← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

أنزل من بعد موسى حالة كونه مصدقا لما بين يديه، فالتوراة والإنجيل والقرآن والزبور وكل كتاب من السماء يدعو إلى التوحيد ويقرر مبدأ النبوة والبعث، وهذا الكتاب الذي سمعنا جزءا منه يهدى إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم يا قومنا: أجيبوا داعي الله، أى: هذا النبي المبعوث خاتم الأنبياء، وآمنوا به، إن تؤمنوا به يغفر لكم بعض ذنوبكم، ويجركم من عذاب أليم. ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجزه في أرضه وتحت سمائه، ولن يفلت منه بحال وليس له من دون الله أولياء تلى أموره، وتدفع عنه السوء، أولئك الذين لم يجيبوا في ضلال مبين، وأى ضلال أضل من هذا؟! من دلائل البعث [سورة الأحقاف (٤٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) المفردات: يَعْيَ يقال: عيى يعيى بأمره: إذا لم يهتد لوجهه، والمراد يعجز ويضعف. بَلى: نعم هو قادر على إحياء الموتى، والفرق بين (بلى) ونعم أن (بلى) جواب للنفي بإبطاله وتقرير نقيضه كما هنا، أما (نعم) فهي لتقرير ما قبلها.

стр. 2242

المعنى: ألم يتفكروا ولم يعلموا أن الله الذي خلق السموات والأرض بالحق، والحال أنه لم يعي بخلقهن، ولم يتعب لذلك أصلا، ولم يتحير فيه أبدا. ألم يعلموا أن الله قادر «١» على أن يحيى الموتى؟! نعم هو قادر على ذلك، بل هو أهون عليه، إذ هو على كل شيء قدير. ويقال للذين كفروا يوم يعرضون على النار ويعذبون بها، يقال لهم توبيخا وتهكما: أليس هذا العذاب الذي ترونه وتلمسونه حقّا لا شك فيه؟ قالوا: بلى وربنا إنه لحق وعدل. قال الله لهم مشافهة أو على لسان الملائكة: إذا كان الأمر كذلك فذوقوا العذاب بسبب ما كنتم تكفرون. ختام السورة [سورة الأحقاف (٤٦) : آية ٣٥] فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥) المفردات: أُولُوا الْعَزْمِ: أصحاب الثبات والصبر على الشدائد. لما تقررت المبادئ الهامة في الدين الإسلامى، وهي التوحيد وإثبات النبوة والبعث يوم القيامة، ورد القرآن الشبهات، وضرب الأمثال بما يقوى العزائم، ويوهن حجج

стр. 2243

المعاندين ويبين مآلهم يوم القيامة أردف ذلك بأمر النبي ﷺ بالصبر والثبات واحتمال الأذى. المعنى: إذا كان الأمر كما علمت فاصبر يا محمد كما صبر إخوانك من المرسلين، اصبر على أذى المشركين، إنا كفيناك المستهزئين، وعصمناك من كيد الظالمين، فاصبر على أذاهم الذي لا يتجاوز الماديات، وقو عزيمتك حتى يتكسر عليها باطلهم الضعيف وعنادهم الأعرج، وتذكر قول الله: وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [سورة البقرة آية ٢١٤] . اصبر على البأساء فهكذا إخوانك المرسلون يبتليهم الله ويختبرهم لتقوى نفوسهم وتصفو أرواحهم حتى تتحمل الرسالة، ولا تستعجل لقومك عذابهم، فإنه آت لا محالة وكل آت قريب، كأنهم يوم يرون ما يوعدون من العذاب يوم القيامة لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة يسيرة من النهار، كأنهم حين يشاهدون العذاب الشديد وطول مدته يرون أنهم لم يلبثوا إلا مدة من الزمن يسيرة. هذا الذي وعظتم به أيها الناس كفاية في الموعظة وبلاغ كامل للناس فهل يهلك بعد ذلك إلا القوم الفاسقون، القوم الخارجون عن الاتعاظ والطاعة؟!!

стр. 2244

سورة محمد ﷺ وتسمى سورة القتال، وهي سورة مدنية، وقيل: كلها مدني إلا آية وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ وعدد آياتها تسع وثلاثون آية، وهذه السورة تشتمل على بيان أحوال الكفار والمؤمنين في الدنيا والآخرة، وعنيت بالتقابل بينهم، وذكر فيها كثير من أحكام القتال. أحوال الكافرين والمؤمنين [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) المفردات: صَدُّوا: أعرضوا ومنعوا غيرهم. أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ: أحبطها وأبطلها. بالَهُمْ البال: الحال. قال الراغب: البال: الحال التي يكترث بها، ولذلك يقال: ما باليت بكذا.

стр. 2245

المعنى: هكذا خلق الله الخلق، وجعلهم فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، فريق اتبع الباطل من نفسه وهواه، وآخر اتبع الحق من ربه ومولاه، فالذين كفروا بالله ورسوله، وأعرضوا عن النور الذي أنزله على رسوله، وصدوا غيرهم عن سبيل الله الذي هو سبيل العدل والكرامة، هؤلاء أضل الله أعمالهم وأبطلها، وجعلها ضائعة لا أثر لها ولا خير فيها. والمراد بالذين كفروا المطمعون يوم بدر، وهم أبو جهل والحارث بن هشام، وعتبة ابن ربيعة وأخوه شيبة، وأبى بن خلف وأخوه أمية وغيرهم من صناديد المشركين، وكانت لهم أعمال في الخير أضلها الله وأبطلها كسقى الحجاج، وإطعام الطعام وحماية الجار ... إلخ. والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات من الأعمال، وآمنوا بما أنزل على محمد خاصة وهو القرآن الكريم، وخص بالذكر لما له من مكانة عليا، والحق مقصور عليه لا يتعداه إلى غيره فهو الحق من ربهم، والذين آمنوا وعملوا الصالحات كفر الله عنهم سيئاتهم، وسترها بستار الإيمان وعمل الصالح من الأعمال، وأصلح حالهم في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد حتى جعلهم لا يبالون بشيء بعد إيمانهم بالله. والإضلال الخاص بالكافرين، والإصلاح الخاص بالمؤمنين، كل ذلك بسبب أن الذين كفروا اتبعوا الباطل الذي لا حق فيه ولا خير، وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم. مثل ذلك الضرب البديع والتبيان الرائع يبين الله لأجل الناس أحوال الفريقين ونهايتهم، هذه الأحوال والصفات التي تجرى في الغرابة مجرى الأمثال السائرة.

стр. 2246

القرآن والقتال [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٤ الى ٩] فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩) المفردات: لَقِيتُمُ المراد: لقيتموهم في الحرب. فَضَرْبَ الرِّقابِ أى: فاضربوا الرقاب ضربا، وضرب الرقاب مجاز عن القتل. أَثْخَنْتُمُوهُمْ: أكثرتم القتل فيهم. فَشُدُّوا الْوَثاقَ الوثاق: هو الحبل الذي يوثق به الأسير كالرباط، وشده إحكام ربطه حتى لا يفلت. فَإِمَّا مَنًّا فإما تمنون منا، أى: تطلقونهم من غير فدية. وَإِمَّا فِداءً وإما تفادونهم فداء، أى: تطلقونهم في نظير فداء بعض أسراكم عند المشركين. أَوْزارَها: جمع وزر، وهو الحمل، والمراد: أثقالها وأحمالها، وهذا كناية عن انتهائها. فَتَعْساً لَهُمْ أى: هلاكا لهم وخيبة. جاء الإسلام ينشد العدالة ويدعم أسس الحق، وينشر لواء الحرية، وينادى بأن الناس أحرار في كل ما يفعلون أو يعتقدون في حدود الحرية المكفولة لهم، ولهذا كانت

стр. 2247

دعوته الناس إلى الإسلام بلا إكراه ولا قتال: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [سورة البقرة آية ٢٥٦] ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [سورة النحل آية ١٢٥] وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ [سورة ق آية ٤٥] . وجاءت آيات في القرآن تدعو إلى القتال وتحث عليه، فعلى أى وجه نفهمها؟ نعم وردت آيات القتال لتنظيم تلك الغريزة الفطرية المطبوع عليها الخلق منذ بدء الخليقة ووضع حدود ثابتة لها، وتوجيهها الوجهة الصالحة، لتكون أداة تعمير لا تخريب. فرسالة الإسلام إذا لم تحمل الناس على ظبا السيوف، ولم يعتنقها بعضهم تحت ظلال الحراب، وإنما كان طريق الإسلام دائما دعوة رقيقة وموعظة حسنة، مع دعم الرأى بالحجة والبرهان الناصع، فمن قبل الدعوة الإسلامية كان من المسلمين له ما لهم، وعليه ما عليهم، لا فضل لعربي على أعجمى إلا بالتقوى، والناس سواء، كلكم لآدم وآدم من تراب، ومن أبى الدخول في الإسلام فرضت عليه الجزية دليلا على إذعانه، وبرهانا على حسن نيته للمسلمين وتمهيدا لهدايته فعسى أن يشرح الله صدره للحق والخير ويدخل في الإسلام هو أو ابنه من بعده، ومساهمة منه في جيش الدولة التي تحميه، ومن لم يقبل الدعوة ورفض أن يدفع الجزية وجب قتاله، وليس ذلك اعتداء بل ردا لخطر لا شك في وقوعه، وتأمينا للدعوة. فالإسلام لا يطالبنا بأن نقاتل أهل الكتاب أو الوثنيين أو المجوس مثلا من غير سبب، وإنما يطالبنا بأن ندعوهم إلى الإسلام فإن تركونا أحرارا في بث الدعوة وإقامة البراهين عليها فلا نقاتلهم، وإن قاوموا الدعوة أو اعتدوا على الدعاة قاتلناهم تقريرا لمبدأ الحرية الدينية وحماية للدعوة وكفا لأذاهم، وقد طبق الإسلام هذا المبدأ مع المخالفين جميعا كتابيين ووثنيين، فكان يعرض عليهم أولا الدخول في الإسلام فإن قبلوا ذلك كانوا كالمسلمين، وإن رفضوا هذا العرض وتمسكوا بمعتقداتهم مع ترك الدعاة أحرارا وجب على المسلمين ألا يقاتلوهم أو يعترضوهم في شيء فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [سورة النساء آية ٩٠] . فإن لم يقبلوا الإسلام واعترضوا دعوته وآذوا دعاته ونقضوا عهودهم كان ذلك إعلانا منهم بالمناوأة، وهؤلاء نطالبهم بالجزية دليلا على الخضوع وكف الأذى، فإن دفعوها أصبحوا رعية للدولة الإسلامية عليها حمايتهم ورعايتهم وتأمينهم على أموالهم

стр. 2248

وأنفسهم، وكانت الجزية مقدار ما يتحملون من تكاليف الجيش الإسلامى المدافع عنهم وإن رفضوا دفع الجزية قاتلناهم حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [سورة التوبة آية ٢٩] أى: عن قوة والحال أنهم خاضعون للحكم الإسلامى. أما مشركو العرب: فقد فرق الإسلام بينهم وبين غيرهم من المشركين فكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو الحرب بينما كان يخير غيرهم في الإسلام أو الجزية أو الحرب، ولعل السبب في ذلك أنهم وقفوا من المسلمين موقفا شاذّا وعاملوهم معاملة قاسية، وعملوا جاهدين على إطفاء نور الإسلام وحاربوه حرب إبادة لا هوادة فيها وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا [البقرة ٢١٧] ولا تتحمل الجزيرة العربية دينا يعبد الله ودينا يعبد الأصنام. فكان القتال معهم منحصرة أسبابه في رد العدوان، وقطع الفتنة، وتأمين الدعوة وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [سورة البقرة آية ١٩٣] . ومن هنا نفهم معنى قول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلّا الله» فالمراد بالناس هم مشركو العرب خاصة. ونفهم إذا سر التشديد في قتال المشركين، وأنهم هم المقصودون بالذين كفروا في هذه الآية، ويكون معناها ما يأتى: إذا كان الأمر كذلك فإذا لقيتم المشركين في الحروب فاضربوا الرقاب ضربا شديدا وكثيرا، ولعل إيثار هذه العبارة على قوله: فاقتلوهم للإشارة إلى أن القتل يجب أن يكون بإطاحة الرءوس وإزاحتها عن البدن، وبقائه ملقى على صورة منكرة، وفي هذا تشجيع للمسلمين وأى تشجيع!. إذا لقيتموهم في المعركة فالواجب بذل الجهد في قتل الأعداء دون أخذهم أسرى حرب لأن ذلك يجعلنا أعزة وهم أذلة حتى إذا أثخناهم في المعركة جرحا وقتلا، وتم لنا الرجحان عليهم فعلا رجحنا الأسر المعبر عنه في هذه الآية بشد الوثاق لأنه يكون حينئذ من الرحمة الاختيارية، وتكون الحرب ضرورة تقدر بقدرها، وليس المراد بها سفك الدماء وحب الانتقام، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة التي أثخنتموهم قتلا وجرحا فيها مخيرون في أمرهم إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم أسراهم بلا مقابل، وإن شئتم

стр. 2249

فاديتموهم بمال تأخذونه منهم أو برجال أسرى عندهم، وهو ما يعبر عنه الآن بتبادل الأسرى، والظاهر- والله أعلم- أن هذه الآية نزلت بعد غزوة بدر التي عاتب الله النبي فيها على الاستكثار من الأسارى يومئذ ليأخذ منهم الفداء ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [سورة الأنفال آية ٦٧] . وعلماء الأحناف يرون أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة ٥] وعند الأكثرين أنها ليست بمنسوخة والإمام مخير بين المن على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله بعد المعركة وانتهائها فالإمام عقب المعركة مخير بين الأسر أو القتل، فإذا أسر له أن يمن أو يفادى، وليس له القتل. وعلماء الشافعية يقولون: إن الإمام مخير بين أربعة خصال، يختار الأحسن منها للإسلام والمسلمين، فله أن يقتل الأسير إن لم يسلم، أو يمن عليه بلا مقابل، أو يفاديه بمال أو بفك أسير عندهم منا، أو استرقاقه، وقد استدلوا على ذلك بأن النبي من على أبى عزة الجمحي، وعلى ثمامة بن أتاك، وفدى رجلا برجلين من المشركين، وأمر بقتل بعضهم، كالنضر بن الحارث، وعقبة بن أبى معيط، وذلك كله ثابت في كتب التاريخ والسير والسنة. وهذه الأحكام كلها جارية معهم حتى لا يكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم وعودة البشرية إلى حالة الهدوء والطمأنينة والحرية الكاملة، وهذا ما ينشده الأئمة والمصلحون، أما تحققه فهو موكول إلى الله، وهذا معنى قوله: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها «١» الأمر ذلك فاعرفوه، ولو شاء الله لانتصر لكم بإهلاكهم بعذاب من عنده لا جهاد لكم فيه، ولكن مضت سنته وشاءت قدرته أن يجعل سعادة الدنيا والآخرة للناس بأعمالهم وجهادهم، وذلك ليمحص الله الذين اتقوا ويعلم علم ظهور المنافقين من غيرهم. والذين قتلوا في سبيل الله، واستشهدوا في سبيل الدفاع عن الحق ونصرته فلن يضل أعمالهم، بل سيجازيهم عليها أحسن الجزاء: سيهديهم ويصلح حالهم «٢» ، ويدخلهم

стр. 2250

الجنة التي عرفها لهم، ووصف لهم نوع نعيمها الدائم المقيم، ثم إنه تعالى لما بين ثواب القتال، وجزاء الاستشهاد، وعدهم بالنصر في الدنيا زيادة في الحث على القتال فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ «١» على أعدائكم مهما كانوا فالله يدافع عن الذين آمنوا والله يثبت أقدامكم في الحرب، ويقوى روحكم المعنوية تقوية بها تخوضون غمار الحرب فائزين منتصرين، وقد حصل ذلك مع النبي وصحبه، والذين كفروا فتعسوا تعسا وهلكوا هلاكا وأضل الله أعمالهم، وأبطل كيدهم، ورده في نحورهم، ذلك كله بسبب أنهم كرهوا ما أنزل الله من القرآن والتوحيد والدعوة إلى مكارم الأخلاق، فكان جزاؤهم أن أحبط الله أعمالهم، ووجه كراهتهم للدين الجديد أنه جاء بتكاليف وهم قوم ألفوا الإهمال وإطلاق العنان للنفس والهوى، فلما جاء القرآن بالتكليف وترك الملذات كرهوه. المؤمنون والكافرون في الدنيا والآخرة [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١٠ الى ١٤] أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤)

стр. 2251

المفردات: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يقال: دمره الله: أهلكه، ودمر الله عليه: أهلك ما يختص به من المال والنفس، والعبارة الثانية أبلغ. مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا: ناصرهم ومتولى أمورهم. مَثْوىً لَهُمْ: محل إقامة، يقال: ثوى بالمكان: أقام به. وَكَأَيِّنْ: بمعنى كم من قرية، والمراد كثير من القرى. بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ: على حجة وبرهان، والمراد أنه يسير على هدى القرآن. المعنى: أقعدوا فلم يسيروا في الأرض فينظروا نظر اعتبار بقلوبهم كيف كان عاقبة الذين من قبلهم من الأمم التي كذبت رسلها كقوم عاد وثمود وأصحاب القرية وقوم لوط فإن آثار ديارهم تنبئ عن أخبارهم! وكأن سائلا سأل وقال: كيف كان عاقبتهم؟ فأجاب الحق- ﵎: دمر الله عليهم، وأهلك كل ما يختص بهم من النفس والمال والأهل والولد، ولم يبق إلا آثارهم الشاهدة عليهم. وللكافرين المشركين من قريش أمثال عقوبتهم، وقد قتلوا وأسروا يوم بدر بأيدى من كانوا يسومونهم سوء العذاب، هؤلاء هم الكفار، وهذا عذابهم في الدنيا، ولا غرابة في ذلك، فالله مولى الذين آمنوا ينصرهم ويهديهم ويرشدهم إلى ما فيه خيرهم، والكافرون لا مولى لهم ينصرهم من آلهتهم وشركائهم الذين عبدوهم من دون الله. وأما حالهم في الآخرة: فاعلم أن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار لهم فيها نعيم مقيم، والذين كفروا في الدنيا يتمتعون بمتاعها الفاني أياما قليلة، ويأكلون أكلا كأكل الأنعام أكلا مجردا عن التفكير والنظر إلى عواقب الأمور، فهم يأكلون غافلين عن الآخرة والحال أن النار مثوى لهم. فانظر إلى من عرفوا الدنيا على أنها خيال باطل ونعيم زائل، فتركوا الشهوات وتفرغوا لعمل الصالحات، فكانت عاقبتهم النعيم المقيم في مقام كريم، وهؤلاء الكفار

