← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

المفردات: بِمُنْشَرِينَ: بمبعوثين، يقال: نشر الله الموتى وأنشرهم: إذا بعثهم تُبَّعٍ يقول القرطبي نقلا عن السبيلى: تبع اسم لكل ملك من ملوك اليمن والشحر وحضر موت- والظاهر أن الله- سبحانه- يتكلم عن واحد منهم كان معروفا عند العرب- يَوْمَ الْفَصْلِ: هو يوم القيامة، وسمى بذلك لأنه يفصل فيه بين الناس مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم مَوْلًى المولى: يطلق على السيد وعلى العبد، وعلى ابن العم وعلى الناصر والقريب والصديق الزَّقُّومِ: شجرة الزقوم هي الشجرة الملعونة التي أنبتها الله في قعر جهنم الْأَثِيمِ: صاحب الإثم كَالْمُهْلِ المهل: هو عكر الزيت والقطران ومذاب النحاس أو غيره من المعادن الْحَمِيمِ: الماء الساخن.

стр. 2207

فَاعْتِلُوهُ: جرّوه وسوقوه بشدة وعنف. سَواءِ الْجَحِيمِ: وسط الجحيم تَمْتَرُونَ: تشكون. الكلام من أول السورة مع مشركي مكة وقد تخلله ذكر قصة فرعون وقد ظهر فيها إصرارهم على الكفر والعناد، وكيف كانت عاقبتهم؟ ليبين لكفار مكة أنهم يشبهون قوم فرعون في إصرارهم على الكفر وأن عاقبتهم ستكون مثلهم. وبعد ذلك عاد إلى الكلام الأول الذي يدور حول نقاش المشركين في معتقداتهم بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ. ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ. المعنى: إن هؤلاء- والإشارة للتحقير- أى: كفار مكة ليقولون: إن هي إلا موتتنا الأولى، وما نحن بمبعوثين، كان يقال لهم: إنكم ستموتون موتة يعقبها حياة كما تقدمتكم موتة أعقبها حياتكم هذه رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فقالوا ردا على هذا: نسلم لكم أن لنا موتة تعقبها حياة لكن المراد بها الأولى فقط وهي حياتنا هذه بعد موتنا في ظهور آبائنا، أما الموتة التي بعد انقضاء الأجل فليس بعدها حياة. وما نحن بعدها بمبعوثين في حياة أخرى فكأنهم قالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا. ثم إنهم احتجوا على عدم البعث ونفى الحشر والنشر فقالوا: إن كان هذا حقا فأحيوا لنا من مات من آبائنا لنسأله عن دعواكم هذه، تلك شبهة واهية لم يعن القرآن بردها، وإنما أشار إشارة خفية إلى أن هؤلاء الناس قوم مغرورون بدنياهم وما هم فيه فضرب لهم الأمثال بقوم تبع ومن هم أشد منهم قوة وأكثر جمعا ومن هم أشد في إثارة الأرض وعمارتهم، لأن هذا الغرور يمنعهم من التفكير السليم فيما وراء الحياة الدنيا. أهم خير وأشد قوة ومنعة أم قوم تبع في اليمن؟ بلاد الزرع والضرع والقوة والمنعة، هؤلاء أهلكناهم لما طغوا وبغوا وكفروا برسلهم، ومثلهم قوم عاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وقوم فرعون ذي الأوتاد أين هؤلاء منهم؟ فاحذروا يا آل مكة عاقبة كعاقبة هؤلاء أو أشد!! وكيف ينكرون البعث والآيات كلها شاهدة بذلك، وهذه السماء والأرض وهذا الكون كله شاهد عدل على وجود إله حكيم عليم قوى خبير عادل

стр. 2208

في حكمه ما خلق هذا الخلق عبثا، ويستحيل أن يتركه هملا بل لا بد من يوم يحاسب فيه كل إنسان على ما قدم، ويثاب عن عمله، وخالق هذا الكون يستحيل عليه أن يسوى بين الظالم والمظلوم، والمؤمن والكافر والطائع والعاصي، بل لا بد من يوم الفصل، وليس الأمر بالهزل، وهذه الدنيا المحفوفة بالمكاره، القصيرة الأجل، الكثيرة الألم هي دار عمل، وليست دار جزاء وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا «١» ما خلقناهم إلا متلبسين بالحق، وما خلقناهم إلا لإظهار الحق وإثابة كل عاص وطائع لأن هذا من أقوى دعائم الحق، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وهذا هو الكلام على يوم الفصل وما فيه، وبدأ بالكلام على الأهوال التي يصادفها العصاة والكفار لعلهم يرتدعون. إن يوم الفصل ميقات الناس جميعا، وإن يوم الفصل والقضاء بالعدل بين المسيء والمحسن والطائع والعاصي حتى يكون فريق في الجنة وفريق في السعير لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ «٢» . وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ «٣» فهذا هو يوم الفصل، يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا. يوم لا ينفع فيه ابن والده ولا يجزى والد عن ولده، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا صديق حميم وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ «٤» إلا من رحمة الله تعالى بالعفو عنه وقبول الشفاعة فيه لا يمنع من العذاب إلا من ﵀ إنه هو العزيز الرحيم لمن أراد رحمته. إن الشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم وهي طعام الآثمين العصاة وهي شجرة تنبت في قعر جهنم، فإذا جاع أهل جهنم التجأوا إليها فأكلوا منها، فيغلي الأكل في بطونهم كما يغلى الماء الحار، وهذا الأكل كالمهل، وهو يغلى في البطون كغلي الحميم، ثم يقال لزبانية جهنم: خذوه فجروه جرّا بعنف وشدة، خذوه فجروه إلى وسط جهنم ثم صبروا فوق رأسه عذابا وهو الحميم، ويقال للكافر حينئذ: ذق هذا إنك أنت العزيز الكريم، يقال له هذا تقريعا وتوبيخا على ما كان يزعمه وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً «٥» ثم يقال لهم: إن هذا العذاب وما أنتم فيه الآن هو ما كنتم فيه تمترون وتشكون!!

стр. 2209

هؤلاء هم المتقون يوم القيامة [سورة الدخان (٤٤) : الآيات ٥١ الى ٥٩] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩) المفردات: مَقامٍ: مكان، والمقام: المكان سُندُسٍ السندس: ما رق من الديباج وَإِسْتَبْرَقٍ: ما غلظ منه بِحُورٍ الحور: هو البياض، والحور: جمع حوراء وهي المرأة البيضاء التي يرى ساقها من وراء ثيابها، وقيل: الحور: شدة بياض العين في شدة سوادها عِينٍ: جمع عيناء، وهي الواسعة العظيمة العينين يَسَّرْناهُ: سهلناه بلغتك فَارْتَقِبْ: انتظر. لما ذكر مستقر الكافرين ونهايتهم ذكر نزل المؤمنين وما أعد لهم، ثم ختم السورة بالكلام على القرآن كما بدأها به ليعلم الكل أن الخير في اتباعه مع سهولة ويسر، وأن الشر في اجتنابه والبعد عنه.

стр. 2210

المعنى: إن المتقين في مقام أمين، يأمنون فيه على أنفسهم من كل شر فهم آمنون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وكفاهم سلامة وأمنا في جوار العزيز الرحمن، وهم مع إخوانهم متقابلون متسامرون، قد نزع الله ما في قلوبهم من غل وحسد فهم دائما متقابلون. الأمر كذلك، أو كما أدخلناهم الجنة وفعلنا بهم ما تقدم ذكره كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم حورا عينا، كأنهن الياقوت والمرجان، حور مقصورات في الخيام، لم يطمثهن قبلهم إنس ولا جان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! يدعون الخدم في الجنة ويطلبون منهم كل فاكهة آمنين من كل أذى أو مكروه، وهم في الجنة خالدون، لا يذوقون فيها الموت أبدا، لكن الموتة الأولى قد ذاقوها في الدنيا، وأعطاهم ربك ما عرفت ووقاهم عذاب الجحيم الذي يصلى به كل فاجر أثيم، فعل ذلك بهم ربك تفضلا منه وإحسانا عليهم، ذلك الجزاء هو الفوز العظيم لا غير، وذلك فضل الله وتوفيقه يؤتيه من يشاء، وهذا الكتاب المبين الذي أنزل في ليلة مباركة شأنه شأن الكتب التي تأتى مع الرسل رحمة بالعباد، فيا محمد ذكر بالكتاب المبين قومك فإنا سهلنا عليك تلاوته وتبليغه إليهم إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ «١» . وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ «٢» . ذكرهم به واقرأه عليهم لعلهم يتذكرون ويتعظون، فإن لم يتعظوا ولم يؤمنوا فارتقب هلاكهم وارتقب نصرك الذي وعدناك إنهم مرتقبون، وتوكل على العزيز الرحيم، فالله معك وناصرك وعاصمك من الناس، وهو على كل قدير.

стр. 2211

سورة الجاثية مكية على الصحيح. وهي سبع وثلاثون آية. وهي كأخواتها من السور المكية، في الكلام على التوحيد وإثبات البعث والنبوة وغير ذلك مما يفتح القلوب الغلف، وتمتاز هذه السورة بأنها اتجهت نحو بيان آيات الله الكونية كدليل على قدرة الله ووحدانيته وإمكان البعث، وتصديق أن القرآن كلام الله. تلك بعض آياته الدالة عليه [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) المفردات: وَما يَبُثُّ: ينشر ويفرق رِزْقٍ: مطر هو سبب في الرزق تَصْرِيفِ الرِّياحِ: تقليبها وتحويلها.

стр. 2212

المعنى: حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم لا من عند غيره إذ لو كان من عند غيره ثم نسبه إليه جل شأنه لخسف به وبداره الأرض لأنه هو العزيز الغالب الذي لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [سورة الحاقة الآيات ٤٤- ٤٧] . وكيف يكون من غيره؟ وهو في منتهى الحكمة والضبط ونهاية الإعجاز وبلوغ القصد في كل نواحيه، فهو حقا من حكيم عليم، ولا يمكن أن يكون من إنسان أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [سورة النساء آية ٨٢] تلك دلائل دالة على أن هذا القرآن تنزيله من الله العزيز الحكيم. إن في عالم السماء وعالم الأرض لآيات دالة على وجود الله وأنه متصف بكل كمال ومنزه عن كل نقص، وأنه سبحانه هو الواحد القهار، وتلك آيات ينتفع بها المؤمنون وإن كانت لكل الناس أجمعين هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ. [البقرة ١٨٥] وإن في خلقكم أيها الناس من تراب ثم من نطفة قذرة فعلقة فمضغة إلى أن صار الواحد إنسانا حيا كاملا، وفي خلق ما يبثه الله في الأرض وينشره من دابة تدب على الأرض لآيات وشواهد صدق على وجود الله ووحدانيته، ولكن لقوم يوقنون. وإن في اختلاف الليل والنهار بالطول والقصر، وتعدد مشارق الشمس ومنازلها واختلاف الفصول بسبب خطوط العرض والطول، وفي اختلاف الليل والنهار بحلول كل مكان الآخر، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها بالنبات الأخضر اليانع، والثمر المختلف الأنواع والألوان والأشكال، وتصريف للرياح وتقليبها من حارة إلى باردة، من شمالية إلى جنوبية، أليس كل ذلك آيات ناطقة على وجود الله وقدرته ووحدانيته؟! ولكن لقوم يعقلون. ولعل سائلا يسأل ويقول: ما بال القرآن الكريم قال أولا: آيات لقوم يؤمنون، ثم لقوم يوقنون، ثم لقوم يعقلون؟ وهل لهذا حكمة أم لا؟

стр. 2213

بلا شك هذا الاختلاف لحكم إلهية، لحكم عالية تدل على الكثير، ولقد تعرض لهذا كثير من فطاحل العلماء، ولعل المناسب أن نقول كما في حاشية زادة على تفسير البيضاوي بتصرف: دلالة السموات والأرض على وجود الصانع والإيمان به ظاهرة واضحة. وأدق منها وأعلى مرتبة خلق الإنسان وتحوله من حال إلى حال، وخلق الحيوان الذي لا يعلم جنسه وعدده إلا خالقه، والنظر في هذا يحتاج إلى عمق في التفكير ودقة في البحث وشمول في الملاحظة، عند ذلك يحصل الناظر على مرتبة أعلى وهي مرتبة اليقين آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وأدق من هاتين النظر في الليل والنهار وحلول أحدهما مكان الآخر بانتظام واختلافهما بالطول والقصر، والنظر في المطر الذي ينزل من السحاب كيف يتكون؟ وكيف ينزل؟ وما يترتب على نزوله من حياة الإنسان والحيوان، وحياتهما حياة للأرض الميتة، وهذه الرياح المتقلبة التي تأتى تارة بالحرارة وتارة بالبرودة، ومرة شمالية وأخرى جنوبية أو غربية، من الذي صرف هذا كله؟ ومن الذي سخر هذا كله وكيف ذلك؟ لا شك أن النظر إلى هذا، والوقوف على سره العجيب لا يتأتى إلا لمن كان له قلب يعقل، وعين تبصر، وأولئك هم الذين يعقلون ولذا قال: آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. تلك آيات الله الكونية، وآياته القرآنية نتلوها عليك يا رسول الله بالحق لا شك فيها ولا لبس ولا تغير، بل هي آيات بينات وحجج واضحات، وما يعقلها إلا العالمون، وأما أنتم يا أهل مكة فبأى حديث بعد هذا الحديث الذي أنزل الله وبأية آية بعد هذه الآيات تؤمنون؟!! الويل لكل أفاك أثيم [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٧ الى ١١] وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)

стр. 2214

المفردات: أَفَّاكٍ الأفاك: الكذاب، من الإفك. وهو الكذب مُسْتَكْبِراً: متعاظما مُهِينٌ: من الإهانة، أى: عذاب مخز مذل رِجْزٍ الرجز: أشد أنواع العذاب، وقيل: هو القذر كالرجس. وهذا هو الوعيد الشديد لمن ظهرت له الآيات ظهورا تاما ومع هذا كفر وكذب على الله. المعنى: الويل والثبور، والهلاك الشديد- وقيل: الويل واد في جهنم- لكل أفاك أثيم، أى: كذاب كثير الآثام مبالغ في اقترافها مع الإصرار عليها، وهذا الأفاك الأثيم له حالتان الأولى: أنه يسمع آيات الله الدالة على وحدانيته وقدرته دلالة واضحة أظهر من الشمس في رابعة النهار، هذه الآيات تتلى عليه ثم يصر «١» مستكبرا كأنه لم يسمعها. يا عجبا لهذا!! يسمع آيات الله ثم يصر على التعاظم عليها والكفر بها كأنه لم يسمعها، ومن كان كذلك فبشره بعذاب مؤلم غاية الألم. روى أنها نزلت في النظر بن الحارث: كان يشترى أحاديث الأعاجم ويؤجر القيان ويدعو الناس إلى الاستماع والتمتع ليصرفهم عن استماع القرآن ، وفي الواقع الآية تشمل كل كافر بالله والقرآن.

стр. 2215

الحالة الثانية: أن ينتقل من مقام الإصرار على التكذيب والاستكبار إلى مقام الاستهزاء بالآيات فقد روى أن أبا جهل حين سمع قوله تعالى: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ [سورة الدخان الآيتان ٤٣، ٤٤] قال: الزقوم زبد وتمر، وحين سمع أن جهنم عليهم تسعة عشر قال: إنى ألقاهم وحدي. وإذا علم من آياتنا شيئا، وعلم أنه منها بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلها، ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه. أولئك- والإشارة إلى كل أفاك أثيم مصر على الكفر مستهزىء بآيات الله- لهم عذاب ذو إهانة تتكافأ مع استكبارهم واستهزائهم، فالجزاء من جنس العمل، ومن ورائهم «١» جهنم، ولا يغنى عنهم ما كسبوا شيئا من الأموال والأولاد فتلك مواقف لا ينفع فيها مال ولا بنون، بل يفر المرء فيها من أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. ولا يغنى عنهم ما اتخذوهم أولياء من دون الله كالأصنام وسائر المعبودات الباطلة، ولهم في جهنم عذاب عظيم لا يعرف قدره أحد من الخلق. يا قوم هو القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، هذا هو القرآن يهدى للطريقة التي هي أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات، وأما الذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب مؤلم للغاية، عذاب من أشد أنواع العذاب وأقساها. فيا ويلكم أيها الكفار! ويلكم أيها الأفاكون والآثمون، وسلام على عباده الذين اصطفى والحمد لله رب العالمين. من فضل الله علينا [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١٢ الى ١٥] اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)

стр. 2216

المعنى: الله- صاحب الفضل على الخلائق. ورب النعم على العباد، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، فهو الذي سخر لكم البحر وذلله بأن جعل فيه الاستعداد لأن تجرى الفلك فيه بأمره، فهو الذي خلق فيه قوة الضغط وجعله سائلا تجرى على صفحته السفن، وأرسل الرياح تدفعها إلى حيث يريد الإنسان، كل هذا لتبتغوا من فضل الله بالتجارة والانتقال من مكان إلى آخر، ولعلكم مع هذا تشكرون ربكم الذي أنعم عليكم ولا تكفرون. وهو الذي سخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه، وها هو ذا الإنسان بما أودع فيه من قوة العقل والتفكير استخدم الطبيعة في أغراضه وسخرها لمنافعه وأصبح يشارك السمك في الماء والطير في الهواء والأصداف في قاع البحار، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون، وينظرون. قل يا محمد للذين آمنوا بربهم، واهتدوا بنوره السماوي، قل لهم: يغفروا للذين لا يرجون لقاء الله يوم القيامة، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، يغفر لهم سيئاتهم ليجزيهم الله على ذلك أحسن الجزاء، وليجزي قوما أساءوا غيرهم بلا ذنب ولا جريرة إلا أنهم يقولون ربنا الله ليجزيهم بما كانوا يكسبون، وعلى هذا فالذين أساءوا هم الكفار، وسيجزيهم ربك يوم القيامة، فالكل خاضع لقانون عام هو: من عمل صالحا فلنفسه بغى الخير وسيجازى على معروفه، ومن أساء وارتكب الآثام فعلى نفسه وحدها وقع الجزاء، ثم بعد ذلك إلى ربكم ترجعون فتجزون الجزاء الأوفى، إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

стр. 2217

تحذيرهم من أن يكونوا كبني إسرائيل وأمرهم باتباع شريعة القرآن [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ١٦ الى ٢٢] وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢)

стр. 2218

المفردات: وَالْحُكْمَ: الفهم والقضاء شَرِيعَةٍ الشريعة: ما يرده الناس من المياه والأنهار «١» بَصائِرُ: جمع بصيرة، والمراد الدلالة الواضحة والحجة القائمة. وهذه نعم خاصة بعد النعم العامة تتعلق ببني إسرائيل، ومع ذلك لم يشكروا بل اختلفوا في أمر الدين بعد ما جاء العلم بحقيقة الحال على سبيل البغي والحسد، فكذلك كفار قريش جاءتهم أدلة واضحة قوية ثم أصروا على الكفر وأعرضوا عداوة وحسدا وبعد ذلك أمر النبي ﷺ باتباع الشريعة الغراء ومخالفة من يتبعون أهواءهم. المعنى: لقد آتينا بنى إسرائيل الكتاب الشامل للتوراة والإنجيل والزبور، وآتيناهم الحكمة والفهم السليم، والحكم بين الناس بما أنزل الله، وآتيناهم النبوة فقد كانت النبوة فيهم إلى أن ظهر النبي ﷺ من نسل إسماعيل. وتلك نعم تتعلق بالدين، وهاك ما يتعلق بالدنيا من النعم: رزقهم ربك رزقا طيبا حلالا لا إثم فيه فأورثهم أموال فرعون وديارهم، ثم أنزل عليهم المن والسلوى، وجعل منهم الملوك والحكام، وفضلهم بهذا على عالمي زمانهم فكانوا أكبر درجة وأرفع منقبة ممن عاصرهم. أتاهم ربك ببينات في أمور دينهم ودنياهم، فكانوا على بصر وبصيرة، وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم الذي كان المفروض أن يكون سبب هداية لا سبب اختلاف، وما كان اختلافهم إلا بغيا وحسدا لا لتقصير في الحجة وضعف في البرهان. فبنو إسرائيل كانوا على بينة من أمر شريعتهم وأمر النبي ﷺ فالبشارة به وصفاته كانوا على ذكر منها، وما اختلفوا معه وكفروا به إلا من بعد ما جاءتهم حقائق النبوة الصادقة على يد محمد ﷺ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ «٢» إن ربك يقضى بينهم يوم القيامة

стр. 2219

فيما كانوا فيه يختلفون مع النبي وصحبه، وعلى هذا فصاحب النعم يجب ألا يغير بما عنده من نعم مهما كانت، بل دائما يراقب الله، ويعلم أن ما أوتى من خير فعليه شكره لا كفره. ولما بين الله- تعالى- إعراض بنى إسرائيل عن الحق لأجل البغي والحسد أمر النبي ﷺ أن يعدل عن تلك الطريقة، وأن يتمسك بالحق فقط فقال: ثم جعلناك يا محمد أنت وأمتك على شريعة من الأمر، أى: على طريق واضح، ومنهل عذب ومورد كريم، به تحيا النفوس كما تحيا الأجساد بالماء، فاتبعها فإنها شريعة الحق والعدل والخير في الدنيا والآخرة، إنها شريعة ثابتة مؤيدة بالحجة والبرهان القوى، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون، فإنهم لا حجة معهم ولكنها جهالات وأهواء ليست على أساس. إنهم لن يغنوا عنك من عذاب الله شيئا، ولن يدفعوا عنك ألما، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، أما المسلمون فالله وليهم وهو هاديهم يخرجهم من الظلمات إلى النور، وإذا كان النبي ﷺ يهدده ربه بأنه لن ينفعه أحد لو انحرف عن الشريعة فما بالنا نحن؟! هذا القرآن بصائر للناس، ففيه دلائل واضحة تبين لهم المعالم وتهديهم إلى الخير بمنزلة البصائر في القلوب التي تنير الطريق لصاحبها، وهو هدى ورحمة ولكن لقوم يوقنون. بل أحسب الذين اكتسبوا الآثام واقترفوا الذنوب أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، لا ينبغي أن يكون ذلك ولا يصح أن نسوى بينهم في شيء، أحسبوا أن نجعلهم مثل الذين آمنوا وعملوا الصالحات مستويا حياتهم ومماتهم، ألا ساء ما يحكمون! وهذا تهديد عام لكل من خرج على الدين، ولم يمتثل أمره، بأنه ليس من العدل أن يسوى بينه وبين من سار على الصراط المستقيم، والله جل شأنه خلق السموات والأرض بالحق، ولو لم يوجد دارا أخرى للثواب والعقاب لما كان خلقه السموات والأرض بالحق، فإن العالم فيها بين غنى وفقير، ومريض وصحيح، وفرح ومحزون، فلا بد إذن من حياة يثاب فيها المؤمن على إيمانه في الدنيا، فربما كان فيها فقيرا مريضا ممتحنا بالبلاء ولقد صدق الله حيث يقول: خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ «١» فلو ترك الظالم الذي ظلم غيره في الدنيا، ولم

стр. 2220

يقتص من الظالم في الحياة الأخرى لما كان خلقه السموات والأرض بالحق، وعلى ذلك فمعنى الآية: خلق الله السموات والأرض لإظهار الحق ولتجزى كل نفس بما كسبت، وهم لا يظلمون، فالمقصود من خلق السموات والأرض وما فيهما إظهار العدل والرحمة وذلك لا يتم إلا إذا حصل البعث، وكان يوم القيامة الذي يفصل فيه بين المحق والمبطل. بعض سيئاتهم وجزاؤهم عليها يوم القيامة [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٢٣ الى ٣٥] أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)

стр. 2221

المفردات: هَواهُ: ما تهواه نفسه وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ: وضع عليه الخاتم غِشاوَةً: غطاء حتى لا يبصر الدَّهْرُ: اسم لمدة وجود العالم من يوم مبدئه إلى انقضائه، ويطلق على كل مدة كثيرة، والزمان يقع على المدة القليلة والكثيرة جاثِيَةً: مستوفزة، والمستوفز: الذي لا تصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف أنامله يَنْطِقُ: يشهد ويبين نَسْتَنْسِخُ: نجعلها تنسخ وتكتب وَبَدا: ظهر وَحاقَ: أحاط بهم وحل هُزُواً: مهزوءا بها يُسْتَعْتَبُونَ: يطلب منهم العتبى. المعنى: انظر أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأضله على علم منه، وختم على سمعه وقلبه حتى لا تصل إليه موعظة، وجعل على بصره غشاوة تمنعه من الإبصار أفرأيت من هذه حاله أيهتدى «١» ؟!!

стр. 2222

والمعنى: أخبرنى عن حال من اتخذ إلهه هواه، أى: ترك متابعة الهدى وطاوع النفس والهوى حتى كأنه يعبده!! فهذه حال تدعو إلى العجب، وكان الحارث بن قيس لا يهوى شيئا إلا ركبه، والعبرة من الآية بعموم لفظها. والنفس الإنسانية دائما تدعو إلى الشر، وتهدف إلى الضار، والإنسان يهوى ما فيه حتفه، ولهذا ذم القرآن دائما اتباع الهوى في غير موضع وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ [سورة الأعراف آية ١٧٦] . بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ [سورة الروم آية ٢٩] . وعن النبي ﷺ أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به» . أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وطار وراء ما تهواه نفسه، وقد خلقه الله ضالا عالما أنه من أهلها، ولا يصلح لغيرها، وختم على سمعه وقلبه فلم يعد يدخلهما نور من الوعظ والإرشاد، وجعل ربك على بصره غشاوة مانعة من الاعتبار ورؤية الآيات.. أفرأيت هذا الموصوف بتلك الصفات الأربع! فمن يهديه من بعد إضلال الله له؟ لا أحد يقدر على ذلك. أعميتم فلا تتعظون بهذا؟ وتعلمون الخير في الابتعاد عن الهوى والرجوع إلى طريق الهدى، وهذا يقتضى من الله التوفيق والهداية، وفتح السمع والقلب وتنوير البصائر حتى يمتلئ القلب بنور الحق، والله هو الهادي إلى سواء السبيل، وهو نعم المولى ونعم النصير. وانظر إلى بعض معتقداتهم الفاسدة حيث قالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا فقط ولا حياة بعدها، ونحن نحيا فيها ونموت، ويحييا بغضنا ويموت البعض الآخر، وليس موتنا من طريق الخالق يتوفى أرواحنا بسبب ملك الموت، بل ما يهلكنا إلا الدهر فقط، فإذا طال عمرنا، وضعفت قوانا ماتت أجسادنا وحدها وصرنا إلى فناء ليس بعده حياة، وما لهم بذلك من علم يقيني، إن هم إلا يظنون ظنا لا أساس له من حجة ولا سند له من دليل، وكان المشركون أصنافا منهم من يشك في البعث، ومنهم من يجزم بعدم وجوده، وانظر إليهم، إذا تتلى عليهم آياتنا الناطقة بالحق والصادرة من رب الخلق، حالة كونها بينات واضحات تدل دلالة واضحة على قدرة الله على البعث وإحياء الموتى

стр. 2223

كما خلقهم، ما كان لهم من شبهة- وقد سماها حجة لتمسكهم بها- هي في الواقع أوهى من بيت العنكبوت، إلا أن قالوا: ائتوا بآبائنا الذين ماتوا حتى نسألهم عما تقولون، ائتو بهم إن كنتم يا أتباع محمد صادقين. وقد رد الله عليهم بقوله: قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ووجه الرد أنهم مقرون بأن الله أحياهم أولا ثم يميتهم ثانيا كما دلل على ذلك بالحجج والبراهين في غير هذا الموضع، ومن قدر على جمعهم يوم القيامة وخاصة بعد ما ثبت أن مبدأ الثواب والعقاب أمر ضروري توجيه الحكمة والعدالة الإلهية، وهذا اليوم لا ريب فيه في الواقع، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وكيف يستبعدون البعث أو يشكون فيه؟ ولله ملك السموات والأرض وحده لا شريك له يحيى ويميت، ويبدئ ويعيد. ذو العرش المجيد، فعال لما يريد، ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون منازلهم في جنات النعيم ليتمتع بها أصحابها المستحقون لها من المؤمنين. وترى يا من يتأتى منه الرؤية كل أمة باركة على الركب مستوفزة على هيئة المذنب الخائف المنتظر جزاءه، كل أمة تدعى إلى صحيفة أعمالها التي كتبتها الحفظة الكرام البررة، والتي أحصوا بها الأعمال، والمراد أن لكل فرد من أمة صحيفة. اليوم تجزون جزاء ما كنتم تعملون، ويقال لهم: هذا كتابنا ينطق عليكم نطقا بالحق الذي لا زيادة فيه ولا نقصان، ونطق الكتاب معناه شهادته عليهم بما عملوا لأنا كنا نأمر الملائكة ونطلب إليهم أن تنسخ الكتب وتكتب بالحق محصية أعمالكم بلا زيادة ولا نقصان. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى يدخلهم فيها ربهم، ذلك هو الفوز المبين الذي لا فوز وراءه. وأما الذين كفروا فيقال لهم تأنيبا وتوبيخا: ألم تكن تأتيكم رسلكم؟ أفلم تكن آيات ربكم تتلى عليكم؟ فاستكبرتم عن الإيمان بها وكنتم قوما مجرمين فالآن ادخلوا جهنم جزاء لكم ومصيرا، وإذا قيل لهم: إن وعد الله حق، وإن الساعة آتية لا ريب فيها، قلتم: نحن ما ندري ما الساعة؟ لا نظن إلا ظنا، وما نحن بمستيقنين إمكان

стр. 2224

الساعة، وحين يجمعون ليوم الفصل تظهر لهم قبائح أعمالهم، ويبدو لهم خطأ رأيهم، وأنهم كانوا على ضلال مبين، ويومها يحيق بهم جزاء ما كانوا به يستهزئون من آيات الله. وقيل لهم: اليوم ننساكم كما نسيتم أنفسكم ولم تعملوا في الدنيا لإسعادها الآن، كما أنكم نسيتم لقاء يومكم هذا، ومأواكم النار، وما لكم من ناصرين. ذلكم العذاب الشديد بسبب أنكم اتخذتم آيات الله هزوا، وغرتكم الحياة الدنيا فحسبتم أنه لا حياة غيرها. فاليوم تجزون عذاب الهون. وأنتم لا تخرجون من النار ولا يطلب منكم أن تزيلوا عتب ربكم، وترضوه لأنكم في وقت الجزاء لا في وقت العمل. ختام السورة [سورة الجاثية (٤٥) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧) هذه السورة الكريمة قد احتوت على آيات الله وآلائه، ونعمه وأفضاله، واشتملت على تعداد الآيات الكونية والبراهين الآفاقية، وأثبتت مبدأ الثواب والعقاب إلخ ما فيها من آيات بينات فلله الحمد والثناء الجميل والوصف الكريم الذي يستحقه من عباده لأنه رب السموات ورب الأرض، ورب العالمين، وله وحده جل شأنه الكبرياء والعظمة، وله كمال الذات وكمال الوجود، والتنزه عن كل نقص، والاتصاف بكل كمال، وله وحده الكبرياء التي تظهر آثارها في السموات والأرض، وهو العزيز الذي لا يغلب، القادر الذي لا يعجز، الحكيم في كل ما قضى وقدر، وأنزل ودبر. فله الحمد فاحمدوه وحده واعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وله الكبرياء فكبروه وعظموه- تبارك اسمه- وهو العزيز الحكيم فأطيعوه في كل ما أمر. ألست معى في أنه ختام للسورة رائع، وإنه لكتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.

стр. 2225

سورة الأحقاف وهي سورة مكية على الصحيح، وعدد آياتها أربع وثلاثون آية وتشتمل كغيرها من السور المكية على إثبات التوحيد ونفى الشركاء، وإثبات النبوة وصدق محمد ﷺ فيما ادعاه عن ربه، ورد شبهاتهم في القرآن والنبوة، ثم تسلية النبي ببيان موقف الأولاد من آبائهم. وضرب الأمثال للمشركين بقوم هود وغيرهم، ثم بيان انقياد الجن له حتى يطمئن النبي ﷺ ، ثم بعد ذلك أثبت المعاد والبعث، وختم السورة بالنصيحة الغالية للنبي ﷺ ولكل من يقوم بالدعوة إلى الله. إثبات الوحدانية لله ونفى الشركاء [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦)

