المعنى:
إذا كانت القيامة، ووقعت الواقعة التي تحقق وقوعها بلا شك فكأنها واقعة في نفسها مع قطع النظر عن الإخبار بوقوعها، إذا وقعت الواقعة كان الجزاء والثواب والعقاب «١» حالة كونها ليس لوقعتها «٢» نفس كاذبة، والواقعة هي السقطة القوية، وشاعت في وقوع الأمر العظيم- بمعنى أنه لا يكون حين وقوعها نفس تكذب على الله تعالى- كما في هذه الدنيا- وتكذب في تكذيبه سبحانه في خبره بها، أليس منكر الساعة الآن مكذبا له تعالى في أنها واقعة؟ وهو كاذب في تكذيبه لأنه- أى: المنكر- قد أخبر بخبر على خلاف الواقع، فلا يبقى هناك كاذب بل الكل صادق مصدق.
هي خافضة لأقوام كانوا أعزة بالباطل، رافعة لأقوام كانت عزتهم بالله ورسوله وإن كانوا في الدنيا فقراء المال والجاه، هي خافضة رافعة، إذا رجت الأرض رجا ينهدم ما فوقها من بناء ومساكن، وبست الجبال بسّا فصارت غبارا متفرقا، وذرات متناثرة، وكنتم أيها الناس ساعتها أصنافا ثلاثة: أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، والسابقون المقربون.
هؤلاء هم السابقون، وذلك جزاؤهم [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٧ الى ٢٦]
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦)
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)
وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (٢٦)
стр. 2382
المفردات:
أَزْواجاً: أصنافا ثلاثة. الْمَيْمَنَةِ: وأصحابها هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة. الْمَشْئَمَةِ: هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.
وَالسَّابِقُونَ والمراد بهم: السابقون إلى الإيمان والعمل الصالح. ثُلَّةٌ:
جماعة. مَوْضُونَةٍ أى: منسوجة بإحكام، وفي كتب اللغة أن الوضن: النسج المضاعف. وِلْدانٌ: كصبيان في الوزن والمعنى. مُخَلَّدُونَ: باقون على حالتهم لا يهرمون كأولاد الدنيا. بِأَكْوابٍ: جمع كوب، وهي الآنية التي ليس لها مقبض ولا خرطوم، والأباريق: أوان لها مقابض وخراطيم، وأقرب الأشباه بهما ما نستعملهما الآن في مصر ونطلق عليهما لفظ- كوب وإبريق. وَكَأْسٍ: لفظ الكأس يطلق على الإناء الذي فيه الخمر أو على نفس الخمر، فإذا خلا الإناء من الخمر فهو قدح. مَعِينٍ المعين حقيقة: هو النهر الجاري على وجه الأرض الظاهر للعيون، أو الخارج من العيون «١» . يُنْزِفُونَ من نزف الشارب أو من أنزف الشارب: إذا سكر. لا يُصَدَّعُونَ عَنْها أى: لا تنصدع رءوسهم من شربها فلا يصابون بصداع. عِينٌ: كبار الأعين حسانها. الْمَكْنُونِ: المستور لا يصل إليه غبار. لَغْواً: فاحشا من القول. تَأْثِيماً: ما يؤثم.
وهذا تفصيل للأزواج الثلاثة، وبدأ بذكر السابقين.
стр. 2383
المعنى:
وكنتم- والخطاب لأمة النبي ﷺ والأمم السابقة من باب التغليب- أصنافا ثلاثة:
أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة «١» نعم هم في غاية حسن الحال، كما أن أصحاب المشأمة في نهاية سوء الحال، والسابقون السابقون أولئك- والإشارة لبعد مركزهم وعلو مكانتهم- المقربون «٢» في جنات النعيم بمعنى السابقون هم الذين سبقوا في الإيمان غيرهم وسارعوا إلى عمل الصالحات، وكأن سائلا سأل وقال: وما جزاء هؤلاء؟؟ فأجيب: أولئك المقربون من الحضرة القدسية المتمتعون بالرضا السامي في جنات النعيم.
هم جماعة كثيرة من الأمم السابقة وقليل من أمة محمد ﷺ ممن جاءوا أخيرا، فالقلة والكثرة راجعة إلى العدد، هم جميعا في الجنة حالة كونهم على سرر منسوجة بالذهب نسجا محكما، حالة كونهم متكئين عليها، متقابلين فوجوههم متقابلة، وهكذا الأدب العالي، وقلوبهم صافية نقية، ولذا تراهم متقابلين يطوف عليهم في الجنة ولدان مخلدون لا يعتريهم هرم ولا ضعف بل هم دائما في طراوة الشباب ورقته ونشاطه، يطوفون عليهم بأكواب من فضة وأباريق من ذهب، ويطوفون بخمر جارية من العيون فلا تنقطع، ظاهرة للعيون، فليست كخمر الدنيا التي تعصر وتحجز، ولا يصيبهم بسببها صداع ولا ألم، ولا يتفرقون عنها بسبب من الأسباب، ولا هم عنها ينزفون، أى: لا تذهب عقولهم، ولا تبيد أموالهم، ولا تهدم صحتهم، ولا تضيع كرامتهم، خمر الجنة، وكفى أنها من صنع الخلاق الحكيم! ويطوفون عليهم بفاكهة كثيرة يأخذون منها ما يختارون، وبلحم من جميع الأشكال والأنواع يأكلون منه ما يشتهون، ولعلك معى في أن تقديم الفاكهة على اللحم مما يدعو إليه الطب.
стр. 2384
ولهم في الجنة حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون!! إن هذا كان لهم جزاء بسبب ما كانوا يعملون، على أنهم في الجنة يتمتعون- كما عرفت نوعا من نعيمهم- ولكن هل هو نعيم مصحوب بألم كنعيم الدنيا؟ لا: إنهم لا يسمعون فيها ما يكدرهم، ولا يسمعون فيها لغوا، ولا تأنيبا، ولا يقال لهم: أثمتم، لكنهم يسمعون فيها قولا سالما من كل عيب بأن يقول بعضهم لبعض: سلاما، وتقول لهم الملائكة: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
هؤلاء هم أصحاب اليمين وهذا جزاؤهم [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٢٧ الى ٤٠]
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (٣٦)
عُرُباً أَتْراباً (٣٧) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)
المفردات:
سِدْرٍ مَخْضُودٍ السدر: نوع من الشجر يمتاز بكثرة أوراقه وأغصانه إلا أن له شوكا فقيل: سدر مخضود أى: مقطوع الشوك. وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ الطلح: شجر الموز ومنضود: متراكب الثمر، أى: نضد أوله وآخره بالحمل فليست له سوق ظاهرة بل ثمره مرصوص بعضه فوق بعض بنظام. مَمْدُودٍ أى: دائم باق
стр. 2385
لا يزول. ماءٍ مَسْكُوبٍ: جار لا ينقطع، وأصل السكب: الصب. وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ المراد: نساء مرتفعات الأقدار. أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً: خلقناهن خلقا وأبدعناهن إبداعا. عُرُباً: جمع عروب، وهن النساء المتحببات إلى أزواجهن بإظهار المحبة لهم.
وهذا هو الصنف الثاني، المتوسط في المرتبة، وهو يشمل عصاة المؤمنين بعد أخذهم جزاء المعصية أو العفو عنهم.
المعنى:
وأصحاب اليمين، ما أصحاب اليمين؟! وهذا أسلوب يدل على التفخيم لشأنهم، والتعجب من حالهم «١» هم في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، أى:
منبسط دائم، لا يزول بشمس، فهو كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس وماء مسكوب منساب لا ينقطع، يجرى بين أيديهم، وفاكهة كثيرة، ليست مقطوعة ولا ممنوعة في أى وقت، وما أروع هذا البيان! وما أرقه حيث وصف السابقين بأقصى ما يتصور لأهل المدن من كونهم على سرر مصفوفة، تطوف عليهم خدامهم بأنواع الملاذ، ووصف هنا جزاء أصحاب اليمين بأقصى ما يتصور لأهل البوادي، وبأغلى شيء عندهم، من نزولهم في أماكن مخصبة، بين الماء المنسكب المتدفق الذي لا ينقطع، والشجر الكثيف، والظلال الوارفة والثمار الكثيرة فإن وصفها بالنظام يشير إلى الكثرة والجودة، والفرق بين الصنفين كالفرق بين عيشة البوادي والحواضر.
