وقال شركاؤهم لما رأوا ما هم فيه: ما كنتم إيانا تعبدون أى: ما كنتم تخصوننا بالعبادة ومن حق العبادة قصرها على المعبود دون سواه فهم يتبرءون منهم ومن عبادتهم، فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم فهو العليم بحالنا وحالكم إننا كنا في غفلة عن عبادتكم، لا ننظر إليها ولا نفكر فيها ولا نرضى عنها.
هنالك يوم القيامة تختبر كل نفس من عابدة ومعبودة، وظالمة ومظلومة في ما قدمت في حياتها الدنيا من عمل، وهكذا كل نفس تذوق عاقبة أعمالها إن خيرا وإن شرا.
وردوا إلى الله مولاهم الحق لا إلى غيره، وضل عنهم ما كانوا يفترون ويختلفون من الشركاء والأوثان، إذ الأمر يومئذ لله- .
نقاش مع المشركين لإثبات التوحيد وبطلان الشرك [سورة يونس (١٠) : الآيات ٣١ الى ٣٦]
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)
وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦)
стр. 982
المفردات:
فَأَنَّى تُصْرَفُونَ كيف تصرفون عن الإيمان إلى غيره، حَقَّتْ ثبتت تُؤْفَكُونَ تصرفون عن الحق إلى الباطل لا يَهِدِّي أي: لا يهتدى وهذا احتجاج أخر على المشركين بأسلوب آخر، وهو يقتضى إثبات التوحيد والبعث، وذم الظن الذي لا يغنى بدل الحق شيئا.
المعنى:
قل يا أيها الرسول: لهؤلاء المشركين مع الله غيره: من يرزقكم من السماء والأرض؟! من ينزل من السماء المطر؟ ومن يحيى الأرض بالنبات الذي تأكلون منه أنتم وأنعامكم؟
أم من يملك السمع والأبصار؟ أم بمعنى بل- للإضراب الانتقالى من سؤال إلى آخر- والمعنى بل قل لهم: من يملك السمع والأبصار؟! من يملك خلقهما على هذا النمط البديع والتركيب الغريب؟ ومن يملك حفظهما من الآفات؟ ولقد خص السمع والبصر لأنهما طريق العلم والإدراك؟ وفي جهاز السمع والبصر الأعاجيب.
ومن يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي؟ ولقد كان القدامى يفهمون الآية فهما بسيطا. فالله يخرج الإنسان من النطفة والطائر من البيضة، ويخرج النطفة من الإنسان، والبيضة من الطائر، وكانوا يفهمون أن النطفة والبيضة ميتة لا حياة فيها، وهذا الفهم صحيح إذا اعتبرنا أن البيضة وإن تكن فيها حياة فهي حياة خاصة ليس فيها حركة ولا نمو.
والعلماء المحدثون يقولون: إن في البيضة والنطفة حياة بل في البذور حياة، والمثل الصحيح أن الغذاء بعد دخوله النار ميت بلا شك، وهو يكون الدم ومنه المنى فهذا
стр. 983
المنى الحي خرج من الغذاء الميت، ويخرج الله الفضلات والهشيم من الإنسان والنبات وهو ميت خرج من حي، والمراد من ذلك كله إثبات القدرة الكاملة لله- وأنه خالق الموت والحياة.
وفي التفسير المأثور أراد الحياة والموت المعنويين ومثلهما أخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.
ومن يدبر الأمر، ويصرف الكون؟ ومن صاحب هذا النظام المحكم في كل شيء؟
وفي كل شيء له آية ... تدلّ على أنه الواحد
فسيكون جوابهم عن هذه الاستفهامات الخمسة: أن الفاعل لذلك كله هو الله رب كل شيء، لا جواب غيره، ولا مجال للمكابرة في ذلك.
فقيل لهم: أتعلمون هذا فلا تتقون أنفسكم عذابه، ولا تتقون عقابه لكم عن شرككم وعبادتكم لغيره مما لا يملك نفعا ولا ضرا!! فذلكم الذي يفعل ما ذكر هو الله ربكم خالقكم ومدبر أمركم، هو الحق الثابت بذاته الحي القيوم، لا إله غيره ولا معبود سواه.
وإذا كان هو ربكم الحق الذي لا ريب فيه المستحق للعبادة دون سواه فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!! فالقول بألوهية غيره باطل، وعبادة غيره ضلال.
وإذا كان الأمر كذلك فكيف تصرفون، وتتحولون عن الحق إلى الباطل؟ وعن الهدى إلى الضلال؟!! كذلك حقت كلمة ربك أى: مثل ذلك حقت به كلمة ربك أيها الرسول، وثبتت في وحدة الربوبية والألوهية، وأنه ما بعد الحق إلا الضلال. حقت كلمته على الذين فسقوا وخرجوا من نور الفطرة، وحظيرة الهدى والحق، أنهم لا يؤمنون بما ينزله الله على ألسنة الرسل، وليس المعنى أنه يمنعهم- سبحانه- بل المراد أنهم يظلون على العناد والاستكبار وعدم الإيمان فهم لا يؤمنون.
قل لهم أيها الرسول: هل من شركائكم الذين عبدتموهم مع الله أو من دون الله، أو اتخذتموهم شفعاء عنده يقدر على بدء الخلق في طور ثم إعادته في طور آخر؟ سواء كان صنما أو وثنا أو كوكبا أو ملكا أو بشرا من الرسل أو غيرهم.
стр. 984
ولما كانوا لا يعترفون بالبعث والميعاد لقن الله رسوله الجواب إذ لا يمكنهم الجواب أبدا. قل: الله يبدأ الخلق ثم يعيده إذ القادر على البدء قادر على الإعادة، وهم يرون الإعادة تتكرر كل عام في النبات والكون، بقدرة الله وحده أفلا يحكمون عقولهم؟
ويسلمون بمبدأ البعث والجزاء يوم القيامة! فأنى تؤفكون؟ فكيف تصرفون عن ذلك الحق وهو من دواعي الفطرة والطبيعة والنظر السليم؟ إلى الباطل والجهل بالمصير.
قل لهم: هل من شركائكم من يهدى إلى الحق والخير؟ هداية بالطبيعة والفطرة أو بالتشريع والتقنين، أو بالتوفيق ومنع الصوارف، هذه الهداية بأنواعها من تتمة الخلق والتكوين رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى «١» وهم بأى شيء يجيبون عن هذا؟!! والشواهد كثيرة تدل على الجواب المتعين الذي لقنه الله إلى رسوله:
قل لهم: الله يهدى للحق، ويهدى إلى صراط مستقيم، وهو يمن عليكم أن هداكم للإيمان.
أفمن يهدى إلى الحق والهدى، والخير والفلاح، أحق أن يتبع فيما يشرعه؟
أم من لا يهتدى إلى الخير أبدا في حال من الأحوال إلا أن يهدى؟ أى يهديه الله وذلك كالأصنام لا تهتدى أبدا إلى الخير ولا تهدى إلى الخير، وأما عزير والمسيح والملائكة فتهدى إلى الخير ولكن بهداية الله- وهذا معنى قوله:
إِلَّا أَنْ يُهْدى.
فما لكم؟ استفهام تعجب وتقريع عن حالهم على معنى أى شيء أصابكم؟ وماذا دهاكم؟ حتى تتخذوا أصناما وآلهة بهذا الوصف!! كيف تحكمون؟ وعلى أى حال ووضع تحكمون بجواز عبادتهم أو وساطتهم وشفاعتهم عنده؟ نعم إن هذا لشيء عجيب!! والحق الذي لا مرية فيه أنه ما يتبع أكثرهم في هذا إلا الظن لا اليقين وما يتبعون في شركهم وإنكارهم البعث، وتكذيبهم الرسول- ﵊ إلا ضربا
стр. 985
من ضروب الظن كاستبعادهم خطأ آبائهم في العبادة، وكتقليدهم لهم، وقياسهم الغائب على الشاهد واستبعادهم الإعادة والبعث بعد أن يصير الخلق ترابا منثورا.
واستبعادهم نزول الوحى على بشر منهم لم يكن عظيما في نظرهم.
فإن قيل: وما حكم هذا الظن؟ أجيب أن الظن لا يغنى بدل الحق شيئا، فالحق هو الثابت عن دليل لا يقبل الشك، والظن مبنيّ على الشك والوهم، فهو عرضة للزوال والتغيير.
إن الله عليم بما يفعلون وسيجازون على ذلك كله، خاصة بعد توضيح الأمور وسياق الأدلة وضرب الأمثال.
القرآن كلام الله ومعجزة النبي ﷺ وموقفهم منه [سورة يونس (١٠) : الآيات ٣٧ الى ٤٤]
وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)
стр. 986
القرآن الكريم هو المعجزة الباقية الخالدة، الدالة على صدقه ﷺ القائمة مقام قول الحق: «صدق عبدى في كلّ ما يبلّغه عنّى» لذلك كانت عناية القرآن الكريم بإثبات أنه من عند الله، وليس من عند النبي ﷺ كما نرى في كثير من الآيات، ولا ننسى أنه أساس الدين، ودستور الإسلام، فإثبات التوحيد، والبعث، وأن القرآن كلام الله من مقاصد الدين الهامة.
المعنى:
وما كان هذا القرآن العظيم الشأن في أسلوبه ونظمه، وبلاغته وحجته، وتشريعه وعلمه، وحكمته وأدبه، وسياسته الإلهية، والاجتماعية، والعمرانية، والاقتصادية وقصصه وأخباره عن الغائب في ضمير الزمن والمستقبل في كنه الكون، نعم ما كان وما صح ولا يستقيم أبدا في نظر العقل أن يفترى هذا القرآن أحد من الناس مهما كان!! يفتريه من دون الله وينسبه إليه إذ لا يقدر عليه إلا الله- فليس القرآن من كلام محمد وإنما هو وحى من عند الله. ثم ذكر ما يؤكد هذا بقوله:
وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.. أى: ولكن كان هذا القرآن تصديقا لما بين يديه من الكتب السابقة المشتملة على الوحى لرسل الله بالإجمال: كإبراهيم وموسى وعيسى. ولما فيه من الدعوة إلى الإيمان والتوحيد الخالص. وإثبات البعث والجزاء فهو على نسق ما قبله، ومحمد ليس بدعا من الرسل، وكان تفصيل جنس الكتاب المنزل فيه الشرائع والحكم والمواعظ والقصص، وأصول الاجتماع والشرائع فكيف يكون من عند البشر؟! ولا ريب فيه أبدا لأنه الحق والهدى، وهو من عند رب العالمين لا يقدر عليه غيره
стр. 987
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [سورة النساء آية ٨٢] .
ترى أنه وصف القرآن الكريم بصفات:
١- لا يصح أن يفترى هذا القرآن، وينسب إلى الله!! ٢- وهو مصدق لما قبله ومهيمن عليه.
٣- مفصل الكتاب الإلهى والحكم الرباني.
٤- ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين.
٥- هو من عند الله إذ قد تحدى العرب فعجزوا. فهل بعد هذا حجة لمدع أن القرآن ليس من عند الله؟
ثم انتقل القرآن الكريم لبيان عقيدتهم في القرآن، ناعيا عليهم سوء فهمهم بعد ما بين أنه أجل وأعلى من أن يفترى ويختلق.
بل يقولون افتراه محمد من عنده؟!! قل لهم يا محمد: إذا كان الأمر كذلك فأتوا بسورة مثله قوة وإحكاما وبلاغة ودقة، وادعوا من استطعتم دعاءه من دون الله، ليعينكم على عملكم، فإن الخلق مجتمعين عاجزون عن الإتيان بمثله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [الإسراء ٨٨] إن كنتم صادقين في دعواكم فإن لم تفعلوا هذه ولن تفعلوا أبدا فاسمعوا، وارجعوا إلى الحق وآمنوا بالله، ورسوله، وهذا تحد سافر لقوم أولى بلاغة وقوة، قوم أنفقوا النفس والنفيس للقضاء على دعوة الإسلام، وحاربوا النبي بكل الأسلحة ليطفئوا نور الله فلم يفلحوا. ألست معى في أن هذا إعجاز صارخ، وحجة باقية خالدة على أن القرآن من عند الله، وأنهم عجزوا عن الإتيان بمثله مع تحديهم، فكيف يكون من عند محمد؟!! بل كذبوا بالقرآن وأنه من عند الله، ولسوء حظهم كذبوا بالذي لم يحيطوا علما به، فهم لفساد طبعهم ورداءة نفسهم كذبوا به قبل بحثه والنظر فيه والإحاطة بجزئياته، وهذا شأن المعاند المعتدى.
ولما يأتهم تأويله، ونتيجة ما فيه من الوعد والوعيد على تكذيب الرسل، وقد كان هذا متوقعا وآتيا لا شك فيه، وقد كذبوا كما كذب الذين من قبلهم.
فانظر كيف كان عاقبة المكذبين من جميع الأمم، وكيف كان نظام الله معهم وسنته
стр. 988
فيهم التي لا تتغير: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [سورة العنكبوت آية ٤٠] .
هؤلاء المشركون منهم من يؤمن بالقرآن باطنا، وإنما يكذبه في الظاهر، بل من زعمائهم من كان يقول فيه: إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق وما هو بقول البشر.
فهؤلاء عرفوا الحقيقة ولكنهم كذبوا عنادا واستكبارا، ومنهم من لا يؤمن به جهلا وتقليدا من غير نظر ولا معرفة، وربك أعلم بالمفسدين في الأرض بالشرك والظلم والعصيان والبغي فسيعذبهم في الدنيا والآخرة، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ ويؤكدها قوله تعالى: وإن كذبوك، وأصروا على ذلك، فقل لهم: لي عملي وهو تبليغ الرسالة والإنذار والتبشير وسيجازينى عليه ربي، ولكم عملكم، الذي تعملونه وسيجازيكم عليه ربكم: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ «١» ، أنتم بريئون مما أعمل، وأنا برىء مما تعملون، ولن يؤاخذ الله أحدا بذنب غيره، وصدق الله: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ [سورة هود آية ٣٥] .
وأما أنت يا محمد فلا تعجب من حال هؤلاء، ولا تحزن إن عليك إلا البلاغ وأنت تقوم بعملك خير قيام، ولكن منهم من يستمعون إليك بأسماعهم دون تدبر ولا فهم إذ قلوبهم في أكنة مما تدعو إليه. ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ. لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ «٢» والسماع النافع للمستمع هو ما عقل بما يسمعه، وعمل بمقتضاه وإلا كان كالأصم الذي لا يسمع، وأنت أيها الرسول لم تؤت القدرة على إسماع الصم حقيقة أو مجازا وهم الذين لا يعقلون.
ومنهم من ينظر إليك بوجهه، ويوجه بصره إليك عند قراءتك القرآن، ولكنه لا يبصر نور القرآن وهدى الدين، وعمى البصيرة (والعياذ بالله) أشد وأنكى من عمى البصر: أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ. والمعنى: أنك لا تقدر على هداية هؤلاء، فمن فقد حاسة السمع لا يسمع ومن فقد حاسة البصر لا ينظر، كذلك من فقد الاستعداد للفهم والهداية لا يمكن أن يهتدى ولا يهديه غيره ولو كان نبيا مرسلا.
стр. 989
إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس يظلمون أنفسهم فقط، إذ هم يجنون عليها بالكفر والمعاصي.
هكذا الدنيا وهذه نهايتها [سورة يونس (١٠) : آية ٤٥]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)
المعنى:
ويوم يحشر ربك الظالمين يوم القيامة، ويجمعهم بعد خروجهم من المقابر ويسوقهم إلى موقف الحساب والجزاء، كأنهم لم يمكثوا في الدنيا إلا مدة يسيرة هي ساعة من النهار يتعارفون بينهم.
يا ويل هؤلاء الذين يضيعون الدنيا في اللهو والعبث والفساد ولا ينظرون إلى ما ينفعهم في الآخرة والحياة الباقية حتى إذا رأوا ما يوعدون يوم القيامة تذكروا الدنيا فإذا هي مرت كلمح البصر، وكأنهم لم يمكثوا فيها إلا ساعة من النهار أى: وقتا قليلا مقدار تعارف الزوار والأقارب.
قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله، ولم يعلموا من الصالحات ما ينفعهم ليوم الحساب وما كانوا مهتدين في الدنيا، ولا موفقين في العمل، وفقنا الله جميعا إلى ما فيه الخير وأرشدنا إلى الصواب.
القول الفصل في الرد على المشركين وعلى استعجالهم العذاب [سورة يونس (١٠) : الآيات ٤٦ الى ٥٦]
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)
أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥)
هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)
стр. 990
المفردات:
أَجَلٌ وقت معين من الزمن أَرَأَيْتُمْ أى: أخبرونى وَيَسْتَنْبِئُونَكَ يستخبرونك أى: يطلبون منك الخبر إِي حرف جواب أى: نعم.
стр. 991
المعنى:
كان المشركون يكذبون النبي ﷺ في توعده لهم إذا أصروا على الشرك، وكانوا يستعجلونه استهزاء به وتكذيبا، ويتمنون موته ظنا منه أنه إذا مات ماتت دعوته.
فيرد الله عليهم بما يكبتهم، ويشد من عزيمة الرسول ﷺ . وإما نرينك أيها الرسول بعض الذي نعدهم أو نتوفينك قبل أن ترى ما يحل بهم، فإلينا المرجع والمآب، وقد رأى رسول الله بعض الذي وعدهم الله ببدر وحنين، وغيرهما، والمراد تأكيد الموعود به من العقاب في الدنيا والآخرة، فإلينا مرجعهم، ثم الله شهيد على ما يفعلونه مطلقا وسيجازيهم به على علم وشهادة حق.
ولستم أنتم يا أمة محمد بدعا بين الأمم، بل هناك قانون عام يشمل الجميع هو:
ولكل أمة من الأمم رسول يهديهم ويرشدهم إلى ما فيه صلاحهم في المعاش والمعاد، فإذا جاء رسولهم وكذبوه وكفروا به، وقامت الحجة عليهم قضى بينهم بالقسط، وهم لا يظلمون إذ العدل يقتضى إثابة الطائع والعاصي كل بما يستحق.
ويقولون متى هذا الوعد؟ ومتى يكون؟!! إن كنتم أيها المؤمنون صادقين وهنا يلقن الله رسوله الجواب قل لهم: إننى بشر مثلكم، ورسول من رب العالمين، لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا، فكيف أملك لغيري؟ وليس لي علم بشيء، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ، وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ «١» ، لكن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، والله- سبحانه- جعل لكل أمة أجلا لبقائها وهلاكها لا يعلمه إلا هو فإذا جاء الأجل المضروب والوقت المحدود لنفاذ أمره، فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون لحظة، ولا يملك رسولهم أن يؤخر أو يقدم شيئا، وهذا هو النظام العام.
ومن هنا نعلم أن المؤمن يجب أن يعتقد أنه ليس هناك بشر في الوجود حيا أو ميتا رسولا أو وليا له دخل في شيء فهذا إمام الأنبياء وخاتم المرسلين يسجل الله عليه في القرآن قوله: لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا. وقد قرر ذلك في القرآن بأساليب متعددة. وهاكم رد آخر على استعجالهم:
стр. 992
قل لهم: أخبرونى إن أتاكم العذاب المعد للعصاة والمجرمين وأنتم بالليل نائمون أو في النهار لاهون أو مشتغلون، ولا يخلو الحال من واحد منهما، إن أتاكم العذاب ماذا تستعجلون؟ أعذاب الدنيا أم عذاب الآخرة، إن كان هذا أو ذاك فهو حماقة وجهالة، لأنه استعجال لأمر محقق الوقوع.
أيستعجل بالعذاب المجرمون منكم، ثم إذا وقع آمنتم به يوم لا ينفع نفسا إيمانها ما لم تكن آمنت من قبل، إذ فرق بين الإيمان والتصديق الخالص لله ورسوله ﷺ وبين الإيمان للضرورة ولرؤية الخطر الداهم.
ويقال لكم حينئذ: توبيخا وتأنيبا الآن آمنتم به اضطرارا؟ وقد كنتم به تستعجلون تكذيبا واستنكارا وتعجيزا، ثم قيل للذين ظلموا أنفسهم بالكفر والعصيان ذوقوا عذاب الخلد، والعذاب الدائم المستمر المعد لكم ولأمثالكم، هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون؟!! ويستنبئونك أيها الرسول، ويطلبون منك الخبر الصحيح أحق هذا الذي تقوله وتعد به الكفار؟ أحق هو؟ كأنهم لم يكونوا على يقين من تكذيبهم وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا قل لهم أيها الرسول: نعم إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ. ما لَهُ مِنْ دافِعٍ وما أنتم بمعجزين، ولا أنتم بهاربين وكيف تعجزون خالق السماء والأرض، وكيف تهربون؟ ولأيّ جهة تتجهون؟!! هذا العذاب الذي تستعجلونه في الدنيا، والذي أعد لكم في الآخرة، عذاب الله أعلم به وقد وصفه الله فقال: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ بالاعتداء على نفسها أو على غيرها، ولو أن لها كل ما فِي الْأَرْضِ ثم رأت العذاب المعد لها لَافْتَدَتْ بِهِ نفسها، ولكن أنى لها ذلك؟
وهم حين يرون العذاب يسرون الندامة لاعتقادهم أنه لا فائدة في إظهار الندم والحسرة على ما فرط، وتارة يجهرون ويقولون: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وقضى بينهم بالقسط، وهم لا يظلمون.
والله- سبحانه- قادر على ذلك، ووعد به، ووعده الحق وكلامه الصدق، وهو القادر على كل شيء، وإليه المرجع والمآب ولذا اختم الآية بقوله: ما معناه أَلا إِنَّ لِلَّهِ
стр. 993
ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ملكا وخلقا وتصرفا، أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ومن أصدق من الله حديثا.
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ، وهُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وهو على كل شيء قدير، وإليه مرجعكم جميعا.
القرآن الكريم وأغراضه الشريفة [سورة يونس (١٠) : الآيات ٥٧ الى ٥٨]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)
المفردات:
مَوْعِظَةٌ الموعظة والوعظ الوصية بعمل الخير، واجتناب الشر بأسلوب الترغيب والترهيب الذي يرقق القلب ويلهب العاطفة. ويبعث على الإحسان في العمل وَرَحْمَةٌ رقة في القلب تقتضي الإحسان والبر والتعاطف والرحمة بالغير فَلْيَفْرَحُوا الفرح والسرور انفعال نفسي بنعمة حسية أو معنوية يلذ له القلب وينشرح به الصدر.
هكذا القرآن يعاود الكلام على نفسه بأسلوب آخر مبينا هنا مقاصده وأغراضه الشريفة ليتجدد دائما عند القارئ الإدراك الصحيح والفهم السليم له، ولا تنس أن إثبات التوحيد، والبعث، والرسالة، وأن القرآن من عند الله، كل هذا من مقاصد الدين الحنيف.
المعنى:
يا أيها الناس ما بالكم تكذبون بالقرآن؟ ولما يأتكم تأويله، ولم تحيطوا به علما،
стр. 994
يا أيها الناس قد جاءكم بهذا الكتاب وعظ يزلزل القلوب، ويرقق الطباع، ويصلح الأعمال، ويشفى أمراض الصدر، ويطهر القلوب ويهدى الناس إلى طرق الخير، ويغرس في قلوب المؤمنين أكثر من غيرهم رحمة على الغير وتعاطفا على الجميع.
وها هو ذا القرآن الكريم وما فيه من تشريعات، وتوجيهات، ووصايا، وحكم، وقصص، وآداب، واجتماع يهدف إلى أربعة أغراض:
١- موعظة حسنة من الذي رباكم وتعهدكم بفضله ورحمته وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [سورة آل عمران آية ١٣٨] إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ [سورة النساء آية ٥٨] .
٢- وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ من أمراض الشك والنفاق، والشرك ومخالفة الوجدان والحقد والحسد، والبغي والعدوان، وحب الظلم وكراهية العدل وغير ذلك من الأمراض التي يضيق بها الصدر ويموت بها الضمير الحي.
٣- والقرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فهو الذي يبين الحق من الضلال، ويهدى إلى الخير والرشاد، ويحذر من البغي والفساد.
٤- وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وهي صفة قلبية نتيجة لما مضى من الوعظ والشفاء والهدى فالوعظ تعليم ينشأ عنه الشفاء من الأمراض وإزالة الأوساخ، ويترتب عليهما الهداية والتوفيق إلى الخير، وينشأ عن الثلاثة الرحمة وهي الرقة في القلب، وهي بكمال صفتها لا تكون إلا في المؤمنين الكاملين.
وفي السنة المطهرة الكثير من الأحاديث التي تحث على الرحمة بالخلق جميعا، ويكفيها شرفا أنها صفة المؤمنين وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [سورة البلد آية ١٧] أليس الرحمة من صفات النبي ﷺ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.
قل. لهم: بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا أصل العبارة في التركيب العادي ليفرحوا بفضل الله وبرحمته، ولكنها بالأسلوب القرآنى آية في البلاغة يعجز القلم عن بيان نواحيها وأحسن وصف لها أنها آية من كلام الله وكفى!! ولكن لا مانع من بيان بعض النواحي. فلقد قدم بفضل الله وبرحمته ليفيد الاختصاص أى: ليكن الفرح والسرور بفضل الله وبرحمته فقط، وكانت الفاء في
стр. 995
قوله: فَلْيَفْرَحُوا للإشارة إلى تسبب الفضل والرحمة في الفرح، ويكون المعنى:
إن كان في الدنيا شيء يستحق أن يفرح به فهو فضل الله ورحمته، وكان قوله:
فَبِذلِكَ للتأكيد والتقرير، وإعادة الباء بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ للإشارة إلى أن كلا منهما يصلح سببا في الفرح، إن الفرح بفضله ورحمته أفضل وأنفع لهم مما يجمعون من حطام الدنيا الفانية لأنه هو الذي يجمع سعادة الدارين، ويدعو إلى الخيرين وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ [سورة القصص آية ٧٧] .
لون آخر في إثبات الوحى والنبوة [سورة يونس (١٠) : الآيات ٥٩ الى ٦٠]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠)
المفردات:
تَفْتَرُونَ تختلقون وتكذبون أصل الفري قطع الجلد لمصلحة، والافتراء تكلف القطع، وشاع في تعمد الكذب.
وهذه حجة أخرى على منكري الوحى، ورسالة النبي ﷺ وكون القرآن من عند الله.
المعنى:
قل لهم أيها الرسول: أخبرونى، هذا الذي أفاضه عليكم ربكم من السماء والأرض، وأنزله عليكم من رزق تعيشون به فترتب على ذلك أن جعلتم بعضه حراما،
стр. 996
وبعضه حلالا وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا الآيات من سورة الأنعام قل لهم: الله أذن لكم؟ ومعلوم أنه ليس لأحد في الوجود أن يحرم أو يحلل إلا الله- فهل الله أذن لكم؟ بهذا عن طريق الوحى أم على الله وحده تفترون وتكذبون؟!! لا بد من الإجابة بأحد الأمرين، إما أن تقولوا بأن الله أذن بوحي من عنده نزل علينا، مع العلم أنكم تنكرون الوحى الإلهى وإما أنكم تفترون على الله الكذب.
وما ظن الذين يفترون الكذب يوم القيامة؟!! أيظنون أنهم يتركون بغير عقاب على الجريمة؟ أم لهم شركاء شرعوا لهم ما لم يأذن به الله؟ وسيشفعون لهم يوم القيامة:
لا هذا ولا ذاك، والويل لهم ثم الويل لهم!! إن الله لذو فضل على الناس عظيم لا ينكره إلا مكابر ومعاند فهو الرزاق ذو القوة المتين. وهو الرحمن الرحيم، وهو صاحب الفضل في أن جعل الشرع له وحده ولم يجعل حق التحليل والتحريم لغيره لئلا يتحكم في الخلق مخلوق، وهو صاحب النعم التي لا تعد ولا تحصى ولكن أكثر الناس لا يعرفون هذا ولا يشكرون فضل الله عليهم وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣] .
مراقبته تعالى لعباده، وإحاطته بكل شيء علما [سورة يونس (١٠) : آية ٦١]
وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)
المفردات:
شَأْنٍ أى: أمر مهم تُفِيضُونَ أفاض في الشيء أو أفاض من المكان اندفع فيه بسرعة ما يَعْزُبُ أى: يبعد يقال عزب الرجل بإبله يعزب أى: يبعد ... بعد
стр. 997
أن بين أن فضل الله عظيم، أنه قليل من عباده الشكور إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ أردف ما يفيد أنه عالم بكل شيء في الكون، وأنه محيط بكل ما يعملون ليحاسب الناس أنفسهم على تقصيرهم في شكرهم له.
المعنى:
وما تكون أيها الرسول في شأن من شئونك الخاصة بك أو العامة التي تدعو فيها إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وما تتلو من أجل ذلك الشأن من قرآن ينزل عليك.
وانظر إلى التعبير عن العمل بالشأن حين خطابه ﷺ فإن في ذلك إشارة إلى أن أعماله كلها عظيمة وخطيرة حتى العادي منها إذ هو قدوة حسنة لغيره، ولقد خاطب الأمة بعد خطاب النبي وهو سيدها في أخص شئونه وأعلاها فقال: وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ صغير أو كبير إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً فيه ومطلعين وسنجازيكم عليه فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «١» إذ تفيضون فيه، وتندفعون بسرعة وخفة، وما يعزب عن ربك- جل شأنه- ولا يبعد عن علمه أقل شيء يبلغ وزنه ثقل ذرة «الذرة كالغبار الذي لا يرى إلا في ضوء الشمس من النافذة» في الأرض، ولا في السماء، ولا شيء أصغر من الذرة ولا شيء أكبر منها إلا وهو معلوم ومحصى في كتاب مرقوم عظيم الشأن تام البيان.
وهل هناك ما هو أصغر من الذرات؟ نعم أثبت العلم الحديث مبدأ تحطيم الذرة وتقسيمها إلى ذرات ولقد صدق الله فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ «٢» نعم. ولقد أرتنا آلات الكشف الحديثة «كالمكرسكوب» دقائق في الكون ما كنا نعرفها قبل ذلك، فسبحان الذي يعلم ما في البر والبحر وما في الأرض والسماء!!
من هم أولياء الله [سورة يونس (١٠) : الآيات ٦٢ الى ٦٤]
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)
стр. 998
المعنى:
أولياء الله هم أحبابه وأصفياؤه، والخلص من عباده، المخلصون في عبادتهم وتوكلهم، وحبهم، هم الذين آمنوا وكانوا يتقون- أولياء جمع ولى- وهذه الكلمة تتكون من واو ولام وياء. وهذه الأحرف مجتمعة تدل على القرب، والقرب منه- تعالى- في المكان والجهة محال، إنما يكون إذا كان القلب مستغرقا في نور معارفه، غارقا في بحر إدراكه، وسبحات وجهه، فإن رأى رأى دلائل قدرة الله، وإن سمع سمع آيات الله، وإن نطق نطق بالثناء على الله، وإن تحرك ففي خدمة دين الله، وإن اجتهد اجتهد في طاعة الله، فهنالك يكون في غاية القرب من الله، وحينئذ يكون وليا من أولياء الله وإذا كان العبد كذلك كان الله وليه وناصره، ومعينه ومتولى أمره، اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ. قال العلامة البيضاوي: أولياء الله الذين يتولونه باطاعة ويتولاهم بالكرامة ومحبة العبد لله تكون بطاعته ومحبة الله للعبد الكامل بحسن مثوبته، أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وهذا الجزاء ثابت لجميع المؤمنين الصالحين المتقربين إلى الله في آيات كثيرة سبقت وستأتى.
الذين آمنوا إيمانا كاملا بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر. وكانوا يتقون الله في ما يعملون ويذرون، فهم يتقون غضبه وعقابه بترك ما يغضبه، هؤلاء لهم البشرى في الحياة الدنيا بالنصر فيها ما داموا ينصرون الله ورسوله ويقيمون شريعته وأحكام قرآنه، ولهم البشرى بحسن العاقبة، وباستخلافهم في الأرض إن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ وأما البشرى في الآخرة فالنعيم والجنة العالية ذات القطوف الدانية إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [سورة فصلت الآيات ٣٠- ٣٢] .
стр. 999
لا تبديل لكلمات الله، ولا خلف في وعد الله بل قوله الحق، ووعده الصدق، ومنه هذه البشارة، وذلك المذكور هو الفوز العظيم الذي ليس بعده فوز.
وهنا لبعض الناس كلام في الأولياء لست أراه.. نسأله التوفيق والهداية والله أعلم بكتابه..
العزة لله [سورة يونس (١٠) : الآيات ٦٥ الى ٦٧]
وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)
المفردات:
الْعِزَّةَ الغلبة والقوة والمنعة يَخْرُصُونَ الخرص: الحزر والتخمين. لقد وعد الله أولياءه بالبشرى في الدنيا والآخرة، وأنهم لا يحزنون ولا يخافون وإذا كان لهم ذلك فما بالك بإمامهم وقائدهم الرسول الأعظم سيدنا محمد ﷺ ؟!!
المعنى:
ولا يحزنك يا محمد قولهم أبدا، الذي سجل عليهم في هذه السورة وغيرها من تكذيب وكفر وتعجب من الوحى إلخ. ما مضى، ولا تحزن فالله قد كتب وقدر
стр. 1000
ليغلبن هو ورسله، إن الله قوى عزيز، وكأن سائلا سأل وقال لم؟ فأجيب إن العزة لله جميعا، نعم إن الغلبة والقهر، والنصر والمنعة لله جميعا، لا يملك أحد من دونه شيئا، له الأمر من قبل ومن بعد، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، وهو السميع لما يقولونه العليم بما يفعلونه وسيجازيهم عليه، فلا يهمنك أمرهم وفي هذا تسلية للنبي ﷺ وتأكيد لوعده بالنصر.
ألا إن لله كل من في السموات، وكل من في الأرض، وخص العقلاء بالذكر لكون غيرهم من باب أولى في العبودية والملكية، فالأصنام والأوثان التي لا تعقل أولى وأحق ألا تتخذ لله شريكا ولا ندا، وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء في الربوبية؟ إن يتبعون إلا الظن الذي لا يغنى من الحق شيئا، وإن هم إلا يخرصون ويكذبون، فإن من يحكم حكما على غير أساس يكون كاذبا فيه ومدعيا غير الواقع وكيف يسوون الله الذي له كل من في السماء والأرض بهذه الأصنام؟ وهو الذي جعل لكم الليل ظلاما لتسكنوا فيه وتهدءوا من عناء العمل ولتجددوا نشاطكم حتى إذا أقبل النهار قمتم فيه للعمل والكدح في الدنيا والعبادة والتقرب إلى الله، فهو الذي جعل الليل للنوم والنهار مبصرا للمعاش والعبادة إن في ذلك لآيات واضحات لقوم يسمعون.
كيف يكون لله ولد [سورة يونس (١٠) : الآيات ٦٨ الى ٧٠]
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)
стр. 1001
المفردات:
سُلْطانٍ المراد حجة قوية تتسلط على العقول.
هذا لون آخر من شركهم، وادعاء باطل هو اتخاذ الله ولدا وقد شاركهم في ذلك بعض أهل الكتاب، ولذلك مكان آخر.
المعنى:
زعم بعض المشركين أن الملائكة بنات الله كما زعم بعض النصارى أن المسيح ابن الله وبعض اليهود أن عزير ابن الله، كبرت كلمة تخرج من أفواههم جميعا إن يقولون إلا كذبا وبهتانا، كيف يتخذ الله ولدا؟ وهو الخالق للسموات والأرضين وكل ما فيهما، لا يشبهه أحد من خلقه، ولا يحتاج إلى أحد من خلقه بل الكل محتاج إليه، وهو الغنى بذاته عن كل شيء- له ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا لا يشاركه في ذلك أحد.
والولد يحتاج إليه أبوه لإبقاء ذكره، وهو قوته وعصبته وأهله وعشيرته، ومتاعه وزينته، عليه يعتمد، وبه يفاخر، وقد يحتاج إليه في كبره وضعفه وهل يحتاج الله إلى شيء من ذلك كله؟! وهو الغنى- عما يصفون!! ما عندكم من سلطان وحجة على قولكم الإفك!! أتقولون على الله ما لا تعلمون!! وهذا استفهام تبكيت وتوبيخ.
قل لهم: إن الذين يفترون على الله الكذب الصريح باتخاذهم الشركاء، وزعمهم أن له ولدا لا يفلحون أبدا، ولا ينجون من عذاب الله.
وهل يمتعون في الدنيا أم لا؟ فأجيب أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة ومتاعها قليل لا قيمة له.
ثم إلى الله مرجعهم فسيحاسبهم حسابا عسيرا ثم يذيقهم العذاب الشديد بسبب كفرهم بالله ووصفه بما لا يليق قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [سورة الإخلاص] .
стр. 1002
قصة نوح ﵇ [سورة يونس (١٠) : الآيات ٧١ الى ٧٤]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)
المفردات:
كَبُرَ عَلَيْكُمْ عظم وشق عليكم مَقامِي أى: قيامي فيكم تَذْكِيرِي أى: إعلامى بآيات الله ووعظي ونصحى غُمَّةً أي: خفيا فيه شيء من الحيرة واللبس اقْضُوا أدوا إلى خَلائِفَ جمع خليفة والمراد: يخلفون غيرهم في عمارة الأرض وسكناها.
هذه السورة في خطاب المشركين والاحتجاج عليهم وإثبات الوحدانية والرسالة والبعث والجزاء يوم القيامة، وتذكيرهم بمن سبقهم وكيف كانت عاقبة المكذبين للرسل وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا.
стр. 1003
وها هي ذي قصة بعض الأمم مع رسلهم، حيث كان النصر للرسل ومن معهم، والهزيمة للكفار مع كثرة عددهم وعدتهم، وفي هذا كله تسلية للنبي، ووعد له بالنصر، وحث للمؤمنين على أن يقلدوا من سبقهم.
المعنى:
واتل يا أيها الرسول على قومك المكذبين المغرورين قصة نوح وخبره المهم إذ قال لقومه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي فيكم- فقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما- وشق عليكم ما أدعوكم إليه من عبادة ربكم وعدم الإشراك به شيئا، وكبر عليكم تذكيري بآيات الله ووعظي ونصحى لكم وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ [سورة هود آية ٣٤] إن كان هذا كله حصل فعلى الله وحده توكلت، وعليه اعتمدت لا على غيره.
فأجمعوا أمركم واتفقوا على ما تريدون مع شركائكم وآلهتكم التي تعبدونها من دون الله، ثم لا يكن أمركم بعد هذا خفيا عليكم بل كونوا على بصيرة منه، ثم اقضوا إلىّ بعد العزم الثابت والفحص التام الذي يجلى الأمر بحيث لا يكون فيه خفاء بما ترون، ونفذوا ما عزمتم عليه، ولا تنظرون، وهكذا الموقف! وهكذا الوثوق بالله، ولا غرابة في ذلك فهو نوح الأب الثاني للبشر، توكل على الله، ووثوق بنصره، وتحد سافر للمشركين ولشركائهم، فإن توليتم وأعرضتم عن دعوتي وتذكيري فما سألتكم على ذلك أجرا ولا مالا إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، يا قومنا إن أجرى وجزائي عند الله وحده، وقد أمرت أن أكون من المسلمين إليه المنقادين لحكمه. وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه.
أما هم فكذبوه وعصوه، ولم يستمعوا لأمره ونهيه فكان من أمرنا وسنتنا التي لا تتخلف، أن نجيناه والذين معه في السفينة التي صنعها بأمرنا ووحينا، وجعلنا المؤمنين معه خلفاء في الأرض يخلفون أولئك المكذبين وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا بعد أن أنذرناهم ووعظناهم فانظر يا من يتأتى منه النظر. كيف كان عاقبة المنذرين الذين يكذبون الرسل خاصة أنت يا محمد انظر كيف كان حالهم وكذلك تكون عاقبة المؤمنين، وعاقبة المكذبين.
стр. 1004
ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى قومهم فأرسل إلى عاد أخوهم هود وإلى ثمود أخوهم صالح، وإلى مدين والمؤتفكات أخوهم شعيب وهكذا غيرهم مما لا يعلمهم إلا ربهم، فجاءوا قومهم بالبينات والهدى والآيات فما كان منهم أى من أكثرهم أن يؤمنوا بما كذب به المتقدم من قبل.
وهكذا، وعلى غرار هذه السنة التي اطردت في الأمم السابقة نطبع على قلوب المعتدين إذا كانوا مثلهم، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا والمراد بالطبع عدم قبولها شيئا من نور الهداية والمعرفة لأنهم اعتدوا كل حد وتجاوزوا كل وضع سليم.
قصة موسى مع فرعون [سورة يونس (١٠) : الآيات ٧٥ الى ٨٢]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩)
فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)
стр. 1005
المفردات:
لِتَلْفِتَنا لتصرفنا عنه الْكِبْرِياءُ الرياسة الدينية والملك الدنيوي هذه هي قصة موسى وهارون مع فرعون وأشراف قومه، وهذه الآيات الأربع في تكذيب فرعون وملئه لموسى ووصف آياتهم بالسحر وبيان السبب في التكذيب.
المعنى:
ثم بعثنا من بعد الأنبياء الذين أرسلت إلى أقوامهم وكان منهم ما كان، بعثنا موسى وأخاه هارون إلى فرعون ملك مصر وأشراف قومه، أما العامة فتابعون لهم في الإيمان والكفر ولذا لم يذكروا، بعثناهما مؤيدين بالآيات التسع التي ذكرت في سورة الأعراف وغيرها.
فاستكبروا، وأعرضوا عن الإيمان بموسى وهارون كبرا وعلوا في الأرض وفسادا وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ [سورة الأنعام آية ١٢٣] وكان فرعون وملؤه قوما مجرمين، تلك خلاصة مجملة لقصتهم، وأما التفصيل.
فلما جاءهم الحق، وهو الآيات الدالة على الألوهية، وصدق رسله جاءتهم من عندنا على لسان موسى وهارون وعلى يديهما. قالوا: إن هذا لسحر مبين ظاهر، قالوا مقسمين على قولهم مؤكدين له بأن، واسم الإشارة، واللام، واسمية الجملة.
فماذا قال لهم موسى؟ قال: أتقولون هذا؟!! للحق الظاهر والآيات البعيدة عن السحر وكيده عجبا لكم أتقولون: أسحر هذا؟! أى: هذا الذي ترونه من آيات الله البيّنات لا يمكن أن يكون سحرا، وكيف يكون ذلك؟ والحال المعروف أنه لا يفلح الساحر في الأمور الجدية المهمة وإنما السحر خيال ووهم في الأمور الشكلية البحتة فكيف بعظائم الأمور من دين أو قانون.
قالوا: أجئتنا يا موسى لتصرفنا عن دين ورثناه عن قومنا، ووجدنا عليه آباءنا ولتكون لكما الرياسة الدينية، وما يتبعها من كبرياء الملك والعظمة الدنيوية، وما نحن لك
стр. 1006
ولأخيك بمؤمنين حتى لا يضيع دين الآباء، وما يتبعه من رئاسة وملك وهكذا كان السبب في تكذيب الرسل دائما!! وقال فرعون لملئه بعد ما رأوا موسى مصرا على دعواه قال: ائتوني بكل سحار عليم، ماهر في هذه الصنعة صناع إذ هم كانوا لغباوتهم لا يفرقون بين السحر والآية الإلهية.
فلما جاءهم السحرة وجمعوهم من كل حدب وصوب قال لهم موسى بعد أن خيروه بين أن يلقى ما عنده أولا أو يلقوا هم ما عندهم كما هو في سورة الشعراء: أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ [الآية ٤٣] من فنون السحر وأفاعيله.
فلما ألقوا ما عندهم من الحبال والعصى قال موسى: ما جئتم به هو السحر بعينه لا ما جئت به من الآيات التي سماها فرعون وملؤه سحرا، إن الله سيبطله قطعا أمام الناس ولا غرابة أن الله لا يصلح عمل المفسدين، وأن الله يحق الحق بكلماته التكوينية والتشريعية ولو كره المجرمون، اقرأ يا أخى تتمة هذه القصة في سورة الأعراف وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ... [١١٧ وما بعدها]
الذين آمنوا بموسى [سورة يونس (١٠) : الآيات ٨٣ الى ٨٧]
فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)
стр. 1007
المفردات:
ذُرِّيَّةٌ الصغار من قومه أَنْ يَفْتِنَهُمْ الفتنة الاختبار والابتلاء بالشدائد لَعالٍ قوى شديد البطش والفتك.
المعنى:
ألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون، وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون، وألقى السحرة ساجدين، وقال فرعون: آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه، لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ولأصلبنكم أجمعين إزاء هذا العمل الفاجر، والقوة الغاشمة: وبسبب هذا كله ما آمن لموسى وما استسلم له إلا ذرية من قومه بنى إسرائيل، آمنوا على خوف من فرعون وأعوانه، أن يبتلوهم بالشدائد، وأن يفتنوهم عن الإيمان، والحال أن فرعون لقوى البطش شديد الفتك قال: سنقتل أبناءهم ونستحيى نساءهم وإنا فوقهم قاهرون. وإن فرعون لمن المسرفين المتجاوزين حدود العقل والإنسانية، وهكذا كل جبار عتيد.
وإذا كان لم يؤمن لموسى إلا الشبان المراهقون من قومه وجماعة من قوم فرعون يكتمون إيمانهم خوفا من بطش فرعون بعد ظهور هذه الآيات الكونية الظاهرة التي لا تدع شكا لناظر، فأنت يا محمد لا تحزن ولا تغتم بسبب إعراض قومك عن الإيمان بك، ولك في الأنبياء قبلك الأسوة الحسنة.
وقال موسى: يا قوم إن كنتم آمنتم، فاصبروا، وكونوا مؤمنين حقّا بالله، وعليه وحده توكلوا، وإليه وحده الجأوا إن كنتم مسلمين..
فقالوا: على الله وحده توكلنا، وبه وحده استعنا على أعدائنا وأعداء ديننا، ودعوا الله قائلين: ربنا لا تجعلنا فتنة بأن تنصرهم علينا فيفتتن الناس ويقولون: لو كان هؤلاء
стр. 1008
على حق لما هزموا أمام فرعون وظلمه، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك وعفوك من القوم الكافرين الطغاة المجرمين فإنك وعدت، ووعدك الحق إنك تنصر عبادك المؤمنين بك المتبعين لرسلك، كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
[الروم ٤٧] .
وأوحينا لموسى وأخيه، أن اتخذوا لقومكما بمصر بيوتا تسكنون فيها، واجعلا بيوتكم متقابلين في جهة واحدة، وقيل المعنى: واجعلوا بيوتكم قبلة للصلاة تصلون فيها خوفا من فرعون وملئه بدليل قوله وأقيموا الصلاة، وبشر المؤمنين بحفظ الله ورعايته، ونصره لهم في كل زمان وحين.
من مواقف موسى مع فرعون [سورة يونس (١٠) : الآيات ٨٨ الى ٩٣]
وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢)
وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)
стр. 1009
المفردات:
زِينَةً ما يتمتع به من الحلل والحلي والرياش والأثاث واللباس اطْمِسْ طمس الأثر إذا أزاله حتى لا يعرف وَجاوَزْنا جاز المكان وتجاوزه، وجاوزه إذا ذهب فيه وقطعه حتى خلفه وراءه فَأَتْبَعَهُمْ لحقهم نُنَجِّيكَ نجعلك على نجوة من الأرض والنجوة المكان المرتفع الذي ينجى صاحبه من السيل.
وذكر سبب كفرهم وعنادهم، وهو حب الدنيا ومتاعها الفاني، وقال موسى:
ربنا إنك أعطيت فرعون وأعوانه وجنده زينة من الحلي والحلل، والفراش والأثاث، وأعطيتهم المال والجاه حتى بنوا القصور ورفعوا القبور، وأنفقوا في حظوظ الدنيا ومتاعها الشيء الكثير.
ربنا أعطيتهم هذا العطاء فكان عاقبة أمرهم خسرا، وكانت نتيجة هذه النعم أنهم ضلوا عن سبيلك، وأضلوا غيرهم.
ربنا اطمس على أموالهم، وأزل آثارها، وامحها بما تنزله من الآفات والكوارث، واشدد على قلوبهم، واربط عليها برباط قوى حتى لا ينفذ إليها نور الهدى والإيمان فيزدادوا قسوة وظلما، فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.
روى أن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، واستجاب الله دعاءهما، وأمرهما أن يظلا على استقامتهما ودعوتهما فرعون وقومه إلى الحق والعدل وألا يتبعا سبيل الذين لا يعلمون
.
стр. 1010
المعنى:
كان لا بد للمتعب أن يستريح، وللمضطهد أن يتنفس الصعداء، ويخرج من السجن، نعم أراد الله لبنى إسرائيل أن يكشف عنهم ظلم فرعون، وأن يخرجوا من مصر إلى أرض الميعاد، وقد خرج بهم موسى وأخوه على حين غفلة من فرعون وعيونه فلما وصل خبرهم إليه، جمع جموعه وأدركهم على شاطئ البحر (بحر السويس) فقالوا: يا موسى هذا فرعون وراءنا والبحر أمامنا وماذا نفعل؟ فأوصى الله إلى موسى:
أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالجبل وسط البحر فساروا عليه وجاوزوا البحر بعناية الله ورعايته حتى كأنه معهم، أما فرعون فلحقهم هو وجنوده حالة كونهم باغين معتدين. وخاضوا البحر كما خاض بنو إسرائيل، ولكن اليم قد ابتلعهم إذ لم يركبوا سفن النجاة فلما أدركهم الغرق، وأيقنوا أنهم المغرقون لا محالة قال فرعون في تلك الحال التي يؤمن فيها البر والفاجر، والكافر والعاصي، تلك الساعة التي لا تنفع فيه توبة، ولا إيمان، قال: آمنت بالله، أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين المنقادين. تراه وقد جمع الإيمان والإسلام، وكرر المعنى الواحد ثلاث مرات ولكن هو كما قال الشاعر:
أتت وحياض الموت بيني وبينها ... وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل
أتؤمن الآن؟! وقد عصيت الله كثيرا، وكنت من المفسدين، فاليوم نجعلك بنجوة من الأرض، ونقذف ببدنك على ساحل البحر ليؤمن بموتك من شك أنك لم تمت، وظن أنك فوق البشر، ولتكون لمن خلفك آية على قدرة الله وحكمته.
فها هم بنو إسرائيل الضعفاء المستضعفون الذين طالما أذاقهم فرعون سوء العذاب يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين!! الله نجاهم ونصرهم على من؟ على فرعون صاحب الجند والطول، والحول والقوة، فرعون الذي يقول: أنا ربكم الأعلى!! أليس لي ملك مصر؟ وهذه الأنهار تجرى من تحتي.
وها أنتم أولاء يا معشر قريش لستم أشد قوة ولا أكثر جندا، ولا أكثر مالا وعددا من فرعون. فاعتبروا يا أولى الأبصار: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ.
стр. 1011
ولقد بوأنا بنى إسرائيل مكانا للإقامة أمينا، ورزقناهم من الطيبات فيه، لقد وعد الله على لسان إبراهيم وإسحاق ويعقوب هذه الأرض وهي أرض فلسطين، ولما كفروا بالأنبياء وخاصة عيسى ومحمدا- ﵉ نزعها الله منهم.
وإذا كان كذلك فما اختلفوا حتى جاءهم ما كانوا به عالمين، وذلك أنهم كانوا قبل بعثة النبي (محمد) مقرين به، مجمعين عليه، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا، ولما بعث اختلفوا فيه فآمن بعضهم وكفر البعض الآخر حسدا وحبا للرياسة ولجمع المال، وإن ربك يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا يختلفون، وسيجازيهم على ذلك فلا يهمنك أمرهم في شيء.
تقرير صدق القرآن [سورة يونس (١٠) : الآيات ٩٤ الى ٩٧]
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧)
المفردات:
حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ أى: ثبت عليهم قضاؤه وحكمه.
المعنى:
أن الله- قدم ذكر بنى إسرائيل فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ
стр. 1012
وهم حملة الكتاب «التوراة والإنجيل» ووصفهم بأن العلم قد جاءهم إذ أمر رسول الله مكتوب عندهم، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فأراد هنا- جل شأنه- أن يؤكد علمهم بصحة القرآن وصدق نبوة محمد- ﵊ على سبيل المبالغة فقال: فإن وقع منك شك فرضا وتقديرا- كما تقول لابنك: إن كنت ابني حقا فافعل كذا- مما أنزلناه إليك من قصص نوح وموسى مثلا، فسل علماء أهل الكتاب الذين يقرءون الكتاب من قبلك، والمراد أنهم على علم تام بصحة ما أنزل إليك، وهم يصلحون لمراجعة مثلك ومساءلتهم فضلا عن غيرك، فالغرض وصف الأخبار بالعلم لا وصف النبي ﷺ بالشك والريب، وعن ابن عباس- رضى الله عنه-:
لا والله ما شك طرفة عين، ولا سأل أحدا منهم، وقيل: خوطب رسول الله فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ والمراد أمته أو من يقع في شك فعليه بالرجوع إلى مصادر العلم من الكتب الإلهية، ومناقشة أهل العلم ورجاله.
تالله لقد جاءك الحق الثابت من ربك الذي لا شك فيه أبدا ولا ريب، فلا تكونن من الممترين الشاكين. والمراد دم على ما أنت عليه. ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين في الدنيا والآخرة، وفي هذا تعريض بالكفار المكذبين الخاسرين الضالين.
إن الذين حقت عليهم كلمة ربك وثبت فيهم حكمه وقضاؤه لا يؤمنون أبدا، وليس المعنى أن الله يمنعهم من الإيمان، بل هم الذين يختارونه ويكسبونه، والمراد أن من علم الله فيهم خيرا أو شرا لا بد من حصوله لأن علم الله لا يتخلف.
إن هؤلاء الذين علم الله أنهم لا يؤمنون. هم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية كونية أو علمية أو قرآنية، لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم، وحينئذ لا ينفعهم إيمان ولا توبة.
إيمان قوم يونس [سورة يونس (١٠) : الآيات ٩٨ الى ١٠٠]
فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠)
стр. 1013
المفردات:
الرِّجْسَ القذارة، وأقبح الخبث المعنوي.
المعنى:
الإيمان الذي ينفع صاحبه هو الإيمان وقت التكاليف، أما إذا حصل في وقت تسقط فيه التكاليف. وذلك عند حشرجه الموت، أو عند الغرق، كما حصل لفرعون، أو عند نزول العذاب، فلا ينفع نفسا- والحالة هذه- إيمانها.
فهلا كانت قرية من القرى التي أرسل فيها الأنبياء السابقون آمنت في وقت ينفعها الإيمان أى: وقت العمل لا وقت نزول العذاب واستحالة العمل والمعنى: ما كانت قرية آمنت إلا قوم يونس آمنوا لما ذهب مغاضبا، وحذرهم العذاب الشديد، ورأوا تباشيره، فلما آمنوا كشفنا عنهم العذاب، ومنعنا عنهم الخزي والهلاك في الدنيا، ومتعناهم لما آمنوا إلى انقضاء آجالهم المقدرة لهم.
ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا. بأن يخلقهم وفيهم الاستعداد للإيمان فقط كالملائكة، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولكن شاءت مشيئته العالية لحكم هو يعلمها أن يخلق الإنسان وفيه استعداد للخير والشر، وللإيمان وللكفر وتركه بلا إلجاء وقسر بل جعل له الحرية الكاملة لاختيار إحدى الطريقتين بعد أن هداه النجدين وأبان له الأمرين.
أفأنت تكره الناس على الإيمان؟!! لا، لا إكراه في الدين لمخلوق أبدا وإنما الذي يقدر على الإكراه هو الله- القادر على كل شيء.
стр. 1014
وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله وإرادته، ويجعل الرجس والهلاك على الذين لا يعقلون، ولا يختارون الخير ولا يسلكون سبل الرشاد والسداد فاعتبروا يا أولى الأبصار لعلكم تذكرون..
إنذار وبشارة، وحث على العلم [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٠١ الى ١٠٣]
قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)
المفردات:
أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا المراد: وقائع الذين مضوا وحوادثهم.
المعنى:
يأمرنا الله- بالنظر والتفكير بعين البصيرة والاعتبار انظروا ماذا في السموات والأرض من آيات الله البينات؟ انظروا ما فيها من نظام رتيب، وترتيب عجيب وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ «١» انظروا إليها بعين البصر والبصيرة، تجد خالق هذا الكون على هذا النظام لا يمكن أن يتركه هملا، ولم يخلقه عبثا، وهذا يدعو إلى التصديق بالرسل والإيمان بالوحي والقرآن.
