بلسان الحال لا بلسان المقال فاعتبروا يا أولى الأبصار واضرب لهم رجلين مثلا هذا بيانه: جعلنا لأحدهما وهو الكفار بستانين من الكروم المتنوعة، وجعلنا النخل محيطة بهما، وجعلنا وسطها زروعا حتى يجمعا بين القوت والفاكهة وهما بهذا الوضع لهما الشكل الأنيق، والوضع السليم.
كلتا الجنتين آتت أكلها كاملا غير منقوص شيئا، وقد فجر الله وسط كل حديقة نهرا على حدة ليسقيها بلا تعب ومشقة، ويزيدهما بهاء وروعة، وكان لهذا الكافر ثمر ومال من غيرهما إذ كان من الأثرياء الكبار.
فقال يوما لصاحبه: وهو يحاوره ويجادله شأن كل غنى مغرور مع مؤمن فقير صالح،
وقد روى أنهم أخوان ورثا مالا أما الكافر فاستغله في أرض ودار وزوجة وخدم وحشم وأما المؤمن فأنفق نصيبه في سبيل الله.
يا أخى: أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا وأكثر خدما وولدا، ودخل مع صاحبه جنته الواسعة العريضة، الجنة ذات الجناحين الجنة التي ليس له غيرها إذ هي متاعه في الدنيا وليس له في الآخرة من نصيب، دخلها وهو ظالم لنفسه معجب بما أوتى، مفتخر به كافر بالنعمة، معرض بذلك نفسه لسخط الله وهو أفحش أنواع الظلم: وماذا قال؟
قال لطول أمله وشدة حرصه، وتمام عقله، وكثرة غروره بها قال: ما أظن أن تبيد وتفنى هذه الجنة أبدا، وما أظن الساعة قائمة فيما سيأتى، وأقسم لئن رجعت إلى ربي على سبيل الفرض، أو كما يزعم صاحبنا المؤمن لأجدن جنة خيرا من هذه الجنة مرجعا وعافية، وأقسم لقد سمعنا من جهلتنا المنتسبين للإسلام مثل هذا القول «غنى الدنيا غنى الآخرة» فهم لسوء فهمهم يظنون أن اليسار والغنى إنما يعطى في الدنيا لاستحقاقه ذلك إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً.
وما علم هذا المغرور أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة وإلا ما سقى الكافر منها جرعة ماء، وإن الإنسان قد يعطى استدراجا.
وماذا قال له أخوه المؤمن؟ قال وهو يحاوره: يا أيها الإنسان: أكفرت بالذي خلق أباك الأول من تراب ثم خلقك أنت من نطفة ثم سواك فعدلك رجلا سويا؟! أبعد هذا تقول: ما أظن الساعة قائمة يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ الآية من سورة الحج.
стр. 1332
لكن هو الله ربي وحده لا شريك له، له الحكم وإليه ترجعون.
يا أخى هلا إذا دخلت جنتك قلت ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، الأمر ما شاء الله لا غير،
روى عن النبي ﷺ : من رأى شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره.
فبدل أن تقول: ما أظن أن تبيد هذه أبدا، وهذه المقالة لا تصدر إلا من شخص مغرور مأفون يظن أن له قوة وحولا، وأن الأمر بيده لا بيد الله، وأنه الزارع الذي أعطى هذا الزرع عن علم وتجربة، وأن سماده ونظامه هما اللذان أنتجا! ألا بئس ما يفهم الناس في دنياهم!! إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا في هذه الدنيا الفانية فعسى ربي أن يؤتينى خيرا من جنتك وأبقى يوم القيامة.
وأما جنتك فيرسل عليها عذابا مقدرا في حسابه فتصبح أرضا قاحلة ملساء لا شيء فيها أو يصبح ماؤها غائرا لا تدركه الأيدى بأى شكل ولا تستطيع له طلبا فضلا عن إدراكه، وقد كان فأحيط بثمره وهلك كل ماله فأصبح يقلب كفيه ندما وأسفا على ما ضاع منه، يعض بنان الندم على ما فرط منه. والحال أنها خاوية على عروشها أى:
سقطت الكروم على عروشها الممهدة لها.
ويقول: نادما ليتني لم أشرك بربي أحدا، ولم تكن له فئة تنصره من دون الله إذ هو القادر وحده على دفع العذاب، وما كان هو في حد ذاته منتصرا بنفسه.
هناك: وفي هذه الحال التي يؤمن فيها البر والعاجز النصرة من الله وحده، والسلطان لله وحده، هو الحق ﵎، خير ثوابا وخير عقبى للعباد المتقين.
مثل الحياة الدنيا [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٥ الى ٤٦]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦)
стр. 1333
المفردات:
هَشِيماً مهشوما مكسورا. تَذْرُوهُ الرِّياحُ تفرقه وتطيره. وهذا مثل آخر للدنيا وبيان لصفتها العجيبة التي هي كالمثل حتى لا يغتر بها المغترون.
المعنى:
واذكر لهم صفة الدنيا التي هي كالمثل في الغرابة وهي كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض، فنبت الزرع واخضر واختلط بعضه من كثرته وتكاثفه فأصبح ذلك النبات الغض الوارف صاحب الظل الدائم، والبهجة والمنظر أصبح هشيما تذروه الرياح حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [سورة يونس آية ٢٤] . ولا غرابة في هذا فالله على كل شيء قدير.
وأما ما كانوا يفتخرون به من مال وبنين فهذا عرض زائل، ومتاع حائل، وزينة الدنيا الفانية، ولعل تقديم المال على البنين لأنه أدخل في باب الزينة من الأولاد.
وليس لأحد أن يفتخر بها حيث كانت لهذا فقط بل الباقيات الصالحات من الأعمال الخيرية خير وأبقى عند ربك إذ ثوابها عائد على صاحبها، وخير أملا حيث ينال بها صاحبها في الآخرة كل ما كان يؤمله.
стр. 1334
من مشاهد يوم القيامة [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٧ الى ٤٩]
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩)
المفردات:
وَحَشَرْناهُمْ الحشر: الجمع لأجل الحساب، والبعث: إحياؤهم من القبور للحشر. فًّا
مجتمعين غير متفرقين.
المعنى:
واذكر يوم نسير الجبال وهي كالعهن المنفوش بعد أن كانت ساكنة في نظر العين، وهذه إشارة إلى تبدل الحال، وتغير الوضع في الدنيا، وترى الأرض بارزة ليس فيها ما يسترها من جبال وأنهار وشجر وبنيان، وقد ألقت ما فيها من كنوز ودفائن، وأخرجت أثقالها، وبرز ما في جوفها، وحشرناهم جميعا، وجمعناهم إلى الموقف من كل مكان. فلم نغادر من الخلائق أحدا، وعرضوا على ربك صفا واحدا بلا تفرق واختلاف، وقد شبهوا بالجند حيث يعرضهم القائد، وهم وقوف منتظرون الأمر قلنا
стр. 1335
لهم: لقد جئتمونا فرادى مجيئا كمجيئكم وقت أن خلقناكم أول مرة حفاة عراة وبلا ولى ولا نصير، ولا شفيع معين وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ [سورة الأنعام آية ٩٤] بل، إضراب انتقال من حديث إلى حديث، زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا نجازيكم بأعمالكم فيه، وهذا خطاب لمنكري البعث للتقريع والتوبيخ والتأنيب.
ووضع الكتاب، والمراد به: الصحائف التي تكتب فيها أعمال الإنسان من خير وشر، فترى المجرمين الذين ارتكبوا السيئات خائفين وجلين مما فيه ويقولون: يا ويلتنا داعين أنفسهم بالويل والهلاك: ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؟!! ووجدوا ما عملوا حاضرا مكتوبا فيه، ولا يظلم ربك أحدا، إذ مبدأ الثواب والعقاب مما يقتضيه العدل الإلهى، وعدم الظلم حتى يعطى المحسن جزاءه كاملا، ويأخذ المسيء جزاءه غير ناقص.
توجيهات إلهيّة [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٠ الى ٥٣]
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠) ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣)
стр. 1336
المفردات:
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ فخرج عما أمره به. عَضُداً أى: عونا لي.
مَوْبِقاً أى: حاجزا فهو اسم مكان، وقيل: موبقا أى: مهلكا لهم.
المعنى:
واذكر وقت أن قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم والمراد ذكر ما حصل في الوقت لا نفس الوقت.
