المعنى:
واذكر لهم يا محمد وقت اختبار الله لإبراهيم بأن كلفه بتكاليف يؤديها فقام بها خير قيام وأداها أحسن أداء، ولذا كان جزاؤه من الله- ﷻ أن قال له: إنى جاعلك إماما للناس تؤمهم في دينهم وتفصل بينهم في دنياهم، قال إبراهيم: وجاعل بعض ذريتي كذلك؟ وأجابه المولى: لا ينال عهدي بالإمامة الظالمون الذين ظلموا أنفسهم لأن الإمام مفروض أن يقوم بحراسة الدين وأهله والقيام على شئون الرعية ومنع الظلم، فإذا كان ظالما لنفسه فكيف يدفع الظلم عن غيره، وهذا هو حكم القرآن في الإمام وما شرطه فيه!! واذكر لهم إذ جعلنا البيت الحرام (الكعبة) مثابة للناس وملجأ، وجعلناه آمنا، من دخله كان آمنا ويتخطف الناس من حوله، واتخذوا أيها المسلمون من مكان إقامة إبراهيم مصلى، أى: فضلوه على غيره في الصلاة لشرفه بقيام إبراهيم فيه، فالأمر للندب لا للوجوب، وقد أمرنا إبراهيم وإسماعيل بأن يقوما بتطهير البيت من الأوثان ومن كل دنس ورجس يطهرانه للذين يطوفون به ويقومون عنده، والذين يركعون فيه ويسجدون، اذكر لهم يا محمد دعوة أبيهم إبراهيم لهذا البلد وأهله:
رب اجعل هذا البلد في أمن وطمأنينة، وارزق أهله من الثمرات أطيبها ومن خيرات الأرض أحسنها ارزق يا رب المؤمن منهم. وانظر إلى تكريم المؤمنين وبيان خطر الإيمان وشرفه، وفي هذا ترغيب لقومه في الإيمان وزجر عن الكفر، وفي حكاية القرآن هذا ترغيب لقريش وترهيب لها ولغيرها من أهل الكتاب، فأنت ترى أن إبراهيم خص طلب الرزق للمؤمنين. قال الرب- ما معناه: والكافر أرزقه وأمتعه زمنا قليلا ثم ألجئه إلى عذاب النار وبئس هذا المصير.
واذكر يا محمد وقت أن رفع إبراهيم أساس البيت للبناء ومعه إسماعيل يعاونه قائلين:
ربنا اقبل منا وتقبل إنك أنت السميع لكل دعاء العليم بكل قصد ونية. ربنا واجعلنا منقادين لك ومخلصين، ثم أخذتهما الشفقة على أولادهما فدعوا الله بأن يجعل من ذريتهما جماعة مخلصة منقادة، وإنما دعوا للبعض فقط لأنهما يعرفان أن الحكمة الإلهية في وجود الصنفين ولا بد منهما، وبصرنا يا رب أمور عبادتنا وأسرارها وبخاصة مناسك الحج، وأقبل توبتنا إنك أنت التواب الرحيم.
ربنا وأرسل في ذريتنا رسولا منهم عرفوا عنه الصدق والأمانة، ويتلو عليهم آيات
стр. 72
دينك ويعلمهم القرآن وما به تكمل نفوسهم من العلوم والمعارف، ويطهرهم من دنس الرجس والوثنية إنك يا رب أنت العزيز الذي لا يغلب الحكيم في كل صنع.
روى أن النبي ﷺ قال: «أنا دعوة أبى إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمّى» «١»
فذلك تحقيق دعوة إبراهيم، والنبي ﷺ هو الذي يتحقق فيه هذه الدعوة، وأهل الكتاب يعرفون ذلك ولكنهم أعرضوا حسدا وبغيا وظلما.
ملة إبراهيم مع المخالفين لها والمهتدين بها [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٢]
وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)
المفردات:
سَفِهَ نَفْسَهُ: أذلها واستخف بها. اصْطَفَيْناهُ: أخذناه واخترناه.
المعنى:
لا تجد أحدا يعرض عن ملة إبراهيم ودينه إلا شخصا أذل نفسه واستخف بها، وذلك أن من يرغب في شيء لا يرغب فيه عاقل أصلا فقد بالغ في امتهان نفسه وأذلها وكيف لا، وقد اصطفيناه في الدنيا وجعلناه أبا الأنبياء وإنه في الآخرة لمن المشهود لهم بالصلاح والاستقامة، إذ قال له ربه: أسلم لله وكن من المنقادين له- سبحانه- فما كان منه إلا أن أسرع بالانقياد والامتثال شأن المصطفين الأخيار. قال: أسلمت لله رب العالمين، ولقد كان إبراهيم متبعا الملة الحنيفية وأرادها لأولاده فوصى بها إبراهيم بنيه
стр. 73
وكذلك يعقوب قائلا: يا بنىّ إن الله اختار لكم هذا الدين (وهو كدين محمد ﷺ في الأصول العامة فاثبتوا على الإسلام ولا تفارقوه) فها هي ذي وصية إبراهيم لبنيه ويعقوب للأسباط فانظروا أيها اليهود هل أنتم تتبعون آباءكم إبراهيم ويعقوب أم لا؟
لكل ما كسب [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٧]
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤) وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)
المفردات:
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ: أم هنا بمعنى (بل) أكنتم شهداء، والهمزة بمعنى النفي،
стр. 74
أى: ما كنتم شهداء. خَلَتْ: مضت. هُوداً: جمع هائد، أى تائب، وهم اليهود. حَنِيفاً: مائلا عن الباطل إلى الحق. الْأَسْباطِ: الأحفاد، والمراد أبناؤه وذريته.
سبب النزول:
روى أنهم قالوا لرسول الله ﷺ : ألست تعلم أن يعقوب أوصى باليهودية يوم مات فنزلت الآية.
المعنى:
ما كنتم أيها اليهود حاضرين وقت أن احتضر يعقوب وقال لبنيه: أى شيء تعبدونه بعد موتى؟ فأجابوه: نعبد إلهك الله الواحد الفرد الصمد وهو إله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إله واحد لا شريك له، ونحن له مستسلمون ومنقادون لحكمه.
وقد رد الله على اليهود ادعاءهم أنهم نسل الأنبياء وحفدتهم فلا يدخلون النار إلا أياما معدودات بقوله: هذه الأمة قد مضت بما لها وما عليها لا ينتفع بعملها أحد ولا يضر وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «١» فكما أن هؤلاء السابقين لا ينفعهم إلا عملهم كذلك أنتم لا ينفعكم إلا أعمالكم.
وقال بعض أهل الكتاب: كونوا مع اليهود في دينهم تصلوا إلى الطريق السوى، وقال البعض الآخر (النصارى) : كونوا مع النصارى تصلوا إلى الحق، قل يا محمد ردا عليهم: بل تعالوا إلى ملة أبيكم إبراهيم الذي تدعون أنكم على دينه فهي الملة الحنيفة القائمة على الجادة بلا انحراف ولا نزاع وما كان إبراهيم من المشركين، ها أنتم هؤلاء بعيدون عن ملة إبراهيم.
قولوا أيها المؤمنون: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط من القرآن والصحف فلا تكن دعوتكم إلى شيء خاص بكم بل ادعوا إلى أصل الدين وروحه الذي لا خلاف فيه ولا نزاع، وهو التسليم بنبوة جميع الأنبياء والمرسلين مع الإسلام لرب العالمين، لا نعبد إلا الله ولا نفرق بين أحد من رسله وما أوتى موسى وعيسى من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات، وما أوتى النبيون جميعا لا نفرق بين أحد منهم، كما تفعل اليهود والنصارى فالمؤمن حقيقة هو من يؤمن بكل الكتب والأنبياء ولا يؤمن ببعض ويكفر بالبعض الآخر.
стр. 75
فإن آمن أهل الكتاب كما آمنتم فقد اهتدوا إلى الطريق المستقيم، وإن تولوا وأعرضوا وفرقوا بين الأنبياء يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض فإنما هم في شقاق ونزاع، وإذا كان هذا فثقوا أن الله سيكفيكم شرهم وسيبدد شملهم، وقد تحقق ذلك بقتل بنى قريظة وإجلاء بنى النضير، والله هو السميع لكل قول، والعليم بكل فعل.
الله ربنا وربكم [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٣٨ الى ١٤١]
صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)
المفردات:
صِبْغَةَ اللَّهِ الصبغة: الحالة التي عليها الصبغ، والمراد بصبغة الله الإيمان لكون الإيمان تطهيرا للمؤمنين من أوساخ الشرك، وهو حلية تزينهم بآثاره الجميلة، وقد تدخل في قلوب المؤمنين كما يتداخل الصبغ فترى أن الإيمان يشبه الصبغة في التطهير والحلية والتداخل. أَتُحَاجُّونَنا: أتجادلوننا. مُخْلِصُونَ: لا نبغى بأعمالنا غير وجه الله.