стр. 2252

غفلوا عن الآخرة، وغرتهم الدنيا بمفاخرها الكاذبة، فتمتعوا بشهواتهم، وكانت عاقبة أمرهم خسرا، وكانت النار مثوى لهم. وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك الذين أخرجوك أهلكناهم «١» بعذاب بئيس، ولم يستطيعوا الخلاص منه بأنفسهم، ولم يكن لهم ناصر ينصرهم من أوليائهم وأصنامهم «فلا ناصر لهم» وعلى ذلك فاصبر كما صبرت الرسل من قبلك: وهذا تقرير لتباين حال الفريقين المؤمنين والكافرين، وبيان لسبب الحكم على كل منهما أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ «٢» والمعنى: أيستوى الفريقان؟ فمن كان ثابتا على حجة ظاهرة، وبرهان واضح من ربه الذي تولى تربيته، وهذا البرهان وتلك الحجة هي القرآن الكريم، وسائر المعجزات والحجج العقلية الأخرى كمن يزين له الشيطان عمله السيئ من الشرك وسائر المعاصي، واتبع هواه الداعي إلى الشر من غير أن يكون له شبهة أو حجة؟! أيعقل أن يستوي هذا وذاك؟!. مثل النعيم والعذاب الأليم يوم القيامة [سورة محمد (٤٧) : آية ١٥] مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)

стр. 2253

المفردات: غَيْرِ آسِنٍ: غير متغير الرائحة لطول مكثه، وهو من أسن الماء يأسن إذا تغيرت رائحته. لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ أى: لذيذة لهم ليس فيها ما يسوؤهم. مُصَفًّى أى: خال من الشمع والقذى. حَمِيماً: ماء حارا شديد الغليان. أَمْعاءَهُمْ: جمع معى وهي ما ينتقل إليه الطعام بعد المعدة، وينتهى به إلى الشرج- فتحة الدبر- المعنى: وهذا بيان الحال فريقى المؤمنين والكافرين في الآخرة مع توضيح الجنة وما بها، والنار وما فيها، بعد بيان حالهما في الاهتداء والضلال صفة الجنة التي وعد المتقون بها، صفاتها الغريبة التي تشبه المثل ما تسمعون: فيها أنهار من ماء غير آسن، أى: غير متغير الطعم والريح واللون لطول المكث بل ماؤها عذب فرات، من شربه لا يظمأ أبدا، وفيها أنهار من لبن صابح لم يتغير طعمه بحموضة كلبن الدنيا، وفيها أنهار من خمر لذيذة لكل من يشربها لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ خمر الجنة ليس فيها حموضة ولا غضاضة، ولا مرارة، وليس في شربها ذهاب للعقل، ولا ضياع للمال، ولا صداع في الرأس بل هي خمر ليس فيها إلا اللذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، عسل خال من الشوائب والقذى حتى الشمع الذي يكون معه. وانظر إلى تعبير القرآن عن بعض الأصناف التي في الجنة وعن كثرتها بأنها أنهار، وصدق الله: ولكم فيها ما تدعون. وللمتقين في الجنة المعدة لهم من كل الثمرات أشهاها وأحسنها، ولهم فيها مغفرة من ربهم ورضوان منه أكبر من كل ذلك، وذلك هو الفوز العظيم. أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله فرآه حسنا؟! أم من هو في هذا النعيم وتلك الجنة وما فيها كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم؟! لا يستويان بحال!! يا ويل من هو في النار؟ ويلاقي عذاب الجبار، ويسقى ماء حميما شديد الغليان إلى درجة أنه يقطع الأمعاء حتى تنزل مع الطعام، انظر إلى هذا الماء الذي يعطى لهم بدل الأنهار من الماء الزلال، واللبن الصابح والخمر اللذيذة والعسل المصفى أين هذا من ذاك؟!

стр. 2254

المنافقون والمهتدون [سورة محمد (٤٧) : الآيات ١٦ الى ١٩] وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩) المفردات: آنِفاً المراد به: الساعة التي قبل الساعة التي أنت فيها، أى: ماذا قال قبيل وقتنا أو هو من استأنف الشيء إذا ابتدأه أى: ماذا قال آنفا، أى: في أول وقت يقرب منا «١» . وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ: ألهمهم ما يتقون به ربهم. بَغْتَةً: فجأة. أَشْراطُها: جمع شرط وهو العلامة. ذِكْراهُمْ: تذكرهم. مُتَقَلَّبَكُمْ: تصرفكم واشتغالكم. مَثْواكُمْ: سكونكم. وهذا بيان حال المنافقين، ومقابلتهم بالمؤمنين المهتدين، بعد بيان الكفار وتقابلهم بالمؤمنين في الدنيا والآخرة.

стр. 2255

المعنى: ومن الناس الذين حقت عليهم كلمة ربك، وصاروا من أصحاب النار قوم يستمعون إليك بآذانهم، حتى إذا خرجوا من عندك، وانتهى مجلسهم معك، قالوا للذين أوتوا العلم والفهم الصحيح: ماذا قال آنفا؟ ماذا قال في تلك الساعة القريبة؟ لم يقل شيئا يعتد به، وما قال إلا أخلاطا وأحاديث لا خير فيها. أولئك هم الذين طبع الله على قلوبهم حتى لا يفقهوا شيئا مما قلت، وختم عليها حتى لا يدخلها نورك الوضاح، فهؤلاء تركوا اتباع الحق فأمات الله قلوبهم فلم تفهم ولم تعقل فعند ذلك اتبعوا أهواءهم. ويقابل هؤلاء- والإشارة للتحقير والتوغل في الضلال- الذين اهتدوا إلى طريق الحق، وزادهم الله- هدى بالتوفيق والإلهام والعمل الصالح، وآتاهم تقواهم بأن خلق فيهم قدرة على التقوى وفعل الطاعة جازاهم على ذلك. فهؤلاء الذين طبع الله على قلوبهم فلم يسمعوا الخير ولم يهتدوا به، هل ينظرون إلا أن تأتيهم الساعة فجأة، على معنى: هؤلاء لم يتذكروا بأحوال الأمم الخالية، ولم يتعظوا بما ينزل عليهم من أنباء الساعة وأهوالها. فهم ما ينتظرون إلا إتيان الساعة نفسها بغتة. فقد جاء أشراطها وعلاماتها، وإذا كان الأمر كذلك فكيف لهم التذكر إذا جاءتهم الساعة؟ ومن أين لهم التذكر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم الساعة بغتة؟! إذا علمت ذلك فاثبت على ما أنت عليه، ودم على العلم بوحدانية الله والإيمان بالبعث، واعلم أنه لا إله إلا الله، فإن ذلك هو النافع المنجى يوم لا ينفع مال ولا بنون. واستغفر لذنبك، واستغفر للمؤمنين والمؤمنات، والله يعلم تقلبكم في الدنيا وتصرفكم فيها، ويعلم مكان استقراركم في الآخرة، وسيثيبكم على ذلك كله فإنه لا تخفى عليه خافية. أما أمر النبي بالاستغفار فقيل: لتستن به أمته وتقتدى به فإذا كان هو مأمورا بالاستغفار وهو المعصوم فكيف بنا نحن؟

стр. 2256

وقد روى مسلم عن الأغر المزني قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّه ليغان على قلبي- الغين: التغطية والستر، أى: يلبس على قلبي ويغطى- حتّى أستغفر الله في اليوم مائة مرّة» . وروى البخاري عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنى لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرّة» . ولقد عللوا ذلك بأن النبي كان يشتغل فترات من الزمن بأحوال المسلمين فيرى أنه شغل عن الحق- ﵎ فيستغفر الله لذلك، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد يكون استغفار النبي شكرا لا عن ذنب «أفلا أكون عبدا شكورا» وفي أمر النبي ﷺ بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات إكرام لهم وتشريف وتوجيه للاستغفار، فإنه وصف لازم للمؤمن والمؤمنة. المؤمنون الصادقون والمنافقون الكاذبون [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٢٠ الى ٣٢] وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢)

стр. 2257

المفردات: مُحْكَمَةٌ: لا شبهة فيها ولا غموض ولا تشابه. مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ مَرَضٌ: شك ونفاق. نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ: نظرا كنظر المحتضر الذي لا يطرف بصره. فَأَوْلى لَهُمْ: تلك عبارة تهديد ووعيد، والمراد قاربهم ما يهلكهم، على أنها مشتقة من الولي وهو القرب، أو هي مشتقة من الويل بمعنى الهلاك. عَزَمَ الْأَمْرُ: جد ووجب، والمراد بالأمر القتال.

стр. 2258

عَسَيْتُمْ: عسى للتوقع، وهي هنا من الله فتفيد التحقق. أَقْفالُها: جمع قفل. سَوَّلَ: زين لهم خطاياهم. وَأَمْلى لَهُمْ: مد لهم في الأمل ووعدهم بطول الأجل. إِسْرارَهُمْ أى: سرهم، وفي قراءة: أسرارهم على أنه جمع سر. وَأَدْبارَهُمْ المراد: ظهورهم. مَرَضٌ المرض: فتور في الجسم، ولا شك أن النفاق فتور في الإيمان، وعلى ذلك فسمى الله شكهم ونفاقهم مرضا. أَضْغانَهُمْ: أحقادهم الدفينة. بِسِيماهُمْ: بعلامتهم. فِي لَحْنِ الْقَوْلِ أى: بسببه، ولحن القول: صرف الكلام عن التصريح إلى التلويح والتعريض. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ: نعاملكم معاملة المختبر بالتكليف بالجهاد. وَشَاقُّوا الرَّسُولَ: خالفوه حتى كأنهم في شق وجانب، وهو في شق وجانب. وَسَيُحْبِطُ: سيبطل. المعنى: المؤمنون الصادقون حريصون على الجهاد، تواقون لبذل النفس والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الله، ولذلك يقولون حرصا منهم على الجهاد وثوابه: هلا أنزلت سورة يؤمر فيها بالجهاد! هؤلاء هم المؤمنون يتمنون أن تنزل سورة وفيها الأمر بالجهاد، أما المنافقون فإذا أنزلت سورة محكمة، لا شبهة فيها ولا خفاء، وذكر فيها القتال على أنه فرض واجب على المسلمين رأيت، ويا هول ما رأيت! رأيت الذين في قلوبهم مرض الشك، ينظرون إليك نظرا كنظر المحتضر الذي لا يطرف بصره، تراهم تشخص أبصارهم إليك جبنا وهلعا، أو من شدة العداوة لك، أو من خوف الفضيحة الفاضحة لهم، وما أروع تصوير القرآن لهم حيث قال: يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فأولى لهم. ثم أولى لهم «١» ! وهذا تهديد لهم ووعيد بقرب هلاكهم، وحصول الويل لهم.

стр. 2259

طاعة وقول معروف خير لهم وأولى بهم «١» وقيل المعنى: أولى بهم من النظر إليك نظر المغشى عليه من الموت طاعة وقول معروف «٢» . فإذا عزم الأمر وجد الجد، فلو صدقوا الله في نيتهم وأخلصوا العمل لكان «٣» خيرا لهم وأفضل من نفاقهم وكذبهم، فإن وبال ذلك عليهم وحدهم. فهل يتوقع منكم إن توليتم عن الحق، وأعرضتم عن القرآن أن تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وتقطعوا الأرحام؟ وهذا التوقع والاستفهام إنما يكون مع غير الله من كل إنسان يقف على أمور المنافقين، ويعرف إسرارهم على حقيقته، والتوقع من الله إنما هو إخبار عن شيء حاصل قطعا وعلى ذلك فمعنى الآية: هؤلاء المنافقون ضعاف في الدين شديد والحرص على الدنيا بشكل ظاهر، فهم جديرون بأن يتوقع منهم الإفساد لا الإصلاح وتقطيع الأرحام لا صلتها، كل إنسان عرف حالهم ويقول لهم: فهل عسيتم ... ؟ والمراد بإفسادهم وتقطيع الأرحام أنهم يعودون إلى الجاهلية الجهلاء والضلالة العمياء التي كانوا فيها، يعودون إليها بعد أن رأوا نور الهدى على يد خير الخلق، وبين سطور القرآن الكريم، فهل يفهم المسلمون الآن أنهم تولوا عن القرآن وأعرضوا عن الدين فأفسدوا في الأرض الفساد، وقطعوا وشائج الأرحام فصب عليهم ربك سوط عذاب حتى وصلوا إلى ما وصلوا، ولا حول ولا قوة إلا بالله!!! أولئك الذين لعنهم الله وأبعدهم عن رحمته، فأصمهم عن الحق فلم يسمعوه وأعمى أبصارهم عن النور فلم يروه. أفلا يتدبرون القرآن، وما فيه من مواعظ وزواجر؟ حتى لا يقعوا فيما وقعوا فيه من الموبقات؟! بل أعلى قلوب أقفالها؟ حتى لا يمكن التدبر والاتعاظ بها، وهم كذلك.

стр. 2260

إن الذين ارتدوا على أدبارهم، وكفروا بعد إيمانهم، كل ذلك من بعد ما تبين لهم الهدى، وظهر لهم الحق جليا، إن الذين وصفوا بهذا: الشيطان سول لهم وزين خطاياهم «وأملى لهم، أى: مد لهم في الأمل» ، ووعدهم بطول العمر ومد الأجل، هذا الكلام قيل: إنه في أهل الكتاب، والظاهر أنه في المنافقين، والكلام موصول فيهم لا مقطوع بدليل قوله: ذلك الارتداد والكفر بعد الإيمان بسبب أنهم قالوا: أى المنافقون الذين كرهوا ما أنزل الله، وهم بنو قريظة والنضير من يهود المدينة قالوا لهم: سنطيعكم في بعض الأمر أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ: لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ، وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً، وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ [سورة الحشر آية ١١] والله يعلم إسرارهم وإخفاءهم. فكيف حالهم؟ إذا توفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم «١» حالة كون الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم، وضرب الوجه والظهر في حالة الحرب مما يتقيه الكريم، فهم تجنبوا ذلك في الدنيا فضربوا عليها في الآخرة، وذلك كله بسبب أنهم اتبعوا ما أسخط الله من الكفر والمعاصي وكرهوا رضوانه وطاعاته، فأحبط أعمالهم، وأبطل كيدهم، بل أحسب الذين في قلوبهم مرض النفاق أن لن يخرج الله أضغانهم، ويظهر حقدهم وحسدهم المدفون؟ لا تظنوا هذا فالله عالم يعلم الغيب والشهادة، وهو العليم بذات الصدور. ولو يشاء ربك يا محمد أن تراهم وتعرفهم لعرفك إياهم، فلتعرفنهم «٢» بعلامتهم الدالة عليهم، ولتعرفنهم بسبب لحن القول وفحواه. والمعنى: إنك يا محمد لتعرفن المنافقين فيما يعرضونه عليك من القول ولحنه، فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي ﷺ إلا عرفه بقوله، واستدل بفحوى كلامه على فساد باطنه، وضعف إيمانه ونفاقه، ولا غرابة فالله يعلم أعمالكم الظاهرة والخافية.

стр. 2261

وبالله لنبلونكم ونعاملنكم معاملة المختبر بأمركم بالجهاد في سبيل الله وغيره حتى نعلم علم ظهور وانكشاف، ويعلم الكل حقيقة حالكم. إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله بالقول أو الفعل أو إذاعة السوء وتحريف الأخبار، وتحريف الكلم من بعد مواضعه، إن الذين فعلوا ذلك وشاقوا الرسول وخالفوه من بعد ما تبين لهم الهدى: فوصف النبي ﷺ عندهم ظاهر في كتبهم قبل تحريفها، وكانوا يستفتحون النبي على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، والمنافقون قوم آمنوا ثم كفروا، وخالفوا بعد ما اهتدوا، هؤلاء لن يضروا الله شيئا، وسيحبط أعمالهم، ويبطل مكرهم، ولا يثيبهم الله يوم القيامة على أعمالهم التي يظنونها خيرا. ختام السورة [سورة محمد (٤٧) : الآيات ٣٣ الى ٣٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)