стр. 2226

المفردات: وَأَجَلٍ مُسَمًّى المراد به: يوم القيامة. شِرْكٌ: شركة. أَوْ أَثارَةٍ أى: بقية من علم يؤثر ويروى، وفي كتب اللغة: أثر الحديث: ذكره عن غيره، ومنه حديث مأثور، وقولهم: جاء في الأثر. يَدْعُوا الدعاء: العبادة. المعنى: حم. تنزيل الكتاب- الكامل في كل شيء وهو القرآن- من الله العزيز الذي لا يغلب، الحكيم الذي يضع كل أمر في موضعه، وإذا كان الأمر كذلك فآمنوا بالقرآن على أنه من عند الله، وصدقوا بكل ما فيه، وآمنوا بأن محمدا نبي من عند الله وصادق في كل ما يدعيه من توحيد خالص، وإثبات للبعث والجزاء، ودعوة إلى الخلق الكامل والمثل العليا. ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما من أصناف الخلق التي لا يعلمها إلا خالقها ما خلقنا هما في حال من الأحوال إلا في حال ملتبسة بالحق والحكمة والغرض الصحيح فلم تخلق هذه الدنيا العريضة عبثا، وليس من المعقول أبدا أن يترك هذا الخلق بلا حياة ثانية يجازى فيها المحسن على إحسانه، ويعاقب فيها المسيء على إساءته، إذ ليست الدنيا دار جزاء بل هي دار عمل، والله خلق السموات والأرض بالحق والحكمة، ومن الحق والعدل ومن مقتضيات الحكمة أن تكون هناك دار للجزاء وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الجاثية ٢٢] . وما خلقهما ربك إلا بالحق وبتقدير أجل مسمى عنده وهو يوم القيامة، والحال أن الذين كفروا عما أنذروا به من هول ذلك اليوم وشدائده، الذي لا بد من الانتهاء إليه، والذين كفروا عما أنذروا به معرضون لا يؤمنون به ولا يهتمون ولا يعملون لأجله.

стр. 2227

قل لهم يا محمد: أرأيتم ما تدعونهم من دون الله من الأصنام والأوثان والآلهة الكاذبة أرونى ما الذي خلقوه من أى نوع من الأنواع في الأرض «١» ؟!!. بل ألهم شركاء في السموات مع الله؟! لم يكن لهم شركاء في السماء، ولم يخلقوا شيئا مما في الأرض على اتساعها فكيف تعبدونهم من دون الله؟! أمعكم دليل عقلي واحد على خلقهم لشيء أو لشركتهم مع الله في شيء؟ الجواب: لا وإذا لم يكن دليل عقلي، فهاتوا دليلا نقليا أو ائتوني بكتاب أنزل من قبل هذا القرآن الذي يدعو إلى التوحيد الخالص من كل شوائب الشرك، ائتوني بكتاب من قبل القرآن نزل مؤيدا لما تدعون من وجود الشركاء لله أو ائتوني ببقية من علم أثر وروى لكم، يؤيد ما تذهبون إليه، إن كنتم صادقين! وهذا تحد سافر لهم مبطل لدعواهم الشركة مع الله. وهل هناك أحد أكثر ضلالا ممن يدعو من دون الله مالا يسمع ولا يبصر ولا يستجيب لدعواه؟ لا أحد أضل منكم يا من تدعون وتعبدون حجرا لا يسمع ولا يبصر ولا يستجيب لكم إلى يوم القيامة وهم- أى: الآلهة- عن دعاء الكفرة غافلون فلا يسمعون ولا يجيبون، لأنهم إن كانوا حجارة فهم لا يسمعون، وإن كانوا عقلاء كعيسى مثلا فهم مشغولون عنهم لا يلتفتون إلى باطلهم. لا أحد أكثر ضلالا من عبدة الأصنام حيث يتركون السميع البصير المجيب القادر على تحصيل كل بغية وطلب، ويدعون من دونه الجماد الذي لا يستجيب، ولا قدرة له على الاستجابة، ما دامت الدنيا وإلى أن تقوم القيامة، وإذا قامت القيامة وحشر الناس وبدا الصبح لذي عينين، وتفرد الواحد الأحد وقال: لمن الملك اليوم؟ فأجيب: لله الواحد القاهر! إذا حشر الناس كان الأصنام ومن عبد من دون الله أعداء للمشركين، وكانوا بعبادتهم كافرين وجاحدين، وتبرأوا منهم، ولكل منهم يومئذ شأن يغنيه، وتبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام.

стр. 2228

شبهاتهم في نبوة محمد ﷺ وصدق القرآن [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٧ الى ١٤] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)

стр. 2229

المفردات: بَيِّناتٍ: واضحات كالشمس. لِلْحَقِّ أى: لأجل الحق. أَمْ المراد: بل أيقولون. افْتَراهُ: اختلقه من عنده. تُفِيضُونَ: تأخذون فيه وتندفعون إليه كاندفاع السيل. بِدْعاً البدع: الأول وقرئ بدعا جمع بدعة، وشيء بدع أى: مبتدع ليس له مثال. إِفْكٌ قَدِيمٌ أى: كذب قديم. إِماماً: يقتدى به. بعد أن عاب عليهم اتخاذ شركاء لله وعبادة الأوثان، أراد أن يبين شبههم الواهية في أن القرآن من عند محمد وليس من عند الله، وفي صدق محمد فيما يدعيه. المعنى: وإذا تتلى على المشركين آياتنا البينات، ومعجزاتنا الواضحات التي هي أوضح من الشمس وأقوى من فعل السحر قالوا لأجل الآيات التي هي الحق من عند الله: هذا سحر بين ظاهر فإنها تعمل عمل السحر، وتفرق بين المرء وما يحبه ويهواه، وتخلق من المسلم رجلا آخر، لما يروا هذا يقولون: إن محمدا ساحر، وما يأتيه سحر مبين. أم يقولون افترى القرآن؟ «١» أى: بل أيقولون افتراه واختلقه من عند نفسه ونسبه إلى الله؟ وهذه شبهة ثانية، كأنه قيل: دع هذا واسمع قولهم الذي ينكره كل عاقل، قولهم العجيب الذي يدعو إلى العجب العجاب فإن افتراء محمد للقرآن، مع تحديه لكم أن تأتوا بمثله مجتمعين، ثم أنتم تعجزون عن ذلك، إن قدرة محمد على اختلاق القرآن وحده فرضا مع عجزكم عنه لدليل على أن هذه القدرة من عند الله، ومعجزة لمحمد ﷺ وتصديق من الله له، والعزيز الحكيم لا يصدق الكاذب! قل لهم يا محمد: إن افتريته على سبيل الفرض عاجلني الله بالعقوبة على الكذب وأنتم لا تقدرون على كفه، ومنعى من وقوع العذاب على فكيف أفتريه وأتعرض لعقاب لا يملك أحد شيئا يمنعني به من عذاب الله؟!

стр. 2230

ربكم أعلم بما تفيضون فيه وتندفعون إليه من القدح في وحى الله والطعن في آياته وتسميتها تارة سحرا وطورا افتراء وكذبا، كفى به شهيدا يشهد بيني وبينكم حيث يشهد لي بالصدق والبلاغ، وعليكم بالتكذيب والجحود، وهو الغفور الرحيم لمن تاب وأناب ورجع إلى الله. وما لكم تكذبونني في دعوى الرسالة عن الله، وتكفرون بما جئت به من التوحيد وإثبات البعث؟ هل أنا وحدي في ذلك؟ هل أنا أول رسول أرسل للبشر؟ لا. ما كنت بدعا من الرسل، ولم أكن أولهم بل سبقني إبراهيم وموسى وعيسى- عليهم جميعا الصلاة والسلام-. ولست أدرى ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا فالأمر مفوض إليه، وإن كان وعد المؤمنين بالنصر والخير وأوعد الكافرين بالخذلان والشر. ومن أصدق من الله حديثا؟! أما في الآخرة فالله قد أكد بأن أولياءه لا خوف عليهم فيها ولا هم يحزنون ... وكانوا يطلبون من النبي آيات للتعجيز، فيقول الله لهم على لسان رسوله: إن أتبع إلا ما يوحى إلىّ، وما أنا إلا نذير. إن علىّ إلا البلاغ وعلى الله وحده الحساب. قل لهم: أرأيتم- أخبرونى- إن كان هذا القرآن من عند الله وليس معجزا ولا مختلقا كما تزعمون والحال أنكم كفرتم به، وشهد شاهد من بنى إسرائيل، أى: رجل منصف بعيد عن الشبهة عارف بالتوراة ملم بها فليس المراد به شخصا بعينه كعبد الله بن سلام أو موسى- ﵇ كما قال بعضهم، وشهد رجل من بنى إسرائيل على مثل الذي في القرآن من الدعوة إلى التوحيد وإثبات البعث والحث على الخير فآمن هذا الرجل واستكبرتم أنتم عن الإيمان وكفرتم بالقرآن. أخبرونى ماذا أنتم فاعلون! أرأيتم حالكم إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ... إلخ فقد ظلمتم أنفسكم «١» ألستم ظالمين؟ والله لا يهدى القوم الظالمين. وهناك حكاية أخرى لبعض مفترياتهم: وقال الذين كفروا لأجل الذين آمنوا وفي شأنهم: لو كان هذا الدين حقّا والقرآن خيرا ما سبقنا إليه الضعفاء والفقراء والعبيد

стр. 2231

ورعاة الشاء من أمثال صهيب وبلال، وبعض قبائل جهينة ومزينة وغفار. وما علموا أن الله يهدى من يشاء ويضل من يشاء ممن يستحق ذلك، وإذا لم يهتدوا بعد هذا بالقرآن ظهر عنادهم، فليس لهم حجة في عدم الاهتداء، فسيقولون: هذا إفك قديم. وكيف ذلك؟ ومن قبله كتاب موسى وهو التوراة حالة كونه إماما يقتدى به في دعوة الناس إلى التوحيد والحكم بكتاب الله والحث على الفضائل، وحالة كونه أنزل رحمة للناس، وهذا القرآن مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه، وهو يهدى للتي هي أقوم حالة كونه لسانا عربيا مبينا نزل بلسان قريش ليفهموه ويتدبروه وإنما يتذكر أولو الألباب. أنزله ربك لينذر به الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم بالشرك، وهو هدى وبشرى للمحسنين فكيف يقولون بعد هذا: إن هذا القرآن إفك قديم؟ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا على الطريقة المثلى وساروا عليها مخلصين مؤمنين فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أولئك هم أصحاب الجنة خالدين فيها وذلك الجزاء بما كانوا يعملون، والله ذو الفضل العظيم.. الإنسان بين خالقه ووالديه [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ١٥ الى ٢٠] وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)

стр. 2232

المفردات: وَوَصَّيْنَا التوصية: الأمر المقترن بالوعظ والإشعار بأن المأمور به محل اعتناء. كُرْهاً الكره: المشقة. فِصالُهُ: فطامه، وهو الرضاع المنتهى بالفطام ولذا عبر بالفصال عن الرضاع. بَلَغَ أَشُدَّهُ: كمل عقله ورأيه واشتد ساعده. أَوْزِعْنِي: رغبني ووفقني إليه حتى أكون راغبا فيه. أُفٍّ: هو صوت يظهر عند الضجر. أُخْرَجَ المراد: أبعث من القبر خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي: مضت القرون. يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ يطلبان الغوث من الله. وَيْلَكَ الويل: دعاء بالثبور والهلاك، أو هو واد في جهنم. أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ جمع أسطورة، والمراد أباطيلهم التي سطورها في الكتب. دَرَجاتٌ المراد: منازل، فإن كانت في العلو فهي درجات، وإن كانت في الانخفاض فهي دركات. هذه الآيات الكريمة سيقت لبيان جانب من جوانب نعم الله على الإنسان وفضله عليه حيث تعهده في الصغر، ووضع في قلب والديه- وخاصة الأم- غريزة حبه والعطف عليه حتى يكتمل، وبعد بلوغ عقله وكماله كان منه من وفق إلى الخير واهتدى ورد

стр. 2233

بعض الجميل إلى أهله، ومنه من ضل وبغى ولم يرع لحق حرمة بل كفر وأنكر رغم إلحاح والديه عليه وإرشاد هما له، ولكل درجات فانظر- وفقك الله تعالى إلى الخير- مكانك في الناحيتين. على أن وضع الوصية بالوالدين هنا دليل على أنها من أصول الإسلام. المعنى: ووصينا الإنسان بوالديه أن يحسن لهما إحسانا، وألزمناه إحسانا إليهما فهما أحق الناس به، والأمر بالإحسان إليهما محل اعتناء من الله، فكان وصية لا أمرا إذ هما قد توليا إيجاده ظاهرا، والله تولى خلقه خفية وباطنا، والأم أحق بذلك من الأب فهي حملته على كره وتعب، ووضعته بمشقة وألم، ومدة حمله وفطامه ثلاثون شهرا، وقد مضى أن مدة الرضاع لمن أراد إتمامه سنتان وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ بقيت مدة الحمل وهي ستة أشهر ولحظتان، وهذه أقل مدة يمكن نسبة الولد فيها إلى أبيه، إن أقل الحمل ذلك، وأما أكثره فلم ينص عليه القرآن، والفقهاء قالوا: أقصاه سنتان، وقيل: أربع، والغالب أن مدة الحمل حول تسعة أشهر. ومدة الحمل والرضاع ثلاثون شهرا والولد فيها حمل على أمه، فبطنها وعاء له، وثديها سقاء له، وهي فوق ذلك تسهر وتتعب، وتشقى ليسعد، فمن باب الذوق ورد الجميل الإحسان إلى الوالدين وخاصة الأم. فإذا عاش الرضيع ودرج كما يدرج الصبيان، وأيفع مع الشبان، حتى إذا بلغ أشده واستحكم عقله واستوت قوته، وبلغ أربعين سنة. قال: رب أوزعنى ووفقني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علىّ وعلى والدي حيث وضعت في قلوبهما العطف علىّ، وخلقتني بسببهما على أتم صورة ورعيتنى في الصغر وربيتني وحفظتني وأنعمت علىّ نعما لا تحصى، ويظهر- والله أعلم- أن قول الإنسان هذا عند بلوغ الأشد واكتمال العقل وبلوغ الأربعين، قوله هذا من حيث هو إنسان فقط بقطع النظر عن الإرشادات والتعاليم التي تأتى على ألسنة الزمان. وتجعل الطفل عند البلوغ أو الاحتلام مكلفا بكل فروع الشريعة إذ طلب الإنسان من ربه أن يوفقه إلى العمل وأن يهديه إلى الشكر ورد الجميل ليس موقوفا على بلوغ الأربعين وكمال الرشد.

стр. 2234

رب اهدني إلى شكرك حيث أنعمت على وعلى والدي نعما لا تحصى، واهدني إلى صالح الأعمال، واجعل الصلاح والتقوى ساريا في ذريتي راسخا في أبنائى لأنى تبت إليك وأنبت، وإنى من المسلمين القانتين فاغفر لي ووفقني يا أكرم الأكرمين. أولئك- والإشارة للتعظيم- الذين نتقبل عنهم أحسن أعمالهم، وكلها بسبب كمال الإخلاص من أحسن الأعمال، ونتجاوز عما فرط من سيئاتهم، وعدهم ربك بذلك وعدا هو الصدق بعينه، الذي كانوا يوعدون به على ألسنة الرسل، أما الصنف الثاني الذي لم يرع في الله حقا، ولم يرع لوالديه حرمة، ورد الجميل بالقبيح، وجازى الحسنة بالسيئة فهذا والداه وهما كما عرفت تعبا وسهرا لراحته وصنعاه حتى اكتمل، وأشارا عليه بما فيه خيره وسعادته ومع هذا ما زاده ذلك كله إلا استكبارا وعنادا وكفرا وجحودا.. انظر إليه وهو يقول: والذي قال لوالديه حينما أشارا عليه بالإسلام والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر قال لهما: أف لكما أتعداننى بالبعث وأنى سأخرج من القبر للحساب، والحال أنه قد خلت القرون من قبلي ومضت آلاف السنين ولم نر أحدا بعث، يريد بهذا إنكار البعث. وهما يستغيثان بالله من أفعاله، ويلجئان إلى الله أن يرشده ويهديه، ويقولون له: ويلك وهلاكك آمن مع المؤمنين، وليس مرادهم الدعاء بالويل والثبور، بل هما يحثانه على الإيمان والدخول فيه بسرعة، لأن وعد الله حق، وقد وعد المؤمنين بالثواب، والكافرين بالعقاب. فيقول بعد هذا: ما هذا الذي تقولانه إلا أساطير الأولين وأباطيلهم! انظر يا رعاك الله: الوالدان يحبان أولادهما حبا غريزيا، وهما ينصحانهم بما هو خير لهم، وقد نصحوا بالإيمان الكامل، ولكن إذا كان الابن غير موفق لم يرع لهما حرمة، ولم يقدس لهما رأيا، ولهذا لا تأس يا محمد على كفر من كفر من قومك. أولئك- والإشارة للتحقير- الذين حقت عليهم كلمة ربك بالعذاب وهي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ حالة كونهم في عداد أمم قد مضت من قبلهم من الجن والإنس، لأنهم كانوا خاسرين. ولكل من الفريقين: فريق المؤمنين، وفريق الكافرين، درجات معلومة بسبب أعمالهم التي عملوها، فريق في الجنة له درجات عليا، وفريق في السعير له دركات

