← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وتخفيف حدة الحسد والحقد بين الطبقات، والمن والأذى يخرجها عن وضعها الصحيح، والله واسع الفضل غنى لا يحتاج إلى عطاء الغنى، بل أوجبها تأكيدا للصلة وجلبا للمحبة والتعاطف، حليم لا يعاجل بالعقوبة لمن يستحقها. والمن والأذى طبيعة في النفوس وغريزة في بنى الإنسان ولذا حرمهما الله بأن شرط في النفقة الشرعية خلوّها من المن والأذى وبيّن أن العدول عن الصدقة التي يتبعها أذى إلى قول معروف خير من تلك الصدقة. ثم بعد هذا كله خاطب المؤمنين بوصف الإيمان ليكون ذلك أدعى للقبول والامتثال، وحرم عليهم المن والرياء صراحة فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تحبطوا ثواب صدقاتكم بالمن والأذى. أفسدت بالمن ما أسديت من حسن ... ليس الكريم إذا أسدى بمنّان فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم كمن ينفق ماله للرياء والسمعة، والمرائى يظهر للناس أنه يريد وجه الله، وفي الواقع هو يريد وجه الناس ليقال عنه: إنه كريم وجواد وغير ذلك من أغراض الدنيا، ولذا وصفه الله بقوله: لا يؤمن بالله واليوم الآخر. فمثل الذي يمن ويؤذى والذي يرائى كمثل حجر أصم عليه تراب وقد نزل عليه مطر شديد فذهب التراب وبقي الحجر أملس، وهكذا الذي يمن أو يرائى يلبس ثوبا غير ثوبه ثم لا يلبث أن ينكشف أمره ويتهتك ستره فيكون ما تلبس به كالتراب على الصفوان يذهب به الوابل فلا يبقى من أثره شيء. ثوب الرياء يشف عما تحته ... فإذا اكتسيت به فإنك عار فالذي يمن أو يرائى مذموم في الدنيا من الناس أجمعين. وأما في الآخرة فلا ثواب إلا للمخلصين الذين ينفقون ابتغاء مرضاة الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منّا ولا رياء، والله لا يهدى القوم الكافرين.

стр. 177

مثل من ينفق للرحمن والذي ينفق للشيطان [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦٥ الى ٢٦٦] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) المفردات: وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ أى: تثبيت أنفسهم وتمكينهم، وقيل: تصديقا مبتدأ من عند أنفسهم. جَنَّةٍ الجنة: البستان، وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها ففيها معنى الاستتار. وابِلٌ: مطر كثير غزير. ضِعْفَيْنِ الضعف: المثل. فَطَلٌّ الطل: المطر الخفيف. أَيَوَدُّ الهمزة فيه للإنكار، ويود بمعنى يحب ويتمنى. وَأَعْنابٍ الأعناب: ثمر شجر الكرم. إِعْصارٌ: ريح عاصفة تستدير في الأرض بشدة ثم ترتفع إلى السماء حاملة الغبار. نارٌ المراد: ريح فيها برد شديد وسموم يحرق الشجر. المعنى: ما تقدم في الذي ينفق مع المن والإيذاء أو السمعة والرياء، وما هنا أمثلة للذي ينفق في سبيل الله أو سبيل الشيطان.

стр. 178

مثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء رضا الله وطلبا لمغفرته وتثبيتا لأنفسهم وتمكينا لها على فعل الخير، فإن المال شقيق الروح، وإنفاقه شاق وعسير على النفس، فإذا أنفقت بعض المال لله عودت نفسك على فعل الخير وثبّتّ بعضها، أما البعض الآخر فيثبت بالجهاد بالنفس في سبيل الله كما قال- تعالى- في سورة الحجرات: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [سورة الحجرات آية ١٥] . مثلهم كبستان ذي أشجار ملتفة قد كست الأرض، وهو بمكان مرتفع متمتع بالشمس والهواء ينزل عليه المطر الغزير فيثمر ضعفين من ثمر أمثاله، وإذا نزل عليه مطر بسيط أثمر وذلك لجودة تربته ونقاء منبته. والمعنى في هذا التمثيل: أن المنفق لله وفي سبيله ويقصد تثبيت نفسه على الخير كالجنة الجيدة التربة العظيمة الخصب، فهو يجود بقدر سعته وما في يده فإن أصابه خير كثير أنفق كثيرا وإن أصابه قليل أنفق على قدر سعته، فخيره دائم وبره لا ينقطع كالبستان يثمر مطلقا إذا نزل عليه مطر كثير أو قليل. أما المثل الثاني: فهو لمن ينفق على عكس الأول وينفق في سبيل الشيطان ومرضاة لنفسه وهواه. أيها المنفق لغير الله: أتود أن يكون لك جنة فيها النخيل والأعناب والزرع ومن كل صنف ولون تجرى من تحت جذورها الأنهار، لك فيها من كل الثمرات التي تشتهيها وأنت رجل كبير مسن قد أدركتك الشيخوخة وأصابك ضعف الكبر ولك ذرية من ذكور وإناث ضعفاء وصغار لا يقدرون على الكسب وتصريف أمورهم، وليس لك ولهم غير تلك الجنة، فأصابها بأمر الله ريح شديد وسموم كالنار أو أشد، أحرق الشجر وأباد الثمر وأنت في أشد الحاجة إلى نتيجة عملك وجدك في شبابك؟؟! فمن يرضى بهذا المصير الذي ينتظر كل من ينفق للرياء أو يتبع ما أنفقه بالمن والأذى. إن من ينفق في سبيل الشيطان يظن أنه سينتفع بنفقته، كلا إنه كهذا المسن صاحب تلك الجنة، يأتى يوم القيامة فلا يجد لعمله إلا الحسرة والندامة.

стр. 179

مثل ذلك البيان الواضح يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون وتتعظون بهذه الأمثال والمواعظ. نوع ما ينفق منه ووصفه [سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٧] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) المفردات: طَيِّباتِ الطيب: المراد هنا الجيد الحسن. تَيَمَّمُوا: تقصدوا. الْخَبِيثَ: الرديء. تُغْمِضُوا: تتساهلوا، من أغمض عينه عن الشيء حتى لا يرى عيبه. المعنى: يبين الله- وصف ما ينفق منه وبيان نوعه فيفتتح الكلام بهذا النداء الذي يهز القلوب ويلفت الأنظار: يا من اتصفتم بالإيمان أنفقوا الطيب الجيد ولا تقصدوا إلى الخبيث الرديء فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، ولا تجعلوا لله ما تكرهون. وقد ورد في سبب نزول الآية ما يؤيد هذا المعنى: روى أن بعضهم كان يقصد إلى الحشف من التمر فيتصدق به فنزلت الآية، والمعنى: أنفقوا من جياد أموالكم ولا تقصدوا الخبيث فتجعلوا صدقتكم منه خاصة دون الجيّد، فهو نهى عن تعمد الصدقة من الخبيث دون الطيب لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [سورة آل عمران آية ٩٢] .

стр. 180

وأما نوع ما ينفق منه فهو بعض ما يجنيه المرء من عمله وجده كالتجارة والصناعة والكسب الحلال بأى نوع كان، وبعض ما يخرج من الأرض من غلات الحبوب والزروع والمعادن والركاز (وهو دفين الجاهلين) والإنفاق هنا الظاهر أنه عام يشمل الزكاة والصدقة. الشيطان والإنفاق [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦٨ الى ٢٦٩] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) المفردات: بِالْفَحْشاءِ: البخل، والعرب تسمى البخيل فاحشا. وَفَضْلًا: رزقا وجاها في الدنيا. الْحِكْمَةَ: العلم النافع الصحيح. الْأَلْبابِ: العقول الراجحة الموفقة. المعنى: الشيطان عدونا من قديم أخرج أبانا آدم من الجنة وأقسم قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ فالشيطان بما يوسوس للناس ويزين لهم أن الصدقة والإنفاق في سبيل الله يورث الفقر والحاجة (الجود يفقر والإقدام قتّال) يعدنا بالفقر ويأمرنا بالبخل، والله- بما أودع في بعض الناس من الميل إلى التخلق بالخلق الكامل والإنفاق على الناس وبما يأمرنا به من النفقة في الكتب المنزلة يعدنا مغفرة بسبب الإنفاق فقد جعله كفارة لكثير من الذنوب، ويعدنا به فضلا لأن صاحبه يفضل غيره ويأسر قلبه ويشترى حبه له، والفضل: المال والخير، ولا شك أن المال المنفق يخلفه الله على صاحبه وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سورة سبأ آية ٣٩] .

стр. 181

وفي الصحيحين: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا» ولا غرابة فالله واسع الفضل بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء. عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «للشيطان لمّة (خطرة تقع في القلب) وللملك لمّة، فأما لمّة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان» «١» ، ثم قرأ الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ يؤتى الله الحكمة والعلم الصحيح النافع- وعلى الأخص فهم القرآن والدين- من يشاء من عباده الذين يحبهم ويتولاهم بعنايته ورعايته، ومن يؤت الحكمة بهذا المعنى فقد أوتى خيرا كثيرا، وأى خير في الدنيا والآخرة بعد توفيق الله وهدايته في فهم الأمور على حقيقتها وإدراك الأشياء على وضعها الصحيح؟ وإنما يتذكر هذا أولو الألباب. بعض أحكام الإنفاق [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٠ الى ٢٧١] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) المفردات: مِنْ نَذْرٍ النذر: التزام الطاعة قربة لله تعالى. فَنِعِمَّا هِيَ الأصل: فنعم ما هي، بمعنى فنعم شيئا إبداؤها.

стр. 182

المعنى: وما أنفقتم من نفقة سواء كانت لله أو للرياء والسمعة أو أتبعت بمنّ وأذى أو لم تتبع، أو نذرتم من نذر قربة لله أو نذر لجاج وغضب، فالأول: هو التزام الطاعة قربة لله، كقولك: لله علىّ أن أصوم أو أتصدق مثلا بشرط أو بغير شرط، والثاني: كقولك: إن كلمت فلانا فعلى كذا أو كذا، والأول يجب الوفاء به، وفي الثاني خلاف، قيل: يكفّر عنه كفارة يمين أو يفعل ما التزمه. كل هذا الله عالم به مجاز عليه إن خيرا فخير وإن شرّا فشر، وما للظالمين من أنصار ينصرونهم يوم القيامة، والمراد بهم هنا الذين بخلوا بالمال ولم يتصدقوا. إن تظهروا الصدقات ويعلم بها الناس فنعم ما فعلتم، وإن تخفوها وتكتموها وتعطوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم. والخلاصة هنا: أن إبداء الصدقة الواجبة خير بلا شك من إخفائها خصوصا في هذا الزمان فإن الناس يحتاجون إلى مرشدين عمليين يتقدمون الصفوف ويفعلون الخير قدوة للناس، وأما المندوبة فإخفاؤها وإعطاؤها الفقراء بهذا القيد خير لأن ذلك أدعى لعدم الرياء وأحفظ لكرامة الفقير، فإن كان لجهة عامة أو لمشروع خيرى فلا بأس من إعلانها ليكون ذلك أدعى للتسابق في الخير. والله بما تعملون خبير وبصير فهو يعرف السّر وأخفى فحاذروه واخشوا عقابه، وذلك لأن أمراض الرياء والنفقة لغير الله أمور قلبية لا يطلع عليها إلّا الله.

стр. 183

لمن تعطى الصدقة وبعض أحكامها [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٢ الى ٢٧٤] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) المفردات: هُداهُمْ: هدايتهم إلى الإسلام. أُحْصِرُوا أى: حبسوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله. ضَرْباً فِي الْأَرْضِ أى: سيرا فيها. التَّعَفُّفِ أى: العفة. بِسِيماهُمْ السيما: العلامة. إِلْحافاً: بالإلحاح.

стр. 184

المعنى: قد أطلق الله في الآية السابقة إيتاء الصدقة للفقراء مسلمين وغير مسلمين، وقد أرشدنا الله في هذه الآية إلى عدم التحرج في إعطاء غير المسلمين بحجة عدم الاهتداء إلى الدين فإن الهداية من الله، والشفقة تقتضي إعطاء الإنسان المحتاج مطلقا بقطع النظر عن دينه. وقد ذكروا في أسباب النزول روايات كثيرة كلها تدور حول هذا، فعن ابن عباس- رضى الله عنهما- أن النبي ﷺ كان يأمرنا بألا نتصدق إلا على أهل الإسلام حتى نزلت هذه الآية. وإذا كان الله يخاطب النبي ﷺ بقوله: ليس عليك هدايتهم ولكن الله يهدى من يشاء إلى دينه فالمسلمون من باب أولى. ولا يصح أن يكون الباعث على الإنفاق الرغبة في دخول الناس في الإسلام وإنما الباعث عليه هو أن الإنفاق لنا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ نعم هو لنا في الدنيا إذ لا ينكر أحد ما للإنفاق من الأثر البين في جذب القلوب وسلّم السخائم والأحقاد ونشر الأمن والطمأنينة ومنع السرقة وقطع الأفكار السامة والمبادئ الهدامة، وأما في الآخرة فجزاؤه يوفى إلينا، ولا يصح أن يكون الإنفاق إلا في الخير ابتغاء وجه الله لا وجه الدنيا والشيطان، وعلى ذلك فلا منّ ولا إيذاء لأنك ما فعلت لأحد شيئا وإنما قدمت لنفسك ما ينفعها ولا رياء ولا سمعة حيث تقصد وجه الله. وما تنفقوا من مال قل أو كثر يوف إليكم أجره في الآخرة وأنتم لا تظلمون شيئا فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين [سورة الأنبياء آية ٤٧] . علم مما مر أن الإنفاق يكون للفقراء عامة ولا حرج على من ينفق على غير المسلم، ثم بين هنا أحق الناس بالصدقة وهم الفقراء بأوصافهم. الصفة الأولى: الذين أحصروا في سبيل الله، أى: منعوا أنفسهم من الكسب وحبسوها على الجهاد في سبيل الله. نزلت هذه الآية في أهل الصفة وهم فقراء المهاجرين الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ وتركوا مالهم وكان عددهم حوالى أربعمائة رجل.

стр. 185

ولم يكن لهم مأوى فكانوا يأكلون عند النبي ﷺ وعند غيره ثم يبيتون في المسجد تحت جزء مسقوف يقال له الصّفّة، وقد كان عملهم الجهاد وحفظ القرآن الكريم والخروج مع السرايا التي يرسلها النبي ﷺ وهكذا من يشاكلهم ممن حبس نفسه على الجهاد في سبيل الله، فالجنود وطلبة العلم بشرط أن لا يمكنهم الكسب ممن يدخل تحت هذا. الصفة الثانية: لا يستطيعون سفرا ولا سيرا في الأرض للتجارة والكسب وذلك بأن يكونوا ممنوعين لعجز أو كبر أو ضرورة. الصفة الثالثة: يحسبهم الذي يجهل حالهم أغنياء من عفتهم وصبرهم وقناعتهم فعندهم عزة المؤمنين وتوكل المتوكلين. الصفة الرابعة: تعرفهم بسيماهم وعلامتهم، فعلامتهم الضمور والنحول والضعف ورثاثة الثياب، وفي الواقع هذا متروك لفراسة المؤمن، فرب فقير له مظهر وغنّى رث الثياب لحوف في السؤال. الصفة الخامسة: لا يسألون الناس أصلا، أو لا يسألون الناس ملحين وملحفين، عن النبي ﷺ ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرءوا إن شئتم قوله- تعالى-: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً والسؤال في الإسلام محرم إلا لضرورة، عن النبي ﷺ : «المسألة لا تحل إلا لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع» «١» . وما تنفقوا من خير قل أو كثر فإن الله به عليم ومجاز عليه. ويشير القرآن الكريم في آخر آية في الإنفاق إلى عموم الأحوال والأزمنة في الصدقة فبين أن الذين يتصدقون بأموالهم ليلا أو نهارا، سرّا أو علانية هؤلاء لهم الأجر الكامل عند ربهم الذي ربّاهم وتعهدهم في بطون الأرحام، ولا خوف عليهم أصلا في الدنيا ولا في الآخرة ولا هم يحزنون أبدا، وهكذا كل من سار بسيرة القرآن واهتدى بهديه أولئك هم المفلحون.

стр. 186

الرّبا وخطره على صاحبه وعلى الأمة [سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٥ الى ٢٨١] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)

стр. 187

المفردات: يَأْكُلُونَ: يأخذون، وعبر بالأكل عن الأخذ لأنه الغرض الأساسى منه، واللباس والانتفاع والنفقة داخلة فيه، وللإشارة إلى أن ما يأخذ لا يرجع أصلا. الرِّبا في اللغة: الزيادة، وفي عرف الشرع يطلق على مال يؤخذ بلا عوض ولا وجه شرعي. يَتَخَبَّطُهُ الخبط: السير على غير هدى وبصيرة، ومنه قيل: خبط عشواء. الْمَسِّ: الجنون والصرع. مَوْعِظَةٌ أى: وعظ. يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا: ينقصه ويذهب ببركته. وَيُرْبِي: يزيد ويبارك. أَثِيمٍ: مصرّ على الإثم ومبالغ فيه. ذَرُوا: اتركوا. فَأْذَنُوا: فاعلموا، من أذن بالشيء: علم به. فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ: فانتظار إلى يسر ورخاء. المناسبة: ما تقدم كان في ذكر النفقة والمنفقين بالليل والنهار وفي السر والعلن ينفقون لوجه الله ولتثبيت أنفسهم على الإيمان فهم ينفقون المال بغير عوض ولا منفعة دنيوية. وفي الآية هنا الكلام على المرابين الذين يستحلون مال الغير بغير حق ولا عوض، فالمناسبة بينهما التضاد، ولا غرابة فالضد أقرب خطورا بالبال. المعنى: الذين يأخذون الربا ويستحلونه من غير وجه شرعي ويأكلون أموال الناس بالباطل قد أذلتهم الدنيا وسخرهم حب المال وركبهم الشيطان والهوى، فتراهم في حركاتهم وسكناتهم وقيامهم وقعودهم يتخبطون خبط عشواء كالصرعى الذين مسهم الجن، وإنما خص القيام لأنه أبرز مظاهر النشاط في العمل ولقد جاء التعبير القرآنى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ موافقا لاعتقادهم وأنهم كانوا يؤمنون بالجن وتأثيره على الإنسان. والعرب قديما ينسبون كل ما استعصى عليهم فهمه وإدراك سره إلى الجن، فلا غرابة

стр. 188

في أن يأتى القرآن موافقا لفهمهم، لأن المقصود تصوير آكل الربا بأبشع صورة وأقبح منظر. ولقد درج جمهور المفسرين على أن المراد أن آكل الربا يقوم يوم القيامة يتخبط كالذي مسه الجن استنادا إلى روايات كثيرة وردت في وصف قيامه يوم القيامة، ولعل آكل الربا يبعث يوم القيامة على الحالة التي كان عليها في الدنيا فنجمع بين الرأيين. وذلك الذي كان يفعله المشركون في الجاهلية من أكل الربا بسبب أنهم يستحلونه ويجعلونه كالبيع والشراء، فكما يجوز لك أن تبيع الشيء الذي قيمته قرش بقرشين! فلم لا يجوز أن تأخذ درهما في وقت العسرة والشدة وتدفع في وقت الرخاء درهمين؟ ولقد بالغوا في هذا حتى جعلوا البيع كالربا. وقد أحل الله البيع إذ فيه معاوضة وسلعة قد يرتفع ثمنها في المستقبل وما زيد في الثمن إنما هو في مقابلة شيء ستنتفع به في الأكل أو اللبس أو غيرهما. وحرم الربا إذ لا معاوضة فيه، والزيادة ليست في مقابلة شيء، بل كانوا إذا حل الدين فإن دفع المدين وإلا أجل الدائن في نظير زيادة الدين، فأخذ هذه الزيادة ظلم وأى ظلم واستحلالها كفر وإثم. فمن جاءه وعظ من ربه يتضمن تحريم الربا لمصلحة الأمة والجماعة فانتهى عما كان يفعله، فله ما سلف أخذه في الجاهلية وأمره يوم القيامة إلى الله، والله يحاسبه على ما أخذه بعد التحريم أما قبله فقد عفا عنه. ومن عاد إلى أكل الربا بعد تحريمه ووقف على ضرره فأولئك البعيدون في الضلال والظلم أصحاب النار الملازمون لها هم فيها ماكثون مكثا الله أعلم به. وكيف تقعون في الربا وخطره وتبتعدون عن الصدقة وبرها، والربا يمحقه الله فلا بركة فيه ولا زيادة، فالمال وإن زاد بسببه ونما في الظاهر فهو إلى قل وضياع، والواقع الذي نشاهده شاهد على ذلك، أليس المرابى مبغوضا من الله والناس أجمعين؟! فلا أحد يعاونه ولا إنسان يعطف عليه بل الكل حاسد شامت يتربص به الدوائر، وهذا كله مما يساعد على ضياع المال ونقصانه.

стр. 189

وأما الصدقة فالله ينميها ويبارك فيها، وما نقصت زكاة من مال قط، والمتصدق محبوب عند الله والناس أجمعين، فلا حسد ولا بغضاء ولا سرقة ولا إكراه ولا إيذاء، وهذا كله مما يساعد على الزيادة والنمو في المال يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ والله لا يرضى عن المستحل للربا والمقيم على الإثم المبالغ فيه. شأن القرآن إذا ذكر بعض المعاندين الظالمين الذين يفعلون فعل الكفار الآثمين، أن يعقب بذكر المؤمنين العاملين حتى يظهر الفرق واضحا فيكون ذلك أدعى للامتثال وأقرب للقبول ولذا يقول الله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة ... الآية والمعنى. «إن الذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا صالحا يقيهم من عذاب النار، خصوصا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فإن الأعمال الصالحة مطهرة للنفس ومرضاة للرب ومجلبة لمحبة العبد في الدنيا، هؤلاء لهم أجرهم الكامل عند من رباهم وتعهدهم وأنشأهم من العدم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون أبدا» . ثم بعد هذا التمهيد القيم الذي أظهر الله فيه آكل الربا بتلك الصورة الفظيعة وجزاءه في الدنيا والآخرة وما استتبع ذلك من ذكر المؤمنين الصالحين وجزائهم ناسب أن يأمر أمرا صريحا بترك الربا فيقول: يا أيها الذين اتصفتم بالإيمان الذي يتنافى مع الربا والتعامل به. فالإيمان والإسلام سلام ورحمة وعطف وصلة، أما الربا فجشع واستغلال ونصب واحتيال ومعاملة دنيئة تتنافى مع أخوة الإنسانية مطلقا. يا أيها الذين آمنوا خذوا لأنفسكم الوقاية من عذاب الله وذروا ما بقي لكم من الربا حالا، أى: اقطعوا المعاملة به فورا، فضلا عن إنشاء المعاملة من جديد إن كنتم مؤمنين، وإلا فلستم مؤمنين كاملين لأنه لا إيمان مع المعاصي خصوصا الربا فإن لم تفعلوا ما أمرتم به فاعلموا واستيقنوا بحرب من الله ورسوله، أما حرب الله فغضبه وانتقامه، وما الآفات الزراعية والاضرار التي تصيبنا في هذه الأيام إلا من أكل الربا واستحلاله، وأما حرب رسوله والمؤمنين فمناصبتهم العداء واعتبارهم خارجين على الشرع وأحكامه. روى أن هذه الآية نزلت في ثقيف كان لها ربا على قوم من قريش فطالبوهم به فأبوا واختصموا إلى والى مكة عتّاب بن أسيد، فنزلت الآية وكتب بها الرسول ﷺ إليهم، فلما علمت ثقيف بذلك قالت: لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله.

стр. 190

وإن أقلعتم عن التعامل بالربا ورجعتم إلى الله فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون أحدا بأخذ الربا ولا تظلمون بنقص أموالكم.. وإن تعاملتم مع فقير معسر فانتظار منكم إلى يسر ورخاء عسى الله أن يفرج عليكم جميعا «فمن نفّس عن مؤمن كربة نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» «١» حديث شريف ، وأن تتصدقوا بالتأجيل أو بترك الدّين أو بعضه فهو خير لكم وأحسن. واتقوا يوما تتركون فيه الدنيا وزخارفها ومشاغلها وترجعون إلى الله فيشغل بالكم وتفكيركم، في هذا اليوم العصيب توفى كل نفس ما كسبت من خير أو شر وتوضع الموازين فلا تظلم نفس شيئا. الربا نوعان: ربا النسيئة: أى التأخير في أجل الدفع والزيادة في الدين كما كان يحصل في الجاهلية إذا حل الدين فإما أن تدفع وإما أن تؤجل ويزيد الدين. وربا الفضل: هو الزيادة المشروطة للدائن بغير مقابل كما إذا أقرض محمد عليا مائة جنيه على أن يدفع على له في العام القادم مائة وعشرين، ومثل النقدين في ذلك المطعومات من قمح وشعير وذرة ودخن وتمر وملح، عن أبى سعيد الخدري عن النبي ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطى فيه سواء» «٢» وفي حديث عبادة بن الصامت: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يدا بيد» «٣» . الحكمة في تحريم الربا: الدين الإسلامى دين تعاطف وتراحم وبر وخير وعون ومساعدة وأخوة صادقة في الله، يحافظ على الصلات بين الناس، وأن تحل المروءات محل القوانين لهذا أوجب الصدقة والتعاطف من القوى على الضعيف والرحمة من الغنى على الفقير والمعاملة بالحسنى، وحرم الربا والإيذاء بأى نوع من أنواعه كما حرم انتهاز الفرصة واستغلال الحاجة.

стр. 191

وقد جعل الله النقدين أو ما يقوم مقامها كأوراق البنكنوت لتقويم السلع، ولم يخلقهما للاستغلال عن طريق الحاجة فإن هذا يؤدى إلى تكديس الثروة بسبب الربا في أيدى جماعة من الأمة، وفي هذا خسران الأمة والمجتمع، ومثل النقدين في ذلك المطعومات الأساسية التي ذكرناها، والتعامل بالربا يقطع الصلة بين الناس ويوجد الحقد والحسد ويولد البغضاء في النفوس وغير ذلك مما يجعل الناس تتعامل مع بعضها كالذئاب الجائعة كلّ ينتهز الفرصة ويتربّص بأخيه الدائرة وفي هذا هلاك الأمة بلا شك ... وكيف تجيز لنفسك أن تستولى على مال الغير بغير حقّ شرعي وهذا هو عين الظلم لنفسك وما شاع الربا في قوم إلا عمّهم الفقر ونزلت عليهم الآفات وحبسوا القطر ومنعوا من الخير وقانا الله شره فهو صفة اليهود وعملهم. أليس كل من تعامل بالربا ذهبت ماليته وضاعت فهو عاجز عن سداد الدين فكيف يسدده هو والربح. أيليق بنا كأمة إسلامة أن نبيح الربا وروسيا تحرمه؟؟

стр. 192

آية الدّين والسر في طولها ووضوحها [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٢] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) المفردات: تَدايَنْتُمْ: داين بعضكم بعضا، أى: تعاملتم بدين مؤجل. بِدَيْنٍ الدين: هو المال الذي يكون في الذمة. أَجَلٍ: هو الوقت المضروب لانتهاء شيء. (مسمّى) والمسمى: المعلوم بيوم أو شهر أو سنة ويدخل في الدين المؤجل القرض والسلم وبيع الأعيان إلى أجل. بِالْعَدْلِ: بالحق في كتابته لا يزيد في المال والأجل ولا ينقص. وَلا يَأْبَ: يمتنع: وَلْيُمْلِلِ الإملال والإملاء واحد. لا يَبْخَسْ: لا ينقص. سَفِيهاً: ناقص العقل مبذرا. ضَعِيفاً: صبيا أو شيخا مسنّا. وَلا تَسْئَمُوا: لا تملوا وتضجروا. أَقْسَطُ: أعدل. وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ: أثبت لها وأعون على إقامتها. وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا: أقرب إلى انتفاء ريبكم في الدّين وأجله. فُسُوقٌ بِكُمْ: خروج عن الطاعة. المناسبة: لما ذكر الإنفاق وجزاءه والربا وخطره ناسب أن يذكر التعامل بالدّين المؤجل

стр. 193

وحفظه بالكتابة والشهود، ففي الصدقة والإنفاق منتهى الرحمة، وفي الربا كامل القسوة والغلظة. وفي أحكام الدين والتجارة نهاية العدل والحكمة، والدين قد أمرنا ببذل المال حيث ينبغي البذل، وبترك الزيادة في المال إذا كان فيه ربا، ثم أمرنا هنا بحفظ المال وتوثيقه في البيع والشراء والقرض والتجارة، ومن هنا نعلم أن الإسلام دين ودولة، وحكم وحكمة فبينا هو يهدينا إلى الإنفاق يحرم علينا الربا، ثم يرشدنا في البيع والشراء حتى لا يضيع مال ولا يحصل شقاق ونزاع ولا غرابة إنه صراط الله العزيز الحكيم. وليس ديننا دين رهبنة وفقر، وقناعة وذل، بل هو دين علم وعمل وجد واجتهاد، وغنى وعزة حتى يتحقق قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً «١» . فقانون الإسلام أن تجمع المال وتنميه، ولكن من طريق الحلال، وتحافظ عليه وتستوثق له بالكتابة والشهود، ولعل ذلك هو السر في طول الآية ووضوحها وتكرار أحكامها حتى يفهم أحكامها العامة والخاصة. وهاك أحكامها: ١- يا من اتصفتم بالإيمان ودخلتم في الإسلام: إذا تعاملتم بالدّين المؤجل في الذمة بيعا أو سلما أو قرضا فاكتبوه وقيدوه فذلك خير لكم وأجدى، والأمر هنا للإرشاد والندب. ٢- وليكن فيكم كاتب للديون عادل في كتابته، لا يميل ولا يحيد عن الحق فهو القاضي بين الدائن والمدين ولتحقق عدالته يشترط أن يكون عالما بشروط الكتابة ملما بأصولها. ٣- لا يصح أن يمتنع كاتب عن الكتابة ما دام يمكنه ذلك وليكتب كتابة كما علمه الله فلا يزيد ولا ينقص ولا يضر أحدا، والكتابة نعمة من الله عليه فمن الشكر عليها أن لا يمتنع عنها ما دام قد أخذ أجره بالعدل والرحمة. ٤- والذي يملى الكاتب من عليه الحق، أى: المدين ليكون إملاؤه حجة عليه، وليتّق الله ربه في الإملاء، وقد جمع بين الاسم الجليل والنعت الجميل للمبالغة في التحذير ولا ينقص من الحق الذي عليه شيئا عند الإملاء، وأنت ترى أن الكاتب أمر

стр. 194

بالعدل فلا يزيد ولا ينقص، ومن عليه الحق نهى عن النقص فقط لأن هذا هو الذي ينتظر منه. ٥- فإن كان الذي عليه الحق سفيها لا يحسن التصرف في ماله لنقص عقله أو تبذيره أو كان ضعيفا لصغر سنه أو شيخوخته أو لا يستطيع الإملاء لجهله أو لكنة في لسانه فالذي يملى على الكاتب هو وليه الذي يلي أموره من قيّم أو وكيل أو مترجم يملى بالعدل والإنصاف. ٦- واستشهدوا شهيدين من رجالكم ممن حضروا ذلك بشرط البلوغ والعقل والإسلام والحرية. ٧- فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون شهادتهم لدينهم وعدالتهم وإنما جعل الشرع المرأتين بمنزلة رجل واحد خوف أن تخطئ إحداهما فتذكرها الثانية لقلة ضبط النساء للأمور المالية وقلة عنايتهن بمثل ذلك لأن المرأة جبلت على الاشتغال بالمنزل والبيئة المنزلية وتربية الأولاد فكان تذكرها للمعاملات قليلا وهذا حكم غالبى والأحكام الشرعية تنظر للمجموع. ٨- ولا يأب الشهود إذا ما دعوا للشهادة فإن كتمانها معصية وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ إذ بالشهادة العادلة تتضح الحقوق ويمنع الظلم والجور، والأحسن أن يكون النهى شاملا لأدائها وتحملها. ٩- والدّين مهما كان صغيرا أو كبيرا لا تملوا من كتابته حتى يقطع النزاع والشقاق. ١٠- ذلك البيان السابق الشامل لجميع الأحكام أعدل في الحكم وأحرى بإقامة العدل بين المتعاملين، وأقوم للشهادة وأعون على إقامتها على وجهها وأقرب لانتفاء الريبة والشك. ١١- ما تقدم في المبايعات المؤجلة وفي الديون والسلم، أما في التجارة الحاضرة التي يأخذ المشترى ما اشترى والبائع الثمن فلا ضرورة للكتابة وليس عليكم جناح ألا تكتبوها إذ لا شك ولا نسيان يخاف منه، وفي نفى الجناح إشارة إلى استحباب ضبط

стр. 195

الإنسان لماله وإحصائه للداخل والخارج، انظر: أرقى النظم التجارية يأتى بها القرآن من أربعة عشر قرنا. ١٢- وأشهدوا إذا تبايعتم في التجارة الحاضرة والشهود تكفى في مثل ذلك. ١٣- لا ينبغي لكاتب أو شاهد أن يضر أحدا من المتعاملين بزيادة أو نقص ولا يليق بكم أيها المتعاملون أن تضروا كاتبا أو شهيدا بأى نوع من أنواع الضرر، إذ الدّين الإسلامى دين سلام وأمن ورحمة وعدل. وإن تفعلوا ما نهيتم عنه فإنه خروج بكم عن الطاعة وحدود الإيمان. ١٤- واتقوا الله في جميع ما أمركم به ونهاكم عنه، والله يعلمكم ما به تحفظون أنفسكم وأموالكم وتقوون رابطتكم، فشرعه شرع الحكيم الخبير العليم البصير. جواز الرهن [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٣] وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) المفردات: فَرِهانٌ جمع رهن. وهو احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها عند تعذر أخذه من الغريم. هذا تقييد للأمر بالكتابة السابق.

стр. 196

المعنى: وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا كاتبا يكتب، أو لم تجدوا أدوات الكتابة فرهان مقبوضة للدائن يستوثق بها حتى يصل إليه حقه، هذا الرهن يقوم مقام الكتابة وكونهم في السفر لجواز عدم الكتابة، وفي الحضر ثابت بالسنة فقد رهن النبي ﷺ درعه عند يهودي ومات عنها. فإن اتفق أن أحدكم ائتمن آخر على شيء فعلى المؤتمن أن يؤدى الأمانة كاملة في ميعادها، وليتق الله ربه فلا يخون في الأمانة فالله هو الشاهد الرقيب عليه وكفى به شاهدا. ولا تكتموا الشهادة فإن كتمان الشهادة وشهادة الزور من الكبائر، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه، وخص القلب بالذكر لأنه أمير الجسد متى صلح صلح الجسد كله. وكل ما تقدم من أعمال إيجابية كتأدية الأمانة والوفاء بالعهد، أو سلبية ككتم الشهادة، فالله به عليم وبصير يجازى عليه. إحاطة علمه وتمام ملكه وقدرته [سورة البقرة (٢) : آية ٢٨٤] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) المناسبة: تقدم الكثير من الأحكام خصوصا الأحكام القريبة المتعلقة بالدين والشهادة وختمت الآية السابقة بقوله وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ فناسب أن يذكر شواهد علمه والأدلة عليه إذ مالك الشيء وخالقه لا بد أن يعلمه أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ.

стр. 197

المعنى: لله ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وتصريفا وعلما، فهو العليم بكل شيء، وإن تظهروا ما استقر في نفوسكم وثبت من الخلق الكامن والداء الباطن أو تكتموه وتخفوه فالله محاسبكم عليه ومجازيكم به إن خيرا فخير وإن شرا فشر. وهو يغفر لمن يشاء ذنبه بتوفيقه إلى التوبة والعمل الصالح الذي يمحو السيئة. ويعذب من يشاء لأنه لم يعمل خيرا يكفر عنه سيئاته ولم يتب إلى الله، والله على كل شيء أراده قدير. روي أن هذه الآية حين نزلت اشتد ذلك على الصحابة- رضى الله عنهم- فأتوا النبي وقالوا: يا رسول الله: كلفنا من الأعمال ما نطيق كالصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير» ونزلت الآية التي بعدها. «١» من هذه الرواية فهم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها حيث فهم أن ما في نفوسكم هو الوساوس والخواطر التي لا يتأتى للإنسان دفعها. والظاهر من النظم الكريم أن ما في نفوسكم أى: ما استقر في نفوسكم من الخلق الراسخ الثابت كالحب والبغض وكتمان الشهادة وقصد الخير والسوء.. إلخ. أما الهواتف والخواطر فإن استرسلت فيها حسبت عليك وكانت من أعمالك وإن شغلت نفسك بغيرها وطردتها لم تحسب عليك، وهي في أولها مما لا يمكن دفعه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والآية الآتية ليست ناسخة ولكنها موضحة، أما قول الصحابة- رضى الله عنهم- فتأويله أنهم الأطهار الأبرار الذين يريدون أن يتطهروا من الإثم ومقدماته بل كل شيء يتعلق به، ولذا قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فرضي الله عنهم أجمعين.

стр. 198

[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٨٥ الى ٢٨٦] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦) المفردات: وُسْعَها الوسع: ما تسعه قدرة الإنسان من غير حرج ولا عسر. إِصْراً: حملا ثقيلا يشق علينا. الطاقة: مالا يدخل في مكنة الإنسان وطوقه، وما يطاق هو ما يمكن أن يأتيه ولو بمشقة. الربط: بدأ الله السورة بالكلام على القرآن والمؤمنين وأراد- أن يختمها بالكلام عليهم ويبين حالهم ودعاءهم. المعنى: صدّق الرسول والمؤمنون بالذي أنزل إليهم من ربهم خصوصا ما في هذه السورة الكريمة من الآيات والأحكام. وما ذكر عن الرسل الكرام.

стр. 199

كل آمن بالله الواحد الأحد الفرد الصمد وملائكته الكرام على أنهم السفرة البررة بين الله وبين رسله، قاموا بتبليغ ما أنزل على الأنبياء من كتبه- جل شأنه- وآمن الكل بالرسل الكرام، لا نفرق نحن المؤمنين بين رسله، إذ كل الأنبياء المرسلين سواء في الرسالة والتشريع لا يختلف واحد عن واحد باعتبار تقدمه في الزمن أو تأخره أو كثرة أتباعه أو قلتهم مع إيمانهم بأن الله فضل بعض الرسل على بعض (في غير الرسالة والتشريع) كما سبق في قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ وهذه مزية أتباع محمد ﷺ يؤمنون بكل الأنبياء لا يفرقون بين الأنبياء. آمنوا بما ذكر وقالوا: سمعنا وأطعنا، أى: بلّغنا فسمعنا القول سماع وعى وقبول وأطعنا ما أمرنا به طاعة إذعان وانقياد معتقدين أن كل أمر ونهى إنما هو لخيرى الدنيا والآخرة. ويسألون الله- تعالى- أن يغفر لهم ما عساهم يقعون فيه فيعوقهم عن الرقى في مدارج الكمال ومعارج الإيمان فهم يقولون: غفرانك ربنا وإليك المصير. روى أن النبي ﷺ لما نزلت عليه هذه الآية قال له جبريل: «إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه» فسأل إلى آخر السورة. «١» لا يكلف الله أحدا فوق طاقته بل أقل من طاقته، وهذا من لطف الله بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم. وهذه الآية هي الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة- رضى الله عنهم- والموضحة لقوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ «٢» أى: هو وإن حاسب وسأل ولكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه وما في وسعه. لكل نفس ما كسبت من خير، وما اكتسبت من شر فعليها وزرها، ويظهر لي- والله أعلم- أن السر في التعبير في جانب الخير (كسبت) وفي جانب الشر (اكتسبت) أن الخير لا يحتاج إلى عمل وجهد كثير ولا كذلك الشر فإنه يحتاج إلى تعمل ومخالفة للطبيعة. علمنا الله هذا الدعاء لندعو به:

стр. 200

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، فتركنا ما ينبغي فعله أو فعلنا ما ينبغي تركه، والنسيان ينشأ من عدم العناية بالشيء والاهتمام به، والخطأ ينشأ من التساهل وعدم الاحتياط. والله علمنا أن ندعوه ألا يؤاخذنا بالنسيان والخطأ، وهذا يذكرنا بما ينبغي من العناية والاحتياط والتفكير والتذكر لعلنا نسلم من الخطأ والنسيان، وإن وقع بعد ذلك منا شيء غفره لنا، عن رسول الله ﷺ : «رفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» . «١» كانت الأمم السابقة لعنادهم وعتوهم تكاليفهم شاقة، فتوبتهم بقتل التائب، وإزالة النجاسة بقطع موضعها وهكذا. فعلمنا الله أن ندعوه بألا يكلفنا بالأعمال الشاقة والأعباء الثقيلة وإن أطقناها كما فعل مع الأمم السابقة فنبينا نبي الرحمة وشرعه السهل السمح وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. «٢» ربنا ولا تحملنا ما لا قدرة لنا عليه من العقوبة والفتن، واعف عنا فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا، واغفر لنا فيما بيننا وبين عبادك فلا تطلعهم على عيوبنا وأعمالنا القبيحة، وارحمنا بأن توفقنا حتى لا نقع في ذنب آخر، روى مسلم عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال: قال الله: نعم «٣» . وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: قال الله: قد فعلت «٤» . أنت يا رب متولى أمورنا وناصرنا وعليك توكلنا وإليك أنبنا ولا حول ولا قوة إلا بك، فانصرنا على القوم الكافرين آمين يا رب.

стр. 201

سورة آل عمران مدنية [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) المفردات: الم في معناها ما قيل في أول سورة البقرة، وتقرأ: ألف. لام. ميم كما تقول: واحد. اثنان: الْكِتابَ: القرآن. التَّوْراةَ: كلمة عبرانية معناها الشريعة، وتطلق عند أهل الكتاب على خمسة أسفار: سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر الأخبار، سفر العدد، سفر التثنية. أما في عرف القرآن فهي: ما أنزل الله- تعالى- من الوحى على موسى- ﵇ ليبلغه قومه وفيها البشارة بمحمد ﷺ . الْإِنْجِيلَ: لفظ يوناني، ومعناه البشارة، ويطلق عند النصارى على أربعة كتب تعرف بالأناجيل، وعلى ما يسمونه العهد الجديد، والإنجيل الأربعة: كتب وجيزة في سيرة المسيح وشيء من تاريخه وتعليمه وليس لها سند متصل عند أهلها بل هم مختلفون في تاريخ كتابتها كثيرا، وأما الإنجيل في عرف القرآن: فهو ما أوحاه الله إلى رسوله عيسى ابن مريم وفيه البشارة بمحمد ﷺ .

стр. 202

الْفُرْقانَ: ما يفرق بين الحق والباطل كالدلائل والبراهين، وقيل: العقل، وقيل: القرآن. الْأَرْحامِ: جمع رحم، وهو مستودع الجنين من المرأة. نزلت هذه الآيات في وقد نصارى نجران، كانوا ستين راكبا فيهم أربعة عشر من أشرافهم وعلى رأسهم أميرهم ووزيرهم وحبرهم، ولما قدموا على النبي ﷺ وعليهم الحبرات، تكلم منهم ثلاثة، فمرة قالوا: عيسى ابن مريم إله لأنه يحيى الموتى، وتارة هو ابن الله إذ لم يكن له أب، وتارة هو ثالث ثلاثة لقوله- تعالى- قلنا وفعلنا ولو كان واحدا لقال: قلت وفعلت، وحاجهم رسول الله ﷺ بما يدحض حجتهم ويزيل شبهتهم، ولكنهم عاندوا حتى طالبهم النبي ﷺ بالمباهلة فامتنعوا، فأنزل الله من أول السورة إلى نيف وثمانين آية منها تقريرا لما احتج به النبي وبيانا لعنادهم وجحودهم. المعنى: بدأ الله السورة بإثبات التوحيد الذي هو أساس الدين ولرد اعتقادهم من أول الأمر، الله لا معبود بحق في الوجود إلا هو إذ ليس في الوجود صاحب سلطة حقيقية على النفوس يبعثها على تعظيمه والخضوع له قهرا منها معتقدة أن بيده منح الخير ورفع الضر إلا الله وحده دون سواه، الحي الدائم الحياة التي لا أول لها، القيوم على خلقه بالتدبير والتصريف قامت به السموات والأرض قبل خلق عيسى، فكيف تقوم قبل وجوده؟ إذا ليس إلها نزل عليك يا محمد القرآن بالحق لا شك فيه، ولا ريب أنه من عند الله أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدا، مصدقا لما بين يديه من الكتب المنزلة على الأنبياء قبله فهي تصدقه بما أخبرت به وبشرت وهو يصدقها لأنه جاء مطابقا لما أخبرت وبشرت. وأنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى من قبل هداية للناس وإرشادا، فأنتم ترون أن الله أنزل الوحى وشرع الشرائع قبل وجود عيسى وبعده فلم يكن عيسى هو المنزل للكتب على الأنبياء، وإنما كان نبيّا مثلهم فكيف يكون إلها؟ وأنزل الله الفرقان ووهب العقل والوجدان ليفرق الإنسان بين الحق والباطل، وعيسى لم يكن واهب العقول والأفهام.

стр. 203

فكيف يكون إلها وليس فيه صفة مما تقدم؟ وأما أنتم أيها المجادلون بغير حق فتعقلوا وتدبروا فقد جاوزتم حدود العقل والمنطق. إن الذين كفروا بآيات الله الواضحة التي تدل على كمال وصفه وسمو نعته بكل صفات الجمال والجلال والألوهية والربوبية لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب بما كانوا يظلمون ومنهم أنتم أيها المجادلون. وكانوا يقولون عيسى إله لإخباره عن بعض المغيبات فيرد القرآن عليهم! إن الإله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وعيسى لم يكن كذلك. وقالوا: عيسى ليس كغيره ولد من غير أب فهو إله ... فرد الله عليهم: ليست الولادة من غير أب دليلا على الألوهية إذ المخلوق عبد كيفما خلق، وإنما الإله هو الخالق الذي يصوّر في الأرحام كيف يشاء وعيسى لم يصور أحدا بل صوّر هو في رحم أمه كما يصور جميع الخلق، أفيعقل أن يكون الذي صور في الرحم وخرج منه إلها..؟ لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن الوالد والولد، العزيز الحكيم. المحكم والمتشابه في القرآن [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧ الى ٩] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧) رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩)

стр. 204

المفردات: مُحْكَماتٌ: ظاهرات الدلالة لا خلاف في معناها. مُتَشابِهاتٌ يقال: اشتبه الأمر عليه: التبس، فالمتشابهات التي لم يظهر معناها ويتضح بل خالف ظاهر اللفظ المعنى المراد، وقيل: ما استأثر الله بعلمه. زَيْغٌ: ميل عن الحق. تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ: معرفة حقيقية وبيان ما يؤول إليه في الواقع. الرَّاسِخُونَ: الثابتون في العلم المتأكدون منه. المعنى: كان النصارى يستدلون ببعض آيات القرآن التي يفيد ظاهرها تميّز عيسى على غيره من البشر كقوله في شأن عيسى: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [سورة النساء آية ١٧١] ، على أنه ثالث ثلاثة أو هو الإله أو ابنه ... إلخ فيرد الله عليهم: إن القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ بعض آياته محكمات واضحات ظاهرات لا خلاف بين ظاهر اللفظ والمعنى المراد منها كقوله- تعالى- مثلا: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [سورة الإسراء آية ٢٣] . وكقوله في شأن عيسى: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ [سورة الزخرف الآية ٥٩] وكآيات الأحكام مثل: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [سورة الأنعام آية ١٥١] ، وهكذا المحكم كل ما لا يحتمل من التأويل المعتد به إلا وجها واحدا. وهنّ- أى: المحكمات- أمّ الكتاب وعماده ومعظمه وأصله الذي دعى الناس إليه ويمكنهم فهمه، وعنها يتفرع غيرها ويحمل عليها، وهي أكثر ما في القرآن. فإن اشتبه علينا من الآيات آية ردت إلى المحكم وحملت عليه، مثلا قوله تعالى: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء ١٧١] ترد وتحمل على قوله: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ [الزخرف ٥٩] وقوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران ٥٩] بمعنى أننا نؤمن بأن الكل من عند الله وأنه لا ينافي الأصل المحكم. وأما الآيات المتشابهات كقوله- تعالى- في عيسى: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [النساء ١٧١] . وكقوله: مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران ٥٥] في شأن عيسى. وكقوله- تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه ٥] يَدُ اللَّهِ فَوْقَ

стр. 205

أَيْدِيهِمْ [الفتح ١٠] إلخ. فهذه آيات متشابهات تحتمل عدة معان، ويخالف ظاهر اللفظ فيها المعنى المراد فهي مما استأثر الله بعلمه. فليس لكم أيها النصارى أن تحتجوا بأمثال هذه الآيات فإنها من المتشابه الذي يحتمل عدة معان والله أعلم بها، وكيف لا تدينون بقوله- تعالى: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [سورة النساء آية ١٧٢] . وتتمسكون بآيات استأثر الله بعلمها هو. فأما الذين في قلوبهم زيغ وميل عن الحق إلى الباطل فيتبعون المتشابه ويتركون المحكم ابتغاء فتنة الناس وإضلالهم، ولكن يؤولون القرآن تأويلا غير سائغ في العقل ولكنه موافق لأوهامهم وضلالهم.. وما يعلم تأويله وحقيقته إلا الله. بعض القراء يقفون على (الله) والراسخون في العلم كلام مستأنف، وحجتهم في ذلك أنه وصفهم بالتسليم المطلق ومن عرف الشيء وفهمه لا يعبر عنه بما يدل على التسليم المحض. على أن المتشابه ما استأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة أو ما خالف ظاهر اللفظ فيه المراد منه، فهذا لا يعلم حقيقته إلا الله والراسخون في العلم كغيرهم وإنما خصوا بالذكر لأنهم يقفون عند ما يدركون بالحس والعقل، ولا يتطاولون إلى معرفة حقيقة المغيبات وإنما سبيلهم التسليم قائلين، آمنا به كل من عند ربنا. وبعضهم لا يقف على لفظ الجلالة، والراسخون معطوف عليه على معنى لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم وذلك أن الله ذم الذين يبتغون التأويل لذهابهم إلى ما يخالف المحكم يبتغون الفتنة وإضلال الناس، والراسخون ليسوا كذلك فهم أهل اليقين الثابت يفيض الله عليهم فيفهمون المتشابه بما يتفق مع المحكم جاعلين المحكم أساسا ويؤمنون بأن الكل من عند الله، وهذا ابن عباس- رضى الله عنه- يقول فيه المصطفى ﷺ : «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» «١» وإنما خص الراسخون في العلم بالذكر لئلا يقلدهم غيرهم في هذا الفهم. بقي سؤال: لم نزل في القرآن المتشابه وقد نزل هاديا للناس جميعا والمتشابه يحول دون الهداية؟

стр. 206

والجواب: قد أنزل الله المتشابه ليميز الصادق الإيمان من ضعيفه، على أن يكون هذا حافزا لعقل المؤمن على أن ينظر ويبحث حتى يصل إلى حد العلم ولا تنس أن الرسالة عامة وفي الناس خواص وعوام، فكلّ خوطب بما يقدر على فهمه، ولذلك يقول تعالى: الراسخون في العلم لا في الدين، وما يتذكر بهذا إلا أولو العقول الصافية، الذين يقولون: ربنا لا تمل قلوبنا بعد هدايتك لنا، وهب لنا من لدنك رحمة ترحمنا وتوفيقا يوفقنا إلى الخير والسداد إنك أنت الوهاب. ربنا إنك جامع الناس ليوم القيامة يوم لا شك فيه، فاغفر لنا ووفقنا واهدنا إنك لا تخلف الميعاد. عاقبة الغرور بالمال والولد والأمثال على ذلك [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠ الى ١٣] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣)

стр. 207

المفردات: وَقُودُ النَّارِ ما توقد به النار من حطب أو فحم. كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ: الدأب: مصدر دأب يدأب، أى: كدح، ثم استعمل فيما عليه الإنسان من شأنه وحاله. الْمِهادُ: الفراش الممهّد. المناسبة: بعد بيان الحق والصفات الواجبة لله وما نزله من الكتب خصوصا القرآن، وبيان فهم الناس لا سيما الراسخون من العلماء: شرع في بيان حال الكفرة بالقرآن المغرورين بالمال والولد. والموصول في الآية يشمل وقد نجران واليهود أو كل كافر بالله. المعنى: يبين الله- سبحانه- حال الكفرة من النصارى واليهود والمشركين وسبب عنادهم وغرورهم الزائف في أموالهم وأولادهم: وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً [سورة سبأ آية ٣٥] فيرد الله عليهم في غير موضع في القرآن. إن الذين كفروا بآياتنا وكذبوا رسلنا واجترءوا على كلامنا لن تكون أموالهم ولا أولادهم بدلا لهم من الله ورسوله تغنيهم عنه، فإنهم إن تمادوا في غيهم وساروا في ضلالهم فأولئك البعيدون في درجات العتو والفساد هم وقود النار وأصحابها. وذلك لأن حالهم كحال آل فرعون ومن قبله من المؤتفكات كقبائل عاد وثمود كان حالهم أنهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، والله سريع طلبه شديد عقابه، قوى عذابه. سبب النزول: روى عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس- رضى الله عنهم- أن النبي ﷺ لما أصاب قريشا ببدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بنى قينقاع وحذرهم أن

стр. 208

ينزل بهم ما نزل بقريش، فقالوا: لا يغرنك أنك لاقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة لئن قاتلتنا لعلمت أنّا نحن الناس، فنزلت الآية. قل لهم يا محمد: ستغلبون أيها اليهود عن قريب في الدنيا ولا يغرنكم مالكم وأولادكم فالأمر ليس بكثرتهم وإنما هو بيد الله- وقد تحقق هذا، بقتل بنى قريظة وإجلاء بنى النضير وفتح خيبر وضرب الجزية على من عداهم، وهذا من أوضح الشواهد على صدق محمد ﷺ ورسالته. وستحشرون في الآخرة إلى جهنم وبئس المهاد ما مهدتم لأنفسكم. وتالله لقد كان لكم آية عظيمة دالة على صدق ما يقوله القرآن لكم: من أنكم ستغلبون آية في جماعتين التقتا كانت إحداهما معتزة بكثرتها مغرورة بمالها وعددها كافرة بالله وتقاتل في سبيل الشيطان. والأخرى فئة قليلة العدد صابرة مؤمنة بالله تقاتل في سبيل الله. وقد كان الأمر كذلك في موقعة بدر فقد كان المسلمون ثلاثمائة رجل تقريبا والكافرون حوالى الألف. ومع هذا فقد رأى المؤمنون الكافرين مثلهم فقط لأن الله قللهم في أعينهم حتى يقاتل الرجل المسلم رجلين فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [سورة الأنفال آية ٦٦] . ويصح أن يكون المراد أن المؤمنين يرون أنفسهم مثلي ما هم عليه من العدد حتى يطمئنوا وتقوى روحهم، وجملة القول أن الآية ترشدنا إلى الاعتبار بمثل الواقعة المشار إليها فقد غلبت فئة قليلة فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين، ولذلك قال: إن في ذلك لعبرة لأصحاب الأبصار الصحيحة التي تنظر فتفكر فتعتبر. الإنسان وشهواته في الدنيا [سورة آل عمران (٣) : آية ١٤] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)

стр. 209

المفردات: زُيِّنَ لِلنَّاسِ: حبب لهم. الشَّهَواتِ: جمع شهوة، وهي انفعال النفس بسبب الشعور بالحاجة إلى ما تستلذه. الْمُسَوَّمَةِ: المعلمة، وقيل: السائمة التي ترعى في المروج والمرعى. الْقَناطِيرِ: جمع قنطار، وهو المال الكثير. المعنى: أن وفد نصارى نجران وغيرهم من صناديد الكفر عرف في خلال كلامهم أنهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، وما يمنعهم من إظهاره إلا خوفهم على ما عندهم من رئاسة كاذبة أو مال زائل، وذلك أنهم يحبون الدنيا حبا أعمى، فبين الله حب الإنسان للدنيا ومظاهرها ثم بين ما هو خير من ذلك كله. وهذه الأصناف المذكورة قد زين الله حبها للناس وغرسه في قلوبهم حتى صار غريزة عندهم، ومن أحب شيئا ولم يزين له يوشك أن ينفر منه، ومن أحبه وزين له فلا يكاد يرجع عنه ولا يقبل فيه كلاما ولا يرى فيه عوجا ... ولقد عبر القرآن عن هذه الأشياء بالشهوة مبالغة في كونها مشتهاة مرغوبا فيها وإيذانا بشدة تعلق الناس بها، وللإشارة إلى أن حبها من طبيعة الإنسان الحيوانية، فإن الشهوة من صفات البهائم حتى يعتدل الإنسان في حبه لها. إن الإسلام دين ودولة، وعمل واعتقاد، واعتدال وتوسط قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف ٣٢] فليس ديننا دين رهبنة وتقشف وزهد يفهم بعض الناس ... فليس ممنوعا حب هذه الأصناف ولكن الممنوع المبالغة والإسراف فيها حتى تطغى على الناحية الدينية ومظاهرها. والنساء والبنون زهرة الحياة ومتعة النفس ولكن إلى حد «الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة [إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب حفظته في نفسها وماله» ] . وأما البنون فهم فلذة أكبادنا وقرة أعيننا.

стр. 210

والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والمراد بها المال الكثير وحبه غريزة في الإنسان، ولقد صدق رسول الله ﷺ : «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى أن يكون لهما ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» . والمال يكون مذموما إذا جعل صاحبه يطغى ويختال ويتكبر ويمنع حقوق الله والناس وأما إذا أعطى به الحقوق وقام بالواجبات الدينية والوطنية فنعم المال هو عدة وصلة وقربى إلى الله. والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك كله متاع الحياة الدنيا وزينتها، وهذه الأصناف تذم إن كانت سببا في الشر والبعد عن الله وهذا هو المشاهد في الكثير الآن وعند ذلك تكون خطرا على صاحبها فإن كانت سببا في الخير ولم تمنع صاحبها من القيام بالواجب بل ساعدته كانت خيرا له. ما هو خير من الدنيا وما فيها [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥ الى ١٧] قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) المفردات: مُطَهَّرَةٌ: طاهرات من دنس الفواحش والحيض والنفاس. الْقانِتِينَ:

стр. 211

الملازمين للطاعة مع الخضوع. بِالْأَسْحارِ: جمع سحر، هو الوقت الذي يختلط فيه ظلام آخر الليل بضياء النهار. المعنى: قل لهم يا محمد: أأخبركم بما هو خير مما سبق من زينة الدنيا ومتاعها؟ وفي التعبير (بخير) إشارة إلى أن ما مضى من النساء والبنين ... إلخ فيه خير بلا شك بشرط أن يستعمل في حقه وألا يطغى حبه على غيره وعلى العمل لوجه الله. وهو تفصيل لقوله تعالى: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ وإبهام الخبر أولا تفخيما لشأنه وتشويقا إليه، ثم تفصيله وتوضيحه بقوله- تعالى: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ ... الآية، أتم للبيان وأثبت للجنان. للذين أخذوا لأنفسهم وقاية من عذاب الله لهم عند ربهم الذي رباهم وتعهدهم والإضافة إلى ضميرهم فيها مزيد لطف وعناية بهم، لهؤلاء جنات تجرى من تحتها الأنهار ماكثين فيها أبدا، لا يبغون عنها حولا ولهم فيها أزواج مطهرة من دنس الحيض والنفاس طاهرات من دنس الفواحش والشوائب. وقد جعل الله للمتقين نوعين من الجزاء: نوع مادى وهو الجنة، ونوع روحي وهو رضوان الله وهو أكبر وأعظم من كل نعمة وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [سورة التوبة آية ٧٢] . والتقوى أمر لا يعلمه إلا الخبير البصير بعباده، ولذا يقول النبي ﷺ : «التقوى هاهنا» (ويشير إلى صدره) ويختم الله الآية بقوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ. ومن هم المتقون الله حقيقة؟؟ هم الذين يقولون: ربنا إننا آمنا بك وبرسلك وكتبك بقلوبنا إيمانا حقيقيا، ومن كان هكذا استحق المغفرة والوقاية من عذاب الله ولذا قالوا: فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ومن صفاتهم أنهم الصابرون الذين حبسوا أنفسهم عن كل مكروه ومحرم وصبروا على تقوى الله وعلى قضاء الله، ولا شك أن الصبر هو الذي يثبّت النفس عند زوابع الشهوات ولذا قرن التواصي بالصبر مع

стр. 212

التواصي بالحق وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر ٣] : وهم الصادقون في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ «١» . والقنوت: المداومة على الخشوع والضراعة، وهم المنفقون أموالهم في سبيل الله نفقة واجبة ومندوبة، وهم المستغفرون بالأسحار، وخص وقت السحر لأن العمل فيه شاق والنفس فيه صافية والدعاء مستجاب، وأفضل صيغة للاستغفار ما رواه البخاري عن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علىّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» «٢» . الشهادة بالوحدانية والعدل وأن الدين الإسلام [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨ الى ٢٠] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)

стр. 213

المفردات: شَهِدَ اللَّهُ الشهادة: عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم والإظهار والبيان. الدِّينَ المراد به الملة والشرع. بَغْياً: حسدا أو ظلما. المعنى: أخبر الله- تعالى- ملائكته ورسله بأنه الواحد الأحد لا إله إلا هو، أخبرهم على علم وبين ذلك لهم أتم بيان، والملائكة أخبروا الرسل بتوحيد الله وبينوه لهم، وأولو العلم أخبروا بذلك وبينوه عالمين به ولا يزالون كذلك ... شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم شهد هذه الشهادة قائما بالعدل في الدين والشريعة والكون والطبيعة وفي العبادات والآداب والمعاملات، فالله قد أتقن نظام الكون وأحكمه وعدل بين القوى الروحيّة والمادية، وكانت الأحكام الشرعية مبنية على أساس التوازن الصحيح بين الفرد والأمة وبين الفرد والخالق وبينه وبين نفسه وبينه وبين أخيه وبين الغنى والفقير وهكذا ... إن الدين الذي ارتضاه الله وأحبه لعباده من يوم أن خلق الخلق إلى يوم الدين هو الإسلام، ولا شك أن جميع الأنبياء والمرسلين لا يختلفون في جوهر الدين وهو الإسلام والتوحيد والعدل في كل شيء وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [آل عمران ٨٥] وما اختلف الذين أوتوه من أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم اليقيني بأن محمدا هو خاتم الأنبياء وهو المبشر به عندهم الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [سورة البقرة آية ١٤٦] . اختلفوا في شأنه حسدا من عند أنفسهم وبغيا بينهم وحرصا على الدنيا وما فيها. ومن يكفر بآيات الله الدالة على صدق الأنبياء بعد هذا فإن الله سريع الحساب وشديد العقاب. فإن حاجوك بعد هذا وجادلوك بعد أن جئتهم بالحق البين فقل لهم: إنى ومن معى من المؤمنين قد أسلمت وجهى لله وانقدت له وأقبلت عليه بعبادتي مخلصا لله وحده معرضا عما سواه، فإن كنتم مسلمين لله مخلصين له فما يمنعكم من اتباعى؟

стр. 214

وقل لليهود والنصارى والمشركين الأميين فإنهم هم الحاضرون والمعاصرون للنبي ﷺ فقط. قل لهم: أأسلمتم؟؟ فإن أسلموا لك فقد اهتدوا إلى الطريق المستقيم، وإن تولوا وأعرضوا فقل لهم: إنما علىّ البلاغ فقط، والله- سبحانه- البصير بخلقه العليم بحالهم فيحاسبهم ويجازيهم. جزاء قتل الأنبياء ومن يأمر بالمعروف [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢١ الى ٢٢] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢) المفردات: فَبَشِّرْهُمْ: من البشارة والبشرى، وهي: الخبر السار تنبسط له بشرة الوجه، وإطلاق هذا على الخبر الذي سيلقى للكفار من باب التهكم لأن وجوههم ستنقبض له. حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ: بطلت. المعنى: إن الذين يكفرون بآيات الله بعد معرفتها ويقتلون النبيين لأنهم قالوا: ربنا الله، يقتلونهم معتقدين أن قتلهم بغير حق ولا ذنب اللهم إلا قول الحق وتبليغ الرسالة، وهؤلاء هم اليهود، نسب إلى اليهود فعل آبائهم لأنهم راضون عنه، على أنهم هموا بقتل

стр. 215

النبي ﷺ إمعانا في الفساد والضلال، ويقتلون كذلك الذين يأمرون بالعدل والقسط ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كالعلماء وكل من نصب نفسه للدفاع عن الدين والحق لله ورسوله. وقتل هؤلاء جريمة كبرى وخسارة عظمى لأممهم، أما من قتل واستشهد في سبيل الله فقد وقع أجره على الله، وفي هذا العصر يسجل التاريخ أن هناك من قتل في سبيل الدعوة إلى الله والوطن وقتلهم جريمة في (حق الوطن) والدين وتسجيل على هؤلاء السفاكين القتلة جرمهم وذنبهم، وهؤلاء القتلة بشرهم بعذاب أليم وقعه شديد خطره، أولئك البعيدون في الضلال بطلت أعمالهم دنيا وأخرى وما لهم في الآخرة من ناصرين يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ «١» . الإعراض عن حكم الله مع الغرور [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٣ الى ٢٥] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) المفردات: نَصِيباً: جزءا من التوراة. كِتابِ اللَّهِ قيل: هو التوراة، أو القرآن يَفْتَرُونَ: يختلقون ويكذبون.
следующие страницы →