الملازمين للطاعة مع الخضوع. بِالْأَسْحارِ: جمع سحر، هو الوقت الذي يختلط فيه ظلام آخر الليل بضياء النهار.
المعنى:
قل لهم يا محمد: أأخبركم بما هو خير مما سبق من زينة الدنيا ومتاعها؟ وفي التعبير (بخير) إشارة إلى أن ما مضى من النساء والبنين ... إلخ فيه خير بلا شك بشرط أن يستعمل في حقه وألا يطغى حبه على غيره وعلى العمل لوجه الله.
وهو تفصيل لقوله تعالى: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ وإبهام الخبر أولا تفخيما لشأنه وتشويقا إليه، ثم تفصيله وتوضيحه بقوله- تعالى: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ ... الآية، أتم للبيان وأثبت للجنان.
للذين أخذوا لأنفسهم وقاية من عذاب الله لهم عند ربهم الذي رباهم وتعهدهم والإضافة إلى ضميرهم فيها مزيد لطف وعناية بهم، لهؤلاء جنات تجرى من تحتها الأنهار ماكثين فيها أبدا، لا يبغون عنها حولا ولهم فيها أزواج مطهرة من دنس الحيض والنفاس طاهرات من دنس الفواحش والشوائب.
وقد جعل الله للمتقين نوعين من الجزاء: نوع مادى وهو الجنة، ونوع روحي وهو رضوان الله وهو أكبر وأعظم من كل نعمة وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [سورة التوبة آية ٧٢] .
والتقوى أمر لا يعلمه إلا الخبير البصير بعباده، ولذا
يقول النبي ﷺ : «التقوى هاهنا»
(ويشير إلى صدره) ويختم الله الآية بقوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ.
ومن هم المتقون الله حقيقة؟؟ هم الذين يقولون: ربنا إننا آمنا بك وبرسلك وكتبك بقلوبنا إيمانا حقيقيا، ومن كان هكذا استحق المغفرة والوقاية من عذاب الله ولذا قالوا: فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار ومن صفاتهم أنهم الصابرون الذين حبسوا أنفسهم عن كل مكروه ومحرم وصبروا على تقوى الله وعلى قضاء الله، ولا شك أن الصبر هو الذي يثبّت النفس عند زوابع الشهوات ولذا قرن التواصي بالصبر مع
стр. 212
التواصي بالحق وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر ٣] : وهم الصادقون في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ «١» .
والقنوت: المداومة على الخشوع والضراعة، وهم المنفقون أموالهم في سبيل الله نفقة واجبة ومندوبة، وهم المستغفرون بالأسحار، وخص وقت السحر لأن العمل فيه شاق والنفس فيه صافية والدعاء مستجاب، وأفضل صيغة للاستغفار ما
رواه البخاري عن النبي ﷺ قال: «سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علىّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» «٢» .
الشهادة بالوحدانية والعدل وأن الدين الإسلام [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨ الى ٢٠]
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)
стр. 213
المفردات:
شَهِدَ اللَّهُ الشهادة: عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم والإظهار والبيان.
الدِّينَ المراد به الملة والشرع. بَغْياً: حسدا أو ظلما.
المعنى:
أخبر الله- تعالى- ملائكته ورسله بأنه الواحد الأحد لا إله إلا هو، أخبرهم على علم وبين ذلك لهم أتم بيان، والملائكة أخبروا الرسل بتوحيد الله وبينوه لهم، وأولو العلم أخبروا بذلك وبينوه عالمين به ولا يزالون كذلك ... شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم شهد هذه الشهادة قائما بالعدل في الدين والشريعة والكون والطبيعة وفي العبادات والآداب والمعاملات، فالله قد أتقن نظام الكون وأحكمه وعدل بين القوى الروحيّة والمادية، وكانت الأحكام الشرعية مبنية على أساس التوازن الصحيح بين الفرد والأمة وبين الفرد والخالق وبينه وبين نفسه وبينه وبين أخيه وبين الغنى والفقير وهكذا ... إن الدين الذي ارتضاه الله وأحبه لعباده من يوم أن خلق الخلق إلى يوم الدين هو الإسلام، ولا شك أن جميع الأنبياء والمرسلين لا يختلفون في جوهر الدين وهو الإسلام والتوحيد والعدل في كل شيء وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [آل عمران ٨٥] وما اختلف الذين أوتوه من أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم اليقيني بأن محمدا هو خاتم الأنبياء وهو المبشر به عندهم الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [سورة البقرة آية ١٤٦] .
اختلفوا في شأنه حسدا من عند أنفسهم وبغيا بينهم وحرصا على الدنيا وما فيها.
ومن يكفر بآيات الله الدالة على صدق الأنبياء بعد هذا فإن الله سريع الحساب وشديد العقاب.
فإن حاجوك بعد هذا وجادلوك بعد أن جئتهم بالحق البين فقل لهم: إنى ومن معى من المؤمنين قد أسلمت وجهى لله وانقدت له وأقبلت عليه بعبادتي مخلصا لله وحده معرضا عما سواه، فإن كنتم مسلمين لله مخلصين له فما يمنعكم من اتباعى؟
стр. 214
وقل لليهود والنصارى والمشركين الأميين فإنهم هم الحاضرون والمعاصرون للنبي ﷺ فقط.
قل لهم: أأسلمتم؟؟ فإن أسلموا لك فقد اهتدوا إلى الطريق المستقيم، وإن تولوا وأعرضوا فقل لهم: إنما علىّ البلاغ فقط، والله- سبحانه- البصير بخلقه العليم بحالهم فيحاسبهم ويجازيهم.
جزاء قتل الأنبياء ومن يأمر بالمعروف [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢١ الى ٢٢]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)
المفردات:
فَبَشِّرْهُمْ: من البشارة والبشرى، وهي: الخبر السار تنبسط له بشرة الوجه، وإطلاق هذا على الخبر الذي سيلقى للكفار من باب التهكم لأن وجوههم ستنقبض له.
حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ: بطلت.
المعنى:
إن الذين يكفرون بآيات الله بعد معرفتها ويقتلون النبيين لأنهم قالوا: ربنا الله، يقتلونهم معتقدين أن قتلهم بغير حق ولا ذنب اللهم إلا قول الحق وتبليغ الرسالة، وهؤلاء هم اليهود، نسب إلى اليهود فعل آبائهم لأنهم راضون عنه، على أنهم هموا بقتل
стр. 215
النبي ﷺ إمعانا في الفساد والضلال، ويقتلون كذلك الذين يأمرون بالعدل والقسط ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر كالعلماء وكل من نصب نفسه للدفاع عن الدين والحق لله ورسوله.
وقتل هؤلاء جريمة كبرى وخسارة عظمى لأممهم، أما من قتل واستشهد في سبيل الله فقد وقع أجره على الله، وفي هذا العصر يسجل التاريخ أن هناك من قتل في سبيل الدعوة إلى الله والوطن وقتلهم جريمة في (حق الوطن) والدين وتسجيل على هؤلاء السفاكين القتلة جرمهم وذنبهم، وهؤلاء القتلة بشرهم بعذاب أليم وقعه شديد خطره، أولئك البعيدون في الضلال بطلت أعمالهم دنيا وأخرى وما لهم في الآخرة من ناصرين يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ «١» .
الإعراض عن حكم الله مع الغرور [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٣ الى ٢٥]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥)
المفردات:
نَصِيباً: جزءا من التوراة. كِتابِ اللَّهِ قيل: هو التوراة، أو القرآن يَفْتَرُونَ: يختلقون ويكذبون.
стр. 216
سبب النزول:
روى أنهم سألوا رسول الله ﷺ على أى دين أنت؟ فقال: على ملة إبراهيم- ﵇ قالوا: إن إبراهيم كان يهوديا، فقال ﷺ : إن بيننا وبينكم التوراة فهلموا إليها، فأبوا،
وقيل: نزلت في حكم الزنى، وقد اختلفوا لما زنى بعض أشرافهم واحتكموا إلى النبي ﷺ فحكّم التوراة فأبوا، وقيل اختلف أحبارهم لما أسلم البعض وظل البعض على دينه واحتكموا إلى التوراة ثم أعرض من لم يسلم منهم، والوقائع تؤيد ذلك كله.
المعنى:
انظر يا محمد واعجب من هؤلاء الذين أوتوا نصيبا من التوراة والباقي قد حرف وغيّر وضاع، وقد بقي الجزء الذي فيه بشارة محمد ﷺ وتعجب من عدم إيمانهم بك مع وضوح الدلالة وإعراضهم عن الكتاب الذي يؤمنون به، أو يعرضون عن القرآن، فهم إذا اختلفوا وحكموا التوراة في الخلاف وعلموا أن الحكم فيها على خلاف أهوائهم أعرضوا وتولوا بعد تردد.
وفي التعبير ب ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ إشارة إلى أنهم كانوا يترددون في قبول الحكم ثم يعرضون، وإلى بعد ما بين دعوتهم إلى كتاب الله وإعراضهم عنه وقوله تعالى: وَهُمْ مُعْرِضُونَ إشارة إلى دوام إعراضهم، وأنه ديدن لهم وطبيعة فيهم، وفي قوله: فَرِيقٌ مِنْهُمْ إشارة إلى أن منهم أمة يهدون بالحق وبه يهتدون كعبد الله بن سلام وغيره، وما شجعهم على هذا العناد والجحود إلا اعتقادهم الباطل أنهم لا تصيبهم النار إلا أياما قليلة، فاليهودى يعتقد أنه مهما فعل لا يدخل النار إلا أياما وبعدها يدخل الجنة، وغرهم ما كانوا يختلقونه في الدين كقولهم: إن الأنبياء ستشفع لنا ونحن أولاد الأنبياء وشعب الله المختار، ولقد رد الله عليهم فريتهم في غير موضع من القرآن.
فكيف بهم وعلى أى شكل يكونون إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه؟ يوم تنقطع فيه الأنساب ولا ينفع فيه مال ولا بنون، يوم توضع فيه الموازين القسط فلا تظلم نفس شيئا وتوفى كل نفس ما كسبت من خير أو شر وهم لا يظلمون.
стр. 217
من مظاهر قدرة الله وعظمته [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٦ الى ٢٧]
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧)
المفردات:
اللَّهُمَّ: يا الله. الْمُلْكِ: السلطة والتصرف في الأمور المادية والروحية.
تَنْزِعُ: تقلع وتخلع. تُولِجُ: تدخل.
كان المشركون ينكرون النبوة لشخص يأكل الطعام ويمشى في الأسواق، وأهل الكتاب ينكرون النبوة في غير بنى إسرائيل.
والقرآن ملئ بما يسلى النبي ﷺ ويذكره بأن الأمر كله بيد الله ما شاء فعله.
سبب النزول:
وفي رواية أن النبي ﷺ بشر قومه بملك كسرى والروم وقصور صنعاء، فقال المنافقون: ألا تعجبون؟ يمنيكم ويعدكم الباطل. فنزلت الآية.
المعنى:
إذا تولوا عنك وأعرضوا فعليك أن تلجأ إلى الله مالك الملك وصاحب الأمر.
ولا عليك بأس في عناد وفد نجران، بل توجه إلى الله وقل:
يا الله يا مالك الملك، أنت المعطى والمانع، ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن، تؤتى الملك والنبوة من تشاء من عبادك، وأممك اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [سورة الأنعام آية ١٢٤] وتنزع
стр. 218
الملك ممن تشاء من الأمم والأفراد كما نزعت من بنى إسرائيل النبوة ببعثة النبىّ العربي.
والله يعطى من يشاء من عباده الملك إما مع النبوة كما حصل لآل إبراهيم فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ والنبوة وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً [سورة النساء آية ٥٤] او ملكا فقط كما هو عند الملوك المعاصرين، وتنزع الملك ممن تشاء من الأفراد والأمم بسبب ظلمهم وفساد حكمهم وسوء سياستهم كما نزعت الملك والنبوة من بني إسرائيل لما خرجوا على الدين وأساءوا الحكم واستعملوا الرشوة والظلم سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. [سورة الأحزاب آية ٦٢] .
وتعز من تشاء وتذل من تشاء، والعزة والذلة لا تتوقفان على الملك أو المال فكم من ملك ذليل، وفقير عزيز الجانب مهاب الطلعة.
بيدك وحدك الخير، فكل ما كان أو يكون لا يخلو من خير ونعمة لصاحبه أو للمجموعة، إنك يا رب على ما تشاء قدير.
ومن مظاهر القدرة وتمام الملك والعظمة أن الله يدخل الليل في النهار فيزيد، ويدخل النهار في الليل فيزيد، بيده الأمر والكون في قبضته والسموات والأرض مطويات بيمينه.
ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي وهل المراد الحياة والموت المعنويان؟
وعلى ذلك فالمثال يخرج العالم من الجاهل والجاهل من العالم والمؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
وإن أردنا حياة مادية فمثالها إخراج البيضة من الفرخة والفرخة من البيضة وإن قال الأطباء: إن في النطفة والبيضة حياة أجيب عن ذلك بأنها حياة بالعرف الخاص وأما العرف العام السائد فيفهم أن البيضة ليس فيها حياة.
ولعل المثال الذي يتفق عليه الكل خروج النبات من الحبة اليابسة والعكس، وما المانع أن يقال: إن الحيوان يخرج من الغذاء بمعنى أنه يتكون منه، ولا شك أنه ليس فيه حياة، وإذا كان هذا شأن المولى- جل شأنه- فلا مانع أن يخرج من العرب الجاهلين محمدا ﷺ ويخرج من الأنبياء الإسرائيليين هؤلاء المفسدين.
ويرزق الله من يشاء بغير حساب يطلب منه ولا رقيب، وبغير تعب ولا مشقة فله خزائن السموات والأرض- -
стр. 219
موالاة المؤمنين للكافرين والتحذير من يوم القيامة [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠)
المفردات:
إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا: إلا أن تخافوا. تُقاةً اتقاء، أو شيئا يجب اتقاؤه.
مُحْضَراً أى: حاضرا. أَمَداً الأمد: المسافة، وقيل: مدة من الزمان قد تنحصر إذا قلت: أمد كذا.
سبب النزول:
روى أن بعض المؤمنين كانوا يغترون بقوة الكفار ويعتزون بهم، وقد وقعت حوادث لبعض المؤمنين كانوا يوالون فيها اليهود أو المشركين لقرابات وصلات.
стр. 220
أما المناسبة:
فبعد ما أثبت القرآن أن الأمر بيد الله وأنه المعطى والمانع، وأنه على كل شيء قدير.
فيجب الالتجاء إليه وحده، وإذا كانت العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فمن الخطأ الالتجاء إلى غير أوليائه.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء تلقون إليهم بالمودة وتسرون إليهم بأسراركم مؤثرين مصلحة الكفار على مصلحة المؤمنين، وإن كان في ذلك مصلحة جزئية فمصلحة المسلمين العامة أولى وأحق لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ [المجادلة ٢٢] ومن يفعل ذلك ويوالى الكافرين من دون المؤمنين فيعمل ضد مصلحتهم من حيث كونهم مؤمنين، أى: يكون جاسوسا مخلصا للكفار، فليس من ولاية الله في شيء، أى: يكون بينه وبين الله غاية البعد مطرودا من رحمته، ومن يتولهم منكم فإنه منهم.
إذن موالاة الكافرين أمر ينفر منه الشرع ولا يقره الدين في حال من الأحوال إلا في حال أن تخافوا منهم أمرا يجب اتقاؤه كالقتل مثلا، وهذا إذا كنت في دارهم فدارهم باللسان فقط إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [سورة النحل آية ١٠٦] .
ويحذركم الله عقابه، وفي ذكر (نفسه) إشارة إلى أن الوعيد صادر من ذاته ونفسه وهو القادر على كل شيء وإلى الله المصير والمرجع.
قل لهم يا محمد: إن تخفوا ما في صدوركم وتكتموه أو تبدوه وتظهروه فالله يعلمه ويجازى عليه وهو يعلم ما في السموات لأنه يعلم بذات الصدور ومنها الميل إلى الكفار أو البعد عنهم، والله على كل شيء قدير.
واحذروا يوم تجد كل نفس ما عملت في الدنيا من خير مهما قل أو كثر وما عملت من شر مهما صغر أو كبر حاضرا أمامها تأخذ جزاءه وفائدته أو يحلق بها ضرره وخطره فإن كان العمل خيرا سرت له وتلقته باليمين، وإن كان شرا ودت لو يكون بينها وبين عملها بعد ما بين المشرقين، ولكن أين لها هذا؟
стр. 221
ويحذركم الله نفسه وعقابه والله بهذا التحذير الشديد وذكر العقاب الصارم رءوف بعباده فإنهم حينما يعرفون جزاءهم ومصيرهم لا شك يرجعون عن غيهم، أليس هذا من باب الرحمة؟
يؤخذ من الآية الشريفة وما لا لابسها من أسباب النزول:
١- أن الله حرم إفشاء الأسرار للكفار التي تضر الجماعة الإسلامية من حيث هي جماعة (الجاسوسية) .
٢- معاملة الكفار غير الحربيين لا مانع أن تكون حسنة ما داموا لم يظاهروا علينا أحدا أو يضرونا بضرر.
٣- الكفار الذين آذونا أو ظاهروا على إخراجنا أو إخراج المسلمين من بلادهم كفلسطين مثلا فلا تحل موالاتهم بل تجب معاداتهم إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.
والذى ينطبق عليهم هذا هم اليهود والإنجليز والفرنسيون والأمريكان وكل من يقف في سبيل استقلالنا.
محبة الله باتباع رسوله وطاعته [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣١ الى ٣٢]
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)
نزلت هذه الآية خطابا لوفد نجران فإنهم كانوا يدّعون أنهم أبناء الله وأحباؤه، والخطاب فيها عام، وقيل: نزلت ردا على جماعة ادعوا أمام الرسول- ﵇ أنهم يحبون ربهم.
стр. 222
المعنى:
قل لهم يا محمد: إن كنتم تحبون الله حقيقة فاتبعوني فإن ما جئت به من عنده مبين لصفاته وأوامره ونواهيه، والمحب الصادق حريص على معرفة المحبوب ومعرفة أمره ونهيه ليتقرب إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه، فإن اتبعتمونى يحببكم الله ويوفقكم ويهديكم إلى سواء السبيل ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم. قل لهم، أطيعوا الله باتباع كلامه، والرسول باتباع سنته والاهتداء بهديه واقتفاء أثره، فإن تولوا وأعرضوا ولم يجيبوك لدعوتك غرورا منهم بدعواهم محبون لله وأنهم أبناؤه فاعلم أن الله لا يحب الكافرين الذين لا ينظرون في آيات الله ويهتدون إلى الدين الحنيف.
اصطفاء الأنبياء وسلالتهم [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٣ الى ٣٧]
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)
стр. 223
المفردات:
اصْطَفى: اختار. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ الذرية: تطلق على الأولاد، والمراد ذرية شبه بعضها بعضا. مُحَرَّراً: معتقا خالصا للعبادة وخدمة المسجد.
أُعِيذُها العوذ: الالتجاء إلى الغير، ومعنى الاستعاذة بالله: الالتجاء إليه، وتكون بالدعاء والرجاء.
المناسبة:
لما بين الله أن محبته متوقفة على اتباع الرسول وأن طاعة الله مقرونة بطاعة الرسول، ناسب أن يبين الرسل ومن اصطفاهم من الخلق.
المعنى:
إن الله اختار آدم أبا البشر: خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة بالسجود له وأسكنه الجنة وهبط منها لحكمة، الله يعلمها، واصطفى نوحا وجعله أول رسول بعث إلى الناس لما عبدوا الأوثان. وانتقم له بإغراقهم ونجاته هو ومن اتبعه، واصطفى آل إبراهيم ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء، واصطفى من ذرية إبراهيم آل عمران، وعمران هذا هو أبو مريم وجد عيسى- ﵇.
فالله اختار هؤلاء وجعلهم صفوة الخلق وخيارهم وجعل النبوة والرسالة فيهم.
ذرية بعضها يشبه بعضا في الفضل والمزية فهم خيار من خيار من خيار.
واذكر وقت أن قالت امرأة عمران- قيل: كان اسمها حنة وكانت عاقرا لا تلد- رب إنى نذرت لك ما في بطني خالصا لوجهك ولعبادتك لا يشتغل بشيء آخر سوى خدمة بيتك، ودعت الله أن يتقبل منها هذا النذر، إنك يا رب أنت السميع لكل قول ودعاء العليم بنية صاحبه، وقد كان الله سميعا لقول امرأة عمران عليما بنيتها. ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكر أم أنثى، فلما وضعتها قالت متحسرة حزينة: إنى وضعتها أنثى وذلك أنه ما كان يؤخذ لخدمة البيت إلا الذكور لأن الأنثى تحيض وتلد فلا تصلح
стр. 224
لهذا والله أعلم بما وضعت وبمكانتها وأنها خير من كثير من الذكور، وقد بين ذلك بقوله- تعالى-: وَلَيْسَ الذَّكَرُ الذي طلبت كالأنثى التي وضعت، بل هذه الأنثى خير مما كنت ترغبينه من الذكور.
قالت امرأة عمران: إنى سميتها مريم خادمة الرب آمل أن تكون بأمرك من العابدات وإنى أستعيذ بالله وأدعوه أن يقيها هي وذريتها (عيسى) من الشيطان وسلطانه عليهما فاستجاب الله دعاءها،
عن النبي ﷺ : «ما من مولود إلا يمسه الشيطان فيستهل صارخا من مسه إلا مريم وابنها» «١»
والمعنى في الحديث أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يؤثر فيه إلا مريم وابنها، فالحديث من باب التمثيل لا الحقيقة، وهذا لا يمنع أن إبليس كان يوسوس لعيسى- ﵇ كما ثبت في إنجيل مرقص، ومع هذا ما كان يطيعه، فقبل الله مريم من أمها بأبلغ قبول حسن، ورضى أن تكون محررة خالصة للعبادة وخدمة البيت ورباها تربية عالية تشمل الجسد والروح وكفاها فخرا بهذا.
وجعل زكريا (وكان رجلا معروفا بالخلق والتقوى وكان زوج خالتها) كافلا لها وراعيا حتى شبت وترعرعت وكان كلما دخل عليها المحراب وجد عندها خيرا كثيرا وفضلا من الرزق فيقول لها: يا مريم أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله رازق الناس بتسخير بعضهم لبعض، إن الله يرزق من يشاء من عباده بغير حساب.
العبرة من القصة:
المشركون وأهل الكتاب كانوا ينكرون على النبي ﷺ نبوته لأنه بشر مثلهم وليس من بنى إسرائيل فيرد الله عليهم: إن الله اصطفى آدم أبا البشر ونوحا الأب الثاني واصطفى من ذريتهما آل إبراهيم ومن آل ابراهيم آل عمران.
والمشركون يعترفون باصطفاء آدم ونوح وآل إبراهيم لأنهم من سلالته، وبنو إسرائيل يعترفون بهذا، واصطفاء آل عمران لأنهم من سلالة بنى إسرائيل حفيد إبراهيم، وإذا كان الله اصطفى هؤلاء على غيرهم من غير مزية سبقت فما المانع له من اصطفاء محمد ﷺ بعد ذلك على العالمين كما اصطفى بنى إسرائيل على غيرهم.
стр. 225
ومن هذه الأدلة قصة مريم فكما ولدت من أم عاقر على خلاف المعهود وقبلت أنثى في خدمة البيت كذلك فلم لا يجوز أن يرسل نبي عربي على خلاف المعهود اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ «١» .
قصة زكريا ويحيى [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٨ الى ٤١]
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)
المفردات:
سَيِّداً السيد: الذي يسود قومه ويفضلهم في الشرف والعلم والخلق.
وَحَصُوراً الحصر: المنع، والمراد: منوعا نفسه من ارتكاب ما يعاب عليه.
آيَةً: علامة. رَمْزاً: إشارة. بِالْعَشِيِّ: الوقت من الزوال إلى الليل.
وَالْإِبْكارِ: من طلوع الشمس إلى الضحى.
стр. 226
المعنى:
عند ما رأى زكريا حال مريم وما هي عليه من التوفيق والهداية، وما يتفضل الله به عليها من الخير والكرم.
هنالك دعا زكريا ربه وتوجه إليه أن يرزقه ولدا صالحا طيبا طاهرا من نسل يعقوب- ﵇ إنك يا رب سميع لكل قول ودعاء.
فنادته الملائكة وهو قائم يدعو الله ويصلى في المحراب وقالت له: إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى موصوفا بأنه يصدق بعيسى ابن مريم- ﵇ وسمّى كلمة الله لأنه نشأ بكلمة الله كن لا على السنة الطبيعية من الولادة بين أب وأم.
وهذا- ولا شك- دليل على أنه مهدى موفق حيث إنه أول السابقين المصدقين بعيسى وهكذا السابقون إلى تصديق الرسل- ﵈.
وسيكون يحيى سيدا في قومه يفضلهم في الشرف والخلق والأدب، وسيكون منوعا لنفسه من كل ما يشينها ويحط من شأنها، ولا غرابة فهو في الدنيا نبي وإنه في الآخرة لمن الصالحين.
قال: رب أنى يكون لي غلام؟
قال الشيخ محمد عبده ما معناه: إن زكريا لما رأى ما رأى من نعم الله على مريم وتوفيقه لها في الإجابة عن سؤاله. غاب عن حسه وهام في ملكوت الله، واستغرق قلبه في ملاحظة الله وحكمته ونطق بهذا الدعاء وهو على تلك الحال.
ولما آب من سفره وعاد من مشاهداته العليا إلى عالم الأسباب والمسببات سأل ربه عن كيفية تلك الاستجابة وهي على غير السنن الكونية إذ هو شيخ مسن وامرأته عاقر.
قال تعالى: مثل ذلك الخلق على غير السنة الطبيعية مع امرأة عمران يفعل الله ما يشاء في الكون، ومنه إيجاد ولد لك وامرأتك عاقر.
وهكذا يا أهل الكتاب لا تعجبوا من نبوة محمد ﷺ فالله يفعل ما يشاء ولا تخلو أفعاله من حكم عالية قد تخفى على الناس.
стр. 227
قال زكريا: رب اجعل لي علامة تتقدم هذه المكرمة وتؤذن بها، أى: اجعل لي عبادة أتعجل بها شكرك ويكون إتمامها علامة على حصول المقصود، فأمره ألا يكلم الناس ثلاثة أيام بل يشغل نفسه بالعبادة والتسبيح طول الوقت خصوصا في الصباح والمساء والعشىّ والإبكار.
مريم وفضل الله عليها [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٢ الى ٤٤]
وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)
المفردات:
اقْنُتِي: الزمى الطاعة مع الخضوع. أَقْلامَهُمْ: قداحهم التي يستهمون بها ويقترعون.
المعنى:
عدّ الله مريم من أصحاب النفوس الطيبة الطاهرة التي إذا أكرمت بالغت في الطاعة، وإذا مدحت استماتت في العمل والاجتهاد.
فقالت الملائكة: يا مريم إن الله اختارك خالصة لخدمة البيت وسدانته، وقبلك وما كان يصلح لهذا إلا الرجال ولكنه طهّرك من كل دنس ورجس وعيب يمنع من
стр. 228
المكث في المسجد، واصطفاك على نساء العالمين بولادة عيسى ابن مريم وخطاب الملائكة وكمال الهداية والتوفيق وتقوى الله يا مريم الزمى الطاعة وتجملى بالالتجاء إليه وحده واسجدي لله مع الخشوع والخضوع، واركعى مع الراكعين ولا تصلى وحدك.
ذلك القصص المنزل عليك يا محمد وفيه أخبار مريم وزكريا من أنباء الغيب وأسرار الخلق التي لم تطلع عليها أنت ولا أحد من قومك وإنما توحى إليك بالروح الأمين جبريل، وما كنت معهم حينما جاءت امرأة عمران وألقت مريم في بيت المقدس، وتنافس الأحبار في رعايتها وخدمتها فهي بنت سيدهم وكبيرهم. واستهموا في ذلك فنال شرف رعايتها زكريا، وما كنت يا محمد لديهم إذ يختصمون.
ولقد نفى الله حضور النبي ﷺ تلك المشاهد على سبيل التهكم بهم فلم يبق إلا الوحى من الله- تعالى- وأما تعليم البشر كما قالوا فرد الله عليهم بقوله: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ «١» وهو النبي الأمى لم يقرأ ولم يكتب فلم تبق إلا المشاهدة وقد نفيت عنه ﷺ .
قصة عيسى ﵇ [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٤٥ الى ٥١]
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)
وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)
стр. 229
المفردات:
بِكَلِمَةٍ مِنْهُ المراد بها: عيسى ابن مريم- ﵇. وَجِيهاً: ذا وجاهة وكرامة في الدارين. كَهْلًا: الرجل التام السوىّ. قَضى: أراد شيئا. الْحِكْمَةَ: العلم النافع. الْأَكْمَهَ: من ولد أعمى.
هذا شروع في قصة عيسى بعد قصة أمه وقصة زكريا ويحيى أقاربه.
المعنى:
واذكر يا محمد لقومك وقت أن قالت الملائكة (والمراد بهم جبريل) : إن الله يبشرك يا مريم بعيسى، وعبر عنه (بكلمة منه) إيذانا بأنه خلق خلقا غير عادى استحقّ أن يوصف وحده بقوله: (كلمة منه) وإن كان في الواقع أن جميع الكائنات بكلمة الله إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
стр. 230
اسمه المسيح الذي جاء فرفع الظلم وأنار لقومه الطريق وحملهم على الأخوة الصادقة وكانت مملكته روحانية لا جسدية، والمسيح لقب لعيسى ابن مريم من ألقاب المدح وإنما وصف عيسى بابن مريم مع أن الخطاب معها تسجيلا لوصفه بهذا في كل وقت وزمان وردّا على من ألّهه من أول الأمر، ولبيان أنه ولو كان من غير أب فهو منسوب لها تكريما وبيانا لمكانتها وهو ذو وجاهة في الدنيا عند أتباعه والمؤمنين به، وفي الآخرة عند الله من النبيين أولى العزم والرسل المقربين.
ومن أوصافه أنه يكلم الناس في المهد رضيعا حتى يدافع عن أمه وعند تمام رجولته وكلامه تام موزون موفق في كل حال وهو من الصالحين الذين أنعم الله عليهم وأصلح حالهم.
ولما بشر الله مريم بعيسى الفذ في تكوينه وخلقته الموصوف بما ذكر قالت مريم مستفهمة: أيكون هذا عن طريق الزواج أم لا؟ ويجوز أنها تكون سألت متعجبة مستعظمة قدرة الله القادر على كل شيء كيف يكون لي ولد وأنا لم أتزوج؟
قال تعالى: مثل ذلك الخلق البديع يخلق الله ما يشاء وقد خلق الخلق كما ترى وخلق السماء والأرض وخلق أبانا آدم من تراب بلا أب ولا أم ثم قال له كن فيكون.
وانظر إلى بلاغة القرآن حيث عبر في جانب زكريا كذلك يفعل الله ما يشاء، وهنا كذلك يخلق الله ما يشاء للإشارة إلى أن إيجاد ولد من شيخين عجوزين ليس كإيجاد ولد من أم فقط بلا أب فكان الخلق والإبداع أنسب بعيسى من يحيى.
ولذلك عقبه ببيان كيفية الخلق فقال: وإذا أراد أمرا من الأمور قال له كن فيكون والمراد بالأمر هنا الأمر التكويني لا الأمر التكليفي كما في قوله- تعالى- أقيموا الصلاة، مثلا.
وهذا تمثيل لعظمة الله ونفاذ أمره وسرعة إنجازه ما يريد حيث شبه حدوث ما يريد عند تعلق إرادته به حالا بطاعة المأمور القادر على الفعل للأمر المطاع، ومما يشبه هذا قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ أى: أراد أن يكون فكانتا.
стр. 231
وما لنا ننكر أن يكون عيسى من غير أب وقد خلق الله آدم من غير أب وأم؟! إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وقد خلق الله السماء والأرض بل وجميع المخلوقات في الأصل ابتداء من غير تلقيح فالأسباب الظاهرة ليست واجبة وجوبا عقليا مطردا، ونحن نرى كل يوم خوارق للعادات وفلتات للطبيعة فنحار في تعليلها.
وإذا كان الأمر كذلك امتنع على العاقل أن ينكر شيئا ويعده مستحيلا عادة ويذهب في تأويله المذاهب.
ومن أوصاف عيسى أن الله يعلمه الكتابة بالخط والعلم النافع والتوراة وقد كان عيسى عالما بها واقفا على أسرارها ويقيم الحجج على قومه بنصوصها، وقد علمه الله وأنزل عليه الإنجيل.
وكذلك يرسله رسولا إلى بنى إسرائيل كافة ناطقا ومحتجا على صدق رسالته بأنى أخلق- بمعنى أقدر وأصور لا أنشئ وأخترع- من الطين هيئة كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأمره لا بإذنى وأمرى فأنا مخلوق لا أقدر على هذا، وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله، وقد أنكروا عليه ذلك فقال لهم: وأخبركم بما تأكلون في بيوتكم وما تدخرون وتحفظون وهكذا مما لا سبيل إلى إنكاره.
إن في ذلك لآية لكم على صدقى وصدق رسالتي إن كنتم مؤمنين بالله مصدقين بقدرته الكاملة على كل شيء.
وقد أرسل عيسى ابن مريم مصدقا لما تقدمه من التوراة ولم يأت ناسخا لها بل متفقا معها في الأصول العامة في الدين كالتوحيد والبعث ... إلخ.
وإن يكن أرسل ليحل لكم بعض ما حرم عليكم بسبب ظلمكم وعنادكم يا بنى إسرائيل فقد حرم عليهم بعض الطيبات كالسمك والشحم فأحلها عيسى- ﵇ وجئتكم بآية من ربكم.
فاتقوا الله وخافوه وأطيعونى إن الله ربي وربكم فاعبدوه.
ترى أنه أمرهم بالتقوى والطاعة فيما جاء به عن ربه وختم ذلك بالتوحيد والاعتراف
стр. 232
منه بالعبودية له- تعالى- والربوبية، وقال: هذا هو الصراط المستقيم والقول الحق في مريم وابنها فمن تعدى ذلك فهو في ضلال مبين.
قصة عيسى مع قومه [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٢ الى ٥٨]
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦)
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)
стр. 233
المفردات:
أَحَسَّ يقال: أحسّ الشيء: أدركه بإحدى الحواس الخمس، وإدراك الأمور المعنوية بها مجاز. الْحَوارِيُّونَ: هم أصحاب عيسى وأنصاره، والحور: البياض وصفوا به لبياض قلوبهم وصفاء سريرتهم. مَكَرُوا المكر: التدبير الخفى المفضى بالممكور به إلى ما لا يحتسب. مُتَوَفِّيكَ التوفي: أخذ الشيء تماما.
شروع في قصة عيسى مع قومه حيث دعاهم للإيمان به فآمن به البعض وكفر به البعض، ولم يتعرض القرآن الكريم هنا إلى ولادته ونشأته إيجاز واختصارا، وإنما ذكر هنا ما يفيد تسلية الرسول ﷺ وبيان أن الآيات الكونية مهما عظمت لا يتوقف عليها الإيمان وإنما الإيمان يتوقف على هداية الله وتوفيقه.
المعنى:
فلما تحقق كفرهم عنده تحقّق ما يدرك بالحواس، وعلم علما أكيدا بأن منهم الجاحدين والمنكرين توجه إلى البحث عن المستعدين لقبول الدعوة ومن في قلوبهم نور الإيمان فقال: من ينصرني ملتجئا إلى الله؟ ومن الذين يضيفون أنفسهم إلى الله في نصرتي ويكونون حزبى وجماعتي؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله ومن ينصر الرسول فقد نصر الله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء ٨٠] نحن أنصار الله آمنا به إيمانا صادقا واتبعنا رسله واشهد بأنا مسلمون إذ الإسلام في جوهره لا يختلف فيه دين عن دين.
ربنا آمنا وصدقنا بما أنزلت في كتابك واتبعنا الرسول عيسى ابن مريم، فاكتبنا مع الشاهدين الذين يشهدون لأنبيائك بالصدق.
ومكر كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر وهموا بقتله وجمعوا جموعهم للفتك به وأبطل الله مكرهم فلم ينجحوا فيما دبروا وعبر عن ذلك بقوله: ومكر الله للمشاكلة، والمكر سيّئ وحسن، ولا يحيق المكر السيّئ إلا بأهله والله خير الماكرين.
مكر الله بهم إذ قال الله يا عيسى: إنى موافيك أجلك كاملا ولن يعتدى عليك معتد أبدا، فهذه بشارة له بنجاته من مكرهم وتدبيرهم، ورافعك في مكان علىّ. فالرفع رفع مكانة لا مكان، كما قال تعالى في شأن إدريس- ﵇: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [سورة مريم آية ٥٧] وكقوله في المؤمنين: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ
стр. 234
المعنى- والله أعلم به- أن عيسى رفع إلى السماء وأنه سينزل إلى آخر الدنيا ويستوفى أجله ثم يموت.
ومن إكرام الله لعيسى- ﵇ أنه قد جعل الذين اتبعوه في الدين وآمنوا به فوق الذين كفروا، والمراد أنهم أعلى منهم روحا وأحسن خلقا وأكمل آدابا، وقيل:
فوقهم في الحكم والسيادة وإن يكن هذا غير مطرد بالنسبة لليهود والنصارى.
والمعروف الذي يحدثنا به التاريخ أن كل جماعة تتمسك بدينها وآدابه وأخلاقه لا بد أن تكون فوق الجميع هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فالمرجع لله وحده، فأما الذين كفروا فيعذبون العذاب الشديد الملائم لما اقترفوا من ذنب في الدنيا وما لهم في الآخرة من ناصر ومعين.
وأما الذين آمنوا وعملوا صالحا فأولئك يوفيهم الله حقهم ويعطيهم أجرهم والله لا يحب الظالمين ولا يهديهم إلى الخير أبدا.
ذلك الذي تقدم من خبر عيسى نتلوه عليك يا محمد وهو من الآيات الواضحات الدالة على صدق نبوتك وهو من الذكر الحكيم.
الرد على ألوهية عيسى وقصة المباهلة [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٩ الى ٦٣]
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)
стр. 235
المفردات:
حَاجَّكَ: جادلك. نَبْتَهِلْ ابتهل الرجل: دعا وتضرع، وابتهل القوم:
تلاعنوا، والبهلة: اللعنة.
سبب النزول:
روى أن وفد نجران قالوا لرسول الله ﷺ : ما لك تشتم صاحبنا؟ قال: ما أقول؟
قالوا: تقول: إنه عبد الله. قال النبي ﷺ أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول، فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله، فنزلت هذه الآية: إن مثل عيسى عند الله
: وحقا صدق الله إذ يقول: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [سورة الفرقان آية ٣٣] .
المعنى:
إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم كلاهما خلق خلقا غريبا غير عادى فآدم خلق من غير أب ولا أم خلقه من تراب وقدره جسدا من طين ثم قال له كن فكان وعيسى خلق من غير أب فقط.
فقد شبه الغريب بالأغرب منه.
البيان الحق والقول الصدق من ربك بلا مراء ولا شك فلا تكن يا محمد أنت وأمتك من الممترين الشاكين وهذا الأسلوب يثير في النبي الكريم وأمته معاني اليقين والاطمئنان إلى الأخبار السماوية.
روى أن النبي ﷺ لما حاجوه بعد هذا طلب منهم المباهلة وخرج هو والحسن والحسين وفاطمة وعلى فلما طلب منهم المباهلة قالوا: أنظرنا.
ثم تشاوروا وقالوا: ما باهل قوم نبيا إلا هلكوا، فلما كان الغد صالحوا النبي ﷺ على الجزية وهي ألفان من الثياب ألف في صفر وألف في رجب ومعها دراهم.
وقد روى غير ذلك إلا أن الكل قد أجمع على أنهم طولبوا بالمباهلة فأبوا وقد خرج محمد ﷺ وآل بيته الكرام لمباهلتهم.
стр. 236
وهذا من الأدلة على صدق النبي محمد وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ألا لعنة الله على الظالمين.
فمن حاجك في شأن عيسى بعد هذا فقل لهم: تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نتباهل وندعو الله أن يلعن الكاذب ويطرده من رحمته.
فما أمكنهم أن يقدموا على المباهلة كما روى سابقا إن هذا لهو القصص الحق لا مرية فيه ولا جدال وليس هناك إله إلا الله العزيز الذي لا يغالب، الحكيم في كل شيء.
فإن تولوا بعد هذا فإن الله عليم بالمفسدين الذين هم منهم وسيجازيهم على ذلك.
كلمة التوحيد وملة إبراهيم [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٤ الى ٦٨]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)
стр. 237
المفردات:
سَواءٍ السواء: العدل والوسط. أَرْباباً: جمع رب، وهو السيد المربى المطاع فيما يأمر. تُحَاجُّونَ: تخاصمون وتجادلون. حَنِيفاً: مائلا عن الباطل. مُسْلِماً منقادا لله وحده.
المعنى:
بين الله القصص الحق والخبر الصدق في عيسى وأن أهل الكتاب قد أفرط البعض فجعله إلها وفرط البعض الآخر فنعته بما لا يصح، وانتهى أمرهم إلى المباهلة فغلبهم الرسول فيها بالعاطفة بعد الحجة والبرهان.
ثم أراد القرآن أن يسلك بهم سبيلا آخر حيث دعاهم إلى شيء لا يمكن أن يفلتوا منه ويتملصوا وهو: تعالوا إلى العدل والوسط والكلمة السواء: ألا نعبد إلا الله وألا نشرك وشيئا وألا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من غير الله فكل دين لا يختلف عن الآخر في إثبات الوحدانية والربوبية لله تعالى.
وإذا كان الأمر كذلك فهيا بنا جميعا إلى الأمر الوسط المسلّم من الجميع.
وإن اعترضنا شيء وجب أن نرده إلى أصل التوحيد وكلمته فلا نقول إذن: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله فإن تولى اليهود والنصارى بعد هذا وأعرضوا فقولوا لهم:
اشهدوا بأنا مسلمون حقا منقادون لله نعبده وحده مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، أما أنتم فلا!!!
المحاجة في إبراهيم:
روى أن اليهود قالوا: إن إبراهيم كان يهوديا، وقال النصارى: إنه كان نصرانيا وتحاكموا إلى رسول الله فنزلت الآية
: يا أهل الكتاب لم تتخاصمون في شأن إبراهيم وشريعته وقد أنزلت التوراة والإنجيل من بعده فكيف تدعون أنه كان يهوديا أو نصرانيا أعميتم عن إدراك أبسط الأشياء فلا تعقلون.
стр. 238
ها أنتم هؤلاء تحاجون فيما لكم به نوع من العلم والمعرفة وهو عيسى- ﵇ فعلى أى أساس تحاجون في شأن إبراهيم- ﵇ وليس لكم به علم يصلح أساسا للمحاجة والمخاصمة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مائلا عن الشرك بالله والوثنية.
فلم يقل: عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله بل كان مسلما منقادا لله- وما كان من المشركين كأهل الكتاب والمشركين من العرب وما لكم ولإبراهيم؟؟
إن أولى الناس وأحقهم بإبراهيم من اتبعوه من المؤمنين به خصوصا هذا النبي محمد والذين معه من المؤمنين، إذ الكل متفق معه في الوحدانية والألوهية لله تعالى، والله ولى المؤمنين.
من مواقف أهل الكتاب [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٦٩ الى ٧٤]
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)
стр. 239
المفردات:
يُضِلُّونَكُمْ: يكسبونكم المعصية بالرجوع عن دين الإسلام والمخالفة له، والضلال: نوع من الهلاك. تَلْبِسُونَ: تخلطون. وَجْهَ النَّهارِ: أول النهار.
المعنى:
روى أن معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر دعاهم اليهود إلى دينهم فنزلت هذه الآية
، ودت جماعة من أهل الكتاب لو يصدونكم عن دينكم ويخرجونكم من شرعكم بشتى الأساليب وكل الطرق، أحبوا ذلك حبا عميقا من قلوبهم وبذلوا لردتكم عن دينكم كل مرتخص وغال، وفي الواقع ما يضلون إلا أنفسهم إذ قد شغلوها بما لا يجدي بل بما يضر ويلهى عن النظر فيما ينفع وما يشعرون بذلك لأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا، وأما جزاؤهم على ذلك فالله أعلم به.
يا أهل الكتاب قد أرسلت لكم رسل ومعهم كتب فيها ما فيها من العقائد والأعمال والبشارة بالنبي المبعوث من ولد إسماعيل وهو عربي أمى، فلم تكفرون بآيات الله التي نزلت في التوراة والإنجيل؟ لأنكم لم تعملوا بمقتضاها، والآيات التي في القرآن لأنكم لم تؤمنوا بها، والعجب العجاب أنكم تقرون وتشهدون بصدق رسالة محمد ﷺ وصدق بشارته التي في كتبكم.
يا أهل الكتاب لم تخلطون الحق بالباطل وتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض وتخلطون كلام الله المنزل بكلامكم المخترع الباطل وتكتمون الحق الصريح الواضح وهو ما يتعلق بالنبي محمد ﷺ ومن الغريب أنكم تعلمون خطأكم وخطر هذا العمل.
стр. 240
روى أن جماعة من أهل الكتاب قالوا لسفلتهم: آمنوا بمحمد أول النهار واكفروا آخره، فإن سئلتم في ذلك قولوا: آمنا حتى إذا رجعنا إلى التوراة والإنجيل عرفنا أنه ليس النبي المبشر به في التوراة فلعل ذلك يكون مدعاة لرجوع من آمن بمحمد.
ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الرسالة والنبوة إلا لمن تبع دينكم،
أى: لا تعترفوا أمام العرب مثلا بأنكم تعتقدون أنه يجوز أن يبعث نبي من غير بنى إسرائيل وهذا مبنى على أنهم ينكرون جواز بعثة نبي من العرب بألسنتهم مكابرة وعنادا للنبي ﷺ لا اعتقادا، وأنهم كانوا لا يصرحون باعتقادهم المستكن في أنفسهم إلا لمن آمنوا له من قومهم وهذا مكرهم وخداعهم لئلا يزداد المسلمون ثباتا على الدين، والمشركون دخولا فيه، ولا تؤمنوا لغير أتباعكم لأن المسلمين يحاجونكم عند ربكم يوم القيامة ويغالبونكم عند الله بالحجة، وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ اعتراض على معنى: ليس إظهاركم أو إخفاؤكم له دخل في الهداية بل الهداية من الله والتوفيق، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
الأمانة والوفاء بالعهد عند اليهود [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٥ الى ٧٧]
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧)
стр. 241
المفردات:
(قنطار) القنطار: العقدة الكبيرة من المال، أى: المقدار الكبير منه، وقيل: هو اسم للمعيار الذي يوزن به كالرطل والأوقية. الْأُمِّيِّينَ: العرب. سَبِيلٌ:
ذنب وتبعة. بِعَهْدِهِ العهد: ما تلتزم الوفاء به لغيرك. وَأَيْمانِهِمْ: جمع يمين، وهو في الأصل يطلق على اليد المقابلة للشمال، ثم أطلق على الحلف بالله لأن المتعاهد يضع يمينه على يمين صاحبه ويحلف على العهد.
المعنى:
تقدمت صفة ثابتة لبعض أهل الكتاب خصوصا اليهود وهي حبهم العميق لفتنة المسلمين وإضلالهم.
ومنهم من يتصف بالخيانة وعدم الوفاء واستحلال أكل أموال غير اليهود.
ولقد أنصفهم القرآن حيث قال: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ بقطع النظر عن دينك، كالسموءل بن عاديا اليهودي.
وكل جماعة فيهم الصالح والطالح، وإن تكن الجماعة اليهودية أغلبها طالح فاسد.
وانظر إلى تعبير القرآن الكريم يقول: ومن أهل الكتاب بدل ومنهم للإشارة إلى أن هذه الصفات يعتمدون فيها على الكتب المنزلة عليهم فهم يستحلون أكل مال غير اليهود باسم التوراة التي حرفوها، فهم قد زعموا أن التوراة لم تنههم إلا عن خيانة إخوانهم الإسرائيليين وأما الأميون فليس عليهم ذنب في أكل أموالهم إذ هم شعب الله المختار ومن سواهم لا حرمة له عند الله، فهو مبغوض ولا حق له ولا حرمة وعند ذلك يحل أكل ماله ومثل الأميين غيرهم مما عدا اليهود.
وهم يقولون على الله الكذب ويفترونه إذ كل الشعوب والأمم سواء لا فضل لعربي على عجميّ إلا بالتقوى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [سورة الحجرات آية ١٣] .
والذي سول لهم هذا الزعم وأباح لهم هذا الكذب شياطينهم وأحبارهم فهم الذين حرفوا التوراة وبدلوها.
стр. 242
بلى: ردّ عليهم في زعمهم وبيان من الله لكذبهم الصريح وأن القانون الإلهى أن من أوفى بعهده واتقى الله فأولئك الذين يحبهم الله ويعاملهم بالرحمة والعطف ويجازيهم على عملهم أحسن الجزاء والعهد يشمل كل عهد في بيع أو شراء وكل معاملة.
وإذا كان هذا جزاء الذين يوفون بعهدهم في المعاملات الدنيوية أفلا يكون الجزاء أوفى لمن يوفى بعهد الله في الدين والمعاملة بينه وبين ربه.
ثم بيّن الله- تعالى- جزاء أهل الغدر والحلف مع بيان السبب الذي يحملهم على ذلك فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ... الآية، روى أنها نزلت في اليهود كتموا ما أنزل الله وبدلوا وحلفوا على ذلك أنه من عند الله، وقد أضاف العهد هنا إلى الله لأنه عهد إلى الناس في كتبه المنزلة أن يلتزموا الصدق والوفاء فيما يتعاهدون ويتعاقدون، وأن يؤدوا الأمانات إلى أهلها كما عهد إليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا فعهد الله يشمل كل هذا.
ولما كان الناكث للعهد لا بد أن يأخذ شيئا في مقابل نكثه العهد، عبر عن ذلك بالشراء الذي هو معاوضة ومبادلة في الجملة وسمى ذلك العوض قليلا لأنه مهما كان كثيرا فهو في الواقع قليل بالنسبة لجرمه وذنبه.
أولئك الناقضون العهد لا نصيب لهم في الآخرة أصلا ولا يكلمهم الله يوم القيامة غضبا عليهم، ولا ينظر إليهم نظرة عطف ورحمة ولا يزكيهم بالثناء عليهم أصلا ولهم عذاب أليم.
من كذبهم وافترائهم على الله أيضا [سورة آل عمران (٣) : آية ٧٨]
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)
стр. 243
المفردات:
يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ من اللّىّ: وهو اللف، أى: يفتلون ألسنتهم ليميلوها عن الآيات المنزلة إلى العبارات المحرفة.
المعنى:
وإن منهم لجماعة من أحبارهم وعلمائهم يفتلون ألسنتهم ويميلونها عن الآيات المنزلة بأن يزيدوا في كلام الله أو ينقصوا أو يحرفوا الكلم عن مواضعه، ويقرءون كلامهم بنغم وترتيل فيوهمون الناس بأنه من التوراة وأن الكتاب جاء بذلك لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ والواقع أنه ليس منه، ويقولون على الله الكذب ويفترونه وهم يعلمون أنه ليس من عند الله ولكن من عند الشيطان والهوى.
فهم لا يعرّضون ولكن يصرحون بذلك لقسوة قلوبهم وفرط جرأتهم وغرورهم.
الرد على أهل الكتاب في إشراكهم بالله [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٧٩ الى ٨٠]
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)
المفردات:
رَبَّانِيِّينَ: نسبة إلى الرب، وهو المتشدد في الدين الملتزم طاعة الله.
أَرْباباً جمع رب.
стр. 244
سبب النزول:
قيل: إن رافع القرظي من اليهود ورئيس وقد نجران من النصارى قال لرسول الله ﷺ أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟ فقال- ﵊: معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرنى فنزلت هذه الآية
. المعنى:
لا يصح لبشر يمن الله عليه بالكتاب ويهديه إلى الحكمة والصواب في فهم ما أنزل عليه، ويؤتيه النبوة والرسالة ثم بعد هذا يقول للناس: كونوا عبادا لي من دون الله، أى: اعبدوني وحدي أو اعبدوني مع الله، فهذا هو الشرك بعينه، ولكن يقول:
كونوا- أيها الناس- ربانيين متمسكين بالدين مطيعين لله أتم طاعة بسبب كونكم تعلّمون الكتاب لغيركم وبسبب كونكم تدرسونه وتتعلمونه، ولا يعقل أن يأمركم باتخاذ الملائكة والأنبياء آلهة تعبد من دون الله كما فعلت اليهود مع عزير والنصارى مع المسيح، أيأمركم هذا النبي بالكفر والفسوق والعصيان بعد أن أرسل هاديا لكم وكنتم مسلمين منقادين لله بالطبيعة والفطرة التي فطر الناس عليها.
ويؤخذ من هذه الآية أن التعليم الديني والدراسة للإسلام إن لم تكن مصحوبة بالعمل والطاعة كانت وبالا على صاحبها، بل كان السراج يضيء للناس ويحرق نفسه.
الميثاق المأخوذ على أهل الكتاب [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨١ الى ٨٣]
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)
стр. 245
المفردات:
أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ: قبله، الميثاق: العهد المؤكد. أَقْرَرْنا الإقرار قر الشيء:
إذا ثبت ولزم قرارة مكانه، وأقر بالشيء إذا نطق بما يدل على ثبوته. إِصْرِي الإصر: العهد المؤكد الذي يمنعه من التهاون.
هذه السورة الكريمة من أولها إلى هنا يدور معناها على إثبات رسالة محمد ﷺ الذي يجب أن يؤمن به الكل. وأن دينه هو الحق وهو الإسلام، وكل من تقدمه من الأنبياء والأمم قد أخذ عليهم الميثاق أن يؤمنوا به إذا أدركوه فما بال أهل الكتاب اليوم قد نقضوا العهد والميثاق وأعرضوا عن هذا الدين.
المعنى:
واذكر يا محمد وقت أن قبل الله الميثاق المأخوذ على الأنبياء وتدخل أممهم معهم تبعا لهم مهما آتيناكم أيها المخاطبون من كتاب وحكم ونبوة ثم جاءكم رسول هو خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله مصدقا لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه.
قال الله- تعالى- لمن أخذ عليهم الميثاق: أأقررتم وقبلتم ذلك الذي ذكر من الإيمان بالرسول المصدق لما معكم ونصرته أقبلتم عهدي وميثاقي المؤكد؟
قالوا: أقررنا، ونطقوا بما يدل على ثبوته قال تعالى: فليشهد بعضكم على بعض وأنا معكم جميعا لا يغيب عن علمي شيء.
فمن تولى بعد هذا الميثاق المأخوذ قديما ولم يؤمن بالنبي المبعوث في آخر الزمان المصدق لمن تقدمه ولم ينصره كما حصل من أهل الكتاب المعاصرين للنبي ﷺ فأولئك هم الفاسقون الخارجون من ميثاق الله الناقضون عهده.
стр. 246
وإذا كان الدين واحدا، والرسل متفقون في الأصول العامة للأديان فما بال أهل الكتاب المعاصرين؟
أيتولون بعد هذا البيان فيبغون غير دين الله الذي هو الإسلام؟! ولله استسلم من في السموات والأرض وخضعوا له وانقادوا لتصرفه بالتكوين والإيجاد هنا إذ هو المتصرف فيهم وهم الخاضعون له، فكل ما يحل بالناس إن كان عن رضا فهم طائعون وإن كان عن غير رضا فهم كارهون، وإلى الله المرجع والمآب.
إيمان المؤمنين بكل الأنبياء [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٤ الى ٨٥]
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)
المعنى:
قل يا محمد أنت وأمتك: آمنّا بالله الواحد الأحد وما أنزل علينا نحن الأمة المحمدية، وقدم الإيمان بالله على الإيمان بالمنزل لأنه الأصل والأساس، وقدم المنزل علينا على المنزل على الأنبياء السابقين لأنه هو الأصل فهو مصدر المعرفة وما سواه قد غير وبدل فلا يصلح أساسا للمعرفة، والمنزل علينا هو القرآن الكريم، وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وأولاده وما أوتى موسى من التوراة وعيسى من الإنجيل والنبيون كداود وسليمان وغيرهم مما لا يعلمهم إلا الله- .
أمرنا بشيئين: الإيمان بالله والنبيين إيمانا لا نفرق فيه بين أحد منهم بل نؤمن بالكل على أنه نبي مرسل من قبل المولى- جل شأنه- لأمته يهديها إلى سواء السبيل،
стр. 247
ولا نفعل كما فعل أهل الكتاب يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ونحن له مسلمون ومنقادون.
ومن يبتغ غير الإسلام الذي هو دين الأنبياء والدين الذي ارتضاه الله لعباده ومن يبتغ غيره دينا فلن يقبل منه قطعا وهو في الآخرة من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ولم يزكوها بالإسلام.
حكم الكفر بعد الإيمان [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٦ الى ٨٩]
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)
المفردات:
ما في هذه الآيات تقدم شرحه.
المعنى:
ورد في سبب النزول أنها نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت النبي ﷺ في كتابهم وأقروا بذلك وشهدوا أنه حق ولذا كانوا يستفتحون به على المشركين، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب وأنكروه وكفروا به بعد إيمان، وروى في أسباب النزول عدة روايات أخرى في الذين ارتدوا بعد إسلامهم.
стр. 248
كيف يهدى الله قوما كهؤلاء اليهود والنصارى كفروا بعد إيمانهم وشهادتهم أن الرسول حق وجاءتهم الآيات الواضحات على صدقه وصدق رسالته؟!! والله لا يهدى القوم الظالمين لأنفسهم فهم قد عرفوا الحق وتنكبوا عنه، فلا أحد أظلم لنفسه منهم وأولئك جزاؤهم أنهم مطردون من رحمة الله وعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فالملائكة يدعون عليهم بالطرد من رحمته وكذلك الناس كلهم.
خالدين في النار لا يخفف عنهم العذاب ولا هم يمهلون بل سيأخذون أخذ عزيز مقتدر.
هذا جزاؤهم إلا من تاب منهم بعد ذلك ورجع إلى الله وأصلح عمله وقلبه فإن الله غفور لما سبق، رحيم بعباده حيث يقبل توبة التائب.
أصناف الكفار [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٠ الى ٩١]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)
المفردات:
ما فيها من المفردات قد تقدم.
المعنى:
هؤلاء الكفار ثلاثة أصناف: صنف كفر بعد إيمان ثم تاب توبة صادقة من بعد ذلك فأولئك يقبل الله توبتهم إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 249
وصنف كفر بالله ثم تاب ورجع ثم عاد إلى الكفر فلن تقبل توبته، وقيل: هم الكافرون يتوبون عن بعض الذنوب مع بقائهم على الكفر. وهذا هو معنى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ.
وصنف كفروا بالله وماتوا وهم كفار، فلن يقبل من هؤلاء فدية مهما كثرت ولو كانت ملء الأرض ذهبا، أولئك لهم عذاب أليم وما لهم في الآخرة من ناصر ولا شفيع.
الإنفاق أيضا [سورة آل عمران (٣) : آية ٩٢]
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)
بعد أن حاج الله أهل الكتاب وأبان أنهم يلبسون الحقّ بالباطل وأنهم لم يؤمنوا بالله حقا، بل يكتمون الحق وهم يعلمون أن محمدا رسول الله قد بشر به في التوراة والإنجيل.
بعد هذا أراد أن يدلل على عدم إيمانهم بشح نفوسهم وبخلهم بالإنفاق في الخير، والإنفاق لعمري أكبر دليل على صدق الإيمان.
وإنهم لن يصلوا إلى البر ولن يكونوا بارين بالله إلا إذا أنفقوا ما يحبون من كريم ما يملكون، أما وقد شحت نفوسهم برديء المال فضلا عن كريمه فهم بعيدون عن الصدق في دعواهم الإيمان والطاعة لمولاهم، وما تنفقون من شيء سواء كان كريما أو رديئا فإن الله به عليم ولا يخفى عليه إخلاصكم ورياؤكم.
стр. 250
فرية اليهود في تحريم بعض المطعومات [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٣ الى ٩٥]
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)
المفردات:
الطَّعامِ المراد به: المطعومات كلها، وكثر استعماله في الخبز والبرّ.
حِلًّا: حلالا. إِسْرائِيلَ: لقب يعقوب بن إبراهيم، ومعناه الأمير المجاهد مع الله، ثم شاع إطلاقه على جميع ذريته، وهو المراد هنا. افْتَرى
: اختلق وكذب. حَنِيفاً: مائلا عن الباطل إلى الحق.
المناسبة:
ما تقدم من أول السورة إلى هنا في إثبات التوحيد ونبوة محمد ﷺ وما استتبع ذلك من محاجة أهل الكتاب وبطلان شبههم.
وهنا رد عليهم في شبهتين، الأولى: في قولهم: كيف تدعى يا محمد أنك على ملة إبراهيم والنبيين من بعده وأنت تستحل ما كان محرما عندهم من الطعام كلحم الإبل وغيره؟ فنزلت الآية: (كل الطعام) ردا عليهم في دعواهم أن تحريم بعض المطعومات كان من الله على لسان إبراهيم ويعقوب. والثانية تتعلق بمكة وتعظيمها.