← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

وحديث النفس، ولا غرابة في ذلك، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد، وهذا تمثيل لكمال القرب، مع أن الله منزه عن الحلول في مكان وزمان، فهو قرب علم به وإحاطة بأحواله كلها فكأن ذاته قريبة منه «١» . ومع كمال العلم بالإنسان، وتمام الإحاطة بأحواله، ونفاذ قدرته عليه، وكل به ملكين يكتبان ويحصيان عليه عمله، إلزاما للحجة، وقطعا للمعذرة. فالله أقرب إليه من حبل الوريد حين يتلقى المتلقيان اللذان يأخذان عنه ويحصيان عليه، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات، ما يلفظ الإنسان من قول، ولا يعمل من عمل إلا لديه ملكان موصوفان بأنهما رقيبان وعتيدان، فكل منهما رقيب، أى: حافظ للأعمال متتبع لأمور الإنسان، يحصيها ويسجلها، وكل منهما عتيد، أى: حاضر مهيأ معد لذلك. وقال بعض العلماء: في هذه الآية رهبة وهيبة وخوف وفزع لقوم، وسكون وأنس وطمأنينة لقوم آخرين، فهنيئا للعاملين المؤمنين، وبؤسا وهلاكا للكافرين والفاسقين!! ويا حسرة على العصاة والمذنبين! حيث ينزل بهم الموت وفزعه، فتراهم سكارى من هول ما يلاقونه وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ نعم كل إنسان يلاقيه الموت وشدته وتغمره غمرته التي تغلب عقله، وتلهيه عمن حوله، ويشغله عن ماله وولده، وعند ذلك يظهر له الحق، ويتضح له الأمر، ويدرك مكانه، ويرى عمله وأن ما جاءت به الرسل من الإخبار بالبعث والثواب والعقاب حق لا شك فيه ولا مراء، تلك مواقف شديدة على غير المؤمنين، أما المؤمنون فعند سكرات الموت يبشون ويفرحون لما يرون من مقدمات الخير الذي ينتظرهم. ذلك هو الموت وما فيه، الذي كنت أيها الكافر منه تحيد وعنه تميل. ونفخ في الصور النفخة الثانية ليقوم الناس لرب العالمين، ذلك الوقت الذي أوعد الله به الكفار والعصاة، وانظر- رعاك الله- إلى قوله: وجاءت كل نفس معها سائق

стр. 2312

وشهيد، أى: سائق يسوقها إلى نتيجة عملها، وشاهد يشهد لها بعملها ويقال لها: تالله لقد كنت أيها الإنسان في غفلة من هذا الذي نزل بك- وكل إنسان وله اشتغال ما عن الآخرة- فكشفنا عنك غطاءك، وأزلنا عنك غفلتك التي كانت عندك في الدنيا، بانهماكك في المحسوسات، واشتغالك بالماديات، وقصر نظرك عليها، فبصرك اليوم حاد وقوى تدرك به ما غفلت عنه أو أنكرته في الدنيا. وقال قرينه- وهو شيطانه الذي قيض له في الدنيا-: هذا- والإشارة إلى نفس الشخص الكافر- الذي عندي وفي ملكي عتيد لجهنم، أى: قد هيأته لها بإغوائى وإضلالى «١» ، فيقال للموكل به من الملائكة: ألقيا في جهنم كل كفار معاند للحق مجانب له، مناع للخير، معتقد ظالم، شاك في دينه مرتاب في ربه، الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه- والأمر للسائق والشهيد كما مضى- في العذاب الشديد. وحينما يلقى الكافر في جهنم يقول: يا رب أطغانى الشيطان وأضلنى!! فيقول الشيطان «٢» : ربنا ما أطغيته ولا أضللته ولكن كان هو في ضلال بعيد الغور، فأنا وسوست له وزينت له السوء فقط، وهو الذي ارتكب الإثم بنفسه بعد اختياره له وقصده، وبعد ما جاء التحذير له من السماء مرارا، فيا رب: ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد يستحق معه هذا العقاب، فيقول الله: لا تختصموا لدى، والحال أنى قدمت لكم بالوعيد، وهو القرآن، وأنذرتكم على ألسنة الرسل، وحذرتكم من سوء العاقبة مرارا، ودعوتكم إلى الخير جهارا. ما يبدل القول لدى، ولا معقب لحكمي، وقد حكمت بتخليد الكافر في النار وتعذيب العاصي بها على حسب عمله، ولن يغير هذا الحكم، وما ربك بذي ظلم للعباد.

стр. 2313

واذكر يوم نقول لجهنم: هل امتلأت جوانبك الفسيحة بمن دخلك من المذنبين؟ فتقول جوابا على هذا السؤال: هل من زيادة. أى: لا أسع أكثر من ذلك فإنى قد امتلأت «١» . ثم لما فرغ من بيان حال الكفار شرع في بيان حال المؤمنين يوم القيامة فقال ما معناه: وأزلفت الجنة وقربت للمتقين تقريبا غير بعيد فهم يشاهدونها ويرون فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويقال لهم: هذا ما توعدون أيها المتقون فهو لكم ولكل أواب كثير التوبة والرجوع إلى الله محافظ على حدوده ومحارمه لا يقربها، وهو من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب، ويقال للمتقين: ادخلوها بسلام، أى: سالمين من كل خوف، ذلك يوم الخلود، لهم فيها ما يشاءون، وما يدعون، ولدي ربك الكريم مزيد من الفضل والإكرام. «وبعد» : أليس في ذكر أحوال يوم القيامة، وما يلاقيه الإنسان فيها، جزاء على أعماله التي تحصيها الملائكة الكرام الكاتبون، بعد تصدير الآية بما يثبت لله القدرة القادرة والعلم التام بكل شيء أليس هذا كله مما يثبت عقيدة البعث، ويقوى الإيمان به؟ ويدعو إلى اقتفاء أثر المؤمنين به الذين ينعمون في الجنة التي أعدت لهم، وعند ربك فوق هذا كله مزيد من الفضل والإحسان لمن يؤمن بالله واليوم الآخر. تهديد لمنكري البعث وختام السورة [سورة ق (٥٠) : الآيات ٣٦ الى ٤٥] وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)

стр. 2314

المفردات: قَرْنٍ القرن: الأمة والجماعة المتقدمة، سميت بذلك لأنها تتقدم غيرها كالقرن يتقدم الحيوان. فَنَقَّبُوا التنقيب: التنقير عن الأمر والبحث والطلب، وقرئ فنقبوا، أى: خرقوا في البلاد ودوخوا فيها غيرهم، والمراد طافوا في البلاد من أقصاها إلى أقصاها طلبا للتجارة أو هربا من الموت. مَحِيصٍ: مهرب. لُغُوبٍ أى: تعب وإعياء. وَأَدْبارَ السُّجُودِ يقال: أدبر الشيء إدبارا: إذا ولى، وقرئ: وإدبار جمع دبر، والمراد بعد السجود، أى: الصلاة. الصَّيْحَةَ أى: صيحة البعث. تَشَقَّقُ أصله: تتشقق، والمراد: تتفتح، ويخرجون من قبورهم. يَسِيرٌ: سهل. بِجَبَّارٍ: تجبرهم على الإيمان.

стр. 2315

المعنى: كثيرا من الأمم السابقة «١» ، والقرون الماضية قبلكم أهلكناهم بعذاب شديد عاجل لما كذبوا الرسل، وكفروا بالبعث، وقد كانت تلك الأمم أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا، وأصحاب تجارات ومصانع، هؤلاء اشتد بطشهم فنقبوا البلاد، وأكثروا فيها الفساد، وقيل: أكثروا في السفر والترداد والبحث والطلب عن المال والتجارة، فانظر هل من محيص أو محيد عن الله ولقائه؟ لا مناص منه ولا ملجأ إلا إليه، فاعتبروا أيها المنكرون وآمنوا أيها المشركون. إن في ذلك لذكرى وعبرة لمن كان له قلب يعقل به فيرى الحسن حسنا والقبيح قبيحا، لأن من لا يتعظ بالمواعظ كأنه لا قلب له لمن كان له قلب يعقل أو أصغى بسمعه إصغاء من يريد أن يعرف الحق من غير تعصب، وهو شهيد، أى: حاضر بروحه وعقله لا بجسمه فقط، وكثيرا ما نعى الله على الكفار عدم استفادتهم لأن على قلوبهم الأقفال، وأنهم يحضرون بأجسادهم فقط أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها؟ ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما من عجائب في ستة أيام، وهو القادر على خلقها في لحظة، وما مسنا بعد ذلك إعياء ولا تعب، قيل: نزلت ردّا على اليهود الذين يقولون: إن الله استراح يوم السبت واستلقى على العرش بعد أن خلق الدنيا طلبا للراحة، وإذا كان هذا خلقه فكيف نستبعد عليه البعث؟!! ولقد ختم الله السورة بعلاج من حكيم خبير، علاجا لمن يدعو إلى الخير ويصاب بالأذى من قومه. ويجازى على الحسنة بالسيئة، ليس لهذا علاج إلا الصبر وأن يحتسب أجره عند الله، ويفوض أمره إليه، والله بصير بالعباد، وهو مع المؤمنين بالنصر والتأييد إن كانوا مؤمنين حقا. اصبر يا محمد على ما يقولون، واستعن على ذلك بالتسبيح والصلاة، وتقوية الروح باللقاء المعهود مع خالق هذا الوجود، في الصلاة والمناجاة والتسبيح والتكبير، وسبح

стр. 2316

حامدا ربك شاكرا له فضله ونعمه، مهما أصابك من سوء، سبحه قبل طلوع الشمس في وقت السحر. وقبل الغروب ومن الليل فسبحه، وأدبار كل صلاة، وخصت هذه الأوقات بالذكر لأنها أوقات تظهر فيها عظمة الله، وجلاله، وقدرته على إحياء هذا الوجود بعد سكونه، وعلى إماتته في الغروب بعد هذه الحركة والضجيج والحرارة والنور، وفي صحيح الحديث أن النبي ﷺ كان يقول دبر كل صلاة مكتوبة: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كلّ شيء قدير، اللهمّ لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» . واستمع- أيها الإنسان- لما أخبرك به من حال يوم القيامة، وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به، والمحدث عنه: يوم ينادى المنادى يخرجون من القبور، يوم يسمعون الصيحة بالحق، ذلك هو يوم الخروج. إنا نحن نحيى ونميت في الدنيا، لا يشاركنا في ذلك أحد، وإلينا وحدنا المصير، اذكر يوم تتشقق عنهم الأرض مسرعين إلى مكان الحشر، ذلك حشر ونشر علينا يسير وسهل. أيها الرسول: نحن أعلم بما يقولون، وسنجازيهم على ذلك كله، فلا يهمنك أمرهم وما أنت عليهم بجبار تجبرهم على الإيمان، ولست عليهم بمسيطر، إن أنت إلا رسول عليك البلاغ فقط فذكر إنما أنت مذكر، ذكر بالقرآن، فإنه لا ينتفع به إلا من يخاف الوعيد، ويؤمن بالغيب، وفيه استعداد للخير.

стр. 2317

سورة الذاريات وهي سورة مكية عند الجميع، وعدد آياتها ستون آية. وعلى الجملة فالسورة تدور حول إثبات البعث بالقسم عليه، وذكر بعض أحواله مع المؤمنين والكافرين، ثم قصت قصص بعض الأنبياء، وخلصت من ذلك كله إلى الأمر بالتوحيد وعدم الشرك، مع بيان طبائع الناس. إثبات البعث [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١ الى ١٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالذَّارِياتِ ذَرْواً (١) فَالْحامِلاتِ وِقْراً (٢) فَالْجارِياتِ يُسْراً (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً (٤) إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤) المفردات: وَالذَّارِياتِ: هي الريح التي تذرو التراب وغيره، أى: تفرقه وتبدد ما رفعته عن مكانه. وِقْراً الوقر: ثقل الحمل على ظهر أو في بطن. يقال: هذه امرأة

стр. 2318

موقرة: إذا حملت حملا ثقيلا، وأما الوقر: فهو ثقل السمع، وهل المراد بالحاملات السحائب يحملن الماء؟ أوهن السفن الموقرة بالناس وأمتعتهم. فَالْجارِياتِ يُسْراً أى: جريا سهلا إلى حيث تسير. فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً: هي الملائكة تقسم أمور العباد، وقيل: هي الرياح تقسم المطر عليهم. الدِّينَ: هو الجزاء، ومنه قولهم: دنته بما صنع، أى: جزيته، وعليه قولهم: «كما تدين تدان» ومنه «يوم الدين» . الْحُبُكِ أى: الطرائق، أى: والسماء ذات الطرق، أو ذات الخلق القوى المستوي، أو ذات الزينة. يُؤْفَكُ: يصرف عنه من صرف. الْخَرَّاصُونَ الخرص: التخمين والحزر، وهو سبب الكذب، فالمراد: لعن الكذابون. غَمْرَةٍ الغمرة: ما ستر الشيء وغطاه. ساهُونَ أى: لا هون وغافلون. يُفْتَنُونَ: يحرقون، وهو من قولهم: فتنت الذهب: أحرقته. المعنى: لقد قال الله- تعالى- في السورة السابقة: ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ وقال: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ وفي هذا إشارة إلى إنكارهم البعث وإصرارهم على الكفر به بعد إقامة البرهان وتلاوة القرآن فلم يبق بعد ذلك إلا القسم باليمين المؤكدة إن ما توعدون لصادق، وإن الدين لواقع. ولكن أليس من الأفضل أن ندرك بعض السر في قسم الله بهذه الأشياء، بعد ما نهانا النبي ﷺ عن الحلف بغير الله؟ ولعل السر في ذلك أن العرب كانت تعتقد أن النبي رجل قوى الحجة، غالب في المجادلة وإقامة الدليل، فأقسم لهم القرآن على لسان النبي بكل شريف ليعلموا صدقه إذ هم كانوا يعتقدون أن الأيمان الكاذبة تدع الديار بلاقع (خرائب) وأنها تضر صاحبها، وقد كان إكثار النبي من الحلف مع أنه لم يصب بسوء بل ارتفع شأنه كان هذا كله دليلا على صدقه على أن الأيمان التي أقسم الله بها دلائل على كامل قدرته على البعث وقد ساقها الله في صورة اليمين لفتا لأنظارهم وإيذانا بخطر ما يتحدث عنه، وأنه حرى بالبحث التام، فالإله الذي خلق هذه الأشياء وصرفها حيث شاء قادر بلا شك على البعث وإعادة الخلق يوم الجزاء.

стр. 2319

وهنا بحث آخر: في جميع السور التي بدئت بالقسم بغير الحروف كالسورة التي معنا نجد أن المقسم عليه واحد من ثلاثة: التوحيد ... الرسالة ... البعث، تلك أصول الدين العامة، ويلاحظ أن سورة الصافات وحدها هي التي أقسم فيها على التوحيد فقال الله إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ وفي سورة النجم. والضحى، أقسم على صدق الرسول حيث قال: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وقال: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى وبقية السور كان المقسم عليه فيها هو البعث والجزاء وما يتعلق به لأنهم أنكروا البعث وبالغوا في إنكاره، وصدق الله حيث يقول: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ. أقسم الله بالرياح التي تذرو التراب ذروا، وتبدده في كل مكان، فالرياح التي تحمل السحب الموقرة بالماء المحملة بالمطر، فالرياح التي تجرى جريا سهلا فتحمل السحب، وتدفع السفن، فالتي تقسم المطر على الأماكن التي يريدها الله، فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء وهو على كل شيء قدير وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن الذاريات فقال: هي الرياح، وسئل عن الحاملات فقال: هي السحاب، وسئل عن الجاريات يسرا فقال: هي السفن، وسئل عن المقسمات أمرا فقال: هي الملائكة، ويقول عمر- رضى الله عنه- في ذلك كله: لولا أنى سمعت رسول الله يقول بهذا ما قلته . والله أعلم بكتابه، أقسم الله بهذا على أن ما توعدون به لصادق ومتحقق الوقوع، وأن الدين والجزاء لواقع وفي تخصيص المذكورات بالقسم رمز إلى شهادتها بتحقيق المقسم عليه وهو البعث من حيث إن من قدر على ذلك فهو قادر على تحقيق الوعد بالبعث، إذ الرياح تذرو ذرات المياه، وتحملها إلى طبقات الجو العالية، فتتجمع سحبا بعد تفرقها، ثم تجرى بيسر وسهولة إلى حيث شاء فتنزل مطرا أليس القادر على ذلك بقادر على أن يعيد الخلق بعد تفرق أجزائه وانحلاله في التراب أو الجو أو البحار؟! وأقسم الله كذلك بالسماء ذات الحبك، أى: الطرق المحسوسة التي تسير فيها الكواكب أو هي ذات الخلق البديع القوى، وذات الزينة بالنجوم، على أنكم- يا كفار مكة- في قول مختلف متباين، فتارة تقولون على النبي: إنه شاعر، وطورا إنه ساحر، ومرة: إنما يعلمه بشر، وأخرى: إنه مجنون وهذا دليل على التخبط وسوء الرأى ليس الأمر كذلك وإنما يصرف عن الرأى الحق والإيمان الكامل من صرف

стр. 2320

بحسب طبعه وميله النفسي عنه قتل «١» الخراصون الذين ينكرون البعث عن ظن وحدس لا عن رأى وعقيدة وهؤلاء هم الكذابون الذين هم في جهل يغمرهم كالماء الكثير وهم ساهون ولا هون عن الخير الذي ينفعهم. يسألون سؤال استهزاء قائلين: أيان يحصل يوم الجزاء؟ والجواب: يقع يوم الدين يوم هم على النار يحرقون، أى: يوم الجزاء هو يوم تعذيب الكفار، ويقال لهم عند ذلك: ذوقوا فتنتكم، أى: عذابكم المعد لكم جزاء على كفركم ويقال لهم كذلك: هذا العذاب هو الذي كنتم به تستعجلون وتسألون عنه استهزاء وكفرا به. من هم المتقون وما جزاؤهم؟ [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ١٥ الى ٢٣] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣) المفردات: يَهْجَعُونَ الهجوع: النوم، وقيده بعضهم بالنوم ليلا، وقال آخرون: إنه النوم القليل. وَبِالْأَسْحارِ: جمع سحر، وهو الجزء الأخير من الليل، أى: قبيل