стр. 2262

المفردات: فَلا تَهِنُوا أى: فلا تضعفوا. السَّلْمِ: هو السلام والمصالحة. يَتِرَكُمْ قال الزمخشري في تفسيره- على أنه من أئمة اللغة-: وحقيقته: أفردته من قريبه أو ماله من الوتر وهو الفرد، فشبه إضاعة عمل العامل وتعطيل ثوابه بوتر الواتر وهو من فصيح الكلام، وقال أبو عبيدة والمبرد: هذا اللفظ مأخوذ من: وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخذ حميم، أو سلبته ماله وذهبت به، والمراد باللفظ في الآية: لن يظلمكم، أو لن ينقصكم، أو لن يضيع عليكم شيئا من أعمالكم. لَعِبٌ وَلَهْوٌ المراد: باطل وغرور وليس فيه خير. فَيُحْفِكُمْ الإحفاء: المبالغة في الطلب. أَضْغانَكُمْ: أحقادكم. بعد بيان أحوال الكفار والمنافقين، في الدنيا والآخرة أمر المؤمنين بطاعة الله ورسوله، وحثهم على الجهاد والبذل، وكره إليهم الدنيا، وهددهم إن لم يؤمنوا أن يستبدل قوما غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم. المعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله: أطيعوا الله وأطيعوا رسوله في كل أمر ونهى فها أنتم أولاء قد رأيتم من يشاقق الرسول وعاقبته، وإياكم أن تبطلوا أعمالكم الصالحة بالمن والأذى، ولا تحبطوها بالكفر والعصيان، أو بالسمعة والرياء، أو بالشك والنفاق، أو بالعجب والتكبر فإن ذلك كله يبطل صالح الأعمال: واعلموا أن الذين كفروا بالله ورسوله، وصدوا عن سبيل الله أنفسهم وغيرهم، ثم ماتوا وهم كفار، فلن يغفر الله لهم. قيل نزلت هذه الآية في أهل القليب، وهم المشركون الذين ماتوا في غزوة بدر، وحكمها عام في من مات على الكفر. إذا علمتم وجوب الجهاد وتأكده، وأن الله مع المؤمنين بالنصر والتأييد، وأن الله أوعد الكافرين بالخذلان والهلاك. إذا علمتم ذلك فلا تهنوا في ابتغاء القوم، ولا تضعفوا، إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وأكثر. والوهن: حب الدنيا وكراهية الموت، فإياكم والوهن والخضوع للكفار وطلب الصلح إذا لقيتموهم، والحال

стр. 2263

أنكم الأعلون، فجهادكم في سبيل الله ستثابون عليه ثوابا جزيلا، وحربهم في سبيل الشيطان سيلقون به عذابا شديدا، وأنتم الأعلون فمقصدكم إعلاء كلمة الله وإحباط كيد الشيطان، والله معكم بالنصر والتأييد، والمعونة والمثوبة، ومن كان معه الله فلا يضره شيء بعد هذا، وكفاكم شرفا وفخرا وتأييدا أن الله معكم، ولن ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا، ولا تنسوا أن قتلاكم شهداء في الجنة، وقتلاهم في سعير جهنم. واعلموا أن الدنيا لعب ولهو، وزينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد، وهذا كله باطل إلا ما كان منها في عبادة الله- وطاعته، وإذا كان الأمر كذلك فيجب ألا تشغلكم الدنيا عن الآخرة والفوز بلذائذها الفاخرة، فالآخرة خير وبقي وإن تؤمنوا وتتقوا أيها الناس يؤتكم أجوركم، ولا يسألكم أموالكم كلها: إنما يسألكم قليلا من المال هو في الواقع تحصين لكم ولمالكم، وإنما أنتم في الواقع خلفاء لله في ماله، فأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، إن يسألكموها فيحفكم ويبالغ في طلبها كلها تبخلوا ولا تقرضوه قرضا حسنا تثابون عليه، ويخرج هذا أضغانكم وحبكم للمال، إذ كراهيتكم للإنفاق كراهية طبيعة. ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله، فمنكم من يبخل، ومن يبخل فإنما بخله وعاقبته على نفسه وحده، والله الغنى عن إنفاقكم، وإنما سبحانه قد ربط أسباب النجاح والفلاح بالإنفاق والجهاد في سبيل الله والله الغنى وأنتم الفقراء إليه. وإن تتولوا وتعرضوا يستبدل قوما غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم، بل يكونوا طائعين مؤمنين عاملين.

стр. 2264

سورة الفتح وهي مدنية بالإجماع. وعدد آياتها تسع وعشرون آية. ونزلت ليلا بين مكة والمدينة في شأن صلح الحديبية. خرج رسول الله ﷺ من المدينة في ذي القعدة من السنة السادسة معتمرا (زائرا للبيت) لا يريد حربا، وإنما هو مشتاق إلى رؤية بلده الحبيب، خرج ومعه حوالى ١٥٠٠ من المهاجرين والأنصار ومن دخل في الإسلام من الأعراب وساق معه الهدى- ما يهدى إلى الحرم من النعم- وأحرم بالعمرة من (ذي الحليفة) وخرج معه من نسائه أم سلمة- رضى الله عنها- ولم يكن مع رسول الله وصحبه إلا سلاح المسافر: السيوف في القرب، فلما أصبح على مرحلتين من مكة لقيه بشر بن سفيان الكعبي قائلا: يا رسول الله هذه قريش علمت بمسيرك فخرجوا ومعهم العوذ المطافيل (النوق ذات اللبن والأولاد) أى: خرجوا عازمين على طول الإقامة، وقد نزلوا بذي طوى يحلفون بالله لا تدخلها عليهم أبدا. وأخذت الرسل من قبل قريش تفاوض رسول الله وقد أرسل رسول الله في هذه الأثناء إلى قريش عثمان بن عفان يبلغهم قصد رسول الله وأنه لا يريد إلا العمرة، وفي غيبة عثمان في مكة مفاوضا أشيع أنه قتل، فدعا رسول الله ﷺ المسلمين إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت شجرة الرضوان، روى سلمة بن الأكوع- رضى الله عنه- قائلا: بايعناه وبايعه الناس على عدم الفرار، وأنه إما الفتح وإما الشهادة. علمت قريش بهذا فأرسلت سهيل بن عمرو لعقد الصلح، وقد تم ذلك وسمى صلح الحديبية، وخلاصة شروطه: أن يكف الفريقان عن الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس فلا قتال ولا اعتداء، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يرده عليه، وأن بين القوم عيبة مكفوفة، وأن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده من القبائل دخل فيه. ومن أراد أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وقد سارعت خزاعة فدخلت في عقد محمد وحالفته، وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عهد قريش وعقدهم هذا على أن المسلمين يرجعون عن مكة

стр. 2265

هذا العام فلا يدخلونها، وإذا كان العام القابل خرجت قريش من مكة ودخلها المسلمون ثلاثة أيام، معهم سلاح الراكب: السيوف في القرب. رجع المسلمون عن مكة بعد الصلح، وقد كان هذا الصلح مثار اعتراض بعض كبار المسلمين إلا أبا بكر فحينما اعترض عمر بن الخطاب على الصلح قال له: الزم غرزه (أى ركابه وسر مع النبي) يا ابن الخطاب، وقد أثبتت الأيام أنه كان فتحا جديدا ونصرا مبينا للمسلمين، ونزلت في شأنه: هذه السورة الكريمة. صلح الحديبية [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧)

стр. 2266

المفردات: فَتَحْنا الفتح: الظفر بالبلد عنوة أو صلحا بحرب أو بغيره لأنه منغلق ما لم يظفر به، فإذا ظفر به وحصل في اليد فقد فتح، مأخوذ هذا المعنى من فتح باب الدار وهذا على أن المراد فتح مكة، وقيل: هو صلح الحديبية، والمراد: أوجدنا لك سبب الفتح «١» . عَزِيزاً: ذا عز لا ذل معه، أو عزيزا أى: فريدا لا شبيه له. السَّكِينَةَ: الطمأنينة. السَّوْءِ ساءه يسوءه سوءا ومساءة: نقيض سرّه، والاسم: السوء، والمراد: الهزيمة والشر. دائِرَةُ وهي في الأصل: عبارة عن الخط المحيط بالمركز ثم استعملت في الحادثة المحيطة بالإنسان كإحاطة الدائرة بالمركز إلا أن أكثر استعمالها في الشر والمكروه والمراد: دائرة هي السوء. المعنى: يخبر الله تعالى عن نفسه بنون العظمة أنه فتح للنبي ﷺ فتحا عظيما بعقد صلح الحديبية بينه وبين المشركين بمكة، فقد كانت هذه أول مرة اعترفت فيها قريش بمحمد لا على أنه ثائر خارج، أو طريد لا يعبأ به، بل اعتبرت محمدا وصحبه قوة يحسب لها حساب، ويجب أن يعقد معها صلح، ثم إن تسليمها بحق الزيارة للمسلمين في العام القابل اعتراف صريح بأن الإسلام دين مقرر معترف به، وهذه الهدنة قد جعلت المسلمين يأمنون شر عداوة المشركين ألد أعدائهم الخطرين، ويوجهون عنايتهم لنشر دعوتهم الإسلامية في أرجاء الجزيرة العربية، ولذا نرى الرسول بعث البعوث وأوفد الرسل لكسرى والمقوقس وهرقل وأمراء الغساسنة وعمال كسرى في اليمن، وإلى نجاشى الحبشة، وفيها صفى حسابه مع اليهود وقد انتشر الإسلام بعد هذا الصلح انتشارا واسعا بسبب تلك الهدنة التي اندفع الدعاة للدين الجديد يشرحون للناس الإسلام حتى دخلوا في دين الله أفواجا، وها هو ذا محمد ﷺ يدخل مكة بعدها بعامين اثنين في عشرة آلاف مقاتل.

стр. 2267

وقد كان أشد شيء على نفوس المسلمين وخاصة أمثال عمر- رضى الله عنه- شرطا قبله النبي ﷺ وخلاصته أن من ارتد من المسلمين قبله المشركون، ومن جاء من المشركين إلى النبي ﷺ رده النبي ولم يقبله، وحجة النبي في ذلك أن من ارتد عن الإسلام فلا حاجة لنا به، ومن جاء مسلما منهم وحاول اللحاق بالمسلمين فليصبر وسيجعل الله له مخرجا. وقد أثبتت الحوادث أن هذا العهد كله- خاصة هذا الشرط الذي ظنه المسلمون مجحفا بهم- حكمة سياسية، وبعد نظر كان له أكبر الأثر في الدعوة الإسلامية. فهذا أبو بصير وقد إلى النبي مسلما ينطبق العهد عليه برده إلى قريش لأنه خرج بغير رأى مولاه، فقال له النبي حينما طلب إليه الرجوع: يا أبا بصير إنا قد أعطينا لهؤلاء عهدا ولا يصح لنا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا فانطلق إلى قومك، قال أبو بصير: أتردنى إلى المشركين يفتنونى في ديني؟! وأخيرا بعد حوار مع مرافقيه نزل في مكان على ساحل البحر الأحمر في طريق قريش إلى الشام، واجتمع معه جمع من المسلمين الفارين بدينهم، وأخذوا يقطعون على قريش سبيل تجارتهم حتى ضجوا وطلبوا من النبي بإلحاح أن يجيرهم من هؤلاء، وأن يبقيهم معه في المدينة، وسقط بذلك الشرط الذي أقلق عمر وغيره. أليس هذا فتحا مبينا فتح الله به على المسلمين، وكان فتحا مبينا، وفوزا عظيما؟! نعمه هو أعظم الفتوح فقد رضى المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراح- الراحة- ويسألوكم القضية، ويرغبوا إليكم في الأمان، ويعاملوكم معاملة الأنداد وقيل: هو فتح مكة، ولتحقق وقوعه عبر عنه الله بقوله: فتحنا. وهل الفتح علة لمغفرة الله لنبيه ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ وقد أجاب العلامة الزمخشري عن ذلك بقوله: لم يجعل علة للمغفرة فحسب، ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة، وهي المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، كأنه قيل: يسرنا لك فتح مكة- هو يرى أن الفتح لمكة- ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين والجزاء العاجل والآجل، ويجوز أن يكون الفتح من حيث هو جهاد للعدو سببا للغفران والثواب والهداية للصراط المستقيم، والنصر العظيم وما تقدم من الذنب وما تأخر المراد به: ما فرط من النبي ﷺ وهو المعصوم عن

стр. 2268

معصية ربه- من خلاف الأولى بالنسبة لمقامه فهو من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقيل: المراد ما هو ذنب في نظره العالي، وإن لم يكن في الواقع كذلك، ولعل الإضافة في قوله: (ذنبك) تشير إلى هذا المعنى، وبعض العلماء يفسر المغفرة للذنب بالستر بينه وبين صاحبه فلا يقع منه، أو بالستر بين الذنب وبين عقابه، والمعنى الأول يعامل به المعصومون من الأنبياء، والثاني يعامل به بقية البشر، ويتم نعمته عليك بإعلاء الدين وانتشاره ودخول الناس فيه أفواجا، وما أفاضه عليك ربك من نعم الدنيا والآخرة. ويريك صراطا مستقيما في تبليغ الرسالة، وينصرك الله نصرا عزيزا ذا عز، لا ذل معه، أو هو عزيز المنال فريد المثال، والنصر لا يكون إلا من عند الله، ولذا أظهر لفظ الجلالة معه. وهذا فضل الله على نبيه، أما فضل الله على المؤمنين من أصحابه فقال الله فيه: هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين، ووضع فيها الطمأنينة والثبات بعد التزعزع والاضطراب الذي جعل عمر يقول: ألسنا مسلمين؟ ألسنا على الحق؟ فعلام نعطى الدنية في ديننا؟!، ولكن الله بعد هذا أنزل الطمأنينة في قلوبهم وأثلج صدورهم ببرد اليقين، وشرحها لما رآه النبي، وصدقت الأيام رأيه كما مر، أنزل في قلوبهم السكينة ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، ويقينا على يقينهم، ولا غرابة في ذلك فلله جنود السموات والأرض، وما يعلم جنود ربك إلا هو، وكان الله عليما كامل العلم بجميع الأمور حكيما كامل الحكمة فلا يضع الشيء إلا في موضعه. دبر سبحانه ما دبر من تسليط المؤمنين على الكافرين ليعرفوا نعمة الله- تعالى- في ذلك ويشكروها فيدخلهم الجنة «١» ، ويكفر عنهم سيئاتهم، وكان ذلك عند الله فوزا عظيما وفعل ذلك أيضا ليعذب المنافقين والمنافقات لغيظهم من تمام النعمة على المسلمين، ولا شك أن ازدياد الإيمان بالعمل مما يغيظ المنافقين والمشركين، ولعل تقديم المنافقين والمنافقات على المشركين والمشركات لأنهم أكثر ضررا على المسلمين، أعنى بهم

стр. 2269

الظانين بالله ظن السوء، أى: ظن الأمر الفاسد المذموم، وهو أن الله- لا ينصر رسوله والمؤمنين. على هؤلاء وحدهم دائرة السوء، وما يتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم، ودائر عليهم، وغضب الله عليهم وطردهم من رحمته شر طردة، وأعد لهم جهنم، وساءت مصيرا، ولا عجب في ذلك فهم وإن كثروا عدة وعددا فلله جنود السموات والأرض، وكان الله عزيزا لا يغالب، حكيما في كل أفعاله، انظر إلى تذييل الآية السابقة بقوله: وكان الله عليما حكيما، وهنا: عزيزا حكيما لأن المقصود أولا التدبير التام لأمر الخلق فيناسب العلم والإحاطة، وهنا المراد تهديد المنافقين والمشركين فيناسبه العزة والغلبة. المتعاهدون مع الله ورسوله [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٨ الى ١٠] إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠) المفردات: شاهِداً: تشهد على أمتك بالبلاغ. وَتُعَزِّرُوهُ: تعظموه وتفخموه، والتعزير والتعظيم والتوقير: المنع، ومنه التعزير في الحد. وَتُوَقِّرُوهُ: من التوقير وهو التعظيم، وقيل: المراد تسودوه. يُبايِعُونَكَ المبايعة: مبادلة المال بالمال، وهم

стр. 2270

عاهدوا النبي على الثبات في محاربة الكفار، وعاهدهم النبي على ضمان الجنة لهم، فأطلق المبايعة على المعاهدة «١» التي عقدها النبي ﷺ مع المسلمين، وهي بيعة الرضوان، وكانت تحت شجرة بالحديبية- قرية بينها وبين مكة حوالى مرحلة، وهي في حدود الحرم. نَكَثَ: نقض البيعة. أَوْفى بِما عاهَدَ يقال: أوفى ووفى بالعهد: إذا أتمه. المعنى: إنا أرسلناك يا محمد شاهد صدق تبلغ الدعوة الإلهية لإنقاذ البشرية، وتبشر من اهتدى إلى الصراط المستقيم بجنة عرضها السموات والأرض، وتنذر من حاد وتردى في الهوى وسلك سبيل الغي والضلال لتنذره بجهنم ونارها التي أعدت للكافرين وإنما فعل ذلك ربكم لتؤمنوا بالله ورسوله، وتعزروه وتنصروا رسوله، وتوقروه وتعظموه، وتسبحوه وتنزهوه وتصلوا له- سبحانه- بكرة وأصيلا في الغداة والعشى، وهما طرفا النهار، وما بينهما تبع لهما، ولا شك أن نصرة رسول الله نصرة لله، والتفانى في تبليغ دعوة الله من أكبر الدواعي لرضا الله ورضا رسوله، وهذا كله يتطلب من المسلمين عقد العهود، وتأكيد المبايعة مع النبي على نصرة دينه مهما كلفهم ذلك، وقد كان ذلك، وتعاهد المسلمون وعقدوا معه بيعة الرضوان. ولما بين الله أنه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا لينقذ البشرية من جهالتها، ويرفعها من وهدتها، ومن كانت هذه منزلته عند الله يكون من بايعه في الظاهر فقد بايع الله حقيقة وفي الواقع، ومن بايع رسول الله على ألا يفر في القتال حتى ينصر الله دينه أو يستشهد في سبيل ذلك إنما كان يقصد بذلك رضا الله ورسوله وثواب جنته إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ فالرسول سفير محض بين الله وبين أوليائه من المؤمنين يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ وهذا استئناف مؤكد لما تضمنه الكلام السابق من أن مبايعة الرسول مبايعة لله.

