التعجب من حالهم فإن الخطأ في شركهم ظاهر للعيان، والضرر اللاحق بهم لا يختلف فيه اثنان، فماذا بقي بعد ذلك؟ أعندهم حجة؟ بل أهم مأمورون بذلك حتى نلتمس لهم العذر؟ لا هذا ولا ذاك: ولكنهم في ضلالتهم يعمهون.
هذه حال المشركين في الشدة والرخاء، وهي حال ظاهر فيها الشرك وسوء الرأى كالشمس، وهناك حال أخرى قد تكون أخف، حال من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به ورضى، وإن أصابه شر أو سوء قنط به وسخط، وإذا ذاق نعمة من الله ورحمة فرح بها وسر، وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ «١» فهم لا يصبرون عليها صبرا قليلا لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، ويهبهم من لدنه فرجا، ولكنهم قوم يستعجلون، لم تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم، فهم يعبدون الله للدنيا والنعمة، وأما المؤمن حقّا فصابر على البلاء راض بالقضاء، شاكر ربه في السراء والضراء. وهو إن أعطى من الدنيا شكر، وإن حرم صبر..
أنسوا ولم يعلموا أن الله يبسط الرزق ويوسعه لمن يشاء بقطع النظر عن الكفر والمعصية والذنب؟ ويقتر الرزق على من يشاء بصرف النظر عن الإيمان وصالح الأعمال؟ فالدنيا عند الله لا تزن جناح بعوضة، وليست محل ثواب أو عقاب، فالمؤمن هو الراضي بقضاء الله الذي لا ييأس من رحمة الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولا يبطر إن أصابته نعمة بل يقوم بالشكر والثناء لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [سورة الحديد آية ٢٣] إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون.
وإذا كان الرزق من الله، وهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويضيق على من يشاء، فآت كل ذي حق حقه، ولا تبخل بما آتاك الله، وجعلك خليفة عليه، أعط ذوى القربى حقهم والمسكين وابن السبيل، ذلك خير في نفسه، وأى خير؟ للذين يريدون وجه الله، ويقصدون بذلك رضاء الله لا يفعلون ذلك رياء وسمعة، وأولئك هم المفلحون الذين سعدوا في الدنيا والآخرة.
يقول العلماء: إن الربا نوعان: ربا لا إثم فيه، وربا فيه إثم كبير. أما الأول فهو من يهب أو يهدى قاصدا أن ترد هديته بزيادة له. والثاني الربا المحرم شرعا الذي يمحقه الله
стр. 1822
ويؤذن صاحبه بحرب لا هوادة فيها يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ «١» يقول الله:
وما آتيتم وفعلتم من هدية أو هبة بقصد الزيادة عند ردها- فسمى الهدية والهبة ربا لأن الزيادة هي المطلوبة له، والربا هو الزيادة- ليربو ويزيد في اجتلاب أموال الناس، فلا يربو ولا يزيد عند الله، ففي الحقيقة الذي حصلت له الزيادة هو الذي أعطيت له الهبة وأخذها لا من أعطى ليأخذ الزيادة، إذ هو شخص ارتكب مكروها، وهذا أدب قرآنى عادل وتوجيه لنا سام.
وما آتيتم من زكاة ودفعتموها لوجه الله فأولئك هم المضعفون الذين يضاعف الله لهم الثواب، وانظر يا أخى لمن يعطى قاصدا رد العطية وزيادة فكأنه مراب، ومن يعطى صدقة لا يبغى بها سوى وجه الله، فأولئك هم الذين يضاعف الله لهم الحسنات، ويجازيهم عليها عشرا أو سبعمائة وقد تزيد.
من دلائل التوحيد ونتائج الأعمال [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٤٠ الى ٤٥]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥)
стр. 1823
المفردات:
الْفَسادُ: الجدب، وأخذ المال ظلما، والمفسدة: ضد المصلحة يَرْجِعُونَ: يثوبون إلى رشدهم ويؤمنون بربهم لا مَرَدَّ لَهُ: لا راد له ولا نافع منه. يَصَّدَّعُونَ: يتفرقون يَمْهَدُونَ: يوطئون لأنهم جعلوا لها فراشا ومسكنا وقرارا.
المعنى:
الله الذي لا إله إلا هو، ولا معبود بحق في الوجود سواه، هو الذي خلقكم على ما ترون من كمال الخلقة، وحسن الهيئة، وشرف الوضع والنظام الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ خلقكم ثم رزقكم بكل أنواع الرزق حيث خلق لكم ما في الأرض جميعا، ثم بعد ذلك يميتكم إذا انتهى أجلكم، ثم يحييكم ليأخذ كلّ جزاءه وافيا، ومن قدر على بدء الخلق فهو القادر على الإعادة، هل من شركائكم من يستطيع أن يفعل شيئا من ذلك؟! لا وأيم الحق إنها عاجزة عن دفع الذباب عن نفسها.
سبحانه وتنزيها له وتقديسا، أى: نزهوه ولا تصفوه بالإشراك، وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، فهو لا يجوز عليه شيء من ذلك.
لقد كانت الدنيا تموج بالخير، وتسعد بالرخاء، ويعمها الأمن والسعة لقلة الطمع في المال، وعدم التكالب على الدنيا- ولعل قلة العدد لها مدخل في ذلك- وظل الإنسان يرفل في ثوب السعادة يعيش هنيئا حتى ظهر الحقد والحسد، واستشرى الفساد والطمع، وظهر في ألوان مختلفة، وانتهى الأمر إلى الشرك بالله، واتخاذ الآلهة من دونه، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه، فوقع الصراع
стр. 1824
بين الحق والباطل، وكان لا بد من عقاب العصاة وإثابة المؤمنين، فكان الهلاك والتدمير لبعض الأمم، ونزعت البركة من الناس، وعوقبوا بنقص في الأموال والأنفس والثمرات كي يتوبوا ويثوبوا إلى رشدهم، وهذا معنى قوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فكان القحط ونزع البركة وحلول بعض الآفات جزاء في الدنيا لأعمال الكفار والعصاة لعلهم يرجعون عماهم فيه، فإن من الناس من لا يستقيم أمره إلا بإيقاع العذاب عليهم سريعا.
ثم أكد تسبب المعاصي لغضب الله ونكاله حيث كلفهم بأن يسيروا في الأرض لينظروا كيف أهلك الله الأمم السابقة، وأذاقهم سوء العذاب لطغيانهم وسوء أعمالهم وكأن قوله- : كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ كالبرهان على أن الشرك وحده لم يكن سبب التدمير وإيقاع العذاب، بل قد يكون ما دونه مما تحقر من الأعمال هو سبب البلاء والعذاب، نعم فالمسلمون الآن يؤمنون بالله، ولكنهم يأتون أعمالا هي سبب خذلانهم وضعفهم وإيقاع العذاب بهم، فهل من مدكر؟! لما نهى الكافر عما هو عليه، أمر المؤمن بالواجب عليه فقال مخاطبا الرسول إيذانا بخطر المأمور به، وعناية به:
إذا كان الأمر كذلك فأقم وجهك، واجعل قصدك خالصا للدين القيم الذي هو الإسلام فهو دين الفطرة الإنسانية، ولا تلتفت لغيره أبدا من قبل أن يأتى يوم الحساب والجزاء، وهو يوم لا يرده راد، ولا يتهيأ لأحد دفعه من دون الله. يومئذ يصدعون ويتفرقون، فريق في الجنة وفريق في السعير، وهذا شحذ للهمة، وتحريض على انتهاز الفرصة من قبل هذا اليوم.
من كفر فعليه وزر كفره وعاقبته، ومن عمل صالحا بعد الإيمان فلنفسه طلب الخير، ولها مهد مقعدا كريما وهيأ لها مسكنا مناسبا يتناسب مع ما قدم من العمل.
كل ذلك ليجزي ربك الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إذ لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله، ولكن بمحض فضل الله.
أما الكفار فإن ربك لا يحبهم، وناهيك بعدم المحبة فهي عنوان العذاب الدائم والألم الشديد بما كانوا يكسبون، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون..
المفردات:
مُبَشِّراتٍ: تبشر بالخيرجْرَمُوا
: فعلوا جرما وارتكبوا إثما فَتُثِيرُ:
تهيجه وتحركه فَيَبْسُطُهُ المراد: تنشره متصلا بعضه ببعض كِسَفاً: جمع كسفة وهي القطعة من الشيء لَمُبْلِسِينَ يقال: أبلس الرجل فهو مبلس: سكت فلم ينطق وقيل: أيس مُصْفَرًّا أى: رأوا الزرع مصفرّا لجفافه الرِّياحَ جمع ريح، قال أبو عمر: كل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو مفرد، وعليه
قول النبي ﷺ : «اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا»
فَتَرَى الْوَدْقَ الودق: هو المطر.
المعنى:
ومن آياته الكونية التي تنطق بأن صاحبها قادر عالم مريد، له الأمر كله، ويحيى ويميت: الرياح التي يرسلها الله تبشر بالخير والبركة، كالمطر، وتلقيح الشجر، وتحريك السفن، وصلاح الأجواء.
أرسل الرياح لتبشر، وليذيقكم من رحمته بالمطر وغيره. ولتجرى الفلك على سطح الماء بأمره وإرادته، فليست كل الرياح تجرى الفلك فقد تكون عكسية في اتجاهها، ولتبتغوا من فضله بالتجارة وتلقيح النبات، ودنو ثمره، ولتشكروا الله على ما أنعم عليكم من نعمة الرياح، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.
وتالله لقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم، فجاءوهم بالبينات وحملوا لهم من الكتاب المنزل عليهم الآيات، وأرشدهم إلى آيات من الكون واضحات، فآمن بهم من آمن، وكفر من كفر، فانتقم ربك من الذين كفروا وارتكبوا جرما وإثما، وكان ذلك حقا، وأما من آمن واهتدى، وصدق بالحسنى فكان على ربك نصر المؤمنين حقا، فاعتبروا يا أولى الألباب، واتعظوا بغيركم يا كفار مكة، قبل أن يأتى يوم لا مرد له، وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير، أليس إرسال الرسل بالآيات نعمة من أجل النعم وآية من أقوى الآيات؟ وما ينزل على الرسل كالماء الذي يحيى الأرض بعد موتها؟ أليس هذا كافيا لسوق آية إرسال الرسل وسط آيات المطر؟.
стр. 1827
الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا، وتهيجه وتحركه بعد أن كان ساكنا، فتبثّه في السماء- والمراد تنشره متصلا بعضه ببعض- على أى نحو يشاؤه من قلة وكثرة، وسرعة في المشي وإبطاء، وتارة يجعله قطعا متفرقة، فيصيب به على كل حال من يشاء من عباده، وهو على كل شيء قدير، أليس في هذا ما يدل على أن الأمور تجرى بميزان، وأن خالقها قادر واحد مختار؟
فإذا أصاب به من يشاء من عباده فاجأ استبشارهم نزوله، وفرحوا به بخصبه، وقد كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لآيسين من نزول المطر عليهم ساكنين من شدة الحزن الذي أصابهم من طول جدبهم وانتظارهم، وفي قوله تعالى: مِنْ قَبْلِهِ بعد قوله: وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ توكيد لحكمة غالية، ومعنى التوكيد هنا: (للدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد فاستحكم يأسهم وتمادى إبلاسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك) انتهى من الكشاف. ومن هنا كان تكريرا لحكمة سامية، وإشارة إلى معان عالية.
فانظروا نظر استبصار واستدلال لتستدلوا على أن من يقدر على ذلك قادر على إحياء الموتى.
انظروا إلى آثار رحمة الله إلى إحياء الأرض بعد موتها: بالخضرة والنبات، إن ذلك لمحيى الموتى، وهو على كل شيء قدير.
وتالله لئن أرسلنا ريحا مضرة، فأضرت زرعهم، فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون ويجحدون سالف نعمة الله عليهم، فهم قوم قلوبهم خالية من الإيمان الكامل والاعتماد على الله حقا، فهم إذا أصابهم الخير فرحوا واستبشروا، وإن غاب عنهم القطر أبلسوا ويئسوا. وانقطعت أنفسهم حزنا وألما، وإن أصابهم جدب أو هلاك لزرع كفروا بنعمة الله، ونسوا ما أنعم عليهم به، فبئس هؤلاء القوم المترددون بين الإفراط في الفرح والتفريط في الحزن والكمد.
ولو أنهم مؤمنون حقا لكانوا متوكلين على الله في كل حال، إذا أعطاهم شكروا وعملوا الطيبات، وإن حبس عنهم خيره لجئوا إلى الاستغفار والدعاء والصلاة حتى ينزل عليهم الفرج، وما يئسوا من رحمة الله، وإذا أصابهم بلاء في المال أو النفس والزرع صبروا، وحمدوا ربهم على السراء والضراء، أولئك هم المؤمنون حقا.
стр. 1828
وأما أنت يا محمد فقد سقت الأدلة، وضربت الأمثلة، وهددت بالوعد والوعيد فلم يزدهم هذا إلا عنادا واستكبارا، وجحدوا وفرارا، فلا تحزن عليهم ولا تيأس فإنك لا تسمع الموتى الذين ألفوا تقليد الأسلاف حتى ماتت قلوبهم، وعميت بصائرهم، ولا تسمع أولئك الصم عن الحق الذين صموا آذانهم، واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا، فهؤلاء الذين يصمون آذانهم عن الدعاء، ويولون الأدبار كيف تسمعهم الحق، وتهديهم إلى النور؟!! وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم بحال من الأحوال.
إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون. فأنت لا تسمع إلا من عنده استعداد للإيمان والإسلام ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة آية ٢] .
هكذا الإنسان.. وختام السورة [سورة الروم (٣٠) : الآيات ٥٤ الى ٦٠]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨)
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)
стр. 1829
المفردات:
ضَعْفٍ الضعف: ما قبل القوة شَيْبَةً أى: شيبا وهو بياض الشعر الأسود ساعَةٍ: مدة من الزمن قليلة يُؤْفَكُونَ يقال: أفك الرجل: إذا صرف عن الصدق والخير وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أى: لا يطلب منهم الإعتاب.
وحقيقة أعتبته: أزلت عتبة فالإعتاب إزالة العتب بفعل ما يرضى، يقال: استعتبته فأعتبنى، أى: استرضيته فأرضانى مُبْطِلُونَ أى: متبعون الباطل والسحر وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ يقال: استخف فلان فلانا، أي: استجهله حتى حمله على اتباعه في الغي.
المعنى:
وهذه الآية تتعلق بالإنسان ناطقة بإثبات القدرة والعلم والإرادة وغيرها من الصفات لله- فهذا الانتقال والتحول من حال إلى حال دليل على القدرة، وآية على البعث الذي ينكره المشركون.
الله هو الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة، فالإنسان خلق من منى يمنى، من ماء مهين، من نطفة هي غاية في الضعف والصغر والقلة، حتى أنها تحوى ملايين صالحة لتلقيح بويضة المرأة. والشخص منا يكون واحدا منها، ثم يظل ينتقل الإنسان من ضعف: وهو في بطن أمه ثم وهو رضيع، ثم وهو يدرج حتى يصير في دور المراهقة والشباب والرجولة فتظهر عليه علامات القوة والفتوة والشباب، ثم جعل من بعد القوة ضعفا وشيبة. تلك مراحل لا بد من مرورها على الإنسان ويستحيل عليه أن يولد قويا، كما أنه يستحيل عليه أن يكون في دور الشيخوخة قويا بل لا بد فيها من ضعف وشيبة.
стр. 1830
وانظر إلى أساس الاستدلال، وهو أن تلك الأدوار والأحوال التي في الإنسان والسحاب ليست طبيعية وإنما مردها إلى مشيئة الله يَخْلُقُ ما يَشاءُ [سورة المائدة آية ١٧] فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ [سورة الروم آية ٤٨] .
وهو العليم بأحوال الخلق المجازى عليها بالخير والشر، القدير الذي يقدر على كل ذلك وها هو ذا يذكر بعض أحوال يوم القيامة فقال: ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون قائلين: إنهم ما لبثوا غير ساعة من الزمن، وذلك أن الذي يوعد بالشر يستقل المدة المضروبة له، على العكس: الموعود بالخير يستكثر المدة مهما قلت، وهؤلاء الناس حينما عرفوا أنهم إلى النار صائرون، وأنهم ضلوا السبيل بكفرهم حينما علموا هذا كله ساعة الموت استقلوا مدة لبثهم في القبر، وقالوا: ما لبثنا غير ساعة كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها [سورة النازعات آية ٤٦] مثل ذلك الصرف عن الحق والبعث كانوا يصرفون في الدنيا عن الحق والصدق.
أما الذين أوتوا العلم من كتاب الله وأوتوا الإيمان به قالوا: لقد لبثنا إلى يوم البعث مستكثرين هذا المكث لأنهم متطلعون إلى نعيم الجنة.
وقالوا: إن كنتم منكرين البعث أيها المشركون فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون.
فيومئذ لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم، واعتذارهم عن أعمالهم، فلا يقبل منهم مثل قولهم: رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠] .
ولا هم يطلب منهم الإعتاب، أى: إزالة العتب بالتوبة التي تزيل آثار الجريمة وكيف يقبل منهم عذر، أو توبة؟! ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولم يحصل تقصير من جانب الرسل في تبليغ الدعوة إلى الله، فإن طلب الناس شيئا بعد تلك المعجزات والشواهد، وتوضيح الرسالة من الأنبياء فذلك عناد، ومن هان عليه تكذيب دليل لا يصعب عليه تكذيب الدلائل كلها كفرا وعنادا، لئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا: إن أنتم أيها المدعون للرسالة إلا مبطلون تتبعون السحر والباطل.
وليس هذا لسبب معقول، ولكن الله طبع على قلوب الكفار وختم عليها بالخاتم فلا يدخلها نور لأنهم مردوا على التكذيب والعناد، وملئت عقولهم بالخرافات والضلالات
стр. 1831
كما طبع الله على قلوبهم حتى لا يفهموا الآيات، فكذلك يطبع على قلوب الذين لا يعلمون، فهي عادة في الإنسان ليست غريبة منه، فاصبر يا محمد إن وعد الله حق، ولا يستفزنك الذين لا يوقنون بالآخرة حتى تترك ما أنت عليه بل اثبت والله ناصرك وحافظك من الناس.
стр. 1832
سورة لقمان
وهي مكية كلها غير آيتين هما: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ..
الآية ٢٧، ٢٨. وهي أربع وثلاثون آية، هدفها إثبات البعث والوحدانية، وصدق الرسل في رسالتهم.
القرآن وأثره [سورة لقمان (٣١) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)
وهذا بدء سورة كريمة جاء على وفق ما هو معروف غالبا في السور المكية التي تبدأ بأحرف هجائية، حيث تكلمت عن القرآن وآياته، وهو افتتاح شبيه بافتتاح سورة البقرة.
المعنى:
هذه الآيات- والإشارة إلى آيات السورة- آيات من الكتاب الحكيم الصنع البعيد الغاية، المحكم الذي لا خلل فيه ولا عوج، ولا تناقض فيه ولا اختلاف، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ «١» .
стр. 1833
هو هدى ورحمة ومصدر خير وبركة للناس جميعا شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ [البقرة ١٨٥] أما كونه هدى ورحمة فيشهد بذلك الواقع الذي ينطق بأن الرسالة المحمدية كانت فاتحة خير للعالم، ومبدأ عصر العلم والنور في مشارق الأرض ومغاربها.
ولكن المنتفعين بهدى القرآن والمغمورين برحمته هم قوم أحسنوا العمل والقصد وأخلصوا النية لله، وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمعه ويراه.
ومن دلائل الإحسان وعلاماته إقامة الصلاة علاجا للنفس، وإيتاء الزكاة علاجا للأمة، وهم بالآخرة هم يوقنون يقينا لا شك فيه ولا مرية، فهم يعملون لذلك اليوم، ويستعدون له استعدادا كاملا، وهذا من علامات الإنسان الحق، لما له من الأثر الفعال في الفرد والمجتمع واليقين الكامل، وخص الصلاة والزكاة واليقين بالآخرة بالذكر لفضل الاعتداد بها، أولئك- والإشارة للتعظيم- الذين بلغوا شأوا في الكمال والسمو حتى أصبح يشار لهم بالإشارة الحسية التي للبعيد، على هدى من ربهم ومتمكنون منه تمكن الراكب من المركوب، وأولئك هم المفلحون وحدهم إذ لا فلاح إلا بالإحسان، ولا خير إلا في اليقين والإيمان.
الكافرون بالقرآن والمؤمنون به [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٦ الى ٩]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)
стр. 1834
المفردات:
لَهْوَ الْحَدِيثِ اللهو: كل باطل ألهى عن الخير هُزُواً أى: مهزوءا بها وَقْراً: ثقلا وصمما.
نزلت الآية في النضر بن الحارث، وكان يتجر إلى فارس فيشترى كتب الأعاجم فيحدث بها قريشا قائلا: إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بأحاديث رستم وبهرام والأسرة من ملوك فارس. وأحدثكم عن ملوك الحيرة، وكان بعض الناس يستملح حديثه، ويترك استماع القرآن، وقيل: كان يشترى المغنيات فلا يظفر بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته فيقول: أطعميه واسقيه وغنّيه، ويقول:
هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام وأن تقاتل بين يديه.
المعنى:
هذا هو القرآن الذي نزل هداية ورحمة، وفيه آيات بينات وأسرار بالغات وحكم محكمات، ومع هذا كله فمن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله، ويتخذ آياته هزوا وسخرية.
لهو الحديث: هو السمر بالأساطير والأحاديث التي لا أصل لها، والتحدث بالخرافات والخيال الكاذب، وبفضول الكلام، وبما لا ينفع في شيء أبدا، وهو بالحديث كالغناء الخليع وبالوضع المغرى المثير للشباب المحرك للشيطان، فليس هو من باب اللهو فقط بل الواقع أنه سم زعاف يسقى للناس من حيث لا يشعرون.
والموسيقى المهذبة، المروحة للنفس، المجددة للنشاط، والغناء الرفيع في لفظه ومعناه، والكامل في شكله وموضوعه لا يأباه الدين ما دام لا يشغل عن حق، ولا يضيع منك فرضا، والغناء الذي نسمعه من تلك النسوة بهذا الشكل المزرى حرام بلا شك، ولا يفهمن أحد أن الدين جاف لا يتمشى مع العصر، إذ غرضه أن نرتفع بغرائزنا ونفوسنا عن مستوى الحيوانية البهيمية، وأن نغرس فينا معاني السمو الروحي بحيث نرضى أنفسنا مع العفة والقصد في المغريات المثيرات، والعناية بما يحبب مكارم الأخلاق، ويقوى الرجولة فينا، ذكر القرطبي في تفسير هذه الآية (أن الغناء المعتاد
стр. 1835
عند المشتهرين به الذي يحرك النفوس، ويبعثها على الهوى والغزل، والمجون الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، فهذا النوع إذا كان في شعر يشبّب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرمات لا يختلف في تحريمه.. فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة.
وأما ما ابتدعه الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغانى بالآلات المطربة من الشبابات- قصبة الزمر- والطار والمعازف والأوتار فحرام) .
وليت شعري ماذا كان رأيه لو امتد به الزمن حتى رأى وسمع ما يحدث عندنا في المسارح والملاهي وعلى الشاشة؟! لقد حدثني أستاذ فاضل حضر رواية في انجلترا ثم حضر عرضها في القاهرة فوجد العجب إذ أنها في لندن تعرض باحتشام وبأدب مع إبراز معاني القوة والشجاعة والإقدام وحب الدفاع عن الوطن وخلق المثل العليا في الشعب.
أما إذ عرضت عندنا نزع منها ذلك كله، وظهر فيها معاني الحب العنيف، والدعوة إلى التحليل مع الخلاعة والفجور والرقص الداعر والدعوة السافرة إلى المجون، واعتذارهم عن هذا كله: إرضاء رغبات الشعب! يا لله من الشعب المسلم الذي تحلل من دينه واتبع نفسه وهواه.
وبعد فلنرجع إلى الآية التي نحن بصددها.
أولئك الذين يشترون لهو الحديث، ويستبدلون بدل الخير والهدى الشر والإثم ليضلوا عن سبيل الله، ويتخذوا آياته هزءا وسخرية، لهم عذاب غاية في الإهانة.
وإذا تتلى عليه آيات الله تدعو إلى الفضيلة، وتهدف إلى الخير، وتعمل على خلق أمة عزيرة كاملة ولى مستكبرا ذاما لها لا يعبأ بها معرضا عنها.
وهو في هذا الوضع حيث لم يعمل بها تشبه حاله حال من لم يسمعها وهو سامع كأن في أذنيه ثقلا ولا وقر فيهما ولا ثقل.
ومن كان هذا وصفه فبشره بعذاب أليم موجع غاية الألم.
أما الذين انتفعوا بالقرآن فهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم جنات النعيم حالة كونهم خالدين فيها، وعدهم الله هذا وعدا حقا ثابتا، ومن أوفى بعهده من الله؟! وهو العزيز الذي لا يعجزه شيء، الحكيم في صنعه.
стр. 1836
هذا خلق الله [سورة لقمان (٣١) : الآيات ١٠ الى ١١]
خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)
المفردات:
عَمَدٍ: جمع عماد، وهو ما يعمد به، أى: يسند، يقال: عمدت الحائط إذا دعمته، والدعامة ما يسند به الحائط إذا مال لتمنعه السقوط رَواسِيَ: ثوابت أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ: تضطرب وَبَثَّ: نشر وفرق زَوْجٍ: صنف.
وهذا استئناف مسوق للاستشهاد على عزته تعالى وكمال قدرته، وسيق تمهيدا لإثبات قواعد التوحيد وإبطال الشرك وتبكيت أهله.
المعنى:
الله- خلق السموات بغير عمد مرئية لكم، وأنتم ترونها كذلك، وألقى في الأرض رواسى ثابتات، من الجبال الشامخات التي هي كالأوتاد لئلا تميد بكم الأرض وتضطرب، وبث فيها ونشر كل دابة تدب على الأرض من إنسان وحيوان وطير، وأنزل من السماء ماء يسقى الزرع، وينبت النبات فأنبت فيها من كل صنف من النبات كريم ذي لون بهيج، ونفع كثير.
стр. 1837
هذا خلق الله ظاهر متميز، فأرونى ماذا خلق الذين من دونه من الأصنام والأوثان؟! بل الظالمون في ضلال مبين، (بل) هذا إضراب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالتورط في ضلال ليس بعده ضلال!!
قصة لقمان ووصيته لابنه [سورة لقمان (٣١) : الآيات ١٢ الى ١٩]
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)
стр. 1838
المفردات:
الْحِكْمَةَ: العلم النافع والعمل به، والعقل والبصر بالأمور أَنِ اشْكُرْ الشكر لله: طاعته فيما أمر به لَظُلْمٌ عَظِيمٌ الظلم: وضع الأمور في غير مواضعها وَهْناً الوهن: الضعف فِصالُهُ: ترك إرضاعه وهو الفطاعم أَنابَ:
رجع حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ المراد وزن حبة خردل، وهي مثل في الصغر وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ الصعر: الميل، وأصله داء يصيب البعير يلوى عنقه، والمراد هنا لا تعرض عنهم تكبرا عليهم وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ القصد: التوسط، والمراد توسط في المشي بين الإسراع والبطء وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ أى: انقص منه ولا تتكلف رفع الصوت عن الحاجة.
وهذا كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان الشرك، وأن الحكمة في اتباع الحق الذي جاءت به الرسل، وجاء في صورة وصية حكيم لابنه أحب الناس إليه ليكون أدعى للامتثال.
المعنى:
وتالله لقد آتينا لقمان الحكمة والعقل، ووهبناه الفهم للأمور، والعمل بما يعلم وهديناه إلى المعرفة الصحيحة فكان لقمان حكيما، ولعل هذا السر وهو أن ما دعا إليه لقمان هو من دواعي الحكمة، ومقتضيات الفطرة السليمة، ولم يكن عن طريق النبوة، وهذا بناء على الصحيح من أن لقمان حكيم وليس نبيا.
ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله على ما أعطاك من النعم وقم بطاعته وأدّ فرضه، ومن يشكر الله فإنما يشكره لنفسه مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ومن كفر فعليه وزر كفره، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وليس شكرك بنافع
стр. 1839
ربك، ولا كفرك بضاره في شيء فإنه غنى عن الخلق، محمود في السماء والأرض بلسان الحال أو بلسان المقال، وإن لم يحمده أحد من الناس.
هذا هو لقمان الحكيم، أما وصيته لابنه، فاسمعها وتدبرها، فإنها وصية حكيم لابنه، والأب يحب الخير لابنه جدا، فإذا كان عاقلا حكيما كانت وصيته أولى بالاتباع وكان في ذكرها تحريض وإلهاب لكل من يسمعها ليعمل بها، ويتفانى في تحقيقها، فماذا قال؟ وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بنى لا تشرك بالله أحدا غيره من خلقه إن الشرك لظلم عظيم، وأى ظلم أكثر من هذا! إن الظلم وضع الأمور في غير نصابها، ولا شك أن من يسوى بين الخلق والخالق وبين الصنم وبين الله- ﷻ لا شك أنه وضع الأمور في غير وضعها الصحيح فهو حرى بأن يوصف بالظلم، هذا هو الوضع السليم بين الأب وبنيه يعظهم ويرشدهم، ويجنبهم المهالك فإذا تغير الوضع وصار الأب والأم مدعاة للشرك، ومصدرا للعصيان فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ولهذا جاءت الآية وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ.. معترضة بين وصية لقمان لتحديد موقف الابن من أبيه إذا دعاه إلى ما يضله ويرديه فإن الصحيح أن هذه الآية نزلت في سعد بن أبى وقاص وأمه حمنة بنت أبى سفيان كما مر في سورة العنكبوت وذكر القرطبي في تفسيره: أن طاعة الأبوين لا تراعى في ارتكاب كبيرة ولا ترك فريضة وتلزم طاعتهما في المباحات.
ووصينا الإنسان بوالديه أمه وأبيه، وأمه أحق بالعطف من أبيه كما
ورد في الحديث «من أحقّ النّاس بالبرّ؟ قال أمّك»
كررها ثلاثا ثم قال: ثم أبوك، لأنها حملته حالة كونها تضعف ضعفا على ضعف، وفصاله في عامين.
وصيناه أن اشكر لي ولوالديك، فهما قد ربياك وأوجداك في الظاهر، والله قد خلقك في الواقع ونفس الأمر، وإن جاهداك على أن تشرك بي شيئا ليس لك به علم إذ لا وجود له، فلا تطعهما فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وصاحبهما في الدنيا معروفا أى: عاملهما في أمور الدنيا بالحسنى، وأما الدين فلله، واتبع سبيل من أناب إلى وقلد الصالحين المقربين، وخالط هذا الصنف من الناس فإن فيهم الخير كل الخير، ثم إلى مرجعكم يوم القيامة، فأخبركم بما كنتم تعملون، وسأجازيكم عن هذا كله.
стр. 1840
يا بنى إنها الفعلة السيئة أو الحسنة إن تك مثقال حبة من الخردل فتكن في جوف صخرة، أو في أى ركن في السماء أو في الأرض يأت بها الله، ويعطى عليها جزاءها كاملا، فإنه يعلمها إذ هو يعلم الغيب والشهادة، وهو اللطيف الخبير.
يا بنى أقم الصلاة فإنها عماد الدين، وأمر بالمعروف. وانه عن المنكر، أمره بما يقوم نفسه، وهو الصلاة، وما يقوم مجتمعه وبيئته وهو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن أصابك شيء في سبيل ذلك- ولا بد أن يأتيك، على أن الإنسان في الدنيا غرض لسهام الأحداث والمنايا، والسهام إذا انطلقت لا ترد- فاصبر على ما أصابك إن ذلك من مكارم الأخلاق، وعزائم أهل الحزم السالكين طريق النجاة، ولا تصعر خدك:
لا تمله عن الناس تهاونا بهم، وتكبرا عليهم، بل أقبل عليهم بوجهك مستبشرا منبسطا من غير كبر ولا علو، ولا تمش في الأرض مرحا، وتمشى بخيلاء فإن ذلك كله يغضب الله إنه لا يحب كل مختال فخور، وتوسط في مشيك فلا تمش مشى المتماوتين، ولا تثب وثب الشطار
قال رسول الله ﷺ : «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن»
. وأما قول عائشة- رضى عنها-: كان إذا مشى أسرع في مشيته، فإنما أرادت السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوتين.
واغضض من صوتك، أى: انقص بعضه واخفضه حتى لا يصل إلى الصوت الأجش الذي يؤذى الجليس، ويقرع الصماخ بقوته، وربما يخرق طبلة الأذن، على أن ارتفاع الصوت دليل على شيء من الغرور والاعتداد وعدم الاكتراث بالغير، والمراد التوسط حتى لا يجهر جهرا ممقوتا، ولا يخافت مخافتة مرذولة، وخير الأمور أوساطها.
فإن من يرتفع صوته في الحديث حيث لا مبرر أشبه بالحمار، وصوته كالنهاق إن أنكر الأصوات وأوحشها لصوت الحمير، وكانت العرب تجعل الحمار مثلا في الذم والغباوة، وكذلك نهاقه.
انظر إلى لقمان الحكيم وهو يوصى ابنه بعدم الشرك بالله، الظاهر والخفى، ويوصيه بأن الله عالم الغيب والشهادة وهو يعلم السر وأخفى وسيجازى على ذلك كله فراقبه وأحسن في العمل، ثم يوصيه بإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر مهما تحمل في سبيل ذلك، ثم يوصيه بالصبر على المكروه فإنه من عزم الأمور، وعالج فيه أدواء النفس الإنسانية فقال له: لا تصعر خدك ولا تتكبر، ولا تمش مرحا مختالا
стр. 1841
فخورا، وتوسط في مشيك وغض صوتك.. حقا إنه لحكيم، وإنه المخلص لابنه جدا، وهكذا وصايا الدين كلها في مصلحة الفرد والأمة والجماعة.
كيف تكفرون بالله وهو صاحب النعم؟! [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١)
المفردات:
سَخَّرَ: ذلل وَأَسْبَغَ: أكمل وأتم يُجادِلُ: يخاصم بِغَيْرِ عِلْمٍ: بغير حجة.
وهذا رجوع إلى ما مضى قبل قصة لقمان من خطاب المشركين، وتوبيخ لهم على إصرارهم على ما هم عليه مع مشاهدتهم لدلائل التوحيد.
المعنى:
ألم تروا أيها الناس دلائل التوحيد الناطقة بوحدانية الله- سبحانه- في كل شيء فهو الذي سخر لكم ما في السموات وما في الأرض، وذلل لكم كل شيء، وخلق لكم ما في هذا الكون، وآية ذلك ما نرى من استخدام قوى الطبيعة وتسخير الماء والهواء والبخار والمعادن والذرات لمصلحتك أيها الإنسان، وهو الذي أسبع عليكم نعمه وأتمها
стр. 1842
ظاهرة وباطنة، ونعم الله لا تعد ولا تحصى، ومنها الظاهرة والمعروفة وكثير منها لا يعلم، وقد يكشف عنها العلم في يوم من الأيام.
ومع هذا كله فمن الناس من يجادل في الله ويخاصم في شأنه بغير علم ولا حجة ولا هدى من رسول أو نبي، ولا كتاب أنزله الله عليه ينير له الطريق الحق، وإنما مصدر هذا الخصام، ومبعث هذا الجدل المؤدى إلى الشرك بالله هو التقليد الأعمى واتباع الهوى والشيطان.
وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله بالهدى ودين الحق قالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا! أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون؟ أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير؟
المؤمن والكافر [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٢ الى ٢٤]
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤)
المفردات:
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ: يخلص عبادته إليه مُحْسِنٌ الإحسان:
الإتقان نَضْطَرُّهُمْ: نلجئهم ونسوقهم.
стр. 1843
المعنى:
وهذان فريقان: فريق في السعير، وفريق أسلم وجهه إلى الله، وأخلص عبادته وقصده ووجهه إليه، وعبد الله لم يشرك به شيئا، وهو محسن في عمله، يراقب ربه مراقبة من يراه ويشاهده، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه ويعلم ما يخفيه صدره، وهذا هو الإحسان كما نطق بذلك
الحديث «الإحسان: أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لّم تكن تراه فإنّه يراك» .
ومن يسلم وجهه إلى الله بهذا الشكل فقد استمسك بالعروة الوثقى، وتعلق بأوثق ما يتعلق به، وهو تمثيل للمتوكل على الله المشتغل بالطاعة بمن أراد أن يرتقى إلى شاهق جبل فتمسك بأوثق عرى الحبل المتدلى منه، وإلى الله عاقبة الأمور فيجازى كلا على عمله خير جزاء.
وفريق آخر كفر فلا يحزنك كفره فإنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب، وإلى الله المرجع والمآب، فسينبئهم بما عملوا ويجازيهم على ما اجترحوا، إن الله عليم بذات الصدور، هؤلاء نمتعهم في الدنيا زمنا قليلا لأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة ثم نضطرهم إلى عذاب جهنم، وبئس القرار.
الله هو الخالق وما دونه هو الباطل [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٥ الى ٣٢]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)
стр. 1844
المفردات:
يُولِجُ: يدخل الليل في زمن النهار أَجَلٍ مُسَمًّى أى: معلوم مقدر الْفُلْكَ: السفن صَبَّارٍ: كثير الصبر كَالظُّلَلِ: جمع ظلة، وهي الجبال التي تظل من تحتها مُقْتَصِدٌ: متوسط خَتَّارٍ الختر: أسوأ الغدر كَفُورٍ جاحد لنعم الله كافر به.
المعنى:
الله- خلق السموات بغير عمد ترونها وأسبغ نعمه الظاهرة والباطنة على الناس جميعا، وهنا بين أنهم معترفون بذلك غير منكرين له لوضوح الأمر بحيث اضطروا إلى الاعتراف به، قل الحمد لله على أن جعل دلائل التوحيد من الظهور
стр. 1845
بحيث لا يكاد ينكرها المكابرون. بل أكثرهم لا يعلمون أن ذلك يلومهم وأنه حجة عليهم وأنهم لم ينتبهوا مع زيادة التنبيه.
لله ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا، وإذا كان الأمر كذلك تحقق أن الحمد كله لله، إن الله هو الغنى عن الكل، والكل محتاج إليه، محمود مشكور في السماء والأرض، وإن لم يحمده أحد، فهو غنى عن حمد الحامدين، ولا يلحقه نقص بسبب كفر الكافرين.
إن في قدرته- تعالى- وعلمه عجائب لا تنفد وأسرار لا نهاية لها، فلو أن ما في الأرض من شجرة أقلام يكتب بها، والبحار مداد لها، ما فنيت عجائب صنع الله، وما نفدت كلمات الله، والظاهر- والله أعلم- أن المراد بكلمات الله كلماته التكوينية- كن فيكون- وقال بعضهم: إن المراد بكلمات الله هو الكلام الأزلى القديم إذ هو الذي لا نهاية له، والغرض من الآية الإعلام بكثرة معاني كلمات الله وأنها ليست متناهية وأنها لا تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور، أى: لا تنفد مطلقا، إن الله عزيز لا يعجزه شيء حكيم لا يخرج شيء عن علمه وحكمته.
وهذه آيات قدرته وكمال علمه تبطل إنكارهم للبعث، إذ ما خلقكم أيها المشركون ولا بعثكم إلا كنفس واحدة، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، وقد علمتم أن كلمات الله التكوينية لا تنفد أبدا، إنه سميع لما يقولون، بصير بما يعملون.
وهاتان آيتان تدلان على أن الله سخر لكم السماء والأرض وما فيهما.
ألم تر أن الله يولج الليل في زمن النهار؟ أى: يجعل الليل في الزمان الذي كان فيه النهار، فمثلا إذا كان الليل اثنتي عشرة ساعة والنهار كذلك ثم زيد الليل ساعتين كانتا على حساب النهار فيصبح الليل أربع عشرة ساعة والنهار عشر ساعات، وهذا معنى قوله: يولج الليل في النهار، وكذلك يولج النهار في الليل، وسخر الشمس والقمر كل يجرى إلى أجل مسمى وزمن معلوم، إن الله بما تعملون خبير، فليس بعد هذا وجه لمن يعبد الشمس أو القمر أو غير هما من الكواكب ويترك عبادة من سخر هما وذللهما لمنافع الناس، وكذلك من يعبد الظلام والنور ويترك من أوجد الظلام والنور!! ذلك الذي وصف من عجائب قدرته وحكمته والذي تلى من الآيات السابقة بسبب أنه تعالى هو الحق الثابت الألوهية وأنه لا معبود بحق إلا هو، وأن ما يدعون من دونه من أصنام
стр. 1846
وأوثان هو الباطل الواضح البطلان، وأن الله هو العلى الشأن الكبير السلطان المتعالي عن أن يشرك به.
ولقد ذكر الله- آية سماوية تدل على أنه سخر لكم ما في السموات بقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ..
[فاطر ١٣] وهنا ذكر آية أرضية تدل على أنه سخر لنا ما في الأرض جميعا بقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ.
والمعنى: ألم تر أيها المخاطب أن السفن تجرى في البحر وتمخر عبابه بإحسان الله ونعمته وفضله ورحمته ليريكم بعض آياته إن في ذلك كله لآيات لكل صبار في الشدة شكور في النعمة، وإذا غشيهم موج مرتفع كالجبال الشاهقة التي تظل من تحتها- وهذا يكون عند اضطراب البحر- إذا غشيهم هذا الموج وعلاهم رجعوا إلى الفطرة ودعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد في الكفر متأثر بما رأى ومنهم كفور جاحد، وما يجحد بآياتنا الكونية والقرآنية إلا كل ختار كثير الغدر سيئه، كفور بنعم الله. يا عجبا لك أيها الإنسان! هذه الآيات الناطقة الشاهدة بوحدانية الله، وأنه القادر المريد، وأنه لا معبود بحق إلا هو، ثم مع هذا يكفر بالله، وإذا أصابه ضر أو وقع في شدة لجأ إلى الله وحده، ثم إذا كشف عنه الضر إذا هم به يشركون.
وعظ وإرشاد [سورة لقمان (٣١) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)
стр. 1847
المفردات:
لا يَجْزِي: لا يغنى فيه أحد عن أحد فَلا تَغُرَّنَّكُمُ: فلا تخدعنكم الْغَرُورُ: هو الشيطان، وقيل: هو تمكينهم مع المعصية من المغفرة.
لما ذكر- سبحانه- من أول السورة إلى هنا ما يثبت لله الوحدانية، وينفى عنه الشريك مع إثبات البعث في القيامة للحساب، وهذا ما يغرس في النفوس التقوى والخوف والإيمان، نادى الناس إلى التقوى والخوف من الله ومن حسابه في يوم القيامة، وكان ختاما رائعا دقيقا لتلك السورة.
المعنى:
يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم فسواكم وعدلكم، وخلق لكم كل ما في السموات والأرض، وسخر لكم هذا الكون، اتقوه حق تقواه، وخذوا لأنفسكم الوقاية من عذابه الشديد، واخشوا يوما شديدا هوله، لا يقضى فيه إنسان عن إنسان ولا يغنى فيه والد عن ولده، ولا مولود هو نافع والده شيئا، بل كل نفس بما كسبت رهينة، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، واعلموا أن وعد الله- البعث- حق لا شك فيه ولا مرية، فلا تخدعنكم الدنيا بزخارفها وزينتها فتركنوا إليها وتتركوا العمل للآخرة، والآخرة خير وأبقى، ولا يغرنكم بالله الغرور من الشيطان الذي أقسم ليغوينكم أجمعين، فهو يعد الناس ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، وقيل: الغرور هو الأمور الباطلة التي تخدع كثيرا من الناس كمن يغتر بشفاعة شافع أو انتسابه إلى أمة النبي ﷺ مثلا، وهذا داء قديم كان عند أهل الكتاب وعالجه القرآن بقوله: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً «١» ، وعن سعيد بن جبير رضى الله عنه: الغرور بالله: أن يتمادى الرجل في المعصية ويتمنى على الله المغفرة.
وفي قوله تعالى: لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ
عن النبي ﷺ : «من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسّه النار إلّا تحلّة القسم»
وقال: «من ابتلى بشيء من
стр. 1848
هذه البنات فأحسن إليهنّ كنّ له حجابا من النّار» :
قال القرطبي: المعنى في هذه الآية أنه لا يحمل والد ذنب ولده، ولا مولود ذنب والده ولا يؤخذ أحدهما عن الآخر، والمعنى بالأخبار التي مرت بك أن ثواب الصبر على الموت، والإحسان إلى البنات يحجب العبد عن النار، ويكون الولد سابقا له إلى الجنة.
هذا اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون لا يعلم وقته إلا الله، فلا يطمعن أحد في معرفته أبدا إذ الله هو العالم به، وهو يعلم كذلك متى ينزل الغيث، الذي يحيى الأرض بعد موتها، وكذلك يحيى الله الناس لهذا اليوم، وهو الذي يعلم ما في الأرحام أذكر هو أم أنثى؟ ومالك تطلب معرفة هذا اليوم؟ وأنت لا تدرى أمس الأشياء بك وأقربها إليك وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ.
إن الله عليم حقا خبير بعباده، فهو يجازيهم ويحاسبهم على هذا الأساس.
стр. 1849
سورة السجدة
وهي مكية غير ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة: وهي قول الله تعالى: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ إلى قوله تعالى: وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ الآية ١٨: ٢٠، وعدد آياتها ثلاثون آية،
روى البخاري عن ابن عباس وأبى هريرة أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة الم تَنْزِيلُ السجدة، وهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
وروى أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ سورتي (السجدة وتبارك) .
وهي تهدف إلى تقرير توحيد الله بما تعرض من صفحة الكون وما فيه من عجائب ونشأة الإنسان، وما سيكون من مشاهد القيامة، وما لقيه السابقون، وكذلك تقرر صدق الرسول محمد ﷺ الموحى إليه بهذا القرآن لهداية البشر. وكذلك تقرر البعث والحساب بما يقطع حجتهم ويزيل شكهم.
القرآن من عند الله الذي خلق ودبر وأحسن كل شيء صنعا [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١ الى ٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤)
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩)
стр. 1850
المفردات:
لا رَيْبَ: لا شك افْتَراهُ: اختلقه أَيَّامٍ: جمع يوم. والعرب تطلقه على جزء من اليوم، وقال النحاس: اليوم في اللغة بمعنى الوقت الْعَرْشِ: الملك وَاسْتَوى: بمعنى استولى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ أى: أمر الدنيا ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ:
يرجع ويصعد نَسْلَهُ: ذريته، وسميت الذرية نسلا لأنها تنسل منه، أى: تنفصل مَهِينٍ أى: ضعيف، وهو النطفة ثُمَّ سَوَّاهُ أى: سوى خلقة وأتمه.
المعنى:
وهذا افتتاح لسورة السجدة وهي سورة مكية كما قدمنا، جاء افتتاحها على نسق السور المكية من الكلام على القرآن الكريم والرد على المشركين، وذكر الآيات الكونية دليلا على وحدانية الله، وعلى إمكان البعث، وفي القرآن الكريم إثبات لرسالة محمد ﷺ ودليل على صدقه، وهذه السور المكية جاءت لفتح القلوب وتنوير البصائر وتكوين النفوس.
стр. 1851
الم. تنزيل الكتاب الذي أنزل على محمد- حالة كونه لا ريب فيه ولا شك- من رب العالمين، وانظر إلى قوله: الكتاب وما فيه من معنى الكمال في كل شيء حيث جعل أساسا لنفى الشك عنه ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ بل أيقولون افتراه؟! واختلقه محمد من عنده؟! وهذا استفهام إنكارى، على معنى: لا يصح ولا يليق منهم هذا القول بعد قوله تعالى: تنزيل من رب العالمين وبعد ما ثبت عجزهم عن الإتيان بمثله مع التحدي السافر لهم (وبل هنا للإضراب والانتقال من عنصر في الكلام، وبل الثانية للإضراب وإبطال الكلام السابق قبلها) .
لا بل هو- أى: القرآن الحق الثابت فيه- من ربك جل شأنه وهو الحق لما فيه من حق وصدق ولما فيه من تفسير للكون، وما فيه من ربط محكم بين الإنسان وهذا الكون وهو الحق لخلوه من ظلم في الدنيا أو في الآخرة، أنزله عليك لتنذر قوما- ما أتاهم من نذير من قبلك- رجاء الهداية لهم والتوفيق، وهل العرب لم يأتها نذير قبل النبي ﷺ أو أتاهم نذير كبقية الأمم؟ وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [سورة فاطر آية ٢٤] والتاريخ يؤيد أنه لم يكن بين إسماعيل ومحمد نبي.
أنذرتهم رجاء الهداية والتوفيق لهم، وهذا أسلوب محكم دقيق حيث أثبت أن القرآن منزل من عند رب العالمين وأنه لا شك فيه، وهذا يستلزم صدق النبي فيما يدعيه ثم أضرب عن ذلك لينكر قولهم: إنه مفترى على الله حيث ثبت عجزهم بعد التحدي ثم أضرب عن إنكارهم هذا إلى إثبات أنه الحق الثابت من عند الله.
وما رب العالمين الذي أنزل القرآن على رسوله؟ هو الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، عرفهم الله كمال قدرته ليسمعوا القرآن ويتأملوه، وليعلموا أنه صادر من حكيم قادر عليهم، بعباده خبير بصير، الله الذي خلق السموات والأرض، وأبدعهما، وفطرهما لا على مثال سابق في ستة أيام الله أعلم بمقدارها، أيام عند الله لا كأيام الدنيا المقدرة بدورة الأرض أمام الشمس، هذه إشارة إلى التدبير والإحكام في الخلق.
ثم استوى على العرش استواء يليق بعظمته وجلاله، وأنه لا يحده زمان ولا مكان ولا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وهذا رأى من يفوض أمثال
стр. 1852
هذا لله وهم السلف، أما الخلف فيقولون: استوى على ملكه يدبر أمره، ويحكم سياسته، فالاستواء كناية عن الاستيلاء والتدبير.
ما لكم من دونه من ولى يلي أموركم، ويدفع عنكم عذابكم، وليس لكم شفيع من دونه ينصركم إن جاءكم بأسنا، فإن خذلكم الله الذي خلقكم لم يبق لكم ولى ولا نصير.
الله- يدبر أمر الدنيا وينظم شئونها وأحوالها التي تقع فيها، كل ذلك موافق لقضائه السابق، وجار على وفق إرادته الأزلية التي قضت بهذا النظام الموجود على هذا الترتيب، وكان تدبير الأمر ونظامه مبتدئا من السماء ومنتهيا إلى الأرض، لأن التدبير يرجع إلى أمور سماوية، ومنوط بأسباب علوية، وهو ينتهى بآثاره إلى الأرض ويظهر عمليا على وجهها، كل ذلك إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر ويصعد إليه ليحكم فيه بحكمه العدل يوم القيامة، يوم مقداره ألف سنة مما تعدون، وقد جاء في سورة «سأل» كان مقداره خمسين ألف سنة، والمخلص من هذا أن يوم القيام فيه أيام فمنها ما مقداره خمسون ألف سنة، ومنها ما مقداره ألف سنة، وقيل: إن الزمن الواحد تارة يكون طويلا جدا وطورا يكون قصيرا عند صاحبه.
ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطكاك المزاهر
وقيل: إن الملك يعرج إلى مكانه المحدد له في يوم مقدر بالنسبة لنا ألف سنة، وهو عنده لحظة الله أعلم بها.
ذلكم الله خالق السماء والأرض ومدبر هذا الكون، هو عالم الغيب والشهادة فاحذروا عقابه، وانظروا في كتابه نظر تأمل وبحث لعلكم ترجعون وتثوبون إلى رشدكم، وهو العزيز لا يعجزه شيء، القاهر لا يقف دونه شيء، ومع هذا فهو الرحيم بخلقه الرحمن بهم، يدعوهم إلى الخير، ويرسل لهم رسلا تهديهم إلى الحق، وينزل عليهم كتبا فيها الشفاء والرحمة والنور والهداية للناس جميعا.
وهو الله لا إله إلا هو الذي أحسن كل شيء خلقه، إذ هو مرتب وجار على ما اقتضته الحكمة، وأوحته المصلحة، فكل شيء في الكون له مكانه ونظامه وترتيبه حتى الكلب العقور والثعبان والحية، فالله خلق هذا العالم كله، على نظام دقيق،
стр. 1853
وترتيب محكم، وما يعقل هذا إلا العالمون، وإنك قد ترى نباتا أو حيوانا أو شيئا في هذا الكون وتخفى عليك حكمته، ويعمى عنك سر وجوده، تكشف لك الأيام عن أسرار وحكم لا يجليها لوقتها إلا خالقها العليم بها البصير بكنهها.
وهو الذي بدأ خلق الإنسان الأول من طين ثم سواه وأتمه، ونفخ فيه من روحه فكان الإنسان مكونا من مادة هي طين لازب ثم من روح هي من الحق ﵎.
وجعل لكم أيها الناس سمعا وبصرا وقلوبا وأفئدة لعلكم تنظرون فتدركوا الأسرار، وتقفوا على الحكم والأخبار، ولا شك أن هذه طرق العلم الصحيح والمعرفة الصادقة، ولكن قليلا ما تعرفون فتشكرون، بل ران على قلوبهم، وختم على سمعهم وأبصارهم، فهم لا يهتدون، وقليلا ما يشكرون.
إنكارهم للبعث [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١٠ الى ١٤]
وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)
стр. 1854
المفردات:
ضَلَلْنا العرب تقول: ضل الماء في اللبن: إذا ذهب، وتقول للشيء غلب عليه غيره حتى خفى فيه أثره: ضل، وتقول لما غاب في الأرض: ضل، والمراد هلكنا وصرنا ترابا يَتَوَفَّاكُمْ توفى العدد والشيء: إذا استوفاه وقبضه جميعا، وقالوا:
توفاه الله، أى: قبض روحه، والتوفي والاستيفاء بمعنى واحد، والمراد: يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد منهم ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ مطأطئوها وخافضوها الْجِنَّةِ: الجن.
المعنى:
وقال المشركون: أإذا هلكنا وصرنا مختلطين بتراب الأرض لا نتميز منه كما يضل الماء في اللبن، أو غبنا في الأرض بالدفن فيها أنبعث؟ والمعنى: أنبعث إذا متنا وصرنا إلى هذا الحال؟ هم بلقاء ربهم للحساب والجزاء كافرون، فلم يكفروا بقدرة الله على الإعادة فقط بل هم كافرون بأصل الثواب والعقاب يوم القيامة، قل لهم: يتوفاكم ملك الموت وهو عزرائيل على الصحيح الذي وكل إليه قبض أرواحكم فلن يفلت منه منكم أحد، ولن يشغله شيء عن قبض أرواحكم إذ هو عمله المطلوب منه ثم إلى ربكم ترجعون، تراه خاطبهم بتوفى ملك الموت لهم ثم بالرجوع إلى ربهم بعد ذلك مبعوثين، وهذا معنى لقاء الله الذي كفروا به.
ذكر هذا المعنى في الأنعام بقوله: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وفي سورة الزمر: بقوله:
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها، ولا منافاة لأن الله- تعالى- هو المتوفى حقيقة بخلق الموت وأمر الملائكة بنزع الروح، ولملك الموت أعوان له ينزعون الروح من الأظافر إلى الحلقوم ثم يقبضها عزرائيل الذي هو ملك الموت فلا منافاة بين الآيات.
ولو ترى يا محمد إذ المجرمون ناكسو رءوسهم من الخزي والعار ساعة الحساب لرأيت أمرا فظيعا ولرأيتهم على أسوأ حال وأفظع وضع، وهذا من باب التمني، على معنى ليتك ترى يا محمد المجرمين وقت الحساب وهم في الغم والخزي والهم إلى الأذقان، ليتك تراهم لتشمت بهم حيث تجرعت منهم الغصص ونالك من عداوتهم ما نالك، يقول المجرمون ساعة الحساب: ربنا أبصرنا وسمعنا، أبصرنا بصدق وعدك وسمعنا بصدق
стр. 1855
رسلك، فهم قد أبصروا حيث لا ينفعهم البصر أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا «١» يقولون ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا إلى الدنيا نعمل صالحا إنا موقنون، فوعدك حق ولقاؤك صدق، وقد علم الله أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون، وكيف يكون من هؤلاء إيمان وتوفيقهم إلى الطاعة، ولو شئنا لآتينا كل نفس من النفوس هداها فتهتدى بالإيمان والطاعة باختيار منها وكسب لها ولكن لم نشأ توفيق الناس جميعا إلى ذلك، بل حق القول منى وثبت وحم القضاء ونزل وهو لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
«٢» وعند بعض العلماء في مثل هذه الآيات أن المعنى: ولو شئنا إلجاء الناس إلى الهدى لآتينا كل نفس هداها، ولكن قضت حكمتنا أن يكون للجنة والنار قوم فتركناهم واختيارهم وحق القول منى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين، وتقول لهم الخزنة حين دخولهم النار: ذوقوا العذاب الأليم بسبب نسيانكم هذا اليوم وترككم الاستعداد له فذوقوا عذاب الخلد الدائم بما كنتم تعملون من الكفر والتكذيب.
وفي قوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها «٣» . وفي قوله: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً «٤» . مع قوله: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا، لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ «٥» . وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «٦» وقع خلاف بين العلماء هل العبد مجبور لا اختيار له نظرا إلى قوله: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «٧» وأمثالها في القرآن؟ أم هو مختار والاختيار مناط الثواب والعقاب نظرا إلى قوله: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا؟ والواقع أنه قد فرط أصحاب كل رأى.
والحق- والله أعلم- أن هناك فرقا بين فعل فعلته باختيارك الظاهري، وبين فعل فعلته مضطرا كارتعاش اليد مثلا، فالكل من الله، والله صاحب التصريف، ولكن في الأول يظهر الاختيار بصورة واضحة، وصح تعليق الثواب والعقاب حينئذ بصاحبه ضرورة أنه لا يعرف عند الفعل مشيئة الله له، وإن كان في الواقع هو مجبور على هذا الفعل الموافق للمشيئة فهو مجبور في صورة مختار.
المعنى:
لقد مضى ذكر الكفار الذين أجرموا وعملوا السيئات، وما كان من حالهم يوم القيامة، وهنا الكلام على المؤمنين الذين عملوا الصالحات:
إنما يؤمن بآياتنا القرآنية والكونية، ويصدق برسلنا الذين إذا ذكروا بها، وتليت عليهم بعض آياتها خروا ساجدين لله بأعضائهم، وسبحوا بحمد ربهم، أى: جمعوا بين التسبيح والحمد حيث قالوا: سبحان الله وبحمده، وسبحان ربي الأعلى، وهم لا يستكبرون عن عبادته بقلوبهم، فهي عامرة بالإيمان، ترى في العبادة قرة عينها وراحة ضميرها إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر ٦] .
ترى أن الله- سبحانه- بين الدرجة العالية للمؤمن الذي إذا ذكر بالقرآن حصل منه سجود بالأعضاء، وحمد وتنزيه باللسان، وخضوع بالقلب والجنان، كل ذلك بمجرد التذكير لا خوفا من عقاب ولا طمعا في ثواب.
ثم ذكر صنفا أقل وهم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، ويبتعدون عن الفراش الوثير، ويهرعون إلى الصلاة يدعون ربهم خوفا من عقابه، وطمعا في ثوابه، وهم ينفقون بعض ما رزقناهم في سبيل الله.
القيام بالليل والتهجد فيه لون من العبادة عال، وتوفيق من الله كبير، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقد ورد فيه مع هذه الآيات آيات وأحاديث كثيرة كلها تهدف إلى بيان فضله، وجزيل مثوبته.
ففي حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: «ألا أدلّك على أبواب الخير؟
الصّوم جنّة، والصّدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النّار، وصلاة الرّجل في جوف اللّيل- قال: ثم تلا تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ حتى بلغ يَعْمَلُونَ أخرجه أبو داود.
وغير هذا الحديث كثير، وروى أبو داود عن أنس بن مالك أن هذه الآية المراد بها التنفل بين المغرب والعشاء، وقيل: هو صلاة الرجل العشاء والصبح في جماعة، فإن هذا يستدعى انتظار الجماعة وهو مشغول بالذكر والتسبيح وصلاة النفل، فقد وصل التجافي أول الليل وآخره، هؤلاء الناس الذين قاموا بالليل أو انتظروا الجماعة في صلاة العشاء والصبح والناس نيام، قد أخفوا أعمالهم، وطهروا نفوسهم من الرياء
стр. 1858
والنفاق، لهم جزاء من جنس أعمالهم، فلا تعلم نفس عظمة ما أخفى لهم وأعد في الجنات من النعيم المقيم، والثواب الجزيل على سبيل التفصيل، لما أخفوا أعمالهم أخفى الله ثوابها جزاء وفاقا، قال الحسن البصري: أخفى قوم عملهم فأخفى الله لهم ما لم تر عين ولم يخطر على قلب بشر،
وعن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: «أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»
قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ.
أولئك الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا، وهم الذين يتقبل الله عنهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم وعد الله الصدق الذين كانوا يوعدون، ولا غرابة فالعبد يعمل سرا أسره إلى الله لم يعلم به الناس، فأسر الله له يوم القيامة قرة أعين، ولعل التقييد بقوله: «عن المضاجع» لمزيد مدحهم وبيان قوة إيمانهم، لأن المضجع إذا كان مفروشا كان النوم فيه ألذ، والنفس إليه أميل، فإذا هجره المؤمن، والحالة هذه لأجل الصلاة، ومناجاة ربه، كان ذلك أمدح له وأدل على كمال يقينه.
أفبعد ما بيناه من التفاوت بين المؤمن الذي ذكرت أوصافه، والفاسق الكافر الذي ذكرت أحواله يكون المؤمن كالفاسق؟ لا. إنهم لا يستوون أبدا في الدنيا والآخرة. أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فأولئك لهم جنات المأوى التي فيها المساكن والدور والغرف العالية التي أعدت وهيئت لتكون نزلا، أى: للضيافة والكرم جزاء لهم بما كانوا يعملون، وأما الذين فسقوا وخرجوا عن الطاعة فالنار هي المأوى لهم، التي يأوون لها من شدة الموقف حتى إذا ما دخلوها وجدوها نارا تلظى، فيحاولون الخروج، وأنى لهم ذلك؟ إذ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وقيل لهم تأنيبا وتقريعا: ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون.
ولا غرابة في هذا فالله يقول: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
[الجاثية ٢١] أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [سورة ص آية ٢٨] أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ وليس من العدل في شيء أن يسوى بين المؤمن العامل والكافر الفاسق!!
стр. 1859
ولنذيقنهم، أى: الكفار والعصاة بعض العذاب الأدنى من مصائب الدنيا وآفاتها لعلهم يرجعون ويتنبهون، لنذيقنهم بعض العذاب البسيط دون العذاب الكبير لعلهم يثوبون إلى رشدهم، ويؤمنون بربهم، وتلك سنة الله مع الأمم فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ [سورة الأعراف آية ١٣٣] .
ولا غرابة في ذلك فلا أحد أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها عتوا واستكبارا وحسدا من عند نفسه! وهذا الصنف من الناس جزاؤه واجب، وعقابه أمر محتم أوجبه العدل والحكم القسط، إن ربك من المجرمين منتقم جبار، سينتقم منهم أشد الانتقام.
مواعظ وعبر [سورة السجده (٣٢) : الآيات ٢٣ الى ٣٠]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧)
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)
стр. 1860
المفردات:
مِرْيَةٍ: شك أَئِمَّةً: جمع إمام، أى: زعماء وقادة في الدين أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ: أو لم يتبين لهم الْقُرُونِ: الأمم السابقة الْجُرُزِ: هي الأرض اليابسة التي جرز نباتها، أى: قطع لرعى أو لعدم الماء فيها مع صلاحيتها للإنبات، وقيل: رجل جروز إذا كان لا يبقى شيئا إلا أكله، وناقة جروز، أى: تأكل كل شيء تجده، وسيف جروز، أى: قاطع ماض مَتى هذَا الْفَتْحُ متى هذا الحكم؟ إذ الفتح القضاء، وقيل للحاكم: فاتح وفتاح لأن الأشياء تنفتح على يديه وتنفصل، وعليه قوله تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ.
وهذا رجوع إلى أحد الأصول الثلاثة، وهي الرسالة والتوحيد وإثبات البعث التي تعنى بها السور المكية، وإنما اختار موسى لكثرة الشبه بينه وبين النبي محمد ﷺ ولكثرة أتباعه وقوة تأثيرهم في المجتمع العربي. وكل من المسيحيين واليهود يؤمنون به، ومع هذا كثير من المواعظ والعبر.
المعنى:
ولقد آتينا موسى أخاك الكتاب فأوذى وكذّب وناله ما ناله من ألوان العذاب والسخرية، فلا تكن في شك من أنه سيلقاك ما لقيه من التكذيب والأذى، إذ تلك سنة الكون ونظام الناس. لا بد من اصطراع أهل الحق مع أهل الباطل، وجعلنا الكتاب الذي أنزل على موسى هدى ونورا لبنى إسرائيل، وجعلنا منهم أئمة وقادة، وهم أنبياء بنى إسرائيل يهدون الناس بأمرنا، ويدعونهم ويعظونهم، وكانوا بآياتنا يوقنون، كل ذلك لما صبروا على أحكام الدين وتكاليفه، وصبروا على البلاء وعلى متاع الدنيا الزائل.