стр. 1015
ولكن ما تغنى الآيات القرآنية والآيات الكونية عن قوم لا يؤمنون بالله ورسله، ولم يستخدموا عقولهم فيما خلقت من أجله، وليس المراد بقوله- تعالى- فيما مضى وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ المجانين بل الذين لم يستخدموا العقول فيما خلقت له من المعرفة الصادقة والإيمان الكامل فهل ينتظر الذين لم يؤمنوا، ولم يستفيدوا من الآيات إلا وقائع وحوادث كالتي نزلت بمن مضى من الأقوام السابقين، وقد مر بك جزء منها في هذه السورة. قل لهم: إذا كان الأمر كذلك فانتظروا إنى معكم من المنتظرين. وفي النهاية قد حكم الله حكما لا راد له أنه سينجى رسله والمؤمنين، حكم بذلك وقدر، وقال في كتابه: كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا «١» وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ «٢» .
وفي هذه الآية إشارة إلى وجوب النظر في الكون، والبحث عما فيه للاعتبار، وتربية الخشية من الله والإيمان به، وحث على العلم والبحث في الكون ولا غرابة فأنت إذا قلت أن أول ما نزل على نبيك محمد ﷺ قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ «٣» أدركت أن الإسلام دين علم وعمل، وأن نبيك الأمى هو المعلم الأول.
المبادئ العامة للدعوة الإسلامية [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٧]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)
стр. 1016
المفردات:
يَتَوَفَّاكُمْ يقبض أرواحكم حَنِيفاً مائلا عن الشرك وما يتبعه بِضُرٍّ من مرض أو ألم.
المعنى:
قل يا محمد للناس جميعا قولا مجملا مختصرا تبين فيه الخطوط الرئيسية لرسالتك العامة الشاملة، إن كنتم في شك قليل من ديني ورسالتي فاعلموا أنى لا أعبد الذين تعبدونهم من دون الله أبدا، كالأحجار، والأصنام، والأوثان، والبشر هؤلاء جميعا لا ينفعون ولا يضرون أنفسهم فكيف يتصور منهم نفع أو ضر لغيرهم؟ ولكني أعبد الله وحده لا أشرك به شيئا- الذي يتوفاكم إليه، وإليه مرجعكم وجزاؤكم، وعنده حسابكم الدقيق الذي أحصى كل شيء عددا، وأمرت أن أكون من المؤمنين الناجين من عذاب يوم القيامة، وهذا الوصف بالإيمان يجمع جميع شعبه ونواحيه، وأمرت بأن أقيم وجهى خالصا لله ولدينه مائلا عن الشرك بكل صوره وأشكاله البسيطة والكبيرة، ونهيت عن أن أكون من المشركين، ولا تدع يا محمد متجاوزا الله- سبحانه- ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين لنفسك.
واعلم أن الله- إن يمسسك في جسمك أو في مالك بأى شكل كان فلا كاشف لهذا الألم والضر إلا هو..
وإن يرد بك خيرا في دينك أو دنياك فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا مانع لفضله- عما يصفون.
بل فضله يصيب به من يشاء من خلقه حسب حكمته وعلمه وهو الحكيم في أمره العليم بخلقه وهو الغفور الرحيم.
стр. 1017
خلاصة ما مضى [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٠٨ الى ١٠٩]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)
هذه خاتمة المطاف في تلك السورة العظيمة التي شرحت الأسس العامة للذين، وبينت عقائد الإسلام التي ينكرها مشركوا العرب من توحيد الله. والوحى والرسالة والبعث والجزاء، وما ينكرونه من صفات الله- وتكلمت على القرآن الكريم وهدايته وما فيه من خير للبشرية جميعا، وكيف كانت الأمم السابقة وما حصل لها، نتيجة كفر من كفر وإيمان من آمن.
هذا النداء المأمور به الرسول الأعظم هو للناس جميعا على اختلاف أشكالهم وألوانهم من سمع منهم بالقرآن ومن سيسمع في المستقبل وهو إجمال عام لما في السورة.
قل يا أيها الرسول للناس جميعا قد جاءكم الحق من ربكم على لسان رجل منكم أوحى إليه، هذا الحق الثابت الذي لا شك فيه كتاب أحكمت آياته، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فمن اهتدى به فإنما يهتدى لنفسه ومن كفر فإنما يضل على نفسه، وما أنا عليكم بوكيل، إن أنا إلا نذير وبشير.
واتبع يا محمد ما يوحى إليك من ربك في القرآن علما وعملا وتعليما وحكما وهداية وإرشادا، واصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم حتى يحكم الله بينك وبينهم وهو خير الحاكمين.
يا أيها الناس....
إن الله الذي وضع نظاما دقيقا محكما لهذا الكون وما فيه، لم يختل ولن يختل لا
стр. 1018
يعقل أن يترك الإنسان المكرم عنده، المشرف من خلقه بلا نظام ولا قانون يحكمه ويهديه.
والله قد أنزل القرآن وفيه حكم الله وآياته وقوانينه الصالحة النافعة، قوانين إلهية ودساتير ربانية صنعها صانع السماء والأرض، وأوجدها موجد هذا الكون. أفبعد هذا تتركونها إلى غيرها أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. [سورة المائدة آية ٥٠] .
أسأل الكريم في ختام هذا الجزء أن يوفق قادة الأمة وحكامها إلى الخير والسداد في اختيار دستور البلاد وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [سورة المائدة آية ٤٩] .
стр. 1019
سورة هود
مكية على القول الصحيح، وعدد آياتها ثلاث وعشرون ومائة.
وقد نزلت بعد سورة يونس؟ هي في معناها وموضوعها، وفصل فيها ما أجمل في سابقتها، وكلاهما يتناول أصول العقائد، وإعجاز القرآن والكلام على البعث والجزاء والثواب والعقاب، مع ذكر قصص بعض الأنبياء بالتفصيل ألا ترى أن المناسبة بينهما ظاهرة؟!
وروى الترمذي عن ابن عباس قال: قال أبو بكر- رضى الله عنه-: يا رسول الله: قد شبت! قال: «شيّبتنى هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشّمس كوّرت»
، ولا غرابة ففي تلاوة هذه السورة ما يكشف سلطان الله وبطشه مما تذهل منه النفوس، وتضطرب له القلوب وتشيب منه الرءوس.
وذلك حينما نقف على أخبار الأمم الماضية، وما حل بها من عاجل بأس الله، وقيل:
إن الذي شيبه من سورة هود قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ.
في الأصول العامة للدين [سورة هود (١١) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)
стр. 1020
المفردات:
الر تقرأ ألف. لام. را، وفيها ما ذكرناه في أول سورة البقرة من اختلاف العلماء وانتهينا إلى أنها سر من أسراره تعالى، هو أعلم به، وفي القرآن الكريم محكم ظاهر المعنى ومتشابه الله أعلم به، والرأى الثاني: أنها للتحدى والإلزام، أو هي أداة استفتاح وتنبيه لما سيلقى بعدها. والملاحظ أن هذه السور المفتتحة بتلك الحروف مكية إلا سورتي البقرة وآل عمران، وأنها تعالج إثبات التوحيد والبعث والكلام على القرآن الكريم وإعجازه إلخ. ما كان يخاطب به النبي ﷺ مشركي مكة، ويلاحظ أن فيها غالبا قصص الأنبياء الذين كانوا يسمعون عنهم، ولا يعرفون من أخبارهم شيئا، وهذه الحروف تارة تكون آية مستقلة، أو تكون جزء آية وصدق الله وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [سورة الإسراء آية ٨٥] .
المعنى:
هذا كتاب عظيم الشأن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، كتاب أحكمت آياته بوضوح المعنى، وبلاغة الدلالة وقوة التأثير، فهي كالبناء المحكم والحصن المنيع لا ريب فيها ولا شك. ثم فصلت، ورتبت، ونظمت، وسويت، في سور مترابطة، وآيات متناسبة فكل سورة منه آية بديعة، وقطعة فنية عالية في سماء البيان والبلاغة، فصلت كما تفصل القلائد بالفوائد، ففي السورة عقائد وأحكام، وقصص ومواعظ وأدب واجتماع، وعلوم ومعارف، وغير ذلك.
أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم كامل الحكمة، وخبير عليم، هو الذي فصلها، وفي ذكر (ثم) إشارة إلى أن مرتبة التفصيل أعلى وأسمى من مرتبة الأحكام فقد جمع القرآن بين أطراف الكمال والجلال.
فصل هذا الإحكام، والتفصيل للقرآن وآياته لئلا تعبدوا إلا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، وهذا هو الأساس الأول، والمقصود المهم لكل نبي ورسول كما ستراه في القصص الآتية.
وقيل أمر رسول الله أن يقول للناس: أمركم ربكم ألا تعبدوا إلا الله، إننى لكم