وقال في موضع آخر: معنى «إذا» : «متى» ، كأنه: متى ضربوا في الأرض، أي: هذا دأبهم، كلما خرجوا ضاربين في الأرض قالوا هذا الكلام.
وقال في قوله: (إِذا فَشِلْتُمْ) «١» بمعنى «متى» وجوابه: (ثُمَّ صَرَفَكُمْ) «٢» ، على زيادة «ثم» عند الأخفش، كما قال في قوله:
(ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) «٣» ، والصحيح أن الجواب مضمر.
стр. 877
الباب السابع والسبعون
باب ما جاء في التنزيل من أحوال النون عند الحروف ولها أربع أحوال «١» :
حالة تظهر فيها، وهي عند حروف الحلق، كقوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) «٢» ، وقوله: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) «٣» ، وقوله: (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) «٤» ، وقوله: (عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ) «٥» ، فلا بد من إظهارها هنا. إلا ما رواه المسيبي من إخفائها عند العين والخاء، لما قاربتا من حروف الفم وخالفتا حروف أقصى الحلق أخفاها هناك، وأظهروهما عند الحلقية، لما بين الحلق والذلق من المسافة والبعد.
والحالة الثانية: إخفاؤها عند غير حروف «يرملون» ، نحو، (مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ) «٦» ، وقوله: (ثَمَناً قَلِيلًا) «٧» ، وقوله: (فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا) «٨» ، (وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) «٩» ، وغير ذلك.
الحالة الثالثة: أن تقلب، «ميما» عند «الباء» نحو: (فَانْبَجَسَتْ) «١٠» ، (كافِرٍ بِهِ) «١١» ، وقالوا: عنبر، وشنباء. فإذا تحركت عادت إلى حالتها.
стр. 878
والحالة الرابعة: أن تدغم في حروف «يرملون» ، نحو: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) «١» ، (عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) «٢» ، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ) «٣» ، (ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) «٤» (وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ)
«٥» ، (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) «٦» ، وإذا أدغمت أدغمت بغنة، والطاء والضاد والظاء إذا أدغمن أدغمن بإطباق، وقد قلبن إلى لفظ ما أدغمن فيه البتة، وما بقى رائحة الإطباق، ولا يخرج الحرف من أن يكون قد قلب إلى لفظ ما بعده، لأن شرط الإدغام أن يتماثل فيه الحرفان، فجرى الإطباق بعد الإدغام في قلة الاعتداد به مجرى الإشمام الذي لا حكم له، حتى صار الحرف الذي هو فيه في حكم الساكن البتة، فالنون أدغم في الميم لاشتراكهما في الغنة والهوى في الفم، ثم إنهم حملوا الواو على الميم فأدغموا فيها النون، لأن الواو ضارعت الميم بأنها من الشفة، وإن لم تكن النون من الشفة، ثم إنهم أيضا حملوا الياء على الواو في هذا لأنها ضارعتها في المد، وإن لم تكن معها/ من الشفة، فأجازوا إدغام النون في الياء، فالميم نحو قوله: (مِمَّنْ مَعَكَ) «٧» ، والواو نحو قوله: (ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) «٨» ، والياء نحو قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ) «٩» ، فلما جاز حمل الواو على الميم، ثم حمل الياء على الواو، فيما ذكرنا، كذلك أيضا جاز أن تحمل الكسرة على الضمة في امتناع إشمامها شيئا من الضمة، فإما إظهارهم النون فى نحو قوله: (قِنْوانٌ دانِيَةٌ) «١٠»
стр. 879
وقوله: (صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ) «١» ، وقوله: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا) «٢» ، وقوله:
شاة زنماء، وأنملة، وإنما أظهروها مخافة أن يشتبه بالمضاعف.
فإن قال قائل: ولم جاز الإدغام في «انمحى» ، وهلا بينت النون، فقيل:
انمحى، كما قالوا: زنماء، وزنم وكما قالوا: أنملة، وأنمار، ونحو ذلك؟ قيل:
قد كان القياس في زنماء وزنم، وأنملة وأنمار، ونحوها، أن تدغم النون في الميم، لأنها ساكنة قبل الميم، ولكن لم يجز ذلك لئلا تلتبس الأصول بعضها ببعض، فلو قالوا، زماء لالتبس بباب: زممت الناقة، ولو قالوا «أملة» لالتبس بباب «أملت» ، ولو قالوا، أمار، لالتبس بباب «أمرت» ، كما بينوا في نحو: منيه، وأنول، وقنوان، وقنو، لئلا يلتبس منه بباب، «مى» ، و «أنول» يفعول وفوعل، من باب ما فاؤه همزة وعينه واو، و «قنوان» و «قنو» بباب، قو وقوة، فرفض الإدغام في هذا ونحوه مخافة الالتباس، ولم يخافوا في «امحى الكتاب» ، أن يلتبس بشيء، ولأنه ليس في كلام العرب شيء على «افعل» ، ولم يأت في كلامهم «نول» ساكنة بتشديد الفاء، ولهذا قال الخليل في «انفعل» من «وجلت» : أوجل، وقالوا من «رأيت» : ارأى، ومن «لحن» : الحن، لأنه ليس في الكلام «افعل» ، ولم يأت في كلامهم نون ساكنة قبل راء ولا لام، نحو: قنر، وعنل، لأنه إن أظهره ثقل جدا، وإن أدغمه التبس بغيره، ومن أجل ذلك امتنعوا أن يبينوا مثل «عنسل» و «عنبس» ، من شرب وعلم، وما كان مثلها بما عينه راء ولام، لأنه إن بين فقال: شنرب، وعنلم، ثقل جدا، وإن أدغم فقال: شرب، وعلّم، التبس بفعّل.
стр. 880
الباب الثامن والسبعون
باب ما جاء في التنزيل وقد وصف المضاف بالمبهم وهي مسألة نازع صاحب «الكتاب» أبو العباس «١» ، نحو: مررت بصاحبك هذا، وهكذا نازعه في العلم: نحو مررت بزيد هذا، فمنع من ذلك خلافا لصاحب «الكتاب» .
وقد قال الله تعالى: / (إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ) «٢» ، فجعل هذا نعتا لقوله «من فورهم» ، وكأنه قال: من فورهم المشار إليه.
وقال الله تعالى: (لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً) «٣» ، وقال: (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا) «٤» ، وقال: (بَعْدَ عامِهِمْ هذا) «٥» .
فأما قوله: (وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ) «٦» ، فجوزوا أن يكون «ذلك» نعتا لقوله: «لباس التقوى» ، ويجوز أن يكون فصلا، وأن يكون ابتداء وخبرا، أعنى: خبرا.
فأما قوله: (يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا) »
، فالفراء ذهب فيه إلى أن «هذا» نعت ل «مرقدنا» الحاضر، فقيل له: فما موضع: (ما وَعَدَ الرَّحْمنُ) »
؟ فقال: ثم ابتداء «ما وعد الرحمن» ، أي: بعثنا وعد الرحمن، فحمل «ما» على المصدرية مرفوعا بفعل مضمر. وليس العجب هذا إنما العجب من «جرجانيكم «٩» » جاء بإحدى خطيئات لقمان، فزعم أن «هذا» نعت ل «مرقدنا» ، وأن قوله «ما وعد» موصول،
стр. 881
أي: ما وعده الرحمن، ولم يقل: ما موضع «ما» ، وهو يتكلم على كلمات السورة.