стр. 2321

الفجر. وَالْمَحْرُومِ: هو الذي حرم المال، والظاهر أنه هنا المتعفف الذي لا يسأل الناس ... وهؤلاء هم المتقون المؤمنون، وهذا جزاؤهم بعد الكلام على الكفار والمجرمين، مع ذكر حقائق أخرى تتعلق بالاستدلال على قدرة الله ووحدانيته، وبالمن على الناس بأن رزقهم من الله ويأتى من السماء. المعنى: إن المتقين الموصوفين بالصفات الآتية في جنات وبساتين يتمتعون بكل ما فيها ولهم فيها عيون فوارة بالماء الزلال تجرى خلال الجنة، فلا يرون فيها عطشا، كما أنهم لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا، إنهم في جنات وعيون حالة كونهم آخذين ما آتاهم ربهم من نعيم وقابلين لكل ما أعطاهم بقبول حسن، وقد كانوا في الدنيا يتقبلون أوامر الله التي تأتيهم على ألسنة الرسل بصدور رحبة، ونفوس مطمئنة، وكأن سائلا سأل وقال: هل فعلوا ما يستحقون عليه هذا الجزاء؟ فأجيب: إنهم كانوا قبل ذلك في الدنيا محسنين لأعمالهم، آتين بها على ما ينبغي، عابدين الله عبادة خالصة لوجهه كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ «١» أى: كانوا يهجعون زمانا قليلا من الليل، ولا شك أن هذا وصف للمتقين بأنهم عاملون مخلصون، فالليل وإن كان وقت راحة ونوم، فهم لا يهجعون فيه إلا قليلا، ويكابدون العبادة في أوقات الراحة والبعد عن الناس، وعند سكون النفس وعدم اشتغالها بالدنيا وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً «٢» وهم مع ذلك كله يستغفرون الله في الأسحار، كأنهم أجرموا في الليل أو عصوا الله في النهار، أليس هذا هو وصف المؤمن التقى دائما يخشى الله ويعمل له، ويحاسب نفسه ثم يستغفر الله بالأسحار بعد ذلك؟ وهم دائما في خشية من عذاب الله، ومع ذلك ففي أموالهم حق ثابت معلوم، للسائل والمحروم، الذي يتعفف عن السؤال، ويحسبه الجاهل غنيّا، وهو في أشد حالات الفقر. عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس المسكين الّذى تردّه التّمرة والتّمرتان

стр. 2322

والأكلة والأكلتان، قيل: فمن هو المسكين؟ قال: الّذى ليس له ما يغنيه ولا يعلم مكانه فيتصدّق عليه فذلك المحروم» . وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ. وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وهذا دليل على قدرة الله في الأرض وفي الناس سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ «١» وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ «٢» نعم في الأرض وما أقلت من سهول وجبال، وأنهار ووديان، وما عليها من زروع وثمار، وحدائق ونبات وما في جوفها من ماء عذب فرات، وماء كالملح الأجاج، وما فيها من زيوت ومعادن، وغازات وأبخرة، في الأرض وحركاتها، ودوراتها ورياحها، وحرها وبردها، آيات ودلائل ولكن للمتقين. وفي أنفسكم آيات كذلك للمتقين، أليس في نفسك وما فيها من علوم ومعارف وغرائز وميول واتجاهات للخير تارة وللشر أخرى آيات للمتقين؟ أليس في نفسك التي بين جنبيك وما فيها من حواس السمع والبصر والإحساس واللمس والذوق وما فيها من دورة الدم، وأجهزة التنفس والبول والهضم والإفراز كل ذلك آيات لمن يعقلها، ولا يعقلها حقيقة ويدرك سرها الخفى ودلالتها على الإله القوى القادر الحكيم الخبير إلا المؤمنون المتقون الله، أما غيرهم فقد يدرك حقائقها المادية فقط!!، وفي أنفسكم أفلا تبصرون ذلك بقلوبكم لا بأبصاركم! وتفقهون أن هذا كله لخالق قادر على البعث وإعادة الحياة. واعلموا أن في السماء تقدير رزقكم، وتحديده وأسبابه، فليس الرزق موقوفا على شيء يتعلق بالكون الأرضى فقط، بل الأمر كله لله، والله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أى: في السماء رزقكم وما توعدون من خير أو شر، فعلى المسلم إذا طلب أمرا من مخلوق فليطلبه بعزة مع العمل فإن الأمور تجرى بالمقادير وبعضهم فسر السماء في الآية بالمطر، فورب السماء والأرض إن تقدير الرزق وتحديده في السماء لحق لا شك فيه، ويجوز أن يراد هذا وغيره من كل وعد سابق في هذه السورة، إنه لحق مثل «٣» نطقكم فكما أنكم لا تشكون في نطقكم فكذلك هذا.

стр. 2323

وروى عن بعض الأعراب حينما سمع هذه الآية قال: يا سبحان الله من الذي أغضب الجليل حتى حلف؟! ألم يصدقوه في قوله حتى ألجئوه إلى اليمين؟! إكرام الله لأوليائه وإهانته لأعدائه [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٢٤ الى ٤٦] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧) وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٤٦)

стр. 2324

المفردات: ضَيْفِ أى: ضيوف. مُنْكَرُونَ: غير معروفين. فَراغَ المراد: ذهب إلى أهله على خفية من ضيفه، وأصل الروغ: الميل على سبيل الاحتيال، ومنه روغان الثعلب. سَمِينٍ: ممتلئ الجسم بالشحم واللحم. فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً: أضمر في نفسه منهم خوفا. فِي صَرَّةٍ: في صوت وجلبة. فَصَكَّتْ وَجْهَها: ضربت وجهها بأطراف أصابعها عجبا. عَقِيمٌ: عاقر فكيف ألد؟ وأصل العقم: اليبس. فَما خَطْبُكُمْ: ما شأنكم الخطير. مُسَوَّمَةً: معلمة. لِلْمُسْرِفِينَ: المتجاوزين الحدود. آيَةً: علامة دالة على ما أصابهم. بِرُكْنِهِ أى: بجانبه وهذا كناية عن الإعراض التام، وقيل: الركن القوة والسلطان، أو القوم. نَبَذْناهُمْ : طرحناهم بلا مبالاة. لِيمٌ أى: أتى بما يلام عليه. الْعَقِيمَ: التي لا تلقح شجرا ولا تأتى بخير بل تهلك الحرث والنسل. ما تَذَرُ: ما تمر على شيء وتتركه. كَالرَّمِيمِ: كالشىء البالي من عظم أو نبات أو غيره. فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ: استكبروا عن امتثال أمره. الصَّاعِقَةُ أى: المهلكة التي صعقتهم. المعنى: ألم يأتك يا رسول الله حديث ضيف إبراهيم المكرمين «١» ، وهذا الأسلوب فيه تفخيم

стр. 2325

لشأن القصة، ورفع لمكانة الحديث، ولفت لأنظار الناس إليه وتنبيه على أن مثل هذا الحديث مما لا يعلمه رسول الله إلا عن طريق الوحى لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى «١» وقد سبقت هذه القصة في سورتي هود والحجر، ولا شك أن ضيوف إبراهيم مكرمون عند الله، لأنهم من الملائكة. بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ «٢» وإبراهيم أكرمهم غاية الإكرام فهم مكرمون من الله ومن المضيف، هل أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه «٣» فقالوا: نسلم عليك سلاما، فأجابهم إبراهيم بأحسن مما حيوا حيث قال: عليكم سلام من الله ورحمته، وعلماء البلاغة يقولون: (الجملة الاسمية كما في قولك: السلام عليك، أبلغ من قولك: أسلم عليك، لأن الأولى تفيد الدوام والثبوت، والثانية تفيد التجدد والحدوث) . ثم قال إبراهيم في نفسه أو قال مظهرا لهم: أنتم قوم منكرون غير معروفين وهيئتكم العامة غير معهودة لنا، وعقب هذا ذهب إلى أهله في خفية منهم وطلب إليهم إعداد طعام للضيفان، فجاء بعجل سمين مشوى، فقربه إليهم، قال لهم: ألا تأكلون؟ ولكنهم أعرضوا عن الأكل، فلما أعرضوا أوجس منهم خيفة، وأضمر في نفسه خوفا منهم على عادة الناس يظنون أن الامتناع عن الطعام لشر مبيت، وأكل الضيف يزيل هذا الظن، وماذا قالت الملائكة عندئذ؟ قالوا: يا إبراهيم لا تخف إنا رسل ربك، وبشروه بغلام عليم عند استوائه وبلوغه الرشد، وهو إسحاق على الصحيح. فلما سمعت امرأته تلك البشارة، وكانت يائسة من الحمل أقبلت على أهل بيتها في صوت وجلبة، فضربت جبهتها بأطراف أصابعها كما تفعل النساء عند ظهور أمر عجيب وقالت: أألد وأنا عجوز عقيم؟!! ماذا قالت الملائكة لها؟ قالوا: لا تعجبي من أمر الله، مثل ذلك القول الكريم الذي أخبرناك به قال ربك ذلك، وإنما نحن مبلغون فقط، ونحن رسل الله إليك، إنه هو الحكيم الذي يضع الأمور في نصابها وهو العليم بكل خلقه، فلا تعجبي من أمر الله، وذلك تذييل موافق لما قبله.