وقصة السجود لآدم قد مرت بنا مرارا، وإنما كان تكريرها ليقف الإنسان على ما حصل لأبيه آدم، وموقف إبليس منه، وكيف كان سبب التعب له وخروجه من الجنة ولا يزال هو مصدر الفسوق والعصيان لأنه أقسم ليغوينهم أجمعين، وكان له ذلك إلا العباد المخلصون فليس له سلطان عليهم.
أمر الله الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا طائعين لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ولا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، أما إبليس اللعين فكان من الجن فلم يعمل مثل ما عملوا، وقال كيف أسجد له؟ وأنا خير منه، وترتب على كونه من الجن أنه فسق عن أمر ربه وخرج عن حدود ما أمر به.
وهذه الآية تثبت أن إبليس من الجن، وفي آية أخرى الإشارة إلى أنه من الملائكة، وليس فيهم تعارض إذ قد يطلق على الملائكة أنهم جن من حيث استتارهم والله- يعجب ممن يطيع إبليس وجنده في الكفر والمعاصي بعد أن علم موقفه من أبينا آدم، وما هو عازم عليه بالنسبة لنا، أفتتخذونه وذريته وأعوانه أولياء تقتدون بهم، وتسمعون لهم يا عجبا لكم ثم عجبا، أفتتخذون أولياء من دون الله، وهو لكم عدو من قديم، بئس للظالمين الذين يضعون الأمور في غير موضعها الذين يستبدلون طاعة الشيطان بدل طاعة الرحمن بئس البدل بدلا لهم.
ما أشهدت هؤلاء الشركاء الذين وسوس لكم إبليس في شأنهم حتى اتخذتموهم شركاء، ما أشهدتهم خلق السموات والأرض، ولا أشهدتهم خلق أنفسهم، ولو كانوا شركاء لشهدوا ذلك، إذن فليسوا لي شركاء أبدا.
стр. 1337
وما كنت متخذ الضالين من الشركاء والشياطين عضدا لي وعونا في خلق شيء.
واذكروا يوم يقول المولى لهم تأنيبا: نادوا شركائى الذين زعمتم أنهم شركاء، وقد فعل المشركون ما أمروا به، ودعوهم فلم يستجيبوا لهم في شيء فضلا عن أنهم لم ينفعوهم في شيء، وجعلنا بينهم مكانا سحيقا بعيد الغور، وهذا يصح إذا أردنا بالشركاء عيسى وعزير والملائكة، وإذا أريد بالشركاء الأصنام والأوثان فقد جعلنا بينهم حاجزا وصلتهم بهم هلاكا لهم وأى هلاك، ورأى المجرمون النار واقعة بين أيديهم فأيقنوا أنهم مخالطوها بالوقوع فيها، ولم يجدوا عنها معدلا، ولا مكانا يتحولون فيها، لأن النار قد أحاطت بهم من كل جانب..
إنذار وتخويف [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٤ الى ٥٩]
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (٥٥) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨)
وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩)
стр. 1338
المفردات:
قُبُلًا جمع قبيل والمراد أنواعا أو عيانا. لِيُدْحِضُوا ليزيلوه ويبطلوه مأخوذ من إدحاض القدم أى: عند إزالتها عن مكانها. مَوْئِلًا أى: منجى وملجأ من قولهم وأل إذا نجا ووأل إليه إذا لجأ إليه.
المعنى:
هذا القرآن هدى للناس، وبينات من الهدى والفرقان. صرف الله معانيه الجليلة وأغراضه السامية التي تدعو إلى الإيمان بالله وبرسوله، والتي تشبه في الغرابة والحسن والجمال والروعة المثل الذي يهز القلوب، ويحرك النفوس صرفه وكرره للناس ولمصلحتهم، ولكنهم لم يتقبلوه بالقبول الحسن، وكان الإنسان أكثر الأشياء جدلا وخصومة. ومماراة في الحق، يعنى أن جدل الإنسان أكثر من جدل كل مجادل فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [سورة النحل آية ٤] .
وما منع الناس، أى: أهل مكة من أن يؤمنوا وقت أن جاءهم الهدى والنور من القرآن، وما منعهم من أن يستغفروا ربهم من أجل الكفر والمعاصي، ما منعهم عن الإيمان والاستغفار مانع أبدا في الواقع حيث جاءهم نور القرآن وتفصيله الآيات البينات.
ولكن طلبهم إتيان سنة الأولين لهم وهي عذاب الاستئصال بإلحاحهم في طلب آيات أخرى، أو يأتيهم عذاب يوم القيامة أنواعا مختلفة إذ ماتوا، أو يأتيهم العذاب معاينة ومقابلة هو السبب في عدم إيمانهم، وليس في القرآن ما يدعو إلى الكفر، وإن كان الإنسان مجبولا على حب الجدل المفرط، وقيل المعنى: إنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون إلا عند نزول عذاب الاستئصال بهم أو عذاب الآخرة.
стр. 1339
وما نرسل المرسلين إلى الأمم إلا حالة كونهم مبشرين المؤمنين بالثواب، ومنذرين الكفار والعصاة بالعقاب، هذه هي مهمة الرسل مع أممهم، ويجادل الكفار بالباطل حيث يقترحون الآيات بعد ظهور المعجزات، ويقولون للرسل: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً [سورة المؤمنون آية ٢٤] .
واتخذوا آيات ربهم، وما أنذروا به من القوارع الناعية عليهم العقاب والعذاب، اتخذوها هزؤا.
ولا أحد أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها عنادا واستكبارا، ولم يتدبرها، ونسى ما قدمت يداه مما عمل في الكفر والمعاصي المجادلة بالباطل والاستهزاء بالحق، وعدم التفكر في العواقب، ومن كان كذلك فهو أظلم من كل ظالم، وقد كان حسدهم وتكبرهم، وتمسكهم بالتقاليد الباطلة وحبهم للرياسة الكاذبة، والعرض الفاني بمثابة الأكنة والحواجز على قلوبهم: وإسنادهم إلى الله قوله: جَعَلْنا للدلالة على ثبوتها ودوامها عندهم.
إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفهموه فهما دقيقا عميقا، وجعلنا في آذانهم وقرا وصمما عن سماع الحق وتدبره، وهؤلاء لن يكون منهم اهتداء أبدا، وإن تدعهم إلى الهدى بكافة الطرق فلن يهتدوا إذا أبدا.
وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من المعاصي التي منها مجادلتهم بالباطل وإعراضهم عن الآيات، وعدم مبالاتهم بعمل السيئات.
لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب في الدنيا ولكن الله أراد غير ذلك. بل لهم موعد حدده الله في يوم بدر مثلا لن يحيدوا عنه ولن يجدوا من دونه ملجأ يلجئون إليه.
وهذه هي القرى التي كانت فيها عاد، وثمود، ومدين، وقوم لوط، أهلكناهم لما ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي، وجعلنا لهلاكهم موعدا لا محيد عنه فاعتبروا يا أولى الألباب ولا تغتروا يا أهل مكة بتأخير العذاب..
المفردات:
لِفَتاهُ هو يوشع بن نون، وموسى هو نبي بنى إسرائيل بن عمران- ﵇. لا أَبْرَحُ لا أزال سائرا. مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ والبحران البحر الأسود والبحر الأبيض، وقيل: هما بحر الأردن وبحر القلزم. وقيل غير ذلك والله أعلم.
حُقُباً جمع حقبة وهي زمان من الدهر غير محدود. سَرَباً السرب كالنفق الذي يتخذه الضب ونحوه في الأرض وهو كالكوة المحفورة في الأرض. قَصَصاً أى: قاصين الأثر متتبعين السير. رُشْداً وقرئ رشدا وهو الوقوف على الخبر وإصابة الصواب. خُبْراً علما بالشيء، والخبير العالم بالخفايا. أَمْراً عظيما يقال أمر أمر ابن فلان إذ عظم واشتد. تُرْهِقْنِي لا تكلفني عسرا. نُكْراً أى: ينكره الشرع والعقل. يُضَيِّفُوهُما يعطوهما حق الضيافة. يَنْقَضَّ أى: يسقط بسرعة. فَأَقامَهُ فسواه وعدله.
стр. 1342
لما سأل اليهود النبي ﷺ عن قصة أصحاب الكهف، وقالوا لقريش: إن أخبركم بها فهو نبي مرسل وإلا فلا. ذكر ﷺ قصة موسى والخضر تنبيها على أن النبي لا يلزمه أن يكون عالما بجميع القصص والأخبار، وقد يؤخر الفاضل عن المفضول وهذه القصة رويت في أحاديث كثيرة، وأتمها وأكملها ما روى عن ابن عباس عن طريق سعيد بن جبير، وهي ثابتة في الصحيحين.
