← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وإذا كان الدين واحدا، والرسل متفقون في الأصول العامة للأديان فما بال أهل الكتاب المعاصرين؟ أيتولون بعد هذا البيان فيبغون غير دين الله الذي هو الإسلام؟! ولله استسلم من في السموات والأرض وخضعوا له وانقادوا لتصرفه بالتكوين والإيجاد هنا إذ هو المتصرف فيهم وهم الخاضعون له، فكل ما يحل بالناس إن كان عن رضا فهم طائعون وإن كان عن غير رضا فهم كارهون، وإلى الله المرجع والمآب. إيمان المؤمنين بكل الأنبياء [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٤ الى ٨٥] قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) المعنى: قل يا محمد أنت وأمتك: آمنّا بالله الواحد الأحد وما أنزل علينا نحن الأمة المحمدية، وقدم الإيمان بالله على الإيمان بالمنزل لأنه الأصل والأساس، وقدم المنزل علينا على المنزل على الأنبياء السابقين لأنه هو الأصل فهو مصدر المعرفة وما سواه قد غير وبدل فلا يصلح أساسا للمعرفة، والمنزل علينا هو القرآن الكريم، وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وأولاده وما أوتى موسى من التوراة وعيسى من الإنجيل والنبيون كداود وسليمان وغيرهم مما لا يعلمهم إلا الله- . أمرنا بشيئين: الإيمان بالله والنبيين إيمانا لا نفرق فيه بين أحد منهم بل نؤمن بالكل على أنه نبي مرسل من قبل المولى- جل شأنه- لأمته يهديها إلى سواء السبيل،

стр. 247

ولا نفعل كما فعل أهل الكتاب يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ونحن له مسلمون ومنقادون. ومن يبتغ غير الإسلام الذي هو دين الأنبياء والدين الذي ارتضاه الله لعباده ومن يبتغ غيره دينا فلن يقبل منه قطعا وهو في الآخرة من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ولم يزكوها بالإسلام. حكم الكفر بعد الإيمان [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨٦ الى ٨٩] كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) المفردات: ما في هذه الآيات تقدم شرحه. المعنى: ورد في سبب النزول أنها نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت النبي ﷺ في كتابهم وأقروا بذلك وشهدوا أنه حق ولذا كانوا يستفتحون به على المشركين، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب وأنكروه وكفروا به بعد إيمان، وروى في أسباب النزول عدة روايات أخرى في الذين ارتدوا بعد إسلامهم.

стр. 248

كيف يهدى الله قوما كهؤلاء اليهود والنصارى كفروا بعد إيمانهم وشهادتهم أن الرسول حق وجاءتهم الآيات الواضحات على صدقه وصدق رسالته؟!! والله لا يهدى القوم الظالمين لأنفسهم فهم قد عرفوا الحق وتنكبوا عنه، فلا أحد أظلم لنفسه منهم وأولئك جزاؤهم أنهم مطردون من رحمة الله وعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فالملائكة يدعون عليهم بالطرد من رحمته وكذلك الناس كلهم. خالدين في النار لا يخفف عنهم العذاب ولا هم يمهلون بل سيأخذون أخذ عزيز مقتدر. هذا جزاؤهم إلا من تاب منهم بعد ذلك ورجع إلى الله وأصلح عمله وقلبه فإن الله غفور لما سبق، رحيم بعباده حيث يقبل توبة التائب. أصناف الكفار [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٠ الى ٩١] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١) المفردات: ما فيها من المفردات قد تقدم. المعنى: هؤلاء الكفار ثلاثة أصناف: صنف كفر بعد إيمان ثم تاب توبة صادقة من بعد ذلك فأولئك يقبل الله توبتهم إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 249

وصنف كفر بالله ثم تاب ورجع ثم عاد إلى الكفر فلن تقبل توبته، وقيل: هم الكافرون يتوبون عن بعض الذنوب مع بقائهم على الكفر. وهذا هو معنى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ. وصنف كفروا بالله وماتوا وهم كفار، فلن يقبل من هؤلاء فدية مهما كثرت ولو كانت ملء الأرض ذهبا، أولئك لهم عذاب أليم وما لهم في الآخرة من ناصر ولا شفيع. الإنفاق أيضا [سورة آل عمران (٣) : آية ٩٢] لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) بعد أن حاج الله أهل الكتاب وأبان أنهم يلبسون الحقّ بالباطل وأنهم لم يؤمنوا بالله حقا، بل يكتمون الحق وهم يعلمون أن محمدا رسول الله قد بشر به في التوراة والإنجيل. بعد هذا أراد أن يدلل على عدم إيمانهم بشح نفوسهم وبخلهم بالإنفاق في الخير، والإنفاق لعمري أكبر دليل على صدق الإيمان. وإنهم لن يصلوا إلى البر ولن يكونوا بارين بالله إلا إذا أنفقوا ما يحبون من كريم ما يملكون، أما وقد شحت نفوسهم برديء المال فضلا عن كريمه فهم بعيدون عن الصدق في دعواهم الإيمان والطاعة لمولاهم، وما تنفقون من شيء سواء كان كريما أو رديئا فإن الله به عليم ولا يخفى عليه إخلاصكم ورياؤكم.

стр. 250

فرية اليهود في تحريم بعض المطعومات [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٣ الى ٩٥] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) المفردات: الطَّعامِ المراد به: المطعومات كلها، وكثر استعماله في الخبز والبرّ. حِلًّا: حلالا. إِسْرائِيلَ: لقب يعقوب بن إبراهيم، ومعناه الأمير المجاهد مع الله، ثم شاع إطلاقه على جميع ذريته، وهو المراد هنا. افْتَرى : اختلق وكذب. حَنِيفاً: مائلا عن الباطل إلى الحق. المناسبة: ما تقدم من أول السورة إلى هنا في إثبات التوحيد ونبوة محمد ﷺ وما استتبع ذلك من محاجة أهل الكتاب وبطلان شبههم. وهنا رد عليهم في شبهتين، الأولى: في قولهم: كيف تدعى يا محمد أنك على ملة إبراهيم والنبيين من بعده وأنت تستحل ما كان محرما عندهم من الطعام كلحم الإبل وغيره؟ فنزلت الآية: (كل الطعام) ردا عليهم في دعواهم أن تحريم بعض المطعومات كان من الله على لسان إبراهيم ويعقوب. والثانية تتعلق بمكة وتعظيمها.

стр. 251

المعنى: كل الطعام كان حلالا لبنى إسرائيل ولإبراهيم من قبله إلا ما استثنى (وهو ما حرم إسرائيل على نفسه) إذ كل الطعام كان حلالا من قبل أن تنزل التوراة ثم حرم الله عليهم بعض الطيبات في التوراة عقوبة لهم على أفعالهم «١» ، قال- تعالى-: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً [النساء ١٦٠] وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ [سورة الأنعام آية ١٤٦] . وفي هذا رد على اليهود في دعواهم البراءة مما نسبه إليهم القرآن من الظلم والصد عن سبيل الله كثيرا، وبيان أن تحريم ما حرم على إسرائيل لم يكن إلا تأديبا على جرائم ارتكبوها وسيئات اجترحوها، والنبي ﷺ وأمته لم يرتكبوا هذا السيئات، فكيف تحرم عليهم هذه الطيبات؟ وبيان أن إبراهيم لم يكن محرما عليه شيء من هذا إذا التحريم حصل بعد نزول التوراة وكل الطعام كان حلالا قبلها. وهنا سؤال: ما المراد بإسرائيل؟ وما الذي حرمه على نفسه؟ وفي الإجابة على هذا خاض كثير من المفسرين، ونقل بعضهم روايات الله يعلم أنها إسرائيليات مدسوسة، كلها تدور على أن إسرائيل هو يعقوب وقد حرم لحوم الإبل على نفسه، وقيل: شحومها، وقيل: العرق الذي على الفخد. ولكن يرد هذا أن يعقوب بينه وبين نزول التوراة زمن كثير فأى فائدة في التقييد بقوله من قبل أن تنزل التوراة؟ والظاهر أن المراد من إسرائيل بنو إسرائيل، أى: الشعب نفسه وقد حرم على نفسه بعض الأشياء وذلك بسبب أعماله كما مر، وكما وصفهم القرآن بقوله: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ [سورة النساء آية ١٦٠] .

