المفردات:
اللَّاتَ: اسم صنم كان لثقيف بالطائف، وقيل: كان لرجل يلت السويق للحاج على حجر فلما مات عبدوا ذلك الحجر إجلالا له وسموه بذلك.
وَالْعُزَّى: كانت لغطفان وهي على المشهور شجرة ببطن نخلة، وهي تأنيث الأعز، وقيل: كانت ثلاث شجرات. وَمَناةَ: صخرة كانت لهذيل وخزاعة، وقيل: كانت بالكعبة واستظهر بعضهم أن هذه الأصنام الثلاثة كانت بالكعبة.
ضِيزى أى: جائرة لا عدل فيها. مِنْ سُلْطانٍ: من برهان وحجة قوية.
الظَّنَّ المراد به هنا: التوهم.
لما ذكر الله- الوحى وصاحبه. بعد القسم بالنجم، وهذا كله من آثار قدرة الله تعالى، ومعالم وحدانيته، عرج على آلهتهم التي لا تسمن ولا تغنى من جوع لعلهم يلتفتون إلى الحق فيتبعوه.
стр. 2347
المعنى:
لما قص الله الأقاصيص العجيبة التي تمثل صدق الوحى وثبوته قال للمشركين موبخا لهم: أفرأيتم ما تعبدون من دون الله؟ أى: أخبرونى عن الآلهة التي تعبدونها من دون الله. هل لها قدرة توصف بها؟ هل أوحت لكم بشيء كما أوحى الله إلى محمد؟ أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع، وقد ذكر من هذه الأصنام ثلاثة مشهورة، وكانت معظمة عندهم جميعا، والظاهر- والله أعلم- أنها كانت في أماكن متعددة، أى: بالطائف ومكة وغيرهما، أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى التي هي غاية في الذم والحقارة؟ ألكم الذكر وله الأنثى؟ وكيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من الذكور، وذلك قولهم: الملائكة بنات الله، تلك إذا قسمة ضيزى قسمة جائرة غير عادلة، وهذا، أى: قوله أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى توبيخ آخر لهم.
ما الأوثان والأصنام التي تدعونها آلهة إلا أسماء محضة ليس فيها شيء من معنى الألوهية لأنها لا تسمع ولا تبصر، ولا تغنى ولا تنفع، فما هي إلا أسماء لا مسميات لها ولا حقائق، تلك أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم من قبل، ما أنزل الله بها من سلطان، ولا حجة ولا برهان، وما حجتهم في ذلك؟ ما يتبعون فيما ذكر من التسمية واتخاذهم الأصنام آلهة إلا العمل بالظن الذي لا يغنى من الحق شيئا، ولا يتبعون إلا ما تهواه نفوسهم وتشتهيه، ولقد جاءهم من ربهم الهدى والبيان الرائع، جاءهم: أن اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، وأن هذه الأصنام لا تغنى ولا تنفع، وجاءهم كل هذا في القرآن الحكيم الذي يدعوهم إلى التوحيد بالدليل والبرهان القوى الذي لا يقبل الشك ... أم للإنسان ما تمنى؟ «١» نعم ليس للإنسان شيء مملوك له مما يتمناه، يتصرف فيه حسب ما يريد، ومن باب أولى هؤلاء الكفار وأمانيهم الباطلة، ترى أن الله أضرب عن اتباعهم الظن الذي هو مجرد التوهم وعن اتباعهم هوى النفس الأمارة بالسوء، وانتقل إلى إنكار أن يتحقق لهم ما يتمنون كأن تنفعهم الأصنام أو تشفع لهم، ثم علل ذلك بقوله. فلله أمور الآخرة والدنيا فما شاءه كان، وما لم يشأ لم يكن، ثم أكد ذلك
стр. 2348
وزاد في بطلان شفاعة الأصنام لهم يوم القيامة فقال: وكثير من الملائكة، في السموات لا تغنى شفاعتهم ولا تنفع إلا بعد إذن الله لمن يشاء، والله لا يأذن إلا للمقربين من خلقه، فكيف تشفع الأصنام إن هؤلاء الناس الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ليسمون الملائكة تسمية الأنثى بقولهم: إن الملائكة بنات الله فجعلوهم إناثا، وسموهم بنات ومن أين لهم هذا؟ أعندهم علم بذلك؟ أم لهم كتاب يدرسون فيه هذا، بل هم لا علم لهم أبدا، وما يتبعون إلا الظن الذي لا يبنى على أساس بل على مجرد الوهم، ولا شك أن هذا الظن في مثل هذه المسائل لا يغنى من الحق شيئا من الإغناء، وإذا كان الأمر كذلك فأعرض عمن أعرض عن ذكرنا، ولم يستمع لكلامنا، أعرض عن هؤلاء، ولا تأبه بهم، ولا تجادلهم، فهؤلاء قصروا نظرهم على الدنيا، ولم يفكروا فيما بعد الموت، فشغلتهم الدنيا عن الآخرة، ذلك»
- والإشارة إلى التولي عن الآخرة وقصر النظر على الدنيا- مبلغهم من العلم، فأعرض عن هؤلاء لأن الله أعلم بمن ضل عن سبيله، وركب رأسه وهو أعلم بمن اهتدى، وسيجازى كلا على عمله وها هي ذي آثار قدرته الكاملة وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ له كل ذلك ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا، وسيجازى الذين أساءوا بعملهم، والذين أحسنوا بالمثوبة الحسنى، وتلك عاقبة أمر الخلق الذين فيهم المحسن والمسيء.
من هم المحسنون [سورة النجم (٥٣) : آية ٣٢]
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)
стр. 2349
المفردات:
كَبائِرَ الْإِثْمِ: جمع كبيرة، وهي كل ذنب توعد الله صاحبه بالعذاب الشديد، أو ذم فاعله ذما كثيرا، وقيل غير ذلك. وَالْفَواحِشَ: جمع فاحشة، وهي الذنب الذي جعل الله في عقوبته الحد كالزنا مثلا، وقيل غير ذلك مما هو قريب منه. إِلَّا اللَّمَمَ وأصل اللمم: ما قل وصغر، وعليه ألم بالمكان: قل لبثه فيه، والمراد باللمم هنا: صغائر الذنوب التي تفعل بلا مداومة عليها. أَجِنَّةٌ: جمع جنين وهو الولد ما دام في بطن أمه سمى بذلك لاجتنانه، أى: استتاره.
المعنى:
المحسنون الذين لهم المثوبة الحسنى هم الذين يجتنبون كبائر الإثم، ويجتنبون الفواحش والمنكرات التي ينكرها العقل ويأباها الدين، من الموبقات والمهلكات التي ورد من الشرع تحذير شديد على اجتنابها، أو توعد صاحبها بالحد أو بالعقاب الشديد، وقد اختلف العلماء في عد المنكرات والفواحش، وذكرت في السنة بطرق مختلفة، وعلى العموم فالشرك بالله، والقتل إلا بحق الإسلام، والزنى والربا وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، والافتراء على الله من الكبائر، وهكذا كل معصية ذنبها كبير وجرمها خطير.
الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، وهو صغائر الذنوب التي تعمل بلا قصد ولا مداومة، أما إذا داومت على الذنب الصغير أصبح كبيرا فقد قيل:
لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الندم والاستغفار.
وهذا اللمم ذنب بلا شك، خففه الندم وعدم معاودته، عند ذلك تدخل المغفرة والرحمة، وربك واسع المغفرة كثير الرحمة، وهو أعلم بنا- نحن بنى الإنسان- وقد خلقنا ضعافا أمام الدنيا ومغرياتها، وقد خلقنا فهو أعلم بنا، وقد أنشأنا من الأرض، وهو أعلم بنا إذ نحن أجنة في بطون الأمهات، بل وذرات في أصلاب الآباء، وفي عالم الذر، وإذا كان الأمر كذلك فلا تزكوا أنفسكم أبدا، هو أعلم بمن اتقى، فرب من يظن نفسه قد عمل صالحا يكون عمله مشوبا بالرياء أو السمعة أو الغرض الدنيوي فيبوء بالفشل والندامة، والله أعلم بمن اتقى حقا.
المفردات:
تَوَلَّى: أعرض. وَأَكْدى يقال لمن حفر بئرا ثم بلغ حجرا لا يتهيأ له فيه حفر: قد أكدى، ثم استعملته العرب لمن أعطى ولم يتمم، ولمن طلب شيئا ولم يبلغ آخره. صُحُفِ مُوسى: هي التوراة. وازِرَةٌ: نفس حاملة. وِزْرَ:
حمل. الْمُنْتَهى: النهاية. نُطْفَةٍ النطفة: الماء القليل، مشتق من نطف الماء إذا قطر. تُمْنى يقال: منى الرجل أو أمنى: إذا أنزل المنى، والمراد بقوله (تمنى) أى: تصب في الرحم. النَّشْأَةَ الْأُخْرى المراد: إعادة الأرواح في الأشباح.
