وراء حجاب» متعلقا بمحذوف، ويكون الظرف في موضع حال، إلا أن قوله «إلا وحيا» ، على هذا التقدير، مصدر في موضع الحال، كأنه: يكلمه الله إلا إيحاء، أي: موحيا، كقولك: جئتك ركضاً ومشياً، ويكون «من» في قوله «أو من وراء حجاب» في أنه في موضع حال، مثل «من» في قوله:
(وَمِنَ الصَّالِحِينَ) «١» ، بعد قوله: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا) «٢» .
فهذه مواضع وقعت فيها «في» ظرفا في موضع حال، كما وقع سائر حروف الجر. وعلى هذا الحديث المروى: «أدوا عن كل حرٍّ وعبدٍ من المسلمين» ، ف «من المسلمين» حال من الفاعلين المأمورين المضمرين، كما أنه، أدوا كائنين من المسلمين، أي: أدوا مسلمين كما أن قوله:
«ومن الصالحين» معناه: يكلمهم صالحا. ومعنى «أو من وراء حجاب» في الوجه الأول: يكلمهم غير مجاهر لهم بالكلام من حيث لا يرى، كما يرى سائر المتكلمين، ليس اله حجاب يفصل موضعا من موضع، ويدل على تحديد المحجوب. هذا كلامه في «التذكرة» . ومن هذا يصلح ما في «الحجة» ، لأنه قال: ذلك الفعل «يرسل» ، وقد أخطأ، والصحيح ذلك الفعل «يكلم» .
وقال في موضع آخر: (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ) «٣» . قوله: «من وراء حجاب» في موضع نصب ب «أنه» في موضع الحال بدلالة عطفه على «وحيا» ، وكذلك من رفع «أو يرسل رسولا فيوحى» ، «أو يرسل» فى موضع نصب على الحال.
стр. 842
فإن قلت: فمن نصب «أو يرسل» كيف القول فيه مع انفصال الفعل ب «أن» وكونه معطوفا على الحال؟
فالقول فيه: إنه يكون المعنى: أو بأن يرسل، فيكون «الفاء» على هذا في تقدير الحال، وإن كان الجار محذوفا.
وقد قال أبو الحسن في قوله: (وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) «١» .
(وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا) «٢» : إن المعنى: وما لكم في أن لا تأكلوا، وأنه في موضع حال كما أن قوله: (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) «٣» كذلك، فكذلك يكون قوله: «أو يرسل» فيمن نصب، في موضع الحال لعطفه على ما هو حال.
قال أبو علي في موضع آخر: ما بعد حرف الاستثناء لا يعمل فيما قبله، فلا يجوز: ما زيد طعامك إلا أكل لأن «إلا» مضارع لحرف النفي.
ألا ترى أنك إذا قلت: جاءنى القوم إلّا زيدا، فقد نفيت المجيء عن «زيد» ب «إلا» ، فكما لا يعمل ما بعد حرف النفي فيما قبله، كذلك لا يعمل ما بعد «إلا» فيما قبلها. فإن قلت: فهلا لم يعمل ما قبلها فيما بعدها فلم يجز: ما زيد آكل إلا طعامك؟ قيل: ما قبلها يجوز أن يعمل فيما بعدها، وإن لم يجز أن يعمل ما بعدها فيما قبلها، ألا ترى أنه قد جاز: علمت ما زيد منطلق. وقوله تعالى: (وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) «٤» (وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا) «٥» ، فيعمل ما قبلها فيها، ولم يجز ما بعدها أن يعمل فيما قبلها.
стр. 843
الباب الحادي والسبعون
هذا باب ما جاء في التنزيل وقد حذف منه ياء النسب فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ) «١» وجمع «أعجمى» مثل «أشعرى» ، حذف منه ياء النسب في الجمع، وليس جمع «أعجم» ، لأن «أعجم» مثل «أحمر» ، ولا يقال في «أحمر» : أحمرون.
ومثله: (سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ) «٢» هو جمع «الياس» ، مثل:
أشعرين، في جمع: أشعرى.
ومنه قراءة من قرأ: (فسئل العادين) «٣» ، بالتخفيف، جمع: عاد، لكن أبدل من حرف التضعيف «ياء» ، مثل: تظنيت، في: تظننت، وكأنه أبدل فى «عد» ، و «عددت» : «عديت» و «عدا» .
стр. 844
الباب الثاني والسبعون
هذا باب ما جاء في التنزيل وقد أبدل المستثنى من المستثنى منه فمن ذلك قوله تعالى: (ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) «١» ، رفعوا «قليلا» بالبدل من، «الواو» ، في «فعلوه» ، إلا ابن عامر.
ومن ذلك قوله: (وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ) «٢» . رفعه ابن كثير وأبو عمرو على البدل من «أحد» .
ومن ذلك قوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) «٣» ، رفعوا «أنفسهم» عن آخرهم، على البدل من، «شهداء» .
ومنه قوله: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) «٤» ، ف «من» مبتدأ استفهام بمعنى النفي، وفي «يغفر» ضمير يعود إلى «من» وقوله «إلا الله» رفع بدل من الضمير في «يغفر» وكأنه قال: ما أحد يغفر الذنوب إلا الله.
فثبت أن نظر شارحكم الجليل في هذا الباب ساقط، حيث قال:
«من» مبتدأ، وقوله «إلا الله» خبره.
ومثله: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) «٥» . رفع، بدل من الضمير في «يرغب» .
فالاختيار في هذه الأشياء إذا كان بعد النفي أن يكون بدلا مما قبله، عند سيبويه وغيره.
стр. 845
وقال قوم: إذا لم يجز في الاستثناء لفظ الإيجاب لم يجز البدل، فيقولون:
ما أتاني إلا زيد، على البدل، لأنه يجوز: أتاني القوم إلا زيدا، ولا يقولون:
ما أتاني أحد إلا زيد، لأنه لا يجوز: أتاني أحد.
قال أبو سعيد: ولأنه قد أحاط العلم: إنا إذا قلنا: ما أتاني أحد، فقد دخل فيه القوم وغيرهم، فإنما ذكر بعض ما اشتمل عليه أحدهما يستثنى بعضه.
وقد «١» احتج عليهم سيبويه ببعض ما ذكرناه، بأن قال: كان ينبغي إن قال ذلك أن يقول: ما أتاني أحد إلا وقد قال ذاك إلا زيدا، والصواب في ذلك نصب «زيد» و، ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك إلا زيدا لأنك لما قلت:
ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك، صار الكلام موجبا لما استثنى من المنفي، فكأنه قال: كلهم قالوا ذاك، فاستثنى «زيدا» من شيء موجب في الحكم، فنصب، وإنما ذكر هذا لأنه ألزم القائل بما ذكر من جواز:
ما أتاني أحد إلا زيد، ومنع: ما أتاني القوم إلا زيد، فإن قال:
/ إن كان يوجب النصب لأن الذي قيل «إلا» جمع، فقد قال الله تعالى:
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ) «٢» بعد الجمع، وإن كان جواز الرفع والبدل لأن الذي قبل «إلا» واحد، فينبغي أن يجيزوا الرفع في قولهم:
ما أتاني إلا أحد إلا قد قال ذاك إلا زيد، فالواجب فيه النصب، وإنما ألجأهم سيبويه، إلا أن يقولوا: الذي يوجب البدل أن يكون ما قبل «إلا» نفيا فقط، جمعا كان أو واحدا.
стр. 846
قال أبو علي: الوجه في قولهم، ما أتاني أحد إلا زيد، الرفع، وهو الأكثر الأشيع في الاستعمال والأقيس، فقوته من جهة القياس أن معنى:
ما أتاني أحد إلا زيدا، وما أتاني إلا زيد، واحد، فكما اتفقوا على: ما أتاني إلا زيد، إلا الرفع، وكان: ما أتاني أحد إلا زيد، بمنزلته وبمعناه، اختاروا الرفع مع ذكر «أحد» وأجروا ذلك على: يذر، ويدع، في أن «يذر» لما كان في معنى «يدع» فتح، وإن لم يكن فيه حرف حلق.