стр. 252

فما حرمته التوراة فبسبب أعمالهم، ومن قبل نزول التوراة لم يحرم الله عليهم شيئا. ومن باب أولى لم يكن عند إبراهيم محرم. قل يا محمد: فأتوا بالتوراة كتابكم فاتلوها إن كنتم صادقين في دعواكم لا تخافون تكذيبها لكم. روى أنهم لم يجسروا على الإتيان بها فبهتوا وألقموا حجرا ، وفي ذلك دليل ظاهر على صحة نبوة محمد ﷺ وأنه يعلم ما في التوراة وأنها مؤيدة لما في القرآن، وأن النبي أولى بإبراهيم، وملته لا تختلف عن ملته إذ كل منهما مائل عن الباطل إلى الحق وما كان حلالا عند إبراهيم فهو حلال عند المسلمين. فمن افترى على الله الكذب، وادعى ما لم ينزل الله في كتاب، فأولئك هم الظالمون بتحويل الحق، والكذب على الله. قل يا محمد: صدق الله فيما أنبأنى به من أنى على دين إبراهيم وأنا أولى الناس به، وإنه لم يحرم الله شيئا على إسرائيل قبل التوراة وقامت الحجة عليكم بذلك، وإذا كان الأمر كذلك فاتبعوا ملة إبراهيم التي أدعوكم إليها فهي الطريق الوسط لا إفراط فيه ولا تفريط، وما كان إبراهيم من المشركين مع الله غيره. شرف بيت الله الحرام، والحج [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٦ الى ٩٧] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧) المفردات: بِبَكَّةَ أى: مكة، والعرب كثيرا ما تبدل الباء ميما وبالعكس.

стр. 253

مُبارَكاً: كثير الخيرات والبركة. مَقامُ إِبْراهِيمَ موضع قيامه وعبادته حِجُّ الحج: القصد، وفي الشرع: قصد بيت الله الحرام للنسك. وهذه هي الشبهة الثانية التي أثارها أهل الكتاب تكذيبا للنبي ﷺ في دعوى أنه على ملة إبراهيم. كيف تدعى أنك على ملة إبراهيم وأنك أولى الناس به، وإبراهيم وإسحاق والأنبياء بعدهم كانوا يعظمون بيت المقدس ويصلون إليه، فلو كنت على ما كانوا لعظمته، ولما تحولت إلى الكعبة فخالفت الجميع؟ والآية الكريمة تزيل الشبهة بأوضح بيان. المعنى: إن البيت الحرام الذي هو قبلة المسلمين في الصلاة والدعاء، وإليه تتجه أنظارهم وتهفو قلوبهم، أول بيت وضع معبدا للناس وأسس لذكر الله فيه، بناه إبراهيم وإسماعيل وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ ثم بنى المسجد الأقصى بعد ذلك بقرون، بناه سليمان بن داود. فصح بهذا أن يكون النبي ﷺ على ملة إبراهيم وإسماعيل ويتوجه كما يتوجهون. فالبيت الحرام أول بيت وضع ليعبد الناس فيه ربهم، وهذه الأولية في الزمان يلزمها الأولية في الشرف والمكانة. ولهذا البيت مزايا: فهو مبارك كثير الخيرات. إذ هو بصحراء وتجبى إليه ثمرات كل شيء، ففيه الفواكه وفيه من خيرات الله الشيء الكثير، ولا مانع أن يكون كثير البركة في الثواب والأجر وهو هداية للناس. ويتوجهون إليه في صلاتهم وتهواه أفئدتهم، على أنه مصدر لهداية النفوس التي تحجه وتعتمر فيه رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [سورة ابراهيم آية ٣٧] ، وفيه آيات واضحات لا تخفى على أحد. منها مقام إبراهيم للصلاة والعبادة، تعرف ذلك العرب جميعا بالتواتر. ومن دخل حرمه كان آمنا على نفسه مطمئنا على ماله حتى ولو كان مطلوبا للثأر، يعرف ذلك العرب في الجاهلية، وقد أقرهم الإسلام على ذلك.

стр. 254

وما حصل لمكة أثناء الفتح الإسلامى فليس مما نحن فيه، إذ كان المنادى ينادى من قبل الرسول: من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ. وما حصل في أيام الحجاج فهو من أفاعيل السياسة، وما كان أحد في الجيش يعتقد حل ذلك. ومن مزاياه العالية وجوب الحج إليه على المستطيع من المسلمين. فواجب الله على الناس أن يحج المستطيع منهم، فهو ركن من أركان الدين، وفريضة من فرائض الإسلام، وقد مضت بعض أحكامه في الجزء الثاني واستطاعة الحج أمر موكول للإنسان وضميره ودينه، أما تفسيرها بوجود الزاد والراحلة وأمن الطريق والقدرة على السفر فهذا كله يرجع إلى الدين، ومن جحد ما تقدم وكفر ولم يمتثل أمر الله في الحج وغيره فإن الله لم يوجبه لحاجته إذ هو الغنى عن العالمين جميعا. أهل الكتاب وعنادهم وما يضمرونه للإسلام [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٩٨ الى ٩٩] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) المفردات: شَهِيدٌ الشهيد: العالم بالشيء المطلع عليه. تَصُدُّونَ: تصرفون. تَبْغُونَها: تطلبونها. عِوَجاً العوج: الميل عن الاستواء في الأمور المعنوية كالدين مثلا، والمراد هنا: الزيغ والتحريف.

стр. 255

المعنى: بعد أن ذكر الله- الأدلة على نبوة محمد ﷺ واعتراضهم على ذلك ومناقشتهم حتى أفحموا، وبخهم الله على ذلك وعلى كفرهم فقال قُلْ لهم يا محمد: يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ التي دلتكم على صدق محمد ﷺ ؟ وعلى أى أساس تسيرون؟ قل: هاتوا برهانكم إن كان عندكم برهان، وإذا لم يكن عندكم دليل ولا برهان فاعلموا أن الله شهيد عليكم وسيجازيكم على ما تعملون. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بمحمد؟ قاصدين بصدكم أن تكون سبيل الله معوجة في نظر من يؤمن لكم ويصدق كلامكم، فأنتم تطلبون لدين الله اعوجاجا وميلا عن القصد- وهي أقوم طريقا وأهدى سبيلا- بتغييركم صفة محمد وكذبكم على الله والحال أنكم تشهدون بصدقه في أعماق نفوسكم، وأنتم الشهود العدول عند قومكم الذين يستأمرونكم ويهتدون بهديكم، ولكن قاتل الله الحسد الكامن والداء الباطن الذي تغلغل في نفوس زعماء وعلماء اليهود والنصارى، وما الله بغافل عن خباياكم وسيجازيكم عليها. توجيهات وعظات [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)

стр. 256

المفردات: يَعْتَصِمْ اعتصم بالشيء: تمسك به فمنع نفسه من الوقوع في الهلاك. حَقَّ تُقاتِهِ: تقاته وتقواه بمعنى واحد، والحق، أى: الواجب الثابت، وأصل الكلام: اتقاء حقا، والمراد: اتقوه التقوى الواجبة. بِحَبْلِ اللَّهِ: هو العهد أو القرآن. شَفا حُفْرَةٍ: طرفها، وأشفى على الشيء: أشرف عليه. أُمَّةٌ: جماعة متحدة مؤتلفة. إِلَى الْخَيْرِ أى: المنافع في الدنيا والآخرة. تَبْيَضُّ: تشرق وتسر. وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ: تكتئب وتحزن. ظُلْماً الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.

стр. 257

سبب النزول: روى أنه مر شاس بن قيس اليهودي- وكان شديد الكفر كثير الحسد على المسلمين- مر بنفر من الأنصار يتحدثون فغاظه ذلك حيث اتحد الأوس والخزرج، واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية، وقال اللعين: ما لنا معهم إذا تجمعوا من قرار، فأمر شابا من اليهود كان معه: أن اذهب إليهم وذكرهم بيوم بعاث- كان بين الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس- وما قيل فيه من الأشعار فتنازع القوم وتصايحوا: السيوف السيوف. وجمع كل فريق منهم جموعه، فبلغ النبي ﷺ هذا فخرج إليهم ومعه المهاجرون والأنصار وقال: أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وألف بين قلوبكم؟ فعرف القوم أنها نزعة الشيطان وكيد العدو فألقوا السلاح وبكوا وتعانقوا ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ . قال ابن جرير: نزل قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ الآية في شأن شاس اليهودي. ونزلت الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا ... في الأنصار [آل عمران ١٤٩] . المعنى: يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب فيما يكيدون لكم ويوقعون بينكم من العداوة والبغضاء، يردوكم بعد أن منّ الله عليكم بالإيمان والمحبة والصفاء كافرين بالله والدين والخلق الكريم وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [سورة البقرة آية ١٠٩] . وكيف تكفرون بالله؟ وكيف تطيعونهم فيما يأمرون به ويشيرون؟ والحال أنكم تتلى عليكم آيات الله. وهي روح الهداية وجماع الخير وحفاظ الإيمان تتلى غضة ندية. وبين أظهركم رسول الله إمام المرسلين ورسول المحبة والخير والألفة والرشاد، فهل يليق بمن أوتوا هذا أن يتبعوا أهواء قوم ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل؟

стр. 258

ومن يعتصم بالله وبكتابه ورسوله فقد تحققت هدايته، لا يضل أبدا ولا يخشى عليه من المهالك أصلا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله اتقاء حقا وأدوا واجب التقوى الذي يطلب منكم فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [سورة التغابن آية ١٦] على معنى: بالغوا في التقوى وأدوها كاملة حتى لا تتركوا من المستطاع شيئا. ولا تموتن إلا ونفوسكم مخلصة لله، أى: لا تكوننّ على حال سوى الإسلام إذا أدرككم الموت. وتمسكوا بكتاب الله وعهده واعتصموا بحبله جميعا ولا تفرقوا عنه أبدا فإن الداء العضال داء الفرقة والانحلال. وفي الآية تمثيل الاستيثاق بالعهد أو القرآن والوثوق بحمايته، باستمساك المتدلى من مكان مرتفع بحبل متين وثيق يأمن انقطاعه. وحبل الله هو الإيمان والطاعة، أو القرآن لقوله ﷺ : «القرآن حبل الله المتين، لا تنقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد، من قال به صدق ومن عمل به رشد ومن اعتصم به فقد هدى إلى صراط مستقيم» . وقد كان العرب الجاهليون في حروب مستعرة وعداوات وإحن خاصة الأوس والخزرج، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه أفواجا، سل من قلوبهم سخائم الحقد وطهر أرواحهم من نكد العداوة، وأصبحوا بنعمة الله إخوانا متحابين متعاطفين يؤثرون غيرهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة يدينون بمبدأ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [سورة الحجرات آية ١٠] وبالحديث: «مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادّهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» . وكانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها نعم كان العرب على حافة حفرة من النار بسبب شركهم ووثنيتهم لا يفصلهم عن النار إلا الموت فأنقذهم الله بالإسلام والتوحيد: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [سورة إبراهيم آية ٣٤] . مثل هذا البيان القيم والتوجيه السديد يبين الله آياته لكم، وهو في هذا البيان كالذي يرجو منكم الهداية والسداد لعلكم تهتدون.

стр. 259

ما يستفاد من الآيات: (١٠٠- ١٠٣) ١- يجب علينا ألا نؤمن لغير من اتبع ديننا خاصة إذا أشار علينا بالفرقة والخلاف. ٢- إذا دهانا أمر أو حل بنا خطر نلجأ إلى القرآن والحديث نستهديهما، ونستلهم رأيهما ففيهما الخير والرشاد في الدنيا والآخرة. ٣- الاتحاد وعدم الخلاف والشقاق مع الاعتصام بالعهد والقرآن. أمرنا الله بالاعتصام بحبله والتمسك بدينه ونهانا عن التفرق والاختلاف فقد أنعم علينا بالإسلام وألف بين قلوبنا بالقرآن والنبي ﷺ لكنه يعلم أن هناك نفوسا يصدأ قلبها سريعا ولا يجلوها إلا الوعظ والإرشاد والتذكير بالله واليوم الآخر، فأرشدنا إلى ذلك حيث قال: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ (الآية) ، فهذه وما بعدها متممة لقوله- تعالى-: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً. خاطب الله- الأمة الإسلامية بأسلوب الأمر الصريح فقال: ولتكن منكم أيها المسلمون أمة لها كيان ونظام. أمة مؤتلفة الأعضاء موحدة الجهات لا ترهب أحدا ولا تخاف شيئا، دينها قول الحق ورفع الظلم ولو كان عند سلطان جائر. لا تخشى في الله لومة لائم، لها رئاسة وقانون. كل ذلك قد أشارت إليه كلمة واحدة وهي (أمة) إذ هناك فرق بين قولك: جماعة وأمة. فعلى المسلمين جميعا واجب هو تكوين تلك الأمة. لتكون بهذا الوضع. وعلى الأمة المكونة واجب أن تقوم بمهمة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والذب عن حياض الدين ورفع منارة الحق والعدل، فالمسلمون جميعا مكلفون بتكوين جماعة خاصة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فهذه الجماعة المكونة بهذا الوضع السابق لها حق الإشراف والتكوين والتوجيه والحساب والعمل على خدمة المسلمين، وهذا أشبه بمجلس الأمة! وعلى الأمة جميعا اختيار طائفة خاصة تقوم بتلك المهمة على سبيل الوجوب. وفي سبيل قيامها بواجبها يجب أن تتوافر فيها شروط العلم الديني والعلوم التي يحتاج

стр. 260

إليها من يخاطب الناس ويؤثر فيهم مع التقوى والتخلق بأخلاق الأنبياء، وأن يكون الداعية مثلا أعلى في الخلق الكامل، ولنا في رسول الله أسوة حسنة. فإذا توافرت هذه الشروط فأولئك البعيدون في درجات الكمال هم المفلحون في الدنيا والآخرة، وأمة هداتها وقادتها بهذا الوضع لا بد أن تكون العزة والكرامة لها. ولا تكونوا- أيها المسلمون- كالذين تفرقوا واختلفوا اختلافا كثيرا كما حصل لليهود والنصارى من بعد ما جاءتهم البينات الواضحات التي تهديهم إلى السبيل لو اتبعوها، وما ذلك إلا لأنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولم تكن فيهم أمة تهديهم إلى الخير وترشدهم إلى الطريق لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ. كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (الآيتان ٧٨، ٧٩ من سورة المائدة) . والاختلاف المنهي عنه هو الاختلاف في الأصول العامة للدين وتحكم الهوى وإدخال السياسة المذهبية، والبعد عن مناهل الشريعة والأخذ بالمتشابه. أما الخلاف في الوسائل وكيفية الأداء كاختلاف المذاهب عندنا في كيفية الوضوء لتعدد فعل النبي ﷺ ولأن القرآن يسمح بكل صورة قال بها إمام من الأئمة، فلا شيء فيه إذ كلهم من رسول الله ملتمس. والمسلمون قد اختلفوا شيعا وأحزابا لما تركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وتركوا روح الدين واشتغلوا بالأمور الشكلية. والأمة التي فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فأولئك جميعا هم المفلحون، وأولئك المختلفون والمتفرقون التاركون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لهم عذاب عظيم. لا يعرف له حد ولا يدرى له كنه. يوم تبيض وجوه المؤمنين وتشرق ويسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، وتسود وجوه المختلفين الذين لم يتواصوا بالحق والصبر من أهل الكتاب والمنافقين، وتظلم وتكتئب حينما يرون ما أعد لهم من العذاب المقيم، فأما الذين اسودت وجوههم فيقال لهم تأنيبا وتوبيخا: أكفرتم بالرسول محمد بعد إيمانكم به؟ فقد كنتم على علم ببعثته وعندكم أوصافه والبشارة به، ولكن كفرتم به حسدا وحقدا، وكانوا قبل البعثة

стр. 261

يستفتحون به على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين. وهذا جزاؤكم أن تذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله وجنته ورضوانه هم خالدون. تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق الثابت فلا عذر بعد هذا لو اختلفت أمتك وأهملت الاعتصام بحبل الله وتفرقت شيعا وأحزابا، ولم تتواص بالحق والصبر، وما الله يريد بهذه التوجيهات والأحكام ظلما للعباد، حاشا لله أن يضع شيئا في غير موضعه، بل كل هذا لمصلحتهم في الدنيا والآخرة، وكيف لا يكون ذلك؟ ولله في السموات والأرض ملكا وخلقا وتصريفا وحكما، وإلى الله وحده ترجع الأمور. فضل الأمة الإسلامية على غيرها [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٠ الى ١١٢] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)

стр. 262

المفردات: (كان) فعل يدل على الوجود والحصول في الماضي بقطع النظر عن الدوام أو الانقطاع، وقد يستعمل للأزلية كما في صفاته تعالى: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. الْأَذى: الضرر البسيط. يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ: كناية عن الانهزام، فالمنهزم يحول ظهره إلى عدوه. ضُرِبَتْ: ألصقت بهم وأثرت فيهم. الذِّلَّةُ: الذل. ثُقِفُوا: وجدوا. بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ الحبل: العهد. وَباؤُ: رجعوا، والمراد كانوا أحقّاء بغضب الله، مأخوذ هذا من البواء، أى: المساواة، يقال: باء فلان بدم فلان: إذا كان حقيقا أن يقتل به لمساواته له، والمراد حلوا في العذاب، من المباءة، وهو: المكان. يَعْتَدُونَ: يتجاوزون الحد. هذا كلام مستأنف سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاعتصام بالله والاتفاق على الحق والدعوة إلى الخير على أنه تحريض وإلهاب للهمم. المعنى: أنتم خير أمة في الوجود الآن، وذلك لأن جميع الأمم قد غلب عليها الفساد وعمتها الفوضى، فلا يعرف فيها معروف ولا ينكر فيها منكر، فأنتم خير أمة أخرجت للناس، وذلك لأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله إيمانا كاملا صادقا «والإيمان بالله على هذا النحو لا يكون إلا إذا استوعب صاحبه جميع ما يجب الإيمان به، فلو أخلّ بشيء لم يكن مؤمنا بالله- تعالى- إيمانا كاملا، وإنما قدم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على الإيمان بالله لأنهما أظهر في بيان فضل المسلمين على غيرهم، على أن الإيمان يدعيه أهل الكتاب وإن تكن دعوى باطلة» . ولو أن أهل الكتاب آمنوا إيمانا حقيقيا لكان خيرا لهم إذ هم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، أو يؤمنون ببعض الرسل كموسى وعيسى، ويكفرون بمحمد، على أنهم كيف يدعون الإيمان وفي صلب كتبهم البشارة بمحمد وصفته فأنكروا كل ذلك ولم يؤمنوا به؟