فهذه آي كما تراها، ولعلها خفيت على أبي العباس والذاب عنه، لما يحملها على البدل.
قال أبو العباس: فى هاتين المسألتين: إن المبهم أخص من العلم، فوجب ألا يوصف به العلم، قياسا على قولك: مررت بالرجل أخيك، وذلك أن المضاف عند سيبويه أخص من الألف واللام، فمنع أن يوصف الألف واللام به لما كان أبهم منه، لقربه من النكرة، نحو: إني لأمر بالرجل مثلك وغيرك، فكذلك وجب ألا يوصف بالمبهم العلم، لكونه أخص منه، ولهذا المعنى قال من قال: إن «هذين» ليست تثنية «هذا» ، لما كان في غاية المعرفة، وأجمعوا أن «الزيدين» تثنية «زيد» ، والتثنية لا محالة توجب التنكير، فلما أجمعوا على جواز تثنية «زيد» واختلفوا في تثنية «هذا» علم أن هذا أخص، وجب ألا يجرى صفة على ما ليس بأخص منه، وهذا لأن البداية ينبغي أن تقع بالأخص، فإن عرف وإلا زيد ما هو أعم ليقع به البيان، وفي جواز: مررت بزيد هذا، عكس ذلك المعنى، فوجب ألا يجوز.
واحتج سيبويه بأن ذكر هذا وذاك بعد العلم وبعد صاحبك يذهب به مذهب الحاضر والشاهد والقريب، وكذلك مذهب البعيد أو المتنحى، / ولهذا قال سيبويه: وإنما صار المبهم بمنزلة المضاف لأنك تقرب به شيئا أو تباعده وتشير إليه، فإذا قيل: مررت بزيد هذا، وبصاحبك هذا، وكأنه قال: مررت بزيد الحاضر، ولم يغير هذا تعريف «زيد»
стр. 882
ولا تعريف «صاحبك» ، وباقترانه معهما لأنه لا يتغير «زيد» عن تعريف العلم، ولا صاحبك عن تعريف الإضافة باقترانها بهذا، ولأنا نقول: إن وضع الاسم العلم في أول أحواله لشيء بينٌ به من سائر الأشخاص، كوضع هذا في الإشارة لشيء بعينه، فاجتمع في معنى ما وصفنا في المعرفة وفصله العلم بثبات له بذكر حال، أو زوال الاسم عن المشار إليه فى الغيبة.
стр. 883
الباب التاسع والسبعون
باب ما جاء في التنزيل وذكر الفعل وكنى عن مصدره وذكر سيبويه هذا في كتابه، وحكى عنهم: (من كذب كان شرًّا له) وتلا الآية (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ) «١» ، فقال: التقدير: البخل خيرا لهم، وكنى عنه بقوله «يبخلون» . وقد تقدم شرح هذا في هذا الكتاب «٢» .
ومن ذلك قوله: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) «٣» أي: العدل هو أقرب للتقوى.
وقال: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ) «٤» ، أي: الاستعانة.
وقال: (فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) «٥» ، في قراءة الدمشقي، أي: اقتد اقتداء.
وفى بعض القراآت: َ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها)
«٦» ، بإضافة «كل» إلى «وجهة» .
وزعم الفارسي أن الهاء كناية عن المصدر في «موليها» ، أي: مولى التولية.
ولا يكونِ كُلٍّ وِجْهَةٌ)
«٧» لأن الفعل إذا تعدى باللام إلى المفعول لا يتعدى بغير اللام، ولا ما أنشده صاحب «الكتاب» :
هذا سراقة للقرآن يدرسه «٨»
стр. 884
أي: يدرس الدرس، ولا يكون للقرآن، لما ذكرنا.
وبقوله:
ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيه «١»
أي: نلت النيل، ولا يكون «لكل» لما ذكرنا.
وقيل في قوله تعالى: (وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) «٢» ، أي: يذرأ الذرء، فالهاء كناية عن المصدر.
وقال: (وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) «٣» .
فأما قول القائل لامرأته: إن خرجت من الدار إلا بإذني فأنت طالق، فقد قالوا: إن التقدير: إن خرجت من الدار إلا خروجا بإذني، فأضمر الخروج، فلإن «خرجت» يدل عليه، والباء من صلة المصدر، وكأن التقدير: إلا خروجا/ بإذني، فيحتاج في كل خرجة إلى الإذن. ولو قال: إلا أن آذن، فأبو زكريا يجعله بمنزلة «إلا بإذني» ، «لإن «إن آذن» بمنزلة «إذنى» . وأبو حنيفة يجعل «إلا أن آذن» بمنزلة «حتى آذن» فيكفى المرة الواحدة، لأن «حتى آذن» غاية، فيجرى «إلا أن آذن» مجراه.
وأما قوله تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) «٤» فالتقدير، إلا قولا بمشيئة الله، أي: قولا مقترنا بمشيئة الله، وهو أن نقول:
стр. 885
أفعل إن شاء الله، ومثل هذا، أعنى إضمار المصدر، قول أبي قيس الأسلت الأنصاري:
إذا نهى السفيه جرى إليه ... يخالف والسفيه إلى خلاف «١»
أي: جرى إلى السفه. وقال في الحماسة:
لم أر قوماً مثلنا خير قومهم ... أقل به منا على قومه فخراً «٢»
أي: أقل بالخير، فالهاء يعود إلى «الخير» الذي هو مصدر، ولا يعود إلى «خير قومهم» لأنه اسم، ف «قوما» هو المفعول الأول، «ومثلنا» من نعته، و «خير قومهم» بدل و «أقل» هو المفعول الثاني، و «فخرا» تمييز.
أي: أقل فخرا بالخير منا على قومنا، يعنى: نحن لا نبكي على قومنا، فليس هناك أقل فخرا بالخيرية على قومه منا.
стр. 886
الباب المتم الثمانين
باب ما جاء في التنزيل عبر عن غير العقلاء بلفظ العقلاء وقد تقدم بعض ذلك في عرض كلامنا.
فمن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ) «١» .
يعني ب «الذين» : الأصنام. والتقدير: إن الذين تدعونهم، فحذف العائد.
وقال: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) «٢» . يعني: الأصنام.
أي: لا تسبوا الذين تدعونهم، أي: يدعوهم المشركون، ف «الواو» ضمير المشركين، فحذف العائد.
وقال: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ) «٣» . يعني:
الأصنام، يدعونهم المشركون، فلا يستجيبون للمشركين بشيء.
