← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وهؤلاء هم المؤمنون وهذا هو جزاؤهم [سورة السجده (٣٢) : الآيات ١٥ الى ٢٢] إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢) المفردات: تَتَجافى التجافي: الابتعاد والارتفاع الْمَضاجِعِ: جمع مضجع، وهو الموضع الذي يضجع فيه بفرش النوم قُرَّةِ أَعْيُنٍ القرة: اسم لما يحصل به القرير، أى: الفرح والسرور فاسِقاً أى: كافرا.

стр. 1857

المعنى: لقد مضى ذكر الكفار الذين أجرموا وعملوا السيئات، وما كان من حالهم يوم القيامة، وهنا الكلام على المؤمنين الذين عملوا الصالحات: إنما يؤمن بآياتنا القرآنية والكونية، ويصدق برسلنا الذين إذا ذكروا بها، وتليت عليهم بعض آياتها خروا ساجدين لله بأعضائهم، وسبحوا بحمد ربهم، أى: جمعوا بين التسبيح والحمد حيث قالوا: سبحان الله وبحمده، وسبحان ربي الأعلى، وهم لا يستكبرون عن عبادته بقلوبهم، فهي عامرة بالإيمان، ترى في العبادة قرة عينها وراحة ضميرها إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر ٦] . ترى أن الله- سبحانه- بين الدرجة العالية للمؤمن الذي إذا ذكر بالقرآن حصل منه سجود بالأعضاء، وحمد وتنزيه باللسان، وخضوع بالقلب والجنان، كل ذلك بمجرد التذكير لا خوفا من عقاب ولا طمعا في ثواب. ثم ذكر صنفا أقل وهم الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع، ويبتعدون عن الفراش الوثير، ويهرعون إلى الصلاة يدعون ربهم خوفا من عقابه، وطمعا في ثوابه، وهم ينفقون بعض ما رزقناهم في سبيل الله. القيام بالليل والتهجد فيه لون من العبادة عال، وتوفيق من الله كبير، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقد ورد فيه مع هذه الآيات آيات وأحاديث كثيرة كلها تهدف إلى بيان فضله، وجزيل مثوبته. ففي حديث معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال له: «ألا أدلّك على أبواب الخير؟ الصّوم جنّة، والصّدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النّار، وصلاة الرّجل في جوف اللّيل- قال: ثم تلا تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ حتى بلغ يَعْمَلُونَ أخرجه أبو داود. وغير هذا الحديث كثير، وروى أبو داود عن أنس بن مالك أن هذه الآية المراد بها التنفل بين المغرب والعشاء، وقيل: هو صلاة الرجل العشاء والصبح في جماعة، فإن هذا يستدعى انتظار الجماعة وهو مشغول بالذكر والتسبيح وصلاة النفل، فقد وصل التجافي أول الليل وآخره، هؤلاء الناس الذين قاموا بالليل أو انتظروا الجماعة في صلاة العشاء والصبح والناس نيام، قد أخفوا أعمالهم، وطهروا نفوسهم من الرياء

стр. 1858

والنفاق، لهم جزاء من جنس أعمالهم، فلا تعلم نفس عظمة ما أخفى لهم وأعد في الجنات من النعيم المقيم، والثواب الجزيل على سبيل التفصيل، لما أخفوا أعمالهم أخفى الله ثوابها جزاء وفاقا، قال الحسن البصري: أخفى قوم عملهم فأخفى الله لهم ما لم تر عين ولم يخطر على قلب بشر، وعن أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: «أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ. أولئك الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا، وهم الذين يتقبل الله عنهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم وعد الله الصدق الذين كانوا يوعدون، ولا غرابة فالعبد يعمل سرا أسره إلى الله لم يعلم به الناس، فأسر الله له يوم القيامة قرة أعين، ولعل التقييد بقوله: «عن المضاجع» لمزيد مدحهم وبيان قوة إيمانهم، لأن المضجع إذا كان مفروشا كان النوم فيه ألذ، والنفس إليه أميل، فإذا هجره المؤمن، والحالة هذه لأجل الصلاة، ومناجاة ربه، كان ذلك أمدح له وأدل على كمال يقينه. أفبعد ما بيناه من التفاوت بين المؤمن الذي ذكرت أوصافه، والفاسق الكافر الذي ذكرت أحواله يكون المؤمن كالفاسق؟ لا. إنهم لا يستوون أبدا في الدنيا والآخرة. أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فأولئك لهم جنات المأوى التي فيها المساكن والدور والغرف العالية التي أعدت وهيئت لتكون نزلا، أى: للضيافة والكرم جزاء لهم بما كانوا يعملون، وأما الذين فسقوا وخرجوا عن الطاعة فالنار هي المأوى لهم، التي يأوون لها من شدة الموقف حتى إذا ما دخلوها وجدوها نارا تلظى، فيحاولون الخروج، وأنى لهم ذلك؟ إذ كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وقيل لهم تأنيبا وتقريعا: ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون. ولا غرابة في هذا فالله يقول: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [الجاثية ٢١] أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [سورة ص آية ٢٨] أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ وليس من العدل في شيء أن يسوى بين المؤمن العامل والكافر الفاسق!!

стр. 1859

ولنذيقنهم، أى: الكفار والعصاة بعض العذاب الأدنى من مصائب الدنيا وآفاتها لعلهم يرجعون ويتنبهون، لنذيقنهم بعض العذاب البسيط دون العذاب الكبير لعلهم يثوبون إلى رشدهم، ويؤمنون بربهم، وتلك سنة الله مع الأمم فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ [سورة الأعراف آية ١٣٣] . ولا غرابة في ذلك فلا أحد أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها عتوا واستكبارا وحسدا من عند نفسه! وهذا الصنف من الناس جزاؤه واجب، وعقابه أمر محتم أوجبه العدل والحكم القسط، إن ربك من المجرمين منتقم جبار، سينتقم منهم أشد الانتقام. مواعظ وعبر [سورة السجده (٣٢) : الآيات ٢٣ الى ٣٠] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)

стр. 1860

المفردات: مِرْيَةٍ: شك أَئِمَّةً: جمع إمام، أى: زعماء وقادة في الدين أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ: أو لم يتبين لهم الْقُرُونِ: الأمم السابقة الْجُرُزِ: هي الأرض اليابسة التي جرز نباتها، أى: قطع لرعى أو لعدم الماء فيها مع صلاحيتها للإنبات، وقيل: رجل جروز إذا كان لا يبقى شيئا إلا أكله، وناقة جروز، أى: تأكل كل شيء تجده، وسيف جروز، أى: قاطع ماض مَتى هذَا الْفَتْحُ متى هذا الحكم؟ إذ الفتح القضاء، وقيل للحاكم: فاتح وفتاح لأن الأشياء تنفتح على يديه وتنفصل، وعليه قوله تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ. وهذا رجوع إلى أحد الأصول الثلاثة، وهي الرسالة والتوحيد وإثبات البعث التي تعنى بها السور المكية، وإنما اختار موسى لكثرة الشبه بينه وبين النبي محمد ﷺ ولكثرة أتباعه وقوة تأثيرهم في المجتمع العربي. وكل من المسيحيين واليهود يؤمنون به، ومع هذا كثير من المواعظ والعبر. المعنى: ولقد آتينا موسى أخاك الكتاب فأوذى وكذّب وناله ما ناله من ألوان العذاب والسخرية، فلا تكن في شك من أنه سيلقاك ما لقيه من التكذيب والأذى، إذ تلك سنة الكون ونظام الناس. لا بد من اصطراع أهل الحق مع أهل الباطل، وجعلنا الكتاب الذي أنزل على موسى هدى ونورا لبنى إسرائيل، وجعلنا منهم أئمة وقادة، وهم أنبياء بنى إسرائيل يهدون الناس بأمرنا، ويدعونهم ويعظونهم، وكانوا بآياتنا يوقنون، كل ذلك لما صبروا على أحكام الدين وتكاليفه، وصبروا على البلاء وعلى متاع الدنيا الزائل.

стр. 1861

إن ربك هو يفصل بين المؤمنين والكافرين المنكرين للرسالة، ويقضى بحكمه العدل فيجازى كلا على عمله، ويعطيه ما يستحق من ثواب أو عقاب، وقيل: المعنى: إن ربك يقضى بين الأنبياء وأممهم بالحق. أغفلوا ولم يتبين لكفار مكة إهلاكنا كثيرا من الأمم السابقة- حالة كونهم يمشون في مساكنهم- فيعبتروا ويتعظوا بما حل بغيرهم؟! إن في ذلك لآيات دالات على قدرة الله وحكمه العدل بين الكفار والمؤمنين، أفلا يسمعون سماع قبول وتدبر بقلوبهم؟ وأعموا ولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز التي لا نبات فيها بواسطة المطر أو الأنهار والسيول فنخرج بالماء زروعا وثمارا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون؟! ألم يروا إلى مثل مصر فإنها هبة النيل، ولولا أن الله ساقه إليها لبقيت مصر قطعة من الصحراء لا خير فيها ولا حياة، وإن ربك على كل شيء قدير أفلا يبصرون ذلك فيعتبرون ويتعظون؟. وكان المسلمون يقولون: غدا سيفتح الله علينا، ويحكم بيننا بالحق وهو خير الفاصلين. فكان المشركون يقولون: متى هذا الفتح؟ استبعادا وإنكارا واستهزاء بالنبي وصحبه، قل لهم: يوم الفتح، والقضاء الفصل هو يوم القيامة، يومئذ لا ينفع الذين كفروا إيمانهم بأنهم على باطل، وأنهم تركوا الصراط المستقيم واتبعوا سبل الشيطان فضلوا عن سواء السبل، لا ينفعهم إيمانهم بأن النبي والقرآن حق، ولا هم ينظرون بل يأخذون جزاءهم فورا. فأعرض عنهم، وانتظر ما يحل بهم من العذاب في الدنيا والآخرة، إنهم منتظرون بك حادث موت أو قتل فيستريحون منك، وما علموا أن الله عاصمك من الناس ومؤيدك، حتى تؤدى رسالتك كاملة غير منقوصة.

стр. 1862

سورة الأحزاب مدنية في قول جميع العلماء، وعدد آياتها سبعون آية. نزلت هذه السورة تفضح المنافقين، وتبين إيذاءهم لرسول الله ﷺ وطعنهم فيه، وفي نكاحه لأزواجه. وكيف كان موقف المنافقين والكفار في غزوة الأحزاب وغيرها، مع بيان الآداب النبوية لبيت النبي، وقصة زيد بن حارثة، وغير ذلك من الآداب الإسلامية، التي يحتاجها المجتمع الإسلامى الجديد في المدينة وخاصة بعد غزوة بدر الكبرى. توجيهات وآداب [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٣) ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥)

стр. 1863

المفردات: تُظاهِرُونَ الظهار: أن يقول الرجل لامرأته أنت على كظهر أمى قصدا إلى تحريمها أَدْعِياءَكُمْ: جمع دعى، وهو من يدعى لغير أبيه على أنه ابنه وفي الواقع هو ابن غيره أَقْسَطُ: أعدل وأقوم وَمَوالِيكُمْ المراد: هم بنو عمومتكم جُناحٌ: ذنب. المعنى: يا أيها النبي دم على تقوى الله، واجتهد في الازدياد منها فإنها باب لا يبلغ مداه، وأنت أولى الناس بها، ولا تطع الكافرين والمنافقين، فلا تساعدهم على شيء، ولا تقبل لهم رأيا، ولا تجعل منهم صاحبا أو صديقا، ولا تطمع فيهم بل احترس منهم فإنهم أعداء الله ورسوله، إن الله كان عليما بحالك وحالهم، حكيما في كل ما أمر به.. روى أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة كان حريصا على إيمان اليهود فإنهم أهل كتاب، ولهم رأى وكلام مسموع في هذا الباب وخاصة عند العرب، وكان يعرف فيهم بعض المنافقين، ويلين لهم الجانب، ويعاملهم معاملة كريمة، ويسمع لهم ويطيع أمرهم، فنزلت. روى أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبى جهل وأبا الأعور السلمى قدموا على النبي ﷺ في الموادعة التي كانت بينه وبينهم. وقام معهم عبد الله بن أبىّ رأس المنافقين، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس، فقالوا للنبي ﷺ ارفض ذكر آلهتنا، وقل: إنها تشفع وتنفع، وندعك وربك، فشق ذلك على النبي ﷺ وعلى المؤمنين، وهمّ عمر- وكان حاضرا- بقتلهم، فنزلت ، وهذا نهى للنبي ﷺ عن إطاعة الكفار والمنافقين، وأمر له بإعلان الحرب عليهم غير آبه بهم ولا ملتفت إليهم، وفي هذا من الخطر ما فيه عند العقلاء.

стр. 1864

لذلك جاء الإسلام يعلل ويعالج، ولا يترك المحتاج يتخبط بل يرسم الطرق الحكيمة، ويضع العلامات واللافتات حتى تصبح الصراط المستقيم، فاستمع إلى القرآن وهو يغرس في نفوس المسلمين العزة والكرامة، ويربيهم على أنهم لا يلتفتون إلى الكفار والمنافقين مهما كان شأنهم، يقول: إن الله كان عليما بالمصلحة والصواب حكيما لا يأمر ولا ينهى إلا بداعي الحكمة الحكيمة. فنفذوا النهى، وامتثلوا الأمر فإن هذا خير لكم، والعلاج الثاني هو أن يتبع ومن معه ما يوحى إليه من لدن رب العالمين، إنه بما تعملون خبير فيوحى إليكم بكل نافع إذ هو خبير بالعباد بصير، والعلاج الثالث هو التوكل على الله حقا، والاعتماد على جنابه اعتمادا حقيقيا، لا شبهة فيه ولا ادعاء، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وكفى به وكيلا. يا لله، كأن القرآن ينادينا ويحذرنا من طاعة الكفار المنافقين والركون إليهم والاستماع لهم ما داموا يقفون منا موقف العناد، ويثيرون علينا غبار الذل والهوان، ولا علينا شيء بعد هذا، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، ثم يقول: ثقوا بالله، إنه عليم حكيم فنفذوا أمره واجتنبوا نهيه، وعليكم باتباع القرآن وتنفيذه في كل صغير وكبير مع أنفسكم ومع إخوانكم وفي بيوتكم وأسركم، ثم بعد هذا توكلوا على الله فإنه من يتوكل عليه يكفيه كل مكروه، واعلموا أن الله يدافع عن الذين آمنوا. وعلى هذا فالواجب علينا ما دمنا مؤمنين بالقرآن والنبي أن نطبق هذا الحكم، وأن نعالج أنفسنا وأمراضنا باتباع القرآن حقا في كل شيء، والتوكل على الله. وانظر إلى قوله تعالى بعد هذا: ما جعل الله لرجل- أيا كان- قلبين في جوفه، والقلب محل التوجيه، ومبعث الاتجاهات والعواطف، فإذا كنت مع الله ورسوله وليس في قلبك مثقال ذرة من كفر أو نفاق، فلن تكون غير مؤمن صالح كامل متبع للقرآن داع له ولحكمه، متوكل على الله، والعرب تفهم في هذا أنه لا يجتمع اعتقادان متغايران في قلب كما لا يجتمع قلبان في جوف، ولا يصح أن تكون أخلاقنا وآدابنا من واد وديننا من واد، ونظامنا واقتصادنا من واد آخر. ومن هنا كان استدراجا محكما حيث نفى اجتماع الزوجية مع الظهار، والتبني مع النسب الصريح بعد ما نفى وجود اجتماع اتجاهين مضادين في قلب واحد.

стр. 1865

ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وما جعل أزواجكم اللاتي تظاهرون منهن أمهاتكم كما كانوا يقولون- على سبيل التحريم-: أنت على كظهر أمى، أى: أنت محرمة على كتحريم ظهر أمى على، فجعل زوجته كأمه، ولكن الله- ما جعل الزوجة كالأم، وإن من يظاهر من امرأته ليقول منكرا من القول وزورا، فإذا عاد في ظهاره بمعنى أنه مضى عليه وقت يتمكن فيه من الطلاق ولم يطلق وجبت عليه كفارة الظهار (عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا) وسيأتى في سورة المجادلة تفصيل وبيان لذلك. وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذكر القرطبي في تفسيره: أنه أجمع أهل التفسير على أن هذه نزلت في زيد بن حارثة، وروى الأئمة أن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد ابن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ. وزيد هذا كان مسبيا من الشام، سبته خيل من تهامة فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد فوهبه لعمته خديجة ثم وهبته للنبي ﷺ فأعتقه وتبناه، وقد اختار زيد الرق مع رسول الله على الحرية مع أهله وقومه، فتبناه النبي وقال: «يا معشر قريش اشهدوا أنّه ابني يرثني وأرثه» ومن هنا نفهم أن التبني كان معمولا به في الجاهلية، وأقره الإسلام مدة، ثم جاء فحرمه حيث قال: ذلكم، أى: دعاؤكم الذين تبنيتموهم قول باللسان فقط لا أساس له من شرع أو عقل، وذلك تأكيد لبطلان القول بهذا، بل الواجب أن تدعوهم لآبائهم في النسب لا في التبني، فالله يقول الحق، وهو يهدى إلى سواء السبيل، والواجب أن تترك تلك العادة وأن تدعوا الإنسان إلى أبيه في النسب فقد قال الحق ﵎ ما معناه.. ادعوا الذين تبنيتموهم لآبائهم هو أقسط عند الله وأعدل، فمثلا يقال: زيد بن حارثة لا زيد بن محمد كما كان الناس يقولون. فإن لم تعلموا آباءهم فهم إخوانكم في الدين ومن بنى عمومتكم فمثلا تقولون لغير معروف النسب: يا فلان. يا أخى. يا بن عمى.. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات ١٠] . ولو نسب الإنسان إلى أبيه من التبني لا من النسب فإن كان ذلك على جهة الخطأ من غير تعمد فلا إثم ولا مؤاخذة لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ

стр. 1866

قُلُوبُكُمْ ولا يدخل في نطاق التحريم ما غلب عليه اسم التبني، كما حصل مع المقداد ابن عمرو، فإنه كان قد غلب عليه نسب التبني فلا يكاد يعرف إلا بالمقدار بنى الأسود فإن الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية وعرف به، فلما نزلت الآية قال: المقداد بن عمرو، ومع ذلك فبقى الإطلاق عليه، ولم يسمع فيمن مضى حكم على من أطلق ذلك عليه أنه عصى بذلك، وكان الله غفورا رحيما برفع إثم الخطأ. النبي ﵊ ومكانته [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦ الى ٨] النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٦) وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٧) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (٨) المفردات: مَسْطُوراً: مكتوبا مِيثاقَهُمْ الميثاق: هو العهد المؤكد مِيثاقاً غَلِيظاً: ميثاقا شديدا. المعنى: النبي- ﵊ أولى بالمؤمنين من أنفسهم في كل شيء من أمور

