواو هنا في الصحة لوقوع

стр. 823

الحركة بعدهما مجراهما فيها، لوقوع حرف اللين ساكنا بعدهما، نحو: القواد، والعياب، والصياد، و (إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ) «١» فهذا إجراء الحركة مجرى الحرف. ومنه: باب «قدر» و «هند» في باب ما لا ينصرف في الثلاثي لمؤنث: الحركة في «قدر» بمنزلة حرف، نحو «زينب» و «عقرب» «٢» . ومنه حذف الحرف من «جمزى» ، لما جرى الميم متحركا جرى مجرى الخماسي، نحو: مرتمى، ومرتضى.

стр. 824

الباب الرابع والستون هذا باب ما جاء في التنزيل أجرى فيه الوصل مجرى الوقف وهو شيء عزيز نادر حتى قالوا: إنه يجوز في ضرورة الشعر، ولكن أبا علي حمل قوله: (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) «١» فيمن شدد النون، أن أصله «لمًّا» من قوله: (أَكْلًا لَمًّا) «٢» ، فوقف وأبدل من التنوين ألفا، فصار «لما» ثم حمل الوصل على الوقف «٣» . ومن ذلك قوله: (يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) «٤» و (يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ) «٥» فيمن خفف الياء، قال: هذا على الوقف. ومثله قول عمران «٦» : قد كنت عندك حولاً لا تروعنى ... فيه روائع من إنس ولا جانى ومن ذلك قراءة من قرأ: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً) «٧» و: (قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ) «٨» هذا على أن الوقف في «هدًى» : «هدى» بالإسكان، وفي «بشراى» «بشرى» ، كما حكاه سيبويه من أنهم يقفون على أفعى، أفعى، ثم لما أدخل ياء الإضافة أدغم الياء في الياء وأجرى الوصل مجرى الوقف «٩» . / ومن ذلك قراءة نافع: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) «١٠» ، (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) «١١» ، (وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ) «١٢» . فهذه على لغة من وقف على «أنا» فقال:

стр. 825

(أَنَا) «١» . ومثله: (لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) «٢» ، الأصل: لكن أنا هو الله ربي، فحذف الهمزة وأدغم النون في النون. ومن ذلك قراءة حمزة: (وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ) «٣» ، بإسكان الهمزة في الإدراج، فإن ذلك يكون على إجرائها في الوصل مجراها في الوقف، وهو مثل: سيساء، وعيهل، والقصباء، وحسناء، وهو في الشعر كثير. ومما يقوى ذلك أن قوما قالوا في الوقف: أفعى وأفعو، أبدلوا من الألف الواو والياء. ثم أجروها في الوصل مجراها في الوقف، فقالوا: هذا أفعويا. وكذلك حمل حمزة في هذا الموضع، لأنها كالألف في أنها حرف علة، كما أن الألف كذلك، ويقوى مقاربتها الألف أن قوما يبدلون منها الهمزة في الوقف فيقولون: رأيت رجلأ، ورأيت جبلأ. ويحتمل وجها آخر، وهو أن تجعل «يأولا» من قوله: «ومكر السيّء ولا» بمنزلة «إبل» . ثم أسكن الحرف الثاني كما أسكن من «إبل» لتوالي الكسرتين، أجراها وقبلها ياء فخفف بالإسكان، لاجتماع الياءآت والكسرات، كما خففت العرب من نحو «أسيدى» وبالقلب في «رحوى» ، ونزلت حركة الإعراب بمنزلة غير حركة الإعراب، كما فعلوا ذلك في قوله: فاليوم أشرب غير مستحقب «٤»

стр. 826

وقد بدا هنك من المئزر «١» و «لا يعرفنكم العرب» . وكما أن حركة غير الإعراب نزلت منزلة حركة الإعراب في نحو: رد، وفر، وعض، فأدغم كما أدغم: يعض، ويفر، لما تعاقب حركات الإعراب على لامها، وهي حركة التقاء الساكنين وحركة الهمزة المخففة وحركة النونين، ونزلت هذه الحركات منزلة حركة الإعراب حتى أدغم فيها كما أدغم المعرب، وكذلك نزلت حركة الإعراب منزلة غير حركة الإعراب في أن استجيز فيها من التخفيف كما استجيز في غيرها، وليس تختل بذلك دلالة الإعراب، لأن الحكم في مواضعها معلوم، كما كان معلوما فى المتصل والإسكان للوقف.