وهكذا: (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ) «٤» ، أي: الذين يدعوهم المشركون يبتغون إلى ربهم الوسيلة، إلا أنهم هاهنا اختلطوا بالملائكة فغلب جانبهم، / وجرى الفعل في هذه الأشياء صلة على غير من هو له، ولم يبرز الضمير خلاف اسم الفاعل الجاري على غير من هو له حيث يجب إبراز الضمير، فقد صح قوله: إن الفعل لما كان على صيغ مختلفة، وله علامات لم يحتج إلى إبراز الضمير، بخلاف الفاعل، ولمّا عدّوهم
стр. 887
معبودين جرى عليهم ما جرى على العقلاء، كما قال الله تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) «١» ، وقوله: (أَتَيْنا طائِعِينَ) «٢» . لما وصفوا بالسجود والطاعة جاز جمعهم بالواو والنون، وقوله: (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ) «٣» ، وقوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) «٤» ، وقوله: (وَالسَّماءِ وَما بَناها) «٥» ، وقوله: (لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) «٦» .
فقد تقدم في هذا الكتاب.
ومثل ما تقدم قوله: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ) «٧» .
وقال: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ) «٨» .
وقال: (هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ) «٩» .
فهذا بخلاف قوله: (ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً)
«١٠» .
وقوله: (ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) «١١» .
فجاء في وصفهم مرة بلفظ العقلاء، ومرة بلفظ غير العقلاء.
وقال: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها) «١٢» ، إلى آخر الآية.
стр. 888
الباب الحادي والثمانون
هذا باب ما جاء في التنزيل وظاهره يخالف ما في كتاب سيبويه وربما يشكل على البزل «١» الحذاق فيغفلون عنه فمن ذلك قوله تعالى: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) «٢» ، قال سيبويه: ونقول: هؤلاء ثلاثة نفر قرشيون، وثلاثة مسلمون، وثلاثة صالحون، فهذا وجه.. «٣» كراهية أن يجعل الصفة كالاسم، إلا أن يضطر شاعرهم.
وهذا يدلك على أن، «النسابات» ، إذا قال: ثلاثة نسابات، تجىء كأنه وصف لمذكر، لأنه ليس موضعا تحسن فيه الصفة كما يحسن الاسم، فلما لم يقع إلا وصفا صار المتكلم كأنه قد لفظ بمذكرين ثم وصفهم بها.
وقال الله تعالى: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) «٤» ، إنما استجاز حذف الموصوف هنا على تقدير: فله عشر حسنات أمثالها، لأنه لما أضيف عشر إلى الأمثال، والأمثال، وإن كان وصفا، فقد جرى مجرى الأسماء حتى يستحسن إقامته مقام الاسم، كقوله تعالى:
(ثُمَّ لا يَكُونُوا/ أَمْثالَكُمْ) «٥» ، وقال: (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) «٦» ، ويقال:
مررت بمثلك ومثلك لا يفعل كذا. وفي التنزيل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) «٧» لولا ذلك لقبح عنده هذا التقدير.
وقد تقدم نبذ من هذا في هذه الأجزاء.
стр. 889
ومن ذلك ما أجمع عليه الفراء، غير نافع وأبي عامر. في قوله: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا) «١» بالنصب. وقد قال سيبويه: واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني آتك وأعطيك، ضعيف،
وهو نحو من قوله: ... وألحق بالحجاز فأستريحا «٢»
فهذا يجوز وليس بالجيد، إلا أنه في الجزاء أمثل قليلا، لأنه ليس يوجب أنه «يفعل» ، إلا أن يكون من الأول «فعل» ، فلما ضارع الذي لا يوجبه، كالاستفهام ونحوه، أجازوا فيه هذا على ضعفه، وإن كان معناه كمعنى ما قبله، إذ قال: ولا أعطيك، وإنما هو في المعنى كقوله: أفعل إن شاء الله، فأوجب بالاستثناء. قال الشاعر، فيما جاء منصوبا بالواو في قولك: إن تأتني آتك وأعطيك:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلومٍ مجراًّ ومسحبا «٣»
وتدفن منه الصالحات وإن يسىء ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا «٤»
فإنما نصبوا الميم في «ويعلم» ولم يكن قبيحا، كما ذكره سيبويه، لأنه مع جواز النصب تأتي فيه تبعية اللام، ألا ترى أن اللام مفتوحة، فاجتمع فيه سببان، فحسن ما لم يحسن مع سبب واحد.
ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) «٥» وقد قال سيبويه بعد أشياء يختار فيها الرفع: وكذلك، إني زيد لقيته، وإنّى عمرو
стр. 890
ضربته، وليتني عبد الله مررت به، لأنه إنما هو اسم مبتدأ، ثم ابتدئ بعده اسم قد عمل فيه عامل، ثم ابتدئ بعده الكلام في موضع خبره، وإنما جاء منصوبا- أعنى «كل شيء خلقناه» - لأنه يحتمل موضع «خلقناه» لو رفع أن يكون وصفا للمجرور وأن يكون خبرا، وليس الغرض أن يكون «خلقناه» وصفا ل «شىء» ، على تقدير: إنا كل شيء مخلوق لنا بقدر، فيكون «بقدر» خبرا وإنما الغرض أن يكون «خلقناه» الخبر، على تقدير:
إنا خلقنا كل شيء بقدر.
ومن ذلك قراءة العامة: (عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ) . «١» قرأها غير ابن كثير بحذف الياء في الوقف والوصل. وقد قال سيبويه في الوقف:
فإذا لم يكن في موضع تنوين فإن الإثبات/ أجود في الوقف، وذلك قولك: هذا القاضي، وهذا العمى، لأنها ثابتة في الوصل.
ومن العرب من يحذف هذا في الوقف، شبهوه بما ليس فيه ألف ولام، إذ كانت تذهب الياء في الوصل في التنوين لو لم تكن الألف واللام «٢» .
قلت: وإنما حذف الجماعة الياء من قوله: «الكبير المتعال» في الوقف، لا لما ذهب إليه سيبويه، ولكنهم شبهوا هذا بالفواصل، إذ هي فاصلة، كقوله: (وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ) «٣» ، و (ما كُنَّا نَبْغِ) «٤» تحذف هنا للفاصلة، فإذا انضم إليه ما قال سيبويه، كان الحذف أقوى، فلهذا ذهب إليه الجماعة غير ابن كثير، أعنى اجتماع الشيئين: الفاصلة، وثقل الياء.
стр. 891
ومن ذلك قراءة العامة، نحو: منه، وعنه، بغير إشباع، غير ابن كثير، فإنه أشبع.
وقد قال سيبويه «١» : فإن لم يكن قبل هاء التذكير حرف لين أثبتوا الواو والياء في الوصل، نحو: «منه فاعلم» «٢» وقد يحذف بعض العرب الحرف الذي بعد الهاء، إذا كان ما قبل الهاء ساكنا، لأنهم كرهوا حرفين ساكنين بينهما حرف خفي، نحو الألف، وكما كرهوا التقاء الساكنين في «أين» ونحوها، كرهوا ألا يكون بينهما حرف قوي، وذلك قول بعضهم: «منه يا فتى» ، و «أصابته جائحة» .
قال: والإتمام أجود، لأن هذا الساكن ليس بحرف لين والهاء حرف متحرك.