стр. 2326

قال إبراهيم لما علم أنهم رسل الله حقا: ما شأنكم الخطير وما خبركم؟ قالوا: إنا أرسلنا إلى قوم لوط، وهم قوم مجرمون كذبوا لوطا وعصوا أمر ربهم فحقت عليهم الكلمة، إنا أرسلنا إلى هؤلاء لنقلب قراهم رأسا على عقب، ونجعل عاليها سافلها، ونرسل عليهم حجارة من طين، معلمة من عند الله، ومعدة من عنده لهؤلاء القوم المسرفين المتجاوزين الحدود. ثم قاموا من عند إبراهيم، وجاءوا لوطا، فضاق بهم ذرعا لأنه أنكرهم أول الأمر، وقال: هذا يوم عصيب، قالت الملائكة: يا لوط إنا رسل ربك جئنا لإنقاذك من هؤلاء الظالمين فأسر بأهلك في ظلام الليل، ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم، وإن موعدهم الصبح، وليس الصبح ببعيد، فباشرت الملائكة ما أمروا به. وأخرجوا من كان في القرى من المؤمنين، فما وجدوا فيها غير بيت من المسلمين، وهو بيت لوط، وجاء الصبح، وقد جعلوا عاليها سافلها، وأمطروا عليهم حجارة من سجيل، مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين أمثالهم ببعيد، فانظروا يا آل مكة أين أنتم من قوم لوط؟ واعتبروا بما حل بهم، وما ربك بظلام العبيد. وهذه أمثال يضربها الحق ﵎ للطغاة المتكبرين، والكفار الظالمين، لعلهم يثوبون لرشدهم، ويكفون عن تكذيبهم وكفرهم بما يجب الإيمان به وخاصة يوم البعث. المعنى: وجعلنا في قصة موسى عبرة وعظة، إذ أرسلناه «١» إلى فرعون بمعجزات ظاهرة، وآيات بينة كالعصا وغيرها فتولى بركنه، أعرض عن الإيمان مصاحبا قومه معتزا بهم، وقال: إن موسى ساحر أو هو مجنون، فأخذه ربك أخذ عزيز مقتدر، أخذه هو وجنوده فنبذه في اليم نبذ النواة بلا مبالاة ولا اعتداد به، والحال أنه أتى من أفعال الكفر والطغيان ما يلام عليه، فهو مليم بهذا المعنى. وفي قصة عاد آية كذلك إذ أرسل ربك إليهم أخاهم هودا يدعوهم إلى الإيمان

стр. 2327

فكذبوا وكفروا، فأرسل عليهم ريحا صرصرا عاتية، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما، فترى القوم فيها صرعى، كأنهم أعجاز نخل خاوية، أرسل عليهم الريح العقيم التي لا تنبت كلأ، ولا تنزل غيثا. ولا تلقح شجرا «١» فهي لا تدع شيئا تمر عليه وقدر الله إهلاكه إلا جعلته كالشىء البالي الذي لا خير فيه. وفي قصة ثمود آية كذلك إذ أرسل إليهم ربك أخاهم صالحا فكفروا ولم يؤمنوا فقيل لهم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب، فعتوا عن أمر ربهم واستكبروا عن امتثاله، فأخذتهم الصاعقة، وأهلكتهم نار من السماء أتت على الأخضر واليابس، وهم ينظرون إلى أنفسهم، وقيل: وهم ينتظرون العذاب، ما أصبرهم على ذلك؟ وما كانوا منتصرين بغيرهم إذ لا ناصر لهم، وأهلكنا قوم نوح من قبل لما استحقوا ذلك، إنهم كانوا قوما فاسقين. وهكذا حكم الله مع الأمم قديما وحديثا، وتلك سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا فهل من معتبر؟!. أليس إهلاك الكافرين مع كثرتهم وشدة قوتهم، ونصرة المؤمنين على ضعفهم وقلة عددهم آية على قدرة الله؟! وأى آية أقوى من هذه؟! من آيات الله الكونية [سورة الذاريات (٥١) : الآيات ٤٧ الى ٦٠] وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)

стр. 2328

المفردات: بِأَيْدٍ: بقوة وقدرة. لَمُوسِعُونَ: لقادرون ومطيقون. فَرَشْناها: بسطناها كالفراش. الْماهِدُونَ يقال: مهدت الفراش مهدا: بسطته ووطأته، وتمهيد الأمور: تسويتها وإصلاحها. زَوْجَيْنِ: صنفين ونوعين. أَتَواصَوْا: أوصى أولهم آخرهم. فَتَوَلَّ عَنْهُمْ: أعرض. ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ: الشديد القوى. ذَنُوباً: أصل الذنوب يطلق في اللغة على الدلو العظيمة المملوءة ماء، وكانوا يستقون الماء به فيقسمون به على الأنصباء، ثم قيل للذنوب: نصيبا، من هذا قال الشاعر: لنا ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب «١» تلك آيات الله الكونية الظاهرة للعيان، التي يراها كل إنسان، في كل زمان ومكان بعد الآيات التي مضت في طيات الزمن مع عاد وثمود وقوم نوح وإخوان لوط.

стр. 2329

المعنى: وبنينا السماء بقوة قوية. بنيناها بأيد، وإنا لقادرون، وما مسنا في ذلك من تعب ولا مشقة، وفرشنا الأرض وبسطناها لتستقروا عليها، وتعيشوا فوقها، ولا ينافي ذلك كروية الأرض، وانظر إلى السماء وبنائها، والشيء المبنى ثابت لا يتغير، وإلى الأرض وفرشها، والفراش يبدل وينقل، وهكذا الأرض وما عليها، وتبارك من مهدها وبسطها، ووطأها وسواها وأصلحها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ. ومن كل شيء خلق ربك صنفين ونوعين ذكرا وأنثى، في النبات والحيوان، وفي الطبيعة ليل ونهار، ونور وظلام، وحر وبرد، وبحر وبر، وسهل وجبل، وجن وإنس، وخير وشر وهكذا وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وإذا كان الأمر كذلك، وقد أهلك ربك من كفر وكذب ونجى من آمن وصدق وهذه آياته الشاهدة بقدرته على البعث والثواب والعقاب والجزاء، إذا كان الأمر كذلك ففروا إلى الله، فروا من معاصيه إلى طاعاته، فروا إليه بالتوبة الصادقة والإيمان السليم واقصدوه وحده، ولا تشركوا به شيئا، ولا تجعلوا معه إلها آخر، إنى أنا رسول الله إليكم، ونذير مبين لكم بين يدي عذاب شديد. الأمر كذلك «١» أى: الأمر الحق مثل الذي يذكر لك ويأتيك خبره بالوحي، وهو: ما أتى الذين من قبلهم من رسول إتيانا مثل إتيانهم إلا قالوا في حقه: هو ساحر، أو قالوا: هو مجنون. أأوصى بهذا القول أولهم آخرهم؟ إن هذا لعجيب «٢» . بل هم قوم طاغون، فهم مشتركون في الطغيان والظلم الذي حملهم على ذلك وإذا كان الأمر كذلك وأن مصدر تكذيبهم وعصيانهم هو ما تأصل عندهم من غرائز الطغيان والظلم فأعرض عنهم، ولا تشتغلن بهم، فما أنت بملوم على تكذيبهم بل أنت لم تأل جهدا في دعوتهم، وأنت رسول، وإنما عليك البلاغ، وعلى الله الحساب.

стр. 2330

ولكن ذكّر وعظ، ولا تدع ذلك، فإن الذكرى تنفع المؤمنين الذين قدر الله لهم الإيمان والاتعاظ. وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ وهذا كلام جديد مستأنف لتقرير وتأكيد الأمر بالتذكر، فإن خلقهم للعبادة، مما يدعو النبي ﷺ ومن دعا بدعوته إلى تذكير الناس دائما حيث خلقهم الله للعبادة، وما المراد بالعبادة؟ هل هي التسخير الثابت لجميع الخلق والدلالة التامة الكاملة على وجود الخالق، الذي عبر عنه بالسجود في قوله تعالى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ «١» ؟ أم هي العبادة الاختيارية التي يوصف بها المؤمنون؟ والظاهر هو المعنى الثاني وعلى ذلك فما معنى كون الجن والإنس ما خلقت إلا للعبادة؟ مع قوله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ «٢» أى: خلقنا لجهنم خلقا كثيرا يفعل ما به يدخلها، وهذا يدل على إرادة المعاصي لكثير، ويتنافى مع إرادة العبادة من الجن والإنس، ولعل المخلص من ذلك أن الله خلق الخلق صالحين للعبادة مستعدين لها، فيهم العقول والحواس التي تدعوهم إلى عبادة الله، ولما خلقهم على ذلك الوضع جعل خلقهم مغيا بغاية هي العبادة، والذي يؤيد ذلك أن أفعاله تعالى تنساق إلى الغايات الكاملة، وكون بعض الناس أو كثير من الناس لا يصل إلى تلك الغاية لا يمنع كون الغاية غاية ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ما أريد من الخلق رزقا، وما أريد أن يطعموني، وقيل: المعنى ما يريد منهم أن يرزقوا أحدا من خلقه، ولا يريد أن يطعموا أحدا، فالله حين يكلفهم بشيء لم يكلفهم لغرض يعود عليه، ولكن لنفع عائد على المكلفين الممتثلين أمر الله. إن الله هو الرزاق الذي يرزق من يشاء، ذو القوة والبطش، القوى المتين. إذا ثبت أن الله تعالى ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه، وأنه سبحانه ما يريد منهم من رزق ولا يريد منهم أن يطعموه بل هو الرزاق ذو القوة المتين. إذا كان الأمر كذلك فإن للذين ظلموا أنفسهم باشتغالهم بغير ما خلقوا له من العبادة، وإشراكهم بالله، وتكذيبهم لرسول الله، فإن لهؤلاء نصيبا من العذاب كبيرا، نصيبا مثل نصيب نظرائهم من الأمم السالفة، وهو واصل لهم بلا شك فلا يستعجلون ولا يطلبون من الله التعجيل فويل ثم ويل للذين كفروا وكذبوا بالبعث من يومهم الذي يوعدونه على لسان الرسل الكرام، وهذا ختام سورة بديع.