стр. 827

الباب الخامس والستون هذا باب ما جاء في التنزيل من بناء النسب فمن ذلك قوله تعالى: (لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ) «١» ، أي: لاذا عصمة، ليصح استثناء قوله: «من رحم» منه. ويحمل الفراء على: «لا معصوم» . ويحمله غيره على بابه، ويكون «من رحم» بمعنى: «راحم» . / ومن ذلك قوله تعالى: (حِجاباً مَسْتُوراً) «٢» ، أي: حجابا ذا ستر، لأن الحجاب ستر لا يستر. ومنه قوله: (فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) «٣» ، إنه بمعنى: «مرضية» ، والوجه ما قلنا. ومن ذلك: (خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ) «٤» ، أي: ذي دفق. والفراء يقول: من ماء دفوق. فهذا كله محمول على النسب. قال الحطيئة: وغررتني وزعمت أن ... ك لابنٌ في الصيف تامر «٥» أي: ذو لبن وذو تمر. ومنه عندي: خير الملك سكة مأبورة أو مهرة مأمورة «٦» . أي: ذات كثرة لأن «أمر القوم» : إذا كثروا، فهو مثل قوله: (حِجاباً مَسْتُوراً) . قال: قال أبو عمرو: إنما نعرف «مأمورة» على هذا الوجه، ولا نعرف «أمرته» . أي: كثرته. وحكاه غيره، فإن صح فهو على بابه.

стр. 828

الباب السادس والستون هذا باب ما جاء في التنزيل أضمر فيه المصدر لدلالة الفعل عليه وذكر سيبويه من ذلك قولهم: من كذب كان شرا له، أي: كان الكذب شرا له. فمن ذلك قوله تعالى: (فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً) «١» . أي: فما يزيدهم التخويف. ومنه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً) «٢» . أي: لا يزيد إنزال القرآن إلّا خسارا. ومنه: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) «٣» . أي: يزيدهم البكاء والخرور على الأذقان. وقد ذكرناه قديما في قوله: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ) «٤» أن الهاء كناية عن الاستعانة. وفي قوله: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) «٥» . أي: يذرؤكم في الذرء. ومن ذلك قوله: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) «٦» . أي: العدل أقرب للتقوى.

стр. 829

ومن ذلك قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) «١» ، يقرأ بالتاء والياء، فمن قرأ بالتاء فتقديره: لا تحسبن بخل الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله، فحذف «البخل» وأقام المضاف إليه مقامه، وهو «الذين» ، كما قال: (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) «٢» . ومعناه: أهل القرية. ومن قرأ بالياء: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله البخل خيرا لهم. وهو في هذه القراءة استشهاد سيبويه. وهو أجود القراءتين في تقدير النحو، وذلك أن الذي يقرأ بالتاء يضمر «البخل» من قبل أن يجرى لفظه تدل عليه، والذي يقرأ بالياء يضمر «البخل» بعد ذكر يبخلون، كما قال: من كذب كان شرّا له.

стр. 830

الباب السابع والستون هذا باب ما جاء في التنزيل ما يكون على وزن «مفعل» بفتح العين ويراد به المصدر ويوهمك أنه مكان فمن ذلك قوله تعالى: (النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها) «١» . المثوى، هاهنا، مصدر، أي: قال: النار ذات ثوائكم، لا بد من هذا ليعمل في الحال، ف «خالدين» حال، والعامل فيه نفس المصدر. وجوز مرة أخرى أن يكون حالا من المضاف إليه، والعامل فيه معنى المضامة والممازجة، كما قال: (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً) «٢» . وقال: (أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ) «٣» . فيجوز على هذا أن يكون «المثوى» المكان. ومن ذلك قوله: (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ) «٤» . أي: في مواضع سكناهم، لا بد من هذا، لأنه إذا كان مكانا كان مفردا مضافا إلى الجمع، والأحسن في مثل هذا أن يجمع، فلما أفرد علمت أنه مصدر. ومثله: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) «٥» ، أي: في مواضع قعود صدق، فهو مصدر، والمضاف محذوف. قال سيبويه «٦» : وأما ثلاثمائة إلى تسعمائة فإنه شاذ «٧» ، كان ينبغي أن يكون مئين أو مئات، ولكنهم شبهوه بعشرين وأحد عشر، حيث جعلوا ما يبين به العدد واحدا، لأنه اسمٌ العدد، كما أن عشرين اسم العدد، وليس بمستنكر

стр. 831

في كلامهم أن يكون اللفظ واحدا والمعنى جميع، حتى قال بعضهم في الشعر من ذلك ما لا يستعمل في الكلام. قال علقمة بن عبدة: بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيضٌ وأما جلدها فصليب «١» وقال آخر «٢» : لا تنكر القتل وقد سبينا ... في حلقكم عظمٌ وقد شجينا «٣» ونظير هذا قول حميد: وما هي إلا في إزار وعلقة ... مغار ابن همام على حي خثعما «٤» ف «مغار» ليس بزمان لتعلق «على» به، والمضاف فيه محذوف، أي وقت إغارة ابن همام. ومثله: كأن مجر الرامسات ذيولها ... عليه قضيمٌ نمقته الصوانع «٥» أي: كان مكان مجر الرامسات، ف «مجر» مصدر، لانتصاب «ذيولها» به، والمضاف محذوف. وكذلك قول ذي الرمة: فظل بملقى واحف جزع المعى «٦» نصب «جزع المعى» ب «ملقى» لأنه أراد به المصدر، أي موضع إلقاء واحف جزع المعى.

стр. 832

الباب الثامن والستون هذا باب ما جاء في التنزيل من حذف إحدى التاءين في أول المضارع فمن ذلك قوله تعالى: (تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) «١» . وقال في سورة الأحزاب: (تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ) «٢» . وقال: (وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ) «٣» . والأصل: تتظاهرون، و: تتظاهرا، فلما اجتمعت تاآن حذفت إحداهما. وكذلك قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) «٤» ، فيمن خفف. وقال: (قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ) «٥» ، في جميع التنزيل. وأصله: تتذكرون، فحذفت إحدى التاءين، والمحذوفة الثانية، لأن التكرار بها وقع، وليس الأول بمحذوف، لأن الأول علامة المضارع، والعلامات لا تحذف. ومن ذلك قراءة العامة دون قراءة ابن كثير: (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ) «٦» ، (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) «٧» ، (وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) «٨» ، (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) «٩» ، (فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ) «١٠» ،

стр. 833

(وَلا تَوَلَّوْا) «١» في الأعراف وطه والشعراء «٢» ، (وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) «٣» فى الأنفال، (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ) «٤» في التوبة، (لا تَكَلَّمُ) «٥» ، (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ) «٦» في هود، (ما نُنَزِّلُ) «٧» في الحجر، (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ) «٨» ، (فَإِنْ تَوَلَّوْا) «٩» في النور، (عَلى مَنْ تَنَزَّلُ ... تَنَزَّلُ) «١٠» في الشعراء، (وَلا تَبَرَّجْنَ) «١١» ، (أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ) «١٢» في الأحزاب، (لا تَناصَرُونَ) «١٣» في الصافات، (وَلا تَجَسَّسُوا) «١٤» ، (لِتَعارَفُوا) «١٥» ، (وَلا تَنابَزُوا) «١٦» في الحجرات، (أَنْ تَوَلَّوْهُمْ) ، في الممتحنة «١٧» (تَكادُ تَمَيَّزُ) «١٨» ، (لَما تَخَيَّرُونَ) «١٩» في القلم، (عَنْهُ تَلَهَّى) «٢٠» في عبس، (ناراً تَلَظَّى) «٢١» في الليل، (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ) «٢٢» في القدر بتشديد الراء. حذفت العامة إحدى التاءين من هذه الحروف، وأدغم الأولى في الثانية ابن أبي بزة، إجراءً للمنفصل مجرى المتصل، نحو: (اطَّيَّرْنا) «٢٣»