стр. 76
المعنى:
قولوا أيها المؤمنون بعد مقالتكم الأولى وهي: إنا نؤمن بالله وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وكتبه قولوا: صبغنا الله بصبغة الإيمان وتطهير النفوس من أدرانها، وهل هناك صبغة أحسن من صبغة الإسلام؟ ومن صبغته أحسن من صبغة الله الحكيم الخبير؟ ونحن لله الذي أولانا هذه النعم الجليلة التي منها نعمة الإسلام والهداية عابدون ومخلصون وقانتون، ثم بعد هذا أمر الله نبيه بأمر خاص به وهو: قل لهم يا محمد:
أتجادلوننا في دين الله وتدّعون أن دينه الحق هو اليهودية أو النصرانية؟ وتبنون دخول الجنة والاهتداء عليهما وتقولون تارة: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى وتارة تقولون: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا أتجادلوننا في دين الله وهو ربنا وربكم لا فرق بيننا وبينكم في العبودية لله فهو مالك أمرنا وأمركم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم الحسنة والسيئة، ونحن لله مخلصون في تلك الأعمال لا نقصد بها إلا وجهه وإن أتى منا سوء فبغير قصد ونية فكيف تدعون أن لكم الجنة والهداية دون غيركم؟!! قل لهم يا محمد: أى الطريقين تسلكون؟ إقامة الحجة على ما أنتم عليه وقد ظهر أن لا حجة لكم؟ أم تسلكون طريق التقليد من غير برهان والكذب على الله والأنبياء فتقولون: إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط هود، ويقول الناس:
النصارى كانوا نصارى فنحن مقتدون، والمراد إنكار الطريقين وتوبيخهم على كلا الأمرين، قل لهم يا محمد: أأنتم أعلم أم الله؟! ولا أحد في الوجود أظلم ممن يكتم شهادة ثابتة عنده من الله وهي شهادته- لإبراهيم ويعقوب بالحنيفية والبراءة من اليهودية والنصرانية، فلو كتمناها لكنا أظلم الناس كما أنكم تكتمون شهادة عندكم من الله للنبي العربي محمد ﷺ وليس الله غافلا عن أعمالكم فهو محصيها ومجازيكم عليها، تلك أمة من الأنبياء والرسل قد مضت لها أعمالها الحسنة والسيئة ونحن لا نسأل عنها وهم لا يسألون عن أعمالنا، كرر هذه للمبالغة في الزجر عما هم عليه من الافتخار بالآباء والاتكال على الماضي وهذا شأن العاجز الضعيف الذي ينظر إلى الماضي ولا يتجه إلى المستقبل.
فهب أن أباك كان من الأولياء والأصفياء ولم تعمل شيئا تحمد عليه أفينفعك هذا؟
لا. وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى والله أعلم.
стр. 77
مقومات تحويل القبلة [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٤٢ الى ١٤٣]
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)
المفردات:
السُّفَهاءُ السفه: الاضطراب في الرأى والفكر والخلق. والسفهاء: هم ضعفاء العقول، والمراد بهم هنا: المنكرون تغيير القبلة من اليهود والمشركين والمنافقين.
الْقِبْلَةَ في الأصل: الجهة، والمراد قبلة المسلمين في الصلاة. وَسَطاً الوسط:
اسم لنقطة تستوي نسبة الجوانب إليها كمركز الدائرة، ثم استعير للخصال المحمودة إذ كل صفة محمودة كالشجاعة وسط بين طرفين: الإفراط والتفريط، والمراد: خيار عدول عندهم العلم والعمل. إِيمانَكُمْ: صلاتهم فإنها مسببة عن الإيمان.
عَقِبَيْهِ العقب: مؤخر القدم، والمراد يرتد عن الإسلام.
المناسبة:
لا يزال القرآن يتعرض في هذه الآيات لما كان عليه اليهود- وإن شاركهم فيه غيرهم من المشركين- من إنكار تحويل القبلة والنسخ وغيرهما.
стр. 78
وقد كان النبي ﷺ يصلى وهو بمكة متجها إلى الكعبة، ثم لما هاجر أمر بتحويل القبلة إلى صخرة بيت المقدس تألفا لليهود وقد فرحوا بذلك.
وظل النبي ﷺ كذلك بضعة عشر شهرا إلا أنه كان كثيرا ما ينظر إلى السماء ويدعو الله أن يتوجه إلى قبلة أبيه إبراهيم وهي الكعبة، فأجيب إلى ذلك وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق، وكان أول صلاة صلاها هي العصر كما في الصحيحين.
المعنى:
علم الله- ما سيكون عند تحويل القبلة من اضطراب بعض الناس اضطرابا قد يودى بإيمانهم، وعلم ما سيقوله سفهاء الناس فأخذ يمهد تمهيدا دقيقا لتحويل القبلة حتى لا يفاجأ المسلمون بالتحويل واضطراب الناس وإنكارهم، ولذا لقنهم الحجة، ووضح لهم الطريق ثم بعد هذا أمرهم بالتحويل.
سيقول ضعفاء العقول والإيمان من اليهود والمنافقين والمشركين: أى شيء صرف المسلمين عن قبلتهم التي كانوا ثابتين عليها؟ فقد ساء اليهود انتقال القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وأما المشركون فقصدهم الطعن في الدين وبيان أن التوجه في الحالين وقع بغير داع، وأما المنافقون فهذا شأنهم من الدين وديدنهم.
فيرد الله عليهم: قل لهم يا محمد: لله تعالى ناحيتا المشرق والمغرب، فالجهات كلها ملكه فلا اختصاص لناحية دون أخرى، ولا مزية لها، وإنما الأمر بيده يختار ما يشاء، فأينما تولوا فثم وجه الله لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يهدى من يشاء إلى الصراط المستقيم، ولقد هدى المؤمنين حقا إلى ذلك حيث أمرهم بالتوجه إلى بيت المقدس ثم رجع إلى الكعبة، فامتثلوا أمره لأنهم على علم بأن المصلحة فيما أمر والخير فيما وجه.
ومثل هذه الهداية والتوفيق إلى الصراط المستقيم جعلناكم أيتها الأمة المحمدية وسطا عدولا بلا إفراط ولا تفريط في أى شيء من شئون الدين والدنيا، فالأمة الإسلامية وسط في عقائدها العامة تحافظ على المادة والروح، وتنمى هذا وذاك وهي وسط في معاملتها للفرد وللجماعة فلا تجعل الفرد يطغى على الجماعة باستبداده ولا تلغى شخصية
стр. 79
الفرد في الجماعة، ولقد صدق الله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ «١» وذلك لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا، ولتكونوا شهداء على الأمم يوم القيامة، ويكون الرسول عليكم شهيدا.
روى أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء- ﵈ لهم، فيطالبهم الله تعالى بالبينة- وهو أعلم بكل شيء- إقامة للحجة على الجاحدين المنكرين، فتقول الأنبياء: أمة محمد تشهد بذلك، فيؤتى بأمة محمد ﷺ فيشهدون للأنبياء فتقول الأمم لهم: من أين عرفتم ذلك؟
فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله- تعالى- في كتابه الناطق، على لسان رسوله الصادق، فيؤتى عند ذلك بالنبي محمد ﷺ ويسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد لهم وذلك قوله تعالى: وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.
وما جعلنا القبلة التي تحبها والجهة التي كنت عليها بمكة (يعنى: وما رددناك إليها) إلا امتحانا وابتلاء ليظهر ما علمناه، ويتبين في الواقع الثابت على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص على عقبيه فيرتد، حتى يجازى كل على عمله.
وإنما شرعنا لك التوجه إلى بيت المقدس ثم إلى الكعبة ليظهر حال المؤمنين والمنافقين.
وإن كانت هذه الفعلة لشديدة على نفوس الناس إلا على الذين هداهم الله ووفقهم فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [سورة التوبة الآيتان ١٢٤ و ١٢٥] .
وروى أنه لما غيرت القبلة أخذ المرجفون يقولون: ما حال المسلمين الذين ماتوا قبل التحويل؟ وكيف نحكم على صلاتهم وإيمانهم؟ ولقد سأل بعض المسلمين عن أقاربهم الذين ماتوا ليطمئنوا فأجابهم: وما كان الله ليضيع إيمانكم وثباتكم على الإسلام، وبالتالى لا يضيع صلاتكم وعبادتكم. إن الله بالناس لرءوف رحيم.