стр. 2331

سورة الطور وهي مكية كلها في قول الجميع، وعدد آياتها ثمان وأربعون آية. وتشتمل هذه السورة على الكلام على البعث، وما فيه، واستتبع ذلك وصف الكفار والمؤمنين يوم القيامة، وأطالت هذه السورة في الكلام على الجنة وما فيها من نعيم مقيم للمتقين، ثم أخذت في خطاب المشركين ونقاشهم في معتقداتهم الفاسدة، ثم كان ختام السورة بذكر نصائح للنبي ﷺ وللمؤمنين بدعوته. يوم القيامة والكفار فيه [سورة الطور (٥٢) : الآيات ١ الى ١٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)

стр. 2332

المفردات: وَالطُّورِ الطور: هو الجبل، وقيل: هو الجبل الذي فيه نبات، أو هو الذي ناجى عليه موسى ربه، وهو بطور سيناء. وَكِتابٍ مَسْطُورٍ: وكتاب مكتوب على وجه الانتظام. رَقٍّ مَنْشُورٍ الرق: جلد رقيق يكتب فيه. والمنشور: المبسوط. الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ: هو البيت الآهل بالزوار، والمراد به هنا الكعبة. الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ: هو البحر المملوء ماء، أو هو الفارغ، وقيل: هو المملوء نارا. تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً أى: تتحرك وتجيء وتذهب وتضطرب. خَوْضٍ وأصل الخوض: المشي في الماء ثم تجوز فيه عن الشروع في كل شيء، وغلب في الخوض في الباطل. يُدَعُّونَ: يدفعون إلى النار دفعا عنيفا شديدا. اصْلَوْها: ادخلوها وقاسوا شدائدها. المعنى: أقسم الحق- ﵎ بالطور، وكتاب مسطور في رق منشور، والبيت المعمور والسقف المرفوع، والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع. وهل الطور هو الجبل مطلقا أو هو الذي وقف عليه موسى يناجى ربه؟! يحتمل هذا وذاك، وما المراد بالكتاب المسطور؟ قيل: هو الكتاب الذي تكتب فيه الأعمال، ويعطى إلى العبد في يمينه أو شماله يوم القيامة وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً وقيل: هي التوراة أو القرآن، أو اللوح المحفوظ، وينبغي ألا يحمل شيء من هذه الأقوال على التعيين والكتاب المسطور، أى: المكتوب على وجه النظام والترتيب في جلد منشور ومبسوط ليقرأه الكل. وأقسم بالبيت المعمور، وهو بيت الله الحرام الذي يعمر بالحجاج كل عام، بل هو دائما عامر بمن يطوف حوله مع أنه مكان جدب لا زرع فيه ولا ماء، ومع ذلك تهوى إليه نفوس كثيرة من المسلمين.

стр. 2333

وأقسم بالسقف المرفوع وهو السماء التي رفعت بلا عمد ترونها، وأقسم بالبحر المملوء نارا أو هو المملوء ماء، أقسم بهذا كله على أن عذاب ربك لواقع حتما وليس له من دافع يدفعه. وقد يسأل سائل: ما وجه ذكر هذه الأشياء المختلفة في القسم؟ والجواب أن كل هذه الأشياء من دلائل القدرة مع الإشارة إلى يوم الحساب، وما يستتبعه من ثواب أو عقاب، والطور على أنه محل مناجاة موسى، والكتاب فيه ذكر ثوابهم وعقابهم، والبيت الحرام محل تقديس وإجلال، وطواف الملائكة والرسل به، وفيه اجتماع كاجتماع الحشر، والسماء والبحار كلها مظهر من مظاهر العظمة، ودليل على إمكان البعث، والله سبحانه أعلم بأسرار كلامه. إن عذاب ربك لواقع، ما له من دافع، يوم تضطرب السماء اضطرابا، وتزلزل الأرض زلزالا، فتسير الجبال سيرا، فتكون هباء منثورا، وذلك يكون يوم القيامة، فويل يومئذ يحصل ذلك للمكذبين بالرسل واليوم الآخر، الذين هم في اندفاع عجيب في الأباطيل والأكاذيب يلهون، يوم يساقون إلى جهنم سوقا، ويقال لهم: هذه هي النار التي كنتم بها تكذبون! أفسحر هذا «١» كما كنتم تقولون للنبي ﷺ ؟ أم أنتم لا تبصرون هذه الحقائق. ويقال لهم: اصلوا جهنم وادخلوها وقاسوا حرها فاصبروا على ذلك أو لا تصبروا، الأمران سواء عليكم لا ينفعكم شيء من صبر أو غيره، إنما تجزون ما كنتم تعملون جزاء واقعا لا شك. المتقون وجزاؤهم يوم القيامة [سورة الطور (٥٢) : الآيات ١٧ الى ٢٨] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)

стр. 2334

المفردات: فاكِهِينَ أى: أصحاب فاكهة كثيرة، وقرئ: فكهين والمراد أنهم طيبو النفس يقال: فكه الرجل فهو فكه: إذا كان طيب النفس مزاجا، ومن معاني الفكه: الأشر والبطر وعليه قوله تعالى في سورة الدخان وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ أى: أشرين بطرين. هَنِيئاً الأكل والشرب الهنيء: هو ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر. مَصْفُوفَةٍ أى: موصولة بعضها إلى بعض حتى تصير صفا واحدا. بِحُورٍ عِينٍ حور: جمع حوراء، وهي المرأة البيضاء، وعين: جمع عيناء، وهي المرأة العظيمة العين الواسعة. أَلَتْناهُمْ: أنقصناهم. رَهِينٌ أى: مرتهن يؤاخذ بالشر ويجازى بالخير. وَأَمْدَدْناهُمْ أى: وزدناهم على ما عندهم وقتا فوقتا. يَتَنازَعُونَ: يتجاذب بعضهم الكأس من بعض. كَأْساً الكأس: إناء الخمر ما دام مليئا فإذا كان فارغا لم يسم كأسا. لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ اللغو: ما

стр. 2335

لا خير فيه، والتأثيم: من الإثم: كل ما يغضب الله. مَكْنُونٌ أى: مصون في أصدافه. مُشْفِقِينَ: خائفين من عذاب الله. السَّمُومِ: اسم من أسماء النار، والسموم: الريح الحارة، وقد تستعمل في لفح البرد وهي في لفح الشمس أكثر. وهذا شروع في ذكر حال المؤمنين وجزائهم يوم القيامة بعد ذكر البعث وأنه واقع لا محالة، وما يلاقيه المنكرون له بالإجمال، وتلك عادة القرآن الكريم في الترهيب والترغيب. المعنى: إن المتقين الذين آمنوا بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر إيمانا صحيحا كاملا مقرونا بالعمل في جنات عظيمة، ونعيم مقيم، وفضل كبير، ورضوان من الله أكبر، هم في جنات الخلد حالة كونهم فاكهين ومتلذذين بما آتاهم ربهم من الإحسان والفضل العميم، وقد وقاهم ربهم عذاب الجحيم، ويقال لهم تكريما: كلوا واشربوا، أكلا وشرابا هنيئا، بسبب ما كنتم تعملون في الدنيا من صالح الأعمال. إن المتقين في جنات حالة كونهم متكئين «١» على نمارق موضوعة على سرر مصفوفة وقرناهم بحور عين، وكأنهم البيض المكنون، والذين آمنوا، وأتبعتهم ذريتهم بإيمان أى كانوا مؤمنين، وإن لم يكونوا في درجة آبائهم، هؤلاء ألحقنا بهم ذريتهم في الدرجة وما أنقصناهم من عملهم شيئا، ولكنه فضل من الله ونعمة عليهم. روى عن ابن عباس قال: إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه، ثم قرأ هذه الآية. كل نفس بعملها مرهونة عند الله، إن خيرا فخير وإن شرّا فشر، كأن العمل بمنزلة الدين ونفس العبد بمنزلة الرهن، فإن كان العمل مقبولا عند الله فكأن صاحبه أدى دينه