قال ابن عباس ما معناه: حدثنا أبى بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إن موسى قام خطيبا في بنى إسرائيل فسئل: أى الناس أعلم؟ فقال أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه، إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى يا رب فكيف لي به قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو هناك، فأخذ حوتا فجعله في مكتل. ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع ابن نون حتى أتيا صخرة، ووضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت وسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا، فصار المار عليه مثل الطلق وكأنه دخل في كوة الحائط.
فلما استيقظ نسى صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كانا من الغد، قال موسى لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا وتعبا فقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة بالأمس فإنى نسيت الحوت، وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، واتخذ طريقه في البحر اتخاذا أثار عجب الناس. نعم كان للحوت في البحر سرب، ولموسى وفتاه عجب ومراد فتى موسى بقوله (أرأيت؟) تعجب موسى- ﵇ مما اعتراه هناك من النسيان.
فقال موسى: ذلك ما كنا نبغى ونطلب، وهذا طلبنا، فارتدا على آثارهما قاصين الأثر متتبعين سيرهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوبه فسلم عليه موسى.
فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟
قال موسى: أنا موسى. قال: موسى نبي إسرائيل؟ قال: نعم. قال: أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا. قال: إنك لن تستطيع معى صبرا إذ كيف تصبر على شيء يخالف ظاهره شريعتك. قال موسى: ستجدني إن شاء الله صابرا غير عاص لك أمرا.
فقال له الخضر: فإن اتبعتنى فلا تسألنى عن شيء وعن سره حتى أحدث لك منه كرا فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة فكلموهم أن يحملوهم
стр. 1343
فحملوهم فلما ركبا في السفينة فوجئوا بقلع لوح من السفينة فقال له موسى: ما هذا قوم حملونا بغير أجر تعمد إلى سفينتهم فتخرقها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا عظيما في الجرم.
قال الخضر: ألم أقل إنك لن تستطيع صبرا على. قال موسى: لا تؤاخذني بنسياني، ولا تكلفني أمرا عسيرا على.
ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فقتله. فقال موسى: أتقتل نفسا زاكية طيبة لم تأثم بغير نفس، أى:
بغير قصاص لقد جئت شيئا منكرا. قال الخضر: ألم أقل لك إنك لن تستطيع صبرا على عملي وزيادة (لك) لزيادة التأنيب على عدم الصبر.
قال موسى: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني فقد أعذرتنى حيث خالفتك ثلاث مرات وهذا كلام النادم ندما شديدا.
فانطلقا حتى إذ أتيا أهل قرية وطلبوا منهم طعاما بأسلوب الضيافة فأبوا أن يعطوهما شيئا.
فوجدوا فيها جدارا، أثر السقوط فيه ظاهرة حتى أشبه إرادة السقوط بسرعة هذا الجدار قد أقامه الخضر وعدله قال موسى منكرا: لو شئت لاتخذت عليه أجرا يكفى لطعامنا.
قال الخضر: هذا الإنكار هو فراق اتصالنا ونهاية اجتماعنا وسأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا، وأخبرك بالواقع الذي دفعنى إلى العمل وإن خالفت الظاهر الذي تعرفه يا موسى.. ومن هذه القصة نفهم ما يجب أن يكون عليه المتعلم بالنسبة إلى أستاذه وكيف يسافر ويتأدب معه إلى آخر ما فيها
.
стр. 1344
جواز ارتكاب أخف الضررين [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧٩ الى ٨٢]
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢)
المفردات:
لِمَساكِينَ المسكين: من يملك شيئا لا يكفيه، والفقير أسوأ حالا منه وَراءَهُمْ مَلِكٌ أمامهم ملك والمراد بورائهم: أنه غائب عنهم وإن كان أمامهم، ويصح أن يكون المراد خلفهم على الأصل يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً يكلفهما بسبب حبهما له تجاوزا عن حدود الدين، وكفرا بالله زَكاةً طهارة رُحْماً رحمة وحنانا يَبْلُغا أَشُدَّهُما أن يصلا إلى كمال عقلهما ورأيهما وتمام رجولتهما..
стр. 1345
وهذا تفسير للمسائل الثلاث التي حصلت من الخضر بحضور موسى، ﵉، ولم يستطع صبرا عليهما لأنها تخالف شريعته في الظاهر.
ومن هنا نعرف أن الشرائع كلها مبنية على الظواهر العامة، والله وحده هو الذي يتولى السرائر، وهذا هو
الرسول ﷺ يقول: «أمرت أن أحكم بالظّاهر»
وفي حديث آخر يقوله لمن تعجل في الحكم وقتل من شهد الشهادتين:
«وهلّا شققت عن قلبه» !!
فموسى نبي صاحب شريعة يحكم بالظاهر على أن إفساد السفينة، وقتل الغلام تصرف في حق الغير على جهة الإفساد من غير سبب ظاهر، وإقامة الجدار فيه تحمل تعب ومشقة من غير سبب ظاهر ولهذا اعترض على صاحبه الخضر، وكرر الاعتراض.
أما الخضر فعالم علمه الله من لدنه علما ببواطن الأمور، وأوقفه على بعض الأسرار الخفية التي تبيح مخالفة الظاهر، ولذا كانت مرتبة الخضر العلمية فوق مرتبة موسى في هذه المسائل، والعلم ببواطن الأمور مرده إلى قوة النفس وصفائها وإشراقها والوحى هو الأستاذ الأول في ذلك، ويظهر- والله أعلم- أن الخضر نبي.
وقد جرى الخضر على أن المسائل الثلاث فيها تعارض بين ضررين: ضرر بسيط، وضرر جسيم، ففعل الأول دفعا للثاني، والذي علمه ذلك هو رب العالمين العليم الخبير وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وليس لنا الآن أن ندعى العلم ببواطن الأمور التي تخالف الشرع، فتلك مرتبة مردها إلى قوة النفس ونزول الوحى!! ولسنا من أهلها.
المعنى:
أما السفينة التي خرقتها. وأنكرت علىّ ذلك يا أخى. فقد كانت لمساكين محتاجين يعملون في البحر للتجارة وصيد الأسماك وهي مرتزقهم في الحياة، وكان لهم ملك جبار ظالم نهم يأخذ لنفسه كل سفينة صالحة، ويغتصبها غصبا من أهلها بدون الرجوع إلى حق أو قانون.
فأردت أن أعيبها عيبا بسيطا حتى لا يستولى عليها الملك الظالم، وتبقى للمساكين فأنا لم أعمل سوءا، وإنما ارتكبت أخف الضررين وأحسن الأمرين بالنسبة لهما.
стр. 1346
وأما الغلام الذي قتلته، واعترضت علىّ بأنى قتلت نفسا زكية طيبة بغير ذنب ولا جريرة فأنت معذور في هذا، ولكن اعلم أنى قتلته لأن الله أطلعنى على مستقبله، وأنه إذ بلغ فسيقع في المنكرات، ويؤذى الأفراد والجماعات وسيتعصب له أبواه وهما مؤمنان، ويدفعان شر الناس عنه، ويكذبانهم، وهذا يسبب لهما الفسوق والعصيان ويجرهما إلى الكفر والطغيان، وهما المؤمنان الصالحان، ولكن حب الولد غريزة.
فخشينا أن يكلفهما عسرا، ويدفعهما إلى الطغيان والكفر فقتلته رجاء أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وطهارة، وأقرب رحمة وعطفا بأبويه.
فأنا لم أعمل سوءا، وإنما ارتكبت أخف الضررين فقتله ضرر وبقاؤه أضر، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
وأما الجدار الذي أقمته، وتعبت فيه، بلا سبب ظاهر فها هي ذي قصته: إنه لغلامين يتيمين في المدينة، وتحته كنز لهما، وكان أبوهما صالحا، وصلاح الآباء ينفع الأبناء إلى حد محدود، فأراد ربك الكريم الذي تعهدك وأنت رضيع وقد ألقتك أمك في البحر، أراد ربك أن يحفظ لهما الكنز حتى يكبرا، ويتقلدا أمرهما فأمرنى بإقامة الجدار إذ لو سقط لضاع الكنز، فكان ذلك رحمة من الله وعطفا، وهو الرحيم الودود.
وما فعلت ذلك كله عن أمرى واجتهادي، ولكنه الوحى من الله والتوفيق منه إلى ذلك، وذلك تأويل وتفسير ما لم تستطع عليه صبرا.
قصة ذي القرنين [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٣ الى ٩٨]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧)
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢)
حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧)
قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)
стр. 1347
المفردات:
ذِكْراً ما به تتذكرون وتتعظون مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً السبب في الأصل الحبل تم استعمل في كل ما يتوصل به إلى المقصود عَيْنٍ حَمِئَةٍ عين ذات طين
стр. 1348
أسود نُكْراً أى: منكرا شديدا الْحُسْنى أى: الجنة سِتْراً أى:
حاجزا يسترهم سَدًّا هو ما يسد به خَرْجاً أى خراجا والخراج يشمل الضريبة وغيرها بِقُوَّةٍ بعدد قوى من الرجال الصناع رَدْماً الردم كالسد إلا أنه أكبر منه وأمتن ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ما جعلني فيه مكينا من كثرة المال واليسار زُبَرَ الْحَدِيدِ أى: قطع الحديد بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ هما جانبا الجبل قِطْراً أى: نحاسا مذابا أَنْ يَظْهَرُوهُ يعلوه ويصعدوا عليه نَقْباً أى:
خرقا دَكَّاءَ مستويا بالأرض.
هذا هو السؤال الثالث الذي سأله اليهود للنبي ﷺ وهو بمكة بواسطة بعض المشركين، وذو القرنين الذي سألوا عنه هل هو الإسكندر المقدونى الذي ظهر قبيل الميلاد؟ بهذا قال بعض العلماء محتجا بأن هذا هو الذي بلغ ملكه أقصى المغرب وأقصى المشرق وأقصى الشمال. وقيل: ليس هو بل غيره من اليمن، ويظهر- والله أعلم- أنه ليس هذا ولا ذاك وإنما هو عبد صالح أعطاه الله ملكا واسعا عريضا وأعطاه الحكمة والهيبة والعلم النافع ونحن لا نعرف من هؤلاء؟ ولا في أى وقت ظهر، وسياق القصة ومخاطبة الله له في أوله إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً وقوله أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً، ويدل على أنه لم يكن الإسكندر المقدونى فإنه لا يمكن أن يصدر منه ما نسبه القرآن إليه مما يدل على التوحيد والإيمان بل كان عبدا صالحا كما قلنا وهل هو نبي أو خوطب على لسان نبي، الله أعلم، وعدم ثبوت ذلك تاريخيا ليس يضيرنا في شيء فالتاريخ إلى الآن لا يزال يثبت أشياء كانت مجهولة له والحفريات التي يقوم بها علماء الآثار شاهد صدق على ما قلناه، على أن الذي ينم به القرآن من قصته أنه سيتلو علينا منه ذكرا لا خبرا تاريخيا!!
المعنى:
ويسألونك عن ذي القرنين، ولم يكن يعرف العرب من أخباره شيئا أبدا ولكن الله- سبحانه- أمر نبيه بقوله: قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً وعبرا وموعظة إنا مكنا له في الأرض، وجعلنا له قدرة ومكنة على التصرف فيها، وآتيناه من أسباب كل شيء أراده في ملكه سببا وطريقا موصلا إليه فأتبع سببا يوصله إليه حتى بلغه.
стр. 1349
وقد أراد بلاد المغرب فأتبع سببا يوصله إليها حتى بلغها، وكذلك بلاد المشرق، وبلاد الشمال التي فيها السد.
حتى إذا بلغ مغرب الشمس أى: نهاية الأرض من جهة الغرب وجد الشمس تغرب في عين حمئة ذات ماء وطين أسود، ولعل ذا القرنين لما بلغ ساحل البحر من جهة المغرب وجد الشمس كذلك في نظره.
وإنى لأذكر لك رأى الإمام الرازي في كتابه الفخر «إنه ثبت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء محيطة بها، ولا شك أن الشمس في الفلك، وأيضا قال: ووجد عندها قوما، ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير ممكن، وأيضا الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟ إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله- تعالى-: فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ من وجوه، الأول: لما بلغ موضعها في المغرب، ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحريرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر. هذا هو التأويل الذي ذكره أبو على الجبائي في تفسيره انتهى كلام الفخر ص ٥١١ ج ٥ ثم ذكر تأويلات أخرى غير معقولة وغير مقبولة تمسك القلم عنها وأظن الرأى الذي ذكرناه عن الفخر يتفق مع نظريات العلم الحديث في كثير.
ووجد عندها قوما هاله كفرهم، وكبر عليه بغيهم وظلمهم قد عاثوا في الأرض الفساد، وسفكوا الدماء، وأطاعوا أنفسهم وشياطينهم فاستخار الله في أمرهم فخيره ربه بين أمرين قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً إما أن تختار القتل والإبادة لهم جزاء كفرهم وطغيانهم، وإما أن تمهلهم وتدعوهم بالحسنى فاختار ذو القرنين الإمهال والدعوة وقال: أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى والمعنى:
أنه أقام فيهم مدة ضرب فيها على يد الظالم، ونصر المظلوم، واقام العدل، ودعا إلى الله.
وبدا له أن يتجه إلى المشرق فسار غازيا مجاهدا منصورا وأتبع لذلك سببا حتى بلغ مطلع الشمس، وأقصى العمران من جهة المشرق، وهناك وجد أقواما تطلع الشمس
стр. 1350
عليهم، وليس لهم ساتر يسترهم منها جبال أو بيوت أو شجر وهذا يتصور في البلاد الصحراوية. ولعلهم كانوا على نصيب كبير من الجهل والفوضى.
أمر ذي القرنين كذلك كما وصفناه لك، وهو تعظيم له ولشأنه، وقد أحطنا بما لديه من الجند وأسباب الظفر والملك خبرا وهذا يفيد كثرة ما لديه.
ثم بدا له أن يتجه إلى الشمال فأتبع سببا لذلك حتى وصل إلى بلاد بين جبلين يقال إنهما بين أرمينيا وأذربيجان، وقيل غير ذلك.. ويسكن تلك البلاد أقواما لا تكاد تعرف لغتهم إلا بصعوبة، وقد جاوروا يأجوج ومأجوج قبائل من سكان سهول سيبريا الشمالية وهم قوم مفسدون في الأرض على جانب من الفوضى والبدائية.
أما أصحاب السد فحينما رأوا ذا القرنين، وما هو عليه من جاه وسلطان، وما معه من جند وعتاد قالوا له: يا ذا القرنين، إن يأجوج ومأجوج قوم مفسدون في الأرض ويسعون فيها بالفساد، قوم كالوحوش أو أشد؟ فهل نجعل لك جعلا على أن تجعل بيننا وبينهم سدّا حتى لا يصلوا إلينا بحال.
ولكن ذا القرنين رجل مطبوع على حب الخير ومفطور على الصالح من الأعمال ومع هذا قد مكنه الله في الأرض، وأعطاه الكثير من المال والثروة فقد أجابهم إلى سؤالهم، ورد عطاءهم قائلا: ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ثم طلب إليهم أن يعينوه بالرجال والعمال.
فحشدوا له الحديد والنحاس والخشب والوقود حتى وضعوه مكان السد ثم أوقدوا النار فيها وأفرغ على ذلك كله ذائب النحاس مرة بعد مرة حتى استوى بين الجبلين سد منيع.
فما استطاع يأجوج ومأجوج وقبيلهما أن يعلوه ويظهروا عليه لارتفاعه وملاسته وما استطاعوا له نقبا لقوته وسمكه، وأراح الله منهم شعوبا كانت تتألم منهم كثيرا.
أما ذو القرنين فما إن رأى السد منيعا حصينا حتى هتف قائلا هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.
ويمكننا أن نقول إن أقصى المشرق وأقصى المغرب وأقصى الشمال هذا بالنسبة للمعمورة في ذلك الوقت السحيق لا بالنسبة للمعروف في ذلك الوقت، وليس لنا
стр. 1351
أن نقول أين هذا السد الآن وأين مكانه؟ فتلك أزمان بعيدة موغلة في البعد وقد قال الله فإذا جاء وعد ربي جعله أرضا مستوية فعدم وجوده دليل على أن الوعد جاء، ولم يعد للسد وجود، والله أعلم بكتابه.
عاقبة الكفر يوم القيامة [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩٩ الى ١٠٦]
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣)
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦)
المفردات:
يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ماج الناس إذا دخل بعضهم في بعض حيارى كموج البحر والمراد أنهم يضطربون ويختلطون فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي غطاء الشيء ما يستره من جميع جوانبه، والمراد بذكر الله آياته الكونية والقرآنية وذكرها تدبرها وتفهم معانيها نُزُلًا جعلنا جهنم لهم مهيأة كالنزل الذي يعد ويهيأ للضيف فَحَبِطَتْ أصل الحبوط انتفاخ بطن الدابة عند تغذيتها بنوع سام في الكلأ ثم هلاكها وما أشبه العمل
стр. 1352
الضار الذي ينفخ صاحبه ثم يهلك به بالحبوط وَزْناً المراد لا نعبأ بهم، ولا يكون لهم عندنا قدرة.