لهم هذا كله، وهم في فراش مرفوع على الأسرة، وقيل: إن هذا كناية عن النساء المرتفعات الأقدار والمنازل، إنا أنشأناهن، أى: النساء إنشاء وأبدعناهن إبداعا على أتم صورة، وأكمل وضع، فجعلناهن أبكارا لا ثيبات، وكن عربا متحببات إلى أزواجهن، أترابا، أى: مستويات في سن واحدة فليست الواحدة منهن عجوزا شمطاء، ولا طفلة بلهاء بل هن المستويات الكاملات في باب النساء أنشأهن ربك
стр. 2386
لأصحاب اليمين، الذين هم جماعة من الأولين أو السابقين في الوجود، وجماعة من الآخرين، أى: المتأخرين في الزمن كأمة النبي ﷺ وقيل: هذا الصنف من أمة محمد والتأخر والتقدم في زمن الرسالة المحمدية، ولم يقل الحق- ﵎: جزاء بما كانوا يعملون كما قال في بيان السابقين المتقدم، إشارة إلى أن هذا الصنف المتوسط قد غمر بالفضل من الله لقصر عمله عن السابقين.
هؤلاء هم أصحاب الشمال، وهذا هو جزاؤهم [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٤١ الى ٥٦]
وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)
وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)
ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)
هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)
المفردات:
سَمُومٍ السموم: الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن، أو التي تؤثر تأثير السم. وَحَمِيمٍ: ماء حار شديد الحرارة. يَحْمُومٍ اليحموم: دخان أسود
стр. 2387
شديد السواد من نار جهنم. مُتْرَفِينَ الترف: التنعم، والمراد، متنعمين بالحرام.
الْحِنْثِ: الذنب العظيم، وعليه الحديث: كان يتحنث في حراء، أى: يفعل ما يزيل الذنب العظيم، وقيل الحنث: عدم البر بالقسم، وكانوا يقسمون على أنه لا بعث، وأن لله شريكا. مِنْ زَقُّومٍ: هو شجر كريه الطعم والشكل. شُرْبَ الْهِيمِ: جمع أهيم وهيماء، والمراد بالهيم الإبل العطاش التي لا تروى لداء أصابها.
وهذا هو جزاء أصحاب الشمال، الذين حقت عليهم كلمة العذاب بعد ذكر السابقين وأصحاب اليمين ليظهر الفرق جليا بين عاقبة الطاعة ونهاية المعصية.
المعنى:
وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال؟! هم في ريح حارة تفعل فعل السموم، وتدخل إلى البدن من مسام الجسم، هم في سموم وحميم، أى: ماء شديد الحرارة وظل من دخان أسود من نار جهنم، وتسميته ظلا من باب التهكم، هذا الظل ليس باردا بل حارّا، ولا كريما، أى: ليس كريم المنظر، ولا كريم المخبر لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [سورة الزمر آية ١٦] .
وما سبب هذا؟ إنهم كانوا قبل ذلك في الدنيا مترفين، أتبعوا أنفسهم هواها، ولم يكن لهم رادع يردعهم بل ظلوا يتنعمون بالحرام، ويتكبرون عن الحق والحلال، وكانوا يصرون على فعل الذنب العظيم، وهو الشرك، وكل منكر قبيح، وكانوا كذلك يقسمون بالأيمان على أنه لا بعث ولا ثواب، وعلى أنه لله شركاء وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ «١» وكانوا يقولون منكرين ومتعجبين: أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون «٢» ؟!! والمعنى: أنبعث إذا متنا وكنا ترابا؟! وتقييد الإنكار والاستبعاد للبعث بوقت كونه ترابا ليس للتخصيص، فإنهم منكرون للإحياء بعد الموت وإن كان البدن يظل كما هو، أنبعث نحن وآباؤنا الأولون؟ مع أنهم أقدم منا فبعثهم أبعد وأشد إنكارا.
وقد ذكر الله هنا سبب عقابهم في قوله: إِنَّهُمْ كانُوا ... الآية، ولم يذكر
стр. 2388
سبب إحسانه لأصحاب اليمين للإشارة إلى أن العقاب عدل يبين وجهه، أما الثواب فبمحض الفضل في الحقيقة فلا يحسن ذكر السبب.
قل لهم يا محمد ردّا على افتراءاتهم وإنكارهم للبعث: إن الأولين والآخرين من الأمم كلها، ومن جملتهم أنتم وآباؤكم لمجموعون بعد البعث من القبور إلى ميقات يوم معلوم وهو يوم القيامة، ويوم الجزاء والحساب، ثم إنكم أيها الضالون عن الحق، المكذبون بالبعث والوحدانية وإرسال الرسل لآكلون يوم القيامة أكلا مبتدأ من شجر هو زقوم، شجرة تنبت في قعر جهنم جعلت فتنة للظالمين، وهي كريهة المنظر والمخبر، فيملأ الكفار منها بطونهم من شدة الجوع، فإنه هو الذي اضطرهم إلى الأكل منها، وعقب الأكل يشربون عليها من ماء حار لشدة العطش، فشاربون منه شرابا كثيرا كشرب الإبل الهيم التي تشرب حتى تموت أو تسقم، ولا ترتوى، عجبا لهم يأكلون من الزقوم ثم يشربون من الحميم، ثم هم لا يرتوون!! هذا- الذي ذكر من ألوان العذاب- نزلهم الذي أعد لهم يوم الدين، وهو أشبه بما يقدم للضيف ساعة قدومه، فما بالك بما أعد لهم من بعد ذلك!!
بعض الأدلة على إثبات قدرة الله الكاملة على البعث وغيره [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٥٧ الى ٧٤]
نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١)
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦)
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)
أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)
стр. 2389
المفردات:
ما تُمْنُونَ: ما تصبونه من المنى في الأرحام. قَدَّرْنا: قضينا به وأوجبناه عليكم. تَحْرُثُونَ الحرث: تهيئة الأرض للزراعة وإلقاء البذور فيها.
تَزْرَعُونَهُ الزرع: يطلق على نفس الإنبات. حُطاماً: هو الهشيم الهالك المتكسر الذي لا ينتفع به. تَفَكَّهُونَ أصل التفكه: أكل الفاكهة ثم استعمل مجازا في التلذذ بالحديث، وتفكه قد يستعمل مرادا به إلقاء الفكاهة عن النفس، ولا تلقى الفكاهة إلا من الحزن وعلى هذا فيكون تفكه مثل تحرج وتأثم: إذا أزال الحرج والإثم عنه وقد يطلق التفكه ويراد به التعجب لأن عدم التفكه حيث تطلب الفاكهة يدعو إلى العجب، وفي كتاب الأساس للزمخشري: فظلتم تفكهون: وارد على سبيل التهكم، أى: تجعلون فاكهتكم وما تتلذون به قولكم: إنا لمغرمون. الْمُزْنِ: هو السحاب. أُجاجاً: ملحا ولا يمكن شربه. تُورُونَ: تخرجونها نارا.
لِلْمُقْوِينَ أى: المسافرين، مأخوذ من قولهم: أقوى القوم إذا نزلوا بالقوى أى:
الأرض الخالية القفراء البعيدة عن العمران، وقيل المراد بالمقوين: المقيمين والمسافرين جميعا، ويقال: الفقر مقو لخلوه من المال، وللغنى مقو لقوته على ما يريد، ولا شك أن النار يحتاج إليها الكل.
وتلك حجج وبراهين على إمكان البعث وإثبات أنه في مقدور الله بضرب الأمثلة والنظائر المشاهدة المحسوسة التي لا يمكن إنكارها.
стр. 2390
المعنى:
نحن خلقناكم أول مرة وحدنا فهلا تصدقون بذلك تصديقا مقرونا بالطاعة والأعمال الصالحة! فإنهم أقروا ظاهرا بأن الله خلقهم، ولكنه إقرار لم يتبع بالطاعة الصحيحة فنزل منزلة العدم، ولذا حضهم الله على الإقرار بالخلق فقال: فلولا تصدقون!، وقيل المعنى: نحن خلقناكم أول مرة فهلا تصدقون بأنا قادرون على الخلق ثانيا يوم القيامة! ثم أخذ يسوق الأدلة والحجج التي تثبت ذلك فقال: أفرأيتم ما تصبون في رحم النساء من المنى! أأنتم تخلقونه وتصورونه بشرا تام الخلقة؟ أم نحن الخالقون له وحدنا «١» ؟ لم يخلق بالطبيعة، ولم يخلق وحده، ولم تخلقوه أنتم، وهذا المنى تحول من حال إلى حال، ومن صفة إلى صفة فكيف تستبعدون الخلق يوم البعث؟ وإحياءكم بعد أن كنتم ترابا أنتم وآباؤكم؟! نحن قدرنا بينكم الموت، ووقتنا موت كل واحد بزمن لا يتقدم ولا يتأخر، وما نحن بمغلوبين في ذلك أبدا، وما نحن بمغلوبين أيضا على أن نذهبكم، ونأتى مكانكم بأمثالكم من الخلق، وننشئكم فيما لا تعلمون من الخلق والأطوار، فنحن قادرون على كل ذلك، ولقد علمتم النشأة الأولى لكم حيث خلقتم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ... إلخ ما هو معروف، وقيل المعنى: لقد علمتم النشأة الأولى لخلق أبيكم آدم من تراب، وبين التراب والحياة البشرية بون شاسع، فهلا تذكرون ذلك؟ وتعلمون أن من قدر على ذلك كله قادر على إحياء الموتى؟!.
أفرأيتم ما تحرثون؟ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟ نعم الله هو الذي يحيى الأرض بالنبات بعد موتها، وهو القادر على إخراج النبات الأخضر المثمر من البذور والطين مع أن الحب في الطين قابل للعفونة، ولكن الله بقدرته يخرج منه نباتا أصفر طريا غضا أفلا يدل هذا على القدرة؟
стр. 2391
لو يشاء ربك بعد خلقه لجعله هشيما متكسرا لا غلة ولا خير، كما يحصل الآن ونراه بأعيننا في حقلين متجاورين متفقين في كل شيء أو نفس الحقل الواحد، ونرى أن هذا النبات يثمر، وذاك في ليلة واحدة يصبح هشيما لا خير فيه، وتبارك الله أحسن الخالقين! لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون، وتتعجبون من سوء الحال والمصير، أو فظللتم تتلاومون على سوء أفعالكم، وكل ذلك تفسير باللازم، والأقرب فظللتم تزيلون التفكه والفكاهة عنكم، والرجل لا يطرح الفكاهة والمسرة عن نفسه إلا عند الألم والحزن، أو المراد تتفكهون قائلين: إنا لمغرمون- وهذا من باب التهكم- بل نحن محرومون من عطاء الله.
أفرأيتم الماء الذي تشربونه؟ أأنتم أنزلتموه من السحاب أم نحن المنزلون؟ نعم هو الله وحده القادر على إنزال المطر، وإخراج الماء من البحار على هيئة البخار حالة كونه نقيّا صافيا من كل شيء ثم جمعه في السحاب، ثم إنزاله مطرا يصيب به من يشاء من عباده.
ولو شاء ربك أنزل «١» المطر من السماء ملحا أجاجا لا يصلح للرى، ولكنه اللطيف الخبير فهلا تشكرون ربكم على ذلك ولا تكفرون! أفرأيتم النار التي تورونها، وتستخرجونها من الزند أو ثقاب الكبريت، أو على أى صورة أأنتم أنشأتم شجرها؟ أأنتم خلقتم مادتها؟ أم نحن الخالقون؟ نعم هو ربك وحده الذي خلق فقدر كل ذلك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
نحن جعلنا النار تذكرة لجهنم، وعبرة لمن يعتبر، وجعلناها متاعا يتمتع بها الخلق جميعا المقيم والمسافر، والغنى والفقير، والحاضر والبادي، ولا غرابة فالنار أحد العناصر المهمة كالماء والتراب والهواء.
إذ كان الأمر كذلك فسبح باسم ربك العظيم، ونزهه عن كل نقص. وإذا كان الأمر بتقديس الاسم فما بال المسمى جل شأنه؟!
стр. 2392
وانظر- وفقك الله- إلى الاستدلال بخلق الإنسان وأطواره، ثم بالإنبات ثم بالأمطار، ثم بالنار. وهل هناك إنسان في أية بقعة لا يرى أمامه خلق الإنسان والنبات، والمطر، والنار؟
إن هذا لهو حق اليقين [سورة الواقعة (٥٦) : الآيات ٧٥ الى ٩٦]
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)
تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩)
وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)
إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)
стр. 2393
المفردات:
بِمَواقِعِ النُّجُومِ: بمساقطها للغروب. مَكْنُونٍ: محفوظ ومصون.
مُدْهِنُونَ الإدهان: جعل الأديم- الجلد- مدهونا بمادة زيتية ليلين ليونة حسية، ثم استعمل الإدهان في الليونة المعنوية، ولذا سميت المداراة والملاينة مداهنة على سبيل المجاز، وهو لشهرته صار حقيقة عرفية، ورشح هذا أن المتهاون في الأمر لا يتصلب فيه ولا يتشدد. رِزْقَكُمْ أى: شكركم. الْحُلْقُومَ: مجرى الطعام.
مَدِينِينَ من دان بمعنى حاسب وجازى، أى: محاسبين ومجزيين، وعليه قولهم:
كما تدين تدان، وقيل المراد مربوبين. فَرَوْحٌ أى: استراحة. وَرَيْحانٌ:
رزق حسن. وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ: احتراق بها.
تلك حقائق ختمت بها السورة الكريمة تتعلق بالقرآن الكريم، وبمناقشة المنكرين وما يكون عند خروج الروح، وما يلاقيه السابقون وأصحاب اليمين، والمكذبون الضالون، تلك حقائق من رب العالمين.
لله أن يقسم بما يشاء من خلقه، فهو تعظيم له بالدليل، ولفت لأنظار المخلوقين حتى يروا ما في هذه الأشياء المقسم بها من عظمة تدل على القدرة الكاملة لله- وأما نحن فليس لنا أن نقسم بغير الله وصفاته القديمة.
المعنى:
فلأنا أقسم بمواقع النجوم، أى: مساقطها عند الغروب «١» - وإن هذا القسم عظيم لو تعلمونه لعظمتموه إنه لقرآن كريم ... الآية.
أما القسم بالنجوم عند غروبها، وذهاب أثرها، فلأنها والحالة هذه تكون أكثر دلالة على وجود خالقها والمؤثر فيها، وأن هذا النجم الذي بزغ بعد غروب الشمس لا يصح
стр. 2394
أن يعبد بل يجب أن يكون هو دليلا على وجود الله، ولذا قال الله: وإنه لقسم- لو تعلمون- عظيم، وقيل، إن المعنى: لا أقسم بمواقع النجوم على أن القرآن كريم، إن الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم ما فضلا عن هذا القسم العظيم، والله أعلم بأسرار كتابه.
إنه لقرآن كريم، البحر مثله، من أى النواحي أتيته تجد هدى ونورا وعلما وخيرا وبركة قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «١» .
إنه لقرآن كريم كائن في كتاب مصون من غير المقربين من الملائكة «هذا الكتاب المصون هو اللوح المحفوظ، فلا يطلع عليه سواهم، ولا يمسه إلا الطاهرون المطهرون من كدر الطبيعة البشرية ودنس الغرائز النفسية ومطهرون من دنس الأجسام وقذارة الأحداث» ، ومن غير الملائكة الأطهار يوصف بهذا؟ والطهارة على ذلك معنوية.
هذا كتاب لا ينبغي أن يمسه إلا المطهرون من كل حدث ولذا فهم بعض الأئمة أن القرآن ينبغي ألا يمسه إلا طاهر من الحدث الأصغر والأكبر، وبعضهم رأى أن سند هذا الحكم هو
الحديث عن رسول الله «لا يمسّ القرآن إلّا طاهر»
هو تنزيل من رب العالمين، لا يأتيه باطل، ولا يقرب منه شك، وهو هدى للعالمين.
أفهذا الحديث الذي ذكرت نعوته هنا أنتم أيها الكفار مدهنون، ومتهاونون؟! لا يصح هذا ولا يليق، وأنتم تجعلون شكر رزقكم وما أنعم الله به عليكم أنكم تكذبون؟ تكذبون بما يجب عليكم تصديقه، وبما أنزل في هذا القرآن.
فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم عند الحشرجة وأنتم حينئذ بلغت هذا الحد تنظرون ونحن أقرب إلى هذا الشخص منكم قرب علم وقدرة، ولكن لا تبصرون، فهلا إن كنتم غير مؤمنين بالبعث يمكنكم أن ترجعوا روحه، وتمنعوا موته كما تظنون أن لا بعث ولا عقاب!! والمعنى باختصار: إن صدقتم نفى البعث فردوا روح المحتضر إلى جسده لينتفى عنه الموت فينتفى البعث أى إن تحقق الشرطان وهما: إن كنتم غير مدينين إن كنتم
стр. 2395
صادقين فهلا أرجعتم نفس الميت وأنتم حاضرون ساعة خروجها من جسده «١» .
ولكن البعث أمر محقق نطق به الحق- ﵎ ومن أصدق من الله حديثا! والناس فيه ثلاثة أنواع فأما إن كان من السابقين المقربين فله روح وريحان وجنة نعيم، وأما إن كان من أصحاب اليمين فله السلامة من العذاب لأنه من أصحاب اليمين، أو فعليه سلام من إخوانه أصحاب اليمين، وأما إن كان من المكذبين الضالين فله نزل من حميم يشربه بعد أكل الزقوم- وهذا تهكم به- وله تصلية جحيم واحتراق بها.
إن هذا الذي ذكر في هذه السورة وخاصة في أواخرها لهو اليقين الحق والخبر الصدق الذي لا شك فيه ولا ريب، وإذا كان الأمر كذلك فسبح مستعينا باسم ربك العظيم، وقدسه ونزهه عن كل نقص وعيب فتعالى الله عما يشركون!
стр. 2396
سورة الحديد
حكى القرطبي أنها مدنية بالإجماع، وبعضهم نقل في سبب إسلام عمر بن الخطاب: أنه سمع آيات من أول سورة الحديد عند أخته فأسلم، وعلى هذا تكون هذه الآيات مكية، والظاهر أنها مدنية كلها كما حكى القرطبي، وعدد آياتها تسع وعشرون آية وتشمل هذه السور الحث على التسبيح لله، ثم طلب الإيمان والإنفاق، ثم التعرض لجزاء الإيمان والإنفاق يوم القيامة، ووعظ المؤمنين بالعظات البالغات، ثم بيان الدنيا وحقيقتها، وبيان دعائم الحكم، وضرب الأمثال بالأنبياء وأممهم، وعلى العموم فالسورة تدور حول الحث على الإنفاق والبذل في سبيل الله.
التسبيح لله وحده [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١ الى ٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)
стр. 2397
المفردات:
سَبَّحَ لِلَّهِ التسبيح: التنزيه والتقديس لله ووصفه بكل كمال وتنزيهه عن كل نقص. أَيَّامٍ: جمع يوم وهو الوقت المحدد بطلوع الشمس إلى غروبها.
اسْتَوى: تطلق في اللغة على معان كثيرة: بمعنى استقر. ومنه استوى على الكرسي، وعلى ظهر الدابة، واستوى بمعنى: قصد، وبمعنى: استولى وظهر، ومنه:
«استوى بشر على العراق» والمراد: استولى وتصرف بما يريد. الْعَرْشِ: هو سرير الملك، وعليه قوله تعالى نَكِّرُوا لَها عَرْشَها وقد يطلق على سقف البيت، وعلى هودج المرأة، وعلى الملك والسلطان، وعليه قولهم: ثل عرشه وسقط: إذا ذهب ملكه. يَلِجُ: يدخل. يَعْرُجُ فِيها: يصعد. يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ:
يدخل أحدهما في زمن الآخر. بِذاتِ الصُّدُورِ: صاحبات الصدور، والمراد الأسرار العميقة التي لا تفارق الصدر أبدا.
المعنى:
التسبيح: تنزيه الله- تعالى- في القول والاعتقاد والعمل، عما لا يليق به، ووصفه بكل كمال، والسمو به عن كل نقص، والله- ﷻ يسبح له كل ما في السموات وما في الأرض بلسان المقال أو بلسان الحال وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ «١» فتسبيح العقلاء تنزيه وتقديس وعبادة. وتسبيح غيرهم دلالة على الصانع وأنه صاحب كل كمال ومنزه عن كل نقص، أو هو الانقياد والخضوع لأمر الله وتصريفه، ولا شك أن الكل بهذا المعنى يسبح له «٢» ، سبح لله ما في السموات والأرض، وهو العزيز الذي لا يغلب- الحكيم في كل ما يفعل- جل شأنه- لله «٣» ملك السموات والأرض، وله التصرف المطلق فيهما وكأن سائلا سأل وقال: ما مظاهر ملكه؟ فأجيب بأنه يحيى من يشاء ويميت من يشاء وهو على كل شيء قدير.
стр. 2398
هو الأول فليس قبله شيء، إذ هو السابق على جميع الموجودات لأنه مصدرها، وهو الآخر لأنه الباقي بعد فناء خلقه، وهو الظاهر وجوده لكثرة الدلائل المادية والمعنوية عليه، وهو الباطن فلا تعرف العقول ذاته على حقيقتها، ولا تدركها الأوهام وهو بكل شيء عليم،
روى في صحيح مسلم من حديث أبى هريرة: «اللهمّ أنت الأوّل فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظّاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنّا الدّين وأغننا من الفقر!»
. هو الذي خلق السموات والأرض «١» في ستة أيام، الله أعلم بمقدارها، وهو القادر على خلقها في لحظة إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «٢» لكنه ذكر هذه المدة ليعلم العباد التأنى والتثبت في الأمور، وليعلمهم أن خلق السموات والأرض أكبر من خلقهم، وليس هو بالهين لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ «٣» .
ثم استوى على عرشه، واستقام أمره، واستقر على حسب ما يريده مما لا يعلم ذلك إلا هو، وهذا هو رأى السلف، وأما الخلف فيؤولون قائلين: استوى على عرشه بعد تكوين خلقه بمعنى أنه يدبر الأمر ويفصل الآيات، يعلم ما يلج في الأرض ويدخل فيها من نبات وبذور، وإنسان ومعادن وكنوز، وما يخرج منها من زروع وثمار، ومياه وجثث وغيرها، وهو يعلم ما ينزل من السماء من مطر أو شهب أو ملك أو آيات، وما يعرج فيها ويصعد إليها من عمل أو ملك أو غيره، وهو معكم بعلمه وقدرته أينما كنتم، والله بما تعملون بصير.
له ملك السموات والأرض، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، وإلى الله وحده ترجع الأمور، يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، بمعنى أنه يدخل هذا في زمن ذاك، وبالعكس، ونحن في مصر نرى الليل في الشتاء طويلا بينما يكون النهار في الصيف قصيرا، وفي الصيف يكون العكس، وفي الربيعين يتساوى الليل والنهار، سبحانه من قادر حكيم! وهو العليم بذات الصدور ومكنوناتها التي لا تفارقها يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ «٤» سبحانه وتعالى عما يشركون؟
مِيثاقَكُمْ: عهدكم الذي أخذه عليكم في عالم الذر. الْفَتْحِ أى: فتح مكة.
الْحُسْنى أى: الجنة. يُقْرِضُ المراد: ينفق في سبيل الله.
وهذه الآيات تدعو إلى الإيمان بالله ورسوله وإلى الإنفاق في سبيل الله بعد ما مضى من وصفه جل شأنه.
المعنى:
البذل والتضحية أول الدعائم في حياة الأمم، وأساس نجاح الدعوات والإنفاق في سبيل الله للقيام بأعباء الأمة وما تتطلبه حياتها فريضة فرضها الإسلام الذي هو النظام الإلهى والدستور السماوي وهو حين يعالج مشكلة، يوقظ أولا الضمير، ويحيى الروح الديني، ويربط علاجه بالإيمان ورضا الله ورسوله وكان الإسلام في مستهل حياته- ولا زال كذلك- في أشد الحاجة إلى البذل والتضحية والإنفاق ليسد حاجة المحتاج، ويلم شعث الدولة ويدعم أركان الجيش.
آمنوا أيها الناس بالله ورسوله، فإن كنتم كفارا فكونوا مؤمنين، وإن كنتم مؤمنين فآمنوا بالله إيمانا كاملا، وداوموا عليه، وأنفقوا في سبيل الله، وسبيل الله كل خير يعود عليكم وعلى وطنكم ودينكم، أنفقوا مما تحت أيديكم من الأموال وأنتم خلفاء الله عليها، فالمال مال الله والخير خيره، فأنفقوا منه ولا تبخلوا، وثقوا أنكم ورثتم غيركم فيه وخلفتموه عليه وهو بلا شك سينتقل إلى غيركم، ولن ينفعكم منه إلا ما قدمتموه لله،
والحديث: «ليس لك من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدّقت فأبقيت» .
وإذا كان الأمر كذلك فالذين آمنوا منكم، وأنفقوا جزءا من مالهم، لهم أجر عند ربهم كبير.
وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم؟ أى شيء استقر لكم وثبت عندكم حالة كونكم غير مؤمنين «١» والحال أن الرسول يدعوكم والقرآن في يمينه
стр. 2401
والسنة في يساره لتؤمنوا بربكم من أول الأمر أو لتداوموا على الإيمان وتقووه وقد أخذ الله ميثاقكم بما نصب من الأدلة المادية في الكون، وما خلق فينا من قوى وغرائز كلها توصل إلى الإيمان، لو نظرنا بها مجردين عن الهوى والتقليد الأعمى، وقيل: إن الميثاق هو ما أخذه ربك على الناس في عالم الذر، حين أشهدهم على أنفسهم قائلا: ألست بربكم؟ قالوا: بلى وما لكم لا تؤمنون والرسول يدعوكم للإيمان، وقد أخذ ربكم عليكم الميثاق، لا عذر لكم، إن كنتم تريدون الإيمان فبادروا إليه.
هو الذي ينزل على عبده محمد آيات بينات هي القرآن الكريم، وينزل معجزات واضحات، كل ذلك ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وينقذكم من الكفر إلى الإيمان ويهديكم الصراط السوى، وإن الله بكم لرءوف رحيم.
وأى شيء ثبت لكم غير منفقين في سبيل الله بعد هذا؟! ولله ميراث السموات والأرض وما فيهن، فستخرجون من الدنيا، والله هو الذي يرث الأموال ويعطيها لمن يشاء، ويبقيها عند من يشاء ولن تستفيد إلا ما قدمته من خير، وأما الوارث فأمره عند ربه، وله رزقه وحظه في الدنيا، وكم رأينا من جمع المال الكثير من طريق الحلال أو الحرام ثم تركه لوارثه، فلم يبقه الوارث أكثر من شهور، وأما من جمع فالويل له إن لم يكن قد أدى الزكاة وأنفق في سبيل الله، وتوخى الحق في جمع المال، وكم رأينا أناسا جمعت القليل أو لم تجمع أصلا، وكانت في حياتها مثلا أعلى للمسلم في المعاملة فلم يغش ولم يخادع ولم يكن في جمع المال كحاطب ليل، ثم ترك أولاده ولهم الله فلم يمض غير القليل حتى من الله عليهم بالمال والجاه والغنى والسعادة وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً.
[الكهف ٨٢] يا أخى ثق أنك لن تغني ابنك، والمورث هو الله وحده فأد حقوق الله واحذر الدنيا والمال!! وليس معنى هذا أن تنفق كل مالك، لا: بل اعمل كما أشار النبي ﷺ على سائله في هذا قائلا معناه: أنفق الثلث والثلث كثير لأن تذر أولادك أغنياء خير من أن تتركهم عالة على الناس يتكففون السؤال. وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [سورة الإسراء آية ٢٩] .
لا يستوي منكم من أنفق من قبل فتح مكة وقاتل وقتئذ مع من أنفق وقاتل بعده أولئك السابقون أعظم درجة عند الله من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلهم خير بلا شك، وقد وعدهم الله الجنة، مثوى لهم، والله بما تعملون خبير.
стр. 2402
من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا؟ «١» بمعنى: من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله مخلصا متحريا أكرم ماله رجاء أن يعوضه سبحانه بدله كمن يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه الله ويعطيه أجره على الإنفاق مضاعفا أضعافا كثيرة، وله أجر كريم، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
لهذا المنفق المقرض هذا الأجر الكريم يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم، وعن أيمانهم وفي كل جهاتهم، ويقال لهم: بشراكم اليوم دخول جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك هو الفوز العظيم، وهل هناك أرفع درجة من هذا؟!
المنافقون يوم القيامة [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٣ الى ١٥]
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)
стр. 2403
المفردات:
انْظُرُونا أى: انتظرونا، وفي قراءة: أنظرونا، أى: أمهلونا، أو انتظرونا.
نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ: نستضيء بنوركم. بِسُورٍ: هو حائط بين الجنة والنار.
بَلى: نعم. فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ: امتحنتموها بالنفاق واستعملتموها في الفتنة.
الْأَمانِيُّ: طول الأمل وامتداد الأجل. فِدْيَةٌ: ما يفتدى به. مَوْلاكُمْ أى: أولى بكم.
المعنى:
اذكر يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا، والحال أن نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون لهم: انظرونا لعلنا نقتبس من نوركم، ونستضيء به، وذلك أنه
روى أنه يعطى المؤمنون النور يوم القيامة على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط المستقيم، ويستضيء المنافقون بنورهم ولا يعطون النور، فبينما هم يمشون على نورهم- كما كانوا يسيرون ظاهرا معهم في الدنيا- إذ يبعث الله فيهم ريحا وظلمة فيطفئ بذلك نور المنافقين
، ويقول المؤمنون: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا «١» خوف أن يسلبوا النور كما سلب من المنافقين، فإذا بقي المنافقون في الظلمة لا يبصرون مواقع أقدامهم قالوا للمؤمنين: انتظرونا نقتبس من نوركم. قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً والقائل هم الملائكة أو المؤمنون، فلما رجعوا وانصرفوا يطلبون النور ضرب بينهم وبين المؤمنين بسور ضخم باطنه فيه الرحمة لأنه جهة الجنة التي فيها المؤمنون، وظاهره أى:
جانبه مما يلي المنافقين من قبله العذاب.
ينادى المنافقون المؤمنين قائلين: ألم نكن معكم نصلى ونصوم ونحارب معكم؟
قالوا: بلى! ولكنكم فتنتم أنفسكم وامتحنتموها بالنفاق واستعملتموها في الفتنة وغركم بالله الغرور. فحقّا السعيد من لا يغتر بالطمع ولا يركن إلى الخداع، ومن ذكر المنية وهولها نسى الأمنية وما حولها، ومن أطال الأمل، قصر في العمل، بل غفل عن الأجل وجاء الغرور بالباطل، وقانا الله شره.
стр. 2404
فاليوم لا يؤخذ منكم فداء، ولا ينفعكم مال ولا بنون، ولا يؤخذ من الذين كفروا كذلك، مأواكم أيها المنافقون النار، هي مولاكم وأولى بكم «١» ، وبئس المصير.
وعظ وإرشاد [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٦ الى ١٩]
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)
المفردات:
يَأْنِ المراد: ألم يأت وقته، مأخوذ من أن يأنى، وفي قراءة: يئن مأخوذ من آن يئين يقال: آن لك أن تفعل كذا، أى: حان وقرب وقت الفعل. تَخْشَعَ:
تذل وتلين، والمراد تمتثل جميع أحكام القرآن. الْأَمَدُ: الزمن. فَقَسَتْ:
стр. 2405
صارت قاسية لا تلين. الشُّهَداءُ: جمع شهيد، والمراد به من قتل في سبيل الله، والملائكة تشهد له بالجنة.
المعنى:
أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم، أى: تلين عند الذكر وسماع القرآن فتفهمه وتنقاد له وتطيعه! أما آن لطائفة من المؤمنين- وهم الذين فترت قلوبهم نوعا ما عن الخشوع- أن تخشع قلوبهم، وتقبل على امتثال أمر الله بأرواح مطمئنة، ونفوس راضية مرضية، لأجل تذكيرهم بالله، ولأجل استماعهم لوعظ القرآن!! روى عن ابن عباس أنه قال: إن الله تعالى استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن فقال سبحانه: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ... الآية.
وَلا يَكُونُوا «١» كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ نهى الله المؤمنين أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلهم كاليهود والنصارى، فطال عليهم الزمن. وجرفتهم حوادث الأيام فطغت عليهم حتى قست قلوبهم وصارت كالحجارة أو أشد قسوة، وبعدوا بذلك عن الدين الحق فكتبوا كتبا نسبوها لله، والواقع أنها لهم، هذه الكتب فيها شيء من الحق، وكثير من الباطل، فكان منهم لهذا قليل من المؤمنين لم يغيروا ولم يحرفوا، وكثير منهم فاسقون.
فيا أيها المسلمون: لا تكونوا كهؤلاء، وقد كان المسلمون كذلك- حافظوا على القرآن، ولم يغيروا فيه، ولم يبدلوا، ولقد صدق الله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ، والحمد لله كان للأزهر نصيب كبير في المحافظة على عقائد المسلمين ألا ترى إلى عقائد كثير من المسلمين في إيران والعراق وغيرهما، وإن كان الأزهر الآن، يجحد فضله الكثير من المصريين، ولا يعرف فضله حقيقة إلا في غير مصر.
أيها المسلمون: لقد عاتب الله المؤمنين في العصر الأول بهذه الآية، ونحن نعرف للرعيل الأول كله على العموم فضله وسبقه وحسن إيمانه، وكمال إسلامه فما بالنا نحن
стр. 2406
الآن!! ألم يأن لنا أن نعود إلى القرآن!، ألم يأن للمسلمين جميعا في مشارق الأرض ومغاربها أن يهتدوا إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم! ألم يأن لهم أن يثوبوا إلى رشدهم، ويعودوا إلى صوابهم مرة ثانية؟؟ ولا غرابة في ذلك، ولا عجب فالله يحيى الأرض الجدبة بعد موتها بالنبات والزرع، وهو القادر على أن يحيى القلوب الميتة بالصدق والإخلاص وحسن الخشوع، وقوة الإيمان، قد بين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون.
إن الذين تصدقوا من الرجال والنساء، وأقرضوا الله قرضا حسنا، حيث بذلوا أموالهم خالصة لوجه الله، لا يريدون جزاء ولا شكورا، هؤلاء يضاعف لهم أجرهم أضعافا، ويعطون في مقابلة الحسنة عشر أمثالها، وقد يزاد على ذلك إلى سبعمائة ضعف، ولهم أجر كريم، وثواب جزيل، والذين آمنوا بالله ورسوله إيمانا صادقا كاملا أولئك- والإشارة إلى بعد مرتبتهم وكمال جزائهم- هم الصديقون والشهداء عند ربهم أى: أولئك عند ربهم وفي حكمه بمنزلة الصديقين والشهداء المشهورين بعلو الرتبة ورفعة المحل، والصديقون هم الذين سبقوا إلى الإيمان ورسخوا فيه، والشهداء هم الذين استشهدوا في سبيل الله، وسموا بذلك لأن الله والملائكة شهدوا لهم بالجنة، وقيل: لأنهم أحياء فهم شهود، لهم أجرهم الكامل ونورهم الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم.
والذين كفروا بالله ورسوله، وكذبوا بآياته القرآنية، والكونية، أولئك- والإشارة لبعد منزلتهم في النار- أصحاب النار الخالدون فيها الملازمون لها، وهي لهم وبئس القرار قرارهم.
حقيقة الدنيا والآخرة [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)
стр. 2407
المفردات:
لَعِبٌ وَلَهْوٌ: هما شيء واحد، وقيل: اللعب: ما رغب في الدنيا، واللهو:
ما شغل عن الآخرة. وَزِينَةٌ الزينة: ما يتزين به من اللباس والحلي ونحوها.
وَتَفاخُرٌ: التباهي بالأموال والأولاد. غَيْثٍ: مطر. الْكُفَّارَ أى:
الزراع. وسمى الزارع كافرا لأنه يستر البذر في الأرض وقيل: هم غير المسلمين.
يَهِيجُ: يتحرك إلى أقصى ما يتأتى له. حُطاماً أى: هشيما متكسرا من اليبس.
المعنى:
الدنيا الغرور هي سبب البعد عن الدين، الدنيا الفانية هي التي يؤثرها ضعفاء العقول والنفوس على الآخرة الباقية، وهي سبب الإعراض عن الله، والبعد عن الخشوع، وحبها رأس كل خطيئة، وهي مركب الشيطان بها يعد الإنسان بالفقر ويأمره بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا، فالدنيا هي سبب قسوة القلب، وتغيير الذمم، وتحريف أهل الكتاب الكلم من بعد مواضعه، وهي التي تدعو إلى الشح وعدم البذل، هذه الدنيا ما هي!! أليس من الخير أن نعرفها على حقيقتها.
اعلموا أيها الناس أن الدنيا عرض زائل، ومتاع حائل كل ما فيها لعب يتعب صاحبه، ولا خير فيه كلعب الصبيان، وكل ما فيها لهو يشغل الإنسان عما ينفعه
стр. 2408
ويفيده، وهي لعب ولهو، ومتاعها زينة يتزيا به الجهلاء والكفار، مع أن زينة العقلاء السعداء هي إيمان راسخ، ويقين ثابت وذكر صاحب النعم وإيمان بوجوده وجودا ذاتيا كاملا وإيمانه بكتبه ورسله واليوم الآخر ذلك هو الإيمان وتلك زينة المؤمنين بالله ورسله وهي كذلك تفاخر بالأحساب والأنساب وتكاثر في جمع الأموال والأولاد هذه هي مشاغل الدنيا الفانية الزائلة فكل ما يشغل عن الآخرة فهو الدنيا أما الدنيا عند المؤمن الصحيح فهي قنطرة الآخرة وممر لها يعمل فيها وينتفع ببعض مباهجها وزينتها ولكنه دائما يذكر الله ولا ينساه، ويستعين بالدنيا على تحصيل الثواب والأجر الذي ينفعه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
هذه الدنيا الفارغة سريعة الزوال والانصرام. فهي كمثل غيث نزل بأرض فأنتج زرعا أعجب الكفار نباته أما المسلمون حقا فهم لا يعجبون به ولا يغترون بل إذا رأوه قالوا: ما شاء الله ولا قوة إلا بالله! وذكرهم هذا بربهم الواحد الأحد.
عيون من لجين شاخصات ... على أطرافها ذهب سبيك
على قضب الزبرجد شاهدات ... بأن الله ليس له شريك
والكافر لا يتخطى نظره الماديات وقيل: المراد بالكفار: هم الزراع مطلقا، هذا النبات الذي أعجب الزراع لا يلبث أن تراه قد هاج ووصل إلى أقصى ما يتأتى له، فتراه عقيب ذلك مصفرّا ينذر بالنهاية، ثم يكون حطاما متكسرا يابسا بعد خضرة يانعة، كل ذلك في وقت وجيز.
هكذا الدنيا تقبل سريعة ثم تزداد وتقوى زمنا يسيرا ثم تراها وقد انفضت من حولك أو خرجت منها، كما يخرج الإنسان من الدنيا صفر اليدين إلا من العمل الصالح.
وفي الآخرة عذاب شديد للعصاة والمذنبين، وفيها مغفرة ورضوان من الله كبير وما الحياة الدنيا إلا متاع يغتر به من يطمئن له.
سابقوا أيها العقلاء إلى ما يكون سببا للمغفرة «١» والرضوان من ربكم، وسارعوا مسارعة السابقين إلى جنة عرضها كعرض السماء والأرض، أعدت للذين آمنوا بالله
стр. 2409
ورسوله وعملوا الخير كالإنفاق في السراء والضراء وكظم الغيظ والعفو عن الناس.
وعمل الطيبات.
ذلك فضل من الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
الأمر كله لله [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢٢ الى ٢٤]
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)
المفردات:
مُصِيبَةٍ هي لغة: كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر، وخصها العرف بالشر. نَبْرَأَها: نخلقها. تَأْسَوْا: تحزنوا. مُخْتالٍ فَخُورٍ: المتكبر، والفخور: المباهي بماله أو جاهه.
المعنى:
يعالج القرآن الكريم مرضا في النفوس قد يحول دون الجهاد والبذل في سبيل الله، فإن الإنسان قد يترك هذا خوفا من الفقر أو القتل، ولكنه إذا علم أن للقدر سهاما لا ترد،
стр. 2410
وأن ما قدر لا بد أن يكون.. قاتل بقلب المؤمن الواثق في الله، وأنفق عن سعة واثقا أن في السماء الرزق، وأن الجود لا يفقر، وأن الإقدام لا يقتل إذ الأمر كله لله أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ «١» ما أصابتكم مصيبة في الأرض أيا كان نوعها من جدب أو هلاك حرث أو نسل أو إصابة في أنفسكم كمرض أو قتل أو فقر، ما أصابت الخلق إصابة إلا كانت في كتاب من قبل أن نخلقها، وتظهر للعيان، فالدنيا رواية تظهر على الخيالة، ولكنها أعدت من قبل أن يخلق الخلق، إن ذلك كله على الله يسير.
أخبركم الحق- ﵎ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم، فإن من علم أن ما قدر أزلا لا بد من حصوله حتما لم يفرح لشيء لم يكن ليخطئه، ولا يحزن على شيء لم يكن ليدركه، فالمؤمن عند المصيبة يصبر، ومع الغنيمة يشكر، والفرح والحزن المنهي عنهما هما اللذان يتعدى فيهما إلى ما لا يجوز، والله لا يحب كل متكبر مغتر بنفسه، فخور بماله أو جاهه على الناس فإن النعمة من الله لا من نفسه.
والمختال الفخور غالبا يكون بخيلا لأنه لا يرى لغيره حقا عليه، على أنه شحيح النفس قصير العقل ويأمر الناس بالبخل، وينهاهم عن البذل، ومن يعرض عن تلك الأدوية الإلهية، فإن الله هو الغنى عنه، المحمود في السماء والأرض فليس في حاجة إليه.
أسس الحكم في الإسلام [سورة الحديد (٥٧) : آية ٢٥]
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)
стр. 2411
المعنى:
تالله لقد أرسلنا رسلنا كلهم بالحجج والمعجزات، مؤيدين بالبرهان والآيات وأنزلنا معهم الكتاب، أى: جنسه الشامل لكل كتاب كالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن وأنزل معهم الميزان، أى: العدل في الأحكام، أى: أمر الرسل بذلك وهم أولو الأمر ومن يأتى بعدهم خلفا لهم كذلك، إذ هم الحراس على تنفيذ الأحكام.
أنزل الكتب من السماء، وأمر بالعدل في كل شيء ليقوم الناس بالقسط في معاشهم ومعادهم، وفي كل أمورهم الدينية والدنيوية.
وأنزل الحديد- خلقه وأنشأه- فيه بأس شديد، وقوة صارمة.
الله سبحانه قرن إنزال الكتب، والأمر بالعدل بإنزال الحديد، وفي هذه إشارة إلى أن الكتاب يمثل القوة التشريعية، والعدل يمثل القوة القضائية، وإنزال الحديد يمثل القوة التنفيذية، فإن تشريع السماء لا بد له من قاض يحكم به بالعدل، ولا بد لها من قوة تنفذ حكمها، فإن الحق وحده لا يسير إلا بالقوة، وكل ذلك ليقوم الناس بالقسط فإن الظلم من شيم النفوس وطبائعها.
وفي الحديد بأس شديد، وفيه منافع للناس. أليس هذا الكلام من أربعة عشر قرنا، في الوقت الذي لم يعرف العالم للحديد فيه كل منافعه، أليس هذا دليلا صادقا على أن محمدا ما قال هذا الكلام من عنده، وإنما هو الوحى الصادق من عند الله العالم بكل شيء، وأما منفعة الناس بالحديد فأمر ظاهر معروف لكل من عاش في هذا العصر، خلق الله كل ذلك لينتفع الناس، وليعلم الله من ينصره، وينصر رسله بالغيب، يا سبحان الله! كأن الله شرع الأحكام، وأمرنا بالعدل فيها ثم أرشدنا إلى السلاح والحديد لنعلم أنه لن تقوم قيامة هذا الدين إلا بالجهاد والاستعداد التام للحرب، والاستعداد للحرب يمنع الحرب كما يقولون، ولقد أضمر الله لفظ «لينتفع الناس» «١» وأظهر قوله: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ للإشارة إلى أن هذا هو المقصود وأن نفع الناس نفعا ماديا مقدمة له، إن الله لقوى عزيز، وهذا تذييل محكم في
стр. 2412
نهاية الآية للإشارة إلى أن تكليفهم الجهاد وتعريضهم للجهاد وتعريضهم للقتال ليس عن حاجة له سبحانه، ولكن لينتفعوا هم بالجرأة على الجهاد.
الغرض من إرسال الرسل [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢٦ الى ٢٩]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
стр. 2413
المفردات:
قَفَّيْنا قفى أثره: اتبعه، وقفى على أثره بفلان: أتبعه إياه، وعليه قوله: قفينا على آثارهم برسلنا، والمراد جعلناهم تابعين متأخرين عنهم في الزمان. رَأْفَةً وَرَحْمَةً وهما: شيء واحد، قال بعضهم: إذا اجتمعا كانت الرأفة درء الشر ورأب الصدع، وكانت الرحمة جلب الخير والمودة. وَرَهْبانِيَّةً الرهبنة والرهبانية: هي المبالغة في العبادة والرياضة الروحية، والانقطاع عن الناس مع حمل النفس على المشقة والامتناع عن لذيذ المطعم والمشرب والنكاح. كِفْلَيْنِ الكفل: الحظ والنصيب:
وهو في الأصل كساء يكتفل به الراكب فيحفظه من السقوط، وعلى ذلك فالمراد:
يؤتكم نصيبين يحفظانكم من هلاك المعاصي.
المعنى:
وتالله لقد أرسلنا نوحا، وهو الأب الثاني للبشر، وأرسلنا إبراهيم وهو أب العرب، وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب، فكل الأنبياء من نسلهما، فكان من الذين أرسل إليهم رسل مهديون، وكان كثير منهم فاسقون، وتلك سنة الله مع الأنبياء جميعا، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ثم أتبعناهم بعيسى بن مريم، فجاء متأخرا عنهم في الزمان، وآتيناه الإنجيل الصحيح الذي لم يحرف بعد، لا الإنجيل الذي هو موجود عند المسيحيين اليوم، فإن فيه التثليث والصلب، والله هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، والله قد نجى الأنبياء أولى العزم من أعدائهم وعصمهم من الكفار بهم فنجى نوحا من الغرق، ونجى إبراهيم من النار، ونجى موسى من فرعون، ونجى عيسى من اليهود، ونجى محمدا من كيد المشركين، وكفاهم جميعا شر المستهزئين، على أن نظرية الصلب التي في الإنجيل الموجود نظرية دليل بطلانها معها، ولا يقبلها عقل، ولا تقرها شريعة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون وجعل ربك في قلوب حوارى المسيح وأصحابه السابقين رأفة ورحمة «رحماء فيما بينهم» .
стр. 2414
وجعل في قلوبهم رهبانية مبتدعة لهم، فهم ابتدعوا رهبانية من عند أنفسهم، ما فرضناها عليهم رأسا، ولكن ابتدعوها وألزموا بها أنفسهم ابتغاء رضوان الله «١» فما رعوها حق رعايتها وما حافظوا عليها إذ أصبحت كالنذر عندنا، والنذر يذم صاحبه إذا ترك الوفاء به، والذين لم يرعوها هم المتأخرون، والذين ابتدعوها هم السابقون.
فآتينا الذين آمنوا منهم إيمانا صحيحا سليما- سواء مات قبل النبي ﷺ أو عاش حتى أسلم به- أجرهم، وكثير منهم فاسقون لأنهم لم يؤمنوا بالإنجيل الصحيح فلم يؤمنوا بمحمد ﷺ .
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسله وداوموا على تقوى الله وعلى الإيمان بالرسول ﷺ إن تفعلوا ذلك يؤتكم بسبب ذلك نصيبين عظيمين يكفلان لكم الخلوص من هلاك المعاصي، ويجعل لكم نورا تمشون به، ويغفر لكم، والله غفور رحيم، وقيل المعنى:
يا أيها الذين آمنوا بعيسى اتقوا الله وآمنوا بمحمد يؤتكم كفلين من رحمته كفل على الإيمان بعيسى وكفل على الإيمان بمحمد ﷺ .
أعلمناكم بذلك ليعلم أهل الكتاب القائلون من آمن بكتابكم منا فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم ليعلم هؤلاء أنهم لا ينالون شيئا من فضل الله، أى:
من الأجرين أو غيرهما، ولن يصيبهم خير ما لم يؤمنوا بالنبي ﷺ فإيمانهم بالنبي عيسى لا ينفعهم بعد بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين، فقولهم للمسلمين: من لم يؤمن بكتابكم منا فله أجر: باطل باطل.
واعلموا أن الفضل بيد الله وحده يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
стр. 2415
سورة المجادلة
مدنية على الصحيح، وعدد آياتها اثنتان وعشرون آية.
وهي كيفية السور المدنية تعالج أمراض المجتمع ببيان التشريع السليم للمشكلات وبيان الآداب الإسلامية في المجتمعات، مع لفت أنظار المسلمين إلى أعدائهم في الدين وتحديد علاقتهم بهم.
الظهار وحكمه وكفارته [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤)
стр. 2416
المفردات:
تُجادِلُكَ: تراجعك. يَظْهَرُونَ أى: يقولون لنسائهم: أنت على كظهر أمى، أى: في الحرمة. مُنْكَراً أى: قولا منكرا ينكره الشرع، ويأباه الطبع السليم. وَزُوراً: كذبا وبهتانا. فَتَحْرِيرُ أى: فعتق إنسان مؤمن كامل. أَنْ يَتَمَاسَّا أى: بالنكاح أو المتعة. تُوعَظُونَ أى: تزجرون به حتى لا تعودوا لمثله أبدا.
كانت خولة بنت خويلد «١» الخزرجية تحت أوس بن الصامت أخى عبادة بن الصامت، وكانت حسنة الجسم فرآها زوجها ساجدة فنظر عجيزتها فأعجبه أمرها، فلما انصرفت أرادها فأبت فغضب عليها- قال الراوي: وكان أوس شخصا به شيء من جنون- فأصابه بعض حالاته فقال لها: أنت على كظهر أمى! وكان الإيلاء- وهو حلف الرجل على امرأته ألا يطأها مدة- والظهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت خولة- وقد سمعت زوجها يظاهرها- النبي ﷺ عن ذلك
فقال لها: «حرمت عليه»
فقالت: والله ما ذكر طلاقا، ثم قالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمى، وقد نفضت له بطني،
فقال النبي: «حرمت عليه»
فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزلت عليه هذه الآية.
المعنى:
قد سمع الله قول المرأة التي تجادلك في شأن زوجها- وهي خولة بنت ثعلبة- والحال أنها تشتكي إلى الله ضعفها وقلة حيلتها، وفراقها لزوجها ووحشتها، والله هو السميع بذاته لكل مسموع، البصير بذاته لكل مبصر، تقول عائشة- رضى الله عنها-: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وأنا وهي في حجرة واحدة، سمعتها وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله قائلة:
يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سنى وانقطع ولدي ظاهر
стр. 2417
منى، اللهم إنى أشكو إليك! فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية. فحقّا: إن الله سميع بصير بخلقه.
هذه الفعلة التي هي عملية الظهار- قول الرجل لزوجه: أنت علىّ كظهر أمى- فتصبح محرمة عليه، ولا تعود إلا إذا كفّر كما سيأتى- هذه الفعلة ما حكمها؟.
الواقع أن الظهار ممقوت شرعا، وهو قول منكر وزور، إذا أمك هي التي ولدتك وزوجك هي زوجك فلا يصح أن تجعل زوجك محرمة عليك كأمك أبدا.
أبعد أن يقول الله: إن الظهار منكر من القول وزور وبهتان، وإنه لعفو غفور عما فرط؟ هل يشك عاقل في أن الظهار أمر محرم شرعا ولا يصح فعله؟
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ ... وهذا تفصيل لحكم الظهار، وبيان لحكمه الخاص بعد بيان حكمه العام الذي يفيد أنه منكر وزور.
والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لقولهم، أى: فيه، فعليهم كفارة شديدة والعود في الظهار لأنه مطلق في الآية اختلف فيه أئمة الفقه الإسلامى فالعود عند الشافعى يحصل بإمساك الزوجة المظاهر منها زمانا بعد الظهار يمكنه مفارقتها فيه ولم يفعل، فيعتبر عائدا في ظهاره، أى: أنه ظاهر ولم يتبعه بطلاق فيكون عائدا، وعند الأحناف يحصل باستباحته الاستمتاع بها مطلقا، وعند مالك يحصل بالعزم على الجماع وعند بعضهم بالجماع نفسه، والآية تحتمل كل هذا، ولم تخصص السنة الصحيحة شيئا.
هذه الكفارة الواجبة على الزوج المظاهر العائد في ظهاره هي: عتق رقبة مؤمنة سليمة من كل عيب، هذا العتق يكون قبل أن يتماس الزوجان بالوطء، فلا يقرب المظاهر من امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ بها بشيء حتى يكفر، خلافا لمن يقول: المحرم الوطء فقط، فإن وطئها قبل التكفير استغفر الله وأمسك حتى يكفر كفارة واحدة فقط وإن وطئها مرارا، ذلك- والإشارة إلى هذه الكفارة المشددة- تؤمرون به، وتزجرون عن ارتكاب مثل هذا المنكر، فليس هذا الحكم المشدد لتكتسبوا ثوابا، بل هو للردع والزجر عن ارتكاب ما يسببه الظهار فمن لم يجد الرقبة ليعتقها فعليه صيام شهرين متتابعين فإن أفطر فيهما لعذر قيل: لا ينقطع التتابع، وقيل: ينقطع، أما إفطاره
стр. 2418
لغير عذر شرعي فإنه يقطع التتابع ويعيد من الأول، وهذا الصيام من قبل أن يتماسا كما في الكفارة، فمن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكينا من قبل أن يتماسا، لكل مسكين مد، وقيل: بل أكثر من المد «١» ، والمراد إشباع ستين مسكينا يوما بغالب قوت البلد.
ذلك الذي وصفناه من التغليظ في الكفارة لتكونوا مطيعين لله تعالى، واقفين عند حدود الشرع لا تتعدوها، لئلا تعودوا للظهار الذي هو منكر شرعا وزور وبهتان، إذ فيه انفصام عرى الزوجية، والشرع حريص كل الحرص عليها، وسمى التكفير إيمانا لأنه طاعة، وتلك حدود الله التي تبين معصيته من طاعته، فالظهار معصية بلا شك والكفارة له طاعة، وللكافرين بأحكام الشرع عذاب أليم في جهنم.
الله بكل شيء محيط [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٥ الى ٧]
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)
стр. 2419
المفردات:
يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: يعادونهما ويشاقونهما لأن كلا من المتعادين يكون في حد وجهة. كُبِتُوا: أهينوا وذلوا. نَجْوى المراد: التناجي، أى:
المسارة، مأخوذ من النجوة: وهي ما ارتفع من الأرض لأن المتسارين يخلوان بنجوة من الأرض.
المعنى:
أن الذين يحادون الله ورسوله، ويعادونهما بمخالفتهما، واتخاذ حدود غير حدودهما، وأحكام غير أحكامهما، هؤلاء كبتوا وأذلوا، وسيجزيهم الله خزيا مؤكدا، كما أذل من قبلهم من الكفار وأخزاهم، والحال أنا قد أنزلنا آيات بينات واضحات في من حاد الله ورسوله من الأمم قبلهم، وفيما فعلنا بهم، وللكافرين بتلك الآيات- ويدخل معها آيات القرآن من باب أولى- عذاب مهين يذهب بعزهم وكبرهم يوم يبعثهم الله جميعا بحيث لا يبقى منهم أحد، فينبئهم بما عملوا من القبائح.
كيف ينبئهم بأعمالهم كلها؟ الجواب: أحصاه الله تعالى عددا، ولم يفته- سبحانه- منه شيء، والحال أنهم قد نسوه، والله على كل شيء شهيد، لا يغيب عنه أمر من الأمور.
هذا استشهاد آخر على شمول علمه، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، بمعنى ما يقع من تناجى ثلاثة أو مسارة بينهم إلا كان الله رابعهم فيعلم نجواهم كما لو كان رابعهم في التناجي، ولا تكون النجوى بين خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك عددا، ولا أكثر إلا هو معهم بذاته علما وإحاطة أينما كانوا، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، ويجازيهم عليه، إن الله بكل شيء عليم، وهذا تذييل محكم.
стр. 2420
آداب المناجاة في الإسلام [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٨ الى ١٠]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)
المفردات:
بِالْإِثْمِ: هو ما حاك في صدرك وخفت أن يطلع عليه غيرك. الْعُدْوانِ المراد: عداوة الرسول والمسلمين. حَيَّوْكَ المراد: خاطبوك بالتحية، وفي المصباح: حياة تحية دعا له بالحياة، ومنه التحيات لله، أى: البقاء، ثم كثر استعمالها في مطلق الدعاء، ثم استعملت شرعا في دعاء مخصوص وهو: السلام عليكم.
حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ: كافيهم عذابها. بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى أى: بالطاعة والبعد عما نهى الله.
سبب النزول:
قال ابن عباس: نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فيقول المؤمنون: لعلهم بلغهم عن إخواننا وقرابتنا من المهاجرين والأنصار قتل أو مصيبة أو هزيمة أو يسوؤهم ذلك فشكوا إلى رسول الله فنهاهم- أى: اليهود والمنافقين- عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى.