المفردات:
الشَّجَرَةِ: المعهودة التي كان تحتها بيعة الرضوان. وَأَثابَهُمْ: كافأهم على عملهم. آيَةً: علامة على أن الله يدافع عن المؤمنين. قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها أى: فهي محصورة لا تفوتكم. بِبَطْنِ مَكَّةَ المراد: بالحديبية. وَصَدُّوكُمْ:
منعوكم. الْهَدْيَ: هو ما يهدى للحرم ويذبح فيه. مَحِلَّهُ أى: محل ذبحه وهو منى. مَعْكُوفاً أى: محبوسا. أَنْ تَطَؤُهُمْ المراد: الإيقاع بهم بالقتل أو غيره. مَعَرَّةٌ: وهي العيب. تَزَيَّلُوا: تفرقوا. الْحَمِيَّةَ: هي الأنفة، يقال: حميت عن كذا حمية إذا أنفت منه وداخلك عار وأنفة أن تفعله. سَكِينَتَهُ المراد: الطمأنينة والوقار. كَلِمَةَ التَّقْوى: هي كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله..
بيعة الرضوان بيعة مشهورة كان لها أثر كبير في سياسة المسلمين العامة، وقد كتب عنها كثير من المؤرخين وكتاب السيرة وعلماء التفسير، وقد ذكرنا طرفا من أخبارها في أول السورة، والذي عجل بعقدها أن النبي ﷺ كان أرسل عثمان بن عفان رسولا له إلى قريش يبلغهم قصده، وأنه لا يريد إلا العمرة بدليل أنه ساق الهدى وليس معه إلا السيوف في القرب وقد أشيع وقتذاك أن عثمان قتل، وقد كانت قريش احتبسته أياما، وكان وقع هذا الخبر شديدا على النبي ﷺ وصحبه، فدعا إلى عقد بيعة، وفي صحيح مسلم عن أبى الزبير عن جابر قال: كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ
стр. 2278
بيده تحت الشجرة- شجرة الطلح- فبايعناه، غير جد بن قيس الأنصارى اختبأ تحت بطن بعيره، بايعناه على ألا نفر ولم نبايعه على الموت، وفي رواية: بايعناه على الموت، فلما علمت قريش بأمر المبايعة خافوا وأرسلوا سهيل بن عمرو لعقد الصلح الذي سمى (صلح الحديبية) ،
وكتب علىّ- رضى الله عنه-: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل بن عمرو: فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف:
باسمك اللهم، فكتب، وكتب بعدها: هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله ﷺ فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله لا تبعناك ولما قاتلناك. ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي ﷺ : «امحه» فما استطاع أن يمحوه، فطلب النبي من علىّ أن يريه هذا.
فمحاه النبي بنفسه
، وهكذا نرى اندفاع قريش نحو جاهليتهم وحميتهم في حين أن النبي كانت تنزل عليه من ربه السكينة والطمأنينة وقد ألزمه كلمة التقوى، وكان النبي وصحبه أحق بها وأهلها، وكان هذا الصلح الذي لم يرض عنه بعض الصحابة فتحا مبينا، ونصرا عظيما للدعوة الإسلامية، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم.
المعنى:
لقد رضى الله عن المؤمنين الراسخين في الإيمان الكاملين في الإخلاص، حيث فعل معهم فعل الراضي عنهم، بما جعل لهم من الفتح المبين والتوفيق السديد، وما قدر لهم من الثواب الجزيل، لقد رضى الله عن المؤمنين جميعا الذين بايعوك إلا جد بن قيس الأنصارى فقد كان منافقا ولم يبايع، وفهم من ذلك أنه لم يرض عن الكفار حيث خذلهم في الدنيا، وأعد لهم سوء المصير في الآخرة، ولأجل هذا الرضا سميت تلك البيعة بيعة الرضوان.
لقد رضى الله عن المؤمنين إذ بايعوك تحت الشجرة، شأن الواثق بنفسه المطمئن لنصرة الله له، فعلم الله ما استقر في قلوبهم من الإيمان والإخلاص والصدق في مبايعتهم، فأنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحا قريبا هو فتح خيبر، وقد كان نزول هذه الآيات عند منصرف النبي ﷺ هو وصحبه من الحديبية، أى: قبل فتح خيبر، فيكون هذا وعدا من الله وقد تحقق، وأثابهم مغانم كثيرة يأخذونها فقد كانت قرية خيبر غنية بالزروع والثمار، وكان سكانها من اليهود على جانب من الثراء، وانظر إلى ختام الآية
стр. 2279
بقوله: وكان الله عزيزا لا يغلبه غالب، حكيما فيما صنع لأوليائه، ولا شك أن هذا تذبيل مناسب جدّا.
وعدكم الله مغانم كثيرة في حروبكم- أيها المسلمون- ما دمتم صادقي النية تجاهدون في سبيل الله ولإعلاء كلمته، وهذه المغانم ممتدة إلى يوم القيامة بهذا الشرط، فجعل لكم هذه- أى: غنيمة خيبر- جزاء لكم على امتثالكم أمر الله وأمر رسوله، وكف أيدى الناس عنكم، والظاهر أن المراد بالناس هنا أهل خيبر وحلفاؤها من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرة حلفائهم فقذف الله في قلوبهم الرعب، وقيل المراد بالناس: أهل مكة حينما كان المسلمون بالحديبية، والرأى الأول أصح لأن الكف وهم في الحديبية سيأتى خبره، كف أيدى الناس عنكم لتشكروه على ذلك، ولتكون هذه آية للمؤمنين، وأن الله يدافع عن المؤمنين ما داموا مؤمنين، والله بهذا يهديكم إلى صراط مستقيم هو طريق التوكل على الله وتفويض الأمر إليه، فإنه نعم المولى ونعم النصير.
فعجل لكم مغانم خيبر هذه، وعجل لكم أخرى هي غنائم هوازن يوم حنين لم تقدروا عليها في أول الأمر حيث ر كنتم إلى قوتكم، ولم تتوكلوا على الله، ولكن الله أحاط بها واستولى عليها فهي في قبضته وتحت تصرفه يظهر من يشاء عليها، وقد أظهركم عليها حينما لجأتم إليه وتوجهتم له، وكان الله على كل شيء قديرا وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (الآيتان: ٢٥، ٢٦ من سورة التوبة) ، فهل لنا أن نعتبر ونفوض الأمر إلى الله إنه بصير بالعباد؟!! ولو قاتلكم الذين كفروا من أهل مكة ولم يصالحوكم لولوا الأدبار وانهزموا هزيمة شنيعة، ثم لا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا، وتلك سنة الله مع رسله وأوليائه التي قد مضت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا.
وهو الذي كف أيدى كفار مكة عنكم، وكف أيديكم عنهم، وأنتم ببطن مكة، فإن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في حرم مكة، كف أيديكم عنهم من بعد أن أظفركم عليهم فقد روى عن ثابت عن أنس أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على النبي ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون أخذ النبي وصحبه على غرة فأخذناهم
стр. 2280
سلما- باستسلام منهم وإذعان- فهم قد أخذوا قهرا واستسلموا عجزا، واستحييناهم فأنزل الله وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وكان الله بما تعملون بصيرا وسيجازيكم على ذلك بالجزاء الأوفى.
ولم يكن كفهم عنكم لخير فيهم فإنهم كفروا بالله ورسوله، وأخرجوا رسول الله من مكة، وصدوكم عن المسجد الحرام. وصدوا الهدى- ما يهدى إلى البيت من النعم حالة كون الهدى معكوف ومحبوسا من أن يبلغ محله، وكل ذلك يقتضى قتالهم، فلا يعقل أن يقال: إن الفريقين اتفقوا على عدم القتال، واصطلحوا ولم يبق بينهم نزاع بل النزاع مستمر لأنهم كفروا وصدوا عن المسجد الحرام ومنعوا الهدى من أن يبلغ محله.
وإنما كان الكف والمنع لحكم إلهية الله يعلمها، منها أن هناك رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموا أشخاصهم، والله يعلمهم، فإذا كان القتال ولم يكن الكف لقتلتم هؤلاء، وأنتم لا تعلمونهم فتصيبكم منهم معرة وعيب ومكروه ومشقة حيث تجب الكفارة ويحصل الأسف لقتلهم، وخلاصة المعنى: ولولا كراهة أن تهلكوا في الحرب رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات بين ظهراني الكفار، وأنتم لا تعلمونهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف أيديكم عنهم، والله يكره أن يصيبكم مكروه ومعرة، ولكن الله- سبحانه- كفكم عنهم، وكفهم عنكم ليدخل الله بذلك الكف من يشاء في رحمته، أى: في توفيقه لزيادة الخير في الإسلام ومنع إيذاء من لا يستحق من المؤمنين الذين يعيشون في مكة.
لو تميز المؤمنون عن الكفار في مكة، وافترق بعضهم عن بعض، لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما في الدنيا بالقتل والأسر غير عذاب الآخرة «١» .