стр. 834

(ادَّارَكُوا) «١» . وترى في كتب النحو يقولون: (فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) «٢» ، وذلك ليس بمروى في القراءة، إنما قاسوه على هذه الحروف. وزاد بعضهم على ابن كثير: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى) «٣» ، أي: تتمارى. وروى عن عاصم: (بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ) «٤» ، أي: تتعلمون، فحذف إحدى التاءين. ومن الحذف الذي جاء في التنزيل قوله: (قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ) «٥» ، وقوله: (فَبِمَ تُبَشِّرُونَ) «٦» ، وقوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي) «٧» . منهم من يدغم النون الأولى في الثانية، ومنهم من يحذف، فمن حذف حذف النون الثانية التي يتصل بها ياء الضمير، ويبقى علامة الرفع ويكسرها لمجاورة الياء. والدليل على أن النون الثانية هي المحذوفة حذفها في: ليتى، و، لعلى، و: قدى. وقد جاء في القراءة عن ابن عامر: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي) «٨» ، بإثبات النونين. ولم يجىء عن أحد: «تبشروننى» ، ولا «تحاجوننى في الله» ، إلا الإدغام أو الحذف، والحذف ضرب من الإدغام، والفرق بين «تأمروننى» وبين الكلمتين الأخريين: أن الأخريين لما شدد فيه «الجيم» و «الشين» جاء التشديد

стр. 835

فيما بعده للمجاورة، والحذف مثل الإدغام، وليس فى «تأمروننى» إدغام حرف قبله، فلم يدغم. فأما قوله: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ) «١» فإن أحدا لم يدغم كما أدغم «أتحاجونى» و «تبشرون» ، ولم يحذف أيضا، لأنه جاء على الأصل، وليس كل ما جاز في موضع جاز فى موضع. وروى عن ابن محيصن: (قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ) «٢» ، بنون واحدة مشددة، قياسا على ما ذكرناه. قال ابن مجاهد: كان أبو عمرو لا يدغم الحرف إذا لقى مثله في كلمة واحدة وهما متحركان، مثل: (أَتُحَاجُّونَنا) «٣» ، و (أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ) «٤» . ومثل قوله: (مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ) «٥» و (فِي وُجُوهِهِمْ) ، إلا أن يكون مدغما في الكتاب، مثل قوله: (تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ) «٦» و (ما مَكَّنِّي) «٧» ، و (أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ) إلا قوله: (ما سَلَكَكُمْ) «٨» ، و (مَناسِكَكُمْ) «٩» فإنه أدغمها. ومثل هذه الآية قوله: (أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ) لا يدغمها أبو عمرو وغيره جرياً على الأصل، ولأن النون الثانية غير لازمة، ألا تراك تقول: تمدون زيدا. وأدغمها حمزة كما أدغم غيره «أتحاجونى» اعتبارا بسماحة العربية. ومن حذف التاء قوله تعالى: (وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ) «١٠» ، تقديره: «تتصدقوا» فأدغمه الجماعة، وحذفها عاصم، كما حذف هو وغيره. (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ) «١١»

стр. 836

ومنه قوله: (تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) «١» ، أي: تتسوى، فحذف. ومنهم من أدغم فقرأ، «تسوى» ، كما أدغم «تصدقوا» . وقد اختلفوا في حذف هذه التاء أيتها هي، فمن قائل المحذوفة الأولى، ومن قائل المحذوفة الثانية، وهذا هو الأولى، لأنهم أدغموها/ فى نحو «تذكرون» ، و «تزكى» ، ولأنه لو حذف حرف المضارعة لوجب إدخال ألف الوصل في ضروب من المضارع، نحو: يذكرون، ودخول ألف الوصل لا مساغ له هنا، كما لا يدخل على أسماء الفاعلين والمفعولين، لأن حذف الجار أقوى من حذف حرف المضارعة، للدلالة عليه بالجر الظاهر في اللفظ، يعني في: لاه أبوك. فلهذا خفف الثاني في هذا النحو دون حرف المضارعة، لأن الحذف غير سائغ في الأول مما لم يتكرر، لأنك قد رأيت مساغ الحذف من الأول من هذه المكررة.