أَغْنى وَأَقْنى أغنى: أعطى المال، وأقنى: أعطى القنية التي تقتنى كالعقار مثلا.
رَبُّ الشِّعْرى: الكوكب المضيء وهو ما يسمى بالعبور. وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى المراد: قرى قوم لوط قد قلبها وخسف بها بعد رفعها إلى السماء. أَزِفَتِ الْآزِفَةُ:
قربت القيامة. كاشِفَةٌ أى: كشف وانكشاف، أو نفس كاشفة.
سامِدُونَ: لاهون وغافلون ومعرضون.
لما بين جهل المشركين في عقائدهم الباطلة، وأنه لا وجه لهم في شيء ذكر واحدا منهم بسوء فعله وكبير جرمه، وإن قصته لتثبت أن كفر هؤلاء لم يكن عن عقيدة، وإنما هو عناد وعصبية جاهلية، وحماقة ما بعدها حماقة.
روى أن الوليد بن المغيرة كان قد اتبع رسول الله ﷺ على دينه فعيره بعض المشركين وقال له: أتركت دين الأشياخ وضللتهم وزعمت أنهم في النار؟! قال الوليد: إنى خشيت عذاب الله. فقال من عيره: أنا أضمن لك الجنة إن رجعت إلى الشرك وأعطيتنى شيئا من المال، فقال الوليد ذلك، وأعطى بعض ما كان ضمنه له ثم بخل ومنعه فنزلت هذه الآيات
تذمه لرجوعه عن الحق وخلفه الوعد.
المعنى:
أخبرنى عن الذي تولى وأعرض عن الحق، وأعطى قليلا من المال، وبعد ذلك امتنع، إذ أصابته صخرة شح النفس، فوقع عليها شحيحا بخيلا «١» أعنده علم بالأمور
стр. 2352
الغيبية، فهو بسبب ذلك يرى أن صاحبه يتحمل عنه شيئا من وزره؟! أو نزل عليه قرآن من عالم الغيب فهو يرى أن ما صنعه حق.
بل ألم ينبأ بما في صحف موسى، وصحف إبراهيم الذي وفي ما عليه، وابتلى بشدائد كثيرة فخرج منها وافى الإيمان سليم العقيدة، مستحقا هذا اللقب: «خليل الرحمن» ألم يعلم بأن صحف موسى وإبراهيم فيها أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، بمعنى لا تحمل نفس مستعدة للحمل ذنب نفس أخرى، وفيها أنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى يوم القيامة، ثم يجزاه الجزاء الأوفى، وأن «١» إلى ربك نهاية الخلق ومنتهاهم، وأنه هو أضحك بعض عباده وأبكى، أضحكهم لأنه وعدهم السعادة في الدنيا والآخرة، وأبكى في الحقيقة من حرمهم السعادتين، وأنه هو أمات وأحيا، أى:
خلق الموت والحياة، وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من الإنسان والحيوان، خلقهما من نطفة إذا تمنى، وهذه النطفة لا يفرق فيها بين الذكر والأنثى، فليس هناك شك في أنه وحده هو الخالق للذكر والأنثى، وأن عليه النشأة الأخرى، أى: الإحياء بعد الإماتة وأنه هو وحده الذي أغنى وأقنى، أغنى بالمال والمنقولات وأقنى بالعقارات الثابتة، وأنه هو رب الشعرى، وغيرها من الكواكب، وأنه أهلك عادا الأولى الذين أرسل لهم هود، وأهلك ثمود الذين أرسل لهم صالح، فما أبقى منهما شيئا، وأهلك قوم نوح من قبل هؤلاء، إنهم كانوا هم أظلم وأطغى من غيرهم، وأهلك قرى قوم لوط، وهم المؤتفكة التي رفعها الله إلى السماء ثم قلبها إلى الأرض فغشيها من الهم والحزن ما غشيها.
فبأى آلاء ربك أيها الإنسان تتمارى، وتتشكك؟ هذا القرآن الذي أنزل على محمد هو نذير من جنس النذر الأولى التي كانت تنزل على الأمم السابقة، فما بالكم لا تؤمنون، ولا تتعظون بما حل بغيركم؟! أزفت الآزفة، وقربت القيامة، ليس لها من دون الله نفس كاشفة تكشفها وتزيلها، بل الأمر كله لله .
стр. 2353
أفمن هذا الحديث- القرآن- تعجبون إنكارا، وتضحكون استهزاء، ولا تبكون خوفا من عذاب الله، وأنتم لاهون بالحديث متشاغلون بأى شيء، ومن هنا يستحب البكاء أو التباكي عند سماع القرآن،
وقد ورد عن أبى هريرة قال: لما نزلت هذه الآية «أفمن هذا الحديث..؟» بكى أصحاب الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم فلما سمع رسول الله ﷺ حنينهم بكى معهم فبكينا لبكائه فقال- ﵇ «لا يلج النار من بكى من خشية الله تعالى» .
وإذا كان الأمر كذلك من إنكار مقابلة القرآن بالتعجب والضحك، وعدم البكاء مع اللهو وقت استماعه، إذا كان الأمر كذلك فاسجدوا لله تعالى الذي أنزله على عبده، ولم يجعل له عوجا، قيما، واعبدوه- ﷻ ، وهذه آية سجدة عند الكثير، وقد سجد النبي ﷺ عندها، والله تعالى أعلم.
стр. 2354
سورة القمر
وهي مكية كلها في قول الجمهور، وهو الصحيح، وعدد آياتها خمس وخمسون آية وتشمل على كثير من الوعد والوعيد، وذكر أخبار الأمم الماضية للعبرة والعظة ثم تهديد الكفار بذكر ما يحل بهم يوم القيامة، وما يلاقيه المتقون من جزاء في جنات صدق.
الكافرون وموقفهم من دعوة الحق [سورة القمر (٥٤) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)
المفردات:
مُسْتَمِرٌّ أى: محكم قوى على أنه مأخوذ من المرة وهي القوة، أو هو مأخوذ من إمرار الحبل وهو شدة فتله، وقيل: المراد سحر ذاهب، مأخوذ من قولهم: مر
стр. 2355
الشيء واستمر إذا ذهب. مُسْتَقِرٌّ أى: منته إلى غاية «١» . مُزْدَجَرٌ: ما يزجرهم ويكفهم يقال: زجره فانزجر وازدجر، أى: كفه فانكف. بالِغَةٌ:
واصلة غاية الإحكام لا خلل فيها نُكُرٍ: فظيع شديد تنكره النفوس.
الْأَجْداثِ: جمع جدث وهو القبر. جَرادٌ مُنْتَشِرٌ الجراد: حيوان يأكل النبات فيجرد الأرض منه، والمنتشر: الكثير التموج. مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ:
مسرعين إليه. عَسِرٌ: صعب شديد.
روى قتادة عن أنس- رضى الله عنهم- قال: خطب رسول الله ﷺ وقد كادت الشمس تغيب فقال: «ما بقي من دنياكم فيما مضى إلا مثل ما بقي من هذا اليوم فيما مضى»
قال الراوي: وما نرى من الشمس إلا يسيرا
وثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن مسعود، وابن عمر وأنس وغيرهم أنه قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ آية فانشق القمر
،
ورواية البخاري: انشق القمر فرقتين، وقد كذبه أهل مكة، وقالوا: سحرنا ابن أبى كبشة فنزلت الآية: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.. وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ.
المعنى:
إن الساعة آتية لا شك فيها، وكل آت قريب، ومتحقق الوقوع، وعلى ذلك اقتربت الساعة، أو صارت باعتبار نسبة ما بقي من الزمن بعد قيام النبوة المحمدية إلى ما مضى من الدنيا قريبة جدا،
ولقد صدق رسول الله حيث يقول: «بعثت أنا والساعة هكذا»
وأشار النبي بإصبعه السبابة والوسطى، وأنت تعرف قرب ما بينهما.
اقتربت الساعة وانشق القمر، فانشقاق القمر آية ظاهرة على هذا القرب وعلى إمكانه في العقول والأذهان، وقيل: إنه آية على قرب الوقوع ومعجزة للنبي ﷺ كما مضى، وعلى ذلك فانشقاق القمر من معجزاته ﷺ ويؤيده الحديث السابق أول الكلام، وظاهر الآيات هنا، فإن قوله تعالى: وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ يقتضى أن الانشقاق آية رأوها وأعرضوا عنها وكذبوا بها.