اذكر إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية الأولى حيث أنفوا من كتابه بسم الله الرحمن الرحيم، ومن وصف النبي بأنه رسول الله، ومن تمسكهم بشروط هي في ظنهم مجحفة بالمسلمين، فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين
стр. 2281
حيث قبلوا كل ما عرض عليهم في سبيل ترك الحرب المهلكة، وقد كان هذا فتحا ونصرا مبينا، فانظر إلى توفيق الله ورعايته للمسلمين.
وإذا العناية لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
تحقيق رؤيا الرسول [سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨)
المفردات:
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أصل الإظهار: جعل الشيء على الظهر، ثم كنى به عن الإعلاء.
رأى رسول الله ﷺ في المنام قبل خروجه إلى الحديبية، أنه هو وأصحابه دخلوا مكة آمنين، وقد حلقوا شعور رءوسهم وقصروا، فقص رؤياه على المسلمين ففرحوا واستبشروا، وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم، وقالوا: إن رؤيا رسول الله حق، فلما تأخر ذلك، وردهم المشركون عن مكة عام الحديبية تكلم بعض المنافقين في ذلك قائلين: والله ما حلقنا ولا قصرنا، ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت هذه الآية.
стр. 2282
المعنى:
لقد صدق الله رسوله الرؤيا، ولم يجعلها أضغاث أحلام، وإن كان تفسيرها عمليا لم يقع إلا بعد عام، والصدق يكون بالقول أو بالفعل، وما في الآية صدق بالفعل فالله- صدقه في رؤياه صدقا ملتبسا بالحق، أى: بالحكمة البالغة، والقصد الصحيح الذي يظهر به الإيمان الكامل والنفاق الصريح، ولهذا أخر تفسير الرؤيا ووقوعها إلى العام القابل.
والله لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله، ولعل سائلا يسأل ويقول: الله خالق الأشياء كلها وعالم بها قبل وقوعها فكيف وقع التعليق بالمشيئة في فعله؟
الجواب: أنه تعليم للعباد، وإيذان بأن منهم من يدخل ومنهم من يتخلف لموت أو مرض، ولعل هذا التعليق- إن شاء الله- حكاية لما قاله ملك الرؤيا، أو حكاية كلام النبي لأصحابه، وإيذان بأن دخولهم مكة بأمر الله ومشيئته لا بشيء آخر.
لتدخلن المسجد الحرام حالة كونكم آمنين من العدو، محلقين شعور رءوسكم ومقصرين له، لا تخافون بعد الدخول «١» فعلم ما لم تعلموا من الأمور «٢» ، فجعل من دون ذلك، أى: من قبل تحقيق الرؤيا عمليا فتحا قريبا، وهو فتح خيبر، جعله كالدليل على صدق الرؤيا وتحقيقها.
وكيف تشكون في تحقيق رؤيا النبي ﷺ ؟ وقد أرسله ربه بالهدى ودين الحق، فلا يصح أن يريه في المنام خلاف الواقع، فيكون ذلك داعيا لتكذيبه وزعزعة الناس فيه وفي أخباره، هو الذي أرسل رسوله هاديا للناس، ومصاحبا للهدى وملتبسا به ومؤيدا بالحجة والبرهان، والنور والقرآن، أرسله بالهدى ودين هو الحق لا شك فيه، ليعليه على الأديان كلها فيقر الحق منها، ويبطل الباطل ويغير من أحكامها ما لا يصلح في هذا الزمان، وكفى بالله شهيدا على ذلك، وأنك رسوله وخاتم أنبيائه. أليس في هذا تسلية؟ وأى تسلية أقوى من ذلك؟ على رد سهيل بن عمرو لرسالة الرسول ﷺ .
стр. 2283
محمد وصحبه الأبرار [سورة الفتح (٤٨) : آية ٢٩]
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)
المفردات:
أَشِدَّاءُ: جمع شديد، وهو الغليظ القاسي. رُحَماءُ: جمع رحيم، وهو من في قلبه رحمة. سِيماهُمْ السيما: العلامة. مَثَلُهُمْ: صفتهم. شَطْأَهُ الشطء: فراخ النخل والزرع، أو هو ورقه والمراد بالفراخ فروع الشجر التي تنبت حول الأصل. فَآزَرَهُ: أعانه. فَاسْتَغْلَظَ: صار نظيفا وشديدا. فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ أى: استقام وقوى على أصوله التي هي قضبانه.
وتلك خاتمة سورة الفتح، وبيان أسباب النصر، ودعائم الفوز.
المعنى:
ذلك الرسول الذي أرسل بالهدى ودين الحق، هو محمد رسول الله وخاتم أنبيائه وإمامهم، الذي قال الله فيه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.
هذا هو محمد الرسول الأمين الصادق الصدوق، الذي يصلى عليه الله في علاه، وملائكته الأبرار وصالحو المؤمنين- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
стр. 2284
هو محمد رسول الله وهؤلاء هم أصحابه الذين معه، أشداء على الكفار رحماء بينهم، هؤلاء هم أصحابه أعلام الهدى وأئمة الدين، الذين
يقول فيهم النبي ما معناه:
«أصحابى كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه»
أى: نصفه، ويقول الله فيهم: هم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.
فالمؤمن حقا الذي لا يلين مع الكفار الذين حاربوا دينه، فهو شديد عليهم رحيم بالمؤمنين، غضوب عبوس في وجه الكافرين، بشوش في وجه أخيه المؤمن. وإنما المؤمنون إخوة،
ويقول النبي: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى»
هؤلاء هم المؤمنون الذين قامت على رءوسهم دعوة الإسلام، وفتحت بسواعدهم الحصون والقلاع، كانوا أشداء على الكفار رحماء بينهم، وما ضل المسلمون، ولا كسرت شوكتهم إلا يوم أن تفرقوا، وأصبحوا أذلة مع غيرهم أعزة على بعضهم، وكانت بينهم الفتن والمحن والإحن التي تهد كيان الإسلام، وتقيم صروح الكفر، ولكن أكثر الناس لا يعلمون!!! أيها الناس! نحن في عصر يكاد يتخطفنا فيه أعداء الإسلام من كل جانب، وهم قوم برعوا في السياسة والدعاية، والدعوة إلى الإلحاد بكل طريق، وبكل أسلوب، وسلاحهم في ذلك الاقتصاد والعلم المادي، وهذه الفرقة البادية، والخلاف الظاهر في صفوف المسلمين، لا ينتج إلا كل شر، وللأسف لا يتحمل تبعة هذا إلا الإسلام الذي قل ناصره، وضعف ساعده، حتى أصبح يستهزأ بسوره، ويتندر بأحكامه أيها الناس! ماذا نقول؟!!! اللهم لطفا من عندك، ونصرا لدينك وحماية لقرآنك إنك يا رب نعم السميع المجيب.
هؤلاء المسلمون تراهم ركعا سجدا فهم كثير والعمل والصلاة، ولا يقصدون بذلك إلا وجه الله، ولا يبتغون إلا فضل الله وإحسانه، ولا يرجون إلا رضا الله ورضوانه وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ «١» هؤلاء سيماهم في وجوههم من أثر السجود
стр. 2285
وما هي علامتهم؟ أهو الأثر الذي يظهر من أثر السجود في جبهة المصلى؟؟ ربما يكون صاحبها أقسى قلبا من فرعون، والظاهر- والله أعلم- أنها نور في الوجه، وهدوء في النفس، ولين في الجانب، وخشوع وخضوع، فإن من أصلح سريرته أصلح الله- تعالى- علانيته، وعلامة الإيمان الصحيح أن تكون قرآنا يتحرك، وصورة صحيحة للإسلام وعنوانا كاملا لتهذيبه فلا تفسق ولا ترفث، ولا تكذب ولا تغش، ولا تخادع ولا تضلل، ولا تقسو ولا تفجر، فشر الناس من خافه الناس اتقاء شره، تلك بعض علامات الإيمان تبدو في وجه المسلم الكامل.
ذلك مثل المؤمنين في التوراة ومثلهم في الإنجيل، وهذا تكريم لهم من الله كبير ولقد ضرب الله لهم مع النبي مثلا من أروع الأمثلة، فقد بدأ النبي ﷺ الدعوة وحده ثم آمن به قليل من الناس، هذا القليل كثر وزاد حتى أصبح الكل قوة لا يستهان بها كما تقوى الطاقة الأولى من الزرع بالفروع التي تنبت حول الأصل حتى تعجب الزراع، فعل الله معهم ذلك ليغيظ بهم الكفار، وقد غاظ بهم الكفار فعلا، وانهدم عزهم ودالت دولة الروم وفارس، وعلت راية الإسلام حتى امتلأ قلب الكفر وأهله غيظا منه، وحقدا عليهم إلى اليوم، فهذه آثار التبشير وحملات أعداء الإسلام تترى، والمدهش أنهم يجدون في شباب الإسلام المثقف ثقافة غير دينية مرعى خصبا ويستغلون قلة ثقافتهم الدينية فينفثون سمومهم، أيها المسلمون: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم مغفرة كبيرة، وأجرا عظيما، والله صادق الوعد، وهو لكل من يعمل صالحا في كل زمان ومكان. نسأل الله التوفيق والخير للإسلام والمسلمين.
стр. 2286
سورة الحجرات
وهي مدنية بإجماع العلماء، وعدد آياتها ثماني عشرة آية..
هذه السورة جمعت مكارم الأخلاق، وأرشدت المسلمين إليها، وبينت لهم موقفهم مع الله، ومع رسول الله، وكيف يقابلون أخبار الفساق؟ وبماذا يعاملون إخوانهم المؤمنين، سواء أكانوا حاضرين معهم أم غائبين، وبينت حقيقة الإيمان والمؤمنين إلى غير ذلك من فضائل الأعمال، وكريم الخلال..
موقف المسلمين من أحكام الله [سورة الحجرات (٤٩) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)
المفردات:
لا تُقَدِّمُوا: بمعنى لا تقدموه، أى: لا تسبقوه بالقول والحكم وهذا معنى لازم للتقدم، أو هو بمعنى لا تتقدموا، أى: لا يحصل منكم تقديم بقطع النظر عن المقدم. بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ المراد: أمامهما.
المعنى:
يا أيها الذين اتصفوا بالإيمان الصحيح، وهم أحق الناس بامتثال أمر الله: لا تسبقوا الله ورسوله بالقول أو الحكم في أمر من الأمور، وكونوا كالملائكة الذين شهد الله بأنهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، وهذا نهى صريح عن الإقدام على أمر من الأمور دون التقيد بكتاب الله- تعالى- وسنة رسوله وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما
стр. 2287
نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
لا تقدموا بين يدي الله ورسوله «١» ، ولعل ذكر الرسول لأنه مبلغ عن الله وحافظ لشريعته.
واتقوا الله، أى: خذوا الوقاية من سخطه وعذابه باتباع أمره واجتناب نهيه والوقوف عند الحدود المرسومة التي بينها لكم، إن الله سميع بكل المسموعات، ويجازى بها أتم الجزاء، وهو عليم بكل المعلومات، وسيجازيكم عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وهذه الآية تقرر أصلا من أصول الدين المهمة، وهو أن الحكم لله وحده لا معقب لحكمه وهو أحكم الحاكمين فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً وإذا كنا نهينا عن أن نتقدم الله ورسوله في حكم من الأحكام، فيا ويل المسلمين ويا هلاكهم! حين يتركون اليوم أمر الله ورسوله، ويتحاكمون إلى طواغيت الغرب وقوانينه.
من أدب الحديث مع الرسول [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٢ الى ٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
стр. 2288
المفردات:
تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ الجهر: ظهور الشيء بإفراط لحاسة السمع أو حاسة البصر. أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ حبط عمله: بطل ثوابه لطغيان السيئات عليه.
يَغُضُّونَ الغض: النقصان من النظر أو الصوت. امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ أصل الامتحان: إذابة الذهب ليخلص إبريزه من الخبث، وقد يطلق ويراد منه الاختبار والتجربة، ويلزم من هذا المعرفة وهي المرادة هنا. الْحُجُراتِ: جمع حجرة، وهي قطعة من الفضاء تحجر أى: يمنع من الدخول فيها بحائط أو نحوه. وَراءِ الْحُجُراتِ: خارجها.
كانت الآية السابقة لبيان أدب المسلمين مع الله ورسوله ومكانتهما، وهذه الآيات لبيان الأدب مع النبي ﷺ في حديثه ومعاملته.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا: لا تجعلوا أصواتكم عند الحديث مع الرسول الأكرم فوق صوته، بل كلموه بصوت منخفض، بلا جلبة ولا ضوضاء، وكونوا معه كما يكون الابن مع أبيه، وإياكم والجهر له في القول إذا كلمتموه وهو صامت، فلا تظهروا أصواتكم معه كما تجهرون مع بعضكم.
أدبهم الله الأدب العالي في حديث النبي، ولم يكن النبي جبارا متعاليا، وإنما كان مثلا أعلى في التواضع والحياء تكلمه الأمة في الطريق فلا يتركها حتى تتركه، ولكنه كان كثير الشغل، كثير التفكير، والتأمل في شأن الأمة الإسلامية، والعرب قوم جفاة غلاظ لا يعرفون اللين وأدب الخطاب، فنهاهم الله عن رفع صوتهم على صوت النبي، وعن الجهر بالقول عند مخاطبته وهو ساكت. مخافة بطلان أعمالهم الصالحة التي
стр. 2289
عملوها، وذهابها سدى من غير مثوبة من حيث لا يشعرون بذلك فإن العادة إذا استحكمت مع شخص فعلها بدون فكر، ولا نظر، وربما كانت سيئة فأكلت حسناته وهو لا يشعر!! وهذا ترغيب في لين القول وأدب الحديث فيقول الله: إن الذين يغضون أصواتهم ولا يرفعونها عند رسول الله، أولئك قوم أخلص الله قلوبهم وصفاها وأعدها للتقوى، أو عرفها الله مستعدة للتقوى بعد الاختبار، هؤلاء لهم مغفرة وأجر عظيم على ما كسبوه من صالح الأعمال.
روى عن زيد بن الأرقم أنه: جاء أناس من العرب إلى النبي ﷺ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملكا عشنا في جناحه، ثم جاءوا إلى حجرة النبي ﷺ ينادونه: يا محمد، فأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ...
وقد تأذى من ندائهم على هذه الصفة.
وقد حكم الله على أكثرهم بعدم العقل لأن بعضهم لم يكن موافقا، أو هو أسلوب عربي معروف ينسب للأكثر ما هو للكل، ولا شك أن هؤلاء يستحقون هذا الوصف لجهلهم بقانون الأدب العام، وما ينبغي أن يكون عليه الزائر من أدب الحديث واختيار الزمان والمكان المناسبين، ولو أن هؤلاء صبروا حتى يخرج إليهم النبي ﷺ وقد كان في قيلولة مستريحا لكان خيرا لهم وأتم.
وما كان النبي يحتجب عن أصحابه إلا في أوقات خاصة قليلة ليستريح بعض الوقت ليلا أو في الظهر.
وهكذا القرآن الكريم لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها بالإجمال أو التفصيل حتى أدب الحديث وأدب الاستئذان نراه يرسم لنا طريقهما..
стр. 2290
التثبت في تلقى الأخبار [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٦ الى ٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)
المفردات:
فاسِقٌ الفسق: الخروج عن حدود الشرع. بِنَبَإٍ النبأ: هو الخبر المهم.
فَتَبَيَّنُوا أى: فتثبتوا، وبه قرئ، وهذا اللفظ مأخوذ من البيان الذي هو الكشف عن الشيء. نادِمِينَ: من الندم الذي هو التحسر من خطأ في أمر فات، والمادة تفيد الملازمة ومنه المنادمة والنديم. لَعَنِتُّمْ العنت: الجهد والمشقة والهلاك.
وَزَيَّنَهُ: حسنه. وَالْعِصْيانَ: الخروج عن الطاعة، ومفارقة الجماعة، وأصله أن يمتنع الرجل بعصاه. الرَّاشِدُونَ الرشد: ضد الغي وهو العمل لصالح الدين والدنيا.
روى في سبب النزول أنه: بعث النبي ﷺ الوليد بن عقبة في جمع صدقات بنى المصطلق، فلما سمعوا بمقدمه أعدوا أنفسهم للقاء رسول الله فحدثه الشيطان بأنهم قاتلوه. فرجع، وقال للنبي ﷺ : إن بنى المصطلق منعوا صدقاتهم، فغضب لذلك رسول الله، وهم بغزوهم، أما هم فلما بلغهم رجوع ابن عقبة أتوا رسول الله يشرحون له حقيقة الحال، وقالوا: نعوذ بالله من سخط الله ورسوله! بعث إلينا رجلا
стр. 2291
يجمع الصدقة فسررنا لذلك وجمعنا أنفسنا لاستقباله ثم رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك لغضب من الله ورسوله ... ثم نزلت الآية.
ولقد سمى الوليد بن عقبة فاسقا تنفيرا وزجرا عن المبادرة والاستعجال إلى الأمر من غير تثبيت كما فعل هذا الصحابي الجليل، لكنه مؤول ومجتهد فليس فاسقا حقيقة.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله إن جاءكم فاسق كاذب بخبر فتثبتوا أولا لتعرفوا الحق من الباطل، وتقفوا على حقائق الأمور قبل الوقوع في الأخطار فكم فرق الكذب بين الأصدقاء؟ وكم سفك من دماء؟ وكم كان التسرع في الحكم مدعاة لشن حروب وغارات، وإثارة إحن وثارات، ولذلك
يقول النبي ﷺ ذمّا في الكذب ومدحا في الصدق: «إنّ الصّدق يهدى إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدى إلى الجنّة، وإنّ الكذب يهدى إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدى إلى النّار»
وكان
النبي يقول: «التّأنّى من الله والعجلة من الشّيطان» .
تبينوا كراهة أن تصيبوا قوما بجهالة وخطأ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين، فلو أن النبي ﷺ عمل بقول ابن عقبة لغزا قوما مؤمنين يحبون الله ورسوله، وسفك منهم دماء، وأخذ أموالا بغير حق، فإذا ما تبين الواقع ندم على كل ذلك.
فالله يرشد عباده وأولياءه إلى هذا الأدب الكامل، ويحذرهم من العمل بالخبر قبل الكشف عنه والتثبت منه لئلا يصيبوا قوما بسبب الجهل والكذب فيصبحوا نادمين آسفين على ذلك.
والروايات تثبت أن النبي ﷺ والصحابة كانوا يشكون في كلام وفد بنى المصطلق، فمن الصحابة من أشار بغزوهم، ومنهم من تريث، ولقد بعث النبي ﷺ خالدا يستطلع الحقيقة، وأمره بعدم العجلة في حربهم.
واعلموا أيها الصحابة أن فيكم رسول الله، وليس المراد هذا الخبر فإنه مشاهد معروف، ولكن المراد لازمه، وهو أن فيكم الرسول الأمين المبلغ عن الوحى المعصوم من الخطأ، الذي يجب ألا يكذبه أحد من أصحابه، فإن الكذب عليه قد يوقعه في أمر
стр. 2292
يؤلمه، على أن طاعته هي الواجبة، وأن الخير في طاعته، والرسول معنا في كل عصر إن لم يكن بجسده الشريف فهو مع المسلمين بأحاديثه وتعاليمه، وخير الهدى هدى محمد ﷺ فيجب الرجوع إلى ما أرشد به والاقتداء بهديه الشريف، ولو انعكس الأمر وأطاعكم الرسول- في مثل هذا- لأصابكم العنت، ونالتكم المشقة، وربما انعكس الحال وتبدل إلى ما تكرهون.
ولكن ذلك لا يكون لأن رسول الله لا يتبع إلا الموحى به، والمؤمنون لا يرضون عن مخالفة الرسول لأن الله حبب إليهم الإيمان وطاعة الرسول وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان.
أولئك المؤمنون الموصوفون بذلك هم الراشدون في الدنيا والآخرة، وقد فعل الله معهم ذلك تفضلا منه ورحمة ونعمة عليهم، والله عليم بخلقه حكيم في فعله.
كيف نقضي على النزاع الداخلى [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ٩ الى ١٠]
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)
المفردات:
طائِفَتانِ الطائفة: الجماعة من الناس. بَغَتْ البغي: الظلم وتجاوز الحد. تَفِيءَ: ترجع إلى حالة محمودة. بِالْعَدْلِ: بالسوية بلا ظلم.
стр. 2293
وَأَقْسِطُوا: يقال: قسط الرجل إذا أخذ قسط أخيه، وأقسط: إذا عدل فأعطى قسط غيره.
هذه الآيات نزلت كما روى عن ابن عباس في رجلين أو في قبيلتين من أهل الإسلام يقتتلان.
المعنى:
وإن اقتتلت طائفتان من المؤمنين فالواجب على المسلمين أن يصلحوا بينهما، ويقضوا بالحق الذي شرعه الله في كتابه: إما القصاص والقود، وإما العقل والدية، هذا الواجب العام على المسلمين يقوم به الإمام، أى: الحاكم فيدعو المتنازعين إلى الصلح، وإلى تحكيم كتاب الله والرضا بما فيه من التسامح والتساهل.
فإن تعدت إحداهما ولم تقبل نصحا بل ركبت رءوسها وقاتلت الطائفة الأخرى بغير حق، فالواجب على المسلمين والإمام الذي ينفذ ما دام موجودا وإلا فعلى عامة المسلمين وجمهورهم، الواجب قتال الفئة الباغية، وردعها عن ظلمها حتى ترجع إلى كتاب الله وتحكيمه، فإن رجعت بعد القتال، وفاءت إلى الهدوء والسكينة وترك الشرور والحروب فالواجب الصلح بينهما بالعدل صلحا على السواء والإنصاف بلا تحيز، لا صلح القوى مع الضعيف والمنتصر مع المهزوم كما يحصل اليوم، والواجب الإصلاح بالعدل لتسل الضغائن وتزول الأحقاد، ويعود الصفاء ويحل محل الخصام، وبذلك يأمن الناس الرجوع إلى الحرب، والله- تعالى- يحب المقسطين العدول وهذه الحروب الداخلية لها أحكام خاصة في كتب الفقه الإسلامى، منها أنه لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا تؤخذ أموالها، والذي يتلف في غير القتال فمضمون، وأما في القتال فلا ضمان.
وإن كانت الفئتان باغيتين وكل يدعى لنفسه الحق فعلى المسلمين جميعا الإصلاح بما يحفظ على الناس دماءهم وأموالهم، ويمنع من وقوع الحرب والدمار.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ في هذه الآية تقرير لما أمر الله به من الإصلاح في الآية السابقة وبيان للعلة، إذ لحمة الإيمان وقرابته أقوى من لحمة النسب وقرابته، والأخوة
стр. 2294
بين المؤمنين في الإسلام قوية الأواصر متينة الصلة، والناس حينما يرون أخوين في النسب اقتتلا أسرعوا في فض النزاع. ويبين الله هنا أن صلة الإيمان أقوى من صلة النسب
«المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يعيبه» .
واعلموا أن تقوى الله هي العلاج العام الذي يمنع النزاع، ويفك الخصام وهي سبيل الرحمة وطريق النجاة.
إرشادات إلهية في المعاشرة والاجتماع [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ١١ الى ١٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)
المفردات:
لا يَسْخَرْ السخرية: الاستهزاء والنظر إلى المسخور منه بعين النقص
стр. 2295
والاحتقار. قَوْمٌ: هم الرجال خاصة لأنهم القوامون على النساء.
وَلا تَلْمِزُوا اللمز: الطعن والضرب باللسان والتنبيه على المعايب. تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ المراد: لا يدع بعضكم بعضا بلقب قبيح. الِاسْمُ أى: الذكر، مأخوذ من قولهم: طار اسمه في الآفاق، أى: ذكره وشهرته. اجْتَنِبُوا: كونوا على جانب والظن على آخر، والمراد التباعد. الظَّنِّ: حد وسط بين العلم والوهم، وهم اسم لما يحصل في النفس عن أمارة قوية أو ضعيفة. الإثم: الفعل المعوق عن الثواب. وَلا تَجَسَّسُوا الجس: جس العرق باليد وتعرف نبضه للحكم عليه، وهو أخص من الحس، أى: التحسس فإنه يدرك بإحدى الحواس.
وَلا يَغْتَبْ الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره. شُعُوباً الشعب: الجماعة من الناس التي لها وطن خاص وهو أعم من القبيلة.
إنه لترتيب إلهى عال حيث رتب مسألة النزاع والقتال بين الطوائف والأشخاص على أنباء الفاسقين، ووقيعة الدساسين، ولذا نبهنا فيما سبق إلى التبين والتثبت في تلقى الأخبار، وإنه لنسق فريد أن يسوق تلك الإرشادات الإلهية في هذه الآيات التي تتضمن سل السخائم وإماتة الأحقاد حتى تصبح الأمة الإسلامية كالجسد الواحد بعد ذلك.
المعنى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ نادانا الله بوصف الإيمان لينهانا عن السخرية وغيرها ليشعرنا بأن ما يدعونا إليه من إرشاد هو مقتضى الإيمان الصحيح.
يا أيها المؤمنون لا يسخر رجل أو جماعة من رجل آخر أو جماعة أخرى، والسخرية بالناس رذيلة تغضب الرحمن، وترضى الشيطان، وتثير كوامن الفتن، وبواعث الشر، وهي صفة المجردين من الخير المنغمسين في حمأة الرذيلة، فالسخرية دليل خبث الطوية، وسوء السريرة ودناءة النفس ولا يصح أن يسخر نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرا منهن، فالمستهزأ به غالبا يكون خيرا عند الله وأفضل من المستهزئ.
وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وتلك مرتبة ثانية، وأن المؤمنين كالجسد الواحد كأن من لمز غيره وعابه كأنه لمز نفسه، ولعل المعنى أنك تلمز نفسك بسبب لمزك لغيرك كما ورد
стр. 2296
في
الحديث «من الكبائر أن يشتم الرّجل والديه»
وفسر بأنك إذا شتمت غيرك فشتمك فكأنك شتمت نفسك.
وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ وكأن اللقب السيئ حجر تنبزه في وجه أخيك فينبزك هو بمثله، ولله در النبي ﷺ حيث يوصى بأن تدعو أخاك بأحب الأسماء إليه، وقد بدأ الله بالأهم حيث نهانا عن السخرية التي هي داء له دواع كثيرة منها حب التظرف، والرغبة في جلب السرور على الحاضرين، ومنها الحسد الكامن والداء الباطن، ثم ثنى باللمز لما فيه من الخفاء والإشارة، وصاحبه قد يستخف به، ثم ختم هذه الإرشادات بالتنابز بالألقاب لأنه أخفها فقد يكون اللقب المكروه مما يتسامح فيه صاحبه إذا شاع وذاع.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ ... (الآية) . وهذه إرشادات لما ينبغي مراعاته في حق المسلم إذا غاب، بعد بيان ما يجب مراعاته في حق المسلم وهو حاضر من ترك السخرية به واللمز عليه والتنابز معه بالألقاب.
وهذا القسم مشتمل على ثلاثة أمراض:
(أ) الظن السيّئ.
(ب) تتبع عورات أخيك.
(ج) إشاعة عوراته بين الناس بالغيبة، وتلك صفات لعمري تتنافى مع الإيمان الصحيح ولا يصح أن تكون في المؤمنين.
ولذا صدر الكلام بالنداء بوصف الإيمان، ولقد أخذ هذا القسم بالتدرج الطبعي، فإن أول بوادر الشر أن يخطر ببالك ظن سىء وتأويل غير مقبول لفعل أخيك، فتأخذ في تأكيد هذا الخاطر وتثبيته وبتتبع حركاته واستقصاء أعماله، لتبنى من ذلك كله عقائد يعلم الله أنها على أسس من الوهم والظن السيئ، وربما فعلها أخوك من غير قصد، ولو كان قلبك سليما من سوء الظن لما فهمت هذا، ثم يأتى بعد هذا التجسس دور الغيبة وإذاعة السوء محبة أن تشيع الفاحشة بين المؤمنين، وهو دور التقاطع والتدابر، والتباغض، وربما تفاقم الشر حتى يصل إلى أعلاه، وقد كان السبب أوهاما وخيالات لا أساس لها.
стр. 2297
يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن، وهذا أعلى أسلوب وأدقه حيث قال:
اجتنبوا كثيرا من الظن، فإن من الظن ما هو مطلوب كالاحتياط في دفع الأذى عن النفس والمال، والظن في استنباط الأحكام الشرعية، والظن في وجوه الكسب والعمل كالذي يحصل من أصحاب العمل والتجارة، أما الظن السيئ الذي نهانا عنه هو ما يحيك في نفوس بعض الناس بالنسبة لإخوانهم، إذا رأى أحدهم عملا يحتمل في تأويله الخير والشر، فيؤوله هو ويحمله على جانب الشر، والذي دفعه إلى ذلك منافسة ومناظرة بينه وبين أخيه، ويؤيده في ذلك اعتقاد خاطئ أن الناس كلهم شر وفساد فيتبرم بهم ويتنكر لهم ويظن بهم الظنون، وهو داء استشرى بين الناس، فنحن في حاجة ماسة إلى التمييز بين الظن الحسن بأنواعه والظن السيئ الكثير الوقوع، وما أدق قول الله بعد ذلك:
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ نعم هو موقع في الإثم والحرج، وإذا كان بعض هذا الظن يوقع في هذا الإثم المبهم، أليس من الحكمة والعقل البعد عن الكثير من هذا النوع؟ حتى نسلم من آثامه،
والنبي يقول في حديثه: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من النّاس، فمن اتّقى الشّبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في الشّبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه»
والحديث وإن كان في أعمال الجوارح فخطرات القلوب وأعمالها أشد وأدهى.
والظن المنهي عنه هو ما يترتب عليه الإضرار بالناس، أما ما ينشأ عنه من الاحتراس المأمور به والتحفظ الذي لا يضر الغير فهذا مطلوب، وهو من الحزم «الحزم سوء الظّنّ» وقيل: حسن الظن ورطة وسوء الظن عصمة.
وَلا تَجَسَّسُوا هذا هو الدور الثاني للظن السيئ فإن الإنسان يظن بأفعال أخيه الظنون ثم ينظر فيها فلا يجد لها أسبابا قوية فيأخذ في البحث وتتبع العورات لعله يجد ما يؤيد ظنه، وهو في ذلك إن رأى حسنة أعرض عنها، وإن رأى سيئة شنع بها، ذلك من ضعف الإيمان، وسوء الاعتقاد،
ولقد صدق رسول الله حيث قال خطيبا: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه: لا تتّبعوا عورات المسلمين فإنّ من تتبّع عورات المسلمين فضحه الله في قعر بيته»
نعم فإنه لا يعمل هذا إلا ضعيف الإيمان حقّا، وليس المربى والراعي داخلين في ذلك حيث يتتبعان العورات للإصلاح لا لإشاعة السوء والتشنيع.
стр. 2298
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً
ولقد روى أنه ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا. الله ورسوله أعلم، قال: «هي ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت لو كان في أخى ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه» .
والغيبة تباح عند رفع الظلم، والشهادة في الخصومات، والاستشارات العامة، وكالتشنيع على المتجاهر بالمعصية، وما أروع هذا التمثيل حيث يقول الله: أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً وحقا من ولغ في العرض فكأنه أكل اللحم من أخيه وهو ميت لا يقدر على رده، وكذلك المغتاب في غيبة أخيه ينهش من عرضه وهو لا يستطيع رده، فهذا أسلوب غاية في التنفير من الغيبة، ثم أتبع ذلك بقوله:
فَكَرِهْتُمُوهُ فقد صور المغتاب بصورة من يحب شيئا، حقه أن يكون في غاية الكراهية وهو أكل لحم الأخ، وزاده أن صوره بصورة الميت، وحقه أن يكون منه أنفر، وخلاصة المعنى: إن يفعل ذلك أحد فقد كرهتموه واتقوا الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم، وهو بالمؤمنين رءوف رحيم.
«وبعد» : فالغيبة عادة مرذولة، وصفة مستهجنة، كثيرا ما أودت بالصلات، وأثارت الأحقاد، وشتتت من جمع، وفرقت من شمل، وهي مع هذا عذابها شديد وعقابها أليم، وهي بالفساق أولى فاتقوا الله واجتنبوها
«وهل يكبّ النّاس على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم» صدق رسول الله.
ما مضى كانت إرشادات إسلامية يوجهها الله إلى المؤمنين ليبين لهم أن مقتضى الإيمان ألا يحصل هذا منكم كما عرفنا سابقا. وهنا قال: «يا أيها الناس» لأن هذا الداء الذي هو التفاخر والتباهي بالأنساب والأحساب داء قديم عام في جميع الأمم، فهو يعرض للناس من حيث كونهم ناسا فهو في طبيعة الإنسان، ولقد عالج الله هذا الداء علاجا حاسما حكيما، فإنك تفضل هذا على ذاك إذا كان من معدن وهو من آخر، أو هذا من صنع فلان، وذاك من صنع فلان، فإذا كانت المادة واحدة والصانع واحدا ففيم إذن الاختلاف والتفاضل؟!
стр. 2299
يا أيها الناس: الله خلقكم من تراب وماء وكنتم من ذكر وأنثى، فالأصل واحد والخالق واحد ففيم تتفاضلون؟ وبأى شيء تفتخرون؟
وهذه هي الديمقراطية الصحيحة، وهكذا تحطيم الفروق والطبقات، أما الديمقراطية الكاذبة التي ما زالت تفرق بين الأجناس والألوان كما نرى في أمريكا الآن وجنوب أفريقيا فشيء لا يقره الدين الإسلامى الذي أصبح- وللأسف- مضغة في أفواه جنود أمريكا وأعوانها من مبشرين وملاحدة.
الله خلقكم من آدم وحواء ليس غير، وجعلكم شعوبا وقبائل، وميزكم أشكالا وأجناسا ليكون ذلك أدعى إلى التعارف، ففي التنويع تقريب للضبط وعون على المعرفة، فكيف انقلب هذا وأصبح مدعاة للمفاخرة الكاذبة، ووسيلة للتدابر والتناكر والتقاطع؟
وإذا كان لا بد من أن يفضل بعضكم بعضا فاعلموا أن التسابق يجب أن يكون بالأعمال الشخصية، وليس هناك أفضل من تقوى الله عملا، فبذلك فليفرح المؤمنون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ولا فضل لعربي على أعجمى إلا بالتقوى، والتقوى أمر عام جماعها الخوف من الله والعمل على ما يرضيه، وهذا باب واسع يشمل خيرى الدنيا والآخرة، فليست التقوى محصورة في أضيق حدودها، بل هي جماع كل خير، وأساس كل فضل، والله- سبحانه- هو العليم بها، والخبير بعباده، وسيجازى كلا على عمله الظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم.
الإيمان الصحيح [سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ١٤ الى ١٨]
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)
стр. 2300
المفردات:
آمَنَّا الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، وقد أخذ منه الإيمان وهو التصديق والإذعان بالحق مع الأمن، والإسلام والاستسلام والانقياد الظاهري وترك التمرد والعناد، وقد يكون معه إخلاص وقد لا يكون، وفي عرف الشرع استعملهما مترادفين تارة، أى: بمعنى واحد ومختلفين مرة أخرى كما في هذه الآية، وكما في حديث جبريل حين سأل النبي عن الإيمان
فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالبعث بعد الموت وبالحساب وبالقدر خيره وشرّه»
ولما سأله عن الإسلام
قال: «أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصّلاة وتؤدّى الزّكاة وتصوم رمضان» .
لا يَلِتْكُمْ لاته يليته عن كذا: صرفه عنه، ونقصه حقه، ولا يلتكم من أعمالكم أى ينقصكم من أعمالكم شيئا. يَرْتابُوا رابه: أوقعه في الشك والتهمة، وارتاب: وقع في الشك، ومنه قيل: ريب المنون للشك فيه من جهة وقته.
يَمُنُّونَ المن: تعداد النعم اعتدادا بها وإظهارا لفضل صاحبها، وأصله من المن:
وهو القطع، كأن المان قطع نظره عن الجزاء أو قطع حاجة المنعم عليه.
стр. 2301
روى أن هذه الآية نزلت في بنى أسد بن خزيمة كانوا يقيمون في جوار المدينة فأصابهم سنة مجدبة فقدموا إلى النبي ﷺ وأظهروا الإسلام، وصاروا يقولون للنبي ﷺ : جئناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما تقاتلك بنو فلان ويقولون: آمنا فاستحققنا الكرامة، وهم يريدون بذلك أعراض الدنيا، وكانوا يمنون على النبي بإسلامهم ويستجدون به
، وعلى ذلك فليس المراد كل الأعراب بل هم قوم مخصوصون منهم.
المعنى:
قالت الأعراب- وهم بنو أسد وإن كان اللفظ يتناول كل من أراد بدينه وإسلامه وتقواه عرضا من أعراض الدنيا- قالت الأعراب: آمنا بالله ورسوله، وهم في الواقع لم يؤمنوا إيمانا كاملا خالصا لوجه الله، ولذا يقول الله: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وهذا تكذيب لهم في دعواهم الإيمان، فإن الإيمان تصديق وإذعان، وامتلاء القلب بنور اليقين، وأولئك قوم ألجأتهم ظروفهم إلى ادعاء ذلك، ولذا يقول الله ما معناه: ما كان يصح أن تقولوا: آمنا. ولكن قولوا: أسلمنا وانقدنا ظاهريا فقط للنجو من القتل والأسر وننعم بالفيء عند المسلمين، فلا تكذبوا على علام الغيوب فإنه يعلم السر وأخفى.
ثم عاد القرآن فجبر خاطرهم ونفى عنهم الإيمان مع ترقب حصوله لهم فقال: ولما يدخل الإيمان قلوبكم، أى: إلى الآن لم يدخل، ولكنه سيدخل فيها إن شاء الله وهذا تشجيع لهم على العمل والدخول حقّا في صفوف المؤمنين فقال: وإن تطيعوا الله ورسوله لا ينقصكم من أعمالكم شيئا بل يوفيكم جزاءها كاملا غير منقوص فهيا اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، إن الله غفور للمؤمنين رحيم بهم.
وبعد هذا ألسنا في حاجة إلى بيان الإيمان حقا، وإلى تعرف المؤمنين وصفاتهم حتى نكون على بينة من أمرهم؟ نعم يقول الله شارحا الإيمان ومبينا صفات المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... (الآية) . وقد ذكر الله صفات لهم عدة في هذه الآية وفي غيرها..
١- المؤمنون هم الذين آمنوا بالله على أنه واهب الوجود، والقادر على كل موجود، والعالم بالسر وأخفى، والمحيط بخفايا النفوس والعليم بذات الصدور، وهو
стр. 2302
صاحب الفضل، وصاحب الطول، ولا حول لأحد عنده ولا قوة، إليه يرجع الأمر كله وكل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون.
٢- وآمنوا برسوله محمد ﷺ على أنه خاتم الرسل وإمامهم، وأنه المبلغ عن ربه كل شيء، وأنه عبد الله ورسوله إلى الناس جميعا، وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى علمه شديد القوى.
٣- ثم لم يرتابوا في شيء بل كان إيمانهم عن عقيدة ثابتة، ويقين كامل لا تزعزعه العواصف، ولا تدفعه الرياح، آمنوا بالله ورسوله لأنه حق وواجب بقطع النظر عن أى شيء آخر لم يكن إيمانهم لغرض، فإن أعطوا منه رضوا، وإن لم يعطوا منه إذا هم يسخطون، ومن هنا كان نفى الريب والشك درجة عليا تناسب ذكر (ثم) معه.
٤- الجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس محك الإيمان ودليله، وعنوانه وأساسه، فليس الإيمان دعوى تردد باللسان، ولا خداع بالكلام، وإنما هو جهاد للنفس وللعدو ولأعداء الإسلام، ودعوته جهاد في سبيل الله فقط ولإعلاء كلمة الله فقط لا لدنيا يصيبها أو لغرض يحققه، ولقد سئل ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة. ويقاتل حمية، ويقاتل رياء: أى ذلك في سبيل الله؟
فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»
ومعنى كون كلمة الله هي العليا أن يكون الناس أحرارا في أن يدينوا بدين الله وأن يدعوا إلى سبيل الله، لا يمنعهم من ذلك مانع.
أولئك الموصوفون بما ذكرهم الصادقون في إيمانهم ودعواهم لا هؤلاء الأعراب من بنى أسد.
روى أنه لما نزلت تلك الآية التي تقضى بتكذيبهم جاءوا وحلفوا أنهم مؤمنون وصادقون فنزلت هذه الآية أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ
لتكذيبهم وتسفيه عقولهم إذ هم يخاطبون الرسول الذي يستقى علمه من علام الغيوب العليم بذات الصدور فكيف تنطلى الأكاذيب عليه، وهو يعلم كل ما في السموات، وما في الأرض، وهو بكل شيء عليم.
يمنون عليك أيها الرسول أن أسلموا، سمى الله ما أظهروه إسلاما، ونفى أن يكون إيمانا كما زعموا، قل لهم يا محمد: لا تمنوا على إسلامكم، وفي إضافة الإسلام لهم معنى
стр. 2303
دقيق، أى: الذي تظهرونه ينبغي ألا يسمى إسلاما إلا عندكم فقط إذ هو استسلام منشؤه الرهبة والخوف لا التصديق الخالص، بل الله يمن عليكم أن دلكم على الإيمان الصحيح وأرشدكم إليه، وإن كنتم لم تنتفعوا بالإرشاد، ولم تصلوا إلى المراد، فالهداية هنا بمعنى الدلالة فقط وصلت أم لم تصل، إن كنتم صادقين فاعترفوا بذلك كله فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
تلك أحكام اللطيف الخبير، وإرشادات العليم البصير الذي يعلم غيب السموات والأرض وهو بصير بما تعملون، وسيجازيكم عليه، وهذا ختام للسورة رائع.
стр. 2304
سورة ق
وهي مكية كلها عند الكثير،
وفي رواية لمسلم عن أم هشام بنت حارثة قالت: لقد كان رسول الله ﷺ يقرأ هذه السورة كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس
،
وفي رواية أخرى أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الأضحى والفطر ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ واقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.
وهي كغيرها من السور المكية تعرضت للبعث ومنكريه، وضربت الأمثال بالأنبياء وأممهم وكيف كانت عاقبتهم، ثم تعرضت لخلق الإنسان ونهايته، ولأحوال يوم القيامة وما فيها من جنة ونار، ونعيم وجحيم، ويتخلل ذلك ذكر بعض آيات الله الشاهدة على إمكان البعث وأنه في قدرته، فمحور الكلام في هذه السورة يدور حول إمكان البعث وإثباته.
إنكارهم للبعث والدليل عليه [سورة ق (٥٠) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤)
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١)
стр. 2305
المفردات:
ق تقرأ هكذا. قاف بإسكان الفاء، وهي قراءة حفص المشهورة.
عَجِيبٌ العجيب: الأمر الذي يتعجب منه، وكذلك العجاب والأعجوبة.
رَجْعٌ أى: رجوع. تَنْقُصُ: تأكل. مَرِيجٍ: مضطرب.
فُرُوجٍ: شقوق تعيبها. زَوْجٍ: صنف من النبات. بَهِيجٍ: يحصل به السرور. مُنِيبٍ: راجع إلى الله وتواب. جَنَّاتٍ: جمع جنة وهي البستان.
الْحَصِيدِ: ما يحصد كالشعير والقمح وغيرهما. باسِقاتٍ: طويلات.
نَضِيدٌ: متراكب بعضه فوق بعض.
المعنى:
لقد افتتح الله هذه السورة الكريمة بحرف من حروف المعجم، ثم بالكلام على القرآن الكريم، وهذا هو الشأن العام في السور المكية المفتتحة بالحروف التي لا تزال سرّا بين الله والنبي فالله ورسوله أعلم بها..
ولقد أقسم الحق- ﵎ بالقرآن المجيد على أنك يا محمد جئت منذرا بالبعث، فشكوا في صدقك، ويا ليتهم ظلوا في شكهم يتحيرون بل جزموا بخلاف ذلك وأنكروا البعث مطلقا حتى جعلوا إثبات البعث من الأمور العجيبة بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ.
стр. 2306
وفي وصف القرآن بالمجيد بيان لاشتماله على المكارم الدينية والدنيوية التي تكفل السعادة لمن اتبعها في الدارين، ولعل وصف القرآن بذلك لأنه كلام الإله المجيد الرحمن الرحيم ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ...
هؤلاء الكفار عجبوا لأن جاءهم رسول منهم ينذرهم بالبعث، فأنكر الله عليهم تعجبهم مما ليس بعجب «١» ، وهو أن ينذرهم رجل منهم قد عرفوا فيه العدالة والصدق والأمانة حتى لقبوه بالأمين، ومن كان كذلك لم يكن إلا ناصحا لقومه عطوفا عليهم رائدا لهم غير كاذب عليهم- كما أقروا له بذلك قبل البعثة- ومثل هذا الرجل إذا رأى خطرا عليهم أنذرهم به، والنبي ﷺ أنذرهم بما هو غاية في المخاوف، ونهاية في المتاعب لو ظلوا على شركهم، والله- ينكر عليهم تعجبهم مما أنذرهم به من البعث مع علمهم بقدرة الله- تعالى- على خلق السموات والأرض وما بينهما، وإقرارهم له بأنه خلق العالم أولا، والعقل شاهد عدل بإمكان البعث بل لا بد منه ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالحسنى، وليجزي الذين أساءوا بالسوء.
فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ وتلك حكاية لتعجبهم «٢» والإشارة لكونه ﷺ منذرا بالقرآن، والكلام عن هؤلاء الكفار أولا بالإضمار في قوله: بَلْ عَجِبُوا ثم بالإظهار في قوله: فَقالَ الْكافِرُونَ للإشارة إلى تعيينهم بما أسند إليهم أولا، والتسجيل عليهم بالكفر ثانية.
ثم أكدوا تعجبهم من الإيمان بالبعث فقالوا: أإذا متنا وكنا ترابا نبعث؟!! أى: حين نموت ونصير ترابا نرجع؟ إن ذلك رجوع بعيد جدّا عن الأوهام والعقول والواقع.
ترى أن أساس إنكارهم للبعث وتعجبهم منه أنهم يظنون أن إعادة الجسم بعد التفرق والانحلال والصيرورة إلى تراب أمر بعيد جدّا بل هو محال، ومن الذي يجمع الجزئيات بعد تفرقها في التراب أو ذهابها في بطون السباع والوحوش والأسماك؟ ومن الذي يحصى
стр. 2307
كل هذا حتى لا يفلت منه جزئى؟ إن ذلك لرجع بعيد جدا!! فيرد الله عليهم بأبلغ رد وآكده: ببيان علمه الشامل، وقدرته الكاملة، وضرب الشواهد المادية والأمثال على ذلك قد علم ربكم الذي خلقكم ورزقكم، وخلق ما أظلكم وما حملكم قد علم علما أكيدا ما تأكل الأرض من لحومكم وعظامكم، وما يتفرق منها في كل ناحية وهو العليم بكل شيء المحيط بكل ما في السموات وما في الأرض. وعنده كتاب حافظ لتفصيل كل شيء، ولعل المراد بالكتاب تمثيل علمه تعالى بالكليات والجزئيات والأشكال والألوان وبكل شيء أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ [سورة الملك آية ١٤] .
بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ وهذا إضراب- أفاده لفظ بل- بل جاء بعد الإضراب الأول للدلالة على أنهم جاءوا بأفظع وأشنع من تعجبهم السابق بالإنذار، والمعنى أن هؤلاء كذبوا بالحق الذي هو القرآن أو النبوة مع قيام الشواهد المحسوسة والمعقولة على ذلك، التي لا تقبل شكا، كذبوا به بمجرد مجيئه من غير تفكير ولا روية وهذا تكذيب أفظع وأشد من الأول، فهم في أمر مضطرب حيث أنكروا النبوة على الإطلاق مرة، ومرة قالوا: إنه لا يستحقها إلا رجل غنى، ومرة قالوا: إن النبي ساحر وتارة كاذب، وأخرى كاهن، وهذا شأن المتردد الذي يبنى حكمه على غير أساس.
وهذه مظاهر قدرته تعالى شاهدة عليهم: أغفلوا فلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بناها الله بقدرة قادرة وسواء قلنا: إنها جرم- وهو الأصح- أو قلنا بغير ذلك فهي بلا شك قد بنيت بإحكام، ورفعت بدقة كاملة وقدرة واسعة. وكيف زينها بنجوم للناظرين، وليس لها فروج، وليس فيها شقوق، ولا عيوب.
أفلم ينظروا أيضا إلى الأرض كيف بسطها وكورها، وألقى فيها رواسى شامخات وأنبت فيها نباتا حسنا من كل صنف يأخذ الألباب، ويستهوى القلوب، ويسر الناظرين فعل ذلك كله تبصرة وذكرى لكل عبد تواب منيب وأنزل من السماء ماء مباركا كثير الخير والبركة، كثير النفع والخيرات، فأنبت منه جنات وعيونا، وزروعا وكروما، وأنبت به حب الزرع الذي يحصد كالبر والشعير والأرز وغيره، وانظر إلى النخل الباسقات الفارعات، لها طلع قد صف بعضه فوق بعض بنظام دقيق.
стр. 2308
كل ذلك جعله رزقا لعباده، فهل يليق منهم الكفر والتكذيب؟! وانظر إلى الماء وقد أحيا به بلدة ميتة لا نبات بها، أحياها بالخضرة والنبات بين عشية أو ضحاها، إن الذي قدر على ذلك كله ليس عليه بعزيز أن يعيد خلقكم للبعث والثواب، ومثل ذلك المتقدم الخروج من القبور للبعث والحساب، وما ذلك على الله بعزيز..!
العبرة من سير الأولين [سورة ق (٥٠) : الآيات ١٢ الى ١٥]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)
المفردات:
الرَّسِّ: البئر التي لم تطو. الْأَيْكَةِ: وهي الغيضة سموا بها تُبَّعٍ هو تبع الحميرى وكان مؤمنا وقومه كفار. أَفَعَيِينا العي: العجز، تقول: عييت بالأمر: إذا لم تعرف وجهه.
المعنى:
هكذا الرسل جميعا جاءوا بالتوحيد وإثبات البعث، وكذبتهم، أممهم أى:
أكثرهم، فاستحقوا العقاب الشديد من الله، فانظروا يا آل مكة موقفكم من رسولكم الذي أرسل إليكم.
كما كذب المشركون من العرب بالبعث كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب البئر المعروفة، قيل: هم قوم شعيب، وكذبت قوم ثمود، وقوم عاد، وفرعون وقومه،
стр. 2309
وقوم لوط الذين كانوا إخوانه، وقوم تبع الحميرى، وقد مضى قبل ذلك قصص هؤلاء في غير موضع، كل كذب الرسل فيما أرسلوا من أجله، وخاصة أمر البعث، فوجب عليهم وعيد ربك، وحقت عليهم كلمة العذاب.
أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ؟ وهذا استئناف مقرر لصحة البعث الذي حكيت أحوال المنكرين له، والمعنى: أقصدنا الخلق الأول- أى بدء الخلق- فعجزنا عنه حتى يتوهم عجزنا عن الإعادة؟! إنهم معترفون بذلك، وأن الله هو الذي خلق الخلق أولا، فلا وجه لإنكارهم البعث، بل هم في خلط وشبهة من هذا الخلق الثاني، أى:
البعث..
تقوى الله والخوف من عذابه يوم القيامة [سورة ق (٥٠) : الآيات ١٦ الى ٣٥]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥)
стр. 2310
المفردات:
ما تُوَسْوِسُ الوسوسة: الصوت الخفى، ومنه وسواس الحلي، أى: صوت الحلية، والمراد هنا حديث النفس. حَبْلِ الْوَرِيدِ: هو عرق في صفحة العنق.
يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ: يأخذ ويثبت الملكان الموكلان بالإنسان. قَعِيدٌ: جالس.
رَقِيبٌ عَتِيدٌ الرقيب: الحافظ للأعمال المراقب لها، والعتيد: الحاضر الذي لا يغيب. سَكْرَةُ الْمَوْتِ: شدته التي تذهب بالعقل. تَحِيدُ: تنفر وتهرب. سائِقٌ وَشَهِيدٌ أى: ملكان أحدهما يسوقه إلى المحشر والآخر يشهد عليه. حَدِيدٌ أى: حاد قوى. عَتِيدٌ أى: مهيأ لجهنم. عَنِيدٍ: معاند ومجانب للحق. مُعْتَدٍ: ظالم متخط للحق. مُرِيبٍ: شاك في الله وفي أخباره. ما أَطْغَيْتُهُ: ما أوقعته في الطغيان. وَأُزْلِفَتِ: قربت.
أَوَّابٍ: كثير الرجوع إلى الله. حَفِيظٍ: كثير الحفظ لحدود الله.
مُنِيبٍ: مقبل على الطاعة. مَزِيدٌ: زيادة.
المعنى:
يقول الله- ﷻ : ولقد خلقنا الإنسان وأبدعنا صورته، وأكملنا خلقته، ونحن نعلم السر وأخفى، ونعلم ما توسوس به نفسه، وما يستكن في ضميره، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فالله يعلم ما يخفيه الإنسان ويكنه في نفسه، من الخواطر
стр. 2311
وحديث النفس، ولا غرابة في ذلك، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد، وهذا تمثيل لكمال القرب، مع أن الله منزه عن الحلول في مكان وزمان، فهو قرب علم به وإحاطة بأحواله كلها فكأن ذاته قريبة منه «١» .