стр. 2271

والسلف- رضوان الله عليهم- يفهمون في مثل هذه الآيات المعنى العام والغرض من السياق، مع تنزيه المولى- جل شأنه- عن مشابهة الحوادث وصفات الأجسام وإثبات الجوارح له، ويكلون أمر ذلك لله قائلين: إن معرفة حقيقة «اليد» التي وردت هنا فرع عن معرفة حقيقة الذات، وأنى لمخلوق ذلك؟ وهيهات ثم هيهات له ذلك! فالأولى التفويض لعلام الغيوب مع الإيمان الكامل بكل ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة. وأما الخلف فيؤولون ذلك بأن في الآية استعارة «١» أو المراد باليد القوة لا الجارحة والمعنى: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم فثق بالله وحده فالنصر من عنده لا من عند غيره، أو المعنى: نعمة الله عليهم بالهداية، وتوفيقهم لمبايعتك فوق مبايعتهم ونصرتهم لك وهذا على أن اليد تطلق أيضا على النعمة لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ [سورة الحجرات آية ١٧] . وإذا كان الأمر كذلك فمن نكث العهد ونقضه فإنما وبال إثمه وعاقبة فعله على نفسه فقط لا على غيره، ومن أتم عهده وأدى واجبه كاملا فله جزاء الحسنى، وسيؤتيه ربك أجرا عظيما، حتى يرضى. روى الشيخان عن يزيد بن عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع: «على أى شيء بايعتم رسول الله؟ قال: على الموت» ... وروى مسلم عن معقل بن يسار قال: «لقد رأيتنى يوم الشجرة- التي كانت تحتها بيعة الرضوان بالحديبية- والنبي ﷺ يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على ألا نفر» قال العلماء: لا منافاة بين الحديثين. فجماعة كانت مع سلمة وجماعة مع معقل.

стр. 2272

المتخلفون عن الحديبية [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١١ الى ١٧] سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧)

стр. 2273

المفردات: الْمُخَلَّفُونَ: هم المتخلفون الذين خلفهم الله عن السير إلى مكة مع النبي ﷺ . الْأَعْرابِ المشهور: أنهم سكان البوادي من العرب. ضَرًّا: هو الضد للنفع من هزيمة أو هزال أو سوء حال. يَنْقَلِبَ: يرجع. بُوراً أى: هلكى وفاسدين لا تصلحون لخير. ذَرُونا: اتركونا نسير معكم. لا يَفْقَهُونَ: لا يفهمون ولا يعلمون من أمر دينهم إلا قليلا. أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ: أصحاب قوة وشدة. حَرَجٌ: إثم وذنب. الْأَعْرَجِ: من في رجله آفة. المعنى: خرج رسول الله عام الحديبية إلى مكة معتمرا لا يريد حربا ولا اعتداء، واستنفر القبائل العربية الضاربة حول المدينة أن يخرجوا معه إلى مكة، ليشهد أكبر عدد ممكن على أنه لا يريد حربا، فإن اعتدت عليه قريش أو منعته ظهر أمرهم للعرب كافة، وليكون في أكبر عدد ممكن من أنصاره حتى لا تتعرض لهم قريش بسوء. وكان ممن طلبهم للخروج معه قبائل غفار، ومزينة، وجهينة، وأسلم. وأشجع، والديل، فتخلف من هؤلاء أكثرهم حذرا من قريش مع أن النبي أحرم بالعمرة، وساق الهدى معه ليعلم الناس أنه لا يريد حربا. ومع هذا تخلفت الأعراب، وتثاقلوا عنه، واعتلوا بالشغل، وقالوا: شغلتنا أموالنا التي جمعناها، وأهلونا، وليس لنا من يقوم بها فاستغفر لنا ربك يا محمد وادعه ليقبل العذر، قالوا هذا بألسنتهم، والله يعلم أنهم كاذبون ففضحهم، وأنزل في شأنهم قرآنا

стр. 2274

يخبر بخبرهم قبل أن يقولوه، وقال الله تعالى: يقولون هذا الكلام السابق بألسنتهم فقط ولم يكن لهم عذر، ولم يطلبوا المغفرة حقّا. بعد ذلك أمر ﷺ أن يقول لهم: فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً من يستطيع لكم إمساك شيء من قدرة الله- تعالى- إن أراد بكم ضرّا أو أراد بكم نفعا؟ لا أحد يقدر على ذلك. وإذا كان الأمر كذلك، فليس الشغل بالأهل والمال عذرا، لأنه لا يدفع ضرّا، ولا لقاء العدو يمنع نفعا أراده الله. بل الأمر أخطر من هذا، والله بما تعملون أيها المخلفون خبير وبصير وسيجازيكم عليه بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، وذلك ظنكم الذي ظننتم بربكم! والمعنى: السبب الحقيقي في تخلفكم ليس هو كما تقولون، وإنما هو ظنكم أن محمدا وأصحابه قلة فكيف يحاربون قريشا ومن حولها وكانوا بالأمس يحاربونهم على أبواب المدينة- في غزوة الخندق- وزين ذلك في قلوبكم أيها المتخلفون، والذي زينه هو الشيطان وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [النمل ٢٤] أو هو الله وزَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [النمل ٤] وظننتم ظنا سيئا، وكنتم قوما هلكى، لا خير فيكم أبدا. ومن لم يؤمن بالله ورسوله، فإنا أعتدنا له وهيأنا له نارا وسعيرا لأنه في عددا الكفار ولا عجب فلله ملك السموات والأرض يدبر أمره بحكمة تامة وعلم كامل فيعذب من يشاء ممن يستحق العذاب، ويغفر لمن يشاء ممن يستحق المغفرة، وهو أعلم بخلقه، وكان الله غفورا رحيما. سيقول الذين خلفهم الله عن الخروج معكم، وأقعدهم عن السير مع رسول الله وصحبه، سيقولون وقت انطلاقكم إلى مغانم- هي مغانم خيبر-: ذرونا نتبعكم ونسير معكم في الغزو، قالوا هذا لأنهم ظنوا أن المسلمين سيغنمون، هؤلاء المتخلفون يريدون بطلبهم هذا أن يبدلوا كلام الله، إذ هو قد وعد من حضر صلح الحديبية وبيعة الرضوان بالمغانم خاصة فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ على من حضر بيعة الرضوان وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها [سورة الفتح الآيتان ١٨، ١٩] . قل يا محمد لهم: لن تتبعونا في غزو بعد هذا فإنا عرفناكم، مثل ذلك القول الصادر منى أى من النبي ﷺ وهو لن تتبعونا- قال الله وحكم به، وهو خير الحاكمين، فهو

стр. 2275

قد حكم بأنكم لا تتبعون النبي، وأن غنائم خيبر لمن شهد الحديبية فقط ولما كان هؤلاء المنافقون لا يعتقدون شيئا من هذا، بل يظنون أن هذه حيل يحتال بها المسلمون حتى يفوتوا عليهم غنائم خيبر، وما دفعهم إلى ذلك إلا الحسد والبغضاء قالوا- أى: المنافقون المتخلفون-: بل «١» تحسدوننا فليس الأمر كما تدعون بل إنما قلتم هذا حسدا وبغيا علينا، هذا ما كان منهم، وقد رد الله عليهم مضربا عن كلامهم مبينا أنهم قوم لا يفقهون من أمر دينهم إلا قليلا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ولذا تراهم يخادعون الله ورسوله، وما يخادعون إلا أنفسهم، وما يشعرون قل يا محمد لهؤلاء المتخلفين: ستدعون إلى محاربة قوم أولى بأس شديد، والظاهر- والله أعلم- أنهم المرتدون بعد موت النبي ﷺ وهم بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب، وقد دعا أبو بكر خليفة رسول الله المسلمين- ومنهم هؤلاء المتخلفون- إلى قتالهم حتى يسلموا، والمشركون من العرب والمرتدون هم الذين يقاتلون حتى يسلموا، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف بخلاف غيرهم من المشركين والوثنيين والمجوس وأهل الكتاب فإنه يقبل منهم الإسلام أو الجزية أو القتال، وهذا رأى أبى حنيفة بخلاف الشافعى، والحق مع أبى حنيفة. أيها المتخلفون: إن تطيعوا الله وأمر إمامكم يؤتكم أجرا حسنا، ويقبل منكم التوبة، وإن تتولوا وتعرضوا كما أعرضتم سابقا يعذبكم الله عذابا أليما فهذه فرصة لكم فاهتبلوها بتوبة خالصة صادقة. وهذه رحمة الإسلام لا يحاسب إلا القادر، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولذا يقول: ليس على الأعمى حرج، وليس عليه ذنب أو إثم في تخلفه عن رسول الله، وليس على الأعرج حرج كذلك، ولا على المريض حرج أيضا في ترك الجهاد حيث لا قدرة له عليه، تلك أعذار مقبولة، والله- سبحانه- هو العليم بذات الصدور، وصدق رسول الله «إنّما الأعمال بالنّيّات وإنّما لكلّ امرئ مّا نوى» . وهناك القانون العام الذي يجمع الخلائق كلها حتى لا يكون عذر لمعتذر: من يطع الله ويطع رسول الله في كل أمر ونهى يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار، جنات عرضها السموات والأرض، ومن يتول معرضا عن أمر الله ورسوله مؤثرا نفسه وهواه يعذبه عذابا أليما، ويدخله جهنم، وساءت مصيرا..