стр. 1867

الدنيا والدين، فواجب عليهم أن يكون الله ورسوله أحب إليهم من كل ما سواه حتى أنفسهم، وأن يكون حكمه أنفذ عليهم من حكم أنفسهم، وحقه أثبت لديهم من حقوق أنفسهم وتكون نفوسهم فداء له وأجسامهم وقاية له من كل شر، وكل ما يملكون تحت قدميه، وكل ما أمر به أو نهى عنه أقبلوا عليه مؤمنين به، إذ هو إرشاد لهم وتوجيه، ليظفروا بسعادة الدارين، فهو أولى بالمؤمنين، على معنى أرأف بهم وأعطف عليهم وأنفع لهم من أنفسهم. وأزواجه أمهاتهم في التعظيم والمحبة والإجلال وحرمة النكاح وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً «١» وهذه كرامة لهن فقط، وحفظ لحقوقهن فقط فليس بناتهن إخوة، ولا أخواتهن خالات للمؤمنين. وكان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالولاية في الدين وبالهجرة لا بالقرابة، فبين الله تعالى أن القرابة أولى من الحلف، والوراثة باسم الدين والهجرة، وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله- القرآن- أى: أولى من سائر المؤمنين والمهاجرين. لكن أن تفعلوا إلى أوليائكم، أى: من توالونهم وتوادونهم من المؤمنين والمهاجرين والأجانب، أن تفعلوا معروفا كوصية فجائز لا شيء فيه، وإنما المحرم الإرث، كان ذلك، أى: تحريم الإرث بالإيمان والهجرة ووجوب الإرث بالقرابة والرحم، كان ذلك في الكتاب، أى: القرآن مكتوبا ومسطورا. واذكر وقت أن أخذنا من النبيين ميثاقهم وعهدهم المؤكد عليهم بأن يبشر بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا، وإذ أخذنا منك يا محمد، ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى- عليهم الصلاة والسلام- وخص هؤلاء بالذكر مع اندراجهم في النبيين لأنهم أصحاب شرائع وكتب، وهم أولو العزم من الرسل، وهذا مما يؤكد تحريم التوارث بين المؤمن والكافر المفهوم من السياق، فهو مما لم تختلف فيه شريعة نوح ومن معه مع شريعة محمد ﷺ . والخلاصة: أنه كان في ابتداء الإسلام توارث بالهجرة ثم توارث بالقرابة مع الإيمان، وأما التوارث بين مؤمن وكافر فلم يكن دين أحد من الأنبياء الذين أخذ عليهم الميثاق، فلا تداهنوا في الدين، ولا تمالئوا الكفار.

стр. 1868

وأخذنا منهم ميثاقا غليظا، أى: عهدا وثيقا على الوفاء بما التزموا من تبليغ للرسالات وتصديق بعضهم بعضا، فالله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه وأخذ عليهم المواثيق لأجل إثابة المؤمنين على صدقهم وإيمانهم، ولتعذيب الكفار والعصاة بالعذاب الأليم. غزوة الخندق أو الأحزاب [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٩ الى ٢٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلاً (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً (٢٠) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (٢١) وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيماناً وَتَسْلِيماً (٢٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (٢٥)

стр. 1869

المفردات: مِنْ فَوْقِكُمْ من أعلى الوادي، أى: من جهة المشرق وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أى: أسفل الوادي من جهة المغرب زاغَتِ الْأَبْصارُ: مالت فلم تلتفت إلا إلى عدوها دهشا من فرط الهول الْحَناجِرَ: جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم ابْتُلِيَ: اختبروا بهذه الغزوة وَزُلْزِلُوا: حركوا حركة شديدة من الفزع مَرَضٌ: ضعف اعتقاد، وشك ونفاق غُرُوراً: باطلا لا ينفع يا أَهْلَ يَثْرِبَ: يا أهل المدينة عَوْرَةٌ: غير حصينة، يقال: دار معورة: ودار عورة إذا كان يسهل دخولها إِلَّا فِراراً أى: هربا مِنْ أَقْطارِها أى: من جوانبها ونواحيها، جمع قطر، وهو الجانب لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ أصل الأدبار جمع دبر، وهو ما قابل القبل، ويطلق على الظهر، والمراد الهزيمة والفرار من الصف الْمُعَوِّقِينَ: المثبطين الذين يصدون المسلمين عن القتال مع رسول الله الْبَأْسَ: القتال أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ: جمع شحيح، أى: بخلاء بالمعونة لكم من حفر أو نفقة في سبيل الله سَلَقُوكُمْ السلق: الأذى. والمراد آذوكم بألسنة سليطة الْأَحْزابَ: هم القبائل المتجمعة لحرب النبي والقضاء عليه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ: قدوة حسنة نَحْبَهُ: مات، وأصل النحب: النذر، فجعلوه كناية عن الموت. هذه هي غزوة الخندق الذي حفر حول المدينة، وسميت غزوة الأحزاب (لتجمع الأحزاب من قريش وغطفان وقبائل نجد مع يهود المدينة) . وهذه الآيات الكريمة تكلمت فيما تكلمت فيه عن: ١- الوصف العام للغزوة ... من آية ٩ إلى آية ١١. ٢- موقف المنافقين واليهود من المسلمين من آية ١٢ إلى آية ٢١.

стр. 1870

٣- موقف المؤمنين.. من آية ٢٢ إلى آية ٢٥. ٤- نهاية المعركة.. آية ٢٥. ٥- نهاية اليهود الذين ظاهروا المشركين.. من آية ٢٦ إلى آية ٢٧. المعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود لا قبل لكم بها، تجمعت لإبادتكم والقضاء عليكم، فأرسل الله عليهم ريحا قلعت خيامهم وأثارت خيولهم، وكفأت قدورهم، وأرسل عليهم جنودا من الملائكة لم تروها، وكان الله بما تعملون بصيرا وعلى كل شيء قديرا. رأى اليهود أن القبائل العربية لا طاقة لها بحرب النبي وصحبه متفرقين، فأخذوا يجمعون الجموع ويعقدون الأحلاف، ويحزبون الأحزاب حتى ترمى العرب المشركون الإسلام عن قوس واحدة يضربونه ضربة رجل واحد، فيمحونه من الوجود ويستريحون، وكان حيي بن أخطب وغيره من قادة اليهود يقومون بهذا فألبوا قريشا وغطفان، وبنى مرة، وأشجع وغيرها، وخرجت تلك القبائل بقيادة أبى سفيان لقريش، وعيينة بن حصن لغطفان، والحارث بن عوف على بنى مرة، ومسعر على قبيلة أشجع. ولما سمع رسول الله ﷺ باجتماعهم تشاور هو وصحبه فيما يعملون، فأشار سلمان الفارسي بحفر الخندق حول المدينة مما يلي السهل، وقد اشترك المسلمون على رأسهم النبي ﷺ في حفر الخندق بهمة ونشاط، وإذا استعصت عليهم صخرة جاء النبي ففتتها بفأسه ﷺ . ولما فرغ الرسول وصحبه من حفر الخندق وأقبلت قريش ومن معها من قبائل كنانة وأهل تهامة من أسفل الوادي جهة الشرق، وأقبلت أسد وغطفان بمن معها من أهل نجد من أعلى الوادي جهة الغرب حتى نزلوا إلى أحد، خرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى نزلوا بظهر سلع- جبل المدينة- في ثلاثة آلاف، وضربوا خيامهم، والخندق بينهم وبين المشركين.

стр. 1871

وفي هذا الوقت العصيب أغرى حيي بن أخطب كعب بن أسد القرظي على نقض العهد الذي بينه وبين النبي ﷺ وامتنع في أول الأمر ثم مال إلى النقض، ويا ليته لم ينقض، ولكنهم اليهود لا أمان لهم ولا عهد ولا ذمة، وأقام الأحزاب في مكانهم والمسلمون أمامهم مدة، ذاق فيها المسلمون الأمرين، مما رأوا من تجمع العرب، ونفاق اليهود ونقضهم العهد وإظهارهم ما كانوا يخفون حتى قال بعضهم: إن بيوتنا عورة فلننصرف فإنا نخاف عليها، ومنهم من قال: يعدنا محمد بفتح كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه يذهب إلى الغائط. أقاموا على هذا الحال قريبا من شهر، وليس بينهم حرب إلا الرمي بالنبال والحصى، ولقد اشتد على النبي ذلك المقام فبعث إلى عيينة بن حصن الفزاري وإلى الحارث بن عوف المري ليفاوضهما على ثلث ثمار المدينة لينصرفا بمن معهما ويخذلان قريشا ويرجعان بقومهما عنهم، ولكن الأنصار أبوا ذلك قائلين: والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فسر الرسول لذلك ووافقهم. وفي هذا نزل قوله تعالى: وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً وهذا تصوير لحالة المسلمين تصويرا دقيقا. وكره بعض فوارس مكة أن يقفوا معطلين فأخذوا يدورون حول الخندق يتحسسون نقطة ضعف، وقد وجدوا فضربوا خيلهم فاقتحمت الخندق، ورأى المسلمون في ذلك خطرا عليهم فأسرع على بن أبى طالب ومعه جماعة من الفرسان ليسدوا هذه الثغرة.. وكانت مبارزة بينه وبين عمرو بن عبد ود انتهت بقتله، فلما عرف صاحباه عكرمة بن أبى جهل وضرار بن الخطاب فرا وخرجت خيل المشركين من الخندق منهزمين هاربين. وفي هذه الآونة الشديدة وقع ثقل المقاومة على المؤمنين الخلص الذين كانت قلوبهم عامرة بالإيمان ونفوسهم في سبيل الدفاع عن الحق أشد من الصخرة صلابة وقوة. ولما وقف المؤمنون الموقف المشهود، ودافعوا دفاع الأبطال، وابتلاهم الله فوقفوا وصبروا وصابروا أراد ربك أن يصرف عنهم السوء، وأن يتم نعمته عليهم ويكفيهم شر القتال على أحسن صورة وأكمل وضع، فألقى في قلوب المشركين الخوف وأوقع فتنة بينهم، وقام نعيم بن مسعود- وكان مشركا فأسلم، وكان محبوبا من الطرفين- بدور

стр. 1872

هام بين قريظة من اليهود، وبين المشركين حتى انصدع الشمل وتفرق الجمع. وأرسل الله ريحا سموما كفأت قدورهم، وقلعت خيامهم، وأصابهم منها قر ومطر شديدان عقد القوم عزمهم على الرحيل فرجعوا غير آسفين. وهذا أبو سفيان يقول: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام قد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإنى مرتحل. وارتحل.. وطلع النهار وإذا المدينة خالية من معسكر الأحزاب وقد فك الحصار، ورجعت الطمأنينة إلى النفوس، ونجح المسلمون في الاختبار بعد أن زلزلوا زلزالا شديدا. أما موقف اليهود من المسلمين فهذا ملخصه: لما سمعوا من النبي ﷺ الوعد بكنوز كسرى وقيصر عند اشتداد المعركة قال طعمة بن أبيرق، ومعتب بن قشير وجماعة من اليهود والمنافقين: كيف يعدنا هذا، ولا يستطيع أحد منا أن يتبرز؟! وانظر إلى فظاعتهم حيث يقولون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا!! وفارقوا محمدا فإنه هالك، وإن أبا سفيان إن ظفر بكم لم يبق منكم أحدا فارجعوا إلى منازلكم، واهربوا من جند محمد، وما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبى سفيان ومن معه؟! وفي رواية أن الذي قال هذا هم اليهود، قالوه لزعيم المنافقين عبد الله بن أبىّ بن سلول. ومنهم من استأذن من النبي ﷺ قائلا: إن بيوتنا عرضة للهجوم عليها وسرقة ما فيها، وفي الواقع ليست بيوتهم عورة وإنما هم كاذبون، وما يريدون إلا فرارا من القتال، وهربا من الميدان. ولو انتهكت حرمة المدينة من جوانبها ثم طلب إليهم الفتنة والقيام بطعن المسلمين من الخلف لفعلوا كل هذا، وما انتظروا إلا قليلا لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا [سورة التوبة آية ٤٧] . ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل أنهم لا يولون الأدبار، ولا يفرون من القتال وأنهم سيقاتلون مع النبي بإخلاص وعاهدوا الله على ذلك، ولكنهم لا عهد لهم ولا ذمة، وكان عهد الله مسئولا..

стр. 1873

قل لهم يا محمد: لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت وكيف تفرون؟ ولو كنتم في بروج مشيدة لأدرككم الموت ولحقكم، فإن لكل أجل كتابا فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [سورة الأعراف آية ٣٤] . وإذا فررتم وكان في العمر بقية لا تمتعون إلا متاعا قليلا زمنه، إذ الدنيا لم تخلق زهرتها للجبناء. قل لهم: كيف تفرون من حكم الله إلى حكم الله؟ ومن ذا الذي يعصمكم منه إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة من خير ونصر وعافية؟ وهم لا يجدون لهم من دون الله نصيرا ينصرهم ولا وليا يلي أمورهم ويشفع لهم. روى أن عبد الله بن أبىّ وأصحابه من المنافقين قالوا لإخوانهم من المسلمين: ما محمد وأصحابه إلا قلة وهو هالك ومن معه، فهلموا وفارقوا محمدا، وقيل: إن القائل هم اليهود قالوا لإخوانهم من المنافقين: تعالوا إلينا وفارقوا محمدا فإنه هالك وإن أبا سفيان إن ظفر بكم لم يبق منكم أحدا فنزل قوله تعالى: قد يعلم الله المعوقين- المثبطين- منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا، وهم قوم جبناء لا يأتون البأس- القتال- إلا قليلا خوفا من الموت، ولا يحضرون القتال إلا رياء وسمعة، وهم قوم بخلاء عليكم أشحاء بالمعونة عند الشدائد لا ينفعون، وعند الغنائم يحضرون ويطالبون، فإذا جاء الخوف واشتد لهيب المعركة وحمى وطيسها، رأيتهم- ويا لهول ما ترى- ينظرون يمينا وشمالا تدور أعينهم يمنة ويسرة لذهاب عقولهم حذرا من القتل، وهكذا الجبال الرعديد، فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد وبسطوا إليكم ألسنتهم بالسوء، وآذوكم بالكلام الشديد. فهم عن الخير ممسكون وفي الشر مجدون أولئك لم يؤمنوا بقلوبهم فأحبط الله أعمالهم حيث لم يقصدوا بها وجهه، وكان نفاقهم وعملهم على الله هينا، ألا قاتلهم الله أنى يؤفكون! وهؤلاء المنافقون لشدة جبنهم وسوء رأيهم يظنون أن الأحزاب لم ينصرفوا، وهذا شأن الجبان لفرط خوفه إذا رأى شيئا ظنه رجلا، ولفساد اعتقادهم وسوء طويتهم يودون أن تأتى الأحزاب، وهم مع الأعراب المتحزبين حذرا من القتل وتربصا بالنبي الدوائر سائلين عن أنبائكم أيها المسلمون، وهم ليسوا في قليل ولا كثير، ولو كانوا فيكم وفي جيشكم ما قاتلوا إلا قليلا. ولقد كان لكم- أيها المتخلفون عن القتال- أسوة حسنة بالنبي ﷺ فكان

стр. 1874

الواجب عليكم أن تتأسوا برسول الله وتقتدوا به في كل أعماله، والرسول الكريم مثل في الشجاعة والإقدام والصبر والمثابرة على النوازل فهو المؤمن الواثق بالله المتوكل عليه. لقد كان لكم أسوة حسنة في النبي ﷺ لمن كان يرجو ثواب الله ويخاف عقابه يوم القيامة، وذكر الله كثيرا حبا في ذكره وأملا في ثوابه. وهذا عتاب للمتخلفين وإرشاد للناس أجمعين حيث يجب عليهم أن يأتموا بالنبي ﷺ في كل شيء فهو المثل الأعلى: المثل الكامل ﷺ . موقف المؤمنين في هذه الغزوة: لقد عرفنا موقف من في قلوبهم مرض من المنافقين واليهود الذين غلبت عليهم نزعات الجبن والتردد وبرهنوا بأعمالهم على لؤم في الطبع وسوء في الرأى وفساد في العقيدة. أما المؤمنون الواثقون الذين خالطت قلوبهم بشاشة الإيمان وامتلأت نفوسهم بنور اليقين فقد أفادتهم هذه التجربة القاسية وهذا الابتلاء من الله. أفادتهم يقينا على يقينهم، فهم رأوا الأحزاب قد تجمعوا وتكتلوا ضد الإسلام والمسلمين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم ذلك إلا إيمانا بالله وتصديقا لرسول الله وتسليما بأن النصر من عند الله العزيز الحكيم للمسلمين الصابرين المحتسبين. نعم لقد وعدهم الله ورسوله بالنصر والظفر والظهور على قصور الحيرة ومدائن كسرى وقيصر، وهم واثقون بهذا الوعد مؤمنون بأن أية قوة في الأرض مهما تجمعت وتحزبت فلن تعجز الله في شيء ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا، وما زادهم هذا الجمع الحاشد وتألب القبائل في الداخل والخارج من اليهود والمشركين، وما زادهم ذلك كله إلا إيمانا وتسليما. روى البخاري ومسلم عن أنس قال: «قال عمى أنس بن النضر ولم يشهد بدرا مع رسول الله ﷺ فكبر عليه فقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، أما والله لئن أرانى الله مشهدا مع رسول الله ﷺ فيما بعد ليرينّ الله ما أصنعه. قال: فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد من العام القابل فاستقبله سعد بن مالك. فقال: يا أبا عمرو، أين؟ قال: واه- كلمة تفيد الإعجاب بالشيء- لريح الجنة، أجدها

стр. 1875

دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين ضربة وطعنة ورمية وما عرفته أخته إلا ببنانه» . وهذا معنى قوله تعالى: بعض المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فوفوا عهودهم وأدوا حق الإسلام عليهم فمنهم من مات ومنهم من ينتظر الموت وما بدلوا من حكم الله تبديلا، والآية عامة إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد يقول قائل: إذا كان المسلمون على حق فلم هذا التعذيب والإيلام في الحرب والقتال؟ ولقد أجاب الله عن هذا بقوله: وإنما يحصل لهم ذلك ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، وليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء الله أو يتوب عليهم فيوفقهم إلى التوبة الصادقة، إن الله كان غفورا رحيما. نهاية الغزوة: ورد الله الذين كفروا بغيظهم كأبى سفيان وعيينة بن حصن ومن معهما لم ينالوا خيرا بل هتكوا سترهم وافتضح أمرهم ورجعوا بخفي حنين، وأثبتوا للعرب جميعا أن قوة محمد ﷺ وصحبه الذين أخرجوا من ديارهم مطرودين بلا مال ولا زاد أصبحت تلك القوة تضارع قوى العرب مجتمعة متحزبة مع قوة اليهود المالية. وكفى الله المؤمنين القتال، فهو الذي أوقع الرعب في نفوس الأحزاب وثبت قلوب المؤمنين على الحق حتى جاءهم النصر من عند الله العزيز الحكيم. نهاية من ظاهر المشركين من اليهود: رجعت الأحزاب من قريش وغطفان إلى ديارهم وقد ملئت قلوبهم غيظا وحزنا لم ينالوا خيرا، وبقي اليهود في المدينة كالمجرم الآثم الذي ظهرت أدلة جرمه وهو ينتظر حكم القضاء فيه. أما المسلمون فقد امتلأت قلوبهم غيظا وحقدا من أولئك اليهود المنافقين الذين عاهدوهم ونقضوا عهدهم وظاهروا عليهم أعداء من المشركين وخاصة بنى قريظة الذين لم يروا في جوار محمد وصحبه إلا كل بر ووفاء، لهذا كله اندفع المسلمون ضحوة اليوم الذي ذهب فيه الأحزاب إلى قتال بنى قريظة ونادى النبي في المسلمين محدثا عن الروح

стр. 1876

الأمين (ما وضعت الملائكة السّلاح بعد) وطلب من المسلمين أن يصلوا العصر في بنى قريظة. تسابق المسلمون حول الراية التي يحملها على قاصدا بنى قريظة حتى إذا اقترب الجيش من منازل اليهود إذ بهم يسبون رسول الله ونساءه سبا قبيحا وقد بلغ ذلك النبي، فلما دنا النبي من حصونهم قال: يا إخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟! فقالوا: ما كنت جاهلا يا محمد فهل تجهل علينا؟! ونزل رسول الله ﷺ فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة وانتهى الأمر بتحكيم سعد بن معاذ سيد الأوس وحليف قريظة في الجاهلية، فحكم سعد بقتل الرجال وسبى الذراري من النساء والولدان وتقسيم الأموال، فأورث ربك المسلمين أرض بنى قريظة الخصبة، وديارهم وحصونهم وأموالهم الثمينة، وكان الله على كل شيء قديرا، وأقر النبي هذا القضاء الحازم، وفي هذا نزل قوله تعالى: [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٢٦ الى ٢٧] وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢٧) المفردات: صَياصِيهِمْ: حصونهم قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ: ألقى في قلوبهم الرعب، وفي هذا التعبير من البلاغة العربية ما فيه. أما معنى الآية- فيظهر مما قلناه سابقا.

стр. 1877

من آداب البيت النبوي [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٢٨ الى ٣٠] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) المفردات: أُمَتِّعْكُنَّ: أعطيكن المتعة، وهي مال يعطى نفلا للمطلقة وَأُسَرِّحْكُنَّ التسريح: الطلاق لقوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ: ظاهرة كالزنا ضِعْفَيْنِ أى: مثلين ومرتين لقوله تعالى: نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ. المعنى: وهذه الآية متصلة بما تقدم إذا فيها الحث على منع إيذاء النبي ﷺ ولو من أقرب الناس إليه، وفيها أدب عال لبيت النبوة الأطهار وتربية لنسائه على العفة والكرامة وحب الله ورسوله، ووصف دقيق لما كان عليه بيت النبي من التقشف. يا أيها النبي قل لأزواجك مخيرا لهن ليخترن ما يرون: إن كنتن أيها النساء تردن الحياة الدنيا وزينتها الزائلة، وتفضلنها على قربكن من رسول الله، والتمتع بجواره الكريم، ومجلسه الطاهر فتعالين أطلقكن وأعطيكن متعة بعد هذا.

стр. 1878

روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم- فأذن لأبى بكر فدخل ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسا حوله نساؤه واجما ساكنا- قال: فقال: والله لأقولن شيئا أضحك رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة تسألنى النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله ﷺ وقال: «وهن حولي كما ترى يسألننى النفقة» فقام أبو بكر إلى عائشة وعمر إلى حفصة كل يريد أن يجأ عنق ابنته- يضغط على عنقها- قائلا: تسألن الرسول ما ليس عنده؟! فقلن: والله لا نسأله شيئا أبدا ليس عنده، ثم اعتزلهن النبي شهرا أو تسعا وعشرين يوما ثم نزلت عليه هذه الآية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ- إلى قوله: لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً. وبدأ النبي يخير نساءه فبدأ بعائشة فقال لها النبي: يا عائشة «إنّى أريد أن أعرض عليك أمرا أحبّ ألّا تعجلي فيه حتّى تستشيرى أبويك» قالت: وما هو يا رسول الله فتلا عليها هذه الآيات، قالت: أفيك يا رسول أستشير أبوى! بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة. وهكذا فعل مع نسائه، وقال العلماء: إنما أمر النبي عائشة أن تستأمر أبويها وتستشيرهما لمحبته لها، ولعلمه أن والديها لا يشيران بالفراق أبدا، وأما أزواج النبي ﷺ فهن كما ترى، حتى يعرف الناس جميعا أن النبي ﷺ لم يكن يتزوج للشهوة أبدا. ١- خديجة بنت خويلد أول من تزوج من النساء تزوجها بمكة ومكثت معه بعد النبوة سبع سنين، ولم يتزوج غيرها حتى ماتت، وهي أول من آمن من النساء، وكان لها فضل وعقل وبصر بالحياة، وكانت لها مكانتها في قريش. ٢- سودة بنت زمعة بنت عبد شمس العامرية دخل بها بمكة وتوفيت بالمدينة. ٣- عائشة بنت أبى بكر، الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله وبنت حبيبه، ولها مكانتها في العلم والسبق في الدين «خذوا نصف دينكم عن هذه الحميراء» حديث شريف، ولم يتزوج النبي بكرا غيرها. ٤- حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشية تزوجها رسول الله ثم طلقها فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوامة قوامة.

стр. 1879

٥- ومنهن أم سلمة تزوجها رسول الله من ابنها سلمة على الصحيح. ٦- أم حبيبة رملة بنت أبى سفيان تزوجها رسول الله وبنى بها بعد الهجرة بسبع سنين، والذي أصدقها هو النجاشيّ، لما مات زوجها تزوجها الرسول. ٧- زينب بنت جحش تزوجها النبي بعد طلاقها من زوجها زيد بن حارثة ولها قصة ستأتى. ٨- زينب بنت خزيمة بن الحارث تزوجها النبي ومكثت عنده ثمانية أشهر ثم ماتت. ٩- صفية بنت حيي بن أخطب الهارونية سباها النبي يوم خيبر وتزوجها بعد أن أعتقها. ١٠- ريحانة بنت زيد تزوجها في سنة ست وماتت بعد مرجعها من حجة الوداع. ١١- ميمونة بنت الحارث الهلالية تزوجها (بسرف) وهي آخر امرأة تزوجها. فكل نسائه أيم أو مسنة أو بنت زعيم الحي أو لها أولاد وقد قتل زوجها في الحرب فتزوجها إكراما له ولأولاده، ولم يتزوج إلا بكرا واحدة، فلم يكن ﷺ يتزوج لشهوة، وإنما كان زواجه تأليفا للقلوب، وسياسة رشيدة لبناء الدولة وتوحيد الكلمة. وهناك نساء تزوجهن النبي ولم يدخل بهن فمنهن الكلابية. وأسماء بنت النعمان بن الجون، وقتيلة بنت قيس، وغيرهن مما هو مذكور في كتب السيرة. وكان له من السراري سريتان: مارية القبطية وريحانة. لما اختار نساء النبي ﷺ رسول الله شكرهن على ذلك وكرمهن فقال: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ «١» . وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً «٢» ، وجعل ثواب طاعتهن وعقاب معصيتهن مضاعفا. يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ فالله يضاعف لهن العذاب ضعفين لشرف منزلتهن وفضل درجتهن وتقدمهن

стр. 1880

على سائر النساء أجمع، وكيف لا يكون ذلك وهن نشأن في بيت النبوة، ورضعن من لبنها وتمتعن بتلك البيئة الطاهرة فحق عليهن أن يدفعن هذا الثمن غاليا. وكان ذلك، أى: مضاعفة العذاب لهن على الله يسيرا..

стр. 1881

من آداب أهل البيت وأوصافهم [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٣١ الى ٣٥] وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥)

стр. 1882

المفردات: يَقْنُتْ القنوت: الطاعة في سكون والعبادة في خشوع مَرَضٌ: تطلع إلى الفسق والفجور وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ يقال: قررت في المكان أقر به: إذا أقمت فيه وَلا تَبَرَّجْنَ التبرج: الظهور مع إظهار ما يجب ستره الرِّجْسَ: الدنس الحسى وَالْحِكْمَةِ هي حديث رسول الله ﷺ . المعنى: لما كان أزواج النبي ﷺ في بيت النبوة، ومصدر العلم والمعرفة، ومنبع الحكمة وأساس الهداية كان الذنب منهن كبيرا، والمعصية الصغيرة في قوة الكبيرة، لذلك ضاعف الله لهن الجزاء ضعفين إذا أتين بفاحشة مبينة، ومن يقنت منهن لله ورسوله، وتعمل صالحا في سكون وخشوع وقنوت، مع إخلاص في النية وصدق في الطوية لقربهن من رسول الله وشرفهن بصحبته، وتمتعهن بنور الوحى. من يقنت منهن يؤتها الله أجرها مرتين، ويضاعف لها الثواب ضعفين، وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً نعم وقد أعد الله وهيأ رزقا كريما- لم يجر على يد أحد- في الجنة، ولا غرابة فهن في منازل رسول الله في أعلى عليين فوق منازل البشر جميعا تكريما للنبي ﷺ . وهذه آداب إلهية أمر الله- تعالى- بها نساء النبي ﷺ ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، وكلها تهدف إلى بعد المرأة عن منطقة الخطر، واجتنابها الطرق التي قد تؤدى بها إلى الوقوع في المعصية، ونساء النبي ﷺ أولى الناس بالبعد التام عن هذا كله، وإنما جاء الخطاب لهن أولا لأنهن في مركز القيادة وفي بيت النبوة وهن أمهات المؤمنين، وعندهن الكثير من الأخبار، والناس في أشد الحاجة لمعرفة سيرة الرسول إذ هو القدوة الحسنة للمسلمين، فنساؤه معرضات للتحدث معهن وسؤالهن عن الوحى والحديث، فكان النهى أولا، وليعلم الجميع أن هذا دواء أعطى أولا لأطهر النساء وأعفهن على الله، وفي قبوله فليتنافس المتنافسون. يا نساء النبي لستن كأحد من النساء في الفضل والشرف والقرب من الرسول مصدر الخير والنور، وهذا كقولهم: إن فلانا ليس كآحاد الناس، على معنى أن فيه مزية وأفضلية ليست في غيره، ونساء كذلك

стр. 1883

يا نساء النبي لستن كبقية النساء فأنتن أمهات المؤمنين وزوجات خير المرسلين وليس النبي كالناس بل هو غيرهم كما يقول في الحديث: «لست كأحدكم» وقد تحقق فيكم شروط التقوى، والأكرم عند الله هو التقى فلستن كغيركن. وإذا كان الأمر كذلك فلا تخضعن بالقول، ولا تلن فيه بل ليكن كلامكن مع الناس بجد وحزم وخشونة وقوة فلا يطمع الذي في قلبه مرض الفسق والفجور، أمرهن الله أن يكون قولهن جزلا، وكلامهن فصلا، ولا يكن على وجه الليونة والطراوة حتى يطمع فيهن ضعاف الإيمان ممن في قلوبهم مرض، وفي عقولهم قصر. وليس معنى هذا أن يكون أزواج النبي ﷺ على حال فيها إيذاء وأن يقلن منكرا من القول! لا. بل أمرهن أن يقلن قولا معروفا عند الحاجة مع الكف والبعد عن مواطن الريبة وأفهام السوقة ومن في قلبه مرض. وقرن في بيوتكن. ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، والجاهلية الأولى هي الجاهلية الجهلاء والضلالة العمياء التي تردى فيها العرب قبل الإسلام، وليس هناك أولى وأخرى، والتبرج المنهي عنه ظهور المرأة على وجه لا يرضاه الشرع تكريما لها وصونا لعفافها ومحافظة على مكانتها في مجتمعها. نهى الله نساء نبيه عن التبرج ليعلم العالم أجمع ما في التبرج من الخطر الداهم، وإذا خص الله الخطاب بهن- وإن كان المراد العموم- وهن أزواج حبيبه المصطفى فقد دل ذلك على أنه علاج وصف لبيت أكرم الخلق على الله وأحبهم وأقربهم لديه، أفيليق بنا نحن المسلمين ألا نتأسى بأزواج النبي؟ وألا نعالج نساءنا بما عالج به الخبير البصير نساء حبيبه ورسوله المصطفى ﷺ ولعل ذلك بعض السر في تخصيص الخطاب بزوجات النبي ﷺ . وأمر الله نساء رسوله أن يقرن في بيوتهن وأن يقمن بها فلا يبرحنها إلا لضرورة، فالبيت مملكة المرأة، وهو معهد الطفولة، ومصنع الرجولة، وسكن الرجل ومستراحه، وفيه يقضى نصف وقته ليستريح، وفي البيت متسع لنشاط المرأة، وفيه ما يستنفد حيويتها، وهو في أشد الحاجة لها ولإشرافها حتى تخرج لنا جيلا جديدا، وتبعث لنا بأزواج وإخوة يعرفون وطنهم وحقه، ودينهم وواجبه.

стр. 1884

والشرع حينما أمر نساء النبي بأن يقرن في بيوتهن لم يحرم عليهن الخروج للحاجة مطلقا ولكن المهم إذا خرجن فلا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى فذلك خير لهن وايم الله!! يا لله من النساء البارزات، العاريات الكاسيات، المائلات المميلات، المتبرجات الكاشفات عن سوقهن ونحورهن، أستغفر الله، بل الكاشفات عن كل شيء!! الصابغات وجوههن بالأصباغ التي يندى لها وجه المروءة والرجولة، الويل ثم الويل لتلك الشعور المكشوفة والسيقان والنحور الظاهرة!! يا أيها النساء حافظن على أنفسكن، واحفظن هذا الجمال لأربابه، ولا تعرضنه عرضا في السوق فيقل بها بل يضيع، فأحب شيء إلى الإنسان ما منع. وليس معنى هذا أن الدين يكره الزينة أو النظافة، لا: بل هو يدعو النساء إلى التزين ما استطعن ولكن لأزواجهن! أما أن تظل المرأة في بيتها وعند زوجها على حالتها الطبيعية فإذا برزت إلى الشارع وخرجت جمعت المساحيق ووضعت الأصباغ وحاولت إظهار كل جزء فيها، لمن هذا؟! إن زوجك أولى به، فإذا خرجت في الشارع لضرورة فليكن ذلك بأدب واحتشام وبعد عن التبرج الممقوت الذي كان يفعل في الجاهلية الأولى من الإماء وبعض الساقطات، وإذا كان تبرج الجاهلية السابقة مذموما، ونحن نعلم أن الناس كانوا فيها على جانب من شظف العيش وقلة المدنية وبداوة التفكير فما يكون الوضع الذي نحن فيه الآن والذي نراه في عواصم الأمم الإسلامية؟! نهاهن الله عن الخضوع في القول والليونة فيه، وعن التبرج وإبداء ما يحسن إخفاؤه ثم أمرهن بالصلاة المطهرة للنفس والمقومة للشخص والموصلة بالله، وبالزكاة المنظمة للمجتمع، المطهرة له من أدران الحسد والحقد، والباعثة على التعاون، وبطاعة الله ورسوله في كل شيء، وليست هذه الأوامر والنواهي لشيء يعود نفعه على الله- معاذ الله- ولكن الباعث على ذلك كله إنما هو إرادة الله لأن يذهب عنكم (يا آل بيت النبي) الرجس والدنس، ويطهركم من كل ما يشينكم تطهيرا كاملا يليق بكم. ومن هم آل البيت؟ هم أزواج النبي ﷺ وأولاده كفاطمة وعلى والحسن. أما دخول أزواجه فيهم فلأن السياق السابق واللاحق فيهن، وأما دخول على وفاطمة والحسن والحسين فلأن الله قال: ويطهركم بالميم، ولو كان المراد الزوجات فقط لقال عنهن:

стр. 1885

ويطهركن، ولورود أحاديث صحيحة تثبت ذلك، على أن المسألة بسيطة جدّا للغاية، والإسلام يكره المغالاة في المحبة والبغض مطلقا ولو كان لآل البيت. واذكرن يا نساء النبي ما يتلى عليكن من آيات الله القرآنية، والحكمة التي ينطق بها رسول الله، واعملن بذلك كله إن الله كان لطيفا بعباده خبيرا بهم، فكل ما أمر به وحث عليه فهو في منتهى الحكمة فتقبلوه واعملوا به. يا نساء الأمة الإسلامية لستن كغيركن من نساء العالم أجمع. إن اتقيتن الله: فلا تخضعن في القول حتى يطمع فيكن الطامعون ضعاف الإيمان والعقول. وقلن قولا معروفا، فيه خير وبعد عن الشر ما استطعتم.. وقرن في بيوتكن ولا تخرجن إلا لضرورة، فإذا خرجتن فلا تتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وتظهرن في الشارع بهذا الوصف المنافى للآداب الإسلامية وأقمن الصلاة التي هي عماد الدين، وآتين الزكاة، وأطعن الله ورسوله في كل أمر ونهى فإن في ذلك كله خيرا لكن وأى خير؟ إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيرا، فطهرن النفوس وأصلحن القلوب وأعمرنها بنور الإيمان إن الله لطيف بكن حيث أمركن بهذا خبير بحالكن وبنفوسكن وما ركب فيكن من غرائز تثار عند مخالطة الرجال، وتندفع لأتفه الأسباب.. وأما خروج عائشة- رضى الله عنها- في موقعة الجمل، فما كان لحرب، ولكن تعلق الناس بها، وشكوا إليها ما صار إليه الحال، ورجوا بركتها وإصلاح ذات البين بها، وظنت هي فخرجت لتصلح بين الناس وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما «١» وانتهى الأمر بطعن الجمل الذي تركبه فأركبها علىّ- رضى الله عنه- إلى المدينة في ثلاثين امرأة، وكانت عائشة أم المؤمنين برة تقية مجتهدة مثابة في تأويلها مأجورة على فعلها. والله أعلم. روى أن بعض النساء شكون إلى رسول الله أن كل شيء للرجال، وأن النساء لا يذكرن بشيء فنزلت هذه الآية. وإن وضعها هنا وهي تحمل علامات الإيمان الكامل إشارة إلى ما يجب أن يعرف به

стр. 1886

أهل بيت النبوة، وما يجب أن يكونوا عليه رجالا ونساء، وأن يعملوا جاهدين على تحقيق تلك الأصناف، وألا يتكلوا على قربهم من النبي ﷺ والله أعلم بكتابه. إن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، والصادقين والصادقات، وهذا ترتيب حسن، فالإسلام قول باللسان وعمل بالجوارح، ثم إذا ثبت ورسخ كان الإيمان والاعتقاد والتصديق الكامل، ثم بعد هذا عمل متواصل، وقنوت لله وخضوع وإخلاص، ثم بعد أن كمل نفسه بالشهادة والإيمان والعمل يدعو غيره صادقا في دعواه، وأنها لله لا للدنيا ولا لشيء. والصابرين والصابرات، والخاشعين والخاشعات، والمتصدقين والمتصدقات، والصائمين والصائمات، والحافظين فروجهم والحافظات. نعم فبعد الصدق في الدعوة لله إيذاء وإيلام، ولا ينفع صاحبها إلا الصبر، وهل هو يكون متواضعا أم لا؟ فقال: والخاشعين والخاشعات، ثم بعد هذا يتصدق بما تجود به نفسه، جذبا للقلوب، وإرضاء للنفوس. وهو دائما يؤدب نفسه ويهذبها بالصيام حتى يكبح جماحها، ويردها عن غيها، ويحفظ فرجه من ثورات الشهوة الجامحة، وهل هم في هذا كله يذكرون الله أم لا؟ فقال: هم يذكرون الله، ولا ينسونه أبدا، يذكرونه بقلوبهم، ألا بذكر الله تطمئن القلوب!! هؤلاء الذين تحقق فيهم هذا الوصف الجامع أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما جزاء بما كانوا يعملون.. قصة زينب بنت جحش مع زيد بن حارثة [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٣٦ الى ٤٠] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٣٧) ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٣٩) ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٤٠)

стр. 1887

المفردات: الْخِيَرَةُ: الاختيار مُبْدِيهِ: مظهره وَطَراً الوطر: كل حاجة المرء له فيها همة، والمراد، بلغ ما أراد من حاجته منها حَرَجٌ: ضيق وإثم. المعنى: زيد بن حارثة بن شرحبيل كان عبدا لخديجة فوهبته للنبي ﷺ فأعتقه وتبناه فكان يدعى زيد بن محمد حتى نزل قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ فقيل: زيد بن حارثة. وزينب هذه بنت جحش، وأخوها عبد الله بن جحش، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ فهي من ذؤابة قريش.

стр. 1888

روى أن رسول الله خطب زينب بنت عمته فظنت أن الخطبة لنفسه، فلما تبين أنه يريدها لزيد كرهت ذلك وامتنعت وامتنع أخوها عبد الله لنسبها ومكانتها من قريش وأن زيدا كان بالأمس عبدا، فلما نزل قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ رضيا وقال أخوها: مرني بما شئت، فزوجها رسول الله لزيد. نعم ليس لمؤمن ولا مؤمنة- بهذا الوصف- إذا أمر الله- ورسوله ﷺ بأمر أن يعصياه بحال ولا ينبغي منهم ذلك، فالنبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو حريص عليهم وبهم رءوف رحيم، ومن يختر خلاف أمر الله ورسوله فقد عصى وضل ضلالا مبينا يستحق عليه إثما كبيرا. هذه المرأة التي أكرهت على الزواج من زيد لأنها شريفة وهو عبد أعتق، ولم تقبل إلا امتثالا لأمر الله ورسوله، ماذا تنتظر منها؟ مهما كان إيمانها! إنها إنسانة ومعها نفس لوامة، فلم تعاشر زيدا معاشرة الأزواج، وكانت له كارهة وعليه متعالية، وزيد رجل عزيز بالإيمان يعتقد أن أكرم الناس عند الله الأتقياء، وأنه لا فضل لإنسان على آخر إلا بالتقوى، لهذا كانت حياتهما الزوجية غير سعيدة، وكان زيد يشكو منها لرسول الله كثيرا. روى أن النبي ﷺ كان قد أوحى إليه: أن زيدا يطلق زينب وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكى زيد للنبي ﷺ من خلق زينب وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها قال رسول الله ﷺ على جهة الأدب والوصية: «اتّق الله في قولك هذا وأمسك عليك زوجك» وهو يعلم أنه سيفارقها زيد ويتزوجها هو- وهذا ما أخفاه النبي في نفسه- ولم يرد أن يأمره بالطلاق لما علم أنه سيتزوجها وخشي الرسول من كلام المنافقين وقولهم: إن محمدا تزوج زينب بعد زيد وهو مولاه. وقد عاتبه الله على هذا القدر حيث خشي الناس في شيء قد أباحه الله له لحكمة عالية وعلة سيذكرها القرآن لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ وعاتبه ربه حيث قال لزيد: أمسك عليك زوجك واتق الله مع علمه بأنه سيطلق، وحيث خشي الناس والله أحق بالخشية في كل حال.

стр. 1889

وليس في أمر النبي لزيد بالإمساك وعدم الطلاق- مع علمه بأنه مطلق حتما- شيء، فالله يأمر الناس جميعا بالإيمان، وقد علم أن منهم المؤمن المستجيب والكافر الذي يستحيل عليه أن يجيب، وإنما أمره ليقطع عذره، ويقيم عليه حجته. ولما انقضت عدة زينب خطبها رسول الله ودخل بها بغير إذن ولا عقد ولا صداق لأن الله زوجها له من فوق سبع سموات. فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ- مواليهم ومن تبنوهم- إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وكان أمر الله في كل شيء مفعولا لا محالة إذ هو صاحب الأمر، وإليه يرجع الأمر كله. ما كان على النبي من حرج وليس عليه إثم ولا ضيق في كل شيء فرضه الله وسنه له وهكذا الأنبياء جميعا، وتلك سنة الله في الذين خلوا من قبله من الأنبياء، وكان أمر الله قدرا مقدرا من لدن الحكيم الخبير، والعليم البصير، هؤلاء الأنبياء هم الذين يبلغون رسالات ربهم متوكلين عليه لا يخشون أحدا غيره، وهذا شأن المؤمن الصادق، فما بال الأنبياء والمرسلين؟! وكفى بالله حسيبا ورقيبا، وهو على كل شيء شهيد. أيها الناس: ليس محمد أبا أحد من رجالكم حتى تقولوا: كيف يتزوج محمد زوجة ابنه ومولاه؟ ولكن كان رسول الله وخاتم النبيين وإمام المرسلين لا نبي بعده به ختمت الرسالات، وإليه انتهى الوحى من السماء، وانقطعت الأوامر الإلهية اكتفاء بالأمر الدائم والدستور المحكم الذي أنزل من لدن حكيم خبير على النبي محمد ﷺ . وكان الله بكل شيء عليما فجعل محمدا خاتم الأنبياء ورسالته عامة شاملة كاملة فيها الخير إلى يوم القيامة. ومن المؤسف أن تندس في كتب التفسير أقوال تنسب إلى أكابر العلماء، والله يعلم أنهم برآء، أو هي في الواقع سموم إسرائيلية، وضعها من أسلم من اليهود عن حسن قصد أو عن سوئه، ومنها ما قيل في تفسير هذه الآيات من نسبة أمور لا تليق بأى رجل عادى فضلا عن أشرف الخلق المشهود له من كافة الناس أنه رجل صادق ذو خلق. وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [سورة القلم آية ٤] . قالوا: إن محمدا رأى زينب فأحبها ثم كتم هذا الحب، ثم لم يجد بدا من إظهاره

стр. 1890

فأظهره، ورغب في زينب فطلقها زوجها وتزوجها، وزعموا أن العتاب في الآية لكتمان حبه لزينب. ونظرة بسيطة إلى تاريخ زينب وظروفها في زواج زيد تجعلنا نؤمن بأن سوء العشرة التي كانت بين زينب وزيد إنما هو من اختلافهما اختلافا بينا في الحالة الاجتماعية فزينب شريفة، وزيد كان بالأمس عبدا. وقد أراد الله امتحانها بزواج زيد لتحطيم مبدأ العصبية القبلية والشرف الجاهلى، وجعل الشرف في الإسلام والتقوى فخضعت زينب مكرهة، وأسلمت لزيد جسدها دون روحها فكان الألم والضيق. ومحمد هذا كان يعرف زينب من الصغر لأنها ابنة عمته فمن كان يمنعها منه؟ وكيف يقدم إنسان امرأة لشخص وهي بكر، حتى إذا تزوجها وصارت ثيبا رغب فيها؟ لا يا قوم: تعقلوا ما تقولون. وتفهموا الحق لوجه الحق تدركوه بلا تلبيس ولا تشويش. وانظر إليهم وهم يقولون: إن الذي أخفاه محمد هو حبه لزينب ولهذا عوتب، وهل يعاتب الشخص لأنه لم يجاهر بحبه لامرأة جاره؟! ولكن الحق هو أن هذا الزواج كان امتحانا في أوله لزينب وأخيها حيث أكرها على قبول زيد، وفي النهاية كان امتحانا قاسيا للنبي ﷺ حيث يؤمر به، ويعلم نهايته، وزينب تحت مولاه زيد، والحكمة- كما نطق القرآن- هو تحطيم مبدأ كان معمولا به ومشهورا عند العرب هو تحريم زواج امرأة الابن من التبني كتحريمها إذا كان الابن من النسب، ولتغلغل العادة في النفوس جاء هدمها على يد النبي ﷺ وعلى يد زيد بن حارثة مولاه. فالذي كان يكتمه النبي ﷺ في نفسه تأذيه من هذا الزواج المفروض وتراخيه في إنفاذ أمر الله به وخوفه من لغط الناس- وبخاصة المنافقين- عند ما يجدون نظام التبني قد انهار بعد ما ألفوه، ولهذا فقد عوتب. هذه الحادثة تلقفها المستشرقون ومن على شاكلتهم من المسلمين، وخبوا فيها ووضعوا وأباحوا لأنفسهم الخوض في الأعراض، والتكلم في حق النبي ﷺ وتصويره بصورة يترفع عنها كثير من الناس، وكان سندهم في ذلك كله ما نقلته كتب التفسير

стр. 1891

من أقوال بعيدة عن الصواب جدا، وقد علمت الحق فيها الذي تؤيده الشواهد الكثيرة. والله أعلم بكتابه. من تأديب الله للمؤمنين وعنايته بهم [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٤١ الى ٤٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤) المعنى: يا أيها المؤمنون: اذكروا الله ولا تكونوا كالذين نسوه فأنساهم أنفسهم حتى ضلوا السبيل، يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله كثيرا في القيام والقعود وعلى جنوبكم، أى: في كل حال يجب على المسلم أن يذكر ربه ولا ينساه، يذكره بقلبه، ويستشعر عظمته، ويخشى حسابه وعذابه، ويراقبه مراقبة من يعلم أنه يسمعه ويراه، اذكروه على سبيل التعظيم والإجلال، وسبحوه بكرة وأصيلا، والذكر والتسبيح أعم من الصلاة وأشمل، والمراد بالبكرة والأصيل: أول النهار وآخره، وإن كان المقصود جميع الأوقات فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [سورة الروم الآيتان ١٧، ١٨] . هو الذي يصلّى عليكم أيها المؤمنون، وتصلى عليكم ملائكته، والصلاة من الله رحمة بنا، ومن الملائكة استغفار لنا، كل ذلك ليخرجكم من ظلمات النفس الأمارة بالسوء. ومن ظلمات الدنيا الغرور. ومن ظلمات وسوسة الشيطان. بما يهديكم ويرشدكم ويثنى عليكم ويوفقكم إلى طرق النور والعلم والإسلام والخير، وكان بالمؤمنين رحيما اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [البقرة ٢٥٧] .

стр. 1892

وإذا كان الله يصلى علينا ويرحمنا ويخرجنا من الظلمات إلى النور، وهو ربنا الرءوف الرحيم أفلا نذكره ذكرا كثيرا؟ وهو القائل: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [سورة البقرة آية ١٥٢] . واذكروا أيها المؤمنون أن الله- سبحانه- لا ينساكم يوم القيامة بل هو صاحب الفضل عليكم يحيى عباده بالتحية المباركة الطيبة: تحيتهم يوم يلقونه سلام، سلام من الله وفضل عظيم، وأعد لهم وهيأ أجرا لا يقادر قدره ولا يدرك كنهه، وإنما هو أجر كريم يأتى العباد بلا طلب ولا تعب ولا مشقة. نسأله- سبحانه- أن يوفقنا للعمل حتى نكون مع هؤلاء في ذلك الأجر الكريم!! بعض الآداب الإسلامية [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٤٥ الى ٤٩] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩)

стр. 1893

المعنى: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا على الناس ترقب أحوالهم، وتشاهد أعمالهم، وتتحمل الشهادة على ما صدر عنهم من التصديق والتكذيب، وسائر الأعمال: تشهد عليهم وتؤدى الشهادة يوم القيامة بعد أن دعوتهم سرا وإعلانا ليؤمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [سورة البقرة آية ١٤٣] . يا أيها النبي إن ربك أرسلك شاهدا على الناس يوم القيامة، ومبشرا من آمن بك بالجنة، ومنذرا من كفر بك أو عصاك بالنار، وداعيا إلى الله وإلى طاعته بإذنه وأمره، فلست مدعيا ولا متقولا بل كل هذا أمر الله وإذنه، وأنت أيها الرسول السراج المنير الذي يهدى الناس إلى الحق وإلى الصراط المستقيم. أرسلك ربك لتفتح أعينا عميا وآذانا صما، وقلوبا غلفا، والسكينة والوقار لباسك، والبر شعارك، والتقوى زادك، والحكمة قولك، والصدق طبعك، والخلق الكريم خلقك، والحق والعدل شريعتك، وقد ألفت بهذا أمما متفرقة، وقلوبا متنافرة، وأنقذت بهذا فئات من الناس قد ضلوا من قبل سواء السبيل، حتى أصبحوا خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين صادقين مصدقين، يهدون بالحق وبه يعدلون، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وهو ذو الفضل العظيم. فحقا لقد صدق الله إذ يقول: وبشر يا محمد المؤمنين بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، العاملين بكتاب الله وسنة رسوله، بشرهم بأن لهم من الله فضلا لا يعرف له قدره، فضلا من الله كبيرا، وأجرا من عند الله عظيما، ورزقا من الله كريما. وبعد هذا لا تطع الكافرين والمنافقين، ولا تأبه بهم ولا تعن بشأنهم، ودع أذاهم حتى تؤمر بما فيه علاجهم، وتوكل على الله وحده ناصرك وحافظك ومن توكل على الله فهو حسبه، وكفى بالله وكيلا. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ الآية قد يقول قائل: وما مناسبة هذه الآية لما قبلها؟ وقد أجاب على ذلك الفخر

стр. 1894

الرازي- ﵀: وجه تعلق الآية بما قبلها هو أن الله- تعالى- ذكر في هذه السورة مكارم الأخلاق وأدب نبيه ﷺ لكن الله- تعالى- أمر عباده المؤمنين بما أمر به نبيه المرسل، فكلما ذكر للنبي مكرمة، وعلمه أدبا ذكر للمؤمنين ما يناسبه، فكما بدأ الله في تأديب النبي ﷺ بذكر ما تعلق بجانب الله بقوله: يا أيها النبي اتق الله! وثنى بما يتعلق بأزواجه حيث قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ، وثلث بما يتعلق بجانب عامة الأمة بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً. كذلك بدأ في إرشاد المؤمنين بما يتعلق بجانب الله حيث يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ، ثم ثنى بما يتعلق بأزواجهن: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ وثلث بما يتعلق بأدب المؤمنين مع النبي حيث قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ. والمعنى المراد: إذا نكحتم المؤمنات وكذلك الكتابيات- وإنما تركهن ليعلم المؤمنون أن الأولى نكاح المؤمنات- ثم طلقتموهن من قبل الدخول بهن فليس لكم عليهن من عدة، إذ المطلقة قبل الدخول بها لا تحتاج إلى براءة رحم، وإنما المتوفى زوجها عدتها أربعة أشهر وعشر تفجعا على زوجها لا لبراءة الرحم إذ الرحم تبرأ بشهر أو بحيضة. والواجب هو أن يمتّعن، أى: يعطين المتعة وهي نصف المهر إذا فرض لها مهر، أو أى شيء يستمتعن به جبرا لخاطرهن، وسرحوهن سراحا جميلا لا ألم فيه ولا تعذيب. من خصوصيات النبي ﷺ [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٥٠ الى ٥٢] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً (٥١) لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢)

стр. 1895

المفردات: أُجُورَهُنَّ: مهورهن أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ: رده يَسْتَنْكِحَها: ينكحها حَرَجٌ: إثم وضيق تُرْجِي: من الإرجاء وهو التأخير وَتُؤْوِي: تضم ابْتَغَيْتَ أى: طلبت عَزَلْتَ والعزلة: الإزالة والمراد عزلتها من القسمة. المعنى: يا أيها النبي إن الله أحل لك أن تتزوج من النساء اللاتي أعطيتهن مهورهن واللاتي تملكهن بيمينك من الفيء والغنيمة. وأحل الله لك من بنات أقاربك ما شئت من بنات عمك، وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك. وأحل الله لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها إليك. وأردت نكاحها خالصة من دون المؤمنين، كل ذلك لئلا يكون عليك حرج ولا إثم.
следующие страницы →