ومع كمال العلم بالإنسان، وتمام الإحاطة بأحواله، ونفاذ قدرته عليه، وكل به ملكين يكتبان ويحصيان عليه عمله، إلزاما للحجة، وقطعا للمعذرة.
فالله أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان اللذان يأخذان عنه ويحصيان عليه، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات، ما يلفظ الإنسان من قول، ولا يعمل من عمل إلا لديه ملكان موصوفان بأنهما رقيبان وعتيدان، فكل منهما رقيب، أى: حافظ للأعمال متتبع لأمور الإنسان، يحصيها ويسجلها، وكل منهما عتيد، أى: حاضر مهيأ معد لذلك.
وقال بعض العلماء: في هذه الآية رهبة وهيبة وخوف وفزع لقوم، وسكون وأنس وطمأنينة لقوم آخرين، فهنيئا للعاملين المؤمنين، وبؤسا وهلاكا للكافرين والفاسقين!! ويا حسرة على العصاة والمذنبين! حيث ينزل بهم الموت وفزعه، فتراهم سكارى من هول ما يلاقونه وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ نعم كل إنسان يلاقيه الموت وشدته وتغمره غمرته التي تغلب عقله، وتلهيه عمن حوله، ويشغله عن ماله وولده، وعند ذلك يظهر له الحق، ويتضح له الأمر، ويدرك مكانه، ويرى عمله وأن ما جاءت به الرسل من الإخبار بالبعث والثواب والعقاب حق لا شك فيه ولا مراء، تلك مواقف شديدة على غير المؤمنين، أما المؤمنون فعند سكرات الموت يبشون ويفرحون لما يرون من مقدمات الخير الذي ينتظرهم.
ذلك هو الموت وما فيه، الذي كنت أيها الكافر منه تحيد وعنه تميل.
ونفخ في الصور النفخة الثانية ليقوم الناس لرب العالمين، ذلك الوقت الذي أوعد الله به الكفار والعصاة، وانظر- رعاك الله- إلى قوله: وجاءت كل نفس معها سائق
стр. 2312
وشهيد، أى: سائق يسوقها إلى نتيجة عملها، وشاهد يشهد لها بعملها ويقال لها:
تالله لقد كنت أيها الإنسان في غفلة من هذا الذي نزل بك- وكل إنسان وله اشتغال ما عن الآخرة- فكشفنا عنك غطاءك، وأزلنا عنك غفلتك التي كانت عندك في الدنيا، بانهماكك في المحسوسات، واشتغالك بالماديات، وقصر نظرك عليها، فبصرك اليوم حاد وقوى تدرك به ما غفلت عنه أو أنكرته في الدنيا.
وقال قرينه- وهو شيطانه الذي قيض له في الدنيا-: هذا- والإشارة إلى نفس الشخص الكافر- الذي عندي وفي ملكي عتيد لجهنم، أى: قد هيأته لها بإغوائى وإضلالى «١» ، فيقال للموكل به من الملائكة: ألقيا في جهنم كل كفار معاند للحق مجانب له، مناع للخير، معتقد ظالم، شاك في دينه مرتاب في ربه، الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه- والأمر للسائق والشهيد كما مضى- في العذاب الشديد.
وحينما يلقى الكافر في جهنم يقول: يا رب أطغانى الشيطان وأضلنى!! فيقول الشيطان «٢» : ربنا ما أطغيته ولا أضللته ولكن كان هو في ضلال بعيد الغور، فأنا وسوست له وزينت له السوء فقط، وهو الذي ارتكب الإثم بنفسه بعد اختياره له وقصده، وبعد ما جاء التحذير له من السماء مرارا، فيا رب: ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد يستحق معه هذا العقاب، فيقول الله: لا تختصموا لدى، والحال أنى قدمت لكم بالوعيد، وهو القرآن، وأنذرتكم على ألسنة الرسل، وحذرتكم من سوء العاقبة مرارا، ودعوتكم إلى الخير جهارا.
ما يبدل القول لدى، ولا معقب لحكمي، وقد حكمت بتخليد الكافر في النار وتعذيب العاصي بها على حسب عمله، ولن يغير هذا الحكم، وما ربك بذي ظلم للعباد.
стр. 2313
واذكر يوم نقول لجهنم: هل امتلأت جوانبك الفسيحة بمن دخلك من المذنبين؟
فتقول جوابا على هذا السؤال: هل من زيادة.
أى: لا أسع أكثر من ذلك فإنى قد امتلأت «١» .
ثم لما فرغ من بيان حال الكفار شرع في بيان حال المؤمنين يوم القيامة فقال ما معناه: وأزلفت الجنة وقربت للمتقين تقريبا غير بعيد فهم يشاهدونها ويرون فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويقال لهم: هذا ما توعدون أيها المتقون فهو لكم ولكل أواب كثير التوبة والرجوع إلى الله محافظ على حدوده ومحارمه لا يقربها، وهو من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب، ويقال للمتقين:
ادخلوها بسلام، أى: سالمين من كل خوف، ذلك يوم الخلود، لهم فيها ما يشاءون، وما يدعون، ولدي ربك الكريم مزيد من الفضل والإكرام.
«وبعد» : أليس في ذكر أحوال يوم القيامة، وما يلاقيه الإنسان فيها، جزاء على أعماله التي تحصيها الملائكة الكرام الكاتبون، بعد تصدير الآية بما يثبت لله القدرة القادرة والعلم التام بكل شيء أليس هذا كله مما يثبت عقيدة البعث، ويقوى الإيمان به؟ ويدعو إلى اقتفاء أثر المؤمنين به الذين ينعمون في الجنة التي أعدت لهم، وعند ربك فوق هذا كله مزيد من الفضل والإحسان لمن يؤمن بالله واليوم الآخر.
تهديد لمنكري البعث وختام السورة [سورة ق (٥٠) : الآيات ٣٦ الى ٤٥]
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠)
وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)
стр. 2314
المفردات:
قَرْنٍ القرن: الأمة والجماعة المتقدمة، سميت بذلك لأنها تتقدم غيرها كالقرن يتقدم الحيوان. فَنَقَّبُوا التنقيب: التنقير عن الأمر والبحث والطلب، وقرئ فنقبوا، أى: خرقوا في البلاد ودوخوا فيها غيرهم، والمراد طافوا في البلاد من أقصاها إلى أقصاها طلبا للتجارة أو هربا من الموت. مَحِيصٍ: مهرب. لُغُوبٍ أى: تعب وإعياء. وَأَدْبارَ السُّجُودِ يقال: أدبر الشيء إدبارا: إذا ولى، وقرئ: وإدبار جمع دبر، والمراد بعد السجود، أى: الصلاة. الصَّيْحَةَ أى:
صيحة البعث. تَشَقَّقُ أصله: تتشقق، والمراد: تتفتح، ويخرجون من قبورهم.
يَسِيرٌ: سهل. بِجَبَّارٍ: تجبرهم على الإيمان.
стр. 2315
المعنى:
كثيرا من الأمم السابقة «١» ، والقرون الماضية قبلكم أهلكناهم بعذاب شديد عاجل لما كذبوا الرسل، وكفروا بالبعث، وقد كانت تلك الأمم أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا، وأصحاب تجارات ومصانع، هؤلاء اشتد بطشهم فنقبوا البلاد، وأكثروا فيها الفساد، وقيل: أكثروا في السفر والترداد والبحث والطلب عن المال والتجارة، فانظر هل من محيص أو محيد عن الله ولقائه؟ لا مناص منه ولا ملجأ إلا إليه، فاعتبروا أيها المنكرون وآمنوا أيها المشركون.
إن في ذلك لذكرى وعبرة لمن كان له قلب يعقل به فيرى الحسن حسنا والقبيح قبيحا، لأن من لا يتعظ بالمواعظ كأنه لا قلب له لمن كان له قلب يعقل أو أصغى بسمعه إصغاء من يريد أن يعرف الحق من غير تعصب، وهو شهيد، أى: حاضر بروحه وعقله لا بجسمه فقط، وكثيرا ما نعى الله على الكفار عدم استفادتهم لأن على قلوبهم الأقفال، وأنهم يحضرون بأجسادهم فقط أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها؟ ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما من عجائب في ستة أيام، وهو القادر على خلقها في لحظة، وما مسنا بعد ذلك إعياء ولا تعب، قيل: نزلت ردّا على اليهود الذين يقولون: إن الله استراح يوم السبت واستلقى على العرش بعد أن خلق الدنيا طلبا للراحة، وإذا كان هذا خلقه فكيف نستبعد عليه البعث؟!! ولقد ختم الله السورة بعلاج من حكيم خبير، علاجا لمن يدعو إلى الخير ويصاب بالأذى من قومه. ويجازى على الحسنة بالسيئة، ليس لهذا علاج إلا الصبر وأن يحتسب أجره عند الله، ويفوض أمره إليه، والله بصير بالعباد، وهو مع المؤمنين بالنصر والتأييد إن كانوا مؤمنين حقا.
اصبر يا محمد على ما يقولون، واستعن على ذلك بالتسبيح والصلاة، وتقوية الروح باللقاء المعهود مع خالق هذا الوجود، في الصلاة والمناجاة والتسبيح والتكبير، وسبح