ومما يقوى ذلك أنهم يقولون: ما جاءني إلا امرأة، فيذكرون حملاً على المعنى ولا يؤنثون، ذلك فيما زعم أبو الحسن، إلا في الشعر، قال:
ترى البحر والآجال يأتى عروضها ... فما بقيت إلا الضلوع الجراشع
فكما أجروه على المعنى في هذا الوضع فلم يلحقوا الفعل علامة التأنيث، كذلك أجروه عليه في نحو: ما جاءني أحد إلا زيد، فرفعوا الاسم الواقع بعد حرف الاستثناء وأما من نصب فقال: ما جاءني أحد إلا زيدا، فإنه جعل النفي بمنزلة الإيجاب، من حيث اجتمعا، في أن كل واحدٍ منهما كلام تام.
стр. 847
الباب الثالث والسبعون
هذا باب ما جاء في التنزيل وأنت تظنه فعلت الضرب في معنى ضربته، وذلك لقلة تأملك في هذه الصناعة فمن ذلك قوله تعالى: (ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) «١» .
إذا فسرت «ما» ب «ما» النافية توجه عليك أن تقول: لا يعذبكم الله إن شكرتم وآمنتم. وقوله: لا يعذبكم الله أفصح من قوله: ما يفعل الله بعذابكم.
وإذا فسرته بالاستفهام لم يلزمك هذا الطعن.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ) «٢» فيقال: لك:
هلا قال: / والذين هم للمال مزكون، لأن زكيت المال أفصح من فعلت زكاة المال، ولا يعلم هذا الطاعن أن معنى قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ) «٣» .
الذين هم عاملون لأجل الطهارة والإسلام ويطهرون أنفسهم، كما قال:
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) ، «٤» فليس هذا من زكاة المال في شيء، أو يعنى: قد أفلح من زكاها، أي: من المعاصي والفجور.
ومن ذلك قوله: (وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) «٥» قال: معناه: لا تؤذهم، وهو أفصح من: دع أذاهم، إلا أنهم قالوا: معناه: دع الخوف من أذاهم.
стр. 848
ومن ذلك: (وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) «١» المعنى: من يفعل المذكور منكم لأن قبله (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) «٢» ولو لم يفسره بما ذكرنا كان: من يفعل الإلقاء بالمودة، فيقال: لو قال ومن يلق المودة منكم، كان أفصح.
فهذه أربع آيات حضرتنا الآن.
стр. 849
الباب الرابع والسبعون
هذا باب ما جاء في التنزيل مما يتخرج على أبنية التصريف فمن ذلك قوله تعالى: (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) «١» . فسروه مرةً ب «فعيلة» من الذر، و «فعلولة» منه أيضا، من: ذرأ الله الخلق.
ومن ذلك قوله تعالى: (كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) . «٢» قال أبو علي: من قال: درى، كان «فعيلا» من «الدرء» الذي هو الدفع، وإن خففت الهمزة من هذا قلت: درى.
وحكى سيبويه عن أبي الخطاب: كوكب درى، في الصفات، ومن الأسماء: المريق، للعصفر.
ومن ذلك: جبريل، وميكائيل، وإسرائيل.
قال أبو علي: روينا عن أبي الحسن من طريق أبي عبد الله اليزيدي عن عمه عنه أنه قال: في «جبريل» خمس لغات: جبرايل، وجبرئيل، وجبرال، وجبريل، وجبرين، وهذه أسماء معربة فإذا أتى بها على ما في أبنية العرب مثله كان أذهب في باب التعريب، يقوى ذلك تغييرهم للحروف المفردة التي ليست من حروفهم، لتغييرهم الحرف الذي بين الهاء والباء في قلبهم إياه إلى الباء المحضة أو الفاء المحضة/ كقولهم: البرند، والفرند وكذلك
стр. 850
تحريكهم الحركة التي ليست من كلامهم، كالحركة التي في قول العجم: «زور وأشوب» ، يحصلونها ضمة، فكما غيروا الحرف والحركات إلى ما في كلامهم، فكذلك القياس في أبنية هذه الكلم، إلا أنهم قد تركوا أشياء من العجمة على أبنية العجم، التي ليست من أبنية العرب، كالآجر، والإبريسم، والفرند، وليس في كلامهم على هذه الأبنية، فكذلك قول من قال: جبريل، إذا كسر الجيم كان على لفظ «قنديل» و «برطيل» ، وإذا فتحها فليس لهذا البناء مثل في كلامهم، فيكون هذا من باب: الآجر، والفرند ونحو ذلك من المعرب الذي لم يجىء له مثل في كلامهم، فكلا المذهبين حسن لاستعمال العرب لهما جميعا، وإن كان الموافق لأبنيتهم أذهب في باب التعريب، وكذلك القول فى: ميكال، وميكايل، بزنة: سرداح، وقنطار و «ميكايل» خارج عن أبنية كلام العرب. فأما القول فى زنة «ميكال» فلا يخلو من أن يكون «فيعالا» أو «مفعالا» ، ولا يجوز أن يكون «فيعالا» لأن هذا بناء يختص به المصدر: كالقيتال، والحيقال، وليس هذا الاسم بمصدر، ولا يجوز أن يكون «مفعالا» فيكون من أ «كل» أو «وكل» لأن الهمزة المحذوفة من «ميكايل» محتسب بها في البناء فإذا ثبت لك ذلك صارت الكلمة من الأربعة، وباب الأربعة لا تلحقها الزيادة في أوائلها إلا الأسماء الجارية على أفعالها، وليس هذا على ذلك الحد، فإذا لم يكن كذلك ثبت أن الميم أصل، كما كانت الهمزة في «إبراهيم» ونحوه أصلا ليس بزيادة.
ولا يجوز أيضا أن يكون «فعالا» لأن الهمزة المحذوفة من البناء مقدرة فيه، نظير ذلك في حذف الهمزة والاعتداد بها مع الحذف في البناء قولهم: سواية، إنما هي «سوائية» كالكراهية، وكذلك الهمزة المحذوفة من «أشياء» على قول
стр. 851
أبي الحسن مقدرة في البناء، فكذلك الهمزة في «ميكائيل» . فإن قلت:
فلم لا تجعلها بمنزلة التي فى «حطايط» و «جرايض» فإن ذلك لا يجوز، لأن الدلالة لم تقم على زيادتها، كما قلت في قولهم: «جرواض» فهو ذا بمنزلة التي في «برائل» وكذلك «جبريل» الهمزة التي تحذف منها ينبغي أن يقدر حذفها للتخفيف، / وحذفها للتخفيف لا يوجب إسقاطها من أصل البناء، كما لم يجز إسقاطها في «سوايه» من أصل البناء. فإذا كان كذلك كانت الكلمة من بنات الخمسة، وهذا التقدير يقوى قول من قرأ «جبرئل» و «ميكائيل» بالهمزة، لأنه يقول: إن الذي قرأ «جبريل» وإن كان في اللفظ مثل «برطيل» فتلك الهمزة عنده مقدرة، وإذا كانت مقدرة في المعنى فهى مثل ما ثبت فى اللفظ، وأما «اسرافيل» فالهمزة فيه أصلى، لأن الكلمة من بنات الأربعة، كما كانت الميم من «ميكايل» كذلك ف «إسرافيل» من الخمسة، كما كان «جبريل» كذلك، والقول في همزة «اسرايل» و «إسماعيل» و «ابراهيم» مثل القول في همزة «اسرافيل» ، فإنها من نفس الكلمة، والكلمة من بنات الخمسة، وقد جاء في أشعارهم الأمران، ما هو على لفظ التعريب، وما هو خارج عن ذلك، قال:
عبدوا الصليب وكذبوا بمحمدٍ ... وبجبرئيل وكذبوا ميكالا
وقال:
وجبريلٌ رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء «١»
стр. 852
وقال:
شهدنا فما تلقى لنا من كتيبةٍ ... يد الدهر إلا جبرئيل أمامها
وقال كعب بن مالك:
ويوم بدرٍ لقيناكم لنا مدد ... فيه لذا النصر ميكالٌ وجبريل
فأما ما روى عن أبي عمرو أنه كان يخفف «جبريل» و «ميكال» ويهمز «اسرائيل» فما أراه إلا لقلة مجىء «اسرال» وكثرة مجىء «جبريل» و «ميكال» في كلامهم، والقياس فيهما واحد، وقد جاء في شعر أمية: إسرال، قال:
لا أرى من يعيشنى في حياتي ... غير نفسي إلا بنو إسرال
قال: إن «ايل» و «آل» اسم الله، وأضيف ما قبلهما إليهما، كما يقال:
عبد الله وهذا ليس بمستقيم من وجهين:
أحدهما: أن «ايل» و «ال» لا يعرفان في اسم الله في اللغة العربية.
والآخر: أنه لو كان كذلك لم ينصرف آخر الاسم في وجوه العربية، ولكان الآخر مجرورا، كما أن آخر «عبد الله» كذلك، ولو كان مضافا لوقع التعريب عليه، / على حد ما وقع في غيره من الأسماء المضاف إليها.
ومما يلحق بهذا الباب «زكريا» من قوله : (وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا) «١» .
فالقول في همزته أنها لا تخلو من أن تكون للتأنيث أو للإلحاق به، ولا يجوز أن تكون منقلبة، ولا يجوز أن تكون للإلحاق، لأنه ليس في الأصول شيء على وزنه فيكون هذا ملحقا به، ولا يجوز أن تكون منقلبة لأن الانقلاب
стр. 853
لا يخلو من أن يكون من نفس الحرف، أو من الإلحاق، فلا يجوز أن يكون من نفس الحرف، لأن الياء والواو لا يكونان أصلا فيما كان على أربعة أحرف، ولا يجوز أن تكون منقلبة من حرف الإلحاق، لأنه ليس في الأصول شيء على وزنه يكون هذا ملحقا به، فإذا بطل هذا ثبت أنه للتأنيث، وكذلك القول فيمن قصر وقال: زكريا، ونظير القصر والمد في هذا الاسم قولهم: الهيجا، والهيجاء، قال لبيد:
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيفٌ مهند «١»
لما أعربت الكلمة وافقت العربية، وقد حذفوا ألف التأنيث من الكلمة فقالوا: يمشى الجيض والجيضى «٢» ، فعلى هذا قالوا: زكريا وزكرى، فمن قال:
«زكرى» ، صرف، والقول فيه أنه حذف الياءين اللتين كانتا في «زكريا» وألحق الكلمة ياء النسب، يدلك على ذلك صرف الاسم، ولو كانت الياء في «زكرى» الياءين اللتين كانتا في «زكريا» لوجب ألا ينصرف الاسم للعجمة والتعريف، كما أن «ابراهيم» ونحوه من الأعجمية لا ينصرف، وانصراف الاسم يدل على أن الياءين للنسب، فانصرف الاسم، وإن كان لو لم يلحقه الياء لم ينصرف للعجمة والتعريف، يدلك على ذلك أن ما كان على وزن «مفاعل» لا ينصرف، فإذا لحقته ياء النسب انصرف، كقولك: مدائنى، ومغافرى. وقد جرت تاء التأنيث فقالوا:
«صياقل» فلم يصرفوا، وألحقوا التاء فقالوا: صياقلة، فاتفق تاء التأنيث وياء
стр. 854
النسب في هذا، كما اتفقا في: رومى وروم، وشعيرة وشعير، ولحقت الاسم ياءان، وإن لم يكن فيه معنى نسب إلى شيء، كما لم يكن في: كرسى، وقمرى، وثمانى، معنى نسب إلى شيء.
/ وهذا نظير لحاق التأنيث ما لم يكن فيه معنى تأنيث، كعرفة وطلحة، ونحو ذلك. ويدل على أن الياءين في «زكرى» ليستا اللتين كانتا في «زكريا» أن ياءى النسب لا تلحقان قبل ألف التأنيث، وإن كانتا قد لحقتا قبل التاء في «بصرية» لأن التاء بمنزلة اسم مضموم إلى اسم، والألف ليست كذلك، ألا ترى أنك تيسر عليها الاسم، والتاء ليست كذلك. ذكره الفارس في «الحجة» .
ومن ذلك قراءة من قرأ: (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) «١» على «يفعوعل» «صدورهم» بالرفع. بمعنى: تنطوى صدورهم انطواء. وروى أيضا بالياء «يثنونى» من «اثنونى» مثل «احلونى» كررت العين للمبالغة. ومنه: «اخشوشنوا» ، من قول عمر.
وروى عن ابن عباس «ليثنون» بلام التأكيد في خبر «إن» ، وأراد «تثنونى» على ما مضى، لكنه حذف الياء تخفيفا. «وصدورهم» كذلك رفع.
وروى عن ابن عباس أيضا «يثنون» ووزنه «يفعوعل» من «الثن» وهو ما يبس وهش من العشب، وتكرير العين فيه أيضا للمبالغة، و «صدورهم» رفع. فاعل بالفعل، والمعنى: لأن قلوبهم انقادت لهم للاستخفاء من الله تعالى.
فأما تشديد النون فلأنه كان في الأصل «يثنونن» فأدغم، لأن إظهار ذلك شاذ.
стр. 855
وروى أيضا «يثنئن» بالهمزة، مثل «يطمئن» و «صدورهم» كذلك رفع.
وهو من باب: وشاح وإشاح، ووسادةٍ وإسادة.
وقد قيل: إن «يثنئن» يفعئل، من الثن المقدم، مثل يحمار، ويصفار.
فحركت الألف لالتقائهما بالكسر، فانقلبت همزة.
وروى: إلا أنهم يثنون صدورهم، من أثنى يثنى، إذا وجده منطويا على العداوة، من باب، أحمدته، أي، وجدته محمودا.
ومن ذلك ما جاء في التنزيل من قوله في نحو قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) «١» وقوله: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) «٢» ، وقوله: (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) «٣» ، وقوله: (ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) «٤» ، وقوله: (فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ)
«٥» . كل مفسر، على قول أبي إسحاق لأن «إياك» عنده مظهر، وهو مضاف إلى الكاف، وعلى قول غيره هو مضمر، فإذا كان مضمرا لم يحكم بوزنه ولا اشتقاقه ولا تصرفه، فأما إذا كان مظهرا وسمى به على قول من قال هو مضمر، فيحتمل ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يكون من لفظ: «آويت» .
والآخر: أن يكون من لفظ «الآية» .
والآخر: أن يكون من تركيب «أوو» ، وهو من قول الشاعر:
فأو لذكراها إذا ما ذكرتها ... ومن بعد أرضٍ دونها وسماء «٦»
стр. 856
فيمن رواه هكذا. «فأو» على هذا بمنزلة: قو زيدا، وهو من مضاعف الواو، ولا يكون «فأو» ، كقولك: سو زيدا، وأو عمرا، و: حوّ حبلا، فإن ذهب إلى أن «أيا» من لفظ «أويت» احتمل ثلاثة أمثلة:
أحدها: أن يكون، أفعل.
والثاني: فعيلا، وفعولا.
والأخير: فعلى.