стр. 80
تحويل القبلة [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٤٤ الى ١٤٧]
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)
المفردات:
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ: تردده طلبا للوحى والتجاء إلى الله.
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ: فلنوجهنك جهتها. فَوَلِّ وَجْهَكَ: فوجه وجهك. شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ: جهته. الْمُمْتَرِينَ: الشاكّين.
المعنى:
كان النبي ﷺ يتشوق لتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه
стр. 81
إبراهيم، والأمة المسلمة هي الوارثة لإبراهيم وإسماعيل ولعهد الله معهما، فطبيعى أن ترث بيت الله في مكة، وأن تتخذ منه قبلة لأنه بيت الله وتراث إبراهيم، وبناؤه مع إسماعيل، لأنها أدعى إلى إيمان العرب المعول عليهم في الرسالة، وتطلعه إلى ما يظنه خيرا، ويعتقد أن فيه الرضا والرضوان، ولذلك أجابه الله إلى طلبه وقال: فلنوجهنك قبلة ترضاها وتحبها لأن النبي ﷺ لا يحب إلا الخير.
وقد قرن الله الوعد بالأمر للإشارة إلى أن ما يرجوه النبي ﷺ هو ما تتطلبه الحكمة الإلهية فقال: فول وجهك وجهة المسجد الحرام فالواجب استقبال جهة الكعبة حقيقة في القرب وظنا في البعد.
ثم أمر المؤمنين عامة فقال: فحيثما كنتم فولوا وجوهكم جهته، وكان يكفى الأمر للنبي ﷺ إذا أمره أمر لأمته إلا إذا خصص. ولكن أمر المؤمنين أيضا للتأكيد الذي اقتضته الحال في حادثة القبلة، فإنها حادثة كبرى استتبعت فتنة عظمى كان لها أثر كبير، ولتشتد قلوبهم، وتطمئن نفوسهم فيضربون بأقوال المنكرين عرض الحائط.
ثم رجع القرآن لمناقشة أهل الكتاب ممن اشترك في هذه الفتن فقال: وإن اليهود والنصارى الذين أوتوا التوراة والإنجيل ليعلمون علما أكيدا أن هذا التحويل هو الحق الثابت لأنه في كتابهم، ولكنهم دأبوا على إنكار الحق، وترويج الباطل، وما الله بغافل عن أعمالهم بل مجازيهم عليها.
ولقد كان النبي ﷺ حريصا على إيمان أهل الكتاب لأن كلامهم مصدق عند العوام، فكان يود لو تزال كل شبهة عندهم حتى يؤمنوا، ولذا يقول الله تهدئة لخاطره وتسلية له: إنهم قوم منكرون معاندون فلا تنفعهم الآيات، ولا تزيل شبههم الحجج الواضحات، تالله لئن أتيتهم بكل آية رجاء أن تقنعهم باتباع قبلتك ما اقتنعوا، ولا اتبعوك، ولست أنت تابعا لقبلتهم، قطعا لطمعهم في أن يعود النبي ﷺ إلى بيت المقدس، فإنهم كانوا يمنون أنفسهم برجوع النبي إليه، وكيف يرجى منهم اتباع قبلتك؟ وليست لهم قبلة واحدة فعيسى كانت قبلته مع موسى ولكن بعد موته وتحريف الإنجيل اتخذوا قبلة أخرى.
ثم هدد الله نبيه الكريم ورسوله الأمين بهذا التهديد حتى تعرف أمته خطر مخالفة كلام الله، واتباع أهواء الناس وممالأتهم على حساب الدين.
стр. 82
فقال: ولئن اتبعت يا محمد أهواء أهل الكتاب بعد ما ظهر لك الحق واضحا وعرفت الخير والشر إنك إذن لمن الظالمين لأنفسهم المستحقين العقاب في الدنيا والآخرة، وكيف تتبع هؤلاء؟ وهم يعرفون الحق كمعرفتهم أبناءهم أو أشد، وإن فريقا منهم ليكتمونه.. الحق من ربك، فما أنت عليه هو الحق، فلا تكن من الممترين.
حول تحويل القبلة [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٤٨ الى ١٥٢]
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)
стр. 83
المفردات:
سْتَبِقُوا
: تسابقوا. الْحِكْمَةَ: العلم النافع مع العمل.
كل هذا تأييد للدعوى وبطلان لكلام المنكرين.
المعنى:
لكل فريق من الأمم قبلة هو موليها وجهه، فلليهود قبلة، وللنصارى قبلة، وللمسلمين قبلة، فلم تكن جهة من الجهات قبلة لكل الأمم، وليست القبلة ركنا من أركان الدين، وليست مهمة لهذه الدرجة، وإنما المهم أن تتسابقوا إلى الخيرات حتى تحرزوا قصب السبق، لا أن تجادلوا وتعترضوا على تحويل القبلة، والله- سبحانه- يستوي عنده كل مكان فأينما تكونوا يأت بكم الله جميعا يوم القيامة فيحاسبكم على أعمالكم، والله على كل شيء قدير وفي هذا تهديد للمنكرين.
ثم أعاد الله- سبحانه- الأمر للنبي ﷺ بتولية وجهه جهة المسجد الحرام مرة ثانية. ثم أعاده مرة ثالثة، وليس في هذا تكرير، بل تأكيد للأمر بتحويل القبلة في صور مختلفة ليعلم أن التوجه إلى الكعبة ليس خاصا بوقت دون وقت وبمكان دون مكان في الحضر أو السفر، ولقد بنى القرآن على كل أمر ما يناسبه. فمع الأول أثبت أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أنه الحق، ومع الثاني بين أنه الحق الثابت من عند الله، ومع الأمر الثالث الحكمة في تحويل القبلة.
الحكمة الأولى: لئلا يكون للناس على الله حجة، فأهل الكتاب يعرفون أن النبي المبشّر به عندهم قبلته الكعبة فجعل القبلة إلى بيت المقدس دائما طعن في نبوته، والمشركون من العرب كانوا يرون أن نبيا من ولد إبراهيم- ﵇ جاء لإحياء ملته لا ينبغي له أن يستقبل غير بيت ربه الذي بناه جده إبراهيم، فقد جاء التحويل موافقا لما يرونه، فانتفت حجة الفريقين.
إلا الذين ظلموا أنفسهم فهم لا يهتدون بكتاب، ولا يؤمنون بحجة، ولا يعتدّون ببرهان لأنهم السفهاء فلا تخشوهم واخشون، وتشير الآية إلى أن صاحب الحق هو الذي يخشى وغيره يجب ألا ينظر إليه.
ثم ذكر- سبحانه- الحكمة الثانية في تحويل القبلة: ولأتم نعمتي عليكم إذ لا شك أن محمد بن عبد الله نبي عربي من ولد إبراهيم، والكتاب المنزل عليه عربي، وقد ظهر
стр. 84
في العرب، وهم أهله وعشيرته، وكانوا إذا آمنوا يحبون أن تكون وجهتهم الكعبة، وأن يحيوا سنة إبراهيم الخليل في تقديس الكعبة لأنها معبدهم وموطن عزهم وفخارهم، إذن التحويل نعمة تامة من الله لهم، وليتم نعمته عليكم ويهديكم صراطا مستقيما. ومع هذا فقد محص الله بها المؤمنين وظهر الثابت على الإيمان من المنافق.
الحكمة الثالثة: وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي: وليعدكم بذلك إلى الاهتداء والثبات على الحق وعدم المعارضة فيه.
أتم نعمته عليكم باستيلائكم على بيته الذي جعله قبلة لكم، كما أتمها عليكم بإرسال رسول منكم يتلو عليكم القرآن بلسان عربي مبين، ويطهركم من كل دنس ورجس وعبادة صنم، ويعلمكم ما به تسمو نفوسكم وتزكو من أشرف العلوم وأسناها، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من الإخبار بالمغيبات والقصص الذي لا يخلو من عبر وعظات، فاذكروني يا أمة الإجابة بالامتثال والعمل الصالح، والاقتداء بالرسل أجزكم على هذا، وأذكركم عندي بالثواب والجزاء وأفاخر بكم الملائكة، واشكروا نعمتي التي أنعمتها عليكم، ولا تكفروا بها فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وسيجازيكم عليه إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
الصابرون والمقاتلون في سبيل الله [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٥٣ الى ١٥٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)
стр. 85
المفردات:
الصَّلاةِ في اللغة: الدعاء، وهي من الملائكة الاستغفار، ومن الله الرحمة.
بِالصَّبْرِ الصبر: حبس النفس على ما تكره. لَنَبْلُوَنَّكُمْ: لنمتحننكم، أى:
نصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم. نقص الْأَنْفُسِ: موتها. نقص الثَّمَراتِ: قلّتها، وقيل موت الأولاد.