стр. 2336

وفك رهنه، وإن لم يكن كذلك فهو مرهون كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ «١» ولعل وجه وضع هذه الآية هنا للإشارة إلى أن المؤمنين فكوا رقابهم، وغيرهم لا زال أسيرا بعمله السيئ، على أنه مناسب لعدم نقصان الآباء شيئا من عملهم. وأمددنا المتقين بفاكهة ولحم مما يشتهون، أى: وزدناهم على ما كان لهم من أصل التنعيم شيئا فشيئا ووقتا فوقتا حالة كونهم يتنازعون الكأس، ويتجاذبونها، هم وجلساؤهم في الجنة كما يفعل الندامى على خمر الدنيا، ولكن لا لغو في شرب هذه الخمر ولا تأثيم فيها لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ «٢» ويطوف عليهم بالكأس غلمان لهم ممتعون بالنعيم كخدم الملوك كأنهم لؤلؤ مكنون من البياض والصفاء، وهم في الجنة يتساءلون ويتجاذبون أطراف الحديث عن ماضيهم ولقد قالوا: إنا كنا قبل ذلك في أهلنا مشفقين أرقاء القلوب خائفين من عذاب الله، ومن هول ذلك اليوم، فمن الله علينا، وهدانا ووفقنا إلى العمل الصالح، ووقانا بفضله عذاب السموم، والسبب أنا كنا من قبل ندعوه وحده، ونعبده لا شريك له، إنه هو البر الرحيم، المحسن الكريم ذو الفضل العميم . نقاش الكفار في معتقداتهم وختام السورة [سورة الطور (٥٢) : الآيات ٢٩ الى ٤٩] فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)

стр. 2337

المفردات: بِكاهِنٍ: هو المخبر عن الأمور الماضية الخفية بلا وحى، والعراف: هو المخبر عن الأمور المستقبلة، وكانوا يستمدون ذلك من الجن. نَتَرَبَّصُ: ننتظر. رَيْبَ الْمَنُونِ الريب: هو الشك وأطلق على الحوادث، والمنون: هو الدهر لأنه يقطع الأجل. أَحْلامُهُمْ: جمع حلم وهو الأناة والعقل. طاغُونَ: ظالمون مجاوزون الحدود بعنادهم. تَقَوَّلَهُ: اختلقه وافتراه من عند نفسه. الْمُصَيْطِرُونَ الأرباب الغالبون. سُلَّمٌ السلم: هو ما يتوصل به إلى الأماكن العالية. بِسُلْطانٍ: بحجة قوية. مَغْرَمٍ: غرامة وهي التزام الإنسان ما ليس

стр. 2338

عليه ولم يكن لخيانة منه. كِسْفاً جمع كسفة وهي القطعة من الشيء. مَرْكُومٌ أى: بعضه فوق بعض. بِأَعْيُنِنا: بعناية منا وفي حفظنا وحراستنا «١» . وَإِدْبارَ النُّجُومِ المراد: وقت إدبارها من آخر الليل، أى: غيبتها بظهور نور الصبح. المعنى: من الناس من هم في أهلهم مشفقون، ومن عذاب الله خائفون، وهؤلاء ينفع معهم التذكر، والنبي مأمور بأن يذكر بالقرآن من يخاف وعيده. وإذا كان الأمر كذلك فذكر إنما أنت مذكر، ونبي مرسل، فما أنت بكاهن تبتدع القول وتخبر به من غير وحى، ولست مجنونا لا تعى ما تقول، وهذا رد لقولهم في النبي وبطلان لاعتقادهم فيه أنه كاهن أو مجنون، كما كان يقول عنه عقبة بن أبى معيط، وشيبة بن ربيعة، والمعنى: انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك، فأنت بحمد الله ونعمته صادق النبوة راجح العقل سليم المنطق أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ؟ «٢» أيقولون: هو شاعر؟ ننتظر به ريب المنون وحوادث الدهر، فإنهم كانوا يجتمعون ويتشاورون في دعوة محمد وأثرها وخطرها، وتكثر آراؤهم ثم ينتهى المجلس في أغلب الأوقات، على أن محمدا شاعر، من الخير أن ننتظر عليه ونصبر وسيهلك كما هلك زهير والنابغة وغيرهما قل لهم: تربصوا فإنى معكم من المتربصين أتربص هلاككم ونجاح دعوتي عجبا لهؤلاء! أتأمرهم أحلامهم بهذا التناقض في قولهم حتى قالوا مرة إنه كاهن، وأخرى إنه مجنون، وثالثة إنه شاعر! ما هذا؟ أيجتمع في رجل واحد الشعر والكهانة والجنون؟!! بل هم قوم طاغون؟ نعم هم قوم أعمت بصيرتهم الضلالة، وأضلهم العناد وسوء التقليد حتى ختم على قلوبهم، وجعل على أبصارهم وأسماعهم غشاوة، فمن يهديهم بعد هذا؟

стр. 2339

بل أيقولون تقوله وافتراه من عنده؟ بل هم قوم لا يؤمنون بحال من الأحوال، وكيف هذا؟ أليس محمد واحدا منكم ونشأ في بيئتكم، وتربى في مجتمعكم فهل يعقل أن يأتى بهذا القرآن المعجز؟ إذا كان صحيحا ما تقولون فهاتوا حديثا مثل حديثه، أى: قرآنا مثل قرآنه إن كنتم صادقين. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ كيف تكذبون محمدا رسول الله في التوحيد والرسالة والبعث، وهذا الكون شاهد عدل على ذلك.. أما خلقتم؟ بل أخلقتم من غير شيء أم أنتم الخالقون؟! فأنتم خلقتم أنفسكم فلذلك لا تعبدون الخالق، ولا تصدقون رسوله، وتستبعدون خلقه لكم ثانيا في البعث. بل أخلقوا السموات والأرض؟!! بل لا يوقنون!! وكيف ينكرون الرسالة لأنها جاءت لمحمد رسول الله من عند ربه الذي خلقه، وهو أعلم بخلقه، وهو المتصرف في هذا الكون لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، بل أعندهم خزائن رزقه ورحمته حتى يرزقوا من يشاءون، ويقولون: لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم!! بل أهم المسيطرون والأرباب الغالبون؟ لا هذا ولا ذاك، فالله وحده هو الغنى، وعنده مفاتح السموات والأرض، وهو الغالب القادر على كل شيء دون سواه، وهو أعلم حيث يجعل رسالته. ومن الذي أعلمهم بأسرار الكون ونظامه؟ بل ألهم سلّم يرقون به فيستمعون إلى هذه الأخبار؟ وإذا كان هذا صحيحا فليأت مستمعهم بحجة واضحة ودليل قوى على ما يقول. عجبا لكم تجعلون لله البنات ولكم البنين! بل أله البنات حيث تقولون: إن الملائكة بنات الله، وتجعلون لكم البنين مع أنه إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودّا وهو كظيم، فإذا كان لا يرضى بشيء لنفسه فكيف يرضاه الله؟ عجبا لهؤلاء كيف يكذبون رسالتك ولا يتبعون شرعك مع قيام الشواهد على صدقك، بل أتسألهم أجرا على هذا؟ فهم مثقلون بتلك الغرامة، منكرون لها، بل أعندهم علم الغيب فهم يكتبون منه ويخبرون به الناس؟ فإن العقل لا يرى أى دليل على صدق دعواهم الباطلة. بل أيريدون كيدا بك وبشرعك؟ فالذين كفروا هم المكيدون الذين يحيق بهم المكر السيئ، ويعود عليهم وباله، وقد حصل هذا.

стр. 2340

بل ألهم إله غير الله يعينهم ويحرسهم ويملى عليهم تلك الأباطيل؟! سبحان الله وتعالى عما يشركون!! هؤلاء الناس قد ناقشهم القرآن نقاشا معقولا، وأقام عليهم الحجة، وألزمهم البرهان ومع هذا فهم لا يؤمنون، وإن يروا قطعة عظيمة من السماء ساقطة ليعذبهم يقولوا من فرط عنادهم وطغيانهم: هذا سحاب تراكم بعضه على بعض، جاء يمطرنا بالخير والبركات ولم يصدقوا أنه سحاب ساقط عليهم من السماء لعذابهم. وهكذا الإنسان المغرور. وإذا كان الأمر كذلك، وقد لزمتهم الحجة وظهروا بمظهر المعاند المجادل بالباطل فذرهم غير مكترث بهم، ولا يهمنك أمرهم حتى يلاقوا يومهم المشهود، اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، يوم الصواعق والشدائد، اليوم الذي لا يغنى عنهم كيدهم ولا مكرهم شيئا من الإغناء. وإن للذين ظلموا أنفسهم وغيرهم هؤلاء عذابا دون ذلك يأخذونه في الدنيا، وليس لهم ما يخفف عنهم أو يسليهم أو يريح ضمائرهم أو يقوى عزائمهم كالمؤمنين المصابين في الدنيا، إذا لنا العزاء والتسلية والصبر وحسن الأجر، ورضا الرب الجليل كل ذلك يخفف عنا ما يصيبنا، ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك. ما مضى كان في شأن الكفار المعاندين الذين وقفوا من النبي موقف العناد والطغيان لم يسمعوا لحجة، ولم يلتفتوا لبرهان، بل ظلوا سادرين في غلوائهم مغرورين بقوتهم وبدنياهم أما أنت أيها الرسول الكريم فاسمع لنصيحة ربك وأنت خير من يعمل بها واصبر لحكم ربك، فكل ما يحكم به ويقدر فهو خير ورحمة، وإن كان فيه ألم وتعب فإنك أيها الرسول في كلاءة ربك وحفظه وعنايته، والله عاصمك من الناس ومؤيدك ومبلغك ما تصبو إليه نفسك الشريفة، وما عليك إلا الرضا بالقضاء وأن تسبح ربك حين تقوم لأى عمل من الأعمال، فسبحه في جوف الليل حيث يسكن الناس وينامون ويبقى الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وسبحه في إدبار النجوم، أى: قبيل الفجر عند مغيبها حيث تصحو النفس نشيطة صافية من الأكدار. اللهم وفق كل من يعمل لنشر دينك واستقرار دعوتك إلى العمل الصالح باتباع نصائح القرآن، وتتبع سيرة إمام الأنبياء وخاتم المرسلين.