أما «أفعل» فأصله: إيؤى، فقلبت الياء، التي هي لام، ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت «إأوا» قلبت الهمزة الأولى. التي هي فاء الفعل ياء، لسكونها وانكسار الهمزة قبلها، فصارت: «ايوا» ، فلما اجتمعت الياء والواو وسبقت الياء بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء فصارت: إيا.
فإن قلت: ألست تعلم أن الياء قبل الواو في «إيوا» ليست بأصلٍ، وإنما هي بدل من الهمزة التي هي ياء الفعل، فهلا لم تقلب لها الواو ياء، إذ كانت غير أصل وبدلا من همزة، كما يقول في الأمر من: أوى يأوى: إيو يا رجل، ولا تقلب الواو ياء، وإن كانت قبلها ياء، لأن تلك الياء أصلها الهمزة؟
فالجواب: أن هذا إنما يفعل في الفعل لا في الاسم، وذلك أن الفعل لا يستقر على حال واحدة، ولا الهمزة المكسورة في أوله بلازمة، وإنما هي ثابتة ما ابتدأت، فإذا وصلت سقطت البتة، ألا تراك تقول: أيو، و: أو، وإن شئت فأو، كما قال: (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) «١» وليس كذلك الاسم، لأنه إن
стр. 857
كانت في أوله كسرة أو ضمة أو فتحة ثبت على كل حال، وذلك قولك:
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) «١» ، وضربت القوم إلا إياك، فالهمزة ثابتة مكسورة في الوصل والوقف، ألا ترى أنهم قالوا في مثل «أحوى» من «أويت» : أيا، فأصله:
«أأوا» ، فقلبت الهمزة الثانية/ لاجتماع الهمزتين ياء، فصارت «ايوا» ، وقلبت الواو ياء لوقوع الياء الساكنة المبدلة من الهمزة قبلها، فصار «أيى» فلما اجتمعت ثلاث ياءات على هذه الصفة حذفت الأخيرة تخفيفا، كما حذفت من تصغير «أحوى» في قولك: «أحى» وكذلك قالوا في مثل «أويةٍ» من «أويت» :
أياه، وأصله: أوية، فقلبت الهمزة الثانية ياء، وأبدلت لها الواو ياء، وأدغمت الأولى في الثانية، وقلبت الياء الأخيرة ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت «أياه» فهذا حكم الأسماء لأنها غير منقلبة، والأفعال لا تثبت على طريقة واحدة، فليس التغيير فيها بثابت.
وأما كونه «فعيلا» من وزن «عرتل» و «طريم» و «عذيم» فأصله على هذا: أويى، ففصلت ياء «فعيل» بين الواو والياء، كما فصلت في المثال بين العين واللام، فلما سكنت الواو وانكسر ما قبلها قلبت ياء وأدغمت في ياء «فعيل» ، فصارت: «أيى» ، ثم قلبت الياء الأخيرة، التي هي لام ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت: «أيا» .
وأما كونه «فعولا» فأصله: «إووى» فقلبت الواو الأولى ياء، التي هي عين لسكونها وانكسار الهمزة قبلها، ثم قلبت الواو الزائدة بعدها ياء، لوقوع الياء ساكنة قبلها، وأدغمت الأولى في الثانية، وقلبت الياء، التي هي لام ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت «إيا» ، كما ترى، فلم تصح الواوان، لأنهما ليستا عينين.
стр. 858
وأما كونه «فعلى» فأصله «إويا» فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ولوقوع الياء بعدها أيضا، ثم أدغمت في الياء بعدها فصارت «إيا» .
فإن سميت به رجلا وهو «أفعل» لم ينصرف معرفة وانصرف نكرة، وحاله فيه حال «إشفى» ، وإن سميت به رجلا وهو «فعلى» فالوجه أن يجعل ألفه للتأنيث بمنزلة ألف «ذكرى» و «ذفرى» ، فإذا كان كذلك لم ينصرف معرفة ولا نكرة، وإن ذهبت إلى أن ألفه للإلحاق وألحقته ب «هجرع» وأجريتها مجرى ألف «مغزى» لم تصرفه معرفة وصرفته نكرة، وجرى حينئذٍ مجرى ألف «حبنطى» و «دلنطى» و «سرندى» .
وأما إذا جعلت «أيا» من لفظ «الآية» / فيحتمل أن يكون على واحدٍ من خمسة أمثلة، وهي: أفعل، وفعل، وفعيل، وفعول، وفعلى، وذلك أن عين «الآية» من الياء، كقول الشاعر:
لم يبق هذا الدهر من آياته «١» ... غير أثافيه وأرمدائه «٢»
فظهور الياء عينا في «آياته» يدل على ما ذكرناه من كون العين من «آية» ياء، وذلك أن وزن «آيا» : افعال، ولو كانت العين واوا لقالوا:
أواية، إذ لا مانع من ظهور الواو في هذا الموضع، فإذا ثبت وبغيره مما يطول ذكره كون العين من «آية» ياء ثم جعلت «أيا» افعلا. فأوصله: إءيى، فقلبت الهمزة الثانية التي هي فاء ياءً، لاجتماع الهمزتين وانكسار الأولى منهما، ثم أدغمتهما في الياء التي هي عين بعدها فصارت: أي، ثم قلبت
стр. 859
الياء التي هى لام فى «آية» و «آي» ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت:
أيا، ولم يسغ الاعتراض الذي وقع قديما في إدغام الياء المبدلة من الهمزة التي هي: «فاء» في «افعل» من «اويت» إذ صار لفظها إلى «أيوى» لأن العين هناك واو، فاحتجت إلى قلبها ياء، لوقوع الياء المبدلة من الهمزة قبلها، والانتصار هناك لذاك.
وأما إذا جعلتها من «الآيه» والعين في الأصل ياء، ثم وقعت قبلها الياء المبدلة من الهمزة التي هي فاء، فلما اجتمع المثلان وسكن الأول منهما أدغم في الثاني بلا نظرٍ، فقلبت «إيا» ، وجرى ذلك مجرى قوله، عز اسمه (هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً) «١» فيمن لم يهمز وجعله «فعلا» من «رأيت» وأصله على هذا «رئيا» .
قال: وحدثنا أبو علي: أن القراءة فيه على ثلاثة أوجه: رئيا، وريا، وزيا، بالزاي «٢» .
وإذا جعلته «فعلا» مثل «ألق» و «قنب» فالياء المشددة هي العين المشددة، وأصله: آيى، والياء المبدلة ألفا أخرى هي لام الفعل، فهي منقلبة من الياء التي هي لام «اية» فقلبت الياء الأخيرة، لما ذكرت لك.
وإذا جعلته «فعيلا» ، مثل: «عزيم» ، و «حذيم» ، فالياء الثانية في «إيا» هي ياء «فعيل» والياء الأولى هي عين «فعيل» .
وإذا جعلته «فعولا» فأصله «إيوى» ، وهو بوزن «خروع» و «جردل» ، فيمن كسر الجيم، فلما اجتمعت الياء والواو/ وسبقت الياء
стр. 860
بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء التي هي عين «فعول» في الياء التي أبدلت من واوه، وقلبت الياء التي هي لامٌ ألفا- لما ذكرنا- فصارت ألفا.
فإذا جعلته «فعلى» فالياء الأولى في «إيا» هي العين والثانية هي اللام، والألف ألف «فعلى» ويجوز أن تكون للتأنيث، ويجوز أن تكون للإلحاق، على ما تقدم، والوجه في هذه الألفات أن تكون للتأنيث، لأنها كذلك أكثر ما جاءت.
فأما إذا كان من لفظ «فأوّلذكراها» ، فأصله على ما يثبت لك من تركيب «أوو» فإنه يحتمل أربعة أمثلة، أحدها: افعل، والآخر: فعيل، والآخر:
فعول، والآخر: فعلى.
فإذا جعلته «افعل» . فأصله «اأوو» فقلبت همزته الثانية، التي هي فاء افعل، ياء لانكسار الهمزة قبلها، فصار في التقدير «ايوو» ، ثم قلبت الواو الأولى، التي هي عين «افعل» ياء، لوقوع الياء الساكنة قبلها على ما تقدم، فصار في التقدير: «ايو» ثم قلبت الواو ياء، لأنها وقعت رابعة كما قلبت في «أغزيت» و «أعطيت» ، فصار في التقدير: «إيى» . ثم قلبت الياء الأخيرة ألفا، لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار «إيا» ، كما ترى.
وإذا جعلته «فعيلا» فأصله حينئذ «اويو» فقلبت الواو الأولى، التي هي عين الفعل: ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، ولأنها أيضا ساكنة قبل الإدغام، ثم أدغمت تلك الياء في ياء «فعيل» فصارت «ايو» ثم قلبت الواو ياء، لأنها واقعة طرفا، ثم قلبت تلك الياء ألفا، على ما عمل في المثال الذي قبلها، فصارت «إيا» .
стр. 861
وإذا كان «فعولا» فأصله «إ وو» ، فقلبت الواو الأولى ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وقلبت الواو بعدها لوقوع الياء ساكنة قبلها، وأدغمت الأولى، ثم قلبت الواو الأخيرة ياء ثم ألفا، على ما قدمنا.
وإذا كانت «فعلى» فأصلها «اوو ى» ، فقلبت الواو الأولى ثم الثانية، ثم أدغمت الأولى فيها، على ما بيّناه آنفا. ولا يجوز أن يكون «إيا» ، إذا جعلتها من لفظ «اوو» فعلا.
ويجوز فيه وجه ثالث، وهو أن يكون «فعولا» / قلبت عينه للكسرة، ثم واوه لوقوع الياء قبلها، فقلبت «إيا» . ولا يكون «فعلى» كما جاز فيما قبل، لأنه كان يلزم أن يكون اللفظ به «اوى» .
ولا يجوز أن يكون «ايا» فعللا، مضعف اللام، بمنزلة «ضريب» ، لأن ذلك لم يأت في شيء من الكلام، وإن شئت جوزت ذلك فيه وقلت:
إنهما ليستا عينين فتلزما وتصحا. ولا يجوز أن يكون «إيا» من لفظ «اآة» ، على أن يجعلهما، فعيلا. منها، ولا «افعلا» ، لأنه كان يلزمك أن تهمز آخر الكلمة، لأنه لام فتقول «إياه» . ولم يسمع فيه همزة البتة، ولا سمع أيضا مخففا بين بين، ولكن يجوز فيه على وجه غريب أن يكون «فعلى» من لفظ «وأيت» ، ويكون أصله على هذا «وييا» ، فهمزت واوه لانكسارها، كما همزت في «اساوة» و «إشاح» ونحو ذلك، فصارت «إييا» ، ثم أبدلت الهمزة ياء لانكسار الهمزة الأولى قبلها، ثم أدغمت الياء المنقلبة عن الهمزة في الياء التي هي لام «وأيت» فصارت «إيا» .
ومن ذلك قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) «١» ، (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ
стр. 862
فِيها هُدىً وَنُورٌ) «١» . وزن التوراة عندنا «فوعلة» من: ورى الزند يرى، وأصله «وورية» . فأبدل من الواو تاء، كتخمة، وتراث، وتولج، وأنت تقوم.
وقيل: أصله: «توراه» تفعلة، فقلب، كما قيل في جارية: جاراة وفي، ناصية: ناصاة.
و «إنجيل» إفعيل من «النجل» ، وهو الأصل، إذ هو أصل العلوم والحكم.
стр. 863
الباب الخامس والسبعون
هذا باب ما جاء في التنزيل من القلب والإبدال فمن ذلك قوله تعالى: (نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ) «١» ، وقوله: (أَوِ الْحَوايا) «٢» .
ف «خطايا» عند الخليل «فعالى» مقلوب من «فعايل» ، قدمت اللام على الهمزة، فصار «خطا أى» ثم أبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألف، فصار: «خطآ» فلما كثرت الأمثال أبدلت الهمزة ياء فصار «خطايا» وهكذا «الحوايا» أصله «حوايى» ثم «حوايا» .
ومن ذلك قوله: (عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ) «٣» . أصلها «هاير» فصار، هار، مثل: قاض، ومثله: شاك السلاح، ولاث، وأنشد:
لاث به الأشياء والعبرىّ «٤»
ومن ذلك قوله تعالى: (لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) «٥» ، ف «أشياء» أصله: شيئاء، على وزن/ «فعلاء» . يدل على الكثرة كالطرفاء، والحلفاء، قلبت لامه إلى أوله، فصار «لفعاء» . هذا مذهب الخليل.
وقال الأخفش: أصله «أشيياء» على وزن أفعلاء، فحذفت لام الفعل.
قال الفراء: وزنه «أفعال» ، وقد ذكرت وجه كل قول فى «الخلاف» .
стр. 864
ومن ذلك قوله تعالى: (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها) «١» ، التاء بدل من الواو، التي هي لام في «كلا» ، كما قلنا في «التوراة» و «التراث» من قوله:
(وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا) «٢» .
وقيل: هي بدل من التاء. إنهم اختلفوا في لام «كلا» قال الجرمى «٣» :
التاء زائدة في «كلتا» ، ووزنه «فعتل» ، وليس في الكلام «فعتل» ، وكذلك «التاء» فى «بيت» و «أخت» من قوله تعالى: (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) «٤» ، بدل من الواو لقولك: أخوان وإخوان، فأما «البنت» فيجوز أن يكون من الواو، ويجوز أن يكون من الياء.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ) «٥» أصله، «وقتت» ، لأنه من «الوقت» أي: جمعت لوقتها.
ومنه: (فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ) «٦» ، فيمن همز.
وقوله: (فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ) «٧» . همز الواو لمجاورة الضمة كما همزها إذا انضمت، ولهذا قرأ من قرأ: َ كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها)
«٨» ، بالهمز، كما اعتاد الهمز في «السوق» .
ومنه قوله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) «٩» ، الهمزة بدل من الواو، في «وحد» لأنه من «الوحدة» .
стр. 865
الباب السادس والسبعون
هذا باب ما جاء في التنزيل من إذا الزمانية وإذا المكانية، وغير ذلك من قسميهما وأعلم أن «إذا» الزمانية اسم في نحو قوله تعالى: (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ) «١» ، (فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) «٢» ، و (أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً) «٣» ، لأنها نقيضة «إذ» .
وقد ثبت بالدليل كون «إذ» اسما في نحو قوله: (بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) «٤» . والعرب تحمل النقيض على النقيض، كقوله:
وقبل غدٍ يا لهف نفسي على غدٍ ... إذا راح أصحابي ولست برائح
فأبدله من «غدٍ» والحرف لا يبدل من الاسم، فثبت أنه اسم، وإذا كان اسما كان اسما للوقت. فينضاف إلى ما بعده، وإذا كان مضافا إلى ما بعده كان العامل فيه جوابه إذا كان فعلا، فإن لم يكن فعلا قدر تقدير الفعل، كقوله: (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ) ، والتقدير: فإذا نفخ في الصور تنافروا وتجادلوا.
/ وهكذا كل ما كان بهذه المنزلة.
فأما قوله: (أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) «٥» وأخواتها، فقد قدمنا القول فيه.
وقال أبو إسحاق في قوله تعالى: (إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) «٦» العامل في «إذا» قوله: «مزقتم» ، ويجريه مجرى «أى» في الجزاء، نحو: أيا تضرب أضرب، ومتى تأتنا آتك، لأن «إذا» يجىء بمعنى: «متى» .
стр. 866
قال: وفي التنزيل: (حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) «١» .
أي: متى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وهذا يقوي قول أبي زيد «٢» ومحمد «٣» : إن الرجل إذا قال: إذا لم أطلقك فأنت طالق، ثم سكت، طلقت فى الحال لأن «إذا» هاهنا ك «متى» ، كأنه قال: متى لم أطلقك فأنت طالق، وفي «متى» إذا سكت طلقت. ووجدنا لهذا القول حجة في «الكتاب» ، وهو غيلان بن حريث:
إذا رأتني سقطت أبصارها ... دأب بكارٍ شايحت بكارها «٤»
ألا ترى أنه لا يريد أن هذا يقع منها مرة واحدة فى وقت مخصوص، لأن ذلك ينتقض حال المدح، وإنما يقول: كلما رأتني سقطت أبصارها، ألا تراه يقول بعده:
دأب بكار شايحت بكارها
و «الدأب» لا يستعمل إلا في التكرير دون الإفراد، قال:
كأن لها برحل القوم دوًّا ... وما إن طبها إلا الدؤوب
وقال:
دأبت إلى أن ينبت الظلّ بعد ما ... تقاصر حتى كاد في الآل يمصح «٥»
وأما قول الهذلي «٦» :
هزبر عراض الساعدين إذا رمى ... بقرحته صدر الكمى المسربل
متى ما يضعك الليث تحت لبانه ... تكن ثعلباً أو ينب عنك فتدخل «٧»
стр. 867
تدخل: تدهش. غيره: يدخل في الدخل «١» .. فإنه يسأل عن جواب «إذا رمى» وليس في البيت ما يكون جوابا، ولا قبله فعل يكون بدلا من الجواب، ودالا عليه، وفي ذلك جوابان:
أحدهما أنه أجرى الصفة مجرى الفعل لما فيها من معنى الفعلية، كقولك:
مررت برجل شجاع إذا لقى وكريم إذا سئل، أي: إذا سئل كرم وإذا لقى شجع. وقد تقدم نحو هذا، فتدل الصفة على الجواب دلالة الفعل عليه، فكذلك هذا، كأنه قال: يعظم في العين إذا رمى بقرحته، أي: بجبهته صدر الكمى لأن «هزبرا» / كأنه من لفظ «أزبر» وهو من معناه، وكأن الهاء، وإن كانت هناك أصلا، زائدة وليست معتدة من هاء «هجرع» و «هبلع» لم يبعد أن يعتقد أيضا زيادة هاء «هزبر» و «هبرقى» . وأما «عراض» فصفة من «عرض» ، وأمرها واضح. فهذا جواب.
والآخر، وهو أغمض: وهو أن يكون قوله في البيت الثاني:
متى ما يضعك الليث تحت لبانه
بدلاً من قوله «إذا رمى بقرحته صدر الكمى» ، وإذا كان بدلا منه كان قوله «تكن ثعلبا» جوابا للثاني بدلا من الأول، فصار جواب الثاني جوابا لهما جميعا فيجرى حينئذ مجرى قولهم:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطباً جزلاً ونارا تأججا «٢»
في البدل، وإن كان حرف الشرط قد أعيد في بيت الهذلى ولم يعد في قوله «تلمم بنا» . فإن قلت: فقد علمنا أن البدل يفيد ما لا يفيد المبدل منه
стр. 868
ويزيد به عليه، فما الذي زاده قوله:
متى ما يضعك الليث تحت لبانه
على قوله: «إذا رمى بقرحته صدر الكمى» ؟
فالفائدة في ذلك أنه إذا قال: رمى صدر الكمى، فإنما ذكر جنس الكماة إطلاقاً من غير تقيد، وإذا قال:
متى ما يضعك الليث تحت لبانه
فقد خاطبه بذلك وخصه به وقصره عليه. وفي القول الأول إنما كان يخص المخاطب منه قدر ما يصيبه في جملة الجماعة الذين هو واحد منهم، وفي الثاني من القصد له والتوجه إليه ما قدمناه، وكان ذلك أبلغ وأفخم وأشد إرهابا وتعظيما.
واعلم أن «إذا» في هذا البيت على هذا التأويل الثاني ينبغي أن تكون متعلقة بنفس «رمى» ومنصوبة الموضع به، وليست مضافة إليه، بل هو في موضع جزم بها، كما يجزم بالشرط الصريح، كما أن «يضع» في البيت الثاني مجزوم ب «متى» ، وهي منصوبة الموضع ب «يضع» نفسها من غير خلاف، فهو إذاً في الضرورة كقوله:
ترفع لي خندف والله يرفع لي ... ناراً إذا أخمدت نيرانهم تقد «١»
فإن قيل: فما الذي دعا إلى اعتقاد هذه الضرورة والدخول تحتها، وهلا حملت/ «إذا» على بابها من كونها مضافة إلى الفعل، كقوله تعالى:
(إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) «٢» ، وقوله: (وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ) «٣» ، وقول كعب:
وإذا ما تشاء تبعث منها ... آخر الليل ناشطا مذعورا «٤»
стр. 869
ألا ترى أصحابنا يعتقدون أن الفعل بعد «إذا» هذه في موضع اسم مجرور، ولذلك رفعوه، أعنى لوقوعه موقع الاسم.
فالجواب: أنا إنما ركبنا هذه الضرورة في اللفظ محافظة على صحة المعنى، وذلك إن «إذا» هذه واجبة، ألا تراهم يقولون: آتيك إذا احمرّ البسر، ولا يجيزون، آتيك أن احمر البسر، لأن احمرار البسر واقع لا محالة، و «إن» مشكوك في فعلها، يجوز وقوعه ولا يجب، و «متى» كان في ذلك ليست بواجبة الفعل، ألا ترى إلى قول طرفة:
متى تأتنا نصبحك كأساً روية ... وإن كنت عنها غانياً فاغن وازدد «١»
أي: فاثبت على حال غناك. وإذا كانت «متى» لم يحسن أن تجعلها بدلا من «إذا» ، لأن «إذا» معروفة مقصورة على موضع وواجبة، و «متى» شائعة غير واجبة، فلو أبدلت «متى» من «إذا» ، وهي على ما هي عليه من كونها واجبة مضافة، كنت قد أبدلت الأعم من الأخص، فكما لا يجوز: ضربت رأس زيد زيدا، على أن تبدل «زيدا» من «رأسه» ، لما في ذلك من التراجع عن الخصوص إلى العموم، كذلك لا يحسن أن تبدل «متى» من «إذا» و «إذا» ، على معتاد حالها من كونها خالصة واجبة، فإذا لم يجز ذلك عدلت بها إلى إخلاصها واطرحها وإمحاضها شرطا البتة، فإذا حصلت له شاعت شيوع جميع حروف الشرط، وإذا شاعت فارقت موضعها من الإضافة وخلصت شرطا أن يحكم على موضع الفعل بعدها بالجزم في المعنى، وإن لم يظهر ذلك إلى اللفظ، وإذا كان كذلك حملت «إذا» في بيت «الهذلى» على أنها الجازمة في الضرورة، لما عليك
стр. 870
في ترك ذلك من إبدال الأعم من الأخص، وقد علمت ما يقوله أصحابنا في بيت «الكتاب» «١» :
اعتاد قلبك من سلمى عوائده ... وهاج أهواءك المكنونة الطلل
/ ربع قواء أذاع المعصرات به ... وكل حيران سارٍ ماؤه خضل
من أن قول «ربع» خبر مبتدأ مضمر، أي: هو ربع ولم يكن بدلا من «طلل» ، لما ذكرنا.
وأبو حنيفة يجعل «إذا» بمنزلة «إن» فيقول: إنما يقع الطلاق في قوله: «إذا لم أطلقك عند الموت» كما لو قال: «إن لم أطلقك» ، وله قوله:
وإذا تصبك خصاصة فتجمل
وقوله:
إذا ما خبت نيرانهم تقد
والأبيات التي في «الكتاب» وأما قوله تعالى: (إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ) «٢» إلى قوله: (إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا) «٣» فقاس عثمان هذا على قوله:
إذا راح أصحابى
стр. 871
وزعم أن «إذا» الأولى مبتدأ، والثانية في موضع الخبر، وكنا قديما ذكرنا أن العامل فيه قوله (خافِضَةٌ رافِعَةٌ) «١» على تقدير: فهي خافضة رافعة، أي: إذا وقعت خفضت قوما ورفعت قوما، وأجزنا فيه أن يعمل فيه (لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ) «٢» ، وأن يعمل فيه «اذكر» ، وأن يكون جوابه (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ) «٣» .
وأما قوله تعالى: (فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ) «٤» ، فالعامل فيه مدلول الكلام، أي: عسر ذلك اليوم يومئذ، أو ذلك النقر يومئذ.
وأما قوله تعالى: (فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) «٥» ، فقد ذكرناه في باب التقديم والتأخير.
وكذا: (أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا) «٦» .
وأما قوله: (إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى) «٧» ، فقد تضع العرب «إذا» موضع «إذ» ، و «إذ» موضع «إذا» ، قال الله تعالى: (إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ) «٨» ، و «إذ» لما مضى، وإنما هذا حديث عما يكون في القيامة، إلا أنه لما حكى الحال قال «إذ» ، حتى كأن المخاطبين بهذا حضور للحال، وفي هذا ضرب من تصديق الخبر، أي: كان الأمر حاضرا لا شك وواقع لا ارتياب به.
стр. 872
وحكاية الحالين الماضية، والآتية كثير في القرآن والشعر:
منه قوله تعالى: (هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ) «١» ، فقال:
هذا وهذا، ولم يقل: أحدهما كذا والآخر كذا.
وكذا قول البريق الهذلي:
ونائحة صوتها رائع ... بعثت إذا ارتفع المرزم «٢»
فقوله: بعثت إذا ارتفع المرزم، أي: كنت موصوفا بأنني أبعثها إذا ارتفع المرزم. وكذلك قول الشاعر:
جارية في رمضان الماضي ... تقطع الحديث بالإيماض
فأما قول كثير:
/ فإذا وذلك ليس إلا حينه ... وإذا مضى شيء كأن لم يفعل
حمل أبو الحسن «٣» هذا على الواو الزائدة، حتى كأنه قال: فإذا ذلك وليس إلا حينه، وأنشد هذا البيت نفسه، وأنشد معه بيتا آخر، وهو قول الشاعر:
فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلا كلمة حالم بخيال «٤»
وقال محمد بن يزيد: إن البصريين لا يرون زيادة الواو، وقد كان في الواجب أن يستثنى أبا الحسن. وأعلم أن «إذا» هاهنا هي المكانية التي للمفاجأة، ولا بد لها من ناصب تتعلق به، والناصب ما دل عليه قوله: «ليس
стр. 873
إلا حينه» ، وكأنه قال: فإذا ذلك ذاهب مختلس، فينصب، و «إذا» بمعنى:
ذاهب ومختلس، كما أن قوله سبحانه (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ) «١» كذلك ويجوز أن تنصب «إذا» في البيت وتعلقها بمحذوف هو خبر «ذلك» ، وتقديره: فإذا ذلك هالك، كقولك:
في الدار زيد جالس، فإذا فعلت هذا جاز لك في قوله «ليس إلا حينه» الأمران:
أحدهما: أن تجعله في موضع الحال، فكأنه قال: وإذا ذلك فانيا أو ذاهبا، كقولك: خرجت فإذا زيد واقفا.
والآخر: أن تجعله خبرا آخر، فإذا فعلت ذلك علقت «إذا» بمجموع الخبرين لا بأحدهما، كما أنك إذا قلت: شرابك اليوم حلو حامض، علقت «اليوم» بمعنى مجموع الخبرين، فجرى ذلك مجرى قولك: شرابك اليوم، من أي من في هذا اليوم. وأما قولهم: نظرت فإذا زيد بالباب، ف «إذا» في موضع الرفع خبر «زيد» ، و «بالباب» خبر ثان.
وقال بعضهم: «إذا» هاهنا حرف ليس باسم، واحتج بأنه ناب عن الفاء في جواب الشرط وأغنى غناه، فيكون حرفا كالفاء، والدليل على ذا قوله تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) «٢» . المعنى:
قنطوا، ولا يلزم أن الحرف لا يركب مع الاسم فيكون كلاما، ولو قلت:
فإذا زيد، كان كلاما، فثبت أنه اسم، لأنا نقول: فإذا زيد، ليس بكلام،
стр. 874
لأن تمامه محذوف، أي: إذا زيد بالحضرة، أو، في الوجود، فلا يكون صحيحا إلا بتقدير الخبر؟
قلنا: إنه اسم، لأنها كلمة تركبت مع الاسم ليس فيها علامات الحرف، موجب أن يكون اسما، قياسا على قولنا: زيد قائم، وهذا لأن التركيب إنما يكون منه كلام إذا كان اسما مع اسم، أو فعلا مع اسم، فأما الحرف مع الاسم فليس بكلام إلا في النداء، وهذا ليس بنداء، ولا «إذا» / فعلا، فوجب أن يكون اسما في موضع الرفع خبر المبتدأ، ولهذا المعنى قلنا في قولهم: كيف زيد؟: إن «كيف» اسم لما أفاد مع «زيد» ، ولو كان حرفا لم يفد، فثبت أنه اسم.
وما ذكره من أن الخبر محذوف، قلنا: لا حاجة إلى حذف الخبر فيما ذكرناه، فإذا قلت: فإذا زيد قائم، ف «زيد» مبتدأ، و «إذا» خبره، و «قائم» كذلك. وإن شئت نصبت «قائما» على الحال من الضمير الذي في «إذا» ، فيمن رفع «زيدا» بالابتداء، أو حالا من «زيد» فيمن رفعه بالظرف. وأما قوله:
إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت
قال عثمان: «إذا» و «إذا» في البيت ففيهما نظر، وذلك أن كل واحدة منهما محتاجة إلى ناصب هو جوابها على شرط «إذا» الزمانية، وكل واحدة منهما فجوابها محذوف يدل عليه ما قبلها، وشرح ذلك أن «إذا» الأولى جوابها محذوف، حتى كأنه قال: إذا أنا لم أطعن وجب طرحى للرمح عن عاتقى أو ساعدي، على اختلاف الروايتين فى «عاتقى» و «ساعدى» فدل قوله:
علام تقول الرمح تثقل ساعدى
стр. 875
على ما أراده من وجوب طرح الرمح إذا لم يطعن به، كما قال:
فما تصنع بالسيف ... إذا لم تك قتالا
ونحو قولك: أشكرك إذا أعطيتني، وأزورك إذا أكرمتني، أي: إذا أعطيتني شكرتك، وإذا أكرمتني زرتك، وقولك: أنت ظالم إن فعلت، أي: إن فعلت ظلمت، ودل «أنت ظالم» على، «ظلمت» وهذا باب واضح، وما ناب عن جوابهما في موضع جواب «إذا» الثانية، أي: نائب عنه ودال عليه، تلخيصه، أنه كأنه قال: إذا الخيل كرت وجب إلقائي الرمح مع تركى الطعن به. ومثله: أزورك إذا أكرمتني إذا لم يمنعني من ذاك مانع.
وأما قوله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا) «١» ، الفاء الأولى تكون جواب «إذا» لأن، «إذا» في اقتضائه الخبر بمنزلة «إن» ، وقوله «فادفعوا» جواب «إن» .
ومثل ذلك قوله تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) «٢» ، في أن الجزاء وشرطه جواب الشرط.
وقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) «٣» ، جاز وقوع «إذا» هاهنا، لأن «الذين» ، في موقع يصلح لوقوع الجزاء فيه، ألا ترى أن الفاء يدخل في جوابه/ وكأنه قال:
كالذين يقولون.
стр. 876
وقال في موضع آخر: معنى «إذا» : «متى» ، كأنه: متى ضربوا في الأرض، أي: هذا دأبهم، كلما خرجوا ضاربين في الأرض قالوا هذا الكلام.
وقال في قوله: (إِذا فَشِلْتُمْ) «١» بمعنى «متى» وجوابه: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ) «٢» ، على زيادة «ثم» عند الأخفش، كما قال في قوله:
(ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) «٣» ، والصحيح أن الجواب مضمر.
стр. 877
الباب السابع والسبعون
باب ما جاء في التنزيل من أحوال النون عند الحروف ولها أربع أحوال «١» :
حالة تظهر فيها، وهي عند حروف الحلق، كقوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) «٢» ، وقوله: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) «٣» ، وقوله: (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) «٤» ، وقوله: (عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ) «٥» ، فلا بد من إظهارها هنا. إلا ما رواه المسيبي من إخفائها عند العين والخاء، لما قاربتا من حروف الفم وخالفتا حروف أقصى الحلق أخفاها هناك، وأظهروهما عند الحلقية، لما بين الحلق والذلق من المسافة والبعد.
والحالة الثانية: إخفاؤها عند غير حروف «يرملون» ، نحو، (مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ) «٦» ، وقوله: (ثَمَناً قَلِيلًا) «٧» ، وقوله: (فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا) «٨» ، (وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) «٩» ، وغير ذلك.
الحالة الثالثة: أن تقلب، «ميما» عند «الباء» نحو: (فَانْبَجَسَتْ) «١٠» ، (كافِرٍ بِهِ) «١١» ، وقالوا: عنبر، وشنباء. فإذا تحركت عادت إلى حالتها.
стр. 878
والحالة الرابعة: أن تدغم في حروف «يرملون» ، نحو: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) «١» ، (عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) «٢» ، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ) «٣» ، (ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) «٤» (وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ)
«٥» ، (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) «٦» ، وإذا أدغمت أدغمت بغنة، والطاء والضاد والظاء إذا أدغمن أدغمن بإطباق، وقد قلبن إلى لفظ ما أدغمن فيه البتة، وما بقى رائحة الإطباق، ولا يخرج الحرف من أن يكون قد قلب إلى لفظ ما بعده، لأن شرط الإدغام أن يتماثل فيه الحرفان، فجرى الإطباق بعد الإدغام في قلة الاعتداد به مجرى الإشمام الذي لا حكم له، حتى صار الحرف الذي هو فيه في حكم الساكن البتة، فالنون أدغم في الميم لاشتراكهما في الغنة والهوى في الفم، ثم إنهم حملوا الواو على الميم فأدغموا فيها النون، لأن الواو ضارعت الميم بأنها من الشفة، وإن لم تكن النون من الشفة، ثم إنهم أيضا حملوا الياء على الواو في هذا لأنها ضارعتها في المد، وإن لم تكن معها/ من الشفة، فأجازوا إدغام النون في الياء، فالميم نحو قوله: (مِمَّنْ مَعَكَ) «٧» ، والواو نحو قوله: (ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) «٨» ، والياء نحو قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ) «٩» ، فلما جاز حمل الواو على الميم، ثم حمل الياء على الواو، فيما ذكرنا، كذلك أيضا جاز أن تحمل الكسرة على الضمة في امتناع إشمامها شيئا من الضمة، فإما إظهارهم النون فى نحو قوله: (قِنْوانٌ دانِيَةٌ) «١٠»
стр. 879
وقوله: (صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ) «١» ، وقوله: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا) «٢» ، وقوله:
شاة زنماء، وأنملة، وإنما أظهروها مخافة أن يشتبه بالمضاعف.
فإن قال قائل: ولم جاز الإدغام في «انمحى» ، وهلا بينت النون، فقيل:
انمحى، كما قالوا: زنماء، وزنم وكما قالوا: أنملة، وأنمار، ونحو ذلك؟ قيل:
قد كان القياس في زنماء وزنم، وأنملة وأنمار، ونحوها، أن تدغم النون في الميم، لأنها ساكنة قبل الميم، ولكن لم يجز ذلك لئلا تلتبس الأصول بعضها ببعض، فلو قالوا، زماء لالتبس بباب: زممت الناقة، ولو قالوا «أملة» لالتبس بباب «أملت» ، ولو قالوا، أمار، لالتبس بباب «أمرت» ، كما بينوا في نحو: منيه، وأنول، وقنوان، وقنو، لئلا يلتبس منه بباب، «مى» ، و «أنول» يفعول وفوعل، من باب ما فاؤه همزة وعينه واو، و «قنوان» و «قنو» بباب، قو وقوة، فرفض الإدغام في هذا ونحوه مخافة الالتباس، ولم يخافوا في «امحى الكتاب» ، أن يلتبس بشيء، ولأنه ليس في كلام العرب شيء على «افعل» ، ولم يأت في كلامهم «نول» ساكنة بتشديد الفاء، ولهذا قال الخليل في «انفعل» من «وجلت» : أوجل، وقالوا من «رأيت» : ارأى، ومن «لحن» : الحن، لأنه ليس في الكلام «افعل» ، ولم يأت في كلامهم نون ساكنة قبل راء ولا لام، نحو: قنر، وعنل، لأنه إن أظهره ثقل جدا، وإن أدغمه التبس بغيره، ومن أجل ذلك امتنعوا أن يبينوا مثل «عنسل» و «عنبس» ، من شرب وعلم، وما كان مثلها بما عينه راء ولام، لأنه إن بين فقال: شنرب، وعنلم، ثقل جدا، وإن أدغم فقال: شرب، وعلّم، التبس بفعّل.
стр. 880
الباب الثامن والسبعون
باب ما جاء في التنزيل وقد وصف المضاف بالمبهم وهي مسألة نازع صاحب «الكتاب» أبو العباس «١» ، نحو: مررت بصاحبك هذا، وهكذا نازعه في العلم: نحو مررت بزيد هذا، فمنع من ذلك خلافا لصاحب «الكتاب» .
وقد قال الله تعالى: / (إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ) «٢» ، فجعل هذا نعتا لقوله «من فورهم» ، وكأنه قال: من فورهم المشار إليه.
وقال الله تعالى: (لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً) «٣» ، وقال: (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا) «٤» ، وقال: (بَعْدَ عامِهِمْ هذا) «٥» .
فأما قوله: (وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ) «٦» ، فجوزوا أن يكون «ذلك» نعتا لقوله: «لباس التقوى» ، ويجوز أن يكون فصلا، وأن يكون ابتداء وخبرا، أعنى: خبرا.
فأما قوله: (يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا) »
، فالفراء ذهب فيه إلى أن «هذا» نعت ل «مرقدنا» الحاضر، فقيل له: فما موضع: (ما وَعَدَ الرَّحْمنُ) »
؟ فقال: ثم ابتداء «ما وعد الرحمن» ، أي: بعثنا وعد الرحمن، فحمل «ما» على المصدرية مرفوعا بفعل مضمر. وليس العجب هذا إنما العجب من «جرجانيكم «٩» » جاء بإحدى خطيئات لقمان، فزعم أن «هذا» نعت ل «مرقدنا» ، وأن قوله «ما وعد» موصول،