стр. 2356
ويرى بعضهم أن انشقاق القمر عبارة عن انشقاق الظلمة وقت طلوعه، لا انفلاقه فلقتين كما روى في البخاري، وبعضهم يرى أنه كناية عن وضوح الأمر وظهوره، ولست أرى داعيا إلى إنكار انشقاق القمر على أنه معجزة فالمعجزة أمر خارق للعادة، وعدم تواتره لا يقدح، فإنها آية ليلية، وقد ذكرت في القرآن، والصحيح أن منكرها لا يكفر بها لعدم تواترها في السنة، وليست الآية نصّا فيها.
وإن يروا- هؤلاء الكفار كما هو شأنهم- أى آية يعرضوا عنها، ويقولوا: هذا سحر مستمر، أى: مطرد دائم عرفناه من محمد، أو هو سحر مستمر، أى: محكم قوى عرفناه من هذا الساحر القوى، أو هو سحر سيذهب عن قريب ويضيع كما ضاع غيره، وتلك أمانيهم الباطلة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، وهكذا كذبوا بآياتنا الظاهرة واتبعوا في هذا التكذيب والإعراض أهواءهم التي زينها لهم شياطينهم فقط، ولم يتبعوا حجة أو منطقا سليما، وما علموا أن كل أمر مستقر وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ «١» نعم كل أمر لا بد منته إلى غاية يتبين عندها حقه من باطله.
وتالله لقد جاءهم في القرآن من أخبار القرون الماضية ما فيه ازدجار لهم «٢» ومنع عما هم فيه من القبائح لو كانوا يعقلون، هذه حكمة بالغة قد بلغت الغاية ووصلت إلى النهاية في الإحكام والدقة فكان من المعقول أن ينتفعوا بوعيد هذه الأنباء ووعدها، فما انتفعوا، وما أغنتهم هذه النذر «٣» .
وإذا كان الأمر كذلك فتول عنهم، وأعرض، ولا يهمنك أمرهم، واذكر يوم يدعو الداعي، وهو إسرافيل- ﵇ يدعوهم ليخرجوا من الأجداث فيرون شيئا منكرا فظيعا تنكره النفوس لعدم عهدها بمثله، وهو هول يوم القيامة، يخرجون من القبور أذلة أبصارهم من شدة الهول كأنهم جراد منتشر في الكثرة والتموج والانتشار في الأقطار، وقد جاء تشبيههم- مرة أخرى- يوم يخرجون من القبور كالفراش المبثوث،
المفردات:
وَازْدُجِرَ أى: زجر عن دعوة النبوة، وأصل ازدجر: ازتجر، ثم قلبت التاء دالا لتناسب الزاى، وهذا أصل معروف في اللغة العربية. بِماءٍ مُنْهَمِرٍ أى: كثير متدفق. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً أصله: وجعلنا الأرض عيونا متفجرة. قَدْ قُدِرَ: على مقدار مقدر لم يزد أحدهما عن الآخر. ذاتِ أَلْواحٍ أى: على سفينة ذات ألواح. وَدُسُرٍ: هي المسامير التي تشد بها السفينة. مُدَّكِرٍ: متعظ، وأصله: مذتكر، ثم قلبت التاء دالا ثم قلبت الذال دالا وأدغمت في مثلها كل ذلك للتخفيف اللفظي. صَرْصَراً: شديد البرد أو الصوت. يَوْمِ نَحْسٍ: يوم شؤم كله. أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ الأعجاز: جمع عجز، وهو مؤخر الشيء، والمنقعر: المنقطع من أصله. وَسُعُرٍ أى: جنون، وعليه ناقة مسعورة كأنها من شدة نشاطها مجنونة. أَشِرٌ الأشر: هو المرح والتجبر والنشاط مع التعاظم.
شِرْبٍ الشرب: الحظ من الماء. مُحْتَضَرٌ أى: يحضره من هوله.
فَتَعاطى أى: تناول عقرها فعقرها. كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ المحتظر: الذي يعمل الحظيرة لغنمه بالشوك والشجر فما سقط من ذلك وداسته الغنم فهو الهشيم، والهشيم:
هو العصف، أى: التبن، وقرئ: المحتظر، أى: الاحتظار، أى: هو الشجر المتخذ منه الحظيرة.
стр. 2359
حاصِباً أى: ريحا ترميهم بالحصباء. بِسَحَرٍ السحر: هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر. راوَدُوهُ: أرادوا تمكينهم ممن كان أتاهم ضيفا. فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ أى: صارت أعينهم مطموسة لا شق لها كما تطمس الريح الأعلام بما تسفى عليها من التراب.
وهذه قصص خمسة، فيها أنباء بعض الأمم الذين جاءتهم رسلهم بالبينات فكذبوهم وآذوهم، ثم كانت عاقبة أمرهم خسرا، ولم يكن كفار مكة بأقوى منهم أو أشد، فكان من الخير أن يعتبر المشركون بقصصهم ويزدجروا، ولكنهم ما اعتبروا وما أغنتهم النذر وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ، وهذا بيان وتفصيل لتلك الأنباء وتقرير لفحوى قوله: فما تغنى النذر.
ولقد بدأ القرآن بقصة نوح، ثم عاد، ثم ثمود، ثم ذكر قوم لوط، وختم بقصة فرعون.
стр. 2360
المعنى:
كذبت قبل مشركي مكة قوم نوح فكذبوا «١» عبدنا نوحا، ويا ليتهم اقتصروا على ذلك بل قالوا له: هو مجنون، وكذبوه، ورموه بالجنون، وزجروه عن تبليغ الدعوة بالإيذاء والتخويف.
ولما اشتد عليه الإيذاء دعا ربه بأنى مغلوب على أمرى فانتصر لي، وانتقم من هؤلاء رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً [سورة نوح آية ٢٦] .
فاستجاب الله دعاء نوح، وحقت عليهم الكلمة، وفتح عليهم أبواب السماء بماء متدفق كثير «٢» ، وفجر الله عيون الأرض، وفتحها لينساب الماء منها بتدفق غزير، فالتقى الماء النازل من السماء والماء النابع من الأرض حالة كونه على قدر قدره الله لم يتجاوز واحد منهما قدره.
وكان نوح قد أمر بصنع السفينة، وصنعها بين استهزاء قومه وسخريتهم، فلما ازداد الماء ركب نوح ومن معه السفينة ونجا من الغرق، فانظر إليه وقد حمله ربك على السفينة وصارت تجرى بعناية الله وتحت رعايته! حتى نجا وغرق من كفر به، فعل ذلك ربك إكراما لنوح- ﵇ وجزاء لمن كفر به وبرسالته من قومه، ولقد تركناها آية وعبرة لمن يأتى بعدها، فهل من معتبر؟! فانظر كيف كان عذاب ربك للعصاة الكافرين، وكيف كان إنذارهم؟! وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟ وهذه جملة ذكرت عقيب كل قصة تقريرا لمضمون ما سبق من قوله تعالى: وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ولعلها كررت لبيان أن كل قصة كافية في الاعتبار والاتعاظ.
стр. 2361
المعنى:
وبالله لقد يسرنا القرآن وسهلناه بأن أنزلناه بلسان عربي مبين، وملأناه بالحكم والمواعظ والقصص التي تفيد العبرة، فعلنا ذلك للذكر والاتعاظ فهل من مدكر؟!! وقيل المعنى: سهلنا القرآن للحفظ فهل من طالب للحفظ فيعان عليه؟ والمعنى الأول هو الأنسب بالمقام.
وهذه قصة عاد: لقد كذبت رسولها هودا فانظر كيف كان عذابي وإنذارى بهم؟! إنا أرسلنا «١» عليهم ريحا صرصرا عاتية، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما لا خير فيها أبدا، وكان هلاكهم في يوم نحس وشؤم عليهم، يوم مستمر حتى أهلكهم، ولا شك أنه يوم مرّ كريه، وهذه الريح كانت تنزع الواحد منهم وتقلعه إذا دخل حفرة أو كهفا في جبل كأنهم والحالة هذه أعجاز نخل منقطع عن مغارسه ساقط على الأرض.
فانظر كيف كان عذابي للكفار المكذبين وإنذارى؟! ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر! وتلك قصة ثمود: لقد كذبت بالرسل جميعا إذ تكذيب صالح- وهو واحد منهم- تكذيب للكل، كذبت ثمود بالنذر، فقالوا منكرين رسالة نبيهم صالح: أبشرا منا واحدا منفردا لا تابع معه. وليس من الأشراف نتبعه؟! إن اتبعناه لنكونن في ضلال وجنون.
عجبا لهذا الرجل! أألقي عليه الذكر، وأنزل عليه الوحى من بيننا؟ وفينا من هو أحق منه لغناه وعلو شرفه وكثرة أتباعه! ليس الأمر كما يدعى صالح. بل هو كذاب شديد البطر كثير الفرح والمرح يتعاظم علينا بهذه الدعوة، والله سبحانه يرد عليهم بقوله لصالح: سيعلمون غدا- وإن غدا لناظره قريب- من هو الكذاب الأشر.
وكانوا قد طلبوا من صالح آية لهم، وأراد الله إبرازها فتنة لهم، فأخرج الناقة من الهضبة إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ إنا مخرجوها لهم فتنة وابتلاء وآية فانتظر يا صالح واصبر على أذى قومك، فقد قرب اليوم الموعود ونبئهم أن الماء قسمة بينهم، أى:
стр. 2362
بين آل ثمود، وبين الناقة، لها يوم ولهم يوم لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ روى ابن عباس: كان يوم شربهم لا تشرب الناقة شيئا من الماء، وتسقيهم لبنا.
وإذا كان يوم الناقة شربت الماء كله فلم تبق لهم شيئا، ونبئهم يا صالح: أن الماء مقسوم بينهم: لها يوم، ولهم يوم، كل شرب ونصيب محتضر، أى: يحضره صاحبه في نوبته لا يتعداه كما روى عن ابن عباس.
ولكن ثمود ملوا هذه القسمة، وطغوا وبغوا، وعزموا على عقر الناقة فنادوا صاحبهم الجريء في الباطل، قيل: اسمه قدار بن سالف، فتعاطى هذا الفعل الشنيع واجترأ على قتل الناقة فعقرها، فاستحقوا غضب العزيز الجبار، فانظر كيف كان عذابهم وإنذارهم؟ إن ربك أرسل عليهم صيحة واحدة من جبريل، فصاروا بسببها كالشجر الجاف الذي يجمعه صاحب الغنم ليعمل حظيرة تمنع عن غنمه عوائد البرد والسباع.
ولقد يسرنا القرآن للذكرى والموعظة، فهل من متذكر أو متعظ بما حل بغيره؟
وأما قوم لوط فقد كذبوا بالنذر وعصوا أخاهم لوطا، وارتكبوا من الفواحش أحقرها- كما عرفنا سابقا عنهم- ولذا أرسل الله عليهم ريحا حاصبا أهلكتهم وأبادتهم جميعا إلا آل لوط الذين آمنوا به فقد نجاهم ربك بسحر، فعل بهم ذلك إنعاما من عند الغنى الحكيم، مثل ذلك يجزى ربك من شكر، ويعذب من كفر، ولا غرابة في ذلك فلقد أنذرهم لوط بطشتنا وشدتنا، فجادلوه وكذبوا بالنذر، ولقد راودوه عن ضيوفه، وما علموا أنهم من الملائكة وأنهم جاءوا لتنفيذ الوعيد بهم فطمس الله عيونهم، وقال لهم على لسان الملائكة: ذوقوا عذابي ونذر، ولقد نزل بهم العذاب في الصباح الباكر، فذاقوا عذاب البطش الشديد ونذره، ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟! ولقد جاء آل فرعون النذر الكثيرة والآيات المادية التسع، ولكنهم كذبوا بالآيات كلها، فأخذهم ربك أخذ عزيز مقتدر حيث أغرق فرعون وجنده، ونجى موسى ومن آمن معه، وكذلك ينجى ربك المؤمنين، ويعذب الكفار المكذبين فهل من مدكر؟!
المعنى:
لقد كذب الكفار بالنبوة، وكانوا كلما رأوا آية يعرضون ويقولون: سحر مستمر، فخوفهم الله بذكر أخبار الذين كذبوا بالآيات وأعرضوا عنها من الأمم الماضية، وطالبهم بالعبرة والموعظة مرارا، ثم أنحى عليهم باللائمة قائلا ما معناه: لم لا تخافون أن يحل بكم ما حل بغيركم؟ أأنتم أقل كفرا وعنادا من قوم عاد وثمود وقوم فرعون وإخوان لوط؟! حتى يصح لكم أن تأمنوا مكر الله بكم؟! بل أأعطاكم الله- براءة من عذابه مكتوبة حتى تكون حجة في أيديكم؟ بل أيقولون واثقين بشوكتهم: نحن جماعة أمرنا مجتمع لا يرام، ونحن جماعة جمعنا منصور لا يضام «١» .
ولقد رد الله عليهم هذا الزعم الفاسد بقوله: سيهزم الجمع ويولون الدبر وقد روى عن عمر بن الخطاب أنه ما كان يعرف معنى هذه الآية وهو في مكة حتى وقعت غزوة بدر وسمعت النبي يقرأ هذه الآية، فعرفت تأويلها، وقد كانت من دلائل النبوة، فهزمت جموعهم، وولوا الأدبار، وليس هذا تمام عقوبتهم، بل الساعة موعد عذابهم، والساعة أدهى من ذلك العذاب الدنيوي وأمر.
ولا عجب أن يعذب الله الكفار في الدنيا والآخرة، فإن لله قانونا حكم به عباده لن يتخلف وهو: إن المجرمين المكذبين في ضلال عن الحق ونيران حامية مسعرة وهم يعذبون يوم يسحبون في النار على وجوههم إهانة لهم حالة كونهم يقال لهم تبكيتا وإيلاما: ذوقوا مس سقر. إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، أى: بتقدير منا وإحكام وعلم فكل فعل أو أى شيء يصدر في هذا الكون خيرا كان أو شرا إنما هو بقدر الله، وواقع بعلمه، وسيجازى عليه جزاء وافيا، ويدخل في ذلك أفعال العباد كلهم.
وليس هذا بكثير على قدرة الله وعلمه وإرادته، فما أمره- إلا فعلة واحدة، وعلى نهج لا يختلف، وهو الإيجاد لجميع الأشياء بلا معالجة ولا تعب
стр. 2365
ولا مشقة بل بقوله للشيء: كن، فيكون كلمح البصر في السرعة والتنفيذ، وفي الحقيقة هذا تقريب للعقول في سرعة تعلق القدرة بالمقدور على وفق الإرادة الأزلية، ولقد أهلكنا أشياعكم وأشباهكم من الأمم السابقة فهل من مدكر؟ وكل شيء فعلوه في الدنيا مسجل عليهم في الزبر وصحائف الأعمال، وكل صغير وكبير من الأعمال مسطور ومكتوب في اللوح وعند الحفظة من الملائكة وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً!!
«١» .
وهذه حال المتقين بعد حال الكافرين المذنبين ليظهر الفرق جليا بين الفريقين، وبهذا يتم الترهيب والترغيب.
إن الذين اتقوا الله فابتعدوا عن الكفر والمعاصي في جنات عظيمة الشأن، وأنهار تجرى في وسطها وهم في مقعد صدق، أى: مكان مرضى،
روى أن جعفر الصادق- رضى الله تعالى عنه- قال في هذه الآية: مدح الله المكان بالصدق، فلا يقعد عليه إلا أهل الصدق، وهو المقعد الذي يصدق الله فيه مواعيد أوليائه، ويتمتعون فيه بالنظر إلى وجهه الكريم، يقعدون فيه عند مليك مقتدر قادر عظيم القدرة،
وما أروع هذا التعبير حيث أفهم العندية والقرب، وذكر مليكا مقتدرا للإشارة إلى أن ملكه تعالى وقدرته لا تدركها الأفهام، ولا تحيط بها العقول والأبصار.
стр. 2366
سورة الرحمن
وهي مكية كلها على الصحيح، وعدد آياتها ثمانية وسبعون آية، ولقد صح أن النبي ﷺ قام يصلى الصبح بنخلة، فقرأ سورة «الرحمن» ومر النفر من الجن فآمنوا به،
وفي الترمذي عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ فقرأ عليهم سورة «الرحمن» من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال النبي: «لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن ردا منكم كنت كلما أتيت على قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟ قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» .
وروى عن على- رضى الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: «لكل شيء عروس، وعروس القرآن سورة الرحمن» .
وتشتمل هذه السورة على ذكر النعم مبتدئة بذكر القرآن الذي هو أكبر نعمة على الإنسان، ثم بذكر النعم الكونية في السماء والأرض، ثم خلق الإنسان والجان، ثم صفة يوم القيامة، ثم صفة أهل النار، ثم ختم السورة ببيان الجنة وما فيها من نعيم أعد للسابقين وأصحاب اليمين.
أمهات النعم [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١ الى ١٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤)
الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩)
وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣)
стр. 2367
المفردات:
الْبَيانَ: المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير. بِحُسْبانٍ: بحساب دقيق. وَالنَّجْمُ: النبات الذي ينجم، أى: يظهر ويطلع من الأرض ولا ساق له. يَسْجُدانِ المراد ينقادان. الْمِيزانَ المراد: شرع العدل وأمر به.
بِالْقِسْطِ: بالعدل. وَلا تُخْسِرُوا أى: تنقصوا. لِلْأَنامِ أى للخلق جميعا، أى: الإنس والجن. الْأَكْمامِ: جمع كم، والمادة تدل على الستر، والكمة والكمامة: وعاء الطلع وغطاء النّور، والجمع كمام وأكمة وأكمام، ومنه: كم القميص لستره الذراع، والكمة: القلنسوة لتغطيتها الرأس، وأكمام النخل: أوعية التمر، أعنى الطلع أو كل ما يغطى من ليف وسعف وطلع. ذُو الْعَصْفِ: ورق الزرع الجاف. وَالرَّيْحانُ: هو كل مشموم طيب الرائحة من النبات، وقيل: المراد به الرزق الخاص بالإنسان. آلاءِ: جمع إلى وهو النعمة.
المعنى:
ربنا الرحمن، المتصفة ذاته بالرحمة، وهذه نعمه ظاهرة، وآثار رحمته بادية، ولقد أخذ القرآن الكريم في تعدادها، وقدم مصدر الدين، وأساس الهداية ومنبع النور ألا وهو القرآن، ثم أتبعه بذكر الإنسان وخلقه ليعلم أنه إنما خلقه للعبادة والدين ثم ذكر ما يتميز به عن سائر الخلق، وهو البيان الصريح والمنطق الفصيح المعرب عما في الضمير، المبين لآثار القرآن الموضح لأغراضه وأسراره ثم بعد ذلك ذكر بعض نعمه في الأكوان العلوية، ثم في الأكوان السفلية، وهكذا.
الرحمن على القرآن «١» أى: علم الإنسان القرآن، نعم: القرآن وتعليمه مصدر
стр. 2368
السعادة الدينية والدنيوية، وهو مصدق للكتب السماوية، وحارسها وراعيها والمهيمن عليها، وفيه الخبر الصدق، والتشريع المحكم، والقضاء العدل، والقصص المملوءة عبرة وعظة، والإرشادات إلى الخلق الكامل والمثل العليا، والدعوة الصريحة لتنظيف القلوب من أدران الدنيا وأكدار النفس، والدعوة إلى خلق المسلم الصحيح والإنسان الكامل السعيد في الدنيا والآخرة، ومع هذا فأكثر الناس لا يعقلون.
وإذا نظرنا إلى هذا النور الذي نبه العالم في القرن الحديث، وأيقظه من غفوته لم نجد له مصدرا إلا القرآن والرسالة المحمدية، حقيقة لم تبلغ الحضارة الحديثة الدرجة العليا والغرض السامي لأنها لم تنهل من تعاليم القرآن، ولم تجر على نظامه المحكم، فكانت المذاهب والنظريات في السياسة والاقتصاد والاجتماع فيها الإفراط أو التفريط، ولو شاء ربك لهدى الناس جميعا إلى نوره، ولكن حكمته اقتضت ذلك، إذا لا غرابة أن يبدأ تعداد نعمه بذكر تعاليم القرآن أولا، ألست معى في أن أول نعمة هي القرآن؟! وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ.
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً.
[النحل ٨٩- الإسراء ٨٢- الكهف ١ و ٢] الرحمن علم القرآن. خلق الإنسان، أى: أنشأه على ما هو عليه من القوى الظاهرة والباطنة، والغرائز الموجهة، ولقد كان خلق الإنسان بهذا الشكل الدقيق، وما أودع فيه من غرائز وميول، واتجاهات وأفكار، وقوى عاقلة مدركة، وهذا فضلا عن تركيبه المادي الدقيق، كان خلقه على هذا الوضع من أجل النعم وأرقاها عَلَّمَهُ الْبَيانَ نعم قد علمنا الله البيان، وأودع فينا قوة الإفصاح عما في الضمير، ولذا نرى أن علماء التفسير وضحوا لفظ البيان في الآية بأنه الحلال والحرام، أو سبيل الهدى والضلال أو هو علم الدنيا والآخرة، أو أسماء الأشياء كلها، وبعضهم ذهب إلى أن المراد بالإنسان هو النبي ﷺ والبيان خصوص بيان القرآن، وفي الواقع: البيان اسم جامع لكل هذا، وهو أغلى ما يمتاز به الإنسان على سائر الحيوان.
الشمس والقمر، وكذلك سائر الكواكب والأفلاك يجريان بحساب دقيق، ونظام رتيب، فلا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون، والشمس والقمر آيتان من آيات الله الكبرى، وهما من نعم الله علينا
стр. 2369
فالشمس مصدر الحرارة والحياة، والقمر أساس معرفة الزمن والنجم الذي يطلع من الأرض ولا ساق له، والشجر الذي يطلع وله ساق وفروع وهما يسجدان لله وينقادان له «١» والسماء خلقها مرفوعة العماد بلا عمد، ووضع الميزان، أى: شرع العدل وأمر به حتى انتظم أمر العالم واستقام كما
قال ﷺ «بالعدل قامت السموات والأرض»
فعل ذلك لئلا تطغوا في الميزان بأن تعتدوا وتتجاوزوا الحدود، ولا تنقصوا الميزان، بل كونوا عادلين فلا زيادة ولا نقصان، والأرض وضعها وهيأها للأنام، يعيشون فيها ويسكنون عليها، ويتمتعون بكل ما فيها، فيها فاكهة «٢» يتفكه بها، وفيها النخل ذات الأكمام وفيها الحب ذو العصف والريحان، أى: الرزق المأكول لأنه يرتاح له، فكأن الآية تقول: خلق الأرض لكم فيها الفواكه وخاصة النخل ذات الأكمام، وفيها الحبوب من قمح وشعير ذات العصف، أى: التبن لعلف الماشية، وذات اللب الذي هو رزقكم وأكلكم.
فبأى آلاء ربكما أيها الثقلان من الإنس والجن تكذبان؟! «٣» بأى نعمة من نعم مربيكما ومالك أمركما أيها الثقلان تكذبان؟ وتكذيب النعمة يكون بإنكار كونها من الله سبحانه مع عدم الاعتراف بكونها نعمة كتعليم القرآن، أو بإنكار كونها من الله مع الاعتراف بكونها نعمة كالنعم الدنيوية، والتعبير عن كفرهم المذكور بالتكذيب لأن دلالة النعم على الله ظاهرة، وكأنها شاهدة بذلك فكفرهم بها تكذيب لها، ولعل سائلا يسأل ويقول: لم هذا التكرار في قوله: فبأى آلاء ربكما تكذبان؟ والجواب: إنه إنما حسن التكرار للإقرار بالنعم المختلفة، إذ كلما ذكر الله نعمة وبخ وأنكر على من كذب بها، وهذا أسلوب معروف في الشعر والنثر العربي «٤» .
стр. 2370
بعض نعمه أيضا [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ١٤ الى ٢٨]
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨)
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣)
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨)
المفردات:
صَلْصالٍ الصلصال: الطين اليابس الذي له صلصلة، أى: صوت.
كَالْفَخَّارِ: وهو الخزف، أى: ما أحرق من الطين حتى تحجر. مارِجٍ:
لهب خالص لا دخان فيه. مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ: أرسلهما وأجراهما. بَرْزَخٌ:
حاجز. اللُّؤْلُؤُ: صغار الدر. وَالْمَرْجانُ: كبار الدر، وقيل: هو خرز أحمر. الْجَوارِ: جمع جارية وهي هنا السفينة. الْمُنْشَآتُ: الرافعات الشرع، أو المخلوقات للجري في البحر. كَالْأَعْلامِ: كالجبال، والعلم: الجبل الطويل. فانٍ هالك. ذُو الْجَلالِ الجلال: العظمة والكبرياء.
стр. 2371
المعنى:
إن من أجل نعم الله على الإنسان أن يبين له نشأته الأولى، ومادته التي خلق منها ليفهم الإنسان نفسه، ويعاملها على أساس سليم، وإذا عرف الداء فلن يعز عليه الدواء.
الله يقول: إنه خلقكم من تراب كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ وقال إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وقال هنا: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ومن هذا كله نفهم أنه أخذ تراب الأرض فعجنه بالماء حتى صار طينا لازبا ثم انتقل فصار كالحمإ المسنون، ثم انتقل فصار صلصالا كالفخار ثم نفخ فيه من روحه ﷻ فكان الإنسان، ومن هنا نعرف أننا معشر بنى آدم من مادة طينية سوداء كالحمإ المسنون الذي جف حتى صار كالفخار في الصوت والضعف، نعم وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً أمام الدنيا ومغرياتها وأمام المرأة ومفاتنها وأمام عرض الحياة وزخارفها، فاعرفوا أنفسكم، وقووا ضعفكم وانصروا دواعي الخير والفضيلة فيكم التي هي من دواعي الروح، واحذروا إبليس فإنه من الجان، وقد خلق من مارج من نار، أليس لهب النار أحمق متعاليا مغرورا مدفوعا إلى الإيذاء؟ فاحذروا وسوسته واستعيذوا بالله منه، ألست معى أن ذلك البيان من أجل نعم الله علينا؟! فبأى آلاء ربكما تكذبان؟! هو رب المشارق والمغارب- إذ الشمس لها عدة مشارق ومغارب-، وهو رب المشرقين ورب المغربين- أى: مشرق الصيف والشتاء ومغربهما- والشمس حين تشرق من مدار السرطان يكون الصيف في نصف الكرة الشمالي، وحين تشرق من مدار الجدى يكون الصيف في الجنوب والشتاء في الشمال، ولا شك أن مشارق الشمس ومغاربها وانتقالها من مدار إلى مدار من أجل النعم علينا إذ لو بقيت كما هي في شروق واحد وغروب واحد لتعطلت نواميس الحياة، وتعطلت زراعة الصيف أو الشتاء، ولقل العمران، ألا ترى إلى سكان خط الاستواء وسكان المناطق الشمالية والجنوبية «١» التي يظهر عندهما المشارق والمغارب، فبأى آلاء ربكما تكذبان؟ هو الذي مرج البحرين العذب والملح يلتقيان في مصاب الأنهار بينهما حاجز من اليابس لا يبغيان على بعضهما ولو شاء لاختلطا فضاعت فوائد الملح وعذوبة الماء العذب، فبأى آلاء
стр. 2372
ربكما تكذبان؟ يخرج من مجموع البحرين اللؤلؤ والمرجان، فبأى آلاء ربكما تكذبان؟ ولله ﷻ في البحر عذبه وملحه السفن متى تجرى على سطح الماء وتتهادى كالعروس، هذه السفن المرفوعات الشراع في البحر كالجبال تغدو وتروح حاملة الخير والبركات، ولو شاء لجعل البحر ساكنا ولما استطاعت السفن أن تطفو على الماء، فبأى آلاء ربكما تكذبان؟
هو الذي خلق الموت والحياة، والحياة نعمة بلا شك، ولكن هل الموت نعمة؟ نعم الموت نعمة للمتقين فسينقلون من حياة التعب والنصب إلى حياة الهدوء والاستقرار والثواب الجزيل والعطاء الكثير، وهو للمرضى والمتعبين نعمة، وعلى العموم فالدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والموت من أجل النعم على الخلق ولذا حكم الحي القيوم الباقي بعد فناء خلقه بأن كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون، كل شيء هالك إلا ذاته القدسية فإنها باقية، ويبقى ذات ربك ذي الجلال، والتعظيم والإكبار من خلقه، فبأى آلاء ربكما تكذبان؟!.
من نعم الله يوم القيامة [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٢٩ الى ٤٥]
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨)
فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣)
يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥)
стр. 2373
المفردات:
سَنَفْرُغُ المراد: سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم الثَّقَلانِ: الجن والإنس، سميا بذلك لعظم شأنهما بسبب التكليف شُواظٌ: هو اللهب الذي لا دخان له وَنُحاسٌ: هو الدخان الذي لا لهب فيه فَلا تَنْتَصِرانِ: فلا تمتنعان انْشَقَّتِ السَّماءُ: انصدعت كَالدِّهانِ: جميع دهن بِسِيماهُمْ:
علامتهم بِالنَّواصِي: جمع ناصية وهي مقدم الرأس حَمِيمٍ: ماء حار آنٍ قيل: إنه واد في جهنم.
المعنى:
إن الله- ﷻ مصدر الوجود ومنشئه، وخالقه ومبدئه، فالكل منه وإليه، يسأله من في السموات والأرض بلسان الحال أو بلسان المقال سؤالا مستمرّا وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه بحيث لو تركهم لحظة واحدة لاختل النظام وانهدم الوجود، والله ﷻ كل يوم- والمراد كل وقت ولحظة- هو في شأن من شئون خلقه، فهو يعطى من سأل إذا شاء ويمنع من يسأل إذا شاء، وهو ينشئ خلقا، ويفنى آخرين، ويرفع قوما، ويخفض غيرهم،
وروى أن من شأنه أن يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين على أن شئون الإله لا يحيط بها وصف ولا يدركها حد، فهي
стр. 2374
شئون صاحب الملك والملكوت الذي بيده الأمر، وإليه يرجع الأمر تبارك الله رب العالمين
، وإذا كان الأمر كذلك فبأى آلاء ربكما ونعمه تكذبان مما يجيب به سؤالكما أيها الثقلان؟
الله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن، ولكن شئون العالم كله من حياة وموت ورزق وغيره ستنتهى يوم القيامة ويفرغ الحق- ﵎ إلى جزاء المكلفين فقط سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ أى: سنحاسبكم لا يشغلنا شيء عن شيء، ولأتفرغن لكم يوم القيامة «١» فبأى آلاء ربكما تكذبان التي من جملتها التنبيه على ما سيلقاه الناس يوم القيامة تحذيرا عما يؤدى إلى سوء الحساب.
يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض، وتخرجوا من جوانبها هاربين من الله تعالى فاخرجوا منها، وخلصوا أنفسكم من عقابه ، لا تقدرون على النفوذ إلا بسلطان، أى: بقوة وقهر منكم وأنتم لا تقدرون على ذلك إذ أقطار السموات والأرض فوق ما يتصور الإنسان، ومن حاول الصعود إلى القمر أو صعد إليه أو إلى غيره، فإنه أشبه بذبابة تطير وسط الحجرة فقط!! فبأى آلاء ربكما تكذبان؟!.
وما الداعي إلى طلبهم الفرار ومحاولتهم له! ثم لا يقدرون! والجواب أنه يرسل عليكم أيها العصاة شواظ من نار، ولهب خالص، بلا دخان، يشبه النحاس في اللون فلا تقدرون على الامتناع مما يرسل عليكم، فبأى آلاء ربكما تكذبان؟ ولا شك أن التهديد بالعقاب، والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء الكامل من عداد النعم الجليلة.
فإذا انشقت السماء وانصدعت يوم القيامة فكانت كالوردة في الحمرة، تذوب مع الانشقاق حتى تصير حمراء من حرارة نار جهنم، وتصير مثل الدهن لرقتها وذوبانها فبأى آلاء ربكما تكذبان؟ فيوم إذ تنشق السماء لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان لأنهم يعرفون بسيماهم، وهذا عند الخروج من القبر وما يدل على السؤال كقوله: فوربك لنسألنهم أجمعين: في موقف آخر وهو موقف الحساب.
стр. 2375
فبأى آلاء ربكما تكذبان؟! ولم لا يسألون؟ والجواب أنهم يعرفون بسيماهم، فيؤخذون بالنواصي والأقدام، فبأى آلاء ربكما تكذبان؟! ويقال لهم: هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون، وينكرونها، ويطوفون بين نارها وبين ماء حار متناه في الحرارة والنعمة فيما وصف من هول القيامة وعقاب المجرمين، هو ما في ذلك الزجر عن المعاصي والترغيب في الطاعات،
وروى عن النبي ﷺ أنه أتى على شاب في الليل يقرأ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ فوقف الشاب وخنقته العبرة وجعل يقول: ونحيى من يوم تنشق فيه السماء ونحيى! فقال النبي ﷺ : «ويحك يا فتى مثلها، فو الذي نفسي بيده لقد بكت ملائكة السماء لبكائك»
فبأى آلاء ربكما تكذبان.؟!
من نعم الله على المتقين يوم القيامة [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٤٦ الى ٦٠]
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥)
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠)
стр. 2376
المفردات:
خافَ الخوف: توقع مكروه، وهو ضد الأمن، والمراد به هنا: الكف عن المعاصي وتحرى الطاعات. ذَواتا أَفْنانٍ أى: صاحبتا أفنان، جمع فنن، وهو ما دق ولان من الأغصان. زَوْجانِ: صنفان وفرعان. فُرُشٍ: جمع فراش وهو معروف. إِسْتَبْرَقٍ: ما غلظ من الديباج. وَجَنَى الجنى: هو المجنى، أى: المجتنى من الشجر. دانٍ: قريب. قاصِراتُ الطَّرْفِ المراد: قصرن أعينهن على أزواجهن. لَمْ يَطْمِثْهُنَّ: لم يفض بكارتهن قبل أزواجهن أحد.
الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ: جواهر كريمة تضرب مثلا في الصفاء والبياض.
وتلك بعض نعم الله التي أنعم بها على عباده المؤمنين في الجنة ذكرت بعد ما بين الله طرفا من عذاب جهنم.
المعنى:
الخوف من الله، واعتقاد المؤمن أن ربه مهيمن عليه مراقب له، حافظ لأحواله يدعوه إلى العمل الصالح، وإلى الإحسان فيه، ولمن خاف قيام ربه عليه جنتان يتمتع فيهما، وينتقل بينهما، فبأى آلاء ربكما تكذبان؟ وهاتان الجنتان ذواتا أفنان، أى:
ذواتا أنواع من الشجر والثمار، ففيهما ثمر وظلال، فبأى آلاء ربكما تكذبان؟ فيهما عينان تجريان بالماء الزلال،
روى أن إحداهما تسمى بالتسنيم والأخرى بالسلسبيل
فبأى آلاء ربكما تكذبان؟ فيهما من كل فاكهة صنفان صنف معروف مألوف، وآخر غير معروف ولكنه في منتهى الحلاوة واللذة. فبأى آلاء ربكما تكذبان؟! ولمن خاف مقام ربه جنتان حالة كونهم متكئين على فراش بطانته من ديباج غليظ، والاتكاء من صفات التنعم الدالة على فراغ البال وهدوء النفس، وإذا كانت البطانة من ديباج فما بال الظاهر من الفراش؟! على أن جنى الجنتين دان وقريب فهو على طرف الثمار يدركه القائم والنائم والجالس والماشي فليس عاليا كالنخل، ولا يحوطه شوك كالوردة، وإنما هو من نوع عال لكنه قريب المنال، فبأى آلاء ربكما تكذبان؟
في تلك الجنان نساء قاصرات الطرف، قد قصرن عيونهن على أزواجهن فلا ينظرن
стр. 2377
إلى غيرهم، وهن أبكار لم يفض بكارتهن قبل أزواجهن إنس ولا جان، وهن كالياقوت صفاء والمرجان بياضا، وقيل: كالمرجان حمرة، فبأى آلاء ربكما تكذبان؟.
هل جزاء الإحسان إلا الإحسان «١» أى: ما جزاء الإحسان في العمل إلا الإحسان في الثواب والجزاء.
من نعمه على المؤمنين يوم القيامة [سورة الرحمن (٥٥) : الآيات ٦١ الى ٧٨]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) مُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥)
فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠)
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥)
مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)
المفردات:
مُدْهامَّتانِ المراد: شديدة الخضرة من كثرة الري، والدهمة في اللغة:
السواد. ضَّاخَتانِ
فوارتان بالماء، والنضخ بالخاء أكثر من النضح. خَيْراتٌ حِسانٌ
стр. 2378
: جمع خيرة على معنى ذوات خير. حُورٌ: نساء بيض، والحور: شدة بياض بياض العين مع شدة سواد سوادها. مَقْصُوراتٌ: محبوسات ومستورات.
رَفْرَفٍ: هو ثوب يطرح على ظهر الفراش للنوم عليه، وقيل: هو فضول الفرش والبسط واشتقاقه من: رف يرف إذا ارتفع. وَعَبْقَرِيٍّ: هي ثياب أو بسط منقوشة، وقيل العبقري: هو كل ما يعجب من حذقه وجودته وصنعته وقوته.
وهذا وصف آخر لجنان خصصت لأصحاب اليمين، وما قبل هذا كان وصفا لجنان السابقين المقربين. والذي نفهمه أن هذه الصفات كلها تقريبية، وردت ليقف الخلق على بعض ما في الجنة، وفي الواقع هي كما قال الله: وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ ...
[سورة فصلت آية ٣١] .
المعنى:
ومن دون هاتين الجنتين التي مضى وصفهما جنتان أخريان، والكل أعد للخائفين الوجلين المسارعين في الخيرات، السابقين، وأصحاب اليمين، فبأى آلاء ربكما تكذبان؟! هاتان الجنتان مدهامتان، وقد وسط القرآن قوله: فبأى آلاء ربكما تكذبان بين الجنة وصفتها للإشارة إلى أن تكذيبهم بوجود الجنة فضلا عن تكذيبهم بصفتها حقيق بالإنكار والتوبيخ.
هاتان الجنتان اشتدت خضرتهما لكثرة مائهما، فبأى آلاء ربكما تكذبان؟! فيهما عينان فوارتان بالماء الكثير، فبأى آلاء ربكما تكذبان؟! فيهما فاكهة يتفكه بها، وخاصة النخل والرمان، ولعل تخصيصهما بالذكر لكثرة وجودهما في الجزيرة العربية، فبأى آلاء ربكما تكذبان؟!.
فيهن نساء خيرات حسان في الخلق والخلق، وإذا وصفهن بالحسن ربك فكيف تقف من مخلوق على بيان كنهه والوقوف على مداه؟ فبأى آلاء ربكما أيها الثقلان تكذبان؟.
هؤلاء النساء حور شديدات البياض، وفي عيونهن حور، وهن مقصورات في الخيام، محبوسات محجبات، لا يتبذلن في شارع أو سوق، ولا يخرجن لبيع أو شراء، والحجاب الذي يقصده الشارع ويصف به الحور العين هو البعد عن التبذل والولوج إلى
стр. 2379
المجتمعات والنوادي، وأنهن مقصورات على أزواجهن لا ينظرن إلى رجال غيرهم، وكلنا بينه وبين نفسه لا يحب إلا المرأة المقصورة عليه، أما التي تتركه وتصادق غيره، وتراقصه وتستضيفه الأيام والليالى، ففي الواقع ليست هذه امرأته وحده، تلك طبيعة الرجال، أما الذين طغت على عقولهم المدنية الكاذبة، حتى فقدوا رجولتهم، وتركوا نساءهم للأصدقاء والخلان تحت اسم الحرية والمدنية فهؤلاء قوم لم يعد للعقل وللمنطق معهم سبيل!! ونساء الجنة حور مقصورات في الخيام أبكار لم يمسسهن قبل أزواجهن إنس ولا جان، فبأى آلاء ربكما تكذبان!.
أصحاب هذه الجنان يتمتعون متكئين على رفرف خضر، وثياب تشبه الرياض عبقرية عجيبة غريبة، بلغت منتهى الحسن والجمال، فبأى آلاء ربك تكذبان!.
تبارك الرحمن الذي أنعم بتلك النعم، وتعالى اسمه، وتقدست ذاته، وتنزهت عن كل نقص، صاحب الفضل، وواهب الخير، ومصدر النعم، تبارك اسم ربك ذي الجلال والكمال، وصاحب العطاء والإكرام، سبحانه وتعالى عما يصفون، سبحانه ﷻ هو الرحمن الرحيم.
стр. 2380
سورة الواقعة
وهي مكية على الصحيح، وعدد آياتها سبع وتسعون آية وقد ورد في فضلها آثار كثيرة، منها
حديث ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا»
وروى عن أنس عن رسول الله ﷺ قال: «سورة الواقعة سورة الغنى فاقرأوها وعلموها أولادكم»
ويمكن أن نفهم أنها سورة تحبب في العمل للآخرة، والعزوف عن الدنيا فتولد بها القناعة والرضاء وهما الغنى والسعادة.
وتشتمل على الكلام على القيامة وأحوالها، ثم بيان ما أعد للمؤمنين السابقين وأصحاب اليمين في الجنة، ثم ما أعد لأصحاب الشمال في النار، ثم ذكرت خلق الإنسان، والنبات والماء، والنار، ثم ذكرت النجوم والميزان إلى غير ذلك من دلائل القدرة، وآيات البعث والقوة.
قيام القيامة [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦)
المفردات:
الْواقِعَةُ: علم بالغلبة على القيامة، وسميت بذلك لتحقق وقوعها لا محالة كاذِبَةٌ والمراد: نفس كاذبة رُجَّتِ: زلزلت وحركت تحريكا شديدا وَبُسَّتِ الْجِبالُ: فتتت حتى صارت كالسويق الملتوت هَباءً: غبارا مُنْبَثًّا: متفرقا.
стр. 2381
المعنى:
إذا كانت القيامة، ووقعت الواقعة التي تحقق وقوعها بلا شك فكأنها واقعة في نفسها مع قطع النظر عن الإخبار بوقوعها، إذا وقعت الواقعة كان الجزاء والثواب والعقاب «١» حالة كونها ليس لوقعتها «٢» نفس كاذبة، والواقعة هي السقطة القوية، وشاعت في وقوع الأمر العظيم- بمعنى أنه لا يكون حين وقوعها نفس تكذب على الله تعالى- كما في هذه الدنيا- وتكذب في تكذيبه سبحانه في خبره بها، أليس منكر الساعة الآن مكذبا له تعالى في أنها واقعة؟ وهو كاذب في تكذيبه لأنه- أى: المنكر- قد أخبر بخبر على خلاف الواقع، فلا يبقى هناك كاذب بل الكل صادق مصدق.
هي خافضة لأقوام كانوا أعزة بالباطل، رافعة لأقوام كانت عزتهم بالله ورسوله وإن كانوا في الدنيا فقراء المال والجاه، هي خافضة رافعة، إذا رجت الأرض رجا ينهدم ما فوقها من بناء ومساكن، وبست الجبال بسّا فصارت غبارا متفرقا، وذرات متناثرة، وكنتم أيها الناس ساعتها أصنافا ثلاثة: أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، والسابقون المقربون.
هؤلاء هم السابقون، وذلك جزاؤهم [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٧ الى ٢٦]
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦)
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)
وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦)
стр. 2382
المفردات:
أَزْواجاً: أصنافا ثلاثة. الْمَيْمَنَةِ: وأصحابها هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة. الْمَشْئَمَةِ: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
وَالسَّابِقُونَ والمراد بهم: السابقون إلى الإيمان والعمل الصالح. ثُلَّةٌ:
جماعة. مَوْضُونَةٍ أى: منسوجة بإحكام، وفي كتب اللغة أن الوضن: النسج المضاعف. وِلْدانٌ: كصبيان في الوزن والمعنى. مُخَلَّدُونَ: باقون على حالتهم لا يهرمون كأولاد الدنيا. بِأَكْوابٍ: جمع كوب، وهي الآنية التي ليس لها مقبض ولا خرطوم، والأباريق: أوان لها مقابض وخراطيم، وأقرب الأشباه بهما ما نستعملهما الآن في مصر ونطلق عليهما لفظ- كوب وإبريق. وَكَأْسٍ: لفظ الكأس يطلق على الإناء الذي فيه الخمر أو على نفس الخمر، فإذا خلا الإناء من الخمر فهو قدح. مَعِينٍ المعين حقيقة: هو النهر الجاري على وجه الأرض الظاهر للعيون، أو الخارج من العيون «١» . يُنْزِفُونَ من نزف الشارب أو من أنزف الشارب: إذا سكر. لا يُصَدَّعُونَ عَنْها أى: لا تنصدع رءوسهم من شربها فلا يصابون بصداع. عِينٌ: كبار الأعين حسانها. الْمَكْنُونِ: المستور لا يصل إليه غبار. لَغْواً: فاحشا من القول. تَأْثِيماً: ما يؤثم.
وهذا تفصيل للأزواج الثلاثة، وبدأ بذكر السابقين.
стр. 2383
المعنى:
وكنتم- والخطاب لأمة النبي ﷺ والأمم السابقة من باب التغليب- أصنافا ثلاثة:
أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة «١» نعم هم في غاية حسن الحال، كما أن أصحاب المشأمة في نهاية سوء الحال، والسابقون السابقون أولئك- والإشارة لبعد مركزهم وعلو مكانتهم- المقربون «٢» في جنات النعيم بمعنى السابقون هم الذين سبقوا في الإيمان غيرهم وسارعوا إلى عمل الصالحات، وكأن سائلا سأل وقال: وما جزاء هؤلاء؟؟ فأجيب: أولئك المقربون من الحضرة القدسية المتمتعون بالرضا السامي في جنات النعيم.
هم جماعة كثيرة من الأمم السابقة وقليل من أمة محمد ﷺ ممن جاءوا أخيرا، فالقلة والكثرة راجعة إلى العدد، هم جميعا في الجنة حالة كونهم على سرر منسوجة بالذهب نسجا محكما، حالة كونهم متكئين عليها، متقابلين فوجوههم متقابلة، وهكذا الأدب العالي، وقلوبهم صافية نقية، ولذا تراهم متقابلين يطوف عليهم في الجنة ولدان مخلدون لا يعتريهم هرم ولا ضعف بل هم دائما في طراوة الشباب ورقته ونشاطه، يطوفون عليهم بأكواب من فضة وأباريق من ذهب، ويطوفون بخمر جارية من العيون فلا تنقطع، ظاهرة للعيون، فليست كخمر الدنيا التي تعصر وتحجز، ولا يصيبهم بسببها صداع ولا ألم، ولا يتفرقون عنها بسبب من الأسباب، ولا هم عنها ينزفون، أى: لا تذهب عقولهم، ولا تبيد أموالهم، ولا تهدم صحتهم، ولا تضيع كرامتهم، خمر الجنة، وكفى أنها من صنع الخلاق الحكيم! ويطوفون عليهم بفاكهة كثيرة يأخذون منها ما يختارون، وبلحم من جميع الأشكال والأنواع يأكلون منه ما يشتهون، ولعلك معى في أن تقديم الفاكهة على اللحم مما يدعو إليه الطب.
стр. 2384
ولهم في الجنة حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون!! إن هذا كان لهم جزاء بسبب ما كانوا يعملون، على أنهم في الجنة يتمتعون- كما عرفت نوعا من نعيمهم- ولكن هل هو نعيم مصحوب بألم كنعيم الدنيا؟ لا: إنهم لا يسمعون فيها ما يكدرهم، ولا يسمعون فيها لغوا، ولا تأنيبا، ولا يقال لهم: أثمتم، لكنهم يسمعون فيها قولا سالما من كل عيب بأن يقول بعضهم لبعض: سلاما، وتقول لهم الملائكة: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
هؤلاء هم أصحاب اليمين وهذا جزاؤهم [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٢٧ الى ٤٠]
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦)
عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)
المفردات:
سِدْرٍ مَخْضُودٍ السدر: نوع من الشجر يمتاز بكثرة أوراقه وأغصانه إلا أن له شوكا فقيل: سدر مخضود أى: مقطوع الشوك. وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ الطلح: شجر الموز ومنضود: متراكب الثمر، أى: نضد أوله وآخره بالحمل فليست له سوق ظاهرة بل ثمره مرصوص بعضه فوق بعض بنظام. مَمْدُودٍ أى: دائم باق
стр. 2385
لا يزول. ماءٍ مَسْكُوبٍ: جار لا ينقطع، وأصل السكب: الصب. وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ المراد: نساء مرتفعات الأقدار. أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً: خلقناهن خلقا وأبدعناهن إبداعا. عُرُباً: جمع عروب، وهن النساء المتحببات إلى أزواجهن بإظهار المحبة لهم.
وهذا هو الصنف الثاني، المتوسط في المرتبة، وهو يشمل عصاة المؤمنين بعد أخذهم جزاء المعصية أو العفو عنهم.
المعنى:
وأصحاب اليمين، ما أصحاب اليمين؟! وهذا أسلوب يدل على التفخيم لشأنهم، والتعجب من حالهم «١» هم في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، أى:
منبسط دائم، لا يزول بشمس، فهو كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وماء مسكوب منساب لا ينقطع، يجرى بين أيديهم، وفاكهة كثيرة، ليست مقطوعة ولا ممنوعة في أى وقت، وما أروع هذا البيان! وما أرقه حيث وصف السابقين بأقصى ما يتصور لأهل المدن من كونهم على سرر مصفوفة، تطوف عليهم خدامهم بأنواع الملاذ، ووصف هنا جزاء أصحاب اليمين بأقصى ما يتصور لأهل البوادي، وبأغلى شيء عندهم، من نزولهم في أماكن مخصبة، بين الماء المنسكب المتدفق الذي لا ينقطع، والشجر الكثيف، والظلال الوارفة والثمار الكثيرة فإن وصفها بالنظام يشير إلى الكثرة والجودة، والفرق بين الصنفين كالفرق بين عيشة البوادي والحواضر.
لهم هذا كله، وهم في فراش مرفوع على الأسرة، وقيل: إن هذا كناية عن النساء المرتفعات الأقدار والمنازل، إنا أنشأناهن، أى: النساء إنشاء وأبدعناهن إبداعا على أتم صورة، وأكمل وضع، فجعلناهن أبكارا لا ثيبات، وكن عربا متحببات إلى أزواجهن، أترابا، أى: مستويات في سن واحدة فليست الواحدة منهن عجوزا شمطاء، ولا طفلة بلهاء بل هن المستويات الكاملات في باب النساء أنشأهن ربك