стр. 2235

سفلى، وقد فعل ربك ذلك ليوفيهم جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وهم لا يظلمون شيئا بنقص ثواب وزيادة عقاب. واذكر يوم يعرض الذين كفروا على النار، ويعذبون بها غدوّا وعشيّا، ويقال لهم تأنيبا وتوبيخا: أنتم أذهبتم طيباتكم وملذاتكم في الحياة الدنيا، واستنفدتم حقكم فيها وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ فاليوم تجزون عذاب الهون والهوان، العذاب الذي جعل للمستكبرين المتغطرسين ليذل تلك الأنوف التي طالما شمخت بغير حق، ويخضع تلك الرءوس التي طالما تعالت في سبيل الشيطان، كل ذلك بسبب ما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق، وانظر إلى قوله: تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ نعم وهل يكون التكبر والتعالي إلا في الأرض وبالمادة الحقيرة! وبسبب ما كنتم تفسقون كان جزاؤكم ... وإذا نظرنا إلى قوله تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها وقد وضعت للنعى على الكفار الذين يعذبون بالنار مع قوله: «واستمتعتم بها» أمكننا أن نفهم أن هناك فرقا بين هذه الآية وبين قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [سورة المائدة آية ٧٨] . قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف ٣٢] . إذ الآية التي نحن بصددها تشير إلى أن الكفار تمتعوا بطيباتهم وملذاتهم واتبعوا شهواتهم وأفنوا شبابهم في الإثم والفسوق والعصيان والاعتداء وتجاوز الحدود، أما الآيات الأخرى فهي تبيح للمسلم أن يتمتع بطيبات الرزق مع عدم الاعتداء وتجاوز الحد في أى ناحية سواء كانت اقتصادية أم خلقية أم دينية، أقول هذا لأنى رأيت كثيرا من المفسرين ذكروا قصصا تفيد أن الإسلام يحارب التمتع بالرزق الحلال مستندين إلى ظاهر هذه الآية والله أعلم بكتابه. قصة نبي الله هود مع قومه عاد [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢١ الى ٢٨] وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)

стр. 2236

المفردات: أَخا عادٍ عاد: قبيلة، وأخوهم هود من أشرافهم. بِالْأَحْقافِ: ما استطال من الرمل العظيم واعوج ولم يبلغ أن يكون جبلا، وهي رمال باليمن كانت تسكنها قبائل عاد. خَلَتِ: مضت. لِتَأْفِكَنا: لتصرفنا عن عبادة الآلهة،

стр. 2237

يقال: أفك يأفك أفكا بمعنى صرف وقلب عن الشيء، والإفك: الكذب. عارِضاً العارض: السحاب الذي يعترض في الأفق. تُدَمِّرُ: تهلك، والتدمير: الهلاك كالدمار. وَصَرَّفْنَا الْآياتِ: بيناها لهم. فَلَوْلا نَصَرَهُمُ: هلا نصرهم. قُرْباناً القربان: كل ما يتقرب به إلى الله من طاعة. إِفْكُهُمْ أى: كذبهم، وقرئ أفكهم أى: صرفهم. هذه القصة تذكر أهل مكة بقوم هود، وما حل بهم، وقد كانوا أشد منهم قوة وأكثر جمعا فلما كفروا أرسل الله عليهم جنده فأبادهم، فهل من مدكر؟!! المعنى: واذكر يا محمد لأهل مكة هودا أخا عاد إذ أنذر قومه، وقد كانوا يسكنون الأحقاف فقال لهم: لا تعبدوا إلا الله الذي خلقكم ورزقكم لأنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم هوله، وأعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبله، والذين سيبعثون بعده كلهم ينذرون قومهم بهذا الإنذار وهو ألا يعبدوا إلا الله. فماذا كان قولهم إزاء هذا؟ «١» قالوا: أجئتنا يا هود لتأفكنا عن آلهتنا وتصرفنا عن عبادتها، وقد عبدها آباؤنا ومن هم خير منك؟! وإذا أصررت على دعوتك وما تقوله لنا من إنذار فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. قال لهم: إنما العلم عند الله، فهو وحده الذي يعلم متى يأتى العذاب، وإنما أنا رسول فقط لا علم لي بشيء، وظيفتي البلاغ، أبلغكم ما أرسلت به إليكم، ولكني أراكم قوما تجهلون الحقائق العامة. ظلوا على هذا الحال، ودام عنادهم حتى حقت عليهم الكلمة وحل بهم ما استعجلوه وأنكروه، فلما رأوه حالة كونه معترضا بين السماء والأرض يملأ الأفق يتهادى

стр. 2238

كالسحاب المملوء، ماء، وهو في الواقع عذاب شديد، لما رأوه عارضا يستقبل أوديتهم، قالوا فرحين: هذا عارض ممطرنا، بل- إضراب انتقالي- هو ما استعجلتم به وما هو؟ قيل: ريح فيها عذاب مؤلم للغاية، هذه الريح تدمر كل شيء أتت عليه وتهلكه، تدمره بإذن ربها وأمره، وهو على كل شيء قدير. جاءتهم الريح وأرسلها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما لا خير فيها- فترى القوم بعدها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، فهل ترى لهم من باقية؟ فأصبحوا بعد هذا لا يرى من آثارهم إلا مساكنهم فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [سورة النمل آية ٥٢] مثل ذلك الجزاء الصارم نجزى القوم المجرمين فاحذروا يا آل مكة ما يحل بكم. وكانت عاد قد أمدها الله بأنعام وبنين، وجنات وعيون، وكانوا يبنون بكل ريع «١» آية يعبثون، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون، ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه، وأمدهم ربك بما ترى، وجعل لهم سمعا وأبصارا وقلوبا، ولكنهم لم يستعملوها فيما خلقت من أجله، ولم يغن عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء لأنهم كانوا بآيات الله ومظاهر الكون التي تدل على وجود الله واتصافه بكل كمال، كانوا بها يكفرون، وحاق بهم حينئذ ما كانوا به يستهزئون. يا آل مكة لقد أهلكنا ما حولكم من القرى- كحجر ثمود وقرى قوم لوط وغيرها- وكانت أخبارهم ظاهرة عندهم، وآثارهم يمرون عليها بالليل وبالنهار أفلا تعقلون؟! لقد أهلكنا ما حولكم من القرى بعد أن صرفنا لهم الآيات وبيناها لعلهم يرجعون، فهل تتذكرون بذلك وتتعظون؟! فهلا نصرهم عند نزول العذاب بهم الذين اتخذوهم من دون الله آلهة. بل في الشدائد ضلت عنهم الآلهة، وغابت فلم تعرفهم لأنها أصنام لا تحس، وذلك كذبهم الذي كانوا به يتشدقون، وهذا جزاء ما كانوا به يفترون على الله.

стр. 2239

إيمان الجن بالنبي ﷺ [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٢٩ الى ٣٢] وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢) المفردات: صَرَفْنا: أملناهم ووجهناهم. نَفَراً النفر: الجماعة دون العشرة، وأصل النفر يطلق على الجماعة التي تنفر إلى العدو أَنْصِتُوا: اسمعوا بأدب له. قُضِيَ: انتهى. وَلَّوْا: رجعوا. هذا تأنيب للمشركين الذين لا يسمعون لهذا القرآن، وهم أعلم الخلق به لأنه بلغتهم، وعلى لسان رجل منهم يعرفون عنه كل شيء، تأنيب لهم حيث آمن بالقرآن الجن وهم على غير لغته ومن غير جنس صاحبه، في حين كفر به المشركون: وبهذا تشتد عزيمة النبي، وتقوى روحه، وماذا يبغى النبي بعد ذلك والجن يؤمنون به حين ينكر بعض الإنس رسالته؟

стр. 2240

المعنى: من الحقائق الثابتة في كتب التاريخ والسيرة أن النبي ﷺ بعد موت خديجة وموت أبى طالب الذي كان درعه الواقي، وبعد أن أسرفت قريش في إيذائه، خرج إلى الطائف موطن قبائل ثقيف لعله يجد فيهم الناصر والذائد عنه، ولكنهم ردوه ردّا غير جميل، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع الناس وألجئوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فرجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، بعد أن أدموا رجليه واختضبت نعلاه بالدم. وهكذا الأنبياء والمرسلون والمصلحون دائما يلقون العنت والمشقة من بنى وطنهم ولما عاد ﷺ من الطائف بعد أن لقى من ثقيف وغلمانها ما لقى، واتجه إلى الله في تضرع وخشوع قائلا: «اللهم إنى أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، لمن تكلني؟! إلى عبد يتجهمني- يلقاني بالغلظة والشدة- أو إلى عدو ملكته أمرى! إن لم يكن بك غضب علىّ فلا أبالى. ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك أو يحل على سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» . وكان النبي ﷺ نازلا في موضع يسمى (نخلة) من ضواحي مكة، وبينا هو يصلى في جوف الليل يقرأ القرآن، ويناجى صاحب الملك والجبروت إذ صرف الله إليه سبعة من أشراف الجن، فاستمعوا إليه، وهو يقرأ، ولم يشعر بهم ساعة نزولهم عليه وانصرافهم إلى قومهم، ونزل قوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ (الآية) نزلت تطييبا لخاطره، وشدّا لعزيمته وتقوية لروحه، وبرهانا دامغا لأولئك المشركين الضالين، وبعد ذلك ازداد يقينه بالإسراء والمعراج إلى الملأ الأعلى، ولا شك أن فيها ترفيها روحيا وسموا نفسيا واتصالا ولقاء وتسلية وعزاء. واذكر يا محمد لقومك وقت أن صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروا القرآن وأنت تتلوه، قالوا لبعضهم: أنصتوا أدبا لهذا الحديث الذي ما سمعنا مثله أبدا، فلما قضى وانتهى النبي منه، رجعوا إلى قومهم منذرين يقولون: إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد فآمنا به، ولن نشرك بربنا أحدا، وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا، وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا، يا قومنا: إنا سمعنا كتابا

стр. 2241

أنزل من بعد موسى حالة كونه مصدقا لما بين يديه، فالتوراة والإنجيل والقرآن والزبور وكل كتاب من السماء يدعو إلى التوحيد ويقرر مبدأ النبوة والبعث، وهذا الكتاب الذي سمعنا جزءا منه يهدى إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم يا قومنا: أجيبوا داعي الله، أى: هذا النبي المبعوث خاتم الأنبياء، وآمنوا به، إن تؤمنوا به يغفر لكم بعض ذنوبكم، ويجركم من عذاب أليم. ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجزه في أرضه وتحت سمائه، ولن يفلت منه بحال وليس له من دون الله أولياء تلى أموره، وتدفع عنه السوء، أولئك الذين لم يجيبوا في ضلال مبين، وأى ضلال أضل من هذا؟! من دلائل البعث [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) المفردات: يَعْيَ يقال: عيى يعيى بأمره: إذا لم يهتد لوجهه، والمراد يعجز ويضعف. بَلى: نعم هو قادر على إحياء الموتى، والفرق بين (بلى) ونعم أن (بلى) جواب للنفي بإبطاله وتقرير نقيضه كما هنا، أما (نعم) فهي لتقرير ما قبلها.

стр. 2242

المعنى: ألم يتفكروا ولم يعلموا أن الله الذي خلق السموات والأرض بالحق، والحال أنه لم يعي بخلقهن، ولم يتعب لذلك أصلا، ولم يتحير فيه أبدا. ألم يعلموا أن الله قادر «١» على أن يحيى الموتى؟! نعم هو قادر على ذلك، بل هو أهون عليه، إذ هو على كل شيء قدير. ويقال للذين كفروا يوم يعرضون على النار ويعذبون بها، يقال لهم توبيخا وتهكما: أليس هذا العذاب الذي ترونه وتلمسونه حقّا لا شك فيه؟ قالوا: بلى وربنا إنه لحق وعدل. قال الله لهم مشافهة أو على لسان الملائكة: إذا كان الأمر كذلك فذوقوا العذاب بسبب ما كنتم تكفرون. ختام السورة [سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٣٥] فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥) المفردات: أُولُوا الْعَزْمِ: أصحاب الثبات والصبر على الشدائد. لما تقررت المبادئ الهامة في الدين الإسلامى، وهي التوحيد وإثبات النبوة والبعث يوم القيامة، ورد القرآن الشبهات، وضرب الأمثال بما يقوى العزائم، ويوهن حجج

стр. 2243

المعاندين ويبين مآلهم يوم القيامة أردف ذلك بأمر النبي ﷺ بالصبر والثبات واحتمال الأذى. المعنى: إذا كان الأمر كما علمت فاصبر يا محمد كما صبر إخوانك من المرسلين، اصبر على أذى المشركين، إنا كفيناك المستهزئين، وعصمناك من كيد الظالمين، فاصبر على أذاهم الذي لا يتجاوز الماديات، وقو عزيمتك حتى يتكسر عليها باطلهم الضعيف وعنادهم الأعرج، وتذكر قول الله: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [سورة البقرة آية ٢١٤] . اصبر على البأساء فهكذا إخوانك المرسلون يبتليهم الله ويختبرهم لتقوى نفوسهم وتصفو أرواحهم حتى تتحمل الرسالة، ولا تستعجل لقومك عذابهم، فإنه آت لا محالة وكل آت قريب، كأنهم يوم يرون ما يوعدون من العذاب يوم القيامة لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة يسيرة من النهار، كأنهم حين يشاهدون العذاب الشديد وطول مدته يرون أنهم لم يلبثوا إلا مدة من الزمن يسيرة. هذا الذي وعظتم به أيها الناس كفاية في الموعظة وبلاغ كامل للناس فهل يهلك بعد ذلك إلا القوم الفاسقون، القوم الخارجون عن الاتعاظ والطاعة؟!!

стр. 2244

سورة محمد ﷺ وتسمى سورة القتال، وهي سورة مدنية، وقيل: كلها مدني إلا آية وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ وعدد آياتها تسع وثلاثون آية، وهذه السورة تشتمل على بيان أحوال الكفار والمؤمنين في الدنيا والآخرة، وعنيت بالتقابل بينهم، وذكر فيها كثير من أحكام القتال. أحوال الكافرين والمؤمنين [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) المفردات: صَدُّوا: أعرضوا ومنعوا غيرهم. أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ: أحبطها وأبطلها. بالَهُمْ البال: الحال. قال الراغب: البال: الحال التي يكترث بها، ولذلك يقال: ما باليت بكذا.

стр. 2245

المعنى: هكذا خلق الله الخلق، وجعلهم فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، فريق اتبع الباطل من نفسه وهواه، وآخر اتبع الحق من ربه ومولاه، فالذين كفروا بالله ورسوله، وأعرضوا عن النور الذي أنزله على رسوله، وصدوا غيرهم عن سبيل الله الذي هو سبيل العدل والكرامة، هؤلاء أضل الله أعمالهم وأبطلها، وجعلها ضائعة لا أثر لها ولا خير فيها. والمراد بالذين كفروا المطمعون يوم بدر، وهم أبو جهل والحارث بن هشام، وعتبة ابن ربيعة وأخوه شيبة، وأبى بن خلف وأخوه أمية وغيرهم من صناديد المشركين، وكانت لهم أعمال في الخير أضلها الله وأبطلها كسقى الحجاج، وإطعام الطعام وحماية الجار ... إلخ. والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات من الأعمال، وآمنوا بما أنزل على محمد خاصة وهو القرآن الكريم، وخص بالذكر لما له من مكانة عليا، والحق مقصور عليه لا يتعداه إلى غيره فهو الحق من ربهم، والذين آمنوا وعملوا الصالحات كفر الله عنهم سيئاتهم، وسترها بستار الإيمان وعمل الصالح من الأعمال، وأصلح حالهم في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد حتى جعلهم لا يبالون بشيء بعد إيمانهم بالله. والإضلال الخاص بالكافرين، والإصلاح الخاص بالمؤمنين، كل ذلك بسبب أن الذين كفروا اتبعوا الباطل الذي لا حق فيه ولا خير، وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم. مثل ذلك الضرب البديع والتبيان الرائع يبين الله لأجل الناس أحوال الفريقين ونهايتهم، هذه الأحوال والصفات التي تجرى في الغرابة مجرى الأمثال السائرة.
следующие страницы →