فتراه رجح قراءة «ابن كثير» على قراءة العامة، ألا ترى أن العامة يقرءون: (فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ) «٣» بلا إشباع، و «ابن كثير» يقرأ «فإن أصابته» بالإشباع، وهو اختيار «سيبويه» ، والعامة تنكبوا ما اختاره لثقل الواو وآخر الكلمة.
ومن ذلك ما رواه العامة في اختلاف الهمزتين عن أبي عمرو، نحو:
(يا زَكَرِيَّا إِنَّا) «٤» و (السُّفَهاءُ أَلا) «٥» فإنهم لينوا الثانية وخففوا الأولى، وسيبويه روى عنه عكس ذلك. وقد تقدم في هذه الأجزاء هذا الفصل.
ومن ذلك قول سيبويه: إن أبا الخطاب زعم أن مثله «٦» قولك: للرجل:
سلاما، وأنت تريد: تسلما منك، كما قلت: براءةً منك، [تريد] «٧» :
لا ألتبس بشيء من أمرك. وزعم أن أبا ربيعة كان يقول: إذا لقيت فلانا فقل سلاما، فزعم أنه سأله ففسر له معنى: براءة منك، وزعم أن هذه الآية (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) «٨» بمنزلة ذلك. لأن الآية فيما زعم مكيّة
стр. 892
ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على قولك:
براءةً منكم/ وتسلما.
في كتاب «أبي بكر بن السراج» «١» : هذا غلط، وإيضاح هذا ووجهه أنه لم يؤمر المسلمون يومئذ بقتال المشركين إنما كان شأنهم المتاركة، ولكنه على قوله «براءة» .
ومن ذلك قوله تعالى، على قراءة من قرأ: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ) «٢» ، بإضافة «ثلاثمائة» إلى «سنين» . وقد قال سيبويه: إن هذا العدد- أعنى مائة إلى الألف- يضاف إلى المفرد دون الجمع. وإنما جاء هذا هكذا تنبيها على أن الأصل أن يضاف إلى الجمع، وإن جاء الاستعمال بخلافه.
وكقوله: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ) «٣» ، والقياس: استحاذ، وكقولهم: «عسى الغوير أبؤسا» «٤» ، والقياس أن يكون خبر «عسى» أن مع الفعل «٥» .
ومن ذلك قراءة من قرأ: (إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ) «٦» ، إلى قوله: (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) «٧» بكسر التاء من «آيات» بالعطف على قوله: (إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ) «٨» ، وقال سيبويه:
العطف على عاملين لا يجوز. يعني «إن» و، «في» ، ألا ترى أنه جر قوله «واختلاف» بالعطف على «آيات» المنصوبة ب «أن» ، وجاز هذا لأنه ذكرت «آيات» ثانية، على سبيل التكرير والتوكيد، ألا تراه لو قال:
«واختلاف الليل والنهار» ، إلى قوله: «وتصريف الرياح» ، ولو لم يقل
стр. 893
«آيات لقوم يعقلون» لكان حسنا جيدا.
ومن ذلك ما جاء من قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً) «١» إذا نصبت «كم» بفعل يفسره «أهلكناها» . وقد قال سيبويه:
أزيد أنت رجل تضربه لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف. فإذاً يجب حمل قوله «كم» على فعل يفسره «فجاءها بأسنا» . وقد تقدمت هذه المسألة.
ومن ذلك قوله: (إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ) «٢» إلى قوله، (أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ) «٣» . أي: كتاب كريم بأن لا تعلوا على. وقد قال سيبويه: إن الفصل بالوصف بالصلة والموصول لا يجوز، فإذا وجهه أن يكون التقدير:
هو أن لا تعلوا على، فتحمل «أن» على خبر ابتداء مضمر.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً) «٤» فأوقع الجمع بعد «اثنتى عشرة» والذي في «الكتاب» هو «أن» يفسر هذا العدد بالمفرد، كما جاء من نحو: (أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً) «٥» ، و (اثْنا عَشَرَ شَهْراً) «٦» .
ووجه الآية أن «أسباطا» بدل من (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) وليس تمييز، والمميز محذوف، والتقدير: «اثنتى عشرة فرقة» ، ومن ذلك الكلام الطويل/ في الحذف من الصلة والصفة والخبر، فحسن الحذف من الصلة، نحو:
(أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) «٧» وأخواته، وقبح الحذف من الخبر، نحو قولهم: السّمن منوان بدرهم. وألحق الحذف من الصفة بالحذف من الخبر فاستثقله، ولو لم يكثر عنده كثرة حذفه من الصلة، فاسمع إن شئت ما جاء في التنزيل من حذف ذلك في الصفة.
стр. 894
قال الله تعالى: (سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها) «١» ، أي: كلما نضجت جلودهم منها.
وقال: (جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ) «٢» ، أي: يقال: كلوا من رزق ربكم منها.
وقال: (عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي) «٣» ، أي: لا يضل ربى عنه.
وقال: (جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ) «٤» ، أي: الأبواب منها.
فهذا ما جاء في الصفة، ويعرض غيره هناك، وإن شئت فاسمع حذفه من الخبر أيضا.
قال الله تعالى: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى) «٥» ، أي: وعده، في قراءة ابن عامر حيث رفع.
وقال: (الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا) «٦» ، أي: قل لهم: فادرءوا، فيمن رفع «الذين» بالابتداء.
وقال: (إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) «٧» ، أي: منهم.
وقال: (لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) «٨» ، أي: منهم.
وقال: (وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) «٩» ، أي: منهم.
стр. 895
واسمع في قوله: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) «١» ، أي: إن ذلك منه.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ) إلى قوله: (مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) «٢» .
وقوله: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ) إلى قوله: (لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) «٣» .
ومنه: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) «٤» .
وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) «٥» .
ظاهر هذه الآي أنه وضع الظاهر موضع المضمر، ألا ترى أنه قال في الأولى: (ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ) «٦» أي: مصدق له، ليعود الهاء إلى قوله (لَما آتَيْتُكُمْ) ، فموضع «ما» موضع «الهاء» . وكذلك في الآي بعدها تقديره، «إنا لا نضيع أجرهم» ، فوضع الظاهر موضع المضمر. وقد قال «٧» : وتقول: ما زيد ذاهبا ولا محسنٌ زيدٌ، الرفع أجود وإن كنت تريد الأول، لأنك لو قلت: ما زيد منطلقا، «زيد» لم يكن حد الكلام وكان هاهنا ضعيفا، / ولم يكن كقولك: ما زيد منطلقا، هو لأنك قد استغنيت عن إظهاره، وإنما ينبغي لك أن تضمره ألا ترى أنك لو قلت: ما زيد منطلقا أبو زيد، لم يكن كقولك: ما زيدٌ منطلقا أبوه
стр. 896
لأنك قد استغنيت عن إظهاره، فلما كان هذا كذلك أجرى مجرى الأجنبي واستؤنف على حياله، حيث كان ضعيفا فيه. وقد يجوز أن تنصب.