المعنى:
علم الله ما سيلاقيه المؤمنون في دعوتهم من الشدائد وما يصادفهم في أمور دينهم من أقوال السفهاء وافتراء أهل الكتاب كما حصل في تحويل القبلة وغيره وسيؤدي هذا إلى القتال حتما، ولا دواء لكل هذا إلا استعانة بالصبر والصلاة وتربية النفوس على تحمل المكروه في سبيل الله، ولقاء الكبير المتعال في كل صباح ومساء، أما الاستعانة بالصلاة فلا تحتاج إلى تعليل وبيان لأنها أم العبادات، وفيها لقاء المؤمن بربه لقاء يقوى روحه ويشد من أزره، ويضاعف من قوته، ومن هنا كان النبي ﷺ إذا حزبه- اشتد به- أمر همّ إلى الصلاة، وهي عند المؤمنين في المحل الأعلى:
«جعلت قرّة عيني في الصّلاة»
وأما الاستعانة بالصبر فلأن الله- سبحانه- أكد بأنه يكون مع الصابرين، وناهيك بمعيته- سبحانه- إذ المراد منها الولاية والنصرة وإجابة الدعوة وكفاهم فخرا أنهم متبعون في هذا.
يا أيها الذين آمنوا: استعينوا بالصبر، وثقوا تماما بأن عاقبته خير إذ غايته الاستشهاد في سبيل الله، وما هم أولاء الشهداء؟ ليسوا كغيرهم أمواتا بل هم أحياء في قبورهم حياة ويرزقون رزقا على كيفية الله أعلم بها، فنحن لا نشعر بذلك لأنها حياة لا تدرك بالمشاعر ولكنها حياة حدثنا عنها الدين فيجب أن نؤمن بها.
وليصيبنكم أيها المؤمنون بشيء قليل من الخوف والجوع والنقص في الأموال بضياعها، وفي الأنفس بموتها، وفي الثمرات بقلتها أو بموت الأولاد، اختبر الله بهذا لتهدأ قلوب المؤمنين وتسكن، مستسلمين إلى الله راضين بقضائه وقدره إذا ما أصابهم شيء من ذلك في الدنيا محتسبين الأجر عند الله قائلين: إنا ملك لله وإنا إليه راجعون.
البشرى والنجاح لهذا الصنف من الناس فإنهم الصابرون. وإنما يوفى الصابرون
стр. 86
أجرهم بغير حساب، أولئك تنزل عليهم المغفرة والرحمة ممن رباهم وتولى أمورهم، وأولئك هم المهتدون إلى الأفعال النافعة.
والأحاديث في الصبر والاسترجاع عند المصيبة كثيرة، منها
حديث أم سلمة «لا تصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول: اللهم أجرنى على مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا فعل ذلك به»
وما
يروى عنه ﷺ أنه قال: «قال الله: يا ملك الموت، قبضت ولد عبدى؟ قبضت قرّة عينه وثمرة فؤاده؟ قال:
نعم قال: فما قال؟ قال: حمداك واسترجع، قال: ابنوا له بيتا في الجنّة وسمّوه بيت الحمد» .
وما روى عن النبي ﷺ حينما مات إبراهيم: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»
فهذا هو نظام الدين إذا أصاب المسلم شيء يستسلم لقضاء ربه ويرضى بحكمه ويسترجع عند المصيبة، وعلى العموم لا يقول إلا ما يرضى ربه.
بعض شعائر الحج وجزاء من يكتم آيات الله [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٥٨ الى ١٦٢]
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)
стр. 87
المفردات:
الصَّفا وَالْمَرْوَةَ: جبلان بمكة. شَعائِرِ اللَّهِ: جمع شعيرة، وهي العلامة، والمراد بشعائر الله هنا: مناسك الحج. حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ الحج في اللغة: القصد، وفي الشرع: قصد مكة للنسك. وَالْعُمْرَةَ: الزيارة، واعتمر:
زار، وفي عرف الشارع هي كالحج لكن ليس فيها وقوف بعرفة وليس لها زمان محدود.
فَلا جُناحَ: فلا إثم. تَطَوَّعَ: فعل الطاعة فرضا أو نفلا. يُنْظَرُونَ:
من الإنظار وهو الإمهال.
المناسبة:
قد تكلم القرآن الكريم عن معاندة أهل الكتاب والمشركين في تحويل القبلة وما ترتب على ذلك من ذكر القتال والصبر وجزائه.
ومن الحكمة في تحويل القبلة توجيه أنظار المسلمين إلى مكة قلب الجزيرة، فناسب هنا ذكر بعض شعائر الحج وهي السعى بين الصفا والمروة: إلهابا لهم وتذكيرا بمكة.
سبب النزول:
روى البخاري عن عاصم بن سليمان: سألت أنسا عن الصفا والمروة؟ قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية- لأنه كان عليهما صنمان (أساف ونائلة) وكان الجاهليون يمسحون عليهما- فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما فنزل قول الله- :
إن الصفا ... إلخ.
المعنى:
إن السعى بين الصفا والمروة من مناسك الحج والعمرة ومن أعمالهما، فمن قصد البيت للحج أو للعمرة فلا إثم عليه أن يطوف بهما، أى: يسعى بينهما، ونفى الإثم والحرج يشمل الواجب والمندوب، ومن تطوع بعمل خير لم يجب عليه من طواف أو غيره شكره الله بالجزاء على فعله إذ هو عليم بكل فعل يصدر من العبد.
ثم رجع إلى اليهود فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وقد نزلت في علماء اليهود وأحبارهم.
стр. 88
إن الذين يخفون ما أنزل الله بكتمه على الناس مع شدة الحاجة إليه، أو وضع شيء مكذوب من عندهم مكانه فجزاؤهم الطرد من رحمة الله، وغضب الله عليهم، فاليهود قد كتموا الآيات الواضحات الدالة على صدق محمد ﷺ والآيات الهاديات إلى حقيقة أمره ووجوب اتباعه والإيمان به، كل ذلك من بعد ما بينها المولى- جل شأنه- ووضحها في التوراة ماذا يكون جزاؤهم؟ أليس هو الطرد من رحمة الله؟ ودعاء الملائكة أجمعين عليهم إلا من تاب منهم ورجع عن كتمان كلام الله، وأصلح ما أفسده بأن أزال ما وضعه من عنده، وكتب الأصل وبلّغ ما أنزل الله من غير تحريف ولا تبديل، فأولئك البعيدون في درجة الكمال بتوبتهم وإيمانهم يتوب الله عليهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم لأنه هو التواب الرحيم.
هذا شأن من تاب وأناب، ومن عاند وظل يغير ويحرف حتى مات!! فأولئك الذين كفروا بالله ورسله وماتوا على الكفر، أولئك عليهم لعنة الله وحقت عليهم كلمته وعليهم لعنة الملائكة والناس أجمعين خالدين في النار وماكثين مكثا الله أعلم به، لا يخفف عنهم من عذابها، ولا يمهلون.
ما تشير إليه الآية:
الإجماع منعقد على أن السعى بين الصفا والمروة من أعمال الحج والعمرة، والخلاف في حكمة فعن أحمد أنه سنة، وعن أبى حنيفة أنه واجب يجبر بدم، وعن مالك والشافعى أنه ركن
لقوله ﷺ : «اسعوا فإنّ الله كتب عليكم السّعى» «١» .
آية كتمان ما أنزله الله نزلت في اليهود، ولكن العبرة بعموم اللفظ، فمن كتم حكما شرعيا أو علما نافعا أو رأيا ناضجا خالصا لوجه الله والوطن دخل تحت طائلة هذا العقاب.
جمع ند، وهو النظير المخالف. يُحِبُّونَهُمْ: يعظمونهم كما يفعل المحب.
الْأَسْبابُ: الصّلات والعلاقات. كَرَّةً: رجعة. حَسَراتٍ:
ندامات.
المعنى:
بعد ما نعى القرآن على الكفار كفرهم، وعلى من كتموا الآيات كتمانهم، وأنهم ملعونون من الله والناس، وأراد أن يعالج الداء الذي يدفعهم إلى استمرار كفرهم، بإثبات الوحدانية لله بالدليل، وأنه رؤوف رحيم، وأن من الخير الالتجاء إلى الله وحده فقال:
وإلهكم- الذي يجب أن يعبد وحده، ولا يشرك به شيء- إله واحد، لا معبود بحق في الوجود إلا هو، الرحمن الرحيم بخلقه، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، وكيف لا؟ وهو الذي خلق السموات وما فيها من عوالم وأفلاك كل يجرى إلى أجل مسمى في مداره، ومع هذا نظمت تنظيما دقيقا بقدرته وعظمته: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ. وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ... [سورة يس الآيتان ٣٧ و ٣٨] .
وهناك الأرض وما بها من عوالم الحيوان والنبات والمعادن والأنهار تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز الحكيم، أفلا يدل هذا على صانع منفرد بالوحدانية؟ إذ لو كان له شركاء لاختلّ النظام وتبدل الحال ولاستحالت الحياة، أما دلالة هذه العوالم على رحمته فأمر ظاهر بيّن.
واختلاف الليل والنهار وطولهما وقصرهما وحرارتهما وبرودتهما واختلاف الفصول بسبب خطوط العرض والطول كل ذلك يدل على الواحد الرحمن الرحيم.
وهذه السفن الشراعية والبخارية التي تجرى على الماء وقد ذلل لها، لا بد لفهم كون الفلك دليلا على الوحدانية من فهم طبيعة الماء وطبيعة قانون الثقل في الأجسام، وطبيعة الهواء والبخار والكهرباء، كل ذلك يجرى بسنن إلهية مطردة تدل على أنها صادرة من قوة واحدة هي قوة الإله الواحد الرحمن الرحيم.
стр. 91
والمطر وما أدراك؟؟!! الذي يحيى الأرض بعد موتها، وانظر كيف يخرج من البحار والأنهار بخارا يتكاثف ويتجمع فيكون سحبا تثقل شيئا فشيئا ثم تسيرها الرياح حيث يشاء الله، ثم يسقط مطرا، أفلا يدل هذا على الواحد الأحد الفرد الصمد الرحمن الرحيم؟!! ومن آثار الماء النازل من السماء مطرا أن نشر في الأرض كل دابة: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [سورة الأنبياء آية ٢١] .
وانظر إلى قدرة الله ووحدانيته التي تفردت بتصريف الرياح وتدبيرها وتوجيهها على حسب الإرادة، فمرة من الشمال وأخرى من الجنوب وتارة حارة وأخرى باردة، فسبحان الله الواحد الرحمن الرحيم لا إله إلا هو!! وانظر إلى السحاب المذلل بين السماء والأرض كيف تكوّن وتجمّع؟ ثم تفرق بنزوله مطرا وتبدّد في الجهات التي أرادها له خالقه.
من الذي خلق هذا وأودع السر في هذه كلها؟؟ إن في ذلك لآيات دالات على الوحدانية والرحمة بالعباد، ولكنها آيات لقوم يعقلون.
ثم يذكر الله- تعالى- حال المشركين به في الدنيا وعاقبتهم في الآخرة، حيث جعلوا لله أمثالا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه! وهو الله لا إله إلا هو، لا ندّ له، ولا شريك معه، والذين آمنوا بالله ورسله أكثر حبا لله منهم، فتمام معرفتهم وحبهم وتعظيمهم له- سبحانه- أنهم لا يشركون به شيئا، بل يعبدونه وحده ويلجئون إليه في جميع أمورهم: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أما غيرهم فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله- سبحانه- مخلصين، وإذا ما نزلوا على الأرض اتجهوا إلى آلهتهم وقالوا:
ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فهم في الشدة مع الله وفي الرخاء يسوون به غيره، فإذن هم يحبون آلهتهم كحب الله، والذين آمنوا لا يحبون إلا هو، فهم أشد حبا لله.
ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم باتخاذهم الأنداد وإشراكهم بالله وقت صب العذاب عليهم صبا لعلموا حينئذ أن القوة لله وحده، وله الحكم لا شريك له. وأن الكل تحت قدرته ومن بينها الأصنام والأنداد، ورأوا أن الله شديد العذاب فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ. وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٥ و ٢٦] لو علموا هذا لانتهوا عما هم فيه.
стр. 92
ولو يرى الذين ظلموا وقت أن يتبرأ المتبوعون كالملائكة والجن من الذين اتبعوا وعبدوا غير الله فيتبرأ كل معبود ممن عبده، والحال أنهم رأوا العذاب، وتقطعت بهم الصلات والأنساب بل وقال الذين اتبعوا: نتمنى أن تكون لنا رجعة إلى الدنيا فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا وتركونا في الشدة، مثل ذلك رأوه رأى العين من العذاب يريهم الله جزاء أعمالهم حسرات عليهم وندامات وما هم بخارجين من النار أبدا!!
العلاج الناجع [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٦٨ الى ١٧٣]
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)
стр. 93
المفردات:
طَيِّباً: طاهرا من كل شبهة. خُطُواتِ الشَّيْطانِ يقال: اتبع خطواته:
إذا استن سنته وسار على طريقته. بِالسُّوءِ: السيّئ القبيح. الْفَحْشاءِ ما تجاوز الحد في القبح مما ينكره العقل ويستقبحه الشرع. ما أَلْفَيْنا: ما وجدنا.
يَنْعِقُ: يصوت على غنمه ويدعوها. الْمَيْتَةَ: ما ماتت من غير ذبح شرعي سواء أكانت موقوذة أو متردية أو نطيحة أكلها السبع. وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ:
الإهلال: الصراخ ورفع الصوت، والمراد: ما ذكر عليه اسم غير اسمه تعالى. غَيْرَ باغٍ: غير طالب للمحرم ذاته، وقيل: هو الخارج على المسلمين. وَلا عادٍ:
غير متجاوز قدر الضرورة، وقيل: المعتدى على المسلمين بقطع الطريق.
المعنى:
بعد ما سجل عليهم اتخاذ الأنداد والشركاء وأن المتبوع يتبرأ من التابع يوم يرى العذاب، ناداهم: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا أحله الله لكم طيبا لا شبهة فيه ولا إثم ولا يعلق به حق للغير مهما كان، واصرفوا نظركم عن ذلك المال الذي يأتيكم عن طريق الدين وتأخذونه من الأتباع فهو حرام خبيث لا يحل أكله.
وفي هذا إشارة إلى أن أكثر رجال الدين من أهل الكتاب لم يؤمنوا خوفا على الدنيا وأعراضها الفانية: من الرياسة الكاذبة والمال الزائل الحقير وإلى أن ما للأكل من أثر في توجيه النفس واتباع الشيطان.
وإياكم والشيطان الذي يوسوس لكم ويزين الشر إنه لكم- كما كان لأبيكم آدم- عدو ظاهر العداوة فلا تتبعوه وخالفوه إنه لا يأمر بالخير أصلا ولا يأمر إلا بالقبيح وكل ما ينكره الشرع ويأباه الطبع السليم والعقل الراجح، فها هي ذي أعمال الشيطان وأماراته فاحذروه ولا تتبعوه.
وخالف النفس والشيطان واعصهما ... وإن هما محّضاك النصح فاتّهم
والشيطان يأمركم أن تقولوا على الله ما لا تعلمون من أمور الدين.
ولكن حكم القرآن على المشركين وبعض اليهود أنه إذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله
стр. 94
على نبيه محمد ﷺ فهو خير لكم وأجدى قالوا: لا، إنما نحن نتبع آباءنا وهم أعقل وأدرى بالدين. عجبا أيتبعون آباءهم ولو كانوا لا يعقلون شيئا من أمور الدين بل يتخبطون تخبط الأعمى ولا يهتدون إلى الصواب.
ومثل داعي الذين كفروا إلى الإسلام كمثل الذي يدعو سوائمه، فكل من الكفار والبهائم لا يعي شيئا مما يسمع، وإنما يشعر بجرس اللفظ ورنينه فقط، لأن الكفار قد ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، فليس عندهم استعداد للخير أبدا. والبهائم لا عقل لها تعى به.
ما يؤخذ من الآية:
١- لا يحل لمسلم أن يأخذ ما لا يتعلق به حق الغير أو يأخذه بغير وجه شرعي.
٢- يجب على المسلم أن يخالف الشيطان فإنه داع للشر والسوء والفحشاء.
٣- لا يصح للمسلم أن يقلد غيره تقليد الأعمى بل ينظر على قدر طاقته وقوته في أمور دينه.
ما تقدم من أول السورة يتعلق بالقرآن ومؤيديه ومعارضيه ومن هنا إلى أواخر الجزء الثاني في الأحكام الفرعية التي تعنى بتكوين الفرد المسلم والمجتمع الإسلامى.
يا أيها الذين اتصفتم بالإيمان، كلوا مما رزقناكم أكلا طيبا ما دمتم غير معتدين على أحد، فكل شيء حلال لكم، واشكروا الله- سبحانه- خالق هذه النعم.
هذا هو نظام الإسلام، قد جعلنا أمة وسطا تعنى بالجسم، فنأكل ما نشاء حلالا طيبا بلا إسراف ولا تقتير لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما رزقناكم (الآية: ٨٧ من سورة المائدة) . وتعنى بالروح، فنغذيها بالشكر لله صاحب تلك النعم، فقد أباح الله لكم ثمرات الأرض وطيباتها إلا ما حرم.
وما حرم عليكم إلا الميتة فإنه بقي فيها دمها وقد يكون ملوثا بالأمراض كما هو الغالب، وحرم الدم المسفوح فإن النفوس الطيبة تأباه مع تلوثه بالجراثيم، وكذلك لحم الخنزير فإنه حيوان قذر لا يأكل إلا من القاذورات والنجاسات، والطب يؤيد خطره على الصحة، وما ذكر عليه غير اسمه- تعالى- عند الذبح فإنهم يذبحون في الجاهلية
стр. 95
للأصنام ويقولون عند ذبحها: «باسم اللات والعزى» ، ثم يضاف إلى هذا ما حرم في سورة المائدة، وكله محرم شرعا وذوقا وطبا لمصلحتنا، إلا من اضطر إلى أكل شيء من ذلك بأن لم يجد ما يبقى به رمقه فله أن يأكل ولا إثم عليه، بشرط ألا يكون طالبا المحرم لذاته، ولا باغيا، ولا متجاوزا الحد في سد جوعه فيأكل بقدر الضرورة فقط وبعض المفسرين على أنه يشترط فيه ألا يكون خارجا على المسلمين، ولا قاطع طريق لأن هذه رخصة لا تعطى للمعتدين فإذا نظرنا إلى أنه قد يهلك بسبب حرمانه تجاوزنا عن ذلك، والله غفور للزلة رحيم بعباده.
ما يستنبط من الآية:
كل ما في الأرض والبحر والجو من نبات وحيوان وسمك وطير حلال لنا إلا ما ذكر من المحرمات هنا وفي سورة المائدة وما نص عليه في كتب الفقه الإسلامى.
وللمضطر أن يأكل مما حرم قدر الضرورة.
موقف أهل الكتاب من القرآن والنبي [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧٤ الى ١٧٦]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)
стр. 96
المفردات:
يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا: يبيعونه بثمن قليل. يُزَكِّيهِمْ: يطهرهم.
شِقاقٍ الشقاق: المخالفة.
هذا موقف آخر لأهل الكتاب وأحبارهم بالنسبة للقرآن والنبي، وما قبله كان الكلام عليهم وعلى المشركين حيث حرموا بعض الحلال، وابتدعوا في الدين رهبانية وتقشفا.
المعنى:
إن الذين يكتمون ما أنزل الله- الكتاب المنزل عليهم من وصف النبي ﷺ وبيان زمانه وغير ذلك مما يشهد بصدق نبوته وكمال رسالته، فعلوا هذا حرصا على رئاسة كاذبة وعرض زائل- تراهم باعوا الخير والهدى بثمن بخس قليل لا ينفع، أولئك البعيدون في الضلال لا يأكلون في بطونهم إلّا ما هو موجب لدخول النار. ومن شدة غضب الله عليهم أنه لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يثنى عليهم بالخير كما يفعل مع أهل الجنة، وللكافرين عذاب شديد مؤلم في الدنيا والآخرة.
ثم أشار إليهم مرة ثانية دليلا على تمكنهم في الضلال فقد استبدلوا الضلالة بالهدى واستحقوا العذاب بدل المغفرة، فعجبا لهم وأى عجب لصبرهم على تعاطى موجبات دخول النار من غير مبالاة منهم!! ذلك العذاب الشديد الذي لحق بهم لأن الله نزل الكتاب بالحق، وأن الذين اختلفوا في كتب الله فقالوا: بعضهم حق وبعضهم باطل لفي خلاف بعيد عن الحق.
стр. 97
حقيقة البر [سورة البقرة (٢) : آية ١٧٧]
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)
المفردات:
الْبِرَّ: اسم جامع للخير ولكل فعل مرض. الْيَتامى اليتيم: من لا والد له وهو محتاج. الْمَساكِينَ: صنف من الفقراء المحتاجين الذين سكنت نفوسهم للرضا بالقليل، فالمسكين له مال لا يكفيه، وأما الفقير فلا مال له فيعطى من باب أولى. ابْنَ السَّبِيلِ: ابن الطريق، وهو المسافر المحتاج. وَفِي الرِّقابِ:
أنفق المال في فك الرقاب من قيد الرق. الْبَأْساءِ من البؤس: وهو شدة الفقر.
الضَّرَّاءِ: ما يضر الإنسان من مرض أو فقد محبوب. حِينَ الْبَأْسِ: وقت شدة القتال.
المعنى:
كثر الكلام والجدال حول تحويل القبلة من أهل الأديان، حتى شغل المسلمون بها، وغلا كل فريق في التمسك بقبلته، فأراد الله- أن يبين للناس كافة أن
стр. 98
مجرد تولية الوجه قبلة مخصوصة ليس هو البر المقصود، وإنما البر شيء آخر ليس في تولية الوجه جهة المشرق والمغرب، إنما هو إيمان بالله ورسوله إيمانا قلبيا صادقا كاملا مقرونا بالعمل، إيمان تطمئن به القلوب وتهدأ به النفوس، إيمان يحول بين النفس ودواعي الشر ومزالق الشيطان، فإذا وقع في المحرم سارع إلى التوبة الصادقة.
فالبر: الإيمان الكامل بالله واليوم الآخر على أنه محل للجزاء والثواب، فيكون هذا أدعى للقرب من الرحمن والبعد عن الشيطان، والإيمان بالملائكة على أنهم خلق من خلق الله سفراء بينه وبين رسله حملة الوحى وسدنة العرش، دأبهم الطاعة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.
والإيمان بالكتاب المنزل سواء كان زبورا أو توراة أو إنجيلا أو قرآنا يؤمن بما فيه كله لا يؤمن بالبعض ويكفر بالبعض كما يفعل أهل الكتاب.
والإيمان بالنبيين جميعا لا فرق بين نبي ونبي.
هذا أساس الاعتقاد الصحيح والإيمان الكامل، ثم لا بد معه من عمل يهذب النفس ويقوى الروح ويربط المجتمع برباط الألفة والمحبة والاتحاد والتعاون، ولقد أشار القرآن الكريم إلى الأمور العملية فيما يأتى:
إيتاء المال المستحق مع حبه له كما قال ابن مسعود: «أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش، وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت: لفلان كذا» نعم إيتاء المال مع حبه ذوى قرباه عصبا أو رحما لأنهم أحق من غيرهم ما داموا محتاجين: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وآتى اليتامى الذين فقدوا آباءهم ولا عائل لهم إلا الله، وآتى المساكين، والفقراء من باب أولى، وأعطى ابن السبيل الذي انقطع به الطريق حتى كأنه لا أب له ولا أم إلا الطريق، وآتى السائلين الذين يسألون بدون إلحاف مع الحاجة إلى المال: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أما من يتخذ السؤال حرفة ويجمع بسببه المال فلا يعطى، بل إن كان صغيرا أو قادرا على العمل ذكرا كان أو أنثى كان على الحكومة أن توجد له عملا، وبدل أن تعطيه قرشا ويظل فقيرا ساعده على إيجاد عمل له.
ومن البر العملي إنفاق المال في الرقاب الأسيرة بالرق أو الأسيرة بالحرب بأن يعين
стр. 99
من يريد الخلاص: بماله أو جاهه، فالدين شغوف جدّا بالحرية الكاملة لكل فرد، ولكل أمة.
ومنه إقامة الصلاة كاملة مقومة تامة الأركان والشروط مع الاستحضار القلبي الذي يبدأ بقولك: الله أكبر، وينتهى بالسلام.
ومنه البر والوفاء بالعهد فإنه من آيات الإيمان، وضده من آيات النفاق كما ورد:
«آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» .
ونهاية الصفات وأعلى درجات البر والإيمان: الصبر: في البأساء والضراء وحين البأس، فالصبر نصف الإيمان، بل الدليل على الإيمان الكامل أن يصبر الإنسان ويحتسب أجره عند الله في الفقر وشدته، والضر وإصابته، وحين القتال وقوته، ولا شك أن هذه هي المواقف التي يظهر فيها الإيمان الكامل.
أولئك الموصوفون بما ذكرهم الصادقون في الإيمان، وأولئك البعيدون في درجة الكمال، هم المتقون عذاب الله الفائزون بثوابه.
حق الله في المال
الله- جمع في هذه الآية صورتين للإنفاق: صورة فيها إعطاء لمال محددا معينا على كيفية مخصوصة، وهو ما يعبر عنه بالزكاة المقيدة وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ.
وصورة أخرى وهي إعطاء المال من غير تقييد ولا تحديد بل ترك تقييده وتحديده لحال الأمة، وهو ما عبر عنه: آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى ويسمى بالزكاة المطلقة، وفي هذا إشارة إلى أن المال يتعلق به حق معلوم، وآخر يترك للظروف وما تستدعيه الحال.
أليس هذا علاجا للأزمات النفسية التي بين الفقراء والأغنياء، أليس هو الدواء الناجع لبطر الأغنياء وشحهم بالمال؟ أليس معناه أن هناك حقا في يد الحاكم يفرضه على الأغنياء للفقراء حتى تهدأ نفوسهم وتسكن؟ أليس الدين بهذا قد حل المشكلة من ثلاثة عشر قرنا: المشكلة بين الرأسمالية والشيوعية!!
стр. 100
ألا يا قوم والله لا خير إلا في هذا الدين فإنه دواء من حكيم عليم، في الرأسمالية عيوب لا تحصى، وفي الشيوعية عيوب لا تحصى، ولكن الحال الوسط والرأي المعتدل في الجمع بين الناحيتين بلا إفراط ولا تفريط كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [سورة آل عمران آية ١١٠] .
القصاص وأثره [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٧٨ الى ١٧٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)
المفردات:
الْقِصاصُ والقود: هو أن يفعل بالجانى مثل ما يفعل بالمجني عليه. فِي الْقَتْلى: بسبب القتلى. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ: فمن عفى له من أخيه وهو ولى الدم شيء من العفو. فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ: فليكن اتباع للجاني بالمعروف من غير شطط. وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ: وتأدية من جهة الجاني إلى المجنى عليه من غير تعب ولا مماطلة.
سبب النزول:
كان بين حيين من العرب نزاع وقتال، وكان أحدهما يتطاول على الآخر فحلف ليقتلن الحر بالعبد والذكر بالأنثى، واحتكموا إلى النبي ﷺ فنزلت الآية.
стр. 101
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم القصاص بسبب القتلى، يقتص من القاتل بمثل ما فعل مع ملاحظة الأوصاف، فيقتل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى وقد بينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى، أما الحر بالعبد ففيه خلاف: فالشافعي ومالك أن الحر لا يقتل بالعبد أخذا بهذه الآية. ويقولون: إنها مفسرة لما أبهم في آية المائدة: أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ «١» وعند أبي حنيفة هذه الآية منسوخة بآية المائدة، القصاص ثابت بين العبد والحر والذكر والأنثى بدليل
قوله ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم» «٢»
والجماعة تقتل بالواحد باتفاق «٣» .
ويشترط في القصاص التوافق في الدين فلا يقتل المسلم بالكافر، وهذا الحكم عند ما يحتكمون إلى القاضي، وإلا فلوليّ الدم أن يعفو عن القصاص ويأخذ الدية أو يعفو عنهما معا، بل إذا عفا الولي عن بعض الدم للقاتل، أو عفا بعض الورثة عن القصاص سقط ووجبت الدية، وعندئذ يطالب بها بالمعروف من غير شدة ولا عنف، وعلى القاتل الأداء بالمعروف من غير مماطلة ولا تسويف.
وجواز القصاص والدية والعفو عن كليهما تخفيف من الله لنا ورحمة بنا، فمن اعتدى بعد ذلك بأن يطالب بالقصاص والدية. أو إذا طولب القاتل بالدية ماطل واعتدى. فلمن فعل هذا نوع من العذاب مؤلم غاية الألم.
ولكم في القصاص حياة عظيمة للجماعة، تشيع فيها الطمأنينة والهدوء والسكينة فكل شخص يعرف أنه إذا قتل غيره قتل فيه امتنع عن القتل، فيحيا القاتل والمقتول وهذا القصاص يمنع انتشار الفوضى والظلم في القتل، وهو سبب في منع الجرائم والحزازات، وحدّ للشر وسلّ للسخيمة.
وهذه العبارة أبلغ من قول العربي: (القتل أنفى للقتل) وأدل على المقصود وأظهر في الموضوع، وكل قصاص فيه حياة سامية، والقتل إذا كان فيه عدل كان أنفى للقتل، وإن كان فيه ظلم يكون أدعى للقتل.
стр. 102
الوصية [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٨٠ الى ١٨٢]
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)
المفردات:
الْوَصِيَّةُ: أن يوصى من أوشك على الموت ببعض ماله لأقاربه. بَدَّلَهُ:
غيّره. جَنَفاً: ميلا عن الحق والعدل. خَيْراً: المراد: المال الكثير كما فسرته السيدة عائشة.
المعنى:
فرض الله عليكم فيما فرض: إذا أشرف أحدكم على الموت، وقد ترك مالا كثيرا أن يوصى للوالدين والأقارب وصية عادلة، فلا يزيد على ثلث ماله.
ولا يفضل غنيا لغناه، ويعدل في الوصية فلا يميز أصلا إلا لضرورة كعجز عن الكسب أو اشتغال بالعلم، إذ عدم العدل يسبب البغضاء والنزاع بين الورثة، فمن غيّر الوصية بعد ما سمعها وشهد عليها فإنما ذنب هذا التغيير عليه، والله سميع لكل قول عليم بكل فعل، فاحذروا عقابه وارجوا ثوابه، فمن علم من موص ميلا عن الحق خطأ أو عمدا. فله أن يصلح بين الموصى والموصى له أو بين الورثة والموصى لهم بأن يجعل الوصية شرعية عادلة لا ظلم فيها، ولا ذنب عليه في ذلك والله غفور رحيم.
стр. 103
ملاحظة:
هذه الآية منسوخة بآية المواريث
وبقوله ﷺ : «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث»
بقي الأقارب غير الوارثين يستحب أن يوصى لهم من الثلث استئناسا بهذه الآية ولشمولها وتوكيدها،
ولقوله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه» .
الصيام وفرضه [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٨٣ الى ١٨٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)
стр. 104
المفردات:
الصِّيامُ في اللغة: الإمساك، وفي عرف الشرع: إمساك عن الأكل والشرب والجماع من الفجر إلى غروب الشمس احتسابا لوجه الله. يُطِيقُونَهُ لا يقال: هو يطيق حمل نواة أو ريشة وإنما هو يطيق حمل قنطارين من الحديد مثلا إذا كان يحملها بمشقة وشدة، فالذين يطيقون الصوم هم الذين يتحملونه بمشقة وجهد، ويؤيد هذا قراءة يطوقونه، وذلك كالكبير المسن والحامل والمرضع والعامل في العمل الشاق الشديد وهو مضطر إليه. لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ: لتعظموه وتشكروه.
المعنى:
الصيام رياضة روحية، وعمل سلبي للنفس، وتهيئة للتقوى بالمراقبة في السر والعلن، وتربية للإرادة، وتعويد للصبر وتحمل المشاق، ولذا قيل: الصوم نصف الصبر، وهو شاق على النفس حقيقة، شديد عليها أن تحرم مما في يدها، ولذا نرى القرآن الكريم يتلطف في الأمر منه.
إذ ناداهم بوصف الإيمان المقتضى للامتثال والمسارعة فيه، ثم قال: إنه فرض عليكم كما فرض على الذين من قبلكم من الأمم، فاقبلوه كما قبله غيركم، ثم هو مطهرة للنفس ومرضاة للرب فرضه عليكم لعلكم به تتقون الله، وهو أيام معدودات قلائل في العام شهر واحد:
«لو علمت أمتى ما في رمضان من الخير لتمنت أن يكون السنة كلها» «١» .
وليس واجبا إلا على القادر والمستطيع الصحيح، وأما المسافر والمريض فلا حرج عليهما في الفطر لأن المرض والسفر مشقة والمشقة تجلب التيسير، وعليهما القضاء، ولم يحدد القرآن السفر ولا المرض لأن هذا يختلف باختلاف الأحوال، ولو علم الله خيرا في التحديد لحدد، ولكنه متروك لضميره ودينه.
وقيل: السفر الذي يصح فيه الفطر وقصر الصلاة قدر بحوالى ثمانين كيلو مترا.
ومن يتحمل الصوم بمشقة شديدة كالشيخ المسن والمريض مرضا مزمنا لهما الفطر وعليهما الفدية، وهي طعام المسكين يوما من القوت الغالب الشائع في البلد، والحامل
стр. 105
والمرضع إن خافتا على أولادهما فقط لهما الفطر، وعليهما القضاء والفدية، وإن خافتا على أنفسهما ولو مع أولادهما لهما الفطر، وعليهما الفدية أو القضاء.
فمن تطوع وأطعم أكثر من مسكين لليوم الواحد فهو خير له وأحسن.
وصيامكم أيها المتحملون للصوم بمشقة خير لكم إن كنتم تعلمون أن الصوم خير وأجدى.
ثم أراد القرآن أن يحببنا في الصوم أكثر فقال: هذه الأيام القليلة هي شهر رمضان، وهو شهر مبارك ميمون، فيه ابتدأ الله نزول القرآن الذي هو هدى للناس وآيات بينات واضحات لا غموض فيها من جملة ما هدى الله به وفرق بين الحق والباطل.
وبعضهم فسر نزول القرآن في شهر رمضان، وأنه أنزل في ليلة القدر المباركة التي هي خير من ألف شهر. بأن القرآن نزل إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، وليلة القدر في شهر رمضان.
أما وقد ظهر أن الصوم نعمة من الله وتكليف لمصلحة العباد، فمن حضر منكم الشهر وهو سليم معافى لا عذر له من سفر أو مرض فالواجب عليه الصيام، إذ هو ركن من أركان الدين، ثم أعاد الله الرخصة في الإفطار مرة ثانية خوفا من أن يفهم الناس بعد هذا الواجب الصريح: فَلْيَصُمْهُ أنه لا يجوز الفطر لعذر وخاصة بعد هذه المرغبات الكثيرة.
شرع لكم الرخصة في جواز الإفطار مع العذر الشرعي لأنه يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وما جعل عليكم في الدين من حرج، وأمركم بالقضاء والفدية لأنه يريد أن تكملوا عدة هذا الشهر، وإنما أباح الفطر مع الفدية أو القضاء، وعلمنا كيف نخرج من الحرج مع الوفاء، لنكبر الله ونعظمه ونشكره على تلك النعم، وفقنا الله للخير.
стр. 106
بعض أحكام تتصل بالصيام [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٨٦ الى ١٨٧]
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)
المفردات:
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي: فليلبّوا دعوتي إياهم للإيمان. يَرْشُدُونَ: يهتدون.
الرَّفَثُ: الفحش من الكلام، أو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، أطلق على الجماع لأنه لا يخلو منه غالبا. هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ: الزوجان كل منهما لباس للآخر لأنه يستر صاحبه كما يستر اللباس ويمنعه من الفجور. تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ:
تخونونها.
стр. 107
المعنى:
١-
روى أن أعرابيا سأل النبي ﷺ : أبعيد ربنا فنناديه أم قريب فنناجيه؟ فنزلت الآية.
ولا تنس الحكمة في وضعها بعد آيات الصوم..
سبب النزول:
وإذا سألك يا محمد عبادي عنى فإنى قريب منهم أعلم أعمالهم، وأرقب أحوالهم وهو تمثيل لحالة القرب: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ أجيب دعوة من دعاني مخلصا لي قد شفع دعاءه بالعمل الخالص لوجه الله.
وإذا كان الأمر كذلك فليلبوا دعوتي لهم بالإيمان بي، أجيب دعوتهم وأجازيهم على ذلك أحسن الجزاء لعلهم بهذا يهتدون إلى الخير النافع لهم.
٢-
روى أنهم كانوا في بدء الإسلام إذا أمسوا حل لهم الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلوا العشاء أو يرقدوا، فإذا صلوها أو رقدوا حرم عليهم كل هذا، ثم إن عمر- رضى الله عنه- باشر زوجته بعد العشاء، وندم بعد ذلك ندما كثيرا، وأخبر النبي ﷺ بما حصل واعترف بالذنب، فنزلت الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ.
أحل الله لكم في الليلة التي تصبحون فيها صائمين مباشرة نسائكم والاجتماع بهن، وقد سمى القرآن الجماع رفثا وخيانة لقبح ما حصل منهم قبل نزول الآية.
والحكمة في الترخيص بهذا أن النساء مخالطون للرجال مخالطة الثوب للجسد بل أشد، كل يستر صاحبه ويقيه من السوء، وقد علم الله أن صبركم عنهن مع أنهن كاللباس أمر عسير وشاق، وقد كنتم تخونون أنفسكم بمباشرتهن فتاب عليكم وعفا عنكم، فالآن جامعوهن ليلا، وكلوا واشربوا حتى يظهر لكم نور الفجر المعترض في الجو مع ظلام الليل فهو أشبه بالخيط الأبيض مع الخيط الأسود، ثم أتموا الصيام إلى دخول الليل.
ولا تباشروا نساءكم بالجماع أو اللمس مع الشهوة وأنتم معتكفون في المساجد فإن ذلك يبطل الاعتكاف، إذ في الاعتكاف لا فرق بين الليل والنهار.
تلك حدود الله ومحارمه التي تشبه الحدود الفاصلة فلا تقربوها فضلا عن تخطيها وانتهاك حرمتها.
стр. 108
قال رسول الله ﷺ : «ألا وإن لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» «١» .
مثل ذلك البيان الفاصل يبين الله آياته للناس لعلهم بهذا يهتدون إلى طريق الخير والرشاد.
الرشوة وأكل أموال الناس بالباطل [سورة البقرة (٢) : آية ١٨٨]
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)
المفردات:
تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ: تلقوا بها إليهم. بِالْإِثْمِ: شهادة الزور واليمين الفاجرة أو ما هو أعم من ذلك.
المعنى:
نهانا الله أن نأكل أموال بعضنا بالباطل وبدون وجه حق، ونهانا أن نلقى بالأموال إلى الحكام مستعينين في ذلك بالدفاع الباطل، والرشوة التي تعطى لبعض أصحاب النفوس القذرة الحقيرة من الحكام ليصل صاحبها إلى غرضه.
ولا شك أن كثرة التقاضي بالباطل وشيوع الرشوة في الأمة مقبرة لها بل خطرها على الأمة أشد من اليهود.
وكيف يجوز لمسلم أن يأكل مال أخيه المسلم بالإثم والزور والبهتان والرشوة وهو يعلم أنه حرام ولا يأكل في بطنه إلا النار.
واعتبروا أيها الحكام والقضاة والمتخاصمون
بقول الرسول الأمين للمتخاصمين:
стр. 109
«إنما أنا بشر مثلكم، وأنتم تختصمون الىّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من الآخر فأقضى له على نحو ما سمعت فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنّ منه شيئا فإنما أقضى له قطعة من نار» »
فبكى المتخاصمان وقال كل واحد منهما: حقّى لصاحبي.
اختلاف أشكال القمر [سورة البقرة (٢) : آية ١٨٩]
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)
المفردات:
الْأَهِلَّةِ: جمع هلال، وهو القمر في بعض حالاته. مَواقِيتُ جمع ميقات، والوقت: هو الزمن المضروب لأمر من الأمور، كوقت الصلاة والصيام مثلا،
روى أنهم سألوا النبي ﷺ عن العلة في أن القمر يبدو دقيقا كالخيط ثم لا يزال يكبر حتى يصير بدرا ثم يصغر حتى ينمحى
، وهذا سؤال وجه من بعض الصحابة للنبي ﷺ وهو لا يليق لأن النبي لم يبعث معلما للرياضة والعلوم الكونية التي منها أسباب أطوار الهلال، على أن الطاقة العقلية التي كانت موجودة حينئذ تعتبر الكلام في مثل هذا الموضوع ضربا من الجنون، ولذلك أجيب السائل بما يصح أن يسأل عنه في هذا الموضوع تنبيها له وإرشادا. وليس معنى هذا أن الدين لا يحب البحث ولا العلم، فالله يقول: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (١٠١ سورة يونس) . إلى غير ذلك من الآيات التي توجب النظر والفكر والتعليم. وإنما القرآن له مهمة جاء لها وهي تكوين الفرد المسلم ذاته وتكوين مشاعره وسلوكه وروابطه وبناء شخصيته وضميره ووجوده
стр. 110
على أسس إسلامية سليمة، وتكوين المجتمع الإسلامى على دعائم قويمة، ومتى وجدا طالب المسلم بالنظر والعلم والبحث الدقيق، إذا فليس من مهمة القرآن الكلام في المسائل العلمية وإن أتى بنظريات علمية فهي عارضة ولا تتعارض مع العلم في شيء.
فمن سأل هذا السؤال كمن يأتى البيوت من ظهورها ولذا كان الجواب على طريقة الأسلوب الحكيم: قل لهم يا محمد: إنها معالم يؤقت بها الناس أعمالهم وتجارتهم ومزارعهم وعبادتهم من صوم وحج وعدة ... إلخ.
والتوقيت بالسنة القمرية سهل في الحساب ومناسب للعرب، وقد كان أناس من الأنصار إذا أحرموا بالحج لم يدخلوا الدور من الباب فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته وإن كان من أهل الوبر دخل من خلف الخباء، فقيل لهم: ليس البر هذا، ولكن البر من اتقى الله وخاف عقابه، ثم أمرهم بأن يأتوا البيوت من أبوابها ويتقوا الله في كل شيء رجاء أن يكونوا من المفلحين.