стр. 263

وقد استطرد القرآن فقال: من أهل الكتاب قوم مؤمنون حقيقة كعبد الله بن سلام وأحزابه وكثير منهم فاسقون وخارجون عن حدود دينهم وكتبهم. ولو سئل أحبار اليهود عن أنفسهم لما قالوا أكثر من ذلك. هؤلاء اليهود موصوفون بما يأتى: لن يضروكم أبدا إلا ضررا بسيطا كالهجاء والخوض في النبي ﷺ وفي عرضه والتنفير من الدين الإسلامى. وإن يقاتلوكم ينهزموا أمامكم ويولوكم الأدبار، وهذا ليس بالجديد على أمثالهم ثم بعد هذا لا ينصرون أبدا. وصفهم القرآن بثلاث: عدم الضرر. والفرار في الحرب. وعدم النصر ولكن هذا مع من؟ مع قوم نصروا الله فنصرهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ فما دمنا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله إيمانا صحيحا فلا بد أن نكون أقويا أعزاء، وما داموا هم فاسقين خارجين عن حدود الله والطاعة والإيمان يكون هذا الحكم لنا ولهم، وإذا لم نكن كذلك فحالنا وحالهم كما نرى الآن. وقد وصفوا كذلك بأن الذل قد ألصق بهم حتى أثر فيهم كما يؤثر الضرب في النقد فلا خلاص لهم من الذل أبدا إلا بسبب عهد لهم من الله وهو ما قررته الشريعة لهم من المساواة في الحقوق والقضاء وتحريم الإيذاء، وعهد من الناس وهو ما تقتضيه المشاركة في الوطن والحاجة والانتفاع في الصناعة والتجارة. أو المراد عهد من الناس يحميهم. وصاروا مستحقين لغضب الله مستوجبين سخطه قد أحاطت بهم المسكنة إحاطة المكان بمن فيه، فهم في الذل والحاجة أبدا. ولا شك أنهم كذلك إلى الأبد وإن كانوا مياسير وأغنياء لأنهم ورثوا صفات الذل وضعف النفس وامتهانها بل بيع الشرف لأجل المال فهم في فقر دائم وذل مستمر ومتألهين المال، وفي الجزء الأول توضيح المقام فارجع إليه ص (٣١) .

стр. 264

ذلك الذي ذكر من هذه الصفات بسبب أنهم يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء معتقدين أنهم على غير حق فيما يفعلون، إذ يقتلون رجالا يقولون ربنا الله، وفي هذا تشنيع عليهم وأى تشنيع؟! وما جرأهم على ذلك إلا فعل المعاصي واستمرارهم عليها، فإنه يجعل الرّان على قلوبهم ويفضى بهم إلى الوقوع في الكبائر كالكفر وقتل الأنبياء. ونسبة القتل إلى المعاصرين من اليهود كما قلنا لأنهم منتسبون إلى من فعل هذا الفعل وراضون عنه، بل معتزون بهذا النسب، على أنهم حاولوا قتل النبي ﷺ مرارا. المؤمنون من أهل الكتاب [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٣ الى ١١٥] لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) المفردات: قائِمَةٌ: مستقيمة عادلة، مأخوذ من قولك: أقمت العود فقام، بمعنى استقام. آناءَ اللَّيْلِ: جمع آن، والمراد: ساعات الليل. يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ: يبادرون إلى فعل الخيرات. يُكْفَرُوهُ: يمنعوه ثوابه.

стр. 265

المناسبة: لما وصف أهل الكتاب بأن منهم المؤمنين، ومنهم الفاسقين ثم بين حالهم ومآلهم خاصة اليهود، كان من العدل أن يبين حال المؤمنين منهم وإن كانوا قلة. المعنى: ليس أهل الكتاب متساوين في أصل الاتصاف بالقبائح، بل منهم من تقدمت صفته. ومنهم أمة مستقيمة على طاعة الله، ثابتة على أمره، من صفاتهم أنهم يتلون آيات الله ويقرءون القرآن خاصة في ساعات الليل وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨ الإسراء) . ففي صلاة الليل والتهجد يكثرون من قراءة القرآن وحدهم، حيث ينام الكون كله وحارسه لا ينام- وهم يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا صادقا خالصا لا شبهة فيه ولا نفاق معه، إيمانا بكل ما يجب الإيمان به. فهم قد كملوا أنفسهم بالقرآن وتلاوته، والإيمان وحلاوته، ثم أرادوا لسمو أنفسهم وطهارة ضميرهم أن يكملوا غيرهم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ويبادروا إلى فعل الخيرات بسرعة وبلا إمهال، وهكذا شأن المؤمنين أمثال عبد الله بن سلام ومن على شاكلته، أولئك عند الله من الصالحين الذين صلح حالهم وعلت درجاتهم. وفي هذا رد على اليهود حيث زعموا أن من آمن منهم هم شرارهم لا خيارهم، إذ لو كان فيهم خير لما آمنوا. وما يفعلون من الطاعات فلن يحرموا ثوابه، ولن يمنعوا جزاءه. والله شكور عليم بالمتقين، فلن ينسى ولا يهمل، وليس ممن يجهل الجزاء، وهو القادر على كل شيء، البصير بكل عمل.

стр. 266

الكافرون وأعمالهم يوم القيامة [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٦ الى ١١٧] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) المفردات: لَنْ تُغْنِيَ: لن تجزى عنهم. رٌّ : برد شديد. رْثَ الحرث: إثارة الأرض للزرع، والمراد النبات المزروع. المعنى: كثيرا ما افتخر الكفار وقالوا: نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين، ولفظ الكفار هنا يشمل اليهود والمنافقين جميعا. فهم لن تجزى عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ أولئك هم الملازمون للنار لا ينفكون عنها، هم فيها ماكثون مكثا الله أعلم به. ثم ضرب الله مثلا من أروع الأمثلة التي وردت في القرآن لأموالهم التي ينفقونها في أغراض الدنيا للرياء والسمعة والمفاخرة وكسب الثناء لا يبغون بذلك وجه الله بل كان منهم من ينفق ماله ليصد عن سبيل الله. مثل المال الذي ينفقونه هكذا كمثل ريح فيها برد شديد أتت على الزرع فأهلكته. فأنت معى في أن المال الذي ينفق في لذاتهم وتأييد كلمة الباطل والصد عن سبيل الله

стр. 267

يمنعهم من التخلق بالحق بل يمنعهم من النظر في دين الله بعين العدل والعقل السليم والروح المجردة من الشر. أليس هذا المال كالريح المرسلة بالهلاك والبرد الشديد فتأتى على الزرع المرجو ثمرته ونفعه فتبيده وتهلكه؟! فهم إذا أنفقوا المال للشيطان ورجوا منه الثواب والنفع ثم قدموا الآخرة فلم يروا إلا الحسرة والندامة كانوا كمن يزرع زرعا وتوقع منه خيرا ونفعا فأصابته ريح فأحرقته فوقف مبهوتا حائرا وحقّا إن الله يتقبل من المتقين ويثيب المخلصين. وما ظلمهم الله بل جازاهم وكافأهم وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ولكن هم الظالمون لأنفسهم. صداقة المؤمنين للكافرين وخطرها [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١١٨ الى ١٢٠] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)

стр. 268

المفردات: بِطانَةً بطانة الرجل: خاصته وأهل مشورته ومستودع سره، قد أشبهوا بطانة الثوب. مِنْ دُونِكُمْ: من غيركم. لا يَأْلُونَكُمْ: ألى في الأمر: قصر فيه، ثم استعمل بمعنى منع، فقيل: لا آلوك نصحا، و المعنى هنا: لا يقصرون أبدا في إيصال الخبال لكم. الخبال: الفساد، وقد يكون في الأفعال والأبدان والعقول. الْعَنَتَ: هو المشقة. الْأَنامِلَ: أطراف الأصابع. عَضُّوا عض الأنامل: يراد به شدة الغيظ أحيانا، وأحيانا الندم. الكيد: الاحتيال للإيقاع في المكروه. هذه الآيات وأشباهها كثير، نزلت في قوم كانوا يتخذون مع الأعداء والكفار صلات وصداقات تبيح لهم إخبارهم بالأسرار والتحدث إليهم في شئون المؤمنين، وفي هذا خطر كل الخطر على كيان الأمة الإسلامية بلا شك، فنهوا عن هذا في غير موضع من القرآن. المعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا يليق بكم مع هذا الوصف الكريم، والنعت الجليل وهو الإيمان بالله ورسوله، لا يليق أن تتخذوا من غير المسلمين أخصاء وأصدقاء تؤثرونهم بالمودة وتطلعونهم على دخائلكم وأسراركم وكيف يكون منكم مودة لهم وهم كما وصف القرآن ونطق الواقع لا يقصرون في إيصال الفساد والخبال بكم وينفقون جهدهم كله في توفير الضرر لكم؟ وهم يتمنون لكم كل عنت ومشقة فإن لم يستطيعوا حربكم وإيذاءكم فهم يريدون من صميم قلوبهم كل فساد وألم لكم. ألم تظهر البغضاء لكم والحسد عليكم من فلتات ألسنتهم وبين ثنايا حديثهم؟ وما في صدورهم من الحسد الكامن والداء الباطن كثير وكثير. أيها المؤمنون قد بينا لكم الآيات والعبر التي ترشدكم إلى الخير وتهديكم إلى سواء السبيل، إن كنتم تعقلون فاتبعوها.

стр. 269

ها أنتم أولاء مخطئون في حبهم إذ هم لا يحبونكم مع أنكم تؤمنون بالكتب كلها ومنها كتابهم وتصدقون بكل الرسل ومنهم رسولهم، ومع هذا فهم لا يحبونكم. عجبا كيف يتمسكون بباطلهم إلى هذا الحد؟ وأنتم تتهاونون في حقكم وهم إذا قابلوكم قالوا نفاقا: آمنا بالله وصدقنا برسالة محمد، وإذا خلوا إلى أنفسهم وشياطينهم- من شدة الغيظ والحقد وعدم القدرة على إيصال الشر لكم بأى صورة- عضّوا على أناملهم، فإن عض الأنامل فعل المغيظ المحنق الذي فاته ما لا يقدر على جلبه أو نزل به ما لا يقدر على دفعه!! أخبرهم يا محمد أن أهل الكتاب- خاصة اليهود- لا يدركون ما يؤملون، فإن الموت دون ذلك، وهذا تقريع لهم أو دعاء بأن يديم الله غيظهم إلى الموت. ولا غرابة في هذا فعداوتهم لكم شديدة وحسدهم لكم من عند أنفسهم، فإن مستكم حسنة استاءوا بها وإن أصابتكم سيئة فرحوا لها ثم انظر إلى تعبير القرآن بإساءتهم عند مس الحسنة وبفرحهم عند إصابة السيئة فهم لا يفرحون حتى تتمكن الإصابة ويستاءون عند أدنى مس للحسنة، ألا قاتلهم الله ولعنهم! وأما العلاج والمخلص الوحيد فهو دواء القرآن لكل هذا: الصبر والتقوى. فإن تصبروا في كل حال وتتقوا الله وتأخذوا الوقاية لكم من كيد عدوكم فإن الله ضمن لكم أنهم لن يضروكم شيئا من الضرر، إن الله بما يعملون محيط، وعليم خبير بكل خفاياهم وكيدهم فسيرده في نحورهم ويجازيهم على كل ذلك بشرط أن تصبروا وتتقوا. وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ الآيات من هنا إلى ستين آية بعدها نزلت في غزوات النبي ﷺ لا سيما غزوة أحد، لهذا رأينا أن نذكر شيئا من أخبار غزوة بدر وغزوة أحد حتى تستبين لنا الآيات وندرك حكمها وأحكامها. غزوة بدر كانت في السنة الثانية للهجرة، وبدر اسم لبئر بين مكة والمدينة سميت باسم صاحبها، وكانت هذه الواقعة نصرا مؤزرا للمسلمين وكارثة على المشركين زلزلت مكانتهم عند العرب بقدر ما مكنت للمسلمين في نفوس أهل الجزيرة.

стр. 270

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ أى: قلة وما ذاك إلا أن جيوش المسلمين قلتها متمسكة بدينها مطيعة لرسولها وقائدها لم يكن لهم اعتماد إلا على الله وحده وما أمرهم به من الثبات عند لقاء العدو إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لم يتعد واحد حدوده، قد ملأ الإيمان قلوبهم وخلا النفاق منها، وعلى العموم كانوا يدا واحدة صبها الله على عدوهم، ودعا النبي ﷺ فيها دعاءه المشهور: «اللهم أنجز ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض» . قال راوي الحديث: فما زال يستغيث بربه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده ثم التزمه من ورائه إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ (الآية) . غزوة أحد كانت في السنة الثالثة للهجرة بعد غزوة بدر التي انتصر فيها المسلمون وهم قلة، وذلك أن قريشا حينما عادت إلى مكة بعد غزوة بدر أجمعوا أمرهم، وأنفقوا الكثير من أموالهم ليصدوا عن سبيل الله وجهزوا جيشا عدته ثلاثة آلاف مقاتل يقصدون النبي ﷺ في المدينة. ولما وصل خبرهم إلى المدينة استشار محمد ﷺ القائد والسياسى الموفق أصحابه، فأما الشيوخ ومعهم عبد الله بن أبىّ زعيم المنافقين ورأس اليهود في المدينة، فقالوا: نبقى في المدينة ونحصنها ونقاتلهم في الأزقة والدروب، وترمى النساء والولدان من على الآكام والبيوت. وأما الشباب ومن لم يكن له شرف القتال في بدر، فأشاروا بالحرب وقالوا: هذه فرصة، وكان عمرو بن عبد المطلب يرى هذا الرأى أما النبي ﷺ فكان يميل إلى رأى الشيوخ، وقد رأى في المنام أنه في درع حصينة وأن سيفه ذا العقال انكسرت ظبته (حده) وأنه رأى بقرة تذبح وأن معه كبشا، وقد أول الرؤيا: الحصن: المدينة، كسر السيف، موت عزيز لديه من أهل بيته، ذبح البقرة: قتل بعض أصحابه، الكبش: للفتك بزعيم من زعماء الشرك، ولكن الرسول ﷺ رجع لرأى الأغلبية القائلين بالحرب والساعين إليه فلبس وتجهز، وما قبل الرجوع بعد هذا وقال: «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يرجع حتى يقاتل» .

стр. 271

كان هذا عصر الجمعة لست مضت من شوال وبات ليلتها، وفي سحر السبت خرج مع الجيش، وفي الطريق رجع عبد الله بن أبىّ متعللا بقوله: أيعصيني ويطيع الولدان لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ ومعه ثلاثمائة من أصحابه. وهم بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار وكادوا ألا يخرجوا إلى أحد، ثم وفقهم الله فخرجوا، وذلك قوله تعالى: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا (الآية) . فلم يبق بعد رجوع المنافقين مع النبي ﷺ إلا سبعمائة رجل. وذكر له قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من اليهود فأبى. وصفّ رسول الله ﷺ أصحابه فجعل الرماة خمسين رجلا عليهم عبد الله بن جبير، وعلى أحد الجناحين الزبير بن العوام وعلى الآخر المنذر بن عمر. وجعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وكان اللواء مع مصعب بن عمير فتقدم به بين يدي رسول الله. وأما المشركون فجعلوا على المينة خالد بن الوليد القائد المشهور وعلى الميسرة عكرمة بن أبى جهل ومعهم مائتا فارس على رأسهم صفوان بن أمية، وعلى رماتهم وكانوا مائة عبد الله بن أبى ربيعة، ولواؤهم مع طلحة بن أبى طلحة من بنى عبد الدار. وكان مع المشركين نساء بزعامة هند بنت عتبة، يضربن بالدفوف ويمشين وراء الصفوف وأمامها قائلات: نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق وتقدم النبي ﷺ إلى الرماة فقال لهم: احموا ظهورنا فإنا نخاف أن نؤتى من ورائنا، وإياكم أن تبرحوا مكانكم سواء قتلناهم أو قتلونا فلا تعينونا ولا تدافعوا عنا، اللهم فاشهد. وقد خطب المسلمين خطبة طويلة حثهم فيها على الصبر والتقوى!! وقامت الحرب وما لبث أن دارت دائرة الحرب وانهزم المشركون وسقط لواؤهم من يد طلحة بعد قتله فحمله ابنه ثم أخوه وهكذا أخذ المسلمون يفتكون بالمشركين!!