قال سوادة بن عدي:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا «١»
فأعاد الإظهار. وقال الجعدي:
إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها ... سواقط من حرٍّ وقد كان أظهرا «٢»
والرفع فيه الوجه.
قال أبو الحسن: النصب في لغة أهل الحجاز لا يكون غيره في قوله:
ما زيد منطلقا زيد، لأنك إن جعلت «زيدا» بمنزلة الأجنبي لم يكن كلاما، فأنت إذا أعدت «زيدا» ، فكأنك قلت: ما زيد منطلقا هو، ولا يكون على غير ذلك في لغة أهل الحجاز، وإنما رفعت: «ولا يسيء معن» على الإبتداء، وعلى لغة بني تميم لأنك إذا قلت: ما معن بتارك حقه، استغنى الكلام.
قلت: فالآية الأولى محمولة على إضمار «به» أي: ثم جاءكم به، والآي الأخر محمولة على إضمار «منهم» ، أي: إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا منهم، وأجر المصلحين منهم، وأجر المحسنين منهم.
فأما قوله: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ) «٣» فليس على: «وهو الذى في السماء هو» ، فوضع الظاهر موضع المضمر، ولكن على حذف المبتدأ، وهو الذي هو
стр. 897
في السماء إله، فحذف «هو» لطول الكلام، وليس هذا كقوله تعالى:
(تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) «١» فيمن رفع، ولا: (ما بَعُوضَةً) «٢» ، ولا كقوله:
ينسون ما عواقبها «٣»
لأن الكلام لم يطل، مع أنه قد استمر الحذف على مذهبه من صلة «أي» ، نحو: اضرب أيهم أفضل.
وقال: (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ) «٤» والتقدير: أيهم هو أشد، وهو مستحسن هنا جدا بخلاف: (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) «٥» ، على ما قالوا، فهذا يوجب أن قوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) «٦» وأخواته يكون على:
ومن هو عنده، فيكون الظرف جار يا مجراه في قوله: زيد عندك. ولا يصلح الاستدلال به في قيامه مقام الفعل، لأن الموصولة توصل بالجملة، ألا ترى استمرار حذف «هو» في «أيهم أشد» .
فهذا ما حضرنا الآن، فإن وقع لي فصل بين «وأيهم» فيما بعد والرجوع نبهتك على ذا إن شاء الله.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) «٧» حمل سيبويه نصب قوله «ويعلم» على الصرف «٨» ، وهي قراءة الجمهور إلا الحسن، فإنه قرأ: «ويعلم الصابرين» بكسر الميم. وقالوا: إنه مجزوم بالعطف على «يعلم الله» . وهذا الإجماع هنا مخالف لما جاء فى قوله:
стр. 898
(أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ) «١» حيث أجمعوا على جزم «نمنعكم» بعد قوله «ألم نستحوذ» ، فلعلك تشك أن النصب والجزم هنا متعارضان، وتحتج في كل واحد منهما بآية، فلا بد وأن أبين لك ذا وأقول: إن الجزم أحسن من النصب على ما جاء في «ونمنعكم» ، وإنما نصب «نمنعكم» ابن أبي عبلة، وهو شاذ.
فأما قوله تعالى: (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) «٢» ، فإنه مجزوم ليس بمنصوب، ولكنه فتح لالتقاء الساكنين تبعا للام، فهذه فتحة بمنزلة الكسرة.
فأما قوله تعالى: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ) «٣» ، فإنه جاء مرفوعاً مقطوعا عن الأول، إلا ما روى عن ابن ميسرة حيث نصب «ويعلم ما في السماوات» ، حمله إما على الصرف أو على التبعية.
قال سيبويه «٤» : في قوله «أنت فانظر لأي أمر تصير» وجوها، منها:
إن التقدير: أنت الهالك، فحذف الخبر. وقال: ولا يكون على أن تضمر «هذا» لأنك تشير للمخاطب إلى نفسه، ولا يحتاج إلى ذلك، وإنما تشير له إلى غيره، ألا ترى أنك لو أشرت له إلى شخصه فقلت:
هذا أنت، لم يستقم.
وقال في حد الإضمار فصلا طويلا: «حدثنا يونس تصديقا لقول أبي الخطاب، أن العرب تقول: هذا أنت تقول كذا وكذا، ولم ترد بقولك:
هذا أنت، أن تعرفه نفسك، كأنك تريد أن تعلمه أنه ليس غيره، هذا محال، ولكنه أراد أن ينبهه كأنه قال: الحاضر عندنا أنت، والحاضر القائل كذا وكذا أنت» . وإن شئت لم تعدها فى هذا الباب.
стр. 899
/ قال الله تعالى: (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) «١» وقد قال أبو سعيد «٢» في شرح «هذا» في الفصل الأول: ويجوز هذا أنت. وإذا صرنا إلى ذلك بينا. ثم صار إلى ذلك الموضع، قال: والذي حكاه أبو الخطاب عن العرب من قوله: هذا أنا، وأنا هذا، هو في معنى: ها أنا ذا، ولو ابتدأ إنسان على غير الوجه الذي ذكرناه فقال: هذا أنت، وهذا أنا، يريد أن يعرفه نفسه، كان محالا، لأنه إذا أشار إلى نفسه فالإخبار عنه ثابت لا فائدة فيه، لأنك إنما تعلمه أنه ليس غيره، ولو قلت: ما زيد غير زيد، وليس غير زيد، كان لغواً لا فائدة فيه، وإذا قلت: هذا أنت، والإشارة إلى غير المخاطب جاز، وبمعناه: هذا مثلك، كما تقول: زيد عمرو، على معنى: زيد مثل عمرو.
والذي حكاه يونس عن العرب: هذا أنت تقول كذا وكذا، هو مثل قوله:
(ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) «٣» لأن قولهم: هذا أنت، كقولك: أنت هذا، أحدهما مبتدأ والآخر خبره، أيهما شئت جعلته المبتدأ والآخر الخبر.
والوجه الآخر في قوله: (ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) «٤» أن يكون «أنتم» مبتدأ، و «هؤلاء» الخبر، و «تقتلون» في موضع الحال.
والكوفيون يزعمون أن التقدير: ثم أنتم تقتلون، ابتداء وخبر، و «هؤلاء» دخل للتقريب.
ويجوز أن يكون «هؤلاء» بمعنى «الذين» ، أي: الذين تقتلون أنفسكم، كما جاز: أنت الذي فعلت. وقد ذكرنا أنه لا يحمل على: «ثم أنتم يا هؤلاء»
стр. 900
لأنه يقال: يا أي هؤلاء، والأمر موقوف بعد.
وإن راجعنا مرة أخرى فربما يتضح لك أكثر من هذا إن شاء الله.
ومن ذلك قراءة من قرأ: (الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) «١» ، بالنصب.
وقوله: (سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ)
«٢» بالنصب.
وقد قال في الكتاب «٣» : لو قلت: مررت برجل سواء أبوه وأمه، ومررت برجلٍ خير منك أبوه وأمه، فتجريه على الأول وتحمله فى الثاني، كان قبيحا، وهي لغة رديئة، قال: والوجه الرفع. انتهت الحكاية عنه.