стр. 2341

سورة النجم مكية على القول الصحيح، وعدد آياتها ثنتان وستون آية، وهي أول سورة أعلنها رسول الله ﷺ بمكة. وتشتمل هذه السورة على إثبات الرسالة وصدق الرسول في أن القرآن من عند الله، ثم الكلام على الأصناف وبيان أنها أسماء لا مسميات لها، ثم الكلام على الذات الأقدس ببيان آثاره في الوجود، وذكر حقائق إسلامية وجد بعضها في الكتب السابقة. تحقيق أمر الوحى [سورة النجم (٥٣) : الآيات ١ الى ١٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨)

стр. 2342

المفردات: وَالنَّجْمِ: هو النجم المعروف، والمراد كل ما طلع من النجوم، وقيل: بل المراد به معين هو الثريا أو زهرة، وقيل: هو المقدار من القرآن النازل على النبي ﷺ والله أعلم به. إِذا هَوى أى: سقط، والمراد: غرب أو طلع أو انقض على الشيطان. ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ: ما عدل عن طريق الحق إلى طريق الباطل والإثم، والمراد بالصاحب النبي ﷺ . وَما غَوى الغي: هو الجهل مع الاعتقاد الفاسد، أى: هو الجهل المركب. شَدِيدُ الْقُوى أى: صاحب القوى الشديد، وهو جبريل- ﵇. ذُو مِرَّةٍ: ذو حصافة في العقل، واستحكام في المنطق، وأصل المعنى مأخوذ من قولهم: أمررت الحبل: إذا أحكمت فتله، فالمرة تدل على المرة بعد المرة، ولا شك أنها تدل على زيادة القوى. فَاسْتَوى: استقام على صورته الحقيقية التي خلق عليها، فالاستواء بمعنى اعتدال الشيء في ذاته الذي هو ضد الاعوجاج، وعليه: استوى الثمر إذا نضج. بِالْأُفُقِ الْأَعْلى أى: الجهة العليا من السماء المقابلة للناظر. دَنا: قرب. فَتَدَلَّى: فتعلق في الهواء. قابَ قَوْسَيْنِ: قد جاء التقدير بالقوس كالذراع والشبر والرمح، والقاب: المقدار أيضا، والمراد به هنا مقدار ما بين مقبض القوس وسيتها- ما عطف من طرفيها- وعلى ذلك فلكل قوس قابان لأن له طرفين، وعلى ذلك ففي الكلام قلب، والمراد: قابى قوس، وبعضهم نقل أنه يجوز أن تقول: قاب قوسين. وقابى قوس، وبعضهم فسر القاب: أنه المقدار الذي بين المقبض والوتر، والعرب كانت عند الاتفاق تأتى بقوسين وتجعلهما في وضع واحد ثم ترمى بهما دفعة واحدة إشارة إلى تمام الاتفاق ونهاية القرب والالتصاق، وعلى ذلك فيكون قاب واحد لقوسين، وعن ابن عباس: القوس: ذراع يقاس به، أى: مقدار ذراع، وعلى الجملة فالمعنى اللفظي: فكان مقدار مسافة قربه منه مثل مقدار مسافة قاب قوسين. أَوْ أَدْنى: أو أقرب من ذلك. أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى أتكذبونه فتجادلونه على ما يراه معاينة، وهذا مأخوذ من المراء، الذي هو مشتق من مرى الناقة إذا مسح ضرعها وظهرها ليخرج لبنها، شبه به الجدال لأن كلا من المتجادلين يحاول

стр. 2343

إبراز ما عند صاحبه ليلزمه الحجة. نَزْلَةً: مرة أخرى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى: مكان في السماء الله أعلم به. جَنَّةُ الْمَأْوى: الجنة التي تأوى إليها أرواح المؤمنين. يَغْشَى: من الغشيان بمعنى التغطية والستر. ما زاغَ الْبَصَرُ: ما مال البصر. ما طَغى: ما تجاوز حده المرسوم له. يقول العلامة الفخر في تفسيره- أجزل الله مثوبته- (باختصار) : السور التي تقدمت وافتتحها الله بالقسم بالأسماء دون الحروف هي: والصافات، والذاريات، والطور، وهذه السورة، والأولى أقسم فيها لإثبات الوحدانية له، وفي الثانية لإثبات الحشر ووقوعه والثالثة لإثبات دوام العقاب والعذاب يوم الساعة كما قال: إن عذاب ربك لواقع، وفي هذه السورة أقسم لإثبات النبوة لمحمد ﷺ وبذلك تكمل أصول الدين الثلاثة، ويلاحظ أن القسم على إثبات التوحيد وإثبات رسالة محمد قليل وقوعه في القرآن، والقسم على إثبات البعث كثير، ألا ترى إلى سورة الذاريات والطور، والليل إذا يغشى، والشمس وضحاها، والسماء ذات البروج إلى غير ذلك مما سيأتى، ولعل هذا لأن دلائل التوحيد وإثبات الرسالة ظاهرة وآياتها في الكون وفي معجزات الرسول واضحة، أما البعث فإمكانه بالعقل، ووقوعه بالفعل لا يمكن ثبوته إلا بالدلائل السمعية، أى: القرآن والحديث، لذا أكثر الله في القرآن من القسم عليه ليؤمن به الناس. المعنى: أقسم الحق- ﵎ بجنس النجم الصادق بالثريا وغيرها إذا هوى «١» أى: غرب أو طلع أو انقض على الشياطين المسترقة للسمع، وقيل: إنه أقسم به على أنه جزء من القرآن نازل على النبي ﷺ وفي القسم بالنجم الذي شأنه أن يهتدى به السارى إشارة إلى أنه ﷺ علم الاهتداء، ومنارة الوصول إلى خير الدنيا والآخرة والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم عن طريق الحق ولا عدل عن الصراط المستقيم الذي هو مسلك الآخرة، وما غوى في اعتقاد فاسد أبدا، وهو صاحبكم، وأنتم أدرى الناس به، وما ينطق النبي ﷺ وما يصدر عنه من قول أو فعل أتاكم به من جهته-

стр. 2344

كالقرآن مثلا، أى: ما صدر عنه ذلك عن هوى نفسه ورأيه، إن هو- أى: القرآن- إلا وحى من الله- يوحى به إليه «١» . علم النّبىّ جبريل- ﵇ الذي هو شديد القوى، علمه القرآن، ولا عجب في ذلك فقد قلع قرى قوم لوط، وصاح بقوم صالح فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء في لمح البصر، وهو القادر بأمر الله على التشكل بأشكال مختلفة، وهو ذو مرة، أى: صاحب حكمة وحصافة في العقل، وبعد في النظر، فالله قد وصفه بقوة الجسم وقوة العقل والرأى. فهل رآه النبي على صورته الحقيقية؟ فقيل في الجواب: نعم رآه فاستوى واستقام على صورته الحقيقية التي خلقه الله تعالى عليها له ستمائة جناح كل جناح منها يسد الأفق على ما روى، رآه والحال أن جبريل بالأفق الأعلى، وفي المروي أن ذلك في أول البعثة، ثم قرب جبريل من النبي ﷺ فتدلى، أى: كان معلقا في الهواء، فكان قريبا من النبي ﷺ بمقدار قابى قوسين أو أقرب من ذلك، وأو للشك من جهة العباد لا من الله سبحانه، أى: من يراه يظن أنه كذلك أو أقرب. فأوحى جبريل إلى عبد الله «٢» ورسوله ﷺ من القرآن ما أوحى، وفي الصورة الحقيقية أو غيرها ما كذب فؤاد النبي ﷺ ما رآه ببصره، أى: لم يقل بقلبه لما رآه ببصره: لم أعرفك فيكون كذبه. ويقول العلامة الآلوسي نقلا عن الكشف: إن هذه الآيات سيقت لتحقيق أمر الوحى، ونفى الشبهة والشك فيه ليتأكد الكل أن هذا الوحى ليس من الشعر ولا من الكهانة، فليس للشيطان ولا للجن أى قدرة على تصورهم للنبي في صورة جبريل الحقيقة أو غيرها لأن النبي ﷺ عرفه بقلبه وبصره، ورآه في حالاته المتعددة، ومن ثم لم يكن من المعقول أن يشتبه عليه، انظر إلى قوله: فاستوى، ثم إلى قوله: ثم دنا فتدلى، فأوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى، ومن هنا كان ترتيب قوله تعالى: أفتمارونه

стр. 2345

على ما مضى ترتيبا إلهيا، وكفى!! أى: أبعد ذلك تكذبونه في دعواه فتجادلونه على ما يرى ويعتقد ويحدثكم به. وتالله لقد رأى جبريل مرة أخرى في السماء عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى، ما زاغ البصر وما طغى، نعم لقد رأى النبي جبريل على حقيقته مرة أخرى في هذا المكان من السماء عند جنة المأوى وقت أن يغشاها ما يغشى، وما زاغ بصره أبدا وما تجاوز حده المرسوم، وقد كان ذلك في المعراج، لقد رأى النبي ﷺ في ذلك الوقت وهذا المكان الآيات الكبرى من آيات ربه، وآيات الله الكبرى ليلة المعراج لا تحصى، ولذا قيل: إن المعنى: لقد رأى بعض آيات ربه الكبرى ساعتها، سرنا في التفسير على أن الرؤية من النبي لجبريل، وبعضهم يراها أنها من النبي إلى الله والله وحده هو العالم بالحقيقة، وإن كان ظاهر النظم الجليل من الدنو والتدلي، وقوله: وهو بالأفق الأعلى، أن ذلك كله كان بين جبريل والنبي ﷺ . تلك هي آلهتهم التي لا تغنى عنهم شيئا [سورة النجم (٥٣) : الآيات ١٩ الى ٣١] أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)

стр. 2346

المفردات: اللَّاتَ: اسم صنم كان لثقيف بالطائف، وقيل: كان لرجل يلت السويق للحاج على حجر فلما مات عبدوا ذلك الحجر إجلالا له وسموه بذلك. وَالْعُزَّى: كانت لغطفان وهي على المشهور شجرة ببطن نخلة، وهي تأنيث الأعز، وقيل: كانت ثلاث شجرات. وَمَناةَ: صخرة كانت لهذيل وخزاعة، وقيل: كانت بالكعبة واستظهر بعضهم أن هذه الأصنام الثلاثة كانت بالكعبة. ضِيزى أى: جائرة لا عدل فيها. مِنْ سُلْطانٍ: من برهان وحجة قوية. الظَّنَّ المراد به هنا: التوهم. لما ذكر الله- الوحى وصاحبه. بعد القسم بالنجم، وهذا كله من آثار قدرة الله تعالى، ومعالم وحدانيته، عرج على آلهتهم التي لا تسمن ولا تغنى من جوع لعلهم يلتفتون إلى الحق فيتبعوه.

стр. 2347

المعنى: لما قص الله الأقاصيص العجيبة التي تمثل صدق الوحى وثبوته قال للمشركين موبخا لهم: أفرأيتم ما تعبدون من دون الله؟ أى: أخبرونى عن الآلهة التي تعبدونها من دون الله. هل لها قدرة توصف بها؟ هل أوحت لكم بشيء كما أوحى الله إلى محمد؟ أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع، وقد ذكر من هذه الأصنام ثلاثة مشهورة، وكانت معظمة عندهم جميعا، والظاهر- والله أعلم- أنها كانت في أماكن متعددة، أى: بالطائف ومكة وغيرهما، أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى التي هي غاية في الذم والحقارة؟ ألكم الذكر وله الأنثى؟ وكيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من الذكور، وذلك قولهم: الملائكة بنات الله، تلك إذا قسمة ضيزى قسمة جائرة غير عادلة، وهذا، أى: قوله أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى توبيخ آخر لهم. ما الأوثان والأصنام التي تدعونها آلهة إلا أسماء محضة ليس فيها شيء من معنى الألوهية لأنها لا تسمع ولا تبصر، ولا تغنى ولا تنفع، فما هي إلا أسماء لا مسميات لها ولا حقائق، تلك أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم من قبل، ما أنزل الله بها من سلطان، ولا حجة ولا برهان، وما حجتهم في ذلك؟ ما يتبعون فيما ذكر من التسمية واتخاذهم الأصنام آلهة إلا العمل بالظن الذي لا يغنى من الحق شيئا، ولا يتبعون إلا ما تهواه نفوسهم وتشتهيه، ولقد جاءهم من ربهم الهدى والبيان الرائع، جاءهم: أن اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، وأن هذه الأصنام لا تغنى ولا تنفع، وجاءهم كل هذا في القرآن الحكيم الذي يدعوهم إلى التوحيد بالدليل والبرهان القوى الذي لا يقبل الشك ... أم للإنسان ما تمنى؟ «١» نعم ليس للإنسان شيء مملوك له مما يتمناه، يتصرف فيه حسب ما يريد، ومن باب أولى هؤلاء الكفار وأمانيهم الباطلة، ترى أن الله أضرب عن اتباعهم الظن الذي هو مجرد التوهم وعن اتباعهم هوى النفس الأمارة بالسوء، وانتقل إلى إنكار أن يتحقق لهم ما يتمنون كأن تنفعهم الأصنام أو تشفع لهم، ثم علل ذلك بقوله. فلله أمور الآخرة والدنيا فما شاءه كان، وما لم يشأ لم يكن، ثم أكد ذلك

стр. 2348

وزاد في بطلان شفاعة الأصنام لهم يوم القيامة فقال: وكثير من الملائكة، في السموات لا تغنى شفاعتهم ولا تنفع إلا بعد إذن الله لمن يشاء، والله لا يأذن إلا للمقربين من خلقه، فكيف تشفع الأصنام إن هؤلاء الناس الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ليسمون الملائكة تسمية الأنثى بقولهم: إن الملائكة بنات الله فجعلوهم إناثا، وسموهم بنات ومن أين لهم هذا؟ أعندهم علم بذلك؟ أم لهم كتاب يدرسون فيه هذا، بل هم لا علم لهم أبدا، وما يتبعون إلا الظن الذي لا يبنى على أساس بل على مجرد الوهم، ولا شك أن هذا الظن في مثل هذه المسائل لا يغنى من الحق شيئا من الإغناء، وإذا كان الأمر كذلك فأعرض عمن أعرض عن ذكرنا، ولم يستمع لكلامنا، أعرض عن هؤلاء، ولا تأبه بهم، ولا تجادلهم، فهؤلاء قصروا نظرهم على الدنيا، ولم يفكروا فيما بعد الموت، فشغلتهم الدنيا عن الآخرة، ذلك» - والإشارة إلى التولي عن الآخرة وقصر النظر على الدنيا- مبلغهم من العلم، فأعرض عن هؤلاء لأن الله أعلم بمن ضل عن سبيله، وركب رأسه وهو أعلم بمن اهتدى، وسيجازى كلا على عمله وها هي ذي آثار قدرته الكاملة وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ له كل ذلك ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا، وسيجازى الذين أساءوا بعملهم، والذين أحسنوا بالمثوبة الحسنى، وتلك عاقبة أمر الخلق الذين فيهم المحسن والمسيء. من هم المحسنون [سورة النجم (٥٣) : آية ٣٢] الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)

стр. 2349

المفردات: كَبائِرَ الْإِثْمِ: جمع كبيرة، وهي كل ذنب توعد الله صاحبه بالعذاب الشديد، أو ذم فاعله ذما كثيرا، وقيل غير ذلك. وَالْفَواحِشَ: جمع فاحشة، وهي الذنب الذي جعل الله في عقوبته الحد كالزنا مثلا، وقيل غير ذلك مما هو قريب منه. إِلَّا اللَّمَمَ وأصل اللمم: ما قل وصغر، وعليه ألم بالمكان: قل لبثه فيه، والمراد باللمم هنا: صغائر الذنوب التي تفعل بلا مداومة عليها. أَجِنَّةٌ: جمع جنين وهو الولد ما دام في بطن أمه سمى بذلك لاجتنانه، أى: استتاره. المعنى: المحسنون الذين لهم المثوبة الحسنى هم الذين يجتنبون كبائر الإثم، ويجتنبون الفواحش والمنكرات التي ينكرها العقل ويأباها الدين، من الموبقات والمهلكات التي ورد من الشرع تحذير شديد على اجتنابها، أو توعد صاحبها بالحد أو بالعقاب الشديد، وقد اختلف العلماء في عد المنكرات والفواحش، وذكرت في السنة بطرق مختلفة، وعلى العموم فالشرك بالله، والقتل إلا بحق الإسلام، والزنى والربا وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، والافتراء على الله من الكبائر، وهكذا كل معصية ذنبها كبير وجرمها خطير. الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، وهو صغائر الذنوب التي تعمل بلا قصد ولا مداومة، أما إذا داومت على الذنب الصغير أصبح كبيرا فقد قيل: لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الندم والاستغفار. وهذا اللمم ذنب بلا شك، خففه الندم وعدم معاودته، عند ذلك تدخل المغفرة والرحمة، وربك واسع المغفرة كثير الرحمة، وهو أعلم بنا- نحن بنى الإنسان- وقد خلقنا ضعافا أمام الدنيا ومغرياتها، وقد خلقنا فهو أعلم بنا، وقد أنشأنا من الأرض، وهو أعلم بنا إذ نحن أجنة في بطون الأمهات، بل وذرات في أصلاب الآباء، وفي عالم الذر، وإذا كان الأمر كذلك فلا تزكوا أنفسكم أبدا، هو أعلم بمن اتقى، فرب من يظن نفسه قد عمل صالحا يكون عمله مشوبا بالرياء أو السمعة أو الغرض الدنيوي فيبوء بالفشل والندامة، والله أعلم بمن اتقى حقا.

стр. 2350

حقائق إسلامية [سورة النجم (٥٣) : الآيات ٣٣ الى ٦٢] أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)
следующие страницы →