стр. 272

وكاد النصر يتم للمسلمين نهائيا لولا أن الرماة الحارسين لظهور المسلمين خالفوا أمر النبي ﷺ وآثروا الفانية على الباقية وانحدروا يجمعون الغنائم والأسلاب وتنازعوا في ذلك ولم يبق منهم إلا قليل. فتنبه خالد بن الوليد ومن معه وانقضوا على المسلمين كالصاعقة وأشرعوا سيوفهم ورماحهم، ودارت الدائرة على المسلمين وانفرط عقدهم وسمع مناد ينادى: إن محمدا قد قتل، فأسرع المشركون واهتبلوا تلك الفرصة واختلط الأمر على المسلمين حتى صار يضرب بعضهم بعضا وولوا هاربين في الجبل، والرسول يدعوهم في أخراهم ويقول: «إلىّ عباد الله إلىّ عباد الله أنا رسول الله» . إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ وصار أبو سفيان يقول: يا معشر قريش أيكم قتل محمدا؟ فقال عمر بن قميئة: أنا قتلته. وقد نجى الله رسوله، وكان النبل يأتيه من كل جانب، ولكن الله يعصمه من الناس، وكان أول من بشر بنجاته كعب بن مالك. وقد أصيب رسول الله يوم أحد فكسرت رباعيته وشج وجهه حتى غاب حلق المغفر في وجنتيه وأصيبت ركبتاه. وكان سالم مولى أبى حذيفة- رضى الله عنه- يغسل الدم عن وجه الرسول وهو يقول ﷺ : «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم؟ وهو يدعوهم إلى الله- ؟» فنزل: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ. ورأى ﷺ سيف علىّ مختضبا فقال: إن كنت أحسنت القتال فقد أحسن عاصم ابن ثابت والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف وسيف أبى دجانة غير مذموم: ولا تنس الحباب بن المنذر وشماس بن عثمان وغيرهم ممن أبلوا بلاء حسنا. ولم يقتل ﷺ في حياته سوى أبىّ بن خلف أحد الذين تعاقدوا على قتل النبي ﷺ ، وفيه نزلت آية: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى. [سورة الأنفال آية ١٧] . وفيها قتل من المسلمين سبعون منهم حمزة سيد الشهداء وحبيب رسول الله، وقد بكى عليه النبي ﷺ مرارا.

стр. 273

ولعل السبب في هزيمة المسلمين بأحد ما يلى: كان بعضهم على مقربة من الفتنة ولذلك همت طائفتان أن تفشلا، خروج الرماة عن أمر الرسول ﷺ وطمعهم في الغنيمة، وقد فشلوا وتنازعوا فضعفت أرواحهم عن تلقّى تأييد الملائكة لهم. وأما الحكمة في الهزيمة فليمحص الله الذين آمنوا ويعلمهم أن الأسباب والمسببات لا بد منها في تحصيل النصر، وأن قتل الرسول أو موته ليس سببا في ترك الدين والانقلاب على الأعقاب، وما أصابهم فمن أنفسهم. ما نزل من القرآن في غزوتى بدر وأحد [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٢١ الى ١٢٩] وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)

стр. 274

المفردات: غَدَوْتَ: خرجت في الغداة، وهي ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. تُبَوِّئُ: تهيء وتعد. مَقاعِدَ: أماكن وأنظمة للقتال. هَمَّتْ الهمّ: حديث النفس واتجاهها إلى الشيء. أَنْ تَفْشَلا: تجبنا وتضعفا. أَذِلَّةٌ: قلة في العدد والعدد. يَكْفِيَكُمْ الكفاية: مرتبة دون الغنى وهي سد الحاجة. يُمِدَّكُمْ الإمداد: إعطاء الشيء حالا بعد حال. بَلى: كلمة جواب كنعم إلا أنها لا تقع إلا بعد نفى، وتفيد إثبات ما بعدها. فوركم الفور: الحال السريعة. مُسَوِّمِينَ: معلمين. يَكْبِتَهُمْ من الكبت: وهو شدة الغيظ. المعنى: واذكر يا محمد وقت أن خرجت غدوة السبت لسبع خلون من شوال تبوئ المؤمنين وتنزلهم أماكن خاصة للقتال: فهؤلاء في موضع الرماة، وهؤلاء في الميمنة، وهؤلاء في الميسرة، وهكذا. والله سميع لكل قول عليم بكل نية وفعل فهو العليم بما دار حينما شاورت الناس وهل كان رأى البعض عن إخلاص ونفاق أو لا؟ واذكر إذ همت طائفتان من الأنصار هم بنو سلمة من الأوس وبنو حارثة من الخزرج لما رأوا انخذال عبد الله بن أبى بن سلول حدثتهم أنفسهم بالفرار ولكن الله عصمهم من الذلة ومنعهم من الجبن والفشل، وكيف لا والله وليهم ومتولى أمورهم؟ ... وعلى الله فليتوكل المؤمنون وليعتمدوا عليه لا على حولهم وقوتهم، وليس هذا يمنع من الأخذ

стр. 275

بالأسباب وإعداد العدة وتجهيز الجيوش بالسلاح والعدد الملائمة لكل عصر، ومع التوكل على الله. ولذلك ذكرهم الله بغزوة بدر حيث نصرهم على عدوهم لما كانوا متوكلين عليه ممتثلين أمره وأمر رسوله، ولقد نصركم الله ببدر وأنتم قلة إذ كنتم ثلاثمائة، والكفار ألف مقاتل، فلا عدد معكم ولا عدد، وهذا معنى الذلة. فاتقوا الله بالثبات مع رسوله والصبر والوقوف عند أمره، فإن هذا عدة الشكر والشكر سبب النعم والنصر. واذكر يا محمد وقت قولك للمؤمنين يوم أحد- وقد رأوا العدو يفوقهم وانخذل عنهم عبد الله بن أبىّ وأصحابه-: ألن يكفيكم إمداد الله لكم بثلاثة آلاف من الملائكة؟؟ بلى يكفيكم الإمداد بهذا، ومع ذلك إن تصبروا على الغنائم وشدة الجهاد ونزال العدو وتتقوا الله وتطيعوا أمر نبيكم ولا تتنازعوا ولا تختلفوا على الغنائم ويأتيكم المشركون من ساعتهم هذه بسرعة، نعم إن حصل هذا وهو الصبر والتقوى بمعانيهما، وإتيان العدو بسرعة يعجل الله نصركم وييسر أمركم ويمدكم بخمسة آلاف من الملائكة مرسلين فاتكين بالعدو وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً. الظاهر- والله أعلم- أن الله أمد المؤمنين يوم بدر بالملائكة لقوله- تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [سورة الأنفال الآية ٩] . وأما في غزوة أحد فقد وعد النبي ﷺ المؤمنين أن الله سيمدهم بثلاثة آلاف بل بخمسة آلاف إن صبروا واتقوا ... ولم يتحقق الشرط وخالفوا النبي، ولو أمدهم لهزموا الكفار من فورهم. والإمداد بالملائكة يجوز أن يكون من قبيل إمداد العسكر بما يزيد عددهم، أى: إمداد مادى، وفي هذا روايات كثيرة، ويجوز أن يكون من قبيل الإمداد المعنوي وهذا هو الظاهر- والله أعلم- فيكون عمل الملائكة بالجيش عملا روحيا معنويا كتثبيت القلوب وتقوية النفوس وإذاعة روح الطمأنينة فيقاتل الجيش عن عقيدة، وفي جانب العدو يشيعون روح الهزيمة والانخذال ويكثرون سواد المسلمين في نظرهم.

стр. 276

وها هو ذا اليوم في أحدث الحروب تنفق الملايين على الدعاية وتقوية الروح المعنوية إذ لها خطرها وأثرها. وما جعل قول النبي ﷺ للمؤمنين: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ الآية إلا بشرى لكم يبشركم بها كي تطمئن قلوبكم ويهدأ روعكم بوعده بالنصر لكم. وما النصر على الأعداء إلا من عند الله وحده بقطع النظر عن العدو وعدده وعدده مهما كانت فالله هو العزيز الذي لا يغالب الحكيم في كل شيء يفعله. وليس معنى هذا ترك الأخذ بالأسباب بل الواجب أن تأخذ بها معتقدا أن الله فوق هذه الأسباب وأنه خالقها وليست مؤثرة بطبعها، فالاعتماد على الله والتوكل عليه بعد الأخذ بها، ولعل انهزام المسلمين في أحد لعدم أخذهم بالأسباب كمخالفتهم للقائد ونزاعهم وخلافهم وغزوهم بأنفسهم. فعل الله ما فعل من نصركم يوم بدر وإمدادكم بالملائكة ليقطع ويهلك طائفة من رءوس الكفر والشرك بالقتل والأسر أو يكبتهم ويغيظهم ويخزيهم فينقلبوا خائبين غير ظافرين وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً» أو يتوب عليهم إن أسلموا ورجعوا إلى الله، أو يعذبهم إن أصروا على الكفر والشقاق فإنهم ظالمون لأنفسهم. وأما أنت يا محمد فليس لك من الأمر شيء «٢» إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب فلا تبتئس ولا تتألم منهم وتدعو عليهم بقولك «كيف يفلح قوم فعلوا بنبيهم هذا» ! لا تفعل هذا فربما يتوب الله على بعضهم، وقد تاب على أبى سفيان والحارث بن هشام وسهل بن عمر وصفوان بن أمية. ثم أكد الله- أن الأمر بيده بقوله: ولله ملك السموات والأرض وما فيهما يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء بحكمته وعدله، وهو الغفور الذي يستر الذنوب إن أحب، الرحيم بالخلق حيث يترك العقاب بالحكمة التامة والسنن المحكمة.

стр. 277

إرشادات المؤمنين وجزاؤهم [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٠ الى ١٣٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦) المفردات: أَضْعافاً ضعف الشيء: مثله، فإذا ضاعفت الشيء ضممت إليه مثله. سارِعُوا: أسرعوا، والمراد: اعملوا ما به تحصلون على مغفرة من الله وجنة. السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ: هما حالتا السرور والضرر، أى: الرخاء والشدة

стр. 278

الْكاظِمِينَ: الحابسين الغيظ، والكاتمين له مع القدرة. الْغَيْظَ: أشد أنواع الغضب، وهو فورة في الدم عند وقوف الإنسان على ما يؤلمه في ماله أو ولده أو عرضه. فاحِشَةً ذنب كبير، وظلم النفس ذنب صغير. المناسبة: لما نهى الله المؤمنين عن اتخاذ البطانة من غير المسلمين لأنهم خطر عليهم وبين أنهم إن يصبروا ويتقوا لا يضرهم كيدهم شيئا، ثم ضرب الله المثل لبيان أثر التقوى والصبر في غزوتى بدر وأحد وما فعله الكفار وخاصة اليهود والمنافقين، بين بعد هذا وذاك فحش صفة لازمة لليهود وحذر منها المسلمين وهي الربا واستتبع هذا ذكر لون من ألوان الترغيب والترهيب. المعنى: يا أيها الذين آمنوا لا يليق بكم وقد خالط قلوبكم نور الإسلام وبرد اليقين أن تأكلوا الربا حال كونه أضعافا مضاعفة كما كنتم تفعلون في الجاهلية- وهذه ثانى آية في الربا. فقد كانوا يعطون المائة حتى إذا حل أجلها فإما أن يدفع المدين وإما أن يزيد في الدين وهكذا حتى يصبح المال المقروض أضعافا مضاعفة، وهذا ما يسمى ربا النسيئة أو الربح المركب وهو ما ورد فيه نص القرآن كما قال ابن عباس- رضى الله عنه-. وضابطه: كل قرض جر نفعا للمقرض في مقابل النسيئة، أى: التأخير والأجل سواء كانت المنفعة نقدا أو عينا كثيرة أو قليلة وعلى ذلك فالتعامل مع المصارف بفائدة ٣ در صد أو ٤ در صد مثلا هو ربا ونسيئة بدليل قوله- تعالى-: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ «١» أى: بدون زيادة أصلا، أما ربا الفضل فهو بيع ربوى بمثله مع زيادة في أحد المثلين، كبيع إردب قمح جيد بإردب وكيلتين من القمح مع رضا الطرفين وهو يكون في المطعومات كالبر والذرة والشعير وكل ما تجب فيه الزكاة من الحبوب وكذا النقدان.

стр. 279

وربا الفضل- كما تقدم عند شرح آية البقرة- ثابت تحريمه بالحديث الشريف فقد روى ابن عمر عن النبي ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا سواء بسواء ... إنى أخشى عليكم الرماء، أى: الربا» «١» . وكذا حديث أبى سعيد الخدري المتقدم. والجمهور من العلماء على أن الربا بنوعيه خطر على الأمة والفرد كما بينا ذلك في آية البقرة لا فرق بين ربا النسيئة وربا الفضل سواء كانت الزيادة قليلة أم كثيرة، والتقيد بالأضعاف المضاعفة في الآية هنا لبيان الواقع الذي كان يحصل عندهم في الجاهلية فلا مفهوم له، وقد تكون هذه الآية هي المرحلة الوسطى بين الإشارة التي في سورة الروم آية ٢٩ وبين التحريم الكلى القاطع في سورة البقرة كما تقدم. وبعض العلماء يرى أن ربا النسيئة ثابت بنص القرآن وخطره ظاهر جسيم إذ هو الربح المركب الذي يتضاعف فيه مال المرابى إلى أضعاف كثيرة وهو الذي لعن الله آكله ومؤكله وكاتبه وشاهده وآذن صاحبه بالحرب إن لم يكف وهو صفة اليهود وديدنهم. وأما ربا الفضل فثابت بالحديث، وخطره قليل وتحريمه ليس لذاته بل أمر عارض، فإنه قد يجر إلى ربا النسيئة فتحريمه من باب سد الذرائع فهو يباح عند الضرورة والحاجة. وأنت كمسلم تقدر ضرورتك. والرأى عندي أن الواجب على الحكومة أو الأغنياء أن ينشئوا مصرفا للتسليف بلا فائدة كمؤسسة القرض الحسن ومصاريف الموظفين والعمال واستهلاك المبانى والمصارف إن لم تكن على حساب الحكومة فلا مانع من أن تؤخذ من المدين. واتقوا الله في كل ما تأتون وتذرون خاصة الربا، ولا تكن قلوبكم كقلوب اليهود. فإنكم إن اتقيتم الله حق تقواه كنتم كمن يرجو الفلاح في الدنيا والآخرة. واتقوا النار التي أعدت للذين يبتعدون عن الله ولا يمتثلون أمره، لا سيما هذا الداء الوبيل فإنه من أكبر الكبائر حتى كأن صاحبه في عداد الكافرين. وانظر يا أخى كيف نفّر القرآن من الربا وأكد ذلك بأربعة تأكيدات: اتقوا الله، اتقوا النار، أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وفي هذا كله فلاح وبعد عن النار ورحمة وأى رحمة؟

стр. 280

ثم ثنى بالوعد والترغيب بعد الوعيد والترهيب فقال: وبادر بعمل الطاعات كالبر والصدقة والبعد عن الآثام كالربا وغيره، وبادروا إلى مغفرة من ربكم وإلى جنة أعدت للعاملين جنة واسعة فسيحة عرضها كعرض السماء والأرض معا وهذا بيان لأقصى ما يتصوره الخيال وتمثيل لعظمتها وكبرها وخص العرض لأنه أقل من الطول. هذه الجنة أعدت للمتقين، الذين أخذوا الوقاية لأنفسهم من عذاب الله بالعمل الصالح وها هي ذي أوصافهم: ١- المنفقون في السراء والضراء في الشدة والرخاء في كل حال وعلى كل وضع ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة ٢٨٦] وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [الطلاق ٧] . فانظر إلى المؤمنين كيف يبذلون لله ويعطون الفقراء من غير عوض؟ والمرابين الذين يستنزفون دماء المحتاجين ويخربون بيوت المدينين ويأكلون مال الغير بغير حق بل وبمنتهى الظلم والقسوة. ٢- وهم الذين يكتمون غيظهم ويملكون أنفسهم عند الغضب فلا يعتدون على الغير خاصة إذا كانوا في قوة ومنعة. ٣- وهم الذين يتجاوزون عن ذنوب الناس فلا حقد ولا ألم في نفوسهم بل يعفون عن طيب خاطر وطواعية. ٤- وهناك صفة أعلى إذ هم مع كظم الغيظ والعفو عن الناس يحسنون إليهم ولذلك أحبهم الله ووصفهم بالإحسان والله يحب المحسنين. روى أن جارية لعلى بن الحسين- رضى الله عنهما- جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة: فسقط الإبريق من يدها، فشجه، فرفع رأسه فقالت: إن الله يقول: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ فقال: قد كظمت غيظي. فقالت: وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال: قد عفوت عنك. قالت: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله. ٥- وهم الذين إذا فعلوا ذنبا كبيرا يتعدى ضرره إلى الغير كالزنا والربا والسرقة

стр. 281

والغيبة مثلا، أو فعلوا ذنبا صغيرا لا يتعداهم إلى غيرهم ذكروا عقاب الله وما أعده للطائعين والعاصين فيرجعون ويتوبون إليه، أو ذكروا الله وجلاله وجماله ونعمه وفضله فاحتقروا أنفسهم إذ فعلوا ما يغضب الله، وهؤلاء لا يلبثون أن يتوبوا سريعا ويقلعوا عن ذنبهم إلى غير رجعة- ومن يغفر الذنوب الكبيرة والصغيرة إلا الله؟ الذي وسعت رحمته كل شيء وكتب على نفسه الرحمة لمن يرجع إليه- وهؤلاء هم الذين إذا ذكروا الله استغفروا لذنوبهم وتابوا عن جرمهم وانصرف عنهم طائف الشيطان، ووجدوا نفس الرحمن، ومن كان كذلك لا يصر على الذنب فيفعله مرة ثانية، أولئك الموصوفون بما ذكر البعيدون في درجات الكمال الروحي والتوفيق الإلهى، جزاؤهم مغفرة من الله ورضوان من ربهم، وجنات تجرى من تحتها الأنهار لهم فيها نعيم مقيم وهم فيها خالدون، ونعم أجر العاملين الذين يعملون لأنفسهم ولغيرهم. سنة الله في الخلق والعاقبة للمتقين [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٧ الى ١٤١] قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١)

стр. 282

المناسبة: كان الكلام في وقعة بدر وأحد وما حصل للمؤمنين فيهما وموقف الكفار وصفتهم مع بيان صفة المؤمنين وجزائهم. ثم بعد هذا ذكر القرآن سنة الله في الخلق وأن ما حصل كان موافقا للسنة مع بيان الحكمة فيما وقع. المعنى: انظروا أيها المسلمون فأنتم أولى بالنظر والاعتبار، انظروا إلى من تقدمكم من الأمم، سيروا في الأرض حتى تقفوا على أخبار الماضين فستجدون أن لله طريقا واحدا لا يختلف: سُنَّةَ اللَّهِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا «١» فإن أنتم أيها المسلمون سرتم سير الطائعين الموفقين، وصلتم إلى ما وصلوا إليه حتما، وإن سرتم سير العصاة المكذبين كانت عاقبتكم خسرا، وفي هذا تنبيه لمن خالف النبي ﷺ يوم أحد. فكأنهم انتصروا يوم بدر لسلوكهم سبيل الطائعين المتوكلين على الله وهزموا يوم أحد لأنهم تنازعوا ففشلوا وخالفوا أمر الرسول ولم يصبروا ولم يتقوا كما أمروا، ففي الآية الكريمة سبيل الأمن والخوف، وفي طيها الوعد والوعيد، والقرآن الكريم يشير في جملته إلى أن مشيئة الله تسير على نظم ثابتة قد ربطت فيها الأسباب بالمسببات وإن يكن الله قادرا على كل شيء، ففي الحرب أو الزرع أو التجارة مثلا إذا سار فيها صاحبها على الطرق المألوفة والنظم المحكمة نجح وإن كان شريرا مجوسيا. وإن جانب المألوف وركب رأسه واتبع غير المعقول كان من الخاسرين ولو كان شريفا علويّا، وأحق الناس بالسير على المعقول والاستفادة بهدى القرآن هم المؤمنون في كل ما يأتون ويذرون والسير في الأرض ومشاهدة الآثار أثبت في معرفة الأخبار من التاريخ ورواية الأخبار «فما راء كمن سمعا» . كل إنسان له عقل يفكر به يعرف أن لله سنة في الكون لا تختلف عند جميع الناس في كل العصور مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم والله يهدى من يحب إلى صراط مستقيم.

стр. 283

فبيان سنن الكون للناس جميعا، وإن كون ما ذكر هداية وعظة فهو خاص بالمتقين لأنهم المنتفعون بهدى القرآن ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ «١» ولذا قال الله: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. وإذا كان المؤمنون هم المنتفعين بما ذكر يجب ألا يضعفوا لما أصابهم من مس السلاح عند القتال وما يلزمه من التدبير، ولا يحزنوا على من قتل منهم في أحد فهو شهيد مكرم عند الله يوم القيامة، وما وقع ليس نصرا للمشركين ولكنه درس شديد للمسلمين، ولذا ورد عن النبي ﷺ : «لو خيرت بين الهزيمة والنصر يوم أحد لاخترت الهزيمة» لما في تلك الغزوة من التربية لكم على تحمل المشاق وبيان أن خروجكم على نبيكم ومخالفة أمره خروج على سنة الله في أسباب الظفر فلا تعودوا لمثله أبدا!! وكيف تهنون وتحزنون والحال أنكم الأعلون بمقتضى سنة الله في جعل العاقبة للمتقين؟ ألا تعلمون أن قتلاهم في النار وقتلاكم في الجنة؟! والمراد بالنهى عن الوهن والحزن النهى عن الاستسلام إلى ذلك، بمعنى التأهب والاستعداد مع العزيمة الصادقة والتوكل على الله والوثوق بالنصر، فإن الله وعد بذلك إن كنتم مؤمنين فاعملوا بهذا. وكيف تضعفون ولا تعلمون حقيقة ما أصابكم من الألم، فأنتم إن أصابكم ألم في أحد فقد أصاب الكفار ألم أكثر منه في بدر، وإن هزمتم في أحد فقد انتصرتم في بدر. فيوم لنا ويوم علينا ... ويوما نساء ويوما نسرّ والأيام دول، والحرب سجال، وتلك الأيام نداولها بين الناس فنجعل للباطل دولة في يوم، وللحق دولة في أيام، والعاقبة والنصر في النهاية للمتقين الصابرين كل ذلك ليستقر العدل ويعم النظام ويعلم الناس أن الدنيا إن سلك طريق النجاح والفوز.. فعل الله ما فعل مع المؤمنين لحكم يعلمها وليتحقق إيمان المؤمنين ويظهر واضحا، ولذا قال النبي ﷺ بعد موقعة أحد: «لا يذهب معنا في القتال (غزوة حمراء الأسد) إلا من قاتل» فذهب المؤمنون وهم في أشد التعب والنصب. لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا هذه العبارة وأمثالها تفيد تحقيق الإيمان وحصوله في الخارج حتى يحصل علم الله به، فإذا علم الله إيمان فلان كان لا بد أن يكون إيمانه

стр. 284

حاصلا في الواقع، إذ علم الله لا بد أن يكون مطابقا للواقع، وعلى ذلك فالمعنى: فعل الله بكم ذلك لحكم هو يعلمها وليتحقق إيمان المؤمنين ويظهر. وليكرم الله أناسا منكم بالشهادة والقتل في سبيل الله والاستشهاد درجة عظيمة سيأتى بيانها فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ (سورة النساء ٦٩) وهذه الشهادة لا يعطيها الله إلا لمن أحبه واصطفاه والله لا يحب الظالمين أبدا. وليمحص الله الذين آمنوا، فهذه الحوادث العنيفة التي ترج المجتمع تمحص الإيمان الخالص من الإيمان المشوب بالضعف والاستكانة حتى تصفو النفوس فلا يبقى فيها درن. وكثير من الناس مصابون بداء الغرور الديني فهم يفهمون في أنفسهم أنهم كاملوا الإيمان حتى إذا ما محصوا بالابتلاء قلّ الديانون وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ففي غزوة أحد تخلف البعض وفر البعض. وصعدوا في الجبل لا يلوون على أحد، وثبت البعض حول النبي ﷺ حتى قتل، واتخذ البعض نفسه ترسا واقيا للنبي ﷺ رضى الله عن الجميع ووفقنا حتى نقتدي بهم. ومن الحكم العالية محق الكافرين فإنهم إذا ظفروا مرة طغوا وبغوا فيكون هلاكهم مرة واحدة، وإذا هزموا كما في بدر، تقلمت أظفارهم وأصابهم الضعف والهلاك شيئا فشيئا حتى يبادروا، والعاقبة للمتقين. دروس لمن شهد غزوة أحد [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٢ الى ١٥١] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)

стр. 285

المفردات: وَلَمَّا بمعنى (لم) إلا أن مدخولها متوقع الحصول، فالمراد نفى الجهاد في الماضي وتوقعه في المستقبل. الجهاد: احتمال المشقة ومكافحة الشدائد. تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ المراد: تمنى الشهادة في سبيل الله. تَلْقَوْهُ: تشاهدوا هوله وتروا خطره. انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ انقلب على عقبيه ونكص على عقبيه: رجع وراءه، والمراد: رجعتم كفارا بعد إيمانكم. مُؤَجَّلًا: ذا أجل، وهو المدة المضروبة للشيء. كَأَيِّنْ: كلمة تفيد الكثرة. رِبِّيُّونَ: جماعات كثيرة واحدهم ربّىّ وهو الجماعة. اسْتَكانُوا الاستكانة: الاستسلام والخضوع لأن صاحبها يستكين للخصم. إِسْرافَنا: مجاوزة الحد في كل شيء. الرُّعْبَ: شدة الخوف. سُلْطاناً: برهانا وحجة، ولما فيهما من القوة على دفع الباطل سمى سلطانا. مَثْوَى المثوى: المكان الذي يكون مقر الإنسان ومأواه. يبين الله في هذه الآيات أن الثواب في الآخرة منوط بالجهاد والصبر، كما أن الفوز في الدنيا منوط بإقامة العدل وسلوك الطرق المألوفة، فسنة الله لا تختلف، وقد ذكر مع هذا عتابا لبعض من شهد أحدا. المعنى: لا ينبغي لكم أن تظنوا بالله الظنون وتصابوا بداء الغرور فتفهموا أن دخول الجنة لا يكون من غير جهاد في الله وصبر على البأساء والضراء وحين البأس «لا» ... إن دخول الجنة لا يكون إلا بالجهاد الكامل لإعلاء كلمة الله ورفع راية الوطن، وإنما يكون بجهاد العدو وجهاد النفس خاصة في الشباب، وجهاد حب المال عند البذل في الأعمال العامة النافعة وغير ذلك. وتمكن الصبر في أنفسكم تمام التمكن على أداء التكاليف وعلى الطاعة وعلى البلاء والحوادث.
следующие страницы →