وهذا رجوع إلى الأساس الأول في السورة وهو إثبات البعث.
المعنى:
يقول الحق- ﵎: وتركنا عبادنا يوم يأتيهم وعدنا الذي وعدناهم بأنا ندك الجبال دكا، وننسفها عن الأرض نسفا، فنذرها قاعا صفصفا تركناهم يومئذ يموج بعضهم في بعض كموج البحر مضطربين مختلطين، وذلك في أول أيام القيامة، ونفخ في الصور النفخة الأولى فصعق من في السموات والأرض أى: مات وهلك حتى الملك الذي نفخ فيه ثم نفخ فيه أخرى- وهي المراد هنا- فإذا هم قيام ينظرون ماذا يحل بهم بدليل قوله- تعالى- فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً فإن الفاء تشعر بذلك والمعنى:
جمعنا الخلائق بعد تلاشى أبدانهم ومصيرها ترابا جمعا تاما على أكمل صفة وأبدع هيئة.
وعرضنا جهنم يومئذ على الكافرين عرضا، لا يكون ذلك إلا بإبرازها وإظهارها حتى يشاهدوها، وما فيها، وفي هذا تنكيل بهم، وإيلام لهم، وأى إيلام؟
هم الكافرون الذين كانت أعينهم القلبية في غطاء وساتر عن آياتي التي يشاهدها من له عقل رشيد، وقلب سليم فيذكر الله بالتوحيد والتمجيد، وآيات الله تشمل آياته الكونية والقرآنية.
وكانوا لا يستطيعون سمعا لكلام الله، وكلام رسوله وصدق الله، فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ. وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ.
أكفروا فحسبوا أن يتخذوا عبادي كالملائكة وبعض الخلق من دوني أولياء؟ فظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبير آيات الله، وتعاميهم عن قبول الحق؟! أكافيهم أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء؟! لا يكفيهم هذا ولن ينفعهم كما ظنوا، ولا غرابة في ذلك لأن الله أعد جهنم للكافرين وهيأها لهم كما يهيأ المنزل للضيف، وفي هذا استهزاء بهم وأى استهزاء؟
стр. 1353
قل لهم يا محمد: هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وخاب فألهم فيها، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، الذين يعبدون الله على غير الحق فيدخلون في الدين ما ليس فيه، وهم يحسبون أنهم على الحق وغيرهم على الباطل، وهؤلاء هم التاركون لكتاب الله وسنة رسوله المفارقون للجماعة.
أولئك الذين كفروا بآيات ربهم التكوينية والتنزيلية وكفروا بلقائه فحبطت أعمالهم، وبطلت وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً. [الفرقان ٢٣] . وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً [الغاشية ٢- ٤] فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا، وليس لهم قدر، ولا نعبأ بهم، وذلك جزاؤهم جهنم بسبب كفرهم واتخاذهم آيات الله ورسله هزوا فلم يؤمنوا بها ... وهكذا يكون مآل كل خارج عن حدود الدين..
عاقبة الإيمان والعمل الصالح [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨)
المفردات:
الْفِرْدَوْسِ أعلى مكان في الجنة وأوسعه وأفضله، وقال المبرد: الفردوس- فيما سمعت من العرب- الشجر الملتف، والأغلب عليه أن يكون من العنب حِوَلًا أى: تحولا.
وهذا هو الإيمان المصحوب بالعمل الصالح، وعاقبته بعد بيان الكفر والفسوق ونهايته لعل الناس يتعظون.
المعنى:
إن الذين آمنوا إيمانا عميقا بعد فهمهم الدين فهما روحيا خالصا وعملوا الصالحات الباقيات: هؤلاء كانت لهم جنات الفردوس التي هي أعلى مكان في الجنة، وأرفع مرتبة
стр. 1354
فيها قد أعدت لهم إعدادا كاملا وهيئت لهم كما يهيأ المنزل للنزيل والضيف، حالة كونهم فيها خالدون ومقيمون إلى ما شاء الله وهم لا يبغون عنها تحويلا، ولا تتجه نفوسهم، إلى أحسن منها لأنها جمعت كل حسن، وحازت كل وصف، فتبارك الله أحسن الخالقين، وذلك فضل ربك وعطاؤه.
كمال علمه واحاطته بكل شيء [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٩ الى ١١٠]
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠)
المفردات:
مِداداً المداد ما يكتب به. وسمى بذلك لإمداده الكاتب، وفيه معنى زيادة ومجيء الشيء بعد الشيء لَنَفِدَ الْبَحْرُ لفرغ البحر وانتهى مَدَداً أى: زيادة.
سئل النبي ﷺ عن أصحاب الكهف والرقيم، وعن الروح وعن ذي القرنين، وأوحى الله إليه بالإجابة عن هذه الأسئلة التي قصد بها إحراجه وفي ختام السورة تعرض القرآن لبيان علمه- سبحانه- المحيط بكل شيء الذي لا يتناهى عند حد لبيان قدرته وتكوينه مع بيان موقف النبي ﷺ وأنه بشر أوحى إليه وهنا يتطامن الإنسان أمام علم الله وقدرته.
والمهم ليس كثرة السؤال وإنما العمل للقاء رب الأرباب مع البعد عن نواحي الإشراك.
المعنى:
قل لهم يا محمد: لو كان البحر مدادا يكتب به وكتبت كلمات علم الله به لنفد
стр. 1355
البحر وفرغ، ولم تنفد كلمات الله العليم الخبير العزيز الحكيم، لو لم تجيء بمثله مددا وزيادة، ولو جئنا بمثله مددا وزيادة، إذ لا حصر لكلمات الله لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية عند حد، وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «١» وتذييل هذه الآية التي تشبه آياتنا تماما بقوله تعالى عَزِيزٌ حَكِيمٌ يشير إلى أن المراد بكلمات الله كلماته التكوينية التي هي قوله للشيء كن فيكون أى التي بها الإيجاد والخلق، وإيجاد الله وخلقه للأشياء لا حد له أبدا ولا نهاية له أصلا إذ هو الخالق دائم الإيجاد في الدنيا كما ترى، وفي الآخرة ليتم نعيم المؤمنين، وعذاب الكافرين الذين هم فيه خالدون ومداد البحر مهما كان فهو محدود، وله نهاية والله أعلم بكتابه.
قل لهم: إنما أنا بشر مثلكم تماما لا علم لي بشيء أبدا لم أحضر عند معلم، ولم أقرأ كتابا ولم أجلس لإنسان يهديني لهذا الذي أجبتكم به، ولكن أوحى إلى، وعلمني ربي من لدنه علما، ومما أوحى إلى أنما إلهكم إله واحد، لا شريك له فانظروا إلى مصيركم! فمن كان يرجوا لقاء ربه ويحبه ويؤمن به حقا فليعمل عملا صالحا ينفعه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، وعليه ألا يشرك بعبادة ربه أحدا كائنا ما كان.
стр. 1356
سورة مريم
وهي مكية كلها على القول الصحيح، نزلت بعد فاطر، وعدد آياتها ثمان وتسعون آية. وتهدف إلى تقرير مبدأ التوحيد لله ونفى الشريك والولد عنه وإثبات البعث، وتتخذ القصص مادة لذلك، ثم تعرض لبعض المشاهد يوم القيامة، ومناقشة المنكرين للبعث.
قصة زكريا [سورة مريم (١٩) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩)
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)
стр. 1357
المفردات:
كهيعص تقرأ هكذا: كاف. ها. يا. عاين. صاد. مع إدغام نون عاين في الصاد خَفِيًّا لا جهر فيه وَهَنَ الْعَظْمُ يقال وهن العظيم يهن إذا ضعف اشْتَعَلَ المراد انتشر انتشارا يشبه اشتعال النار الْمَوالِيَ هم في هذا الموضع الأقارب الذين يرثون من بنى العم ونحوهم.
مهلا بنى عمنا موالينا ... لا تنشروا بيننا ما كان مدفونا
عاقِراً المرأة التي لا تلد رَضِيًّا مرضيا عندك، ومرضيا عنه في الدنيا وراضيا بقضاء الله وقدره سَمِيًّا قيل لم نسم أحدا قبله بيحيى، وقيل لم نجعل له مثلا ولا نظيرا مأخوذ هذا المعنى من المساماة والسمو عِتِيًّا يقال عتا الشيخ يعتو عتيا إذا انتهى سنه وكبر، وشيخ عاتا إذا صار إلى حال اليبس وجفاف العظم والعصب.