ومعاذ الله أن تحمل قراءة بعض الأئمة على اللغة الرديئة، لا سيما وهم من السبعة. والوجه في ذلك أن تجعل «سواء» . الذي هو مصدر. بمعنى الفاعل، أي: مستويا فيه العاكف والبادي، ومستويا محياهم ومماتهم، قال:
وهل كفلائي في الوفاء سواء
أي مستوون، لولا ذلك لم يقدم الجار عليه، ولما كان الأمر في نصب «سواء» كما زعمه سيبويه نصب من نصب «محياهم ومماتهم» إلى «سواء» في «محياهم ومماتهم» ، كيلا يرفع به، فيكون على اللغة الرديئة، ولم ير موضع المصدر موضع الفاعل ابن عيسى ولا غيره، ممن نصب «محياهم ومماتهم» .
ومن ذلك ما روى عن أبي عمرو. (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ) «٤» . بإدغام الحاء في العين، بعد إجماعهم على إظهار «عنهم» .
стр. 901
قال أحمد: وذلك لكثرة الحروف في «زحزح عن النار» .
وروى عنه إدغام (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ) «١» . قال سيبويه: «٢» ومما قالت العرب تصديقا لهذا في الإدغام قول بني تميم «محم» يريدون: «معهم» ، «ومحاؤلاء» يريدون: مع هؤلاء، ومما قالت العرب في إدغام الهاء مع الحاء قوله:
كأنها بعد كلال الزاجر ... ومسحي مر عقاب كاسر
يريدون: ومسحه، العين مع الحاء «٣» ، كقولك: أقطع حّملا، الإدغام حسن والبيان حسن، لأنهما من مخرج واحد، ولم تدغم الحاء في العين «امدح عرفة» لأن: الحاء قد يفزعون «٤» إليها إذا وقعت الهاء «٥» مع العين، وهي مثلها في الهمس والرخاوة، ومع قرب المخرجين. فأجريت مجرى الميم مع الباء، فجعلتها بمنزلة الهاء، كما جعلت الميم بمنزلة النون مع الباء، ولم تقو العين على الحاء، إذ كانت هذه قصتها. وهما من المخرج الثاني من الحلق، وليست حروف الحلق بأصل في الإدغام، ولكنك لو قلبت العين حاء فقلت: في «امدح عرفة» : «أمد حّرفة» ، جاز، كما قلت: اجنحة، تريد: اجبه عنبة، حيث أدغمت وحولت العين حاء. ثم أدغمت الهاء فيها.
стр. 902
الباب الثاني والثمانون
هذا باب ما جاء في التنزيل من اختلافهم في لفظة «ما» من أي قسمة هي؟
فمن ذلك قوله تعالى: (فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ) «١» .
قيل: هي استفهام. وقيل: هي نفي.
ونظيره في الأخرى: (ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ) . «٢»
ومن ذلك قوله: (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ) «٣» . قيل: «ما» نفي، وكرر «يتبعون» . والتقدير: ما يتبعون إلّا الظن. و «شركاء» منتصب. مفعول «يدعون» ، أي: ما يتبع داعو شركاء إلا الظن.
وقيل: «ما» استفهام. أي: أي شيء يتبع الكافرون الداعون؟
وقيل: «ما» بمعنى «الذي» . أي: لله من في السموات ومن في الأرض ملكا وملكا، والأصنام التي تدعوهم الكفار شركاء. ف «ما» يريد به الأصنام، وحذف العائد إليه من الصلة. و «شركاء» حال.
ومن ذلك قوله: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) «٤» .
قيل: «ما» بمعنى، الذي. وقيل: «ما» نافية. فحينئذ يكون الابتداء بهما أولى.
стр. 903
فأما قوله قبل الآية: (كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ/ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ) «١» يكون «أن يكون» نفيا.
وقيل: هي مصدرية، على تقدير: تبرأنا إليك من عبادتهم إيانا، فيكون الجار محذوفا. والأول الوجه.
ومن ذلك قوله: (لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) «٢» . وقرأ:
(وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) . فمن حذف الهاء كان «ما» نفيا، ومن أثبت كانت موصولة محمولة على ما قبله، أي: من ثمره ومن عمل أيديهم.
فأما قوله تعالى: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ) «٣» . فقيل: التقدير:
كانوا يهجعون قليلا. و «ما» صلة زائدة. وقيل: بل هي مصدرية، أي: كانوا قليلا يهجعونهم. وقيل: نفي. وقد تقدم ذلك.
وأما قوله: (وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ) «٤» . قرئ بالرفع والنصب.
فمن قرأها بالرفع كانت «ما» بمعنى «الذي» . أي: إن الذين اتخذتموهم أوثانا من دون الله مودة بينكم.
ومن نصب كانت «ما» كافة، ويكون «أوثانا» مفعولا أول، ويكون «مودة بينكم» مفعولا ثانيا، إن شئت، وإن شئت كان مفعولا له.
стр. 904
وأما قوله: (وَالسَّماءِ وَما بَناها) «١» ، وما بعدها، فقيل: «ما» مصدرية، أي: والسماء وبنائها، والأرض ودحوها، ونفس وتسويتها.
وقيل: «ما» بمعنى: من، أي: والسماء وخالقها، والأرض وداحيها، ونفس ومسويها.
نظيره: (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها) «٢» . قيل: أي: من على الأرض من الرجال والنساء. قيل: من طاب لكم. وقيل: ما يلحق هذا الجنس.
فأما قوله: (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) «٣» . فحمله الفارسي على أنها موصولة قياساً على مذهب سيبويه، حين زعم أن الظرف لا يبنى على كلمة الشرط.
فقال: إذا قلت: إن عندنا رجل، إن زيد أو عمرو. والتقدير: إن كان زيد. ولم تقدر: إن عندنا زيد. ثم رأيت لعثمان وهو يتكلم على شبه الظرف بالفعل في قوله:
ففينا غواشيها
فزعم أن الظرف كالفعل حيث عطفه على الفعل في قوله «تقاسمهم» ، ثم قال: ألا تراه، قال: (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) «٤» ففصل بكلمة الشرط بالظرف. ولا أدري أنسي قول سيبويه وقول صاحبه في قوله:
(لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ) «٥» حين وفقنا بين قول سيبويه والمازني.
وأما قوله: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) «٦» فحمل الخليل «ما» على الاستفهام. لمكان «من» فى قوله: «من شيء» . وحمله آخرون على «الذي» .
ومثله: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ) «٧» يكون استفهاما ويكون موصولا.
стр. 905
وأما قوله تعالى: (لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ) «١» . فقيل:
«ما» بمعنى «الذي» معطوف على «خطايانا» .
وقيل: «ما» نافية، والتقدير: ليغفر لنا خطايانا من السحر ولم يكرهنا عليه. فتكون «ما» نافية، فيه تقديم وتأخير. وأظنني قدمت هذه الآية «٢» ومثله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) «٣» . أي: من استمتعتم به منهن.
ومثله: (نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) «٤» . أي: نسي الله.
ومثله: (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) «٥» . في الموضعين، يعنى: الله.
وحكى أبو زيد: سبحان ما سحركن. وأنشد لأبى داود:
سالكاتٍ سبيل قفرة بدا ... ربما ظاعنٌ بها ومقيم.
أي: رب إنسان هو ظاعن بها إنسان هو مقيم بها ف «ما» جر ب «رب» ووصفها بالجملة، كما تقول: رب رجل أبوه مقيم.
стр. 906
الباب الثالث والثمانون
هذا باب ما جاء في التنزيل من تفنن الخطاب والانتقال من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى المتكلم ومن ذلك قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) «١» ثم قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) «٢» .
وقال: (حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ) «٣» ، وحق الكلام: وجرين بكم.
وقال: (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى) «٤» .
وقال: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ) «٥» .
وهو كثير في التنزيل، والأصل في الكلام البداية بالمتكلم، ثم بالمخاطب، ثم بالغيبة.
قال الله تعالى: (فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها) «٦» . فقدم المخاطب على الغيبة.
فبنوا على هذا فقالوا: الوجه في الكلام: أعطانيك، وأعطاكني، لا يجوز، وأعطيتكها، وأعطيتكهوك، قبيح، ومع قبحه قول يونس. واحتج في ذلك قارئهم بقول القطامي:
أبلغ ربيعة أعلاها وأسفلها ... أنا وقيساً تواعدنا لميعاد «٧»
стр. 907
فأخبر عن المتكلم دون الغيبة، وهو «قيس» .
والمبرد يقوى قول يونس في القياس، ويجعل إضمار/ الغائب والمتكلم والمخاطب في التقديم والتأخير سواء، ويجيز: أعطاهوك، و: أعطاهونى، و: أعطاكنى، ويستجيزه ويستحسنه في: منحتني نفسي.
وسيبويه لا يجيز شيئا من ذلك إلا بالانفصال، نحو: أعطاه إياك، و: أعطاها إياك، و: أعطاه إياكما، و: أعطاها إياكما، و: أعطاك إياي.
وهذا الذي ذكره «المبرد» ليس بالسهل لأن ضمير المتكلم أقرب، ثم المخاطب ثم الغائب.
وقد رأيت غير سيبويه يجيز بين المتصل والمنفصل وغيرهما، فى: أعطيتكه، و: أعطيتك إياه لأن المفعول الثاني ليس يلاقي الفعل ولا يكترث به.
والأول إما أن يلقى ذات الفعل، أو يلقى ضمير الفاعل المجعول معه كشق واحد.
وأجاز سيبويه: أعطاه إياك. وتصحيحه لا يقوى ذلك لأن تعلق المفعولين بالفعل من باب واحد، واختلاف المفعولين في ترتيبهما ليس مما يغير حكم تعليقهما بالفعل وعمل الفعل فيهما.
ولقائل أن يقول: ما الذي أنكر سيبويه من: «منحتيني» ؟ وهل سبيل «منحتيني» : إلا سبيل «أعطاهوها» ، وهو مستحسن؟
قيل له: المنكر من «منحتيني» عند سيبويه أن في الثانية يؤخر ما هو حقه التقدم على كل ضمير، وليس كذلك «أعطاهوهما» .
стр. 908
الباب الرابع والثمانون
نوع آخر إضمار قبل الذكر قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ) «١» .
يريد: على الأرض.
وقال: (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) «٢» . يعني: الوادي.
وقوله: (وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها) «٣» . يعني: الدنيا والأرض.
ومثل ما تقدم: (وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ) «٤» .
جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: «وللبسنا» على الملائكة من الثياب ما يلبسه الناس من ثيابهم، ليكونوا على صورتهم، والمعروف: لبس يلبس، في هذا المعنى.
وقال غيره: لشبهنا عليهم ما يشبهون على ضعفائهم، و «اللبس» في كلامهم «الشك» .
الكلبي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون.
стр. 909
وقيل: لبسنا عليهم، أي: على قادتهم ما يلبسون كما يلبس القادة على سفلتهم. وذلك أنهم أمروا سفلتهم بالكفر بالله، والشرك له، فالله عز اسمه، يقضى على قادتهم حتى يكونوا على الكفر.
ومن ذلك/ قوله تعالى: (إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها) «١» ، قيل: الكلمة:
قوله: (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً) «٢» . الآية. أي: الله قائل هذه الكلمات، فلا يدخلها خلف.
عن ابن زيد: أن القائل المشرك، والضمير لكلمة المشرك، وهي قوله:
(قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) «٣» . أي: لا يكون ذلك أبدا.
ومن ذلك قوله: (سامِراً تَهْجُرُونَ) «٤» ، أي: مستكبرين بحرم الله، ويقولون: إن البيت لنا لا يظفر علينا أحد، وقيل: مستكبرين بالكتاب لا يؤمنون به، وقد تقدم في قوله: (وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) «٥» .
ومن ذلك قوله تعالى: (وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ) «٦» ، الضمير في «صدها» ، قيل: لله تعالى، أي صد الله بلقيس عن عبادة غيره.
وقيل: صدها سليمان عن ذلك، فعلى هذا «ما» في محل النصب.
وقيل «ما» هي الفاعلة، وقد تقدم في الجار والمجرور.
стр. 910
ومن ذلك قوله: (تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) «١» ، ففي فاعل «أحسن» قولان:
أحدهما موسى، أي: تماما على إحسان موسى بطاعته. عن الربيع والفراء، كأنه: لتكمل إحسانه الذي يستحق به كمال ثوابه في الآخرة.
فيكون مذهب «الذي» مذهب المصدر كقول يونس في قوله تعالى:
(وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) «٢» .
والثاني: أن يكون الفاعل «ذكر الله» ، أي: تماما على إحسان الله إلى أنبيائه. عن ابن زيد.
وقيل: تماما على إحسان الله إلى موسى بالنبوة وغيرها من الكرامة.
عن أبي علي.
ومن ذلك قوله: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ) «٣» ، قيل: من العدو، وقيل: من الله.
وقوله: (وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ) «٤» . أي: بالماء، وقيل: بالربط على القلوب، كنى عن المصدر، وقيل: بالرسل.
ومن ذلك قوله تعالى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ)
«٥» .
قيل: هذا كقوله: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) «٦» .
كان يسرع القراءة مخافة النسيان.
стр. 911
وقيل: كان يحب الوحي، فيحرص على التلقن قبل أن يتم الكلام.
وقيل: إنما أراد قراءة العبد لكتابه يوم القيامة، لأن ما تقدم هذه الآية وما تأخر عنها يدل على ذلك، ولا يدل على شيء من أمر القرآن، ولا على شيء كان في الدنيا.
وكأن هذا القول في معنى قراءة العبد/ كتابه ضرب من التقريع والتوبيخ والإعلام، بأنه صار إلى حيث لا تنفعه العجلة، وإلى موضع التثبت في الأمور، وإقامة جزاء الحسنة والسيئة وهذا حسن.
البلخي: إن العبد يسرع إلى الإقرار بذنوبه، وتكلف معاذيره، ظنا بأن ذلك ربما ينفعه، فيقال له: لا تعجل فإن علينا أن نجمع أفعالك في صحيفتك، وقد فعلناه، وعلينا أن نقرأ كتابك، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، أي فاتبع قراءته، هل غادر شيئا واحتوى على زيادة لم تعملها؟ فإذا فعلت ذلك، وجاوب كتابنا أفعالك، فاعلم بعد ذلك أن علينا بيانه، أي إظهار الجزاء عليه.
والأول أيضا حسن، لأن الإشارة إلى الشيء في تفريقه، كمتقدم ذكره، فيحسن معها الإضمار، وكان يقرأ عليه القرآن، وأشير إليه فقيل:
«لا تحرك به» ، أي بهذا الذي نقرؤه عليك.
وهذا المعنى أيضا حسن. فعلى هذا: إن علينا حمعه في قلبك لتقرأه بلسانك. عن ابن عباس، رضى الله عنه.
стр. 912
الباب الخامس والثمانون
هذا باب ما جاء في التنزيل حمل فيه الفعل على موضع الفاء في جواب الشرط فجزم فمن ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ) «١» ، فجزم «نكفر» على موضع قوله: (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» ، لأن تقديره: إن تخفوها وتؤتوها الفقراء يكن الإيتاء والإخفاء خير لكم.
والرفع فيه أيضا حسن جيد، لما لم يظهر الجزم في الفاء لم يكن به اعتداد. وقد ذكر فارسهم ذلك فقال: إذا قلت: زيدا ضربته وعمراً كلمته/ ربما احتج «الزيادي» بأن قوله «ضربته» لم يظهر فيه الإعراب، فلم يقع به اعتداد، في كلام طويل ذكرته في «الخلاف» .
ومن ذلك قوله تعالى: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ) «٢» ، جزم «يذرهم» حملا على موضع «الفاء» ، والرفع فيه حسن على ما قلنا.
وأما قوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ) «٣» ، فإن القراء السبعة أجمعوا على رفع «ويستخلف» ولم يجزموه، كما جزموا «ويذرهم» «ونكفر» ، إلا رواية عن حفص جزمه كما جزم أولئك في الآيتين، فقال قائلهم: ليس ذا بجزم، وإنما هو اختلاس.
стр. 913
ألا ترى أنه أطبق مع الجماعة على إثبات النون. فقرأ: (وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً) «١» ، فأثبت النون، ولو اعتقد في «يستخلف» الجزم حملاً على موضع «الفاء» لحذف «النون» ولم يثبتها، فثبت أنه ليس بمجزوم، وأنما أطبقوا على الرفع لمكان «النون» في (وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً) «٢» ، إذ وجدوها في المصحف كذلك.
ومن ذلك قوله: (لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ) «٣» ، فحمل «يكن» على موضع «الفاء» في «فأصدق» أي: موضع الفاء جزم، وكأنه في التقدير: إن أمهلتني أصدق وأكن.
وأبو عمرو قرأه «وأكون» منصوبا، بالحمل على موضع «فأصدق» ، فهذا في الحمل على موضع الفاء، وربما كان ينشد فارسهم قول أبى داود:
فأبلونى بليّتكم «٤» لعلّى ... أصالحكم وأستدرج نؤيا
فحمل «وأستدرج» على موضع «لعلى» جزم على تقدير: «فلعلي» ، بالفاء محذوفة.
فأما ما جاء من نحو قوله: (إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ) «٥» ، وقوله: (يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ) «٦» ، فالجزم هو الجيد بالعطف على الجزاء، وجاز الرفع في مثله. وقد قرئ به في «فيغفر» دون «يخرج» وجاز النصب في «فيغفر» . وقد جاء ذلك في الشواذ، ولم يشذ في قوله: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ) «٧» بعد (أَوْ يُوبِقْهُنَّ) «٨» ، المنجزم بالعطف على قوله
стр. 914
(إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ) «١» . وإنما لم يكن شاذا لفتح «اللام» قبل «الميم» ، واجتمع فيه كونه تبعا مع جواز الصرف.
وقال عز من قائل: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) «٢» . فإنه حمل نصبه على الصرف، و «عندى» أنه مجزوم، وكان حقه/ الكسر، لقراءة الحسن «ويعلم الصابرين» لكنه حمله على «اللام» وفتحه لمطابقة ما قبله، كما روى عن ابن عامر «ثم تجعله» بفتح «اللام» تبعا ل «العين» .
وأما قوله تعالى: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) «٣» . فقدر أبو إسحاق موضع قوله «ظلت» أنه مجزوم بالعطف على «ننزل» ، كقوله «فيغفر» جزم بالعطف على «يحاسبكم» . وأنكر عليه «أبو علي» وزعم أن قوله «ظلت» بعد «الفاء» كقوله «ينتقم الله» بعد «الفاء» كقوله: (فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ) «٤» .
لم يتأمل أبو علي في هذا الكلام، لأن قوله، «فينتقم الله منه» جواب الشرط، وقوله «فظلت» معطوف على «ينزل» كما أن «فيغفر» معطوف على «يحاسبكم» . نعم، لو كان «فظلت» جواب «إن نشأ» لكان كقوله:
(وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ) «٥» ، فأما إذا كان في تقدير: إن نشأ ننزل فتظل عناقهم، كان كقوله: «فيغفر» ، والله أعلم.
стр. 915
الباب السادس والثمانون
هذا باب ما جاء في التنزيل وقد رفض الأصل واستعمل ما هو فرع فمن ذلك «الصاد» في «الصراط» من نحو قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ) «١» . جاء الاستعمال وكثرت القراءة بالصاد، وقد رفض فيه السين، إلا في القليل.
ومنه قوله: (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) «٢» ، (كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ) «٣» و «إليكم» ، و «فيهم» ، و: «فيكم» . الأصل فى كل ذلك: عليهم و، و: إليهمو، و: لديهمو، و: فيهمو، بالواو، لأنها بإزاء: عليهن، و: لديهن، و: إليكن، و: إليهما، وكما أن المثنى المؤنث بالحرفين، فكذلك المذكر وجب أن يكون بحرفين، إلا أنهم حذفوا الواو استخفافا وأسكنوا الميم، فقالوا: عليهم. فإن قلت:
فهلا تركوا الميم بالضم بعد حذف الواو؟ فلأن في إبقاء الضم استجلاب الواو، ألا تراهم قالوا:
أمشى «٤» فأنظور وتنقاد الصياريف «٥» فإذا أسكنوها أمنوا ذلك، ألا تراهم لم يصلوا:
وأنت من أفنانه معتقد وكانت الهاء فى: «قربها» و «إرثها» رويا، ولم تكن كالهاء فى:
أجمالها، و: «بدالها» و: «زال زوالها» .
ومن ذلك إبدالهم الميم من النون الساكنة فى قوله: (فَانْبَجَسَتْ) «٦» ، و: «من يك» وشنبا، و «عنبر» وقد تقدّم ذلك.