стр. 2276

بيعة الرضوان وما فيها من خير [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١٨ الى ٢٦] لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١) وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦)

стр. 2277

المفردات: الشَّجَرَةِ: المعهودة التي كان تحتها بيعة الرضوان. وَأَثابَهُمْ: كافأهم على عملهم. آيَةً: علامة على أن الله يدافع عن المؤمنين. قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها أى: فهي محصورة لا تفوتكم. بِبَطْنِ مَكَّةَ المراد: بالحديبية. وَصَدُّوكُمْ: منعوكم. الْهَدْيَ: هو ما يهدى للحرم ويذبح فيه. مَحِلَّهُ أى: محل ذبحه وهو منى. مَعْكُوفاً أى: محبوسا. أَنْ تَطَؤُهُمْ المراد: الإيقاع بهم بالقتل أو غيره. مَعَرَّةٌ: وهي العيب. تَزَيَّلُوا: تفرقوا. الْحَمِيَّةَ: هي الأنفة، يقال: حميت عن كذا حمية إذا أنفت منه وداخلك عار وأنفة أن تفعله. سَكِينَتَهُ المراد: الطمأنينة والوقار. كَلِمَةَ التَّقْوى: هي كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله.. بيعة الرضوان بيعة مشهورة كان لها أثر كبير في سياسة المسلمين العامة، وقد كتب عنها كثير من المؤرخين وكتاب السيرة وعلماء التفسير، وقد ذكرنا طرفا من أخبارها في أول السورة، والذي عجل بعقدها أن النبي ﷺ كان أرسل عثمان بن عفان رسولا له إلى قريش يبلغهم قصده، وأنه لا يريد إلا العمرة بدليل أنه ساق الهدى وليس معه إلا السيوف في القرب وقد أشيع وقتذاك أن عثمان قتل، وقد كانت قريش احتبسته أياما، وكان وقع هذا الخبر شديدا على النبي ﷺ وصحبه، فدعا إلى عقد بيعة، وفي صحيح مسلم عن أبى الزبير عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ

стр. 2278

بيده تحت الشجرة- شجرة الطلح- فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصارى اختبأ تحت بطن بعيره، بايعناه على ألا نفر ولم نبايعه على الموت، وفي رواية: بايعناه على الموت، فلما علمت قريش بأمر المبايعة خافوا وأرسلوا سهيل بن عمرو لعقد الصلح الذي سمى (صلح الحديبية) ، وكتب علىّ- رضى الله عنه-: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، فكتب، وكتب بعدها: هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله ﷺ فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله لا تبعناك ولما قاتلناك. ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي ﷺ : «امحه» فما استطاع أن يمحوه، فطلب النبي من علىّ أن يريه هذا. فمحاه النبي بنفسه ، وهكذا نرى اندفاع قريش نحو جاهليتهم وحميتهم في حين أن النبي كانت تنزل عليه من ربه السكينة والطمأنينة وقد ألزمه كلمة التقوى، وكان النبي وصحبه أحق بها وأهلها، وكان هذا الصلح الذي لم يرض عنه بعض الصحابة فتحا مبينا، ونصرا عظيما للدعوة الإسلامية، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. المعنى: لقد رضى الله عن المؤمنين الراسخين في الإيمان الكاملين في الإخلاص، حيث فعل معهم فعل الراضي عنهم، بما جعل لهم من الفتح المبين والتوفيق السديد، وما قدر لهم من الثواب الجزيل، لقد رضى الله عن المؤمنين جميعا الذين بايعوك إلا جد بن قيس الأنصارى فقد كان منافقا ولم يبايع، وفهم من ذلك أنه لم يرض عن الكفار حيث خذلهم في الدنيا، وأعد لهم سوء المصير في الآخرة، ولأجل هذا الرضا سميت تلك البيعة بيعة الرضوان. لقد رضى الله عن المؤمنين إذ بايعوك تحت الشجرة، شأن الواثق بنفسه المطمئن لنصرة الله له، فعلم الله ما استقر في قلوبهم من الإيمان والإخلاص والصدق في مبايعتهم، فأنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحا قريبا هو فتح خيبر، وقد كان نزول هذه الآيات عند منصرف النبي ﷺ هو وصحبه من الحديبية، أى: قبل فتح خيبر، فيكون هذا وعدا من الله وقد تحقق، وأثابهم مغانم كثيرة يأخذونها فقد كانت قرية خيبر غنية بالزروع والثمار، وكان سكانها من اليهود على جانب من الثراء، وانظر إلى ختام الآية

стр. 2279

بقوله: وكان الله عزيزا لا يغلبه غالب، حكيما فيما صنع لأوليائه، ولا شك أن هذا تذبيل مناسب جدّا. وعدكم الله مغانم كثيرة في حروبكم- أيها المسلمون- ما دمتم صادقي النية تجاهدون في سبيل الله ولإعلاء كلمته، وهذه المغانم ممتدة إلى يوم القيامة بهذا الشرط، فجعل لكم هذه- أى: غنيمة خيبر- جزاء لكم على امتثالكم أمر الله وأمر رسوله، وكف أيدى الناس عنكم، والظاهر أن المراد بالناس هنا أهل خيبر وحلفاؤها من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرة حلفائهم فقذف الله في قلوبهم الرعب، وقيل المراد بالناس: أهل مكة حينما كان المسلمون بالحديبية، والرأى الأول أصح لأن الكف وهم في الحديبية سيأتى خبره، كف أيدى الناس عنكم لتشكروه على ذلك، ولتكون هذه آية للمؤمنين، وأن الله يدافع عن المؤمنين ما داموا مؤمنين، والله بهذا يهديكم إلى صراط مستقيم هو طريق التوكل على الله وتفويض الأمر إليه، فإنه نعم المولى ونعم النصير. فعجل لكم مغانم خيبر هذه، وعجل لكم أخرى هي غنائم هوازن يوم حنين لم تقدروا عليها في أول الأمر حيث ر كنتم إلى قوتكم، ولم تتوكلوا على الله، ولكن الله أحاط بها واستولى عليها فهي في قبضته وتحت تصرفه يظهر من يشاء عليها، وقد أظهركم عليها حينما لجأتم إليه وتوجهتم له، وكان الله على كل شيء قديرا وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (الآيتان: ٢٥، ٢٦ من سورة التوبة) ، فهل لنا أن نعتبر ونفوض الأمر إلى الله إنه بصير بالعباد؟!! ولو قاتلكم الذين كفروا من أهل مكة ولم يصالحوكم لولوا الأدبار وانهزموا هزيمة شنيعة، ثم لا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا، وتلك سنة الله مع رسله وأوليائه التي قد مضت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا. وهو الذي كف أيدى كفار مكة عنكم، وكف أيديكم عنهم، وأنتم ببطن مكة، فإن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في حرم مكة، كف أيديكم عنهم من بعد أن أظفركم عليهم فقد روى عن ثابت عن أنس أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون أخذ النبي وصحبه على غرة فأخذناهم

стр. 2280

سلما- باستسلام منهم وإذعان- فهم قد أخذوا قهرا واستسلموا عجزا، واستحييناهم فأنزل الله وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وكان الله بما تعملون بصيرا وسيجازيكم على ذلك بالجزاء الأوفى. ولم يكن كفهم عنكم لخير فيهم فإنهم كفروا بالله ورسوله، وأخرجوا رسول الله من مكة، وصدوكم عن المسجد الحرام. وصدوا الهدى- ما يهدى إلى البيت من النعم حالة كون الهدى معكوف ومحبوسا من أن يبلغ محله، وكل ذلك يقتضى قتالهم، فلا يعقل أن يقال: إن الفريقين اتفقوا على عدم القتال، واصطلحوا ولم يبق بينهم نزاع بل النزاع مستمر لأنهم كفروا وصدوا عن المسجد الحرام ومنعوا الهدى من أن يبلغ محله. وإنما كان الكف والمنع لحكم إلهية الله يعلمها، منها أن هناك رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموا أشخاصهم، والله يعلمهم، فإذا كان القتال ولم يكن الكف لقتلتم هؤلاء، وأنتم لا تعلمونهم فتصيبكم منهم معرة وعيب ومكروه ومشقة حيث تجب الكفارة ويحصل الأسف لقتلهم، وخلاصة المعنى: ولولا كراهة أن تهلكوا في الحرب رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات بين ظهراني الكفار، وأنتم لا تعلمونهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف أيديكم عنهم، والله يكره أن يصيبكم مكروه ومعرة، ولكن الله- سبحانه- كفكم عنهم، وكفهم عنكم ليدخل الله بذلك الكف من يشاء في رحمته، أى: في توفيقه لزيادة الخير في الإسلام ومنع إيذاء من لا يستحق من المؤمنين الذين يعيشون في مكة. لو تميز المؤمنون عن الكفار في مكة، وافترق بعضهم عن بعض، لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما في الدنيا بالقتل والأسر غير عذاب الآخرة «١» . اذكر إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية الأولى حيث أنفوا من كتابه بسم الله الرحمن الرحيم، ومن وصف النبي بأنه رسول الله، ومن تمسكهم بشروط هي في ظنهم مجحفة بالمسلمين، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
следующие страницы →