المعنى:
لقد افتتحت السورة بهذه الأحرف الخمسة المقطعة. والله أعلم بها. هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا، وكان نبيا عظيما من أنبياء بني إسرائيل، وفي صحيح البخاري:
كان نجارا يأكل من عمل يده، والمراد بذكر الرحمة بلوغها وإصابتها، وإجابته لدعائه وقت أن دعا ربه نداء خفيا مستترا لأنه أبعد عن الرياء.
وفيه طلب الولد وهو عجوز، وقد يلام على ذلك من قومه، وعلى العموم فالرحمة الربانية تعبق رائحتها في جو هذه السورة.
قال زكريا: يا رب إنى وهن العظم منى، وضعفت وخارت قواي، وذكر العظم لأنه عمود البدن وقوامه وأساس بنائه فإذا وهن تداعى البدن، وتساقطت قوته،
стр. 1358
واشتعل الرأس منى شيبا بمعنى اضطرم المشيب في سواد رأسى، وانتشر بياض الشعر في سواده كما ينتشر شعاع النار في الهشيم فيضطرم لهيبا، وهذا التركيب فيه استعارة من أبدع الاستعارات وأحسنها، ولم أكن بدعائك يا ربي شقيا وخائبا في وقت من الأوقات بل كلما دعوتك استجبت لي، وهذا من أكبر النعم عليه.
نرى زكريا- ﵇ جمع في دعائه بين إظهار الخضوع والذلة والضعف ثم ذكر النعم عليه من ربه فيستحب لمن يدعو أن يفعل مثله.
وإنى خفت الموالي من ورائي خفت على عصبتي وأبناء عمى من أن يضيعوا الدين فطلبت ولدا يقوم عليه ويحرسه، ولا يعقل أنه خاف منهم أن يرثوه فهذا حال لا يليق بأمثاله.
وكانت امرأته- أخت حنة أم مريم- عاقرا لا تلد وإذا كان الأمر كذلك فهب لي من لدنك وليا يرثني، ويرث من آل يعقوب النبوة والعلم والمحافظة على الدين والدعوة إليه، واجعله يا رب راضيا مرضيا عنه في الدنيا والآخرة وقد أجيب إلى ما سأل في دعائه فقيل له:
يا زكريا إنّا نبشّرك بغلام اسمه يحيى هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ سورة آل عمران الآيتان ٣٨ و ٣٩] .. لم يجعل له من قبل سميا فلم يسم أحد قبله بهذا الاسم، وقيل لم نجعل له سميا وشبيها وهذا المعنى يؤيده قول الله فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [سورة مريم آية ٦٥] أى شبيها.
وهذا زكريا: وقد فرح فرحا شديدا حين أجيب إلى سؤاله، يتعجب ويسأله عن كيفية الولادة مع أن امرأته عاقر لا تلد، وهو كبير في السن وضعيف في البنية، وليس سؤال استبعاد على القدرة.
قال رب كيف يكون لي ولد؟!! وكانت امرأتى عاقرا، وقد بلغت من الكبر عتيا.
قال الله- سبحانه- أو قال الملك المبلغ: الأمر كذلك من خلق غلام منكما وأنتما على حالكما.
стр. 1359
قال ربك: هو علىّ هين أى: خلق غلام منكما وأنتما بهذا الوضع علىّ هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا قبل خلقك، ولا غرابة في ذلك فهذا آدم أبو البشر خلق ولم يك شيئا.
قال: رب اجعل لي آية تدل على حمل امرأتى قال: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال وأنت سوىّ الخلقة ليس بك مانع يمنعك من الكلام، قال المفسرون: إن نفسه تاقت إلى سرعة الأمر فسأل الله آية يستدل بها على قرب ما من به عليه، وقد أجيب ليعلم وقت العلوق.
فخرج على قومه من المحراب «وهو مصلاه واشتقاقه من الحرب كأن صاحبه يحارب النفس والشيطان» فأوحى إليهم أن سبحوا وصلوا في الصباح والمساء. فتلك أوقات يقبل الله فيها على عباده لأنهم يقبلون عليه وقد هدأ الكون وسكن الناس وصفت النفوس، وخلت من مشاغل الدنيا وضجيج الحياة.
يحيى ﵇ [سورة مريم (١٩) : الآيات ١٢ الى ١٥]
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)
المفردات:
بِقُوَّةٍ بجد ونشاط الْحُكْمَ الحكمة وَحَناناً الحنان المحبة في شفقة وميل مأخوذ من حنين الناقة على ولدها وَزَكاةً وطهارة ونماء وبركة وَبَرًّا
أى: بارّا محسنا لهما.
стр. 1360
المعنى:
ولد لزكريا مولود فبلغ المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فيه فقال الله له: يا يحيى خذ التوراة، وقم بكل ما فيها كما ينبغي. فأقدم على الأمر فامتثله، وعلى النهى فابتعد عنه كل ذلك بجد ونشاط، وعزيمة واجتهاد.
وآتيناه الحكم أى الحكمة وفهم الكتاب وهو التوراة التي يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأخبار، وهو صبي حديث السن أما تحديد سنه وقتئذ فالله أعلم به.
آتيناه الحكم، وآتيناه حنانا يتحنن به على الناس، ويتعطف به عليهم من عندنا، وزكاة وبركة له، وطهرا ونماء فيه.
وكان يحيى تقيا متجنبا المعاصي مطيعا لله وكان بارا بوالديه محسنا لهما، ولم يكن في وقت من الأوقات متكبرا ولا عاصيا لوالديه أو لله.
وسلام عليه وأمان يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يبعث حيا، وهذه الأوقات الثلاثة أوقات شديدة على الإنسان، ما أحوجه فيها إلى السلام والأمان من رب الأرباب.
انظروا يا شباب إلى خلق شباب أهل النبوة، والبيوت الطاهرة، والسلالة الشريفة خذوا يحيى في شبابه مثلا لكم تقتدون به، حكمة وعطفا، وزكاة وطهرا وشفقة وتقوى وبرا بالوالدين وإحسانا، وما كان جبارا في الأرض، ولا مفسدا وما كان عاصيا ولا مذنبا فسلام عليه وعلى والديه، ورحمة الله وبركاته إنها ذرية بعضها من بعض.
قصة ولادة عيسى ابن مريم [سورة مريم (١٩) : الآيات ١٦ الى ٣٣]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥)
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)
стр. 1361
المفردات:
انْتَبَذَتْ
النبد الرح والرمي والرماد ابتعدت وتنحت عن أهلها مَكاناً شَرْقِيًّا
مكانا جهة الشرق حِجاباً
ساترا رُوحَنا
المراد جبريل وهو روح القدس، والدين يحيا به ويوجبه من الكتب سَوِيًّا
مستوى الخلقة نامها بَغِيًّا المرأة البغي هي الزانية التي تبغى الرجال مَقْضِيًّا محكوما به نافذا قَصِيًّا بعيدا عن الأعين فَأَجاءَهَا اضطرها الْمَخاضُ مقدمة الولادة إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ وهو ساقها اليابس نَسْياً النسى الشيء الحقير الذي من شأنه أن ينسى مَنْسِيًّا وقع عليه النسيان بالفعل سَرِيًّا قيل هو النهر كان جافا فامتلأ ماء، وقيل: هو عيسى والسرى الشريف العظيم من القوم جَنِيًّا أى مجنيا في حينه وَقَرِّي عَيْناً المراد اهدئى ولا تحزني، والمسرور بارد القلب ساكنه فالمادة مأخوذة من القرى أى البرد صَوْماً سكوتا مُبارَكاً ناميا في الخير ثابتا على الحق الْمَهْدِ شيء يتخذ لتنويم الصبى.
المعنى:
واذكر يا محمد في القرآن مريم البتول وخبرها الصحيح الذي يتضمن ولادتها لعيسى ابنها عبد الله ورسوله إلى بني إسرائيل، ونفى الولد عن الله- .
نشأت مريم بنت عمران في بيت كريم ونسب شريف، ونشأت عفيفة طاهرة فلما شبت وترعرعت تحت عناية الله ورعايته، وبلغت مبلغ النساء كان منها أن انتبذت أهلها، وجلست وحدها في خلوة للعبادة أو لقضاء بعض حاجاتها وكان ذلك في مكان جهة الشرق (ومن هنا اتخذ المسيحيون قبلتهم ناحية الشرق) .