стр. 837

الباب التاسع والستون هذا باب ما جاء في التنزيل حمل فيه الاسم على الموضع دون اللفظ فمن ذلك قوله تعالى: (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) «١» فقوله: «إلا الله» رفع محمول على موضع «من إله» ، وخبر «من إله» مضمر، وكأنه قال: الله في الوجود. ولم يجز حمله على اللفظ، إذ لا يدخل «من» عليه. وعلى هذا جميع ما جاء في التنزيل في قوله (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) «٢» خبر لا مضمر، ولفظة «الله» محمول على موضع «لا إله» . ومثله: (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) «٣» ، فيمن قرأه بالرفع في جميع التنزيل. ومثله: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) «٤» ، فيمن رفعه. ومثله: (فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ) «٥» ، هو محمول على موضع الجار والمجرور في أحد الوجوه. وقيل فى قوله: (وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) «٦» : إن نصبه محمولا على الجار والمجرور ويراد بالمسح، الغسل، لأن مسح الرجلين لما كان محدودا بقوله «إلى الكعبين» حمل على الغسل. وقيل: هو محمول على قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى

стр. 838

الْكَعْبَيْنِ) «١» . ومن ذلك قوله تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً) «٢» ، ف «دينا» محمول على الجار والمجرور، أي: هدانى دينا قيما. وقيل فيه غير ذلك. ومثله قوله: (وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ) «٣» ، إلى قوله: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ) «٤» ، أي: جاهدوا في دين الله ملة أبيكم، هو محمول على موضع الجار والمجرور، أي: هدانى. وأما قوله: (قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ) «٥» ، ففي موضع «من» وجهان: الجر على لفظة «الله» ، والحمل على موضع الجار والمجرور، / أي: كفاك الله ومن عنده علم الكتاب. وهذا قوله: (أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ) «٦» ، يجوز في موضع «أن» الجر والرفع، فالجر على اللفظ، والرفع على موضع الجار والمجرور، أي: ألم يكف ربك شهادة على كل شىء.

стр. 839

الباب المتم السبعين هذا باب ما جاء في التنزيل حمل فيه ما بعد إلا على ما قبله، وقد تم الكلام فمن ذلك قوله تعالى: (وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ) «١» . ف «بادى» الرأى، منصوب بقوله «اتبعك» ، وهم لا يجيزون: ما أعطيت أحدا درهما إلا زيدا دينارا، وجاز ذا هاهنا لأن «بادى» ظرف، والظرف تعمل فيه رائحة الفعل. وقيل: هو نصب على المصدر، أي: ابتداء الرأى. قلت: وذكر الأخفش هذه المسائل وفصل فيها، فقال: لو قلت: أعطيت القوم الدراهم إلا عمراً الدرهم، لم يجز، ولكن يجوز في النفي: ما أعطيت القوم الدراهم إلا عمراً الدرهم، فيكون ذلك على البدل لأن البدل لا يحتاج إلى حرف، فلا يعطف بحرف واحد شيئان منفصلان، وكذلك سبيل «إلا» . ومثله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) «٢» ، إلى قوله: (بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ) «٣» ، حمله قوم على «من قبلك» ، لأنه ظرف، وحمله آخرون على إضمار فعل دل عليه «أرسلنا» . ومثله: (ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ) «٤» ، ف «بصائر» حال من «هؤلاء» ، والتقدير: ما أنزل هؤلاء بصائر إلا رب السموات والأرض، جاز فيه ذا لأن الحال تشبه الظرف من وجه.

стр. 840

فأما قوله: (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) «١» ، فقد تكلمنا فيه غير مرة في كتب شتى. قال أبو علي: ينبغي أن يكون قوله «أو من وراء حجاب» إذا جعلت «وحيا» على تقدير «أن يوحى» ، كما قال الخليل، ما لم يجز أن يكون على «أن» الأولى من حيث فسد في المعنى، يكون «من وراء حجاب» على هذا متعلق بفعل محذوف في تقدير العطف على الفعل الذي يقدر صلة ل «أن» الموصولة ب «يوحى» ، ويكون ذلك الفعل «يكلم» ، وتقديره: ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحى إليه أو يكلم من وراء حجاب، فحذف «يكلم» لجري ذكره أولا، كما حذف الفعل في قوله: (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ) «٢» لجرى ذكره، والمعنى: / كذلك أنزلناه، وكما حذف في قوله: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ) «٣» . قيل: والمعنى، الآن آمنت، فحذف حيث كان ذكر «آمنت» قد جرى. وهذا لا يمتنع حذفه من الصلة، لأنه بمنزلة المثبت، وقد تحذف من الصلة أشياء للدلالة. ولا يجوز أن يقدر تعلق «من» من قوله «من وراء حجاب» إلا بهذا، لأنك إن قدرت تعلقه بغيره فصلت بين الصلة والموصول بأجنبي ولا يجوز أن يقدر فصل بغير هذا، كما قدر في «أو» في قوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً) «٤» لأن هذا اعتراض يسدد ما قبله، وأنت إذا قدرت «أو من وراء حجاب» متعلقا بشيء آخر كان فصلاً بأجنبي، إذ ليس هو مثل الاعتراض الذي يسدد. وأما من رفع فقال: «أو يرسل رسولا» ، فينبغي أن يكون قوله «أو من

стр. 841

وراء حجاب» متعلقا بمحذوف، ويكون الظرف في موضع حال، إلا أن قوله «إلا وحيا» ، على هذا التقدير، مصدر في موضع الحال، كأنه: يكلمه الله إلا إيحاء، أي: موحيا، كقولك: جئتك ركضاً ومشياً، ويكون «من» في قوله «أو من وراء حجاب» في أنه في موضع حال، مثل «من» في قوله: (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) «١» ، بعد قوله: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) «٢» . فهذه مواضع وقعت فيها «في» ظرفا في موضع حال، كما وقع سائر حروف الجر. وعلى هذا الحديث المروى: «أدوا عن كل حرٍّ وعبدٍ من المسلمين» ، ف «من المسلمين» حال من الفاعلين المأمورين المضمرين، كما أنه، أدوا كائنين من المسلمين، أي: أدوا مسلمين كما أن قوله: «ومن الصالحين» معناه: يكلمهم صالحا. ومعنى «أو من وراء حجاب» في الوجه الأول: يكلمهم غير مجاهر لهم بالكلام من حيث لا يرى، كما يرى سائر المتكلمين، ليس اله حجاب يفصل موضعا من موضع، ويدل على تحديد المحجوب. هذا كلامه في «التذكرة» . ومن هذا يصلح ما في «الحجة» ، لأنه قال: ذلك الفعل «يرسل» ، وقد أخطأ، والصحيح ذلك الفعل «يكلم» . وقال في موضع آخر: (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ) «٣» . قوله: «من وراء حجاب» في موضع نصب ب «أنه» في موضع الحال بدلالة عطفه على «وحيا» ، وكذلك من رفع «أو يرسل رسولا فيوحى» ، «أو يرسل» فى موضع نصب على الحال.

стр. 842

فإن قلت: فمن نصب «أو يرسل» كيف القول فيه مع انفصال الفعل ب «أن» وكونه معطوفا على الحال؟ فالقول فيه: إنه يكون المعنى: أو بأن يرسل، فيكون «الفاء» على هذا في تقدير الحال، وإن كان الجار محذوفا. وقد قال أبو الحسن في قوله: (وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) «١» . (وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا) «٢» : إن المعنى: وما لكم في أن لا تأكلوا، وأنه في موضع حال كما أن قوله: (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) «٣» كذلك، فكذلك يكون قوله: «أو يرسل» فيمن نصب، في موضع الحال لعطفه على ما هو حال. قال أبو علي في موضع آخر: ما بعد حرف الاستثناء لا يعمل فيما قبله، فلا يجوز: ما زيد طعامك إلا أكل لأن «إلا» مضارع لحرف النفي. ألا ترى أنك إذا قلت: جاءنى القوم إلّا زيدا، فقد نفيت المجيء عن «زيد» ب «إلا» ، فكما لا يعمل ما بعد حرف النفي فيما قبله، كذلك لا يعمل ما بعد «إلا» فيما قبلها. فإن قلت: فهلا لم يعمل ما قبلها فيما بعدها فلم يجز: ما زيد آكل إلا طعامك؟ قيل: ما قبلها يجوز أن يعمل فيما بعدها، وإن لم يجز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، ألا ترى أنه قد جاز: علمت ما زيد منطلق. وقوله تعالى: (وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) «٤» (وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا) «٥» ، فيعمل ما قبلها فيها، ولم يجز ما بعدها أن يعمل فيما قبلها.

стр. 843

الباب الحادي والسبعون هذا باب ما جاء في التنزيل وقد حذف منه ياء النسب فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ) «١» وجمع «أعجمى» مثل «أشعرى» ، حذف منه ياء النسب في الجمع، وليس جمع «أعجم» ، لأن «أعجم» مثل «أحمر» ، ولا يقال في «أحمر» : أحمرون. ومثله: (سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ) «٢» هو جمع «الياس» ، مثل: أشعرين، في جمع: أشعرى. ومنه قراءة من قرأ: (فسئل العادين) «٣» ، بالتخفيف، جمع: عاد، لكن أبدل من حرف التضعيف «ياء» ، مثل: تظنيت، في: تظننت، وكأنه أبدل فى «عد» ، و «عددت» : «عديت» و «عدا» .

стр. 844

الباب الثاني والسبعون هذا باب ما جاء في التنزيل وقد أبدل المستثنى من المستثنى منه فمن ذلك قوله تعالى: (ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) «١» ، رفعوا «قليلا» بالبدل من، «الواو» ، في «فعلوه» ، إلا ابن عامر. ومن ذلك قوله: (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ) «٢» . رفعه ابن كثير وأبو عمرو على البدل من «أحد» . ومن ذلك قوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) «٣» ، رفعوا «أنفسهم» عن آخرهم، على البدل من، «شهداء» . ومنه قوله: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) «٤» ، ف «من» مبتدأ استفهام بمعنى النفي، وفي «يغفر» ضمير يعود إلى «من» وقوله «إلا الله» رفع بدل من الضمير في «يغفر» وكأنه قال: ما أحد يغفر الذنوب إلا الله. فثبت أن نظر شارحكم الجليل في هذا الباب ساقط، حيث قال: «من» مبتدأ، وقوله «إلا الله» خبره. ومثله: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) «٥» . رفع، بدل من الضمير في «يرغب» . فالاختيار في هذه الأشياء إذا كان بعد النفي أن يكون بدلا مما قبله، عند سيبويه وغيره.

стр. 845

وقال قوم: إذا لم يجز في الاستثناء لفظ الإيجاب لم يجز البدل، فيقولون: ما أتاني إلا زيد، على البدل، لأنه يجوز: أتاني القوم إلا زيدا، ولا يقولون: ما أتاني أحد إلا زيد، لأنه لا يجوز: أتاني أحد. قال أبو سعيد: ولأنه قد أحاط العلم: إنا إذا قلنا: ما أتاني أحد، فقد دخل فيه القوم وغيرهم، فإنما ذكر بعض ما اشتمل عليه أحدهما يستثنى بعضه. وقد «١» احتج عليهم سيبويه ببعض ما ذكرناه، بأن قال: كان ينبغي إن قال ذلك أن يقول: ما أتاني أحد إلا وقد قال ذاك إلا زيدا، والصواب في ذلك نصب «زيد» و، ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك إلا زيدا لأنك لما قلت: ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك، صار الكلام موجبا لما استثنى من المنفي، فكأنه قال: كلهم قالوا ذاك، فاستثنى «زيدا» من شيء موجب في الحكم، فنصب، وإنما ذكر هذا لأنه ألزم القائل بما ذكر من جواز: ما أتاني أحد إلا زيد، ومنع: ما أتاني القوم إلا زيد، فإن قال: / إن كان يوجب النصب لأن الذي قيل «إلا» جمع، فقد قال الله تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) «٢» بعد الجمع، وإن كان جواز الرفع والبدل لأن الذي قبل «إلا» واحد، فينبغي أن يجيزوا الرفع في قولهم: ما أتاني إلا أحد إلا قد قال ذاك إلا زيد، فالواجب فيه النصب، وإنما ألجأهم سيبويه، إلا أن يقولوا: الذي يوجب البدل أن يكون ما قبل «إلا» نفيا فقط، جمعا كان أو واحدا.
следующие страницы →