بعض أحكام تتصل بالصيام [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٨٦ الى ١٨٧]
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)
المفردات:
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي: فليلبّوا دعوتي إياهم للإيمان. يَرْشُدُونَ: يهتدون.
الرَّفَثُ: الفحش من الكلام، أو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، أطلق على الجماع لأنه لا يخلو منه غالبا. هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ: الزوجان كل منهما لباس للآخر لأنه يستر صاحبه كما يستر اللباس ويمنعه من الفجور. تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ:
تخونونها.
стр. 107
المعنى:
١-
روى أن أعرابيا سأل النبي ﷺ : أبعيد ربنا فنناديه أم قريب فنناجيه؟ فنزلت الآية.
ولا تنس الحكمة في وضعها بعد آيات الصوم..
سبب النزول:
وإذا سألك يا محمد عبادي عنى فإنى قريب منهم أعلم أعمالهم، وأرقب أحوالهم وهو تمثيل لحالة القرب: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ أجيب دعوة من دعاني مخلصا لي قد شفع دعاءه بالعمل الخالص لوجه الله.
وإذا كان الأمر كذلك فليلبوا دعوتي لهم بالإيمان بي، أجيب دعوتهم وأجازيهم على ذلك أحسن الجزاء لعلهم بهذا يهتدون إلى الخير النافع لهم.
٢-
روى أنهم كانوا في بدء الإسلام إذا أمسوا حل لهم الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلوا العشاء أو يرقدوا، فإذا صلوها أو رقدوا حرم عليهم كل هذا، ثم إن عمر- رضى الله عنه- باشر زوجته بعد العشاء، وندم بعد ذلك ندما كثيرا، وأخبر النبي ﷺ بما حصل واعترف بالذنب، فنزلت الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ.
أحل الله لكم في الليلة التي تصبحون فيها صائمين مباشرة نسائكم والاجتماع بهن، وقد سمى القرآن الجماع رفثا وخيانة لقبح ما حصل منهم قبل نزول الآية.
والحكمة في الترخيص بهذا أن النساء مخالطون للرجال مخالطة الثوب للجسد بل أشد، كل يستر صاحبه ويقيه من السوء، وقد علم الله أن صبركم عنهن مع أنهن كاللباس أمر عسير وشاق، وقد كنتم تخونون أنفسكم بمباشرتهن فتاب عليكم وعفا عنكم، فالآن جامعوهن ليلا، وكلوا واشربوا حتى يظهر لكم نور الفجر المعترض في الجو مع ظلام الليل فهو أشبه بالخيط الأبيض مع الخيط الأسود، ثم أتموا الصيام إلى دخول الليل.
ولا تباشروا نساءكم بالجماع أو اللمس مع الشهوة وأنتم معتكفون في المساجد فإن ذلك يبطل الاعتكاف، إذ في الاعتكاف لا فرق بين الليل والنهار.
تلك حدود الله ومحارمه التي تشبه الحدود الفاصلة فلا تقربوها فضلا عن تخطيها وانتهاك حرمتها.
стр. 108
قال رسول الله ﷺ : «ألا وإن لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» «١» .
مثل ذلك البيان الفاصل يبين الله آياته للناس لعلهم بهذا يهتدون إلى طريق الخير والرشاد.
الرشوة وأكل أموال الناس بالباطل [سورة البقرة (٢) : آية ١٨٨]
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)
المفردات:
تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ: تلقوا بها إليهم. بِالْإِثْمِ: شهادة الزور واليمين الفاجرة أو ما هو أعم من ذلك.
المعنى:
نهانا الله أن نأكل أموال بعضنا بالباطل وبدون وجه حق، ونهانا أن نلقى بالأموال إلى الحكام مستعينين في ذلك بالدفاع الباطل، والرشوة التي تعطى لبعض أصحاب النفوس القذرة الحقيرة من الحكام ليصل صاحبها إلى غرضه.
ولا شك أن كثرة التقاضي بالباطل وشيوع الرشوة في الأمة مقبرة لها بل خطرها على الأمة أشد من اليهود.
وكيف يجوز لمسلم أن يأكل مال أخيه المسلم بالإثم والزور والبهتان والرشوة وهو يعلم أنه حرام ولا يأكل في بطنه إلا النار.
واعتبروا أيها الحكام والقضاة والمتخاصمون
بقول الرسول الأمين للمتخاصمين:
стр. 109
«إنما أنا بشر مثلكم، وأنتم تختصمون الىّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من الآخر فأقضى له على نحو ما سمعت فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنّ منه شيئا فإنما أقضى له قطعة من نار» »
فبكى المتخاصمان وقال كل واحد منهما: حقّى لصاحبي.
اختلاف أشكال القمر [سورة البقرة (٢) : آية ١٨٩]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)
المفردات:
الْأَهِلَّةِ: جمع هلال، وهو القمر في بعض حالاته. مَواقِيتُ جمع ميقات، والوقت: هو الزمن المضروب لأمر من الأمور، كوقت الصلاة والصيام مثلا،
روى أنهم سألوا النبي ﷺ عن العلة في أن القمر يبدو دقيقا كالخيط ثم لا يزال يكبر حتى يصير بدرا ثم يصغر حتى ينمحى
، وهذا سؤال وجه من بعض الصحابة للنبي ﷺ وهو لا يليق لأن النبي لم يبعث معلما للرياضة والعلوم الكونية التي منها أسباب أطوار الهلال، على أن الطاقة العقلية التي كانت موجودة حينئذ تعتبر الكلام في مثل هذا الموضوع ضربا من الجنون، ولذلك أجيب السائل بما يصح أن يسأل عنه في هذا الموضوع تنبيها له وإرشادا. وليس معنى هذا أن الدين لا يحب البحث ولا العلم، فالله يقول: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (١٠١ سورة يونس) . إلى غير ذلك من الآيات التي توجب النظر والفكر والتعليم. وإنما القرآن له مهمة جاء لها وهي تكوين الفرد المسلم ذاته وتكوين مشاعره وسلوكه وروابطه وبناء شخصيته وضميره ووجوده
стр. 110
على أسس إسلامية سليمة، وتكوين المجتمع الإسلامى على دعائم قويمة، ومتى وجدا طالب المسلم بالنظر والعلم والبحث الدقيق، إذا فليس من مهمة القرآن الكلام في المسائل العلمية وإن أتى بنظريات علمية فهي عارضة ولا تتعارض مع العلم في شيء.
فمن سأل هذا السؤال كمن يأتى البيوت من ظهورها ولذا كان الجواب على طريقة الأسلوب الحكيم: قل لهم يا محمد: إنها معالم يؤقت بها الناس أعمالهم وتجارتهم ومزارعهم وعبادتهم من صوم وحج وعدة ... إلخ.
والتوقيت بالسنة القمرية سهل في الحساب ومناسب للعرب، وقد كان أناس من الأنصار إذا أحرموا بالحج لم يدخلوا الدور من الباب فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته وإن كان من أهل الوبر دخل من خلف الخباء، فقيل لهم: ليس البر هذا، ولكن البر من اتقى الله وخاف عقابه، ثم أمرهم بأن يأتوا البيوت من أبوابها ويتقوا الله في كل شيء رجاء أن يكونوا من المفلحين.
стр. 111
القتال في سبيل الله [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٩٠ الى ١٩٥]
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)
المفردات:
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ القتال في سبيل الله: هو القتال لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه. ثَقِفْتُمُوهُمْ: وجدتموهم، وثقفه: أخذه وظفر به. الْفِتْنَةُ: مصدر [فتن الصائغ الذهب والفضة] : إذا أذابهما بالنار ليستخرج الصالح، ثم استعملت الفتنة في كل اختبار، وأشده الفتنة في الدين، والمراد بها: إيذاء الكفار للمسلمين في الحرم وتعذيبهم وإخراجهم من الوطن. التَّهْلُكَةِ: الهلاك.
стр. 112
سبب النزول:
نزلت الآية في صلح الحديبية، لما صد المشركون النبي ﷺ عن البيت الحرام، وصالحوه على أن يرجع في عامه القابل، ويخلوا مكة له ثلاثة أيام للنسك والطواف.
فلما كان العام القابل تجهز النبي ﷺ وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا ألا تفي لهم قريش وأن تصدهم عن المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم كما فعلوا في العام السابق، وكره الصحابة قتالهم في الحرم والأشهر الحرم فأنزل الله هذه الآية.
المعنى:
أيها المؤمنون: قاتلوا في سبيل الله فإنى أذنت لكم في قتال المشركين: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [سورة الحج الآية ٣٩] . فإنهم فتنوكم عن دينكم وأخرجوكم من دياركم، وقاتلوكم ونكثوا عهودهم، وقاتلوهم على أنه دفاع في سبيل الله للتمكن من عبادته في بيته، ولتربية هؤلاء المفتونين والمغرورين، ولا تعتدوا بالقتال فتبدأوهم، ولا تعتدوا في القتال بأن تقتلوا الصغار والعجزة والشيوخ أو من ألقى إليكم السلاح، إن الله لا يحب الخير للمعتدين فكيف بمن يعتدى في الحرم والأشهر الحرم؟
اقتلوهم إذا نشب القتال بينكم أينما أدركتموهم على أى حال كما سيأتى في الآية قريبا، وأخرجوهم من مكة حيث أخرجوكم، وظاهروا على إخراجكم، أليست فتنتهم إياكم في الحرم عن دينكم بالإيذاء والتعذيب ومصادرة الأموال والإخراج من الوطن أشد قبحا من القتال في الحرم؟! إذ لا بلاء أشد على نفس الحر من الإيذاء والاضطهاد لأجل عقيدة تمكنت في قلبه، واستحوذت على عقله ورأى السعادة في الدنيا والآخرة موقوفة عليها، وحقا: الفتنة أشد من القتل.
ثم استثنى القرآن الكريم من وجوب قتال هؤلاء المحاربين في كل زمان ومكان قتالهم في المسجد الحرام لأن من دخله كان آمنا، فإن قاتلوكم فقاتلوهم، ولا تستسلموا لهم أبدا فالشر بالشر والبادي أظلم، وكذلك جزاء الكافرين.
فإن انتهوا عن القتال وكفوا عنه، أو دخلوا في دين الله، فإن الله غفور لهم، رحيم يمحو من العبد ما سلف إذا هو تاب وأناب.
стр. 113
فاقتلوهم إذا هم بدءوكم واعتدوا عليكم، واستمروا في قتالهم حتى لا تكون لهم قوة أصلا تمكنهم من أن يفتنوكم عن دينكم أو يفتنوا غيركم، واستمروا في قتالهم حتى يكون الدين خالصا لله لا دخل للشيطان فيه، وحتى يأمن المسلم في الحرم فيظهر دينه فيكون الدين لله فقط.
وقد كان الكفار بمكة في أمن وطمأنينة يقيمون الباطل ويعبدون الأصنام، والمسلمون مطرودون منها ومن بقي فهو خائف لا يظهر دينه ولا يجاهر به.
فإن انتهوا بعد هذا فلا اعتداء منكم إلا على من ظلم تأديبا لهم وإصلاحا. وذلك بإقامة الشرع وأحكامه فيهم.
ولقد وضح الله الحكمة في أمر المسلمين بالقتال في الأشهر الحرم بهذه الآية، وذلك أن المشركين قاتلوهم في ذي القعدة عام الحديبية، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهيتهم القتال في الأشهر الحرم: الشهر الحرام بالشهر الحرام، وهتكه بهتكه، والقتال فيه كالقتال في السابق، والحرمات التي يجب المحافظة عليها واجب فيها القصاص والأخذ بالمثل، فالممنوع الحرب الهجومية والبدء بالقتال، أما الدفاع والأخذ بالثأر فليس ممنوعا.
فمن اعتدى عليكم بحرب أو غيره فجازوه بمثله، واعتدوا عليه اعتداء مماثلا، واتقوا الله ولا تظلموا، ولا تعتدوا، واعلموا أن الله مع المتقين بالمثوبة والتأييد والنصر: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا (سورة الحج: ٣٨) .
والقتال في سبيل الله يتوقف- كغيره- على المال، ولذلك أمرهم الله بالإنفاق في سبيله إذ الإنفاق في الحروب وسيلة النصر وطريق الفوز، واحذروا عدم الإنفاق فإنه مهلكة للأمة مضيعة للجماعة، ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك بالإمساك وعدم الإنفاق، وكذلك الدخول في الحرب بغير بصيرة ولا استعداد، بل أنفقوا المال وأعدوا الرجال، وحصنوا أنفسكم بالعلم والخلق، وأبعدوا ضعفاء النفوس الذين يقبلون الرشوة ويبيعون الأمة والجيش لقاء مال زائل وعرض فان، فهؤلاء أشد خطرا من العدو، وأحسنوا كل شيء يتعلق بالحرب، واعلموا أن الله يحب المحسنين ويجازيهم أحسن الجزاء.
стр. 114
يؤخذ من الآيات السابقة:
(أ) أن القتال في سبيل الله كان لرد العدوان وحماية الدعوة وحرية الدين.
(ب) شرع القتال الدفاعى لا الهجومى مع عدم الاعتداء على غير المقاتلين.
(ج) وظاهر الآيات السابقة وغيرها في القرآن أن القتال لم يكن لإكراه الناس على الدخول في الدين: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ.
أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (من سورة يونس ٩٩) .
الحج وبعض أحكامه [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٩٦ الى ١٩٧]
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)
стр. 115
المفردات:
رَفَثَ: المراد به الجماع. فُسُوقَ الفسوق: العصيان والخروج عن طاعة الله. جِدالَ: مجادلة ومماطلة وخصام.
المعنى:
الحج هو المؤتمر الإسلامى العام الذي يعقد كلّ عام في مكة المكرمة محط أنظار المسلمين وقبلتهم، يعقد في أشهر معلومة، ويأتى إليه الناس من كل فج عميق رجالا وركبانا متجردين عن الدنيا ومظاهرها، حتى لا يعرف أمير من حقير، فيتذكر الناس الآخرة وموقف الحشر فيها، وهو بحق من مفاخر الإسلام وقد فرص سنة ست من الهجرة.
وفي هذه الآيات بعض أحكام نسردها والباقي في كتب الفقه والسنة، وقد أمرنا الله بإتمام الحج والعمرة كاملين بشروطهما وآدابهما متغلبين على العقبات التي تصادفنا، قاصدين عملنا هذا رضا الله ورسوله لا للرياء ولا لأغراض الدنيا، وأما أصل الوجوب ففي قوله- تعالى- في سورة آل عمران: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
وهنا بعض أحكامه المأخوذة من الآيات:
١- لو منع الحاج من إتمام الحج والعمرة فواجب عليه إذا أراد التحلل ما تيسر من الهدى بأن يذبح ناقة أو بقرة أو شاة سليمة، فإن لم يجد ما يذبح قوّم الحيوان واشترى بقيمته طعاما وتصدق به، فإن لم يجد صام عن كل مدّ من الطعام يوما.
٢- الدخول في الحج أو العمرة يكون بالإحرام ولبس غير المخيط، والخروج منهما وما يعبر عنه بالإحلال يكون بحلق الرأس أو التقصير، فقوله- تعالى-:
وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ خطاب للمحصرين الذين يريدون التحلل فنهوا عنه قبل بلوغ الهدى مكان ذبحه وهو مكان الإحصار عند الشافعى.
стр. 116
٣- لا يصح في الحج الحلق أو التقصير وقتل الهوام، فإذا كان الحاج مريضا ينفعه الحلق، أو به أذى من رأسه من قمل وغيره فله أن يحلق، وعليه فدية صيام ثلاثة أيام أو صدقة هي إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة، وهذه الفدية تجب كذلك في تقليم الأظافر والقبلة والطيب والدهن ... إلخ، ما هو مفصل في كتب الفقه.
٤- فإذا أمنتم العدو والحصار فمن تمتع بسبب فراغه من أعمال العمرة يعنى أنه أتمها وتحلل وبقي متمتعا إلى زمن الحج ليحرم من مكة فعليه ما تيسر من الهدى لأنه أحرم بالحج من غير الميقات، فيذبح الهدى، وأقله شاة سليمة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله بالفعل، ويصح الصوم إذا شرع في الرجوع، تلك عشرة كاملة.
ذلك التمتع بإنهاء أعمال العمرة ثم الإحرام بالحج تخفيف ورخصة للذين حضروا من الآفاق البعيدة دون أهل الحرم لأن الغريب يتحمل المشاق في السفر إلى الحج وحده، ثم السفر إلى العمرة وحدها، واتقوا الله بالمحافظة على أمره، واعلموا أن الله شديد العقاب، ولك في أداء الحج والعمرة ثلاث صور.
(أ) التمتع: أن يحرم بالحج من مكة.
(ب) الإفراد: أن يحرم بالحج وحده ثم بالعمرة بعد انتهائه.
(ج) القران أن يحرم بهما أو يحرم بالعمرة ثم يدخل الحج عليها أو بالعكس، والله أعلم بأفضلها، والمهم الإخلاص.
٥- هذه الفريضة لها أيام معلومة: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، فنية الحج لا تصح إلا في هذا الوقت، وأعماله تنتهي في أيام التشريق الثلاثة.
٦- فمن أوجب على نفسه الحج وجب أن يبتعد عن الجماع ومقدماته، والكلام فيه فإنه رفث، ويبتعد عن الفسوق والخروج عن طاعة الله بفعل أى شيء محرم كالصيد والطيب والزينة ولبس المخيط، والتنابز بالألقاب، والجدال، والمراء والخصام كل ذلك محرم على الحاج لأن الشرع يريد منه أن يتجرد عن الدنيا ومظاهرها، وأن يكون إنسانا كاملا خاصة هنا، وأما الجماع وما حوله فلا يليق به لأنه في طاعة، ولذا يفسد الحج لو فعل الجماع قبل الوقوف بعرفة. وأما غيره من المحرمات فيجبر بدم.
المفردات:
أَفَضْتُمْ يقال: أفضت الماء: إذا دفعته بكثرة، ثم استعمل في الإفاضة من المكان، والمراد الدفع منه بكثرة، أصله: أفضتم أنفسكم. الْمَشْعَرِ الْحَرامِ:
جبل بالمزدلفة يقف عليه الإمام يسمى قزحا، وسمى مشعرا لأنه معلم للعبادة ووصف بالحرام لحرمته. قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ: أديتموها، والمناسك: أعمال الحج.
خَلاقٍ: نصيب. حَسَنَةً: توفيقا وصحة وكفافا في الرزق. أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ: أيام التشريق. تُحْشَرُونَ: تجمعون يوم القيامة للحساب.
المعنى:
بعد أن بيّن الله- سبحانه- أن الزاد زاد التقوى، وأن أولى العقول هم الذين يتزودون ليوم الحساب ويخافون الله، أشار إلى أن الحج لا يمتنع معه البحث عن الرزق والتجارة كما فهم الناس، فليس عليكم حرج ولا جناح في أن تطلبوا الرزق الحلال من طريق البيع والشراء والكراء.
سئل ابن عمر: إنا نكري (الرواحل للحجاج) فهل لنا من حج؟ فقال: سئل النبي ﷺ مثل هذا السؤال فلم يجب حتى نزلت تلك الآية، فدعا النبي ﷺ السائل وقال له: «أنتم حجاج»
أى: لا يضر البيع، والشراء، وإنما الممنوع الحج للتجارة والانتفاع، أما إذا كان الحج لله والتجارة تأتى عرضا فلا مانع.
الوقوف بعرفة أهم ركن في الحج
لقوله ﷺ : «الحج عرفة» «١»
ولأنه وقف في حجة الوداع على عرفات بعد صلاة الظهر إلى أن غربت الشمس
وقال ما معناه: «خذوا عنّى مناسككم» «٢» .
فإذا أفضتم من عرفات مندفعين كالسيل بعد الوقوف بها فاذكروا الله بعد المبيت بمزدلفة بالتلبية والتهليل والدعاء عند الجبل الذي يقف عليه الإمام وهو المسمى بالمشعر الحرام،
فقد روى عن النبي ﷺ : لما صلّى الفجر بالمزدلفة ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقفا حتى أسفر جدّا
، أى: دخل السفر وهو بياض النهار.
стр. 119
واذكروا الله ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة وعلمكم كيف تذكرونه، وإن كنتم من قبل الهدى لمن الضالين الذين لا يعرفون كيف يذكرونه.
- كانت قريش وبعض القبائل يقفون في الجاهلية بمزدلفة ترفعا عن الوقوف بعرفة مع الناس فأمر الله نبيه أن يأتى المسلمون جميعا عرفات، ثم يقفون بها ويفيضون منها إبطالا لما كانت قريش تفعله. ثم إذا باتوا بالمزدلفة أمرهم أن يفيضوا منها جميعا لا فرق بين قبيلة وقبيلة، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم.
فإذا أديتم مناسك الحج وقمتم بها فاذكروا الله ذكرا حسنا كما كنتم تذكرون آباءكم في الجاهلية، أو اذكروه أشد من ذكر آبائكم.
ومن الناس من يدعو الله لأمر دنيوى فقط، وهذا لا نصيب له في الآخرة، ومنهم من يدعو الله أن يؤتيه في الدنيا رزقا حلالا وصحة وفي الآخرة ثوابا، وأن يجنبه الأعمال التي تؤدى إلى النار، أولئك حزب الله لهم نصيب كبير بما كسبوا والله سريع الحساب.
واذكروا الله في أيام التشريق الثلاثة وهللوا وكبروا عقب الصلاة وعند رمى الجمار، عن عمر- رضى الله عنه- (أنه كان يكبر في فسطاطه بمنى فيكبر من حوله حتى يكبر الناس في الطريق) .
فمن تعجل ورمى في يومين من أيام التشريق الجمرات فلا إثم عليه ومن تأخر ورمى في الأيام الثلاثة فلا إثم عليه وإن كان أفضل.
ذلك التخفيف ونفى الإثم لمن اتقى الله ... واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون وتحاسبون.
стр. 120
من علامات النفاق أيضا [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٠٤ الى ٢٠٧]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧)
المفردات:
يُعْجِبُكَ: يروقك ويعظم في قلبك، ومنه الشيء العجيب. الْخِصامِ:
الخصومة والعداوة. تَوَلَّى: ذهب. الْحَرْثَ: الزرع. النَّسْلَ:
ما تناسل من الحيوان. أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ: حملته العزة الكاذبة على الإثم.
يَشْرِي نَفْسَهُ: يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله.
ذكر الله الحج وبين أن فيه من يدعو الله للدنيا ومن يدعوه للآخرة، فهذان صنفان آخران منافق ومؤمن، قلب مضيء بالإيمان وقلب مظلم بالنفاق.
المعنى:
بعض الناس يروقك قوله ويعجبك طلاقة لسانه وقوة بيانه في الحياة الدنيا مع أنه
стр. 121
لا يتكلم إلا ليحظى بشيء من الدنيا الفانية وأعراضها الزائلة، وهو يشهد الله على ما في قلبه، فكلما قال قولا شفعه بقوله: يعلم الله هذا، ويشهد أنى صادق.
ويعلم الله أنه أشد الناس خصومة، وأقواهم جدلا، وأكثرهم عداوة للمسلمين.
سبب النزول:
نزلت في الأخنس بن شريق: كان إذا قابل النبي ﷺ مدحه، وأشاد بالإيمان يقول هذا لينال في الحياة الدنيا ما ينال، وكان يقسم أنه صادق، ويشهد الله أنه كاذب، وكان شديد الخصومة للمسلمين ففيه الخصال الثلاث.
وإن ذهب عنك وتولى ظهرت نفسه الحقيقية وأخذ يسعى في الأرض فسادا فيهلك ما ينتجه الحرث ويقضى على النسل، وقيل: إذا تولى أمرا من الأمور سعى في الأرض بالفساد فيصب الله عليه وعلى أمته التي رضيت به إماما عليها أشد العذاب فيمتنع الخير حتى يهلك الحرث ويفنى النسل والحيوان، وكيف لا؟ والله لا يحب الفساد وصحبه! وإذا قيل له نصحا وإرشادا: اتق الله حملته الحمية الجاهلية، والعزة الشيطانية على ارتكاب الإثم المنهي عنه شرعا، وجزاؤه هذه اللعنة وحسبه جهنم ولبئس المهاد مهاده.
الصنف الثاني من يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله في الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
سبب النزول:
نزلت في صهيب بن سنان ومن على شاكلته أراده المشركون على الكفر فأبى وأخذ ماله وفر بدينه إلى المدينة، والله رءوف بالعباد حيث كلفهم الجهاد في سبيل الله فعرضهم بذلك لثواب الشهداء.
стр. 122
من لا يتبع جميع أحكام الدين وجزاؤه [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٠٨ الى ٢١٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠) سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)
المفردات:
السِّلْمِ: الاستسلام والانقياد والإسلام. كَافَّةً: جميعا. خُطُواتِ الشَّيْطانِ: جمع خطوة، والمراد: تزيينه ووساوسه. زَلَلْتُمْ: ملتم عن الدخول فيه. ظُلَلٍ: جمع ظلة، وهي ما أظلك. يَسْخَرُونَ: يهزئون.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا من أهل الكتاب استسلموا لله- تعالى- وأطيعوه ظاهرا وباطنا، وادخلوا في الإسلام كله، ولا تخلطوا به غيره، فإنه
روى أن عبد الله بن سلام استأذن رسول الله ﷺ أن يقيم على السبت وأن يقرأ من التوراة في صلاته في الليل
.
стр. 123
ويجوز أن يكون المعنى: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في حظيرة الإسلام كله على أن يكون المؤمنون مأمورين بجميع فروع وأحكام الإسلام، أما إذا آمنوا ببعض الأحكام ففعلوها كالصلاة والصيام مثلا، ولم يعملوا ببعض الأحكام كالزكاة والصدقة والحكم بكتاب الله وحدوده، ومنع الخمر والزنى: وما إلى ذلك مما نراه الآن فتكون هذه الآية من باب الإخبار بالمغيبات بالنسبة للمسلمين في هذه الأيام، وما دمنا على هذا الحال فنحن الظالمون، الذين نتبع خطوات الشيطان ونقلده، مع أنه العدو اللدود الظاهر في العداوة، والله يقول لنا: وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
فإن ملتم عن الحق وابتعدتم عن الإسلام من بعد ما جاءتكم الآيات الواضحات والحجج البينات، فاعلموا أن الله غالب على أمره ولا يعجزه الانتقام منكم، حكيم لا يترك ما تقتضيه الحكمة من مؤاخذة المذنب. ويقول كثير من المفسرين: هذه الآيات نزلت في أهل الكتاب الذين آمنوا ببعض الكتاب وكفروا بالبعض الآخر، ومالوا عن الحق بعد ظهوره.
ألسنا أولى منهم بهذه الآيات نطبقها على أنفسنا؟ ونعتقد أن ما نحن فيه من الاستعباد والضعف جزاء ترك العمل ببعض أحكام الدين المهمة في تكوين الجماعة وتشييد أركانها.
ما ينتظر هؤلاء الخارجون عن أمر الله إلا أن يأتيهم عذاب الله وأمره من حيث ينتظرون الخير تنكيلا بهم وتشديدا عليهم، وتأتيهم الملائكة بما قدره الله وأراده لهم، وقضى الأمر وإلى الله لا إلى غيره ترجعون يوم القيامة.
سل يا محمد بنى إسرائيل تبكيتا وتقريعا عن المعجزات الدالة على صدقك وعن الآيات التي جاءت على أيدى الرسل الكرام السابقين خاصة موسى وعيسى فإنها كثيرة، ومن يغير نعمة الله التي توصل إلى الهداية والخير. فيستعملها في الكفر والعصيان من بعد ما جاءت إليه ووضحت عنده، لا جزاء له إلا العقاب الصارم، فالله شديد العقاب.
حسنت الدنيا في أعين الكفار، وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها، وفتنوا بها أيما فتنة، وهم يستهزئون بالمؤمنين ويسخرون بهم، مع أن الذين آمنوا واتقوا الله فوقهم يوم القيامة، إذ هم في أعلى عليين والكفار في أسفل سافلين، هذا هو الجزاء
стр. 124
في الآخرة، أما الدنيا فليست محل جزاء بل محل ابتلاء واختبار وعمل، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء. ولذا فالله يبسط الرزق لمن يشاء ولو كان كافرا فاسقا، ويقتر الرزق على من يشاء ولو كان مؤمنا طائعا، فهو يرزق من يشاء بغير حساب ولا نظر إلى دينه.
الحاجة إلى الرسل [سورة البقرة (٢) : آية ٢١٣]
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)
المفردات:
الأمّة: الجماعة من الناس، وقد تطلق على الملة. بَغْياً: حسدا.
المعنى:
يقول الله- سبحانه- ما معناه- وهو الأعلم بمراده-: كان الناس يعيشون بفطرتهم في هذه الدنيا يحدوهم عقلهم، وتسوقهم رغباتهم وغرائزهم البشرية، إلى سكنى الدنيا وعمارتها، وهذا الحال يقتضى التنازع والتدافع والخروج عن جادة الطريق والاختلاف، فتسوء حالهم، فينعم الله عليهم بإرسال مبشرين ومنذرين يخرجونهم من الظلمات إلى النور لئلا يكون للناس على الله حجة بعد إرسال الرسل، وأنزل مع كل
стр. 125
واحد منهم ممن له كتابه الخاص به لا مع كل واحد منهم على الإطلاق، ومن هنا نعلم أن العقل وحده لا يكفى في إدراك الخير والاهتداء إلى الحق، ولذا أرسلت الرسل.
أنزل الله الكتاب على الرسول متلبسا بالحق، ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه من أمور دنياهم ودينهم، وما اختلف في الحق أو في الكتاب إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الخلاف وإزاحة الشقاق، فاختلفوا فيه اختلافا آخر أو ازدادوا اختلافا، كل هذا من بعد ما جاءتهم البيّنات الواضحات، وما اختلفوا إلا حسدا وبغيا منهم، أما الذين آمنوا وعملوا صالحا من أنفسهم فيهديهم ربهم للذي اختلفوا فيه من الحق بإذنه وإرادته، والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم.
ما يلاقيه الرسول والمؤمنون في دعوتهم [سورة البقرة (٢) : آية ٢١٤]
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)
المفردات:
أَمْ معناها: بل التي تفيد افتتاح كلام جديد. الْبَأْساءُ: الفقر وكل ما يصيب الإنسان في غير ذاته. الضَّرَّاءُ: المرض وكل ما يصيب الإنسان في نفسه. زُلْزِلُوا: أزعجوا بأنواع البلايا.
المعنى:
خوطب رسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين بهذه الآية حثّا على الثبات والمصابرة على مخالفة الكفار، وتحمل المشاق إثر اختلاف الأمم على الأنبياء- ﵈ مع بيان عاقبة الصبر.
стр. 126
أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين مضوا من قبلكم من الأنبياء ومن معهم من المؤمنين؟ - فأنتم لم تبتلوا مثل ابتلائهم، مستهم الشدة والخوف والفقر والألم والأمراض، وأزعجوا إزعاجا شديدا حتى اضطرهم الألم الممضّ إلى أن يقول الرسول- وهو أعلم الناس بالله- تعالى- وأوثقهم بنصره والمؤمنون المقتدون به المقتفون أثره- متى يأتى نصر الله؟ حيث نفد صبرهم من هول ما لاقوا، فأجيبوا: ألا إن نصر الله قريب الحصول!! وهكذا كل قوم لهم دعوة ومنهج لا بد أن يبتلوا ويختبروا، ويمتحنوا، وفي هذا كله خير لهم وأى خير؟ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا «١» .
النفقة وأحق الناس بها [سورة البقرة (٢) : آية ٢١٥]
يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)
المفردات:
مِنْ خَيْرٍ: من مال كثير طيب.
المعنى:
سألوا النبي ﷺ عن مقدار ما ينفقون وعن بيان الجهة التي ينفقون فيها، والمراد هنا: نفقة التطوع لا الزكاة الواجبة، أما الجواب عن الشق الأول من السؤال فهو: أى مقدار تنفقونه كثيرا أو قليلا من المال فهو لكم وثوابه خاص بكم، وعن الشق الثاني أنه يعطى للوالدين والأولاد لأنهم القرابة القريبة وكذا الأقارب، ويكون التفضيل في الإعطاء والترتيب للأقرب فالأقرب، واليتامى والمساكين وابن السبيل يعطون من المال وما تنفقوا من خير مطلقا فإن الله سيجازى به لأنه عليم بكل شيء.
стр. 127
حول القتال في الإسلام [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢١٦ الى ٢١٨]
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)
المناسبة:
إن ذكر القتال بعد الإنفاق للمال ظاهر المناسبة فالقتال يحتاج لبذل النفس والنفيس من المال، وعلى كل مسلم ضريبتان الدم والمال.
стр. 128
المعنى:
فرض عليكم القتال لمن اعتدى عليكم من المشركين، وهو مكروه لكم لأنكم تخافون إن دارت رحى الحرب بينكم وبينهم أن يفتك القتل بكم، وأنتم الطائفة القليلة العدد التي تحمل لواء العدل والحق في هذه الجزيرة، وقيل في تعليل كراهيتهم للقتال:
إن الإسلام أوجد في قلوبهم رأفة ورحمة وروحانية تبغض القتل والقتال الذي دعوا إليه وهم يرجون أن يثوب الكفار إلى رشدهم، وأن يصل نور الإسلام قلوبهم بالحجة والبرهان.
فيا أيها المؤمنون لا يصح منكم أن تكرهوا الحرب والقتال لهذا السبب أو ذاك فعسى أن تكرهوا شيئا والواقع أنه خير لكم، إذ في الحرب إعلاء لكلمة الإسلام ودفع الظلم ورفع لمنارة الحق والعدل، وعسى أن تحبوا شيئا والواقع أنه شر عليكم مستطير.
فالذي فرض عليكم القتال هو العليم بالنفوس التي ختم على قلبها وعلى سمعها وعلى بصرها غشاوة، فهؤلاء لا ينفع معهم إلا الإبادة والإزالة شأن الدم الفاسد في الجسد لا ينفع معه إلا عملية الإزالة، وهذا خاص بقتال المشركين الذين فتنوهم عن دينهم وقاتلوهم، لا في قتال الكفار مطلقا.
والله يعلم وحده وأنتم لا تعلمون.
بعث رسول الله ﷺ سرية على رأسها عبد اللَّه بن جحش بكتاب منه: امض حتى تنزل بطن نخلة فتأتينا من أخبار قريش ما يصل إليك. وكان ذلك في جمادى الثانية وصادف أن مر بهم عمرو بن الحضرمي، والحكم بن كيسان وغيرهم مع عير تحمل تجارة لقريش، فائتمر بالعير عبد الله بن جحش ومن معه وقتلوا ابن الحضرمي وآخر وأسروا رجلين واستاقوا العير، وفي الواقع أنهم قتلوا ظنا منهم أنهم في آخر جمادى لا في أول رجب.
فلما قدموا على رسول الله ﷺ قال لهم: والله ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام،
وأوقف توزيع الغنيمة. وفي هذا حصل هرج ومرج، واستغل المشركون هذا الحادث في الدعاية ضد النبي ﷺ حتى نزلت الآية.
стр. 129
إن يسألوك عن القتال في الشهر الحرام هل هو حلال أم حرام؟ فقل لهم: نعم القتال فيه كبير الإثم والجرم، ولكن اعلموا أن صد الكفار عن سبيل الله وطريقه الموصل إلى الإسلام بما يفتنون المسلمين عن دينهم ويقتلونهم ويخرجونهم من ديارهم وأموالهم، نعم صدهم عن سبيل الله كفرهم به وصدهم عن المسجد الحرام ومنع المسلمين من الحج والعمرة وإخراج أهله منه، وهم ﷺ وأصحابه.
كل واحدة من هذه الجرائم التي فعلها المشركون أكبر إثما وأعظم جرما عند الله والناس من القتال في الشهر الحرام فكيف بهم وقد فعلوها كلها؟
ألم تعلموا أن الفتنة أشد من القتل؟! وما حوادث التعذيب والفتنة التي فعلوها مع عمار بن ياسر وأبيه وأخيه وأمه وغيرهم ببعيدة عن الأذهان!! هذا بعض ما كان من المشركين قبل الهجرة وبعدها، وصاروا يقاتلونهم لأجل الدين ويحرضون القبائل ضدهم وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إن مكن لهم واستطاعوا فهم يريدون ردّتكم وفتنتكم عن الإسلام، ولكن اعلموا أن من يدخل في الإسلام ثم يخرج مرتدا ويموت فهو كافر بالله وأشد من المشرك، وأولئك الموصوفون بالردة البعيدون في الضلال بطلت أعمالهم وصارت هباء منثورا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، هذا جزاء الكافرين المرتدين.
وأما جزاء المجاهدين في سبيل الله كعبد الله بن جحش وأضرابه فها هو ذا:
إن الذين آمنوا بالله ورسله وفارقوا الأهل والأوطان لإعلاء كلمة الله، ونصرة دينه ولحقوا بالنبي ﷺ وجاهدوا في الله مع ذلك حق جهاده.
أولئك المذكورون البعيدون في درجات الكمال قد فعلوا ذلك رجاء رحمة الله، فالله يكافئهم ويجازيهم أحسن الجزاء، وهو يغفر لهم بعض الزلل ويرحمهم بفضله وإحسانه وهو الغفور الرحيم.
стр. 130
الخمر والميسر وحكمهما [سورة البقرة (٢) : آية ٢١٩]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩)
المفردات:
الْخَمْرِ هذا اللفظ منقول من مصدر خمر الشيء: إذا ستره وغطاه، وخمرت الجارية: ألبستها الخمار، وهو النّصيف، أى: غطاء الوجه، والمناسبة في إطلاق هذا اللفظ على الشراب المخصوص أنه يستر العقل ويغطيه، وقيل: سميت خمرا لاختمارها وتغير رائحتها، والخمر: يطلق على عصير العنب والتمر والذرة وكل نبات ينتج ذلك المشروب.
الْمَيْسِرِ: كان للعرب في جاهليتها أقداح وأزلام عشرة، سبعة لكل منهما نصيب معلوم، وثلاثة لا نصيب لها، يجعلون العشرة في كيس يجلجلها عدل منهم ويدخل يده فيخرج منها الأقداح، فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ نصيبه، ومن خرج له قدح مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يشترك معهم، فهذا هو الميسر عند العرب. الْعَفْوَ: الفضل والزائد عن الحاجة للإنسان ومن يعوله سنة على الأصح.
المعنى:
يجيب الله- على الأسئلة الواردة من الصحابة سؤالا تلو سؤال تبعا للوقت المناسب للإجابة.
стр. 131
والخمر قد نزلت فيه آيات أربع تدرجت بالعرب حتى وصلت إلى آية التحريم، وعالج الله الحكيم في هذه الآيات داء عضالا، علاجا يشهد بإعجاز القرآن حقّا، والمشاهد أن القرآن عند ما يعالج مرضا اعتقاديا أو عمليا ليس فيه للعادة مدخل يعالج كالشرك والزنى مثلا فإن كان للعادة فيه مدخل كالخمر مثلا تدرج فيه. أولى الآيات: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النحل ٦٧] ولقد سألني سائل عن سر وضع هذه الآية في تحريم الخمر، والجواب أنه وصف الرزق بالحسن وترك السكر. وفي ذلك إيهام بأن السكر ليس فيه خير، وهذا تنبيه للناس بعيد، ثانيا آياتنا هذه:
فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ فشربها قوم وامتنع بعدها آخرون، ثالثا: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [سورة النساء آية ٤٣] .
فامتنع الصحابة عن شربها وقت الصلاة، والصلاة أوقاتها الخمسة تشمل أغلب النهار وجزءا من الليل، ولكن مع هذا حدثت حوادث بسبب شرب الخمر أم الخبائث، مما دعا عمر أن يقول: اللهم ربنا أنزل لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية الرابعة: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [سورة المائدة الآيتان ٩٠ و ٩١] .
وإطلاق اللغويين الخمر على كل ما خامر العقل، أى: ستره، وفهم الصحابة مدلول (الخمر) وهم أدرى باللغة والقرآن، على أنها تطلق على المسكر من عنب وزبيب وتمر وذرة وشعير وغيره، ولما
ورد في السنة: «كلّ مسكر خمر، وكلّ خمر حرام»
و «ما أسكر كثيره فقليله وكثيره حرام»
يجعلنا مع القائلين بهذا الإطلاق خلافا لبعض الأحناف الذين يطلقون الخمر على عصير العنب إذا اشتد وقذف بالزبدة، أما غيره فإذا طبخ حتى ذهب ثلثاه حل شربه ما دون السكر (أى: القليل إذا لم يقصد بشربه اللهو والطرب) .
على أن تحريم الخمر كان بالمدينة وكان المشروب نبيذ البر والتمر.
والميسر كما عرفته آنفا.
أما الخمر ففيها إثم كبير: مهلكة للمال، مذهبة للعقل مضيعة للصحة، أم الكبائر، يكفى أنها تسوى بين الإنسان والحيوان الثائر، وقد أثر الطب ضررها وبعض الدول المسيحية حرمها.
стр. 132
وفي الميسر إثم كبير: غرم مجهد، وعداوة بلا سبب، وحقد وكراهية، وضياع للوقت فيما يضر، وصرف للعقل عن جادة التفكير، ومع ذلك فهو داع للكسل والخمول.
وفيهما منافع للناس ففي الخمر ربح وتجارة لمن يتاجر فيها، وفي الميسر يسار وغنى طارئ من غير تعب ولا مشقة، وإن يكن لا بركة فيه، وإثمهما أكبر من نفعهما بكثير جدا بدليل تحريمهما.
وقد أجيبوا عن سؤال النفقة بأنهم ينفقون الزائد عن حاجتهم، وبعد معرفة ما ينفقه الإنسان عن نفسه ومن يعوله من غير إفراط ولا تفريط، هذا في النفقة المندوبة والتي يجوز للحاكم الإسلامى العادل أن يفرضها على الأغنياء بشرط أن تنفق على فقراء المسلمين إذا دعت الضرورة بذلك.
مثال ذلك البيان في تحريم الخمر والميسر ووجوب الإنفاق فيما فضل عن الحاجة يبين الله الآيات الواضحات في الدستور القرآنى التي تكفل السعادة للمجتمع في الدنيا والآخرة لو تفكر الناس ونظروا بعين البصيرة والفكر السليم.
ما يؤخذ من الآية:
١- كل مادة مسكرة تذهب العقل وتضيع المال والصحة وتقضى على الشخصية فهي حرام كالخمر، وذلك كالأفيون والحشيش، وكل مادة يخترعونها فيها هذا الهلاك.
٢- كل لعب فيه غرم بلا عوض وفيه استيلاء على أموال الناس بغير حق فهو حرام كالميسر، وعلى ذلك فالقمار ولعب الموائد والسباق على اختلاف أنواعه حرام كالميسر، وأوراق اليانصيب كذلك لما يترتب عليها من ضياع المال أو كسب من غير طريق شرعي مع ما فيه من الضرر الممنوع شرعا.
стр. 133
الولاية على مال اليتيم [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٠]
فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)
المفردات:
(اليتيم) : من فقد أباه. تُخالِطُوهُمْ: تخلطوا أموالكم بأموالهم.
لَأَعْنَتَكُمْ العنت: المشقة والإحراج.
المعنى:
كان العرب يخلطون أموالهم بأموال اليتامى، ولما نزل قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ [سورة النساء آية ١٠] .
تحاشى الصحابة عن اختلاط أموالهم بأموال اليتامى وجنبوها وحدها، وكان في ذلك ضرر لمال اليتيم في بعض الأحوال لذلك سألوا رسول الله ﷺ أيخالطونهم أم يجنبون أموالهم؟
فقال ﷺ مجيبا: إن كان في التجنب إصلاح لأموال اليتامى فذلك خير، وإن كان في مخالطتهم إصلاح لهم ومنفعة فذلك خير لأنهم إخوانكم في الدين والنسب، فعليكم أن تراعوا أموالهم بالإحسان، فالله- سبحانه- يعلم المحسن من المسيء وسيجازى كلّا على عمله.
ولو شاء الله أن يضيق عليكم ويشدد بأنه يوجب التجنب أو المحافظة لفعل ذلك ولكنه ينظر لمصلحة اليتيم، ولا يشدد عليكم، وهو العزيز لا يغالب، الحكيم في أحكامه وتصرفاته جل شأنه.
стр. 134
زواج المسلم بغير المسلمة [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢١]
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)
المفردات:
(المشركة) : من ليس لها كتاب.
روى أن مرثد بن مرثد أرسله النبي ﷺ إلى مكة في مهمة فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة اسمها عناق، وكانت خليلة له فأتته وقالت ألا تخلو؟ فقال: ويحك إن الإسلام فرق بيننا، فقالت: ألا تتزوج؟ فقال: نعم بعد استئذان رسول الله ﷺ فنزلت الآية.
والعلامة السيوطي يقول: إن الصحابة يذكرون أن الآية نزلت في كذا ويريدون توضيح معناها، أى: إن معناها يتناول أمثال ما ذكر، وإن ذكروا أسبابا فقد يعنون أنها نزلت عقبها ولذا نراهم يذكرون حادثة أخرى في سبب النزول، وكل ما ذكر يدور حول الآية الكريمة.
المعنى:
ينهى الله- المسلم عن أن يتزوج المشركة التي لا كتاب لها حتى تؤمن بالله ورسوله، ولأمة مؤمنة مع ما بها من خساسة الرق وضعف الشخصية خير من امرأة مشركة أعجبتك بمالها وجمالها وحسبها ونسبها، ولو لم تعجبك فالنهي عنها من باب
стр. 135
أولى، ولا تزوجوا المؤمنات- سواء كن حرائر أو إماء- المشركين حتى يؤمنوا ويتركوا ما هم عليه من الشرك، والعبد المؤمن- حرا كان أو رقيقا- خير من مشرك مع ما له من العز والجاه أعجبكم بما له من فضل أو لم يعجبكم.
والسر في التحريم أن أولئك المشركين يدعون إلى الكفر وكل ما هو شر يوصل إلى النار إذ ليس لهم دين يردعهم، ولا كتاب يهديهم، مع منافاة الطبيعة بين الاثنين فهذا قلب فيه نور وذاك قلب فيه ظلام وضلال.
والله يدعو بوساطة عباده المؤمنين الذين ينهاهم ويرشدهم إلى ما يوصل إلى الجنة ونعيمها، وإلى المغفرة بإذنه وبإرادته، وقد بين الله- سبحانه- آياته وأحكامه النافعة للمسلمين في دنياهم وأخراهم، ومن هذه الآيات التي نحن بصددها يبينها للناس لعلهم يتذكرون ويتعظون فلا يخالفون أمره أبدا ولا يجرون وراء الشيطان.
ما يستنبط:
١- المرأة المشركة لا يصح بحال التزوج منها أما الكتابية كاليهودية والنصرانية فقد أباح الشرع التزوج بها.
٢- فرق الشرع الشريف بين نكاح المسلم للكتابية حيث أجازه وبين نكاح الكتابي للمسلمة حيث منعه.
ولعل السر في ذلك أن الرجال قوامون على النساء ولهم التأثير عليهن، والمرأة عاطفية، فلو تزوج الكتابي مسلمة أمكن التأثير عليها فربما تركت دينها، وغالبا يلحقها ضرر وإيذاء منه لأنه لا يؤمن بكتابها ولا نبيها، وأما المسلمون فيؤمنون بعيسى على أنه نبي وبكتابه، على أن أصله من عند الله، وعلى العكس لو تزوج المسلم الكتابية ورأت حسن المعاملة التي يأمر بها الإسلام وسماحة الدين وخالطت الإسلام عن قرب كان ذلك مدعاة لتصورها الإسلام على حقيقته، والمسلمون مأمورون بالإحسان إلى الزوجات في المعاشرة وأنه لا إكراه في الدين فلا ضرر يلحقها، ولا تنس أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والعزة تأبى علينا أن تكون المسلمة تحت كتابي مهما كان.
وأما الفرق بين المشركة والكتابية فظاهر إذ نحن مع الكتابيين نؤمن بالله والحياة الأخروية وندين بوجوب عمل الخير والبعد عن الشر.
стр. 136
الحيض وحكمه [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٢ الى ٢٢٣]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)
المفردات:
الْمَحِيضِ: الحيض، وهو دم فاسد يخرج من رحم المرأة كل شهر، أقله يوم وليلة، وغالبه ستة أو سبعة، وأكثره خمسة عشر يوما، وله أحكام في كتب الفقه كثيرة. فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ: كناية عن عدم الجماع. مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ:
في المكان المأمور به وهو القبل لا الدبر. حَرْثٌ لَكُمْ: موضع حرثكم.
المعنى:
كان اليهود يتشددون في معاملة الحائض فيعتزلونها في الأكل والشرب والنوم، وإذا لامسها أحد تنجس ... إلخ. وكانت النصارى لا تفرق بين الحيض وغيره، فكان هذا داعيا لتساؤل المسلمين عن الرأى الوسط والحل الرشيد، فأجيبوا من الله: أن الحيض أذى يضر الرجل والمرأة على السواء، والطب يشهد بهذا، فاحذروا الجماع فقط في الحيض ولا حرج عليكم في غير الجماع،
عن النبي ﷺ : «اصنعوا كلّ شيء إلّا الجماع»
وسئل الرسول: «ما يحلّ لي من امرأتى وهي حائض؟ فقال: لك ما فوق الإزار» .
стр. 137
ولا تقربوهن حتى يطهرن من الحيض فإذا تطهرن باغتسال فجامعوهن في المكان الذي أمركم الله به، وهو القبل لأنه محل استيلاد الولد واستبانته، بعكس الدبر، إن الله يحب التوابين الذين يتوبون عن فعلهم المخالف للشرع لأن عادة إتيان النساء في الدبر وفي الحيض قد تسربت عند البعض، والله يحب المتطهرين الذين يتطهرون من دنس الفواحش وارتكاب المعاصي، ومن كل دنس مادى كالحيض والنفاس.
نساؤكم الطاهرات من الحيض مواضع حرثكم، فالنطفة التي تلقى في الرحم أشبه شيء بالبذر الذي يلقى في الأرض المحروثة، والشارع الحكيم يشير بلفظه الموجز البليغ حَرْثٌ إلى أن المقصود من النكاح هو الاستيلاد لا اللذة البهيمية فوجب العناية به، ومن هنا وضع قوله- تعالى-: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إذ في غير القبل لا يمكن الاستيلاد.
وقوله- تعالى-: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ معناه: لا حرج عليكم في إتيان النساء بأى كيفية شئتم ما دام في القبل الذي هو موضع الحرث.
وقدموا لأنفسكم ما ينفعكم في دنياكم وأخراكم واتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه فمجازيكم على عملكم، وبشر يا محمد المؤمنين الذين يطيعون الله ورسوله بالجنة.
الحلف بالله [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٤ الى ٢٢٥]
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)
المفردات:
عُرْضَةً: هي المانع المعترض دون الشيء، وعلى هذا فالمراد بقوله:
لِأَيْمانِكُمْ: ما حلفتم عليه من البر والتقوى والإصلاح بيّن. بِاللَّغْوِ: هو
стр. 138
اليمين الذي لا قصد فيه، كقولك تأكيدا لكلامك: لا والله، وبلى والله، من غير قصد، وعند أبي حنيفة: أن يحلف على شيء يعتقد أنه حصل خلافه، فذاك لغو اليمين.
المعنى:
قد يتسرع الإنسان فيحلف أنه لا يفعل كذا من بر أو صدقة أو صلح بين الناس، أو يفعل شيئا هو شر عليه، والله- سبحانه- يرشدنا إلى ما هو خير لنا وينهانا أن نجعل اسمه الكريم مانعا من الخير أو داعيا إلى الشر إذا حلفنا على فعله، بل من حلف ألا يفعل خيرا أو يفعل شرا فليحنث في يمينه وليكفر عنه،
فقد ورد عن النبي ﷺ : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا مّنها فليأت الّذي هو خير وليكفّر عن يمينه»
وقوله- تعالى-: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا [سورة النور آية ٢٢] .
وقيل: المعنى: ولا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم، جمع يمين، تبذلونه بكثرة الحلف وذلك لأن الحلاف مجترئ على الله غير معظّم له وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [سورة القلم آية ١٠] ، وهذه المؤاخذة إنما تتجه إلى المؤكدة المقصودة المنوية بالقلب، فهذه فيها الحرمة إذا حنث فيها وعلى صاحبها الكفارة وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد بأن كان فقيرا فصيام ثلاثة أيام.
أما اليمين اللغو التي تخرج من اللسان لا من القلب، تخرج بلا قصد: كبلى والله، ولا والله، فلا حنث فيه ولا كفارة، وكذا من حلف على شيء يظنه حصل فبان خلافه عليه (عند الأحناف) .
الإيلاء وحكمه [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٦ الى ٢٢٧]
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)
стр. 139
المفردات:
يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ: يحلفون، والإيلاء: أن يحلف الرجل أنه لا يقرب امرأته أربعة أشهر فأكثر. تَرَبُّصُ: انتظار. فاؤُ: رجعوا.
المعنى:
غالبا ما يكون عند النزاع بين الرجل والمرأة أن يحلف الرجل ألا يقربها مدة، وفي هذا امتهان للمرأة، وهضم لحقوقها وجفوة لها، والحلف على المرأة بهذا الشكل لا يرضاه الله ورسوله لما فيه من الضرر اللاحق للزوجة وقطع التراحم بينهما.
ولمن يفعل هذا الفعل انتظار أربعة أشهر فقط لأنها أقصى مدة تستغني فيها المرأة العفيفة عن زوجها.
والحكم: أن الزوج بعد الأربعة الشهور إما أن يفيء إلى زوجته ويحنث في يمينه ويكفر عنها وذلك معنى قوله- تعالى-: فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما ارتكب رَحِيمٌ بخلقه، وإن لم يفيء طلق، فإن أبى الطلاق طلق عليه الحاكم، وهذا معنى قوله: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يدور من الأحاديث عَلِيمٌ بكل فعل.
براءة الرحم في الطلاق وبعض أحكامه [سورة البقرة (٢) : آية ٢٢٨]
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)
المفردات:
يَتَرَبَّصْنَ: ينتظرن ويصبرون. قُرُوءٍ: جمع قرء، وهو الطهر عند الشافعى، والحيض عند أبى حنيفة. وَبُعُولَتُهُنَّ: جمع بعل، المراد به: الزوج الذي طلق.
стр. 140
المعنى:
المرأة المطلقة وهي ممن تحيض، أى: ليست صغيرة ولا كبيرة يائسة من الحيض وهي حرة غير حامل. عدتها ثلاثة أقراء، أما من لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر، والحامل عدتها بوضع الحمل، وسيأتى هذا بنص القرآن، والأمة عدتها قرءان، وانظر إلى التعبير القرآنى يتربصن بأنفسهن، أى: يحملن أنفسهن على الصبر والانتظار حتى تنقضي العدة فإن النساء تواقة إلى سرعة انقضاء العدة.
ولا يحل لهن أن يكتمن شيئا مما في أرحامهن من حمل أو حيض إن كنّ من المؤمنين بالله واليوم الآخر إيمانا صادقا كاملا، فالمرأة أمينة على رحمها فإن لم تكن مؤمنة كاملة أضلت غيره وحيرته.
وأزواجهن في الطلاق الرجعى أحق بردهن وإرجاعهن إلى بيت الزوجية، فالشارع الحكيم حريص على بقاء رباط الزوجية، وليس أبغض عند الله من الطلاق وإن يكن حقّا حلالا للزوج، والإشارة (بأحق) إلى أن الزوجة لها حق كذلك في الرجعة، ولكن كلام الزوج هو المعول عليه، وعليها أن تستجيب إلى طلبه بشرط أن يكون المقصود بالرجعة الإصلاح والخير للزوجين. أما إذا كان المراد الانتقام والتعويق عن الزواج من الغير فليس من الدين أن يعطل الزوج مطلقته ويلحق بها الضرر.
النساء وحقوقهن في الزوجية
قانون عام ودواء ناجع للناس مع وجازته، وتعبير مرن يصلح لكل زمان ومكان وجماعة، للنساء حقوق وعليهن واجبات مثل الرجال لهم حقوق وعليهم واجبات إذ كل من الرجال والنساء مخلوق له عقل وشخصية وتفكير ورغبات.
ومناسبة الآية لما قبلها تقتضي تخصيص الحقوق والواجبات بالزوجية والمعاشرة، وأما قوله- تعالى-: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ فتلك الدرجة هي المفسرة بقوله-
стр. 141
تعالى-: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ «١» فالدرجة هي القوامة عليهن والولاية والنفقة لهن فهو تكليف للرجال أكثر من تكليفهن، أما تحديد الحقوق والواجبات فمتروك للعرف ما لم يحل حراما ويحرم حلالا، وانظر إلى تقييد ذلك في القرآن بقوله بالمعروف والإحسان، وليس المراد المماثلة بالعين والشخص لا، ولكن على المرأة واجبات تقتضيها طبيعتها، ولها حقوق كذلك توجبها طبيعتها إذ ليس من العقل أن نقول: إن الرجل يتساوى مع المرأة في الخليقة والطبيعة، بل هي خلقت للبيت وما يشمل والرجل خلق للكفاح والعمل، وهذا هو حكم النبي ﷺ بين على وفاطمة إذ جعل فاطمة في البيت تديره وترعاه وعليّا خارج البيت عليه الجهاد والكفاح والبحث عن الرزق.
وليس في هذا إهمال لشأن المرأة أو طعن في كفايتها وعقلها وعلمها لا، لا، ولكنه تشريف لها وتكريم حيث تصان وتحفظ، لا على أنها دمية في البيت، بل عملها كثير وكثير ومهمتها في المنزل شاقة وشاقة. أليس عليها تربية النشء وإعداد الطفل؟ بناء الأسرة وتكوين الأمة؟ فالوطن أسرة كبيرة، وإذا كانت هي سيدة البيت فهل يبقى بعد هذا شيء؟ لقد صدق الشاعر حيث يقول:
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبا طيب الأعراق
واشتغالها ببعض الأعمال والوظائف إذا اقتضت ضرورة العيش ذلك فلا مانع بشرط مراعاة الدين والخلق وعدم الفتنة للشباب فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً (سورة الأحزاب: ٣٢) .
стр. 142
بعض أحكام الطلاق [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٩ الى ٢٣٠]
الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)
المفردات:
تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ أى: إرسال لهن بدون رجعة. حُدُودَ اللَّهِ: أحكامه وقوانينه. تَعْتَدُوها: تجاوزوها.
المعنى:
كان الرجل قبل نزول هذه الآية يطلق امرأته فإذا قاربت انتهاء العدة راجعها، وهكذا فلا هو يمسكها بالمعروف ولا هو يطلقها بالمعروف فنزلت هذه الآية قطعا لهذه الفوضى، وحدّا لحرية الرجعة والطلاق، وأنت تراها مخصصة لقوله- تعالى-:
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ على معنى عدد الطلاق الذي تصح فيه الرجعة مرتان، أى: اثنتان، وبعدها إمساك لها بالمعروف والمعاشرة الحسنة، أو تسريح لها بإحسان، بمعنى أن تتركها حتى تتم العدة من الطلقة الثانية ولا تراجعها، وقيل: المراد من التسريح
стр. 143
الطلقة الثالثة،
فقد سئل رسول الله ﷺ : «أين الطلقة الثالثة؟ فقال: أو تسريح بإحسان»
ولأن التسريح من ألفاظ الطلاق، والإحسان في الآية المقصود منه أن ينفحها بجزء من المال جبرا لخاطرها، وهو ما يسمى بالمتعة عند بعض الفقهاء.
ومن آداب الطلاق حرصا على مصلحة الزوجة وحدا لطغيان الرجل أن يطلقها في الطهر لا في الحيض، وأن يكون مرة بعد مرة لا دفعة واحدة، ولعل هذا هو السر في التعبير بقوله: مرتان لا اثنتان.
وهل الطلاق الثلاث يقع طلقة واحدة أم ثلاثا؟
الظاهر الذي عليه النظم الكريم من قوله: مرتان، أن الطلاق الثلاث يقع طلقة واحدة،
ولحديث ابن عباس: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وخلافة أبى بكر وصدر من خلافة عمر: الطلاق الثلاث واحدة
. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضينا عليهم، فأمضاه عليهم» .
والجمهور على أنه ثلاث كما رأى عمر الفاروق، وذهب طائفة من العلماء إلى أنه واحدة خلافا للجمهور.
فلقد شدد عمر ومن بعده من جمهور العلماء على الناس لما استباحوا الطلاق ورجع كثير من العلماء إلى الرأى الأول (قبل رأى عمر) أخذا بظاهر الآية وتخفيفا على الناس في مسألة الطلاق وفرارا من المحلل أو الوقوع في المحظور.
ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أعطيتموه للمرأة في الصداق شيئا بحال من الأحوال في نظير الطلاق إلا في حالة ما إذا خفتم ألا تقام حدود الله في الحياة الزوجية، فإن خفتم ألا تقام حدود الله وأحكامه فإن كان السبب من الزوج والبغض منه لا تتفق وروح الإسلام ولا تقام حدود الله بينها فله أن يسرحها بإحسان وليس له أن يأخذ منها شيئا بل عليه النفقة، وليعلم أنه ارتكب إثما إذ إن أبغض الحلال إلى الله الطلاق، ولم يشرع إلا للضرورة القصوى.
وإن كان من قبلها كأن أبغضته لا تستطيع معه الصبر وخافت أن يقع منها نشوز ومخالفة لأمر الله وحكمه فلا جناح عليها أن تفتدى نفسها منه بإعطائه شيئا من المال الذي دفعه صداقا، ولا جناح عليه أن يأخذه لأن السبب منها.
стр. 144
وهذا ما يسمى بالخلع في كتب الفقه الإسلامى.
روى البخاري عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن جميلة بنت عبد الله بن سلول كانت امرأة ثابت بن قيس بن شماس فأتت النبي ﷺ فقالت: لا أطيق زوجي بغضا، وأكره الكفر بعد الإسلام (أى: كفر نعمة العشير وخيانته في فراشه) فقال النبي ﷺ : «أتردين عليه حديقته؟» (كان أصدقها حديقة) قالت: نعم.. قال للزوج:
اقبل الحديقة وطلقها «١» : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
ومن أحكام الخلع أنه لا تصح الرجعة بعده إلا بأمر الزوجة بخلاف الطلاق الرجعى.
أما الطلاق البائن بينونة كبرى وهو المشار إليه بقوله- تعالى- فَإِنْ طَلَّقَها، أى:
بعد الطلقتين السابقتين واختار تسريحها فلا يحل له أبدا حتى تتزوج من آخر زواجا شرعيا صحيحا غير محدود بزمن ولا مشروط فيه أى شرط يضر العقد، وحتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها، فإن طلقها الزوج الثاني، وانقضت المدة فلا مانع من الرجوع إلى الزوج الأول إن ظنا أنهما يقيمان حدود الله وما أمر به من المعاشرة الحسنة، وانظر إلى إطلاق حدود الله على المعاشرة الطيبة الخالية من السوء والنشوز.
وهذه حدود الله يظهرها بأجلى بيان وأحسن عرض ولا يعقلها إلا العالمون، نعم لا يعقل سرها إلا العقلاء الفاهمون فقديما كنا نسمع نقدا شديدا لأحكام الدين في الزواج والطلاق، فما بال الغربيين رجعوا اليوم وشرعوا الطلاق ورأوه ضرورة لبناء الأسرة وكيان الأمة؟؟
أمن الدين بل من العقل أن تبقى امرأة رأيت سلوكها معوجا ولم يمكنك إقامة الدليل على ذلك؟ ماذا تفعل لو لم تجد الطلاق مشروعا؟ ألا أيها القوم تعقلوا فتلك حدود الله بينها لقوم يعقلون، ولا يضر الدين الإسلامى إساءة استعمالنا هذا الحق في الطلاق!!
стр. 145
آداب الطلاق ومعاملة المطلقة [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣١ الى ٢٣٢]
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)
المفردات:
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: قاربن انقضاء عدتهن. ضِراراً أى: يقصد الإضرار بها.
الْحِكْمَةِ: السنة الشريفة، وقيل: هي الإصابة في القول والعمل.
تَعْضُلُوهُنَّ العضل: الحبس والتضيق والمنع.
المعنى:
يقول المولى- جل شأنه- ما معناه: وإذا طلقتم النساء وقاربن انتهاء العدة فالواجب عليكم أحد أمرين: إما إمساك لها بالمعروف، أى: تراجعها لعصمتك بالمعروف وعدم الإيذاء، أو فراق بمعروف من غير إلحاق ضرر بالمطلقة، ولا تراجعوهن لقصد إلحاق