وبينما هي في خلوتها إذ بجبريل روح القدس يتمثل لها بشرا سويا تام الخلقة مستوى الخلق لم ينقص منه شيء في رجولته.
стр. 1362
فلما رأته على هذا الوضع قد اخترق عليها حجابها. ظنت به سوءا أو أنه يريد بها شرا فقالت له إنى أعوذ بالرحمن منك وألتجئ إلى الله أن يقيني شرك، ما كنت يا هذا رجلا نقيا.
وهذا دليل على عفافها وورعها حيث تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفاتنة وكان تمثيله بتلك الصورة ابتلاء من الله لها وسبرا لعفتها. قال جبريل لها: إنما أنا رسول ربك الذي تستعيذين به، جئت لأهب لك غلاما زكيا طاهرا.
قالت مريم: أنى يكون لي غلام؟ والحال أنى لم يمسني بشر في زواج شرعي ولم أك بغيا من البغايا!! وسؤالها هذا لم يكن عن استبعاد لقدرة الله، ولكن أرادت متعجبة كيف يكون هذا الولد؟ هل هو من قبل زوج تتزوجه في المستقبل أم يخلقه الله ابتداء؟
قال الملك: الأمر كذلك (والمشار إليه أنى يكون لي غلام؟) قال الله: هو على هين وقد خلقناه على هذا الوضع لنجعله آية للناس حيث يستدلون بخلقه على كمال القدرة، وتمام العظمة لله- .
وكان رحمة منا للخلق، وهكذا كل نبي يهدى الناس إلى الخير، ويرشدهم إلى الصراط المستقيم، وكان ذلك المذكور أمرا مقضيا ومقدرا من الله.
اطمأنت مريم إلى كلامه فدنا منها، ونفخ في جيب درعها أى نفخ في فتحة قميصها من أعلى، ووصلت النفخة إلى بطنها، وتنحت عن أهلها قاصدة مكانا قصيا بعيدا فألجأها المخاض متجهة إلى جذع النخلة لتستر به، وتعتمد عليه عند الولادة قالت:
يا ليتني مت قبل هذا الحادث، وكنت شيئا منسيا، تراها تمنت الموت خوفا من أن يظن بها السوء في دينها، أو يقع أحد بسبها في البهتان.
فناداها جبريل من تحتها إذا كانت هي على مكان مرتفع وقيل الذي ناداها هو عيسى الوليد، ناداها بألا تحزني ولا تتألمى.
فهذه آية الله الدالة على أن الأمر خارق للعادة، وأن لله في خلقه شؤونا. فها هو ذا قد جعل لك ربك تحتك نهرا يفيض بالماء بعد أن كان جافا، وحركي جذع النخلة
стр. 1363
اليابسة تتساقط عليك رطبا جنيا شهيا، أليست هذه أمارات الرضا؟ ودليلا على أن الله معك ولن ينساك يا مريم، فكلي من الرطب واشربى من النهر وقرى عينا، واهدئى بالا، واطمأني نفسا فالله معك، وحافظك من الناس، فإن رأيت من الناس أحدا فيه أمارة الاعتراض عليك فلا تكلميه، وقولي: إنى نذرت للرحمن صوما وسكوتا عن الكلام فلن أكلم اليوم إنسانا بل سألكم الملائكة، وأناجى ربي- .
ولما اطمأنت مريم- ﵍ بما رأت من الآيات، وفرغت من نفاسها أتت بعيسى تحمله إلى أهل بيتها، فلما رأوا الولد معها حزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [سورة آل عمران الآيتان ٣٣ و ٣٤] .
قالوا منكرين: يا مريم لقد جئت شيئا فريا وعجيبا ونادرا في بيئتنا وبيتنا فليس هذا من عوائدنا وعادتنا.. يا مريم ما كان أبوك امرأ سوء بل كان رجلا صالحا، وعبدا قانتا، وما كانت أمك بغيا فمن أين يأتى لك هذا السوء؟! وفي هذا دليل على أثر الوراثة والبيئة.
فأشارت إلى الوليد الصغير أن تكلم قالوا متعجبين منكرين ذلك: كيف نكلم من كان في المهد صبيا؟! اعتبروا هذا استهزاء بهم وجناية زيادة على جنايتها الأولى.
ولكن الوليد الصغير لم يكن كأمثاله نشأ من أب وأم بل خلقه الله آية عجيبة وخلقة غريبة يؤمن بسببه أناس، ويكفر آخرون.
قال إنى عبد الله- ولست ولدا لله ولا جزءا منه بلى أنا بشر وعبد له- آتاني الكتاب وهو الإنجيل. وجعلني نبيا إليكم، وجعلني مباركا لي في كل شيء، وثابتا على دين الحق، وأوصانى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا، وجعلني بارا بوالدتي فقط حيث لم يكن له أب، ولم يجعلني ربي جبارا عنيدا وشقيا مطرودا.
والسلام من الله العلى القدير، علىّ يوم ولدت من غير أب، ويوم أموت، ويوم أبعث حيا.
стр. 1364
القول الحق في عيسى ﵇ [سورة مريم (١٩) : الآيات ٣٤ الى ٤٠]
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨)
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)
المفردات:
يَمْتَرُونَ يشكون ويختلفون فَوَيْلٌ أى: فهلاك وعذاب يَوْمَ الْحَسْرَةِ هو يوم القيامة.
المعنى:
ذلك الذي مضى وصفه. والكلام عليه، والحكاية عنه في قوله: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً إلخ الآيات هو عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله إلى بني إسرائيل وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [سورة النساء آية ١٧١] .
هذا هو الحق لا مرية فيه ولا شك إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ
стр. 1365
مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
[سورة آل عمران آية ٦١] .
هذا هو القول الحق، والحكم العدل، والقول الصدق الذي فيه يمترون ويختلفون ويتشككون، نعم هو القول الفاصل الذي أطاح بأقوال اليهود في عيسى وأمه، وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً [سورة النساء آية ٥٦] . وأطاح بأقوال النصارى الذين قالوا: ابن الله أو ثالث ثلاثة، أو هو الله.. يا أهل الكتاب لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ [سورة النساء آية ١٧١] .
ولم تتكلم الأناجيل عن عيسى وهو صبي، وكيف كانت ولادته، ولم تذكر حادثة النخلة، ولا نذرها الصوم، ولا تأنيب قومها لها، ولا كلامه في المهد ظنا منهم أن ذلك يشين عيسى، وينقص قدره وقدر أمه، والقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه المنزل من عند الله، والمهيمن على كتب أهل الكتاب وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ هو الذي ذكر كل هذا.
ولا غرابة إذا لم تذكر الكتب السابقة خصوصا الأناجيل ذلك عن عيسى فالله يقول: فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ.
نعم إنهم يمترون فيه ويختلفون إلى الآن. ولقد جمع الإمبراطور قسطنطين مجمعا من الأساقفة فاختلفوا في عيسى اختلافا كثيرا وقالت كل فرقة قولا، فبعضهم قال: إنه الإله. وقالت الأخرى: إنه ثالث ثلاثة. وقالت فئة أخرى: إنه ابن الإله. وقال بعضهم: إنه عبد الله ورسوله وكلمته وروح منه.
ترى أن بعض النصارى نظر بعقله القاصر إلى السيد المسيح وأنه جاء من غير أب وخاطب ربه كثيرا بقوله: يا أبت كما حكى الإنجيل لك فقالوا هو ابن الله وما علم أن الله قادر على كل شيء، وأننا نحكم بمقتضى الأسباب التي نعرفها أنه لا ولد من غير أب ولكن الله- سبحانه- الذي خلق الأسباب والمسببات قادر على كل شيء- عما يشركون! ما كان الله أن يتخذ ولدا سبحانه. وكيف يتخذ ولدا؟ وهو الغنى عن الولد والوالد والأخ والصاحب إذ له السموات والأرض الحي الدائم الباقي بعد فناء الخلق جميعا، وهو القادر على كل شيء إذا أراد نفذ المراد، وإذا
стр. 1366
أراد شيئا حصل بدون إمهال أو تأجيل كالأمر إذا أمر بشيء وقال له: كن فيكون الشيء قطعا.
ومن كان هذا وصفه أيشبه المخلوقات فيكون له ولد ويحتاج إلى شيء حتى يكون له ولد وهل من المخلوقات شيء يماثله حتى يكون إله أو جزء إله. تعالى الله عما يشركون!! وها هو ذا عيسى- ﵇ نفسه يقول: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وكما حكى إنجيل متى عنه في الإصحاح الرابع آية ١٠ قال له يسوع: اذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد، إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ.
أما أهل الكتاب فاختلفوا فيما بينهم كما رأيت بين إفراط وتفريط في شأن عيسى وأمه ولم تنجح إلا طائفة آمنت بعيسى على أنه نبي مرسل، وهو بشر خلق من غير أب ليكون آية للناس.
أما غيرها فويل وهلاك للكافرين منهم الذين ألهوا المسيح أو ذموه ورموا أمه بالزنى ويل لهم حيث يشهدون يوم القيامة ذلك اليوم العظيم الهول.
ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتون، وقد كانوا قبل ذلك لا يسمعون ولكن فات الأوان قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [سورة المؤمنون الآيتان ٩٩ و ١٠٠] .
وأنذرهم يا محمد يوم الحسرة وقد قضى الأمر وهم غافلون لا يؤمنون، وأعلمهم أن الله يرث الأرض ومن عليها، وإليه يرجع الأمر كله.
قصة إبراهيم مع أبيه [سورة مريم (١٩) : الآيات ٤١ الى ٥٠]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥)
قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)
стр. 1367
المفردات:
صِدِّيقاً مبالغا في الصدق والتصديق سَوِيًّا مستقيما عَصِيًّا كثير العصيان وَلِيًّا ناصرا وقرينا له حَفِيًّا حفى به حفاة فهو حفى به أى: مبالغ في إكرامه وإلطافه والعناية به مَلِيًّا أى: زمنا طويلا لِسانَ صِدْقٍ المراد ثناء حسنا وسيرة عطرة.
لقد مضت قصة عيسى التي نفى فيها القرآن أكذوبة الولد، وها هي ذي قصة إبراهيم أبو إسماعيل الذي ينتسب إليه العرب ويدعون أنهم على دينه وأنهم سدنة بيته، وفيها نفى الشرك ودحض عبادة الأوثان.
стр. 1368
المعنى:
واذكر يا محمد في الكتاب المنزل عليك إبراهيم الخليل، واتل عليهم نبأه وقت أن جادل أباه آزر، وقال له. يا أبت لم تعبد حجرا لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغنى عنك شيئا من الغناء؟!! وانظر إلى أبينا الخليل إبراهيم وهو يخاطب أباه متلطفا بقوله: يا أبت!! ويستفهم منه عن السر في تلك العبادة فإن المعبود لو كان حيا يسمع ويبصر وينفع ويضر في شيء، وهو مع ذلك مخلوق لكانت عبادته دليلا على قصر العقل وسوء الرأى وفساد الطبع.. ولو كان من أشرف الخلق كالأنبياء والملائكة وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وذلك أن العبادة غاية في التعظيم، ومنتهى التقديس ولا يكون ذلك لمخلوق أبدا أيا كان وضعه. فما بالك لو كان المعبود حجرا لا يسمع عبادتك، ولا يبصر قربانك، ولا يغنى عنك شيئا من الغناء؟! وفي الاستفهام عن السبب لفت للنظر عميق يبعث على الشك والبحث.
يا أبت إنى قد جاءني من العلم شيء لم يأتك فاتبعنى أهدك الصراط المستقيم، والسبيل الحق، وانظر إلى الخليل- صلوات الله عليه- لم يصف أباه بالجهل، ولا نفسه بالعلم الكامل فإن ذلك ينفر الناس، ويمنع الجليس من الائتناس، بل قال إنى أعطيت شيئا من العلم قليلا، ولم تعطه، ولا ضير عليك في شيء إن اتبعت ابنك حتى يهديك إلى الصراط المستقيم، يا أبت هب أننا سائران في الطريق وأنا على علم به أفلا يكون من الخير أن تتبعني حتى تصل إلى بر السلامة، وأنت أبى على كل حال وأنا ابنك البار.. وهذا جذب لأبيه ليصل إلى الحق بطرق سديدة، يشككه في اعتقاده ثم يلمح له بأن الخير في اتباعه وترك ما هو عليه.
وانظر إلى أبى الأنبياء وهو يقول لأبيه: يا أبت لا تعبد الشيطان، إن الشيطان كان للرحمن كثير العصيان.
آزر أبو إبراهيم كان يعبد الأصنام، وما كان يعبد الشيطان، إلا أن عبادتها لا يمكن أن تصدر عن عقل أو عاطفة أو غريزة، ولكنها تنشأ عن وسوسة الشيطان وإغوائه فكانت عبادتها عبادة له، وطاعة لإغوائه! والشيطان هو ما تعرفون، عدو أبيكم آدم،
стр. 1369
وعدوكم يا بنى آدم جميعا، لا يريد لكم إلا كل شر، ولا يزين لكم إلا كل إثم وبهتان وهو قد عصى ربكم في السجود لآدم، وعصاه في كل ما أمره به، أمن الخير أن يطاع هذا الشيطان، ويسمع لإغوائه في عبادة الأصنام، وترك عبادة الرحمن؟! وها هو ذا إبراهيم- ﵇ يحذر أباه سوء العاقبة، وينذره بالشر الوبيل فيقول: يا أبت إنى أخاف أن يصيبك عذاب من الرحمن ربك وخالقك فتكون بذلك للشيطان قرينا في النار، وتكون بهذا وليا له وناصرا.
وفي ذكر الخوف من العذاب والمس له دون الإصابة به، وتنكير العذاب المفيد للتقليل أدب جم، وتلطف كريم ليس غريبا على إبراهيم خليل الرحمن.
أما إجابة الكافر الغليظ القلب الجاف فكانت على صورة بشعة حيث قال: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟ لئن لم تنته عن تعرضك للآلهة لأرجمنك وأشتمنك فاحذرنى واهجرني زمنا طويلا، وابتعد عنى وأنت سالم البدن والعرض.
انظر إلى آزر، وقد قابل استعطاف إبراهيم- ﵇ وتلطفه في إرشاده بالفظاظة حيث ناداه باسمه بدل قوله: يا بنى وبدأ الكلام بقوله: أراغب، للإشارة إلى أن الرغبة عن الآلهة أمر يهمه أكثر من غيره.
وصدره بهمزة الاستفهام المفيدة للإنكار والتعجب وجعلها مسلطة على الرغبة للإشارة إلى أن نفس الرغبة مما ينبغي أن تكون، وأن الآلهة ما ينبغي أن يرغب عنها عاقل، ثم بعد هذا هدده بالرجم باللسان أو بالحجارة إن لم يكف عن التعرض لذكر الآلهة بالسوء.
قال إبراهيم إزاء ذلك: مقالة المؤمن الكامل سلام عليك سلام توديع وترك لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [سورة القصص الآية ٥٥] ومع هذا كله فأنت أبى سأستغفر لك ربي، وأدعو لك بالهداية والتوفيق، إنه كان بي حفيا بارا لطيفا، وهو لن يضيعني في سفري، ولن ينساني أبدا، وقد كان كذلك.
استغفار إبراهيم لأبيه: الثابت أن إبراهيم- ﵇ استغفر لأبيه مدة طويلة قيل حتى مات وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ [سورة الشعراء آية ٨٦] ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ [سورة إبراهيم آية ٤١] .
стр. 1370
وقد استغفر المسلمون لقرابتهم من المشركين في ابتداء الإسلام اقتداء بإبراهيم- ﵇ حتى أنزل لله ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [سورة التوبة الآيتان ١١٣ و ١١٤] قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ [الممتحنة ٤] فامتنع المسلمون بعد نزول هذه الآيات عن الاستغفار للكفار على أن الاستغفار لهم وهم أحياء بمعنى طلب الهداية والتوفيق لهم في حياتهم شيء لا غبار عليه كما مر في تفسير آيات التوبة، والممنوع هو الاستغفار لهم بعد موتهم.. وعلى ذلك فقول بعض الناس: المرحوم فلان وهو ممن نعلم أنه مات على غير الإسلام ليس بسديد.
فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله أكمل عليه النعمة، وألبسه ثوب العافية ووهب له إسحاق وأبيه يعقوب، وجعل كل واحد منهما نبيا، ووهبنا لهم بعض رحمتنا وجعلنا لهم ثناء صادقا وسيرة طيبة، فكل الأديان والأنبياء من سلالتهما، وكل الأديان تحترم إبراهيم، وإسحاق ويعقوب وذريتهم.
والعرب يدعون أنهم على دين إبراهيم، وهم من سلالته، فذكرت لهم قصته وموقفه من أبيه وقومه ليعتبروا ويتعظوا.
ذكر بعض الأنبياء ﵈ [سورة مريم (١٩) : الآيات ٥١ الى ٥٨]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨)