تعالى-: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ «١» فالدرجة هي القوامة عليهن والولاية والنفقة لهن فهو تكليف للرجال أكثر من تكليفهن، أما تحديد الحقوق والواجبات فمتروك للعرف ما لم يحل حراما ويحرم حلالا، وانظر إلى تقييد ذلك في القرآن بقوله بالمعروف والإحسان، وليس المراد المماثلة بالعين والشخص لا، ولكن على المرأة واجبات تقتضيها طبيعتها، ولها حقوق كذلك توجبها طبيعتها إذ ليس من العقل أن نقول: إن الرجل يتساوى مع المرأة في الخليقة والطبيعة، بل هي خلقت للبيت وما يشمل والرجل خلق للكفاح والعمل، وهذا هو حكم النبي ﷺ بين على وفاطمة إذ جعل فاطمة في البيت تديره وترعاه وعليّا خارج البيت عليه الجهاد والكفاح والبحث عن الرزق.
وليس في هذا إهمال لشأن المرأة أو طعن في كفايتها وعقلها وعلمها لا، لا، ولكنه تشريف لها وتكريم حيث تصان وتحفظ، لا على أنها دمية في البيت، بل عملها كثير وكثير ومهمتها في المنزل شاقة وشاقة. أليس عليها تربية النشء وإعداد الطفل؟ بناء الأسرة وتكوين الأمة؟ فالوطن أسرة كبيرة، وإذا كانت هي سيدة البيت فهل يبقى بعد هذا شيء؟ لقد صدق الشاعر حيث يقول:
الأم مدرسة إذا أعددتها ... أعددت شعبا طيب الأعراق
واشتغالها ببعض الأعمال والوظائف إذا اقتضت ضرورة العيش ذلك فلا مانع بشرط مراعاة الدين والخلق وعدم الفتنة للشباب فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً (سورة الأحزاب: ٣٢) .
стр. 142
بعض أحكام الطلاق [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٩ الى ٢٣٠]
الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)
المفردات:
تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ أى: إرسال لهن بدون رجعة. حُدُودَ اللَّهِ: أحكامه وقوانينه. تَعْتَدُوها: تجاوزوها.
المعنى:
كان الرجل قبل نزول هذه الآية يطلق امرأته فإذا قاربت انتهاء العدة راجعها، وهكذا فلا هو يمسكها بالمعروف ولا هو يطلقها بالمعروف فنزلت هذه الآية قطعا لهذه الفوضى، وحدّا لحرية الرجعة والطلاق، وأنت تراها مخصصة لقوله- تعالى-:
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ على معنى عدد الطلاق الذي تصح فيه الرجعة مرتان، أى: اثنتان، وبعدها إمساك لها بالمعروف والمعاشرة الحسنة، أو تسريح لها بإحسان، بمعنى أن تتركها حتى تتم العدة من الطلقة الثانية ولا تراجعها، وقيل: المراد من التسريح
стр. 143
الطلقة الثالثة،
فقد سئل رسول الله ﷺ : «أين الطلقة الثالثة؟ فقال: أو تسريح بإحسان»
ولأن التسريح من ألفاظ الطلاق، والإحسان في الآية المقصود منه أن ينفحها بجزء من المال جبرا لخاطرها، وهو ما يسمى بالمتعة عند بعض الفقهاء.
ومن آداب الطلاق حرصا على مصلحة الزوجة وحدا لطغيان الرجل أن يطلقها في الطهر لا في الحيض، وأن يكون مرة بعد مرة لا دفعة واحدة، ولعل هذا هو السر في التعبير بقوله: مرتان لا اثنتان.
وهل الطلاق الثلاث يقع طلقة واحدة أم ثلاثا؟
الظاهر الذي عليه النظم الكريم من قوله: مرتان، أن الطلاق الثلاث يقع طلقة واحدة،
ولحديث ابن عباس: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وخلافة أبى بكر وصدر من خلافة عمر: الطلاق الثلاث واحدة
. فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضينا عليهم، فأمضاه عليهم» .
والجمهور على أنه ثلاث كما رأى عمر الفاروق، وذهب طائفة من العلماء إلى أنه واحدة خلافا للجمهور.
فلقد شدد عمر ومن بعده من جمهور العلماء على الناس لما استباحوا الطلاق ورجع كثير من العلماء إلى الرأى الأول (قبل رأى عمر) أخذا بظاهر الآية وتخفيفا على الناس في مسألة الطلاق وفرارا من المحلل أو الوقوع في المحظور.
ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أعطيتموه للمرأة في الصداق شيئا بحال من الأحوال في نظير الطلاق إلا في حالة ما إذا خفتم ألا تقام حدود الله في الحياة الزوجية، فإن خفتم ألا تقام حدود الله وأحكامه فإن كان السبب من الزوج والبغض منه لا تتفق وروح الإسلام ولا تقام حدود الله بينها فله أن يسرحها بإحسان وليس له أن يأخذ منها شيئا بل عليه النفقة، وليعلم أنه ارتكب إثما إذ إن أبغض الحلال إلى الله الطلاق، ولم يشرع إلا للضرورة القصوى.
وإن كان من قبلها كأن أبغضته لا تستطيع معه الصبر وخافت أن يقع منها نشوز ومخالفة لأمر الله وحكمه فلا جناح عليها أن تفتدى نفسها منه بإعطائه شيئا من المال الذي دفعه صداقا، ولا جناح عليه أن يأخذه لأن السبب منها.
стр. 144
وهذا ما يسمى بالخلع في كتب الفقه الإسلامى.
روى البخاري عن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن جميلة بنت عبد الله بن سلول كانت امرأة ثابت بن قيس بن شماس فأتت النبي ﷺ فقالت: لا أطيق زوجي بغضا، وأكره الكفر بعد الإسلام (أى: كفر نعمة العشير وخيانته في فراشه) فقال النبي ﷺ : «أتردين عليه حديقته؟» (كان أصدقها حديقة) قالت: نعم.. قال للزوج:
اقبل الحديقة وطلقها «١» : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
ومن أحكام الخلع أنه لا تصح الرجعة بعده إلا بأمر الزوجة بخلاف الطلاق الرجعى.
أما الطلاق البائن بينونة كبرى وهو المشار إليه بقوله- تعالى- فَإِنْ طَلَّقَها، أى:
بعد الطلقتين السابقتين واختار تسريحها فلا يحل له أبدا حتى تتزوج من آخر زواجا شرعيا صحيحا غير محدود بزمن ولا مشروط فيه أى شرط يضر العقد، وحتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها، فإن طلقها الزوج الثاني، وانقضت المدة فلا مانع من الرجوع إلى الزوج الأول إن ظنا أنهما يقيمان حدود الله وما أمر به من المعاشرة الحسنة، وانظر إلى إطلاق حدود الله على المعاشرة الطيبة الخالية من السوء والنشوز.
وهذه حدود الله يظهرها بأجلى بيان وأحسن عرض ولا يعقلها إلا العالمون، نعم لا يعقل سرها إلا العقلاء الفاهمون فقديما كنا نسمع نقدا شديدا لأحكام الدين في الزواج والطلاق، فما بال الغربيين رجعوا اليوم وشرعوا الطلاق ورأوه ضرورة لبناء الأسرة وكيان الأمة؟؟
أمن الدين بل من العقل أن تبقى امرأة رأيت سلوكها معوجا ولم يمكنك إقامة الدليل على ذلك؟ ماذا تفعل لو لم تجد الطلاق مشروعا؟ ألا أيها القوم تعقلوا فتلك حدود الله بينها لقوم يعقلون، ولا يضر الدين الإسلامى إساءة استعمالنا هذا الحق في الطلاق!!
стр. 145
آداب الطلاق ومعاملة المطلقة [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣١ الى ٢٣٢]
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)
المفردات:
فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: قاربن انقضاء عدتهن. ضِراراً أى: يقصد الإضرار بها.
الْحِكْمَةِ: السنة الشريفة، وقيل: هي الإصابة في القول والعمل.
تَعْضُلُوهُنَّ العضل: الحبس والتضيق والمنع.
المعنى:
يقول المولى- جل شأنه- ما معناه: وإذا طلقتم النساء وقاربن انتهاء العدة فالواجب عليكم أحد أمرين: إما إمساك لها بالمعروف، أى: تراجعها لعصمتك بالمعروف وعدم الإيذاء، أو فراق بمعروف من غير إلحاق ضرر بالمطلقة، ولا تراجعوهن لقصد إلحاق
стр. 146
الضرر بهن والإيذاء لهن لتلجئوهن إلى الفدية ودفع المال لكم، ولا شك أن هذا اعتداء منكم عليهن، ومن يفعل هذا الفعل المنهي عنه بأى أسلوب وعلى أى شكل فقد ظلم نفسه وعرضها لعذاب الله وغضبه.
ولا تتكاسلوا في امتثال أمر الله- سبحانه- وجدّوا في العمل بآيات الله فإنكم إن تكاسلتم ولم تمتثلوا أمر الله كنتم كمن يستهزئ بالله وأمره، واذكروا نعم الله عليكم التي لا تحصى وأهمها الإسلام وكتابه المحكم الآيات وهدى رسوله خاتم الأنبياء، فإنهما الدستور الذي يبنى لكم الأسرة على أحسن نظام وأكمله، والدواء الناجع لكل داء، واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء تفعلونه أو تعزمون عليه عليم فمجازيكم عليه.
لا يليق بكم جميعا أيها الأولياء والحكام والأزواج، ومن له شأن أن يمنع المرأة المطلقة إذا انتهت عدتها من أن تنكح زوجها السابق أو زوجا آخر إذا حصل التراضي بينهما والتوافق، وفي قوله: بينهما إشارة إلى أن الرجل يخطب المرأة إلى نفسها ولا يصح منعها من الزواج إذا تراضوا بالمعروف شرعا وعرفا بأن لم يكن هناك محرم ولا محظور شرعا، وكانت الكفاءة بين الزوجين ومهر المثل. وعندي أن المهر والتغالى فيه لا يصلح سببا للمنع، ورب فقير كريم الخلق شريف النسب خير من غنىّ سيّئ الخلق كثير المال، وذلك الذي تقدم من الأحكام والحدود يؤمن به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فهم الذين يتقبلونه قولا حسنا ويمتثلونه. ذلكم أزكى لكم وأطهر من دنس الوقوع في المحرم، وهو أزكى نظام وأطهره فإن عدم منع النساء من الزواج أزكى وأطهر للأعراض والبيوت وأنمى للشرف والكمال، والله يعلم كل هذا فامتثلوا أمره والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
стр. 147
بعض أحكام الرضاع [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٣]
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)
المفردات:
حَوْلَيْنِ الحول: العام والسنة. وُسْعَها: جهدها وطاقتها.
فِصالًا: فطاما لأنه يفصل الولد عن أمه. وَتَشاوُرٍ: مشاورة.
مناسبة الآيات:
شرع في أحكام الرضاع بعد أحكام الطلاق، وكلاهما من الأحكام المتعلقة بالبيوت والعائلات.
المعنى:
والوالدات المطلقات- لأن الكلام فيهن- يرضعن أولادهن إرضاعا على سبيل الندب أو الوجوب إن امتنع الطفل عن الرضاع من غيرها أو لم يجد الوالد من يرضع لفقر أو لغيره، وهن بهذا الوصف أدعى للامتثال، يرضعن أولادهن عامين كاملين وذلك لمن أراد إتمام الرضاع للطفل.
стр. 148
ويجب على الوالد الذي ينسب إليه الابن وعنده غريزة حب الولد أن يرزقهن ويكسوهن أجرة لهن على الإرضاع. واستئجار الأم غير جائز ما دامت في النكاح أو العدة ويجوز عند الشافعى- رضى الله عنه- مطلقا، وتقدير الأجرة موكول لظروف كل من الوالد والمرضعة حسب اليسار والفقر.
ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
ولا تضار الوالدة بسبب ولدها بأن تمنع من الرزق والكسوة أو يؤخذ منها ولدها قهرا، أو تكره على إرضاعه، ولا يضار والده بأن يطلب منه ما ليس في طاقته من رزق أو كسوة، أو تستغل الأم عاطفة الأبوة فتفرط في شأن الولد وغير ذلك من المعاكسات، والمراد: لا يحصل ضرر منها بسبب الولد.
وعلى الوارث الذي يرث الأب مثل ذلك من النفقة والكسوة، وقيل: تؤخذ النفقة من مال الصبى فهو الوارث لأبيه، فإذا لم يكن له مال تؤخذ ممن يرث الطفل لو مات، وعلى كل فاللفظ يحتمل هذا.
مدة الرضاع الكاملة حولان، فإذا أراد الوالد والمرضعة فطاما له دون الحولين برضاهما وتشاورهما في مصلحة الطفل فلا إثم عليهما في ذلك حيث اقتضت المصلحة العامة هذا.
وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم من المراضع الأجنبيات بسبب حمل أو مرض أمّ أو عدم اتفاق فلا جناح عليكم ولا إثم، بشرط أن تسلم المرضعة أجرها بالمعروف، فإن ذلك أدعى للغاية والمحافظة على الولد، وهذا خطاب للأب والأم على سبيل التغليب للإشارة إلى أنه من الذوق والأدب أن تكون الأم مشتركة مع الأب ومستشارة في الاسترضاع لأنه ولدها، واتقوا الله في كل شيء خصوصا الأحكام المذكورة واعلموا أن الله بما تعملون خبير وبصير فمجازيكم على أعمالكم.
стр. 149
عدة المتوفى عنها زوجها [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٤]
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)
المفردات:
يَذَرُونَ: يتركون. بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: انقضت عدتهن.
المعنى:
العدة في الشرع الشريف جعلت لبراءة الرحم، أو للحداد على الزوج ولذلك جعلت عدة المطلقة ثلاثة أقراء، أما المتوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشرا ما لم تكن حاملا فعدتها بوضع الحمل ولو بعد الوفاة بيوم أو ساعة، والرأى عند الأحناف أن عدة الحامل أبعد الأجلين للحداد على الزوج، والشرع لم يندب الحداد على غير الزوج من أخ أو قريب أكثر من ثلاثة أيام.
وفي الوفاة لا فرق بين الصغيرة والكبيرة والمدخول بها وغير المدخول بها لأن العدة للحداد وبراءة الرحم تبعا، فإذا انتهت العدة وانقضت أيامها فلا جناح عليكم أيها الأولياء والمشرفون على النساء فيما فعلن في أنفسهن من الزينة والخروج من البيت والتعرض لخطبة الرجال بالمعروف شرعا، أى: من غير مخالفة للشرع، والله بما تعلمون خبير وبصير.
ويؤخذ من هذه الآية حيث نفى الحرج عن الأولياء والحكام فيما لو فعلت النساء شيئا بالمعروف الشرعي: أن الحكام والأولياء وكل من له شأن مؤاخذ ومعاقب على خروج النساء وتهتكها وفعلها على المعروف شرعا فإن ذلك مما يقوض الأمة ويفنى الجماعة.
стр. 150
ألا ترى إلى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ [الأحزاب ٥٩] حيث أمر النبي ﷺ بذلك ولم يأمر النساء، وهذا مما يؤيد أننا- نحن الرجال- مؤاخذون بعمل نسائنا.
خطبة المتوفى زوجها وآدابها [سورة البقرة (٢) : آية ٢٣٥]
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)
المفردات:
عَرَّضْتُمْ التعريض: أن تفهم المخاطب المقصود بلفظ لم يوضع له وهذا المقصود يحتمله الكلام على بعد بقرينة. خِطْبَةِ الخطبة: من الخطاب، أو الخطب: وهو الشأن العظيم، وهي طلب الرجل المرأة للزواج بالوسيلة المعروفة بين الناس.
أَكْنَنْتُمْ الإكنان: الإضمار في النفس. سِرًّا: نكاحا. وَلا تَعْزِمُوا العزم: القصد الجازم، والنهى عن العزم نهى عن الفعل من باب أولى، والمراد:
لا تقربوا عقد عقدة النكاح.
المعنى:
المرأة المطلقة طلاقا رجعيا لا يصح مطلقا التعريض لها بالخطبة لأنها في عصمة زوجها ما دامت في العدة، أما المرأة المتوفى عنها زوجها- ويقاس عليها المطلقة طلاقا بائنا-
стр. 151
فقد أباح الشرع الشريف أن يعرّض الرجل لها بأمر الزواج تعريضا لا صراحة فيه، أو يضمر في نفسه أمر زواجه بها لأن هذا أمر طبيعي في النفس ولذلك قرنه الله بما يبين وجه الرخصة حيث قال: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ في أنفسكم وضمائركم ويشق عليكم أن تتموا مثل هذا فاذكروهن، ولكن لا تواعدوهن النكاح صراحة، فهو مما يضر ولا يليق بكم أدبيّا وذوقيّا في حال من الأحوال إلا في حالة أن تقولوا قولا معروفا غير منكر شرعا، وهو ما يعهد مثله بين الناس المهذبين من القول العف والإشارة الخفية كما فعل النبي ﷺ مع أم سلمة بعد وفاة زوجها حيث ذكر لها منزلته عند الله.
ولا تعزموا على عقدة النكاح حتى يبلغ المكتوب أجله، فقد كتب الله وفرض على المرأة العدة لزوجها أربعة أشهر وعشرا، واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم من السر وأخفى فاحذروه، واعلموا أن الله غفور رحيم لما فرط منكم من الذنب، حليم لا يعجل بالعقوبة.
ما يؤخذ من الآية:
(أ) لا يصح التصريح بالزواج للمعتدة.
(ب) حرام العقد عليها قبل استيفاء العدة مراعاة لحقوق الزوجية ولطهارة الرحم.
стр. 152
المطلقة قبل الدخول وما يجب لها [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣٦ الى ٢٣٧]
لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)
المفردات:
الجناح: الإثم، والمراد: لا شيء عليكم. تَمَسُّوهُنَّ: تجامعوهن.
تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً أى: فرضا وهو المهر. الْمُوسِعِ: الغنى.
الْمُقْتِرِ: الفقير. قَدَرُهُ: مقداره.
سبب النزول:
روى أنها نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا ثم طلقها قبل أن يمسها، فنزلت هذه الآية، فقال له النبي: «أمتعها ولو بقلنسوتك» .
المعنى:
أيها الأزواج إن طلقتم النساء قبل الدخول بهن وقبل أن تحددوا لهن صداقا فلا شيء
стр. 153
عليكم من الصداق ومهر المثل، ولكن يجب عليكم المتعة: وهي عطاء يعطيه الزوج للمطلقة جبرا لخاطرها، أما مقدارها فيرجع إلى حالة الزوج من غنى وفقر، والمتعة عند بعض الفقهاء حق واجب للمرأة التي يجب لها شيء من الصداق، وتستحب لسائر المطلقات بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروءة، وهذا الحق على الذين يحسنون المعاملة.
وإذا طلقت المرأة قبل الدخول بها وقد سمى لها صداق فيجب لها نصفه تأخذه في كل حال إلا أن تعفو المطلقات أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهو الولي، وعفوكم أقرب للتقوى وقيل المراد: إلا أن يعفو الذي بيده عقدة النكاح وهو الزوج، والمراد بعفوه: أن يتنازل عن نصف الصداق الذي أعطاه للزوجة قبل الدخول بها عند العقد.
ولا تنسوا الفضل بينكم بالإحسان والمعاملة الطيبة، وأن العفو خير لكم جميعا والله بما تعملون بصير فيجازى كلا على حسب نيته وعمله.
المحافظة على الصلاة [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٣٨ الى ٢٣٩]
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)
المفردات:
حافِظُوا: داوموا عليها بإتقان. الْوُسْطى: المتوسطة، أو الفضلى، والمراد بها: صلاة العصر على الأصح. قانِتِينَ: ذاكرين الله في القيام مداومين على الضراعة والخشوع.
المعنى:
الصلاة عماد الدين والركن العملي الأول الذي يكرر في اليوم خمس مرات لما لها من الأثر
стр. 154
الفعال في تطهير النفس، وهي كالبئر يغتسل منه المصلى خمس مرات في اليوم والليلة فهل يبقى عليه من درن؟
ولهذا كله أمرنا بالمحافظة عليها، ووضعها بين الأحكام التي تتعلق بالبيوت والأسر إشارة إلى أنه يجب ألا تشغلنا البيوت وما فيها ولا أنفسنا عن الصلاة، وللإشارة إلى أن الصلاة والاتصال بالله مما يصفى الروح ويزيل كدرتها التي كثيرا ما تكون سببا في أزمات تقع في الأسرة وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ حافظوا على الصلاة مطلقا تحفظكم من كل هم وغم وتحفظكم من الفحشاء والمنكر خاصة الصلاة الوسطى وهي العصر
لقوله ﷺ يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى: صلاة العصر» .
ووقت صلاة العصر كما يقولون وقت وسط بين وقتى الظهر والمغرب فهي متوسطة بهذا المعنى. وقوموا لله خاشعين ذاكرين لله دون سواه.
وللإشارة إلى خطر الصلاة وأنه لا يصح لمسلم أن يتركها لعذر قيل ما معناه:
لا عذر في ترك الصلاة حتى في حال الخوف على النفس أو المال أو العرض، بل صلوا على أى كيفية راكبين أو ماشين سائرين أو واقفين على أى وضع كان، فإذا زال الخوف فاذكروا الله في الصلاة كما علمكم ما لم تكونوا تعلمونه من فريضة وكيفية الصلاة في حال الأمن والخوف.
حق المتوفى عنها زوجها [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤٠ الى ٢٤٢]
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)
стр. 155
المعنى:
والذين يشرفون منكم على الموت ويتركون أزواجا يجب عليهم أن يوصوا وصية لأزواجهم متاعا مستمرا إلى نهاية الحول، على معنى أنه يجب على الورثة من باب الأدب والذوق ألا يخرجوا المتوفى عنها زوجها قبل مضى السنة، وعلى ذلك فلها سنة ينفق عليها من مال زوجها المتوفى، فإن خرجت بعد مضى العدة من نفسها فلا جناح عليكم يا أيها الورثة فيما تفعله في نفسها من الخروج والزينة ما دام لا يتنافى مع الشرع، والله عزيز لا يغالب، حكيم في كل أمر.
وللمطلقات مطلقا المتعة، وهي ما اتفق عليه الزوجان على حسب قدرتهما، فإن اختلفا قدرها القاضي، وهذا حكم يشمل المطلقات المدخول بهن وغير المدخول بهن.
وإن اختلف من حيث الوجوب والندب وهذا حق على المتقين لله، مثل ذلك البيان السابق يبين الله لكم آياته المحكمة التي تدفعنا إلى الخير في الدنيا والآخرة لعلنا نتدبر ونتعقل.
كيف تحيا الأمم [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٤٣ الى ٢٤٥]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)
стр. 156
المفردات:
أَلَمْ تَرَ: استفهام تعجيب وتشويق إذ الاستفهام الحقيقي محال على الله.
حَذَرَ الْمَوْتِ: خوفه. يُقْرِضُ اللَّهَ المراد: يتصدق لوجه الله. فَيُضاعِفَهُ لَهُ: يضيف له مثله ومثله.
المعنى:
ألم ينته علمك إلى الذين خرجوا من ديارهم وأوطانهم لما لحقهم العدو وحاربهم؟
خرجوا وهم كثرة تعد بالألوف حذر الموت وهوله، ما دفعهم إلى هذا إلا الجبن والخور وعدم الإيمان بالله ورسله، ولما خرجوا فارين قال لهم: موتوا، حيث مكن للعدو منهم فأذلهم، وما كان تمكين العدو فيهم إلا بسبب جبنهم، ولقد أذاقهم العدو العذاب وأحسوا بخطئهم الفاحش فكان هذا داعيا إلى تكتلهم وإقبالهم على قتال عدوهم متعاونين باذلين النفس والنفيس، فهم قد ماتوا زمنا ثم أحياهم الله، وهكذا سنة الله في الأمم ولن تجد لسنة الله تبديلا.
إن الله لذو فضل على الناس بابتلائهم بالعدو والشدائد التي تصهرهم وتميز الطيب من الخبيث منهم فحقّا «الحوادث تخلق الرجال» والحوادث تخلق الأمم، ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله على ذلك بل يعدون هذا نقمة عليهم.
وتشير الآية الكريمة إلى أن موت الأمم غالبا له سببان: الجبن وضعف العزيمة.
والثاني: البخل وعدم الإنفاق، ولذلك قرن الله- الآية السابقة بقوله: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ولقد رغب الله في الإنفاق، إذ عبر بالقرض عن الإنفاق، من يقرض الله الذي له خزائن السموات والأرض والذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، يضاعف له في ثوابه أضعافا كثيرة لا يعلم عددها إلا الله ومن أصدق من الله حديثا.
والله- سبحانه- يوسع في الرزق لمن يشاء مهما أنفق في سبيل الله، ويضيق في الرزق على من يشاء مهما أمسك عن الإنفاق فأمر المال والدنيا في يده وإليه المرجع والمآب، فاعملوا أيها المؤمنون فسيرى الله عملكم ورسوله وستردون إلى عالم الغيب والشهادة.
المفردات:
أَلَمْ تَرَ: تركيب فيه استفهام ونفى، وترجمته: يجب أن ينتهى علمك إلى الملأ. الْمَلَإِ: اسم للجماعة من الناس، كالقوم والرهط، سموا بذلك لأنهم
стр. 159
يملؤون العيون رهبة إذا اجتمعوا. اصْطَفاهُ: اختاره. بَسْطَةً: سعة.
التَّابُوتُ: الصندوق المحفوظ فيه التوراة،
ويروى أنه مصنوع من خشب مموه بالذهب
. سَكِينَةٌ: فيه شيء تسكن به قلوبكم وتطمئن له. بَقِيَّةٌ الظاهر أنها قطع الألواح وعصا موسى وعمامة هارون. فَلَمَّا فَصَلَ أى: انفصل بهم عن البلد. مُبْتَلِيكُمْ: ممتحنكم. يَطْعَمْهُ: يذقه.
المعنى:
ألم ينته علمك إلى القوم من بنى إسرائيل؟ وقد وجدوا بعد موسى- ﵇ حين قالوا لنبيهم، ولم يسمه القرآن، وقيل: إنه (صمويل) حين قالوا له: اختر لنا قائدا يقود زمامنا، ولا شك أن طرد العدو من البلاد قتال في سبيل الله.
ولكن نبيهم قد عرفهم معرفة المجرب الحكيم، فقال لهم: يا قوم أتوقع منكم عملا يخالف أقوالكم، والزمان كفيل بتصديق نظريتى أو تكذيبها، قالوا ردا عليه: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله؟ أى شيء دهانا واستقر عندنا حتى لا نقاتل في سبيل الله؟ وهذا هو مقتضى القتال حاصل فقد أخرجنا من ديارنا وأموالنا ومنعنا من أبنائنا.
فلما فرض عليهم القتال كما طلبوا لم تكن الحوادث قد عركتهم ولم تكن نفوسهم طاهرة صادقة، ولم تكن أرواحهم قد ملئت بالنور والإيمان كما فهم فيهم نبيهم، ولذا تولوا وأعرضوا إلا قليلا منهم، وانتحلوا المعاذير وعللوا أنفسهم بالتعاليل. وهكذا الأمم الميتة، والله عليم بالظالمين لأنفسهم بتركهم الجهاد في سبيل الله دفاعا عن وطنهم وردّا لحقهم المغصوب.
وهذا تفصيل لما وقع بين النبي- ﵇ وبين قومه حين طلبوا منه ملكا عليهم.
وقال لهم نبيهم: إن الله قد اختار لكم طالوت ملكا وقائدا فانظر إلى الأمم الضعيفة التي لم تشب بعد عن طوق الصبيان في التفكير فهي تشغل نفسها بالعرض عن الجوهر والشكل عن الموضوع أين هذا من الصحابة الأجلاء- رضى الله عنهم أجمعين- وقد
стр. 160
أمر عليهم أسامة بن زيد وهو شاب حدث، وفي الجيش أبو بكر وعمر وعلى وغيرهم!! ألا حيّا الله البطولة والرجولة!! وها نحن الآن نشغل أنفسنا برئيس الوزراء شغلا أكثر من شغلنا بأنفسنا ولا علينا بعد هذا شيء أقام الغاصب في بلادنا قرنا أم قرنين!! بماذا رد هؤلاء القوم على نبيهم؟ قالوا متعجبين لقصور عقولهم: كيف يكون ملكا علينا؟ ونحن أحق بالملك والرياسة منه إذ فينا الملك قديما، وطالوت فقير ليس غنيّا.
كأنهم فهموا أن الملك حق يورث وأن الغنى شرط أساسى فيه، فقال لهم نبيهم: إن الله قد اختاره واصطفاه وما عليكم إلا الامتثال فالله لا يختار إلا ما فيه الخير لكم وقد زاده الله بسطة في العلم حتى يكون واسع الإدراك نافذ البصيرة، وبسطة في الجسم حتى يقوى على القيادة وأعمال الحرب وحتى يكون مهابا يملأ العين والنظر، والله- سبحانه- يؤتى ملكه من يشاء فلا اعتراض عليه وهو أعلم بخلقه من يستحق ومن لا يستحق.
لم يقتنع القوم بما ساق لهم نبيهم من الحكمة في اختيار طالوت ملكا عليهم وظلوا معاندين، فأوحى الله إليه أن يسوق دليلا ماديا على صحة ملكه وقيادته، وآية ملكه أن يأتيكم التابوت- وقد كان له شأن في بنى إسرائيل عظيم ولما فرطوا أخذ منهم زمنا ثم جعل لهم نبيهم عودته في بيت طالوت دليلا من الله على صحة الملك- وفيه سر تسكن إليه نفوسكم وتطمئن إليه ضمائركم، خاصة عند ما تحملونه في القتال وفيه بقية مما ترك موسى وهارون، وسيأتى محمولا من الملائكة تشريفا وتكريما له، أفلا يدل كل هذا على أن الله اختار طالوت قائدا لكم ولكنهم اليهود قديما وحديثا هكذا يفعلون!! إن في ذلك القصص لعبرة وعظة وأى عبرة وعظة؟!! وفيه آية لكم أيها المخاطبون في عصر النبي ﷺ حيث يقص عليكم هذا القصص وهو نبي عربي أمى لم يقرأ ولم يكتب فمن أين له هذا؟! وإذا علمت ما تقدم فلما انفصل طالوت بالجنود أراد أن يختبرهم بشيء ليعلم صدق نيتهم في القتال وهكذا القائد الحكيم إذ ظن في جنده ظنّا فاختبرهم ليقف على حالهم.
فقال لهم: إن الله مختبركم- وهو الأعلم بكم- بنهر يعترضنا في الطريق، فمن شرب منه فليس من أتباعى وأشياعى، ومن لم يتذوقه فإنه من حزبى وأنصارى إلا من
стр. 161
اغترف غرفة بيده، فكانت نتيجة الاختبار أن شربوا منه جميعا إلا قليلا منهم (إن الكرام قليل) . وهكذا من يحكم عقله في هواه ويؤمن بالله، فئة قليلة العدد كثيرة الإيمان والخطر، فأنت ترى أن مراتب الناس ثلاثة: منهم من شرب وعب بفمه، ومنهم من لم يتذوقه أصلا، ومنهم من اغترف بيده غرفة.
فلما جاوز النهر هو والذين معه من المؤمنين الصادقين (أما غيرهم فقد استهواهم الماء العذب فأخذوا يشربون ويطربون ثم لحقوا بهم آخر الأمر) .
قال بعض الجيش ممن شرب لما رأى جند الأعداء وكثرة عددهم وتفوقهم: لا قدرة لنا اليوم ولا طاقة بمحاربة الأعداء ومناضلتهم فضلا عن التغلب عليهم، وقال المؤمنون الذين يظنون أنهم ملاقو الله فمجازيهم على أعمالهم الذين ينتظرون إحدى الحسنيين: إما شهادة في سبيل الله، وإما نصر على الكافرين، فإن عاشوا عاشوا آمنين وإن ماتوا ماتوا شهداء مكرمين.
قالوا: لا تغرنكم أيها القوم كثرتهم، فكثيرا ما غلبت فئة قليلة العدد فئة كثيرة العدد غلبت بقوة إيمانها وإرادة ربها، وإذنه والله مع الصابرين بالتأكيد والمعونة وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا.
ولما ظهر طالوت ومن معه من المؤمنين لجالوت وجنوده وشاهدوا أمامهم من العدد والعدد وحانت ساعة الالتجاء إلى الله حقيقة حيث تتلاشى قوة البشر قالوا: ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. وهنا تجلت عظمة الله وقدرته بأجلى مظهر حتى يعتبر الناس ويتعظوا.
هزمت الفئة القليلة الفئة الكثيرة بإذن الله وإرادته وقتل داود (وكان فتى في الجيش قويّا جلدا) جالوت، وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء من العلوم إنه على كل شيء قدير.
والحرب سنّة طبيعية في الخلق من يوم أن اقتتل ابني آدم وهي على ما فيها من ضرر وخطر لا تخلو من نفع وخير إذ لولا أن الله يدفع الناس بعضهم ببعض، ويسلط جماعة على جماعة لفسدت الأرض وعمت الفوضى، وانتشر الظلم وهدّمت أماكن العبادة التي يذكر فيها اسم الله، ولكن الله ذو فضل على الناس جميعا حيث يسلط على الظالم من يبيده ويهلكه، فإذا نبت ظالم آخر أرسل له من يفتك به، وهكذا ينصر الله رسله بالغيب.
تلك آيات الله نتلوها عليك يا محمد دالة على صدقك وأنك رسول الله وخاتم الأنبياء والمرسلين، والله أعلم.
стр. 162
درجات الأنبياء وطبيعة الناس في اتباعهم [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٣]
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣)
المفردات:
الْبَيِّناتِ: الآيات الواضحات الدالات على رسالته. وَأَيَّدْناهُ: قويناه.
بِرُوحِ الْقُدُسِ: هو جبريل- ﵇ وقيل: المراد روحه، على معنى:
وأيدناه بالروح المقدسة، أى: الطاهرة.
ضرب الله الأمثال وقص بعض القصص وختم ذلك بقوله- تعالى-: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.
ثم استأنف كلاما جديدا يظهر به فضل النبي ﷺ على الأنبياء مع تسليته ببيان طبائع الناس في اتباع الأنبياء قديما وحديثا.
المعنى:
أشار القرآن الكريم إلى من تقدم الكلام عليهم من الرسل الكرام بإشارة البعيد لعلو مكانتهم وسمو درجتهم، وقد فضل بعضهم على بعض بتخصيصه بمفخرة ليست لغيره.
стр. 163
منهم من شرفه بالكلام مشافهة كموسى- ﵇: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [سورة النساء آية ١٦٤] . وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [سورة الأعراف آية ١٤٣] .
ورفع بعض الأنبياء على من عداه درجات في الفضل والشرف- الله أعلم بها- وآتى الله عيسى ابن مريم الآيات الواضحات: كتكليمه في المهد وإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وأيده بروح القدس جبريل مع روحه الطاهرة ونفسه الصافية.
وإنما خص عيسى- ﵇ بهذه الأوصاف لاختلاف اليهود والنصارى فيه، فاليهود حطت من شأنه واتهمته واتهمت أمه، والنصارى رفعته إلى درجة الألوهية، فقيل ردا عليهم ولبيان أنهم فرّطوا وأفرطوا: عيسى ابن مريم مرّ بأدوار الطفولة والحمل وغيره يأكل ويشرب، أفيليق أن يكون إلها؟، ولكنه مؤيد من عند الله بالآيات الواضحات وروح القدس ولذا تكلّم في المهد إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا [سورة المائدة آية ١١٠] فهو نبىّ مرسل كريم على الله فلا يليق بكم أيها اليهود أن تنالوا منه وتحطوا من شأنه.
أما من رفعه إلى درجات الفضل فالظاهر أنه محمد ﷺ لعموم رسالته وأنه أرسل رحمة للعالمين وخاتم الأنبياء والمرسلين وأن معجزته القرآن،
ولقوله ﷺ «بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجدا، وتربتها طهورا، ونصرت بالرعب من مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة» .
والذي يؤيد هذا أن القرآن خاطب أمم الأنبياء ولم يكن هناك إلا أمة اليهود والنصارى والمسلمين فهذا موسى نبي اليهود، وهذا عيسى، وبقي الفرد العلم الذي لا يحتاج إلى ما يعيّنه والذي رفعه الله درجات ودرجات ولا حرج على فضل الله.
ولو شاء الله عدم قتال الذين جاءوا من بعد الرسل من بعد ما جاءتهم البينات والمعجزات ما اقتتلوا، ولكن لم يشأ عدم اقتتالهم لأنه خلق الإنسان وكرّمه بالعقل والإدراك، وكل إنسان يختلف عن الآخر، ولم يجعل قبول الدين ومبادئه بالطبيعة والفطرة من غير تفكير ونظر، وإلا لكان الناس أمة واحدة كلهم مؤمنون أو كلهم كافرون، ولهذا اختلفوا اختلافا بينا في قبول الدين، فمنهم من آمن ومنهم من كفر.
стр. 164
فاقتضت الحكمة الإلهية مشيئة اقتتالهم فاقتتلوا بما ركب فيهم من دواعي الاختلاف والشقاق.
ولو شاء عدم قتالهم بعد اختلاف ميولهم ونزعاتهم ما اقتتلوا، ولكن الله يفعل ما يريد ويحكم بما يشاء لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، وهو على كل شيء قدير وهو العزيز الحكيم.
وقد اختلف اليهود واقتتلوا، وكذلك النصارى، وها هم المسلمون بعد أن كانوا يدا واحدة أصبحوا فرقا متنازعين متقاتلين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [سورة النساء آية ٥٩] .
في الحث على الإنفاق [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)
المفردات:
(بيع) البيع المراد به: الكسب بأى نوع من أنواع المبادلة والمعاوضة. خُلَّةٌ الخلة: الصداقة والمحبة، والمراد لازمها من الكسب كالصلة والهدية والوصية.
شَفاعَةٌ الشفاعة: المراد لازمها من الكسب.
المعنى:
سبق أن تعرض القرآن الكريم للإنفاق بأسلوب فيه لطف كثير وبلاغة لقوم يؤثر فيهم
стр. 165
أمثال هذا الكلام مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً «١» وهناك من يفعل الخير خوفا من عقابه وطلبا لثوابه، فهؤلاء خوطبوا بتلك الآية وأمثالها.
يا أيها الذين آمنوا واتصفوا بهذا الوصف العالي وهو الإيمان: بادروا إلى الإنفاق في سبيل الله مما تناله أيديكم ابتغاء مرضاة الله وطلبا لرضوانه، وأنتم الآن في فسحة من العمل وغدا سيأتى يوم لا تتمكنون فيه من الإنفاق أصلا مع أنه مطلوب إذ لا بيع في ذلك اليوم ولا شراء ولا كسب بأى نوع من أنواع المبادلة، ولا يوجد ما يناله الإنسان من الصداقة والخلة والشفاعة، فهذا هو يوم الجزاء والثواب والعقاب يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، يوم يظهر فيه فقر العباد إلى الواحد القهار والكافرون نعمة الله الجاحدون حقوق المال المشروعة هم الظالمون لأنفسهم فقط، هم الذين يمهدون للأفكار السامّة والمذاهب الهدامة حتى تغزو الشرق المسلم، ألم يقل الرسول ﷺ
«حصنوا أموالكم بالزكاة» «٢»
ولا حصن لها أقوى من أن يعرف الفقير أن له حقّا معلوما في مال الغنى.
والمراد الإنفاق الواجب بدليل الوعيد الشديد، والدين يطالب بإنفاق القليل مما جعلكم مستخلفين فيه، فإنه ما آل إليكم إلا بعد أن خرج من يد غيركم أساءوا التصرف فيه ولم يحصنوه، فكانوا كافرين بنعمة الله ظالمين لأنفسهم.
أمن الحكمة أن يرى الأغنياء الأمة وقد تكاتفت عليها الأعداء الثلاثة من فقر وجهل ومرض، ثم هم يبذّرون المال ذات اليمين وذات اليسار في الخارج وعلى موائد القمار وفي الليالى الحمراء ويعرف الجميع هذا؟ ثم يقول الناس: إنهم يحاربون الأفكار الهدامة كالشيوعية وغيرها.
لا يا قوم إن أسلحة الحرب لهؤلاء الأعداء هي القوانين الإسلامية والحدود الشرعية، والإنفاق في سبيل الله أمضى سلاحا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ «٣» .
стр. 166
آية الكرسي [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٥]
اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)
المفردات:
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: لا معبود بحق في الوجود إلا هو. الْحَيُّ: ذو الحياة وهي مبدأ الشعور والإدراك والنمو والحركة، والمراد هنا بالحياة مبدأ العلم والإرادة والقدرة. الْقَيُّومُ: دائم القيام بتدبير خلقه وحفظهم ورعايتهم. سِنَةٌ السنة:
ما يتقدم النوم من الفتور. نَوْمٌ النوم: حالة تعرض للحيوان تمنع من الحس والشعور. كُرْسِيُّهُ الكرسي: ما يجلس عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد.
يَؤُدُهُ: يثقله ويشق عليه.
المعنى:
الله لا إله يعبد بحق في الوجود إلا هو، إذ الإله الحق هو الذي يعبد بحق وهو واحد، والآلهة التي تعبد بغير حق كثيرة جدّا، فالله منفرد بالألوهية موصوف بالحياة الأبدية، واجب الوجود، الحىّ الذي لا يموت، القائم بذاته على تدبير خلقه، المخالف لهم في كل صفاتهم مما يعترى الحوادث، لا تغلبه ولا تستولى عليه سنة ولا نوم، مالك الملك
стр. 167
والملكوت ذو العرش والجبروت، له ما في السموات والأرض، ذو البطش الشديد، فعال لما يريد، يوم يأتى لا تكلم نفس إلا بإذنه، من ذا الذي يشفع عنده إلا بأمره، فعال لما يريد، يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه، من ذا الذي يشفع عنده إلا بأمره، والمناعة؟ العالم وحده بالخفيات يعلم الكليات والجزئيات، ولا يطلع على علمه أحدا إلا من شاء، ولا يحيط بعلمه أحد إلا بما شاء،
ولقد صدق الخضر- ﵇ فيما روى عنه إذ قال لموسى- ﵇ حيث نقر العصفور في البحر: «ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر» .
واسع الملك والقدرة، والأرض جميعا في قبضته والسموات مطويات بيمينه، فلا الكرسي ولا القبضة ولا اليمين وإنما هو تصوير وتمثيل لعظمته، وقدرته، وتمام ملكه وسعة علمه، !! لا يشغله شأن عن شأن ولا يشق عليه أمر دون أمر، متعال عن الأوهام والظنون القاهر لا يغلب، العظيم لا تحيط به الأفهام والعقول، جل شأنه لا يعرف كنهه إلا هو- وهذه آية الكرسي وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة،
روى عن على بن أبى طالب: سمعت نبيكم ﷺ على أعواد المنبر وهو يقول: من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله.
الدخول في الدين والولاية على الناس [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٥٦ الى ٢٥٧]
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)
стр. 168
المفردات:
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ: لا جبر ولا إلجاء على الدخول في الدين. الرُّشْدُ:
رشد يرشد رشدا إذا بلغ ما يجب، والرّشد: الهدى، ومثله الرشاد مستعمل في الخير، وضده الغىّ، يقال: غوى يغوى: إذا ضل في معتقد أو رأى. بِالطَّاغُوتِ من الطغيان: مجاوزة الحد في الشيء، ويطلق على الشيطان، وعلى كل ما يعبد من دون الله لأنه أساس الطغيان ومجاوزة الحد. بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى العروة من الدلو والكوز: المقبض، ومن الشجر: الملتف، والوثقى: مؤنث الأوثق، وهو ما يعول الناس عليه عند المحل والأقرب أن يراد بالعروة الوثقى الشجر الملتف فهي التي لا ينقطع مددها عند القحط والجدب. لَا انْفِصامَ لَها: لا انقطاع لها. وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا: يتولى أمورهم بالرعاية والعناية.
سبب النزول:
روى أن أبا الحصين من بنى سالم بن عوف كان له ابنان فتنصرا قبل مبعث النبي ﷺ ثم قدما إلى المدينة فلزمهما أبوهما وقال: لا أدعكما حتى تسلما، فاختصما إلى النبي ﷺ وقال أبوهما: أيدخل بعضى النار وأنا أنظر؟ فنزلت الآية، فخلّى سبيلهما.
المعنى:
بعد ذكر هذه الصفات الجليلة التي لا تكون إلا لله الواحد الأحد والنعوت الموجبة للإيمان به وحده، لا يصح أن يكون هناك إلجاء وقسر على الدخول في الدين أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩ من سورة يونس) ، الآن حصحص الحق وظهر، وتبين الرشد من الغي ووضح، فلا إكراه ولا إلجاء لأن الإيمان اعتقاد قلبي ولا سبيل لأحد على قلوب الناس وقد وضحت الآيات الدالات على صدق محمد ﷺ فيما يدعيه عن ربه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فقولهم: إن الإسلام قام بالسيف دعوى باطلة إذ المسلمون قبل الهجرة كانوا يخفون صلاتهم ولا يقدرون على مجاهرة الكفار، وقد نزلت هذه الآية بعد الهجرة بثلاث سنين تقريبا وهي تثبت أنه لا إكراه في الدين.
стр. 169
وما حصل من الحرب فهو من النوع الدفاعى حتى يكف المشركون عن فتنة المسلمين ويتركوا الناس أحرارا، ولذلك رضى المسلمون بإظهار الإسلام أو دفع الجزية وفتح مصر وبعض البلاد بالسيف كان لإيصال حجة الإسلام إلى الشعب بدون إكراه بدليل قبول الجزية أو الدخول في الإسلام فمن يكفر بالأصنام وكل ما يعبد من دون الله ويؤمن بالله الواجب الوجود فقد بالغ في التمسك بالعروة الوثقى المأمون انقطاعها، فكأنه يقول: إن المبالغ في التمسك بهذا الحق والرشد كمن يأوى بإبله إلى ذلك الشجر الملتف الكثير الذي لا ينقطع مدده ولا يفنى غذاؤه والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده القلب، ولذا كان تذييل الآية: سميع بالأقوال، عليم بالمعتقدات والأفعال.
الله ولى الذين آمنوا يتولى أمورهم ويهديهم طريقهم، ولا ولى لهم ولا سلطان لأحد على اعتقادهم إلا المولى- جل شأنه- فهو يرشدهم إلى الصراط المستقيم ويخرجهم من ظلمات الشك والشبهة إلى نور العلم والمعرفة واليقين والذين كفروا بالله ورسوله أولياؤهم الطاغوت، فإن مس قلوبهم شيء من نور اليقين والتوفيق أسرع الشيطان وما يعبدونه- إن كان حيا أو سدنته وخدمه إن كان صنما- أسرعوا جميعا إلى إزالة النور والحق وإخراج الكفار من النور إلى ظلمات الكفر والنفاق والشك والضلال، أولئك الذين بعدوا جدا في الضلال وأولئك أصحاب النار الملازمون لها هم فيها خالدون.
من غرور الكافرين بالله أو قصة نمرود [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٨]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)
стр. 170
المفردات:
أَلَمْ تَرَ: تركيب فيه استفهام ونفى، و المعنى: يجب أن ينتهى علمك إلى الذي حاج فإن أمره من الظهور بحيث لا يخفى على أحد من المخاطبين. فَبُهِتَ: تحير ودهش.
المعنى:
الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، وهاك بعض القصص التي تثبت ذلك بوضوح.
ألم ينته علمك أيها المخاطب إلى الذي أعطاه الله الملك فلم يحسن الشكر بل أبطرته النعمة وجعلته يطغى وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ «١» فما كان سببا في الطاعة جعل سببا في المعصية، هذا نمرود اتخذ الطاغوت وليّا وحاج إبراهيم- ﵇ في ربه حيث قال له: من ربك الذي تدعو إليه؟ قال إبراهيم: ربي الذي يفيض على الخلق نعمة الحياة والموت فهو الذي يحيى ويميت، أى: ينشئ الحياة والموت، فما كان منه إلا أن قال: أنا أحيى بعض الخلق بالعفو عنهم وأميت البعض الآخر بالقتل وأحضر رجلين عفا عن أحدهما وقتل الآخر، وهذا كلام لا يعبأ به ولا يلتفت إليه، إذ المراد إنشاء الحياة وتكوينها لا التسبب فيها، لذا مثل له بمثال أوضح وأظهر فقال: ربي أبدع الكون ونظمه وجعل الشمس تشرق من المشرق وتغرب من المغرب فأت بها أنت أيها المغرور المدعى من المغرب إن كنت قادرا على ذلك؟ فغلبه إبراهيم وأسكته حتى بهت والله لا يهدى الظالمين لأنفسهم إلى طريق الخير أبدا لأنهم لم يتخذوا الله وليّا، وهذه من الآيات على وجود الله.
стр. 171
قصة العزير وحماره [سورة البقرة (٢) : آية ٢٥٩]
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)
المفردات:
قَرْيَةٍ القرية: الضيعة، وفيها معنى الاجتماع. خاوِيَةٌ: خالية، أو ساقطة. والعروش: السقوف. أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها: استبعاد منه للإحياء بعد الموت، والمراد بالإحياء: عمارتها بالبناء والسكان، وبموتها خرابها. لَمْ يَتَسَنَّهْ: لم يتغير. نُنْشِزُها: نرفع بعضها إلى بعض ونردها إلى أماكنها من الجسد.
المعنى:
قصة أخرى تثبت كيف يتولى الله بعض الخلق فيهديه إلى الطريق المستقيم.
أو رأيت إلى الذي مر على قرية وهي خالية من السكان قد سقطت حيطانها على عروشها ولم يبق بها أثر لحياة.
стр. 172
قال: مستبعدا عمارتها بعد خرابها مستعظما قدرة الله متشوقا لعمارتها: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها ولما دخل القرية وهي خالية من سكانها وقال ما قال وكانت أشجارها قد أثمرت تينا وعنبا ربط حماره وأكل من ثمرها ونام.
لما حصل منه هذا أماته الله مائة عام ثم رد له الحياة وبعثه على سبيل السرعة والسهولة حتى كأنه كان نائما ثم استيقظ، قيل له: كم وقتا لبثته؟ وإنما سئل هذا السؤال ليظهر عجزه عن إحاطته بشئونه تعالى.
قال: لبثت يوما أو بعض يوم بناء على التقريب وتقليل المدة، فقيل له: ما لبثت هذا القدر بل لبثت مائة عام، فانظر لترى دلائل قدرتنا: انظر إلى طعامك وشرابك الذي بقي مائة عام لم يتغير ولم يفسد مع سرعة فساد أمثاله، وانظر إلى حمارك كيف نخرت عظامه وتقطعت أوصاله لترى كيف تطاول الزمن عليك وعليه وأنت نائم، فعلنا ما فعلناه لتعاين ما استبعدته من الإحياء، ولنجعلك آية دالة على تمام قدرتنا على البعث يوم القيامة: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ. «١»
وانظر إلى عظام الحمار لتشاهد كيفية الإحياء في غيرك، فها هي العظام نرفع بعضها إلى بعض ونردها إلى أماكنها من الجسد فنركبها تركيبا وثيقا محكما، ثم نكسوها لحما طريا يسترها كما يستر الثوب الجسد، فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير.
وهذا المثال من آيات الله الدالة على البعث [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٠]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)
стр. 173
المفردات:
بَلى: حرف يجاب به فَصُرْهُنَّ: أملهنّ إليك واضممهن.
المعنى:
مثال ثان لولاية الله للمؤمنين ولهدايتهم إلى الطريق المستقيم، وهو من الآيات الدالات على البعث، وإنما ذكر في القرآن مثالان للبعث ومثال لوجود الله لأن منكري البعث أكثر من منكري وجود الله.
واذكر وقت قول إبراهيم: رب أرنى كيف تحيى الموتى وقد تأدب مع مولاه أدبا يليق به حيث بدأ سؤاله برب الذي يشعر بالعناية والتربية لخلقه، قال- تعالى- له وهو أعلم به: ألم يوح إليك ولم تؤمن بذلك؟ قال إبراهيم مجيبا: يا ربي قد أوحيت إلىّ وآمنت بذلك ولكن تاقت نفسي وتطلعت لأن تقف على كيفية الإحياء للموتى ليطمئن قلبي بمشاهدة العيان مع الوثوق والإيمان، ولا غرابة في ذلك فكلنا يؤمن بالأثير وعمله في نقل الأخبار والصور، وكثير منا لا يعرف كيفية ذلك وتتوق نفسه للمعرفة.
وفي رد الله عليه بقوله: أو لم تؤمن؟ إشارة إلى أن الإنسان لا يكلف بأكثر من الإيمان بأخبار الغيب الصادرة عن المولى- جل شأنه- في ذاته وصفاته ويوم القيامة وغيره.
قال تعالى: فخذ يا إبراهيم أربعة من الطير فأملهن إليك وضمهن وقطعهن قطعا ثم اجعل عل كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك ساعيات كما كانت، وهكذا يحيى الله الموتى، واعلم أن الله عزيز حكيم. هذا رأى الجمهور في الآية، وقد رأى بعضهم رأيا رجحه تفسير المنار، والظاهر- والله أعلم- أنه المناسب بطلب إبراهيم، وها هو الرأى:
خذ أربعة من الطير فأملهن إليك (والطير شديد النفور من الإنسان) حتى يأنسن بك ويمتثلن أمرك، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا، أى: واحدا من الطير ثم ادعهن يأتينك ساعيات ممتثلات بمجرد الدعوة، وهكذا يحيى الله الموتى فيقول: كونوا أحياء فيكونوا. فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت ١١] إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [سورة يس آية ٨٢] .
стр. 174
الإنفاق في سبيل الله وآدابه وشروطه [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦١ الى ٢٦٤]
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤)
المفردات:
بِالْمَنِّ: هو أن يعتدى على من أحسن إليه ويريه أنه أوجب بإحسانه حقّا عليه. الْأَذى: أن يتطاول عليه بسبب إنعامه. قَوْلٌ مَعْرُوفٌ: رد جميل تقبله القلوب ولا تنكره. رِئاءَ النَّاسِ: رياء لهم، يفعل الفعل لأجل أن يروه فيحمدوه. صَفْوانٍ: حجر أملس. وابِلٌ: مطر شديد. صَلْداً:
أملس ليس عليه تراب.
стр. 175
الإنفاق في سبيل الله ركن أساسى من أسس الدين ودعامة من دعائم الدولة، فما بخلت أمة بمالها إلا حاق بها الذل والاستعباد، وسلط الله عليها الأعداء من كل جانب يتكاثرون عليها كما تتكاثر الأكلة الجياع على المائدة.
والإنفاق في سبيل الله واجبا كان أو مندوبا. ما دام في وجوه الخير ومحاربة الجهل والفقر والمرض ونشر الدين وخدمة العلم، فهو مما يطلبه الدين ويحث عليه الشرع، ولذا ترى القرآن الكريم قد تكلم عنه في عدة مواضع وحث عليه بأساليب شتى وضرب الأمثال ورغّب ورهّب وبيّن ووضّح.
المعنى:
مثل نفقة الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ولإعلاء كلمته وإسعاد الوطن وأهله كمثل حبة أنبتت سبع سيقان في كل ساق سنبلة في كل سنبلة مائة حبة، وذلك يكون في أخصب أرض وأجود تربة وأحسن بذر، ولا غرابة في ذلك، فهذا القمح والأرز تنبت الحبة فيه هذا القدر.
وهذا تصوير وتمثيل للأضعاف والإضافة في الزيادة والأجر يضاعف هذه المضاعفة أو أكثر منها لمن يشاء إذ هو الواسع الفضل الغنى الكريم العليم بكل شيء.
الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله وهذا جزاؤهم في الدنيا والآخرة إنما يستحقون ذلك بشرط ألا يتبعوا ما أنفقوا منّا على الفقير بأن يعتدّ عليه بما فعل به وألا يتبعوا ما أنفقوا بالأذى والضرر فلا يتطاول عليه المنفق ويطلب جزاء عمله.
وعدم المن والأذى مطلوب منك أيها المنفق وقت الصدقة وبعدها وإذا حرم عليك بعد الصدقة فوقتها من باب أولى، وهذا هو السر في التعبير بثم.
هؤلاء المنفقون في سبيل الله الذين لم يمتنّوا ولم يؤذوا أحدا لهم أجرهم الكامل عند ربهم ولا هم يحزنون وقت أن يحزن البخيل ويندم على إمساكه رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [سورة المنافقون آية ١٠] .
كلام جميل تهدأ به نفس السائل وتردّ به، ومغفرة لإساءته في الإلحاف، خير للسائل والمسئول من صدقة يتبعها أذى وضرر إذ الصدقة شرعت لتقريب الناس بعضهم من بعض
стр. 176
وتخفيف حدة الحسد والحقد بين الطبقات، والمن والأذى يخرجها عن وضعها الصحيح، والله واسع الفضل غنى لا يحتاج إلى عطاء الغنى، بل أوجبها تأكيدا للصلة وجلبا للمحبة والتعاطف، حليم لا يعاجل بالعقوبة لمن يستحقها.
والمن والأذى طبيعة في النفوس وغريزة في بنى الإنسان ولذا حرمهما الله بأن شرط في النفقة الشرعية خلوّها من المن والأذى وبيّن أن العدول عن الصدقة التي يتبعها أذى إلى قول معروف خير من تلك الصدقة.
ثم بعد هذا كله خاطب المؤمنين بوصف الإيمان ليكون ذلك أدعى للقبول والامتثال، وحرم عليهم المن والرياء صراحة فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تحبطوا ثواب صدقاتكم بالمن والأذى.
أفسدت بالمن ما أسديت من حسن ... ليس الكريم إذا أسدى بمنّان
فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم كمن ينفق ماله للرياء والسمعة، والمرائى يظهر للناس أنه يريد وجه الله، وفي الواقع هو يريد وجه الناس ليقال عنه: إنه كريم وجواد وغير ذلك من أغراض الدنيا، ولذا وصفه الله بقوله: لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
فمثل الذي يمن ويؤذى والذي يرائى كمثل حجر أصم عليه تراب وقد نزل عليه مطر شديد فذهب التراب وبقي الحجر أملس، وهكذا الذي يمن أو يرائى يلبس ثوبا غير ثوبه ثم لا يلبث أن ينكشف أمره ويتهتك ستره فيكون ما تلبس به كالتراب على الصفوان يذهب به الوابل فلا يبقى من أثره شيء.
ثوب الرياء يشف عما تحته ... فإذا اكتسيت به فإنك عار
فالذي يمن أو يرائى مذموم في الدنيا من الناس أجمعين. وأما في الآخرة فلا ثواب إلا للمخلصين الذين ينفقون ابتغاء مرضاة الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّا ولا رياء، والله لا يهدى القوم الكافرين.
стр. 177
مثل من ينفق للرحمن والذي ينفق للشيطان [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦٥ الى ٢٦٦]
وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)
المفردات:
وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ أى: تثبيت أنفسهم وتمكينهم، وقيل: تصديقا مبتدأ من عند أنفسهم. جَنَّةٍ الجنة: البستان، وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها ففيها معنى الاستتار. وابِلٌ: مطر كثير غزير. ضِعْفَيْنِ الضعف:
المثل. فَطَلٌّ الطل: المطر الخفيف. أَيَوَدُّ الهمزة فيه للإنكار، ويود بمعنى يحب ويتمنى. وَأَعْنابٍ الأعناب: ثمر شجر الكرم. إِعْصارٌ: ريح عاصفة تستدير في الأرض بشدة ثم ترتفع إلى السماء حاملة الغبار. نارٌ المراد: ريح فيها برد شديد وسموم يحرق الشجر.
المعنى:
ما تقدم في الذي ينفق مع المن والإيذاء أو السمعة والرياء، وما هنا أمثلة للذي ينفق في سبيل الله أو سبيل الشيطان.
стр. 178
مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء رضا الله وطلبا لمغفرته وتثبيتا لأنفسهم وتمكينا لها على فعل الخير، فإن المال شقيق الروح، وإنفاقه شاق وعسير على النفس، فإذا أنفقت بعض المال لله عودت نفسك على فعل الخير وثبّتّ بعضها، أما البعض الآخر فيثبت بالجهاد بالنفس في سبيل الله كما قال- تعالى- في سورة الحجرات: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [سورة الحجرات آية ١٥] .
مثلهم كبستان ذي أشجار ملتفة قد كست الأرض، وهو بمكان مرتفع متمتع بالشمس والهواء ينزل عليه المطر الغزير فيثمر ضعفين من ثمر أمثاله، وإذا نزل عليه مطر بسيط أثمر وذلك لجودة تربته ونقاء منبته.
والمعنى في هذا التمثيل: أن المنفق لله وفي سبيله ويقصد تثبيت نفسه على الخير كالجنة الجيدة التربة العظيمة الخصب، فهو يجود بقدر سعته وما في يده فإن أصابه خير كثير أنفق كثيرا وإن أصابه قليل أنفق على قدر سعته، فخيره دائم وبره لا ينقطع كالبستان يثمر مطلقا إذا نزل عليه مطر كثير أو قليل.
أما المثل الثاني: فهو لمن ينفق على عكس الأول وينفق في سبيل الشيطان ومرضاة لنفسه وهواه.
أيها المنفق لغير الله: أتود أن يكون لك جنة فيها النخيل والأعناب والزرع ومن كل صنف ولون تجرى من تحت جذورها الأنهار، لك فيها من كل الثمرات التي تشتهيها وأنت رجل كبير مسن قد أدركتك الشيخوخة وأصابك ضعف الكبر ولك ذرية من ذكور وإناث ضعفاء وصغار لا يقدرون على الكسب وتصريف أمورهم، وليس لك ولهم غير تلك الجنة، فأصابها بأمر الله ريح شديد وسموم كالنار أو أشد، أحرق الشجر وأباد الثمر وأنت في أشد الحاجة إلى نتيجة عملك وجدك في شبابك؟؟! فمن يرضى بهذا المصير الذي ينتظر كل من ينفق للرياء أو يتبع ما أنفقه بالمن والأذى.
إن من ينفق في سبيل الشيطان يظن أنه سينتفع بنفقته، كلا إنه كهذا المسن صاحب تلك الجنة، يأتى يوم القيامة فلا يجد لعمله إلا الحسرة والندامة.
стр. 179
مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون وتتعظون بهذه الأمثال والمواعظ.
نوع ما ينفق منه ووصفه [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)
المفردات:
طَيِّباتِ الطيب: المراد هنا الجيد الحسن. تَيَمَّمُوا: تقصدوا.
الْخَبِيثَ: الرديء. تُغْمِضُوا: تتساهلوا، من أغمض عينه عن الشيء حتى لا يرى عيبه.
المعنى:
يبين الله- وصف ما ينفق منه وبيان نوعه فيفتتح الكلام بهذا النداء الذي يهز القلوب ويلفت الأنظار: يا من اتصفتم بالإيمان أنفقوا الطيب الجيد ولا تقصدوا إلى الخبيث الرديء فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ولا تجعلوا لله ما تكرهون.
وقد ورد في سبب نزول الآية ما يؤيد هذا المعنى: روى أن بعضهم كان يقصد إلى الحشف من التمر فيتصدق به فنزلت الآية، والمعنى: أنفقوا من جياد أموالكم ولا تقصدوا الخبيث فتجعلوا صدقتكم منه خاصة دون الجيّد، فهو نهى عن تعمد الصدقة من الخبيث دون الطيب لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [سورة آل عمران آية ٩٢] .
стр. 180
وأما نوع ما ينفق منه فهو بعض ما يجنيه المرء من عمله وجده كالتجارة والصناعة والكسب الحلال بأى نوع كان، وبعض ما يخرج من الأرض من غلات الحبوب والزروع والمعادن والركاز (وهو دفين الجاهلين) والإنفاق هنا الظاهر أنه عام يشمل الزكاة والصدقة.
الشيطان والإنفاق [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦٨ الى ٢٦٩]
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩)
المفردات:
بِالْفَحْشاءِ: البخل، والعرب تسمى البخيل فاحشا. وَفَضْلًا: رزقا وجاها في الدنيا. الْحِكْمَةَ: العلم النافع الصحيح. الْأَلْبابِ: العقول الراجحة الموفقة.
المعنى:
الشيطان عدونا من قديم أخرج أبانا آدم من الجنة وأقسم قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ فالشيطان بما يوسوس للناس ويزين لهم أن الصدقة والإنفاق في سبيل الله يورث الفقر والحاجة (الجود يفقر والإقدام قتّال) يعدنا بالفقر ويأمرنا بالبخل، والله- بما أودع في بعض الناس من الميل إلى التخلق بالخلق الكامل والإنفاق على الناس وبما يأمرنا به من النفقة في الكتب المنزلة يعدنا مغفرة بسبب الإنفاق فقد جعله كفارة لكثير من الذنوب، ويعدنا به فضلا لأن صاحبه يفضل غيره ويأسر قلبه ويشترى حبه له، والفضل: المال والخير، ولا شك أن المال المنفق يخلفه الله على صاحبه وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سورة سبأ آية ٣٩] .