← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

المفردات: تُجادِلُكَ: تراجعك. يَظْهَرُونَ أى: يقولون لنسائهم: أنت على كظهر أمى، أى: في الحرمة. مُنْكَراً أى: قولا منكرا ينكره الشرع، ويأباه الطبع السليم. وَزُوراً: كذبا وبهتانا. فَتَحْرِيرُ أى: فعتق إنسان مؤمن كامل. أَنْ يَتَمَاسَّا أى: بالنكاح أو المتعة. تُوعَظُونَ أى: تزجرون به حتى لا تعودوا لمثله أبدا. كانت خولة بنت خويلد «١» الخزرجية تحت أوس بن الصامت أخى عبادة بن الصامت، وكانت حسنة الجسم فرآها زوجها ساجدة فنظر عجيزتها فأعجبه أمرها، فلما انصرفت أرادها فأبت فغضب عليها- قال الراوي: وكان أوس شخصا به شيء من جنون- فأصابه بعض حالاته فقال لها: أنت على كظهر أمى! وكان الإيلاء- وهو حلف الرجل على امرأته ألا يطأها مدة- والظهار من الطلاق في الجاهلية، فسألت خولة- وقد سمعت زوجها يظاهرها- النبي ﷺ عن ذلك فقال لها: «حرمت عليه» فقالت: والله ما ذكر طلاقا، ثم قالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي ووحشتي وفراق زوجي وابن عمى، وقد نفضت له بطني، فقال النبي: «حرمت عليه» فما زالت تراجعه ويراجعها حتى نزلت عليه هذه الآية. المعنى: قد سمع الله قول المرأة التي تجادلك في شأن زوجها- وهي خولة بنت ثعلبة- والحال أنها تشتكي إلى الله ضعفها وقلة حيلتها، وفراقها لزوجها ووحشتها، والله هو السميع بذاته لكل مسموع، البصير بذاته لكل مبصر، تقول عائشة- رضى الله عنها-: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وأنا وهي في حجرة واحدة، سمعتها وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله قائلة: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سنى وانقطع ولدي ظاهر

стр. 2417

منى، اللهم إنى أشكو إليك! فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية. فحقّا: إن الله سميع بصير بخلقه. هذه الفعلة التي هي عملية الظهار- قول الرجل لزوجه: أنت علىّ كظهر أمى- فتصبح محرمة عليه، ولا تعود إلا إذا كفّر كما سيأتى- هذه الفعلة ما حكمها؟. الواقع أن الظهار ممقوت شرعا، وهو قول منكر وزور، إذا أمك هي التي ولدتك وزوجك هي زوجك فلا يصح أن تجعل زوجك محرمة عليك كأمك أبدا. أبعد أن يقول الله: إن الظهار منكر من القول وزور وبهتان، وإنه لعفو غفور عما فرط؟ هل يشك عاقل في أن الظهار أمر محرم شرعا ولا يصح فعله؟ وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ ... وهذا تفصيل لحكم الظهار، وبيان لحكمه الخاص بعد بيان حكمه العام الذي يفيد أنه منكر وزور. والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لقولهم، أى: فيه، فعليهم كفارة شديدة والعود في الظهار لأنه مطلق في الآية اختلف فيه أئمة الفقه الإسلامى فالعود عند الشافعى يحصل بإمساك الزوجة المظاهر منها زمانا بعد الظهار يمكنه مفارقتها فيه ولم يفعل، فيعتبر عائدا في ظهاره، أى: أنه ظاهر ولم يتبعه بطلاق فيكون عائدا، وعند الأحناف يحصل باستباحته الاستمتاع بها مطلقا، وعند مالك يحصل بالعزم على الجماع وعند بعضهم بالجماع نفسه، والآية تحتمل كل هذا، ولم تخصص السنة الصحيحة شيئا. هذه الكفارة الواجبة على الزوج المظاهر العائد في ظهاره هي: عتق رقبة مؤمنة سليمة من كل عيب، هذا العتق يكون قبل أن يتماس الزوجان بالوطء، فلا يقرب المظاهر من امرأته ولا يباشرها ولا يتلذذ بها بشيء حتى يكفر، خلافا لمن يقول: المحرم الوطء فقط، فإن وطئها قبل التكفير استغفر الله وأمسك حتى يكفر كفارة واحدة فقط وإن وطئها مرارا، ذلك- والإشارة إلى هذه الكفارة المشددة- تؤمرون به، وتزجرون عن ارتكاب مثل هذا المنكر، فليس هذا الحكم المشدد لتكتسبوا ثوابا، بل هو للردع والزجر عن ارتكاب ما يسببه الظهار فمن لم يجد الرقبة ليعتقها فعليه صيام شهرين متتابعين فإن أفطر فيهما لعذر قيل: لا ينقطع التتابع، وقيل: ينقطع، أما إفطاره

стр. 2418

لغير عذر شرعي فإنه يقطع التتابع ويعيد من الأول، وهذا الصيام من قبل أن يتماسا كما في الكفارة، فمن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكينا من قبل أن يتماسا، لكل مسكين مد، وقيل: بل أكثر من المد «١» ، والمراد إشباع ستين مسكينا يوما بغالب قوت البلد. ذلك الذي وصفناه من التغليظ في الكفارة لتكونوا مطيعين لله تعالى، واقفين عند حدود الشرع لا تتعدوها، لئلا تعودوا للظهار الذي هو منكر شرعا وزور وبهتان، إذ فيه انفصام عرى الزوجية، والشرع حريص كل الحرص عليها، وسمى التكفير إيمانا لأنه طاعة، وتلك حدود الله التي تبين معصيته من طاعته، فالظهار معصية بلا شك والكفارة له طاعة، وللكافرين بأحكام الشرع عذاب أليم في جهنم. الله بكل شيء محيط [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٥ الى ٧] إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)

стр. 2419

المفردات: يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: يعادونهما ويشاقونهما لأن كلا من المتعادين يكون في حد وجهة. كُبِتُوا: أهينوا وذلوا. نَجْوى المراد: التناجي، أى: المسارة، مأخوذ من النجوة: وهي ما ارتفع من الأرض لأن المتسارين يخلوان بنجوة من الأرض. المعنى: أن الذين يحادون الله ورسوله، ويعادونهما بمخالفتهما، واتخاذ حدود غير حدودهما، وأحكام غير أحكامهما، هؤلاء كبتوا وأذلوا، وسيجزيهم الله خزيا مؤكدا، كما أذل من قبلهم من الكفار وأخزاهم، والحال أنا قد أنزلنا آيات بينات واضحات في من حاد الله ورسوله من الأمم قبلهم، وفيما فعلنا بهم، وللكافرين بتلك الآيات- ويدخل معها آيات القرآن من باب أولى- عذاب مهين يذهب بعزهم وكبرهم يوم يبعثهم الله جميعا بحيث لا يبقى منهم أحد، فينبئهم بما عملوا من القبائح. كيف ينبئهم بأعمالهم كلها؟ الجواب: أحصاه الله تعالى عددا، ولم يفته- سبحانه- منه شيء، والحال أنهم قد نسوه، والله على كل شيء شهيد، لا يغيب عنه أمر من الأمور. هذا استشهاد آخر على شمول علمه، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، بمعنى ما يقع من تناجى ثلاثة أو مسارة بينهم إلا كان الله رابعهم فيعلم نجواهم كما لو كان رابعهم في التناجي، ولا تكون النجوى بين خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك عددا، ولا أكثر إلا هو معهم بذاته علما وإحاطة أينما كانوا، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، ويجازيهم عليه، إن الله بكل شيء عليم، وهذا تذييل محكم.

стр. 2420

آداب المناجاة في الإسلام [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٨ الى ١٠] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) المفردات: بِالْإِثْمِ: هو ما حاك في صدرك وخفت أن يطلع عليه غيرك. الْعُدْوانِ المراد: عداوة الرسول والمسلمين. حَيَّوْكَ المراد: خاطبوك بالتحية، وفي المصباح: حياة تحية دعا له بالحياة، ومنه التحيات لله، أى: البقاء، ثم كثر استعمالها في مطلق الدعاء، ثم استعملت شرعا في دعاء مخصوص وهو: السلام عليكم. حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ: كافيهم عذابها. بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى أى: بالطاعة والبعد عما نهى الله. سبب النزول: قال ابن عباس: نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم وينظرون للمؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فيقول المؤمنون: لعلهم بلغهم عن إخواننا وقرابتنا من المهاجرين والأنصار قتل أو مصيبة أو هزيمة أو يسوؤهم ذلك فشكوا إلى رسول الله فنهاهم- أى: اليهود والمنافقين- عن النجوى فلم ينتهوا فنزلت الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى.

стр. 2421

وروى البخاري أن اليهود أتوا النبي ﷺ فقالوا: السام عليك- أى: الموت عليك- قالت عائشة: ففهمتها. فقلت: عليكم السام ولعنكم الله، وغضب عليكم، فقال- ﵊: مهلا يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف والفحش، قالت: أو لم تسمع ما قالوا؟ قال: أو لم تسمعي ما قلت ورددت عليهم؟ فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم وفي رواية أخرى: فأنزل الله تعالى: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ. المعنى: إن أمر هؤلاء الذين يؤمرون بترك شيء، وينهون عنه ثم يعودون إليه- إن أمر هؤلاء- لعجيب. ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى من المنافقين واليهود؟! حينما شكاهم المسلمون للنبي ﷺ فنهاهم عن ذلك، فعادوا لمثل فعلهم أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ؟! «١» ، ومع ذلك فهم يتناجون بما هو إثم عند أنفسهم، ووبال عليهم لأن ضرره عائد لهم، وبما هو عدوان على المؤمنين، وبما هو تواص بمخالفة الرسول ﷺ انظر إلى هؤلاء أيها المسلم، واحذر أن تكون ممن يتناجى بالإثم والعدوان ومعصية الرسول التي هي رمز لانتهاك القانون العام. ولقد جر ذكر بعض صفاتهم إلى ذكر صفة أخرى، تدل على سوء القصد، وخبث النية، فهؤلاء المنافقون واليهود كان يأتى بعضهم إلى النبي، ويحييه بتحية لم يشرعها الله، ولم يأذن بها، وهي قولهم: السام عليك، يريدون الدعاء عليه بالموت والهلاك، فكان النبي ﷺ يرد عليهم قائلا: وعليكم. ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد، بل يقولون في أنفسهم: هلا يعذبنا الله بما نقول! والمراد لو كان محمد نبيا لعذبنا الله بسبب قولنا هذا. والله يرد عليهم بقوله الفصل: حسبهم جهنم وكفى! يدخلونها، ويصطلون بنارها، فبئس المصير مصيرهم.

стр. 2422

يا أيها الذين آمنوا: إن مقتضى هذا الإيمان أن تمتثلوا أمر الله، وتبتعدوا عن كل ما يتنافى مع الإيمان الصحيح وخاصة التناجي بالإثم والعدوان، فلا تتناجوا كما يتناجى المنافقون واليهود، ولكن تناجيكم المشروع بالبر والتقوى، وبالخير الصالح، واتقوا الله في السر والعلن فإنه مطلع عليكم، ثم إليه تحشرون. روى عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتّى تختلطوا بالنّاس من أجل أن يحزنه» أى: من أجل أن يقع في نفسه ما يحزن لأجله إذ كثيرا ما يفهم أن الحديث عنه بما يكره. إنما التناجي سرّا أى: مع وجود من يظن شرّا من تزيين الشيطان ليحزن الذين آمنوا إذ قد فهموا من تناجى اليهود والمنافقين أن إخوانهم أصيبوا بشر، وليس التناجي بضارهم في شيء إلا بإذن الله، وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون، انظر إلى أدب القرآن في المناجاة، وكيف يوجهها إلى البر والتقوى، ويمنعها عن الإثم والعدوان؟! من أدب الإسلام في المجالسة [سورة المجادلة (٥٨) : آية ١١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) المفردات: تَفَسَّحُوا: توسعوا، يقال: فسح فلان لأخيه في مجلسه يفسح فسحا، أى: وسع له. انْشُزُوا يقال: نشز ينشز: إذا انتحى من موضعه، أى: ارتفع منه، وامرأة ناشز، أى: منتحية عن زوجها، وأصل النشز: ما ارتفع من الأرض وتنحى.

стр. 2423

المعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، وتحلوا بالخلق القرآنى: إذا قيل لكم: توسعوا في المجالس لإخوانكم فوسعوا يوسع الله لكم، فمن أفسح لأخيه في مجلسه، وأكرمه وسع الله عليه وأكرمه إذ الجزاء من جنس العمل. روى أن هذه الآية نزلت يوم الجمعة، وكان رسول الله ﷺ يومئذ في الصفة وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء أناس من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شماس، وقد سبقوا في المجلس، فقاموا حيال النبي ﷺ على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فلم يفسحوا لهم، فشق ذلك على النبي ﷺ فقال لمن حوله من غير أهل بدر: قم يا فلان وأنت يا فلان» بعدد القائمين من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم، وعرف النبي ﷺ الكراهية في وجوههم، فغمز المنافقون وتكلموا بأن قالوا: ما أنصف هؤلاء وقد أحبوا القرب من نبيهم فسبقوا إلى المكان، فأنزل الله- هذه الآية. فمن الآداب الإسلامية أن المكان لمن سبق، وأن الرجل لا يقام من مجلسه ليجلس فيه آخر، ولكن من الأدب أن تفسح لأخيك في المجلس، توسع له من غير أن تضار. وقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للقادم: فمنهم من أجازه محتجاّ بحديث «قوموا إلى سيّدكم» وقيل: هذا في الحاكم ورئيس القوم بشرط ألا يتخذ عادة وشعارا كما نفعل الآن، ومنهم من منع ذلك محتجاّ بحديث «من أحبّ أن يتمثّل له الرّجال قياما فليتبوّأ مقعده من النّار» . وكان النبي ﷺ يجلس حيث ينتهى به المجلس. وإذا قيل لكم: انشزوا، وانهضوا للخير فانشزوا وارتفعوا يرفع الله الذين آمنوا منكم- وخاصة العلماء- يرفعهم درجات في الدنيا والآخرة، والله بما تعملون خبير. نجوى الرسول [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١٢ الى ١٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣)

стр. 2424

المفردات: أَأَشْفَقْتُمْ: أخفتم الفقر من تقديم صدقة بين يدي نجواكم؟ كان النبي ﷺ سمحا كريم الخلق لين الجانب لهذا كثرت مناجاة الناس له في غير حاجة، وما دفع أكثرهم إلا حب الناس التظاهر فنزلت هذه الآية. المعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا أردتم مناجاة الرسول والتحدث إليه سرّا في أمر من الأمور، فقدموا بين يدي «١» نجواكم صدقة، أى: فتصدقوا قبلها، ولعل السر في ذلك تعظيم الرسول، ونفع الفقراء، وتمييز المخلص من المنافق، ومنع تكاثر الناس عليه بدون حاجة، وذلك التقديم خير لكم وأطهر، فإن لم تجدوا شيئا فإن الله غفور رحيم، وهل الأمر في ذلك للندب، أو هو للوجوب ثم نسخ بالآية الآتية؟ قولان: على أن الصدقة هنا لم تحدد لتشمل القليل والكثير، والمشهور أنه لم يعمل بهذه الآية غير علىّ، فقد روى عن علىّ- رضى الله عنه- أنه قال: إنه في كتاب الله تعالى آية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي هي آية النجوى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ.

стр. 2425

فلما نزل قوله تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ قال ﷺ : «خفّف الله عن هذه الأمّة» . وهكذا الإنسان شحيح بطبعه، محب للمال بغريزته، فإن لم تفعلوا ما ندبتم إليه أو ما أمرتم به هنا، وقد تاب عليكم، ورخص لكم المناجاة بدون صدقة، مع أنها خير لكم وأطهر إن لم تفعلوا فأقيموا الصلاة لتقوم نفوسكم، وأدوا الزكاة لتطهر أموالكم، وتحصنها، وأطيعوا الله ورسوله، والله خبير بما تعملون. ومن هنا يجب أن نعلم أنه يستحسن أن تقدم خيرا عند طلبك من الله شيئا وقبل دعائك له! موالاة غير المؤمنين [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١٤ الى ٢٢] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)

стр. 2426

المفردات: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ: غلب على عقولهم. حِزْبُ الشَّيْطانِ: أتباعه وأنصاره. يُوادُّونَ: يصادقون. أَوْ عَشِيرَتَهُمْ العشيرة: هي الأهل والأقارب. بِرُوحٍ مِنْهُ: بقوة وطمأنينة من عنده. المعنى: انظر يا من يتأتى منه النظر- متعجبا- إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم، وهم اليهود، وقد تولاهم المنافقون يسرون إليهم بالمودة، ويحلفون لهم إنهم لمعكم، ويعلم الله أن المنافقين لكاذبون، كيف يتولون قوما غضب الله عليهم؟ حالة كونهم ما هم منكم، ولا منهم، أى: هؤلاء الذين تولوا اليهود ليسوا من المؤمنين الخلص، ولا من الكافرين الخلص بل هم مذبذبون بين ذلك، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء «١» .

стр. 2427

روى أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن نبتل، المنافق- وكان أزرق أسمر قصيرا خفيف اللحية- وكان ﷺ يجالسه، ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا نحن جلوس مع النبي في إحدى حجراته إذ قال: «يدخل عليكم الآن رجل قلبه جبّار وينظر بعيني شيطان» فدخل عبد الله بن نبتل، فقال النبي له: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فحلف بالله ما فعل، فقال له النبي: «فعلت» فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه، فنزلت الآية . وهذا معنى قوله تعالى: وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ «١» نعم حلفوا بالله أيمانا فاجرة، وهم يعلمون أنهم كاذبون، وتلك هي اليمين الغموس. هؤلاء أعد الله لهم عذابا شديدا، وهو الدرك الأسفل من جهنم، إنهم بئس العمل عملهم؟ هؤلاء اتخذوا أيمانهم الفاجرة الكاذبة جنة ووقاية لهم حتى أمنوا القتل، وفي قراءة «إيمانهم» أى: الظاهري كان وقاية لهم من القتل، فصدوا المؤمنين عن سبيل الله، وهو جهادهم بقتلهم وأخذ أموالهم، وقيل: صدهم عن سبيل الله بإلقاء الأراجيف وتثبيط المسلمين عن الجهاد وتخويفهم من القتل، وقد كان المنافقون كذلك، ويترتب عليه أن لهم عذابا ذا إهانة في الدنيا والآخرة، لن تنفعهم أموالهم التي جمعوها، ولا أولادهم الذين يعتزون بهم، ولن يغنوا عنهم من عذاب الله شيئا من الإغناء، وكيف تنفعهم في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون؟ أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. اذكر يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له أنهم مؤمنون، وما علموا أن ذلك لا ينفعهم أبدا ولا يليق بعاقل أبدا، يحلفون لله كما يحلفون لكم، ويحسبون أنهم على شيء من منفعة بسبب يمينهم، ألا إنهم هم الكاذبون المبالغون في الكذب، حيث كذبوا بين يدي علام الغيوب يوم القيامة في الحال التي يؤمن فيها الفاجر، فلا عجب إذ يحلفون لكم الآن، ولسائل أن يسأل عن السبب في هذا، والجواب: أنه استحوذ عليهم الشيطان فملك عنانهم، وغلب على عقولهم حتى اتبعوه بلا عقل ولا روية، وهذا هو سبب كذبهم وضلالهم السابق، استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، حتى نسوا أنفسهم

стр. 2428

فتركوها ترتكب الآثام والأباطيل، أولئك- والإشارة لبعدهم في الغواية والبهتان- حزب الشيطان وجماعته المتجمعون على الإثم والعدوان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون، وأى خسارة بعد هذا؟ إن الذين يحادون الله ورسوله «١» بمخالفة أمره، واتباع الشيطان أولئك في عداد الأذلين، لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. وما سبب ذلك! الجواب: كتب الله لأغلبن أنا ورسلي، أى: قدر وأراد إرادة مؤكدة كأنه أقسم عليها، ولذا جاء الجواب باللام المؤكدة في قوله: لأغلبن أنا ورسلي وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ «٢» ولا غرابة إن ربك لقوى قادر عزيز غالب. لا تجد قوما يؤمنون بالله ورسوله حقا إيمانا كاملا، يوادون من حاد الله ورسوله بقلوبهم مخلصين، والغرض من هذا الأسلوب بيان أنه لا ينبغي أن يجتمع في قلب واحد إيمان كامل مع موادة الكفار. وحقه أن يمتنع، ولا يوجد بحال وهذه مبالغة في النهى عنه والزجر عن سلوك طريقه والمنهي عنه الإخلاص القلبي للكافر، ولو كان أبا أو ابنا أو أخا أو من العشيرة، وقد كان الصحابة لا يفضلون على حب الله ورسوله شيئا، بل بعضهم قتل وصفع وأهان بعض أقاربه في سبيل الله أولئك الممتثلون أمر الله الذين يرون حلاوة الإيمان في حب الله ورسوله. وهم بالطبع لا يوادون أعداء الله وأعداء الإسلام والقرآن أولئك كتب الله في قلوبهم الإيمان وثبته، وأيدهم بروح من عنده وأنار قلوبهم للحق فاعتنقوه، وسيدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، رضى الله عنهم، ورضوا عنه أولئك حزب الرحمن المختصون بالقرآن ألا إن حزب الله هم المفلحون وحدهم وأى فلاح بعد ذلك؟!!

стр. 2429

سورة الحشر وتسمى سورة بنى النضير، وهي مدنية بالإجماع، وعدد آياتها أربع وعشرون آية، وتشتمل السورة على قصة إجلاء بنى النضير، وحكم الفيء في الإسلام، وموقف المنافقين من بنى النضير، ثم وعظ المسلمين بالتقوى وموجباتها. إجلاء بنى النضير [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥)

стр. 2430

المفردات: سَبَّحَ لِلَّهِ أى: نزهه وقدسه. لِأَوَّلِ الْحَشْرِ: في وقت أوله، أى: عند الحشر الأول، والثاني إخراجهم من خيبر إلى الشام. حُصُونُهُمْ، جمع حصن وهو: ما يمنع صاحبه من العدو. يَحْتَسِبُوا أى: لم يخطر لهم على بال. وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ أى: ألقى فيها الخوف إلقاء كإلقاء الحجارة في البئر. الْجَلاءَ: الخروج الجماعى. شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ: عادوه حتى كأنهم في شق وهو في شق. لِينَةٍ هي: النخلة مطلقا، وقيل: هي الكريمة فقط، وقد تطلق على أغصان الشجر. إجلاء بنى النضير يحتاج فهمه إلى مقدمة تاريخية بسيطة، تتلخص في أن النبي ﷺ حينما هاجر إلى المدينة وادع اليهود، وعقد معهم العهود على أن لا يقاتلهم، ولا يقاتلوه. وظل الحال كذلك حتى وقع ما جعل المسلمين يحاصرون بنى قينقاع ويجلونهم عن المدينة، عقب غزوة بدر، ثم كانت غزوة أحد التي هزم فيها جيش المسلمين، وكان لهذا أثر عميق في نفوس المنافقين واليهود، وقبائل العرب مما كان سببا في حوادث تتابعت كيوم الرجيع- وفيه قتلت هذيل ثلاثة من خيار الصحابة وأسرت ثلاثة قتلت منهم واحدا في الطريق، وباعت اثنين لقريش قتلوهما، وهما زيد بن الدثنة وخبيب- ويوم بئر معونة، وفيه قتل من المسلمين أربعون غيلة. ووجد المنافقون واليهود فيما أصاب المسلمين في بئر معونة والرجيع، وغزوة أحد ما شجعهم على الانتقاص من محمد وصحبه، ووجدوا ما أضعف في نفوسهم هيبته، وفكر النبي ﷺ كثيرا في هذا الأمر، وعمل على تقوية الجبهة الداخلية حتى لا يكون هناك خلاف في وجهة النظر في المدينة وما حواليها، ورأى النبي من الحكمة السياسة أن يستطلع نوايا اليهود فذهب يوما إلى بنى النضير يسألهم المعونة في دية قتيلين قتلهما أحد المسلمين خطأ وهما من بنى عامر حلفائهم، ذهب إليهم في عشرة من أصحابه. فلما ذكر لهم ما جاء من أجله أظهروا الغبطة والسرور، إلا أنهم بدت فيهم حركة مريبة وأنهم يدبرون قتله على يد عمر بن جحش بن كعب اليهودي بواسطة حجر يلقيه على النبي من فوق السطح وهو جالس بجوار الجدار، فلما أطلعه الله على ذلك خرج الرسول وحده وقصد المدينة، وظن من معه من الصحابة أنه قام لبعض شأنه فلما

стр. 2431

استبطئوا النبي طلبوه فعلموا أنه قصد المدينة ودخل المسجد، فلما ذكر ما رابه من أمر اليهود، ومن اعتزامهم الغدر به، قرر المسلمون إجلاءهم من المدينة حتى يهدأ الجو، ويصفو، فأرسل النبي لهم محمد بن مسلمة وقال لهم على لسان الرسول: «اخرجوا من بلادي لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي ولقد أجلتكم عشرا فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه» ضاقت الدنيا في وجه بنى النضير وتشاوروا في أمرهم وبينا هم كذلك إذ جاءهم رسول عبد الله بن أبى المنافق يشير عليهم بالبقاء والتحصن، ويعرض عليهم ألفين من قومه وغيرهم، فانتهى الأمر فيما بينهم إلى التحصن بالحصون، وظنوا أنها تمنعهم من النبي ﷺ . أما المسلمون فساروا إليهم وحاصروهم عشرين ليلة، وأمر النبي المسلمين أن يقطعوا نخلهم ويحرقوه حتى لا تبقى اليهود متعلقة بأموالها متحمسة لديارها، وجزع اليهود، ونادوا يا محمد: قد كنت تنهى عن الفساد وتعيب من يصنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها!! وفي ذلك نزل قوله: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها الآية. المعنى: يخبر الحق- ﵎ بأن جميع ما في السموات وما في الأرض يسبحه ويقدسه ويصلى له ويوحده، وينقاد له ويسجد تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ «١» وكيف لا يكون ذلك كذلك! وهو العزيز الجناب الحكيم الفعال، ومن مظاهر هذا إجلاء بنى النضير الذي ذكر في قوله تعالى بما معناه: هو الحق سبحانه الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب- وهم بنو النضير- من ديارهم وأموالهم بعد ما نقضوا العهود، وعادوا الرسول والمؤمنين، أخرجهم في وقت الحشر الأول من ديارهم. سبحانه أخرج بنى النضير من ديارهم رغم كثرة عددهم، ووفرة عددهم، وقرب بنى قريظة وأهل خيبر منهم، وعرض المنافقين مساعدتهم عليهم، لهذا كله ما ظن المسلمون أنهم يخرجون، وقد ظنوا أن حصونهم تمنعهم من بأس الله إذا جاءهم، فما أغنى عنهم من ذلك شيء أبدا، وجاءهم من الله ما لم يكن ببالهم، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، وكيف لا ... ! والنبي نصر بالرعب من مسيرة شهر، فكان ما أراد

стр. 2432

المسلمون وصالحوهم على أن يخرجوا من ديارهم، ولكل ثلاثة منهم بعير، يحملون عليه ما شاءوا من مال أو طعام أو شراب ليس لهم غيره، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم ليأخذوا ما غلا ثمنه وخف حمله يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ وتفكروا في عاقبة من خاف الله ورسوله، ومن لم يخف الله ورسوله!! ولولا أن كتب الله عليهم هذا الجلاء لكان لهم عذاب في الدنيا أشد، وهو القتل والأسر، ولهم في الآخرة على كفرهم عذاب النار. ذلك كله بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله وعادوه، وأرادوا قتله، وأطلقوا عليه ألسنتهم وأيديهم بالسوء، ومن يشاقق الله ورسوله، فإن الله شديد العقاب، وانظر إلى القرآن حيث جعل عداوة الرسول عداوة لله، كما أن طاعته كذلك. وقد كان المسلمون أثناء الحصار يقطعون نخيلهم ويحرقونه، فقيل: إن هذا سعى في الأرض بالفساد والله حرمه، فأجاب العزيز الحكيم بقوله: ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها كما هي بلا قطع فذلك كله بإذن الله وأمره، وفي هذا خير بلا شك، والله أمر بهذا ليعز المؤمنين، وليذل ويخزى الفاسقين. الفيء وحكمه [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٦ الى ١٠] وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠)

стр. 2433

المفردات: وَما أَفاءَ المراد: ما رده الله على رسوله، والفيء في اصطلاح علماء الإسلام ما أخذ من الكفار بلا حرب ولا إيجاف خيل، بخلاف الغنيمة، فإنها ما أخذت بحرب، ولكل تقسيم يخالف الآخر. فَما أَوْجَفْتُمْ وجف الفرس والبعير وجيفا: عدا، وأوجفه: جعله يعدو أى: يسرع في الجري. مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ: الخيل معروفة، والركاب: هي الإبل خاصة. دُولَةً يقال: تداول القوم الكرة: كانت في يد هذا ثم في يد هذا، والاسم الدّولة- بضم الدال وفتحها- وقال بعضهم: الدولة في الملك، والدولة في الملك. تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ: اتخذوها مباءة ومنزلا مع الإيمان. وَيُؤْثِرُونَ والإيثار: هو تقديم الغير على النفس في أعراض

стр. 2434

الدنيا. خَصاصَةٌ: حاجة. شُحَّ نَفْسِهِ الشح: لؤم الطبع ويلزمه البخل مع الحرص. غِلًّا: حقدا وحسدا. وهذا شروع في بيان حكم الأموال التي أخذت منهم بعد بيان ما حل بهم في الدنيا، وما أعد لهم في الآخرة، ثم استطرد فذكر أصناف المؤمنين الذين يستحقون الفيء. المعنى: وما أعاده الله على رسوله من أموال بنى النضير فما ركبتم لأجلها خيلا ولا إبلا ولا تجشمتم في تحصيلها مشقة، ولا لقيتم بها حربا، ولذا كانت هذه الأموال لرسول الله بعد تقسيم خمسها على مستحقيه كما في الآية. ولكن الله يسلط رسله على من يشاء من أعدائه، وفي هذا بيان أن الأموال للرسول وليست لأصحابه لأنهم لم يوجفوا لها خيلا، ولم يركبوا لها إبلا، ولم يقاسوا فيها شدة من شدائد الحرب، والله على كل شيء قدير يسلط من يشاء على من يشاء. وكأن الله خلق المال والمتاع ليتقرب به العبد إلى ربه، فإذا صرف في غير محله، واستولى عليه الكفار ليصرفوه في غير وجهه فقد خرج عن وضعه الأصلى، ثم إذا عاد إلى المسلم الذي ينفقه في وجوه الخير فقد عاد إلى الوضع الأول، ولذا عبر الله بقوله: ما أفاء الله على رسوله. وكأن سائلا سأل وقال: قد علمنا حكم ما أفاء الله على رسوله من أموال بنى النضير، فما حكم الفيء إذا كان من غيرهم؟ والجواب هو: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. والفيء يقسم خمسة أقسام: خمس منها يقسم خمسة أخماس: سهم لله وللرسول، كان له في حياته ثم يصرف على مصالح المسلمين بعد وفاته، وسهم لذوي القربى من أقارب الرسول وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل، وأما الأربعة أخماس الباقية فهي للنبي ﷺ خاصة، وقد وزعها في حياته على المهاجرين ولم يعط من الأنصار إلا رجلين أظهرا الفقر، وبعد وفاته تصرف للمرتزقة من الجند، أى: للجيش ما لم يوجد لهم تبرع أو مرتب خاص، أما الغنيمة

стр. 2435

فتقسم خمسة، خمس لهؤلاء الخمسة كما في سورة الأنفال، والأربعة الأخماس الباقية للمقاتلين الذين حضروا المعركة على ما مر بيانه في سورة الأنفال، وإنما كان تقسيم الفيء على هذا النظام كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم يتداولونه بينهم، ويحرم الفقير منه، فإذا يفهم من هذا التعليل أن هذا المال يصرف للفقراء المحتاجين كما أنفقه النبي على المهاجرين دون الأنصار. أيها المسلمون: ما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله، وهذا هو دستور الإسلام الحق الجامع لكل أمر ونهى، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ في سبيل الله فكأن الله قال: أعنى بأولئك الأربعة- لذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل «١» هؤلاء الفقراء المهاجرين والأنصار والتابعين وقال بعضهم: اعجبوا لهؤلاء الفقراء حيث تركوا الأوطان والأموال وتحملوا الضيق والتغرب في حب النبي ﷺ وهل الفقر شرط في إعطائهم أو لا؟ قولان. للفقراء المهاجرين الذي أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله حالة كونهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا ناوين نصرة الرسول ودينه، أولئك الموصوفون بما ذكر من الصفات الجليلة هم الصادقون في دعوى الإيمان حيث نالهم ما نالهم من أجله. وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ هم الأنصار- رضى الله عنهم- نزلوا المدينة واتخذوها مباءة ومنزلا للإسلام، وموئلا له، وألفوا الإيمان وأخلصوا له من قبل هجرة المهاجرين إليهم، يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين، ولا يجدون في صدورهم حسدا ولا غيظا مما أوتوا- أى: مما أعطى المهاجرون من الفيء وغيره- مع حرمانهم منه، فنفوسهم لم تتبع ما أعطى المهاجرون ولم تطمح إلى شيء منه تحتاج إليه، على أنهم يؤثرون على أنفسهم غيرهم، ويقدمون المهاجرين على أنفسهم في كل شيء من الطيبات مع الحاجة إليه، حتى إن من كان عنده امرأتان نزل لأخيه المهاجر عن واحدة

стр. 2436

وخيره فيهما، وهذا هو مظهر الإخاء الذي فعله النبي ﷺ عند ما استقر بالمدينة، وهذا بلا شك يدل على صفاء النفس من أكدار المادة والدنيا ويدل على قوة الروح ومبلغ العزوف عنها، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون لا غير، فالشح داء عضال لا يصدر عنه خير، وهو سبب الكثير من الجرائم. والذين جاءوا من بعدهم إلى الدين الجديد حيث تأخر زمانهم، أو جاءوا بعد المهاجرين وآمنوا بعد الفتح واستتباب الدولة الإسلامية حالة كونهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فهي أخوة في الدين، ولا شك أنها أعز من أخوة النسب، اللهم لا تجعل في قلوبنا غلا ولا حقدا للذين آمنوا مطلقا، ربنا إنك رءوف بنا رحيم بخلقك، ومن هذا يظهر موقف الصحابة ومكانتهم، وأن الواجب أن ندعو لهم بخير وأن نفهم فيهم الصدق والإخلاص الكامل، وفي الحديث: «أصحابى كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» . هكذا المنافقون واليهود [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١١ الى ١٧] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)

стр. 2437

المفردات: لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ: ليفرن من الميدان. رَهْبَةً: خوفا. جُدُرٍ: سور. بَأْسُهُمْ: حربهم. جَمِيعاً: مجتمعين. شَتَّى: متفرقة. وَبالَ أَمْرِهِمْ: عاقبة كفرهم. وهذه هي صفات المنافقين واليهود وخلالهم التي تدعو إلى العجب بعد ذكر صفات المؤمنين على اختلاف طبقاتهم. المعنى: انظر- يا من يتأتى منه النظر- متعجبا إلى الذين نافقوا في إيمانهم وبعثوا إلى بنى النضير- كما سبقت إشارتنا إليه، وهو ما فعله عبد الله بن أبى بن سلول- يقول هؤلاء المنافقون لإخوانهم الذين كفروا من اليهود، وهم بنو النضير، وكانوا إخوانهم في الدين والكفر والصداقة يقولون: والله لئن أخرجتم من دياركم كما يطلب محمد وصحبه منكم لنخرجن معكم، ولا نطيع في شأنكم أحدا يمنعنا من الخروج وإن طال الزمن، وو الله لئن قوتلتم لننصرنكم، ولنعاوننكم على عدوكم، ولو كانوا هم المسلمين.

стр. 2438

والله يشهد إن المنافقين لكاذبون في مواعيدهم وعهودهم المؤكدة بالأيمان، والله لئن أخرج اليهود لا يخرجون معهم لأنهم منافقون، وو الله لئن قوتل اليهود، أى: بنو النضير لا ينصرهم المنافقون أبدا، وهذا وعد وإخبار بالغيب وقد تحقق ذلك كله، ولئن نصروهم- فرضا وتقديرا- ليولن الأدبار ويمنعون في الفرار، ولا يلوون على شيء فإنهم المنافقون وكفى! لأنتم- أيها المسلمون- أشد رهبة في صدورهم من الله- فهم يرهبونكم في السر رهبة أشد مما يظهرونه لكم من رهبة الله- ذلك بسبب أنهم قوم لا يفقهون ولا يعرفون عظمة الله فيخشونه حق خشيته. لا يقاتلونكم- أى: اليهود والمنافقون- جميعا إلا في قرى محصنة بالتحصينات التي عرفوها والتي ستعرف في المستقبل، أو من وراء جدار، نعم رأيناهم في حروب فلسطين لا يقاتلون الناس إلا كذلك، فإن أفئدتهم هواء، وقلوبهم مليئة بالجبن والخور والضعف وحب الدنيا وكراهية الموت والخوف الموروث من المسلمين، وهم إن أبدوا شجاعة ظاهرية لا تلبث أن تذهب، ولقد صدق الله في وصفهم هذا الوصف الدقيق: بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ فهم كما يقول الشاعر: وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا وما أروع قول الله: بَيْنَهُمْ أما إذا كان البأس والحرب بينهم وبين غيرهم كانوا أجبن من الجبن، تحسبهم جميعا مجتمعين، والواقع أن قلوبهم واتجاهاتهم شتى، الله يقول ذلك عن اليهود، وهو أصدق القائلين، بقي من يقاتلهم هل هو مثلهم أو أشد، أم أصبح المسلمون تتوزعهم الفرقة والخلافات والإحن والتارات وأصبحوا يجرون وراء أمريكا وانجلترا، وتركوا دينهم وقرآنهم وراءهم ظهريّا!! ولا حول ولا قوة بالله!! أيها المسلمون: تشجعوا واتحدوا، ولا يهمنكم أمر تلك الشرذمة من العصابات اليهودية مهما ساعدتها أمريكا وإنجلترا وروسيا فإنه يقول: تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون. مثل اليهود من بنى النضير كمثل الذين من قبلهم حيث ذاقوا وبال أمرهم، وعاقبة

стр. 2439

كفرهم قريبا، فلم تتأخر عقوبتهم إلى يوم القيامة، ولهم عذاب النار، وقد كان ذلك مع المشركين يوم بدر، ومع بنى قريظة قبل بنى النضير. ومثل المنافقين الذين وعدوا بنى النضير بالمساعدة ثم خانوهم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان: اكفر، وأغراه على الكفر، فلما كفر بالله وعصى رسله، ووقع في عاقبة كفره تبرأ الشيطان منه ولم يقف معه وقال كذبا ورياء: إنى برىء منك إنى أخاف الله رب العالمين، فكان عاقبتهما- لمن وسوس بالكفر ومن كفر- أنهما في النار خالدين فيها، وذلك جزاء الظالمين مطلقا. التقوى وموجباتها [سورة الحشر (٥٩) : الآيات ١٨ الى ٢٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)

стр. 2440

المفردات: لِغَدٍ المراد به: يوم القيامة، أطلق عليه لقربه وتحقق وقوعه كالغد «١» . الْمَلِكُ: المالك المتصرف في خلقه وملكه تصرفا تاما. الْقُدُّوسُ: البليغ في البعد عن النقص، أو الكامل في ذاته وصفاته وأفعاله. السَّلامُ: ذو السلامة من كل نقص وعيب. الْمُؤْمِنُ: المصدق لنفسه ورسله فيما بلغوه عنه بالقول أو خلق المعجزات على أيديهم، أو واهب الأمن لعباده. الْمُهَيْمِنُ: الرقيب الحافظ لكل شيء، مأخوذ من قولهم: أمن الراعي الذئب على غنمه: إذا حفظهم حفظا كاملا من كل سوء. الْعَزِيزُ: الغالب، من عز إذا غلب، أو هو الذي لا مثل له، من قولهم: هذا شيء عزيز أو نادر المثال. الْجَبَّارُ: الذي جبر خلقه على ما أراد. الْمُتَكَبِّرُ: البليغ الكبرياء والعظمة. الْخالِقُ: المقدر لخلقه على حسب ما تقتضيه حكمته. الْبارِئُ: الموجد لخلقه بريئا من التفاوت المخل به. الْمُصَوِّرُ: الموجد لصور الأشياء وكيفياتها. الْأَسْماءُ الْحُسْنى: الأسماء الدالة على محاسن المعاني. ما مضى كان في الكلام على اليهود والمنافقين، وبيان نهايتهم في الدنيا والآخرة، ولما أتم هذا شرع في وعظ المسلمين وتنبيههم إلى يوم القيامة وما فيه، وأنه لا يستوي العاصي والمطيع، ولفت نظرهم إلى القرآن الكريم وما فيه، ثم ذكر بعض صفات الحق- ﵎ التي تغرس في النفوس الإيمان الصحيح، والعقيدة الراسخة وكان هذا ختاما للسورة ما أجمله!!

стр. 2441

المعنى: يا أيها الذين آمنوا: اتقوا الله حيثما كنتم، وفي أى عمل عملتم، ولتنظر كل نفس إلى أى شيء قدمته من الأعمال ليوم القيامة، ولتحاسب نفسها عما عملت، قبل أن تحاسب هي عليه، وفي هذا حث عظيم على النظر فيما ينفع لغد، وبيان أن النظر فيه قليل، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون، وسيجازيكم عليه إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر. وإياكم أن تكونوا كالذين نسوا حقوق الله وما قدروا الله حق قدره، ولم يراعوا الواجب عليهم نحو الذات الأقدس- جل شأنه- لا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم الله بسبب ذلك أنفسهم فلم يعملوا لخيرها، ولم يحصلوا ما يخلصها يوم القيامة، أولئك الذين نسوا الله هم الفاسقون الكاملون في الفسق والفجور، فإياكم أن تكونوا مثلهم، واعلموا أنه لا يستوي أصحاب النار الذين عملوا لها حيث خالفوا أمر الله في كل شيء وأصحاب الجنة الذين اتقوا الله فاستحقوا الخلود في الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون وحدهم، وفي هذا تنبيه للناس وأى تنبيه؟ وإيذان لهم بأنهم لفرط غفلتهم وقلة تفكيرهم في الآخرة وأحوالها، كأنهم لا يعرفون أن هناك فرقا بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وهذا كما تقول لمن يسيء إلى أخيه: هذا أخوك. يا أيها الذين آمنوا: ألم تعلموا أن معكم حبل الله المتين، وكلامه الكريم، وقرآنه المجيد، فكيف لا تتعظون به؟ وكيف لا تملأ قلوبكم خشية عند سماع كلامه؟ مع العلم أنه لو أنزل هذا القرآن على جبل، وكان له عقل يميز- مع أن الجبل علم في القساوة- لرأيته خاشعا متشققا من خشية الله، وهذا تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن وقوة تأثير ما فيه من المواعظ والزواجر. وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون. واعلم أن الذي أنزل القرآن وأمر بالتقوى هو الله- ﷻ واجب الوجود أزلا وأبدا، الحاضر الذي لا يزول، المعبود فلا أحد يستحق العبادة غيره ولا معبود بحق

стр. 2442

سواه، هو الرحمن الرحيم بخلقه في الدنيا والآخرة وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ «١» هو الله الذي لا إله إلا هو، صاحب الملك والملكوت بيده الأمر أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ «٢» يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو على كل شيء قدير، هو الملك القدوس المتنزه عن كل نقص وعيب، الكامل في كل شيء، ذو السلامة من كل ما يشينه ذاتا وصفات وأفعالا، وهو المؤمن المصدق لنفسه ولرسله بما أنزل من كتاب وما خلق من معجزات، وهب الأمن لعباده في الدنيا والآخرة، وهو المهيمن والرقيب على خلقه وملكه، أو هو الذي أمن على خلقه وملكه من كل شيء لإحاطة علمه وكمال قدرته، وهو العزيز الجبار الذي جبر خلقه على ما أراد، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، وهو المتكبر الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله، والكبرياء في صفات الله مدح، وفي صفات المخلوقات ذم، وفي الصحيح عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال فيما يرويه عن ربه- ﵎ أنه قال: «الكبرياء ردائي والعظمة إزارى فمن نازعنى في واحدة منهما قصمته قذفته في النّار» . سبحانه وتعالى عما يشركون!! هو الله الخالق المقدر لكل شيء، البارئ لهذا الكون والموجد له خاليا من تفاوت يخل به، وهو الذي أوجد صوره على حسب حكمته وإرادته. لله سبحانه الأسماء الحسنى الدالة على محاسن المعاني وفضائلها وأشرافها. يسبح له لأجل هذا كل ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم الجامع للكمال كله. روى عن ابن عباس: اسم الله الأعظم في ست آيات من آخر سورة الحشر، وفي رواية عن البراء عن علىّ- رضى الله عنهما- أنه قال: يا براء إذا أردت أن تدعو الله باسمه الأعظم فاقرأ من أول سورة الحديد عشر آيات. وآخر الحشر ثم قل: يا من هو كذلك، وليس شيء هكذا غيره، أسألك أن تفعل لي كذا وكذا . والعبرة في هذا كله بالإخلاص وصفاء الروح، والقرآن كله- وخاصة أمثال هذه الآيات- مما يصفى الروح، وينقيها ويجعل دعاءها مقبولا ... نفعنا الله بالقرآن آمين.

стр. 2443

سورة الممتحنة وهي مدنية في قول الجميع، وعدد آياتها ثلاث عشرة آية. وهذه السورة تحدد موقف المسلمين من المشركين تحديدا تامّا من ناحية الصلة والمودة، ومن ناحية القتال والمسالمة، ومن ناحية العلاقة الزوجية القائمة بين المسلم وغيره، وكيف بايع النبي ﷺ النساء، وفي الختام- كما في البدء- النهى عن موالاة الكفار. موالاة الكفار وعلاقتنا بهم [سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)

стр. 2444

المفردات: أَوْلِياءَ جمع ولى، والمراد به الصديق الذي توليه بالسر. بِالْمَوَدَّةِ المراد: النصيحة. مَرْضاتِي: رضائى. يَثْقَفُوكُمْ: يظفروا بكم. أَرْحامُكُمْ: قرابتكم. أُسْوَةٌ: قدوة حسنة. بُرَآؤُا: جمع برىء، أى: لا نعتد بكم ولا بشأن آلهتكم. وَبَدا: ظهر. الْعَداوَةُ: ضد

стр. 2445

الصداقة والمحبة، والبغضاء: وهي شدة البغض، ضد المحبة. فِتْنَةً أى: مفتونين للذين كفروا، أى: معذبين بسببهم أو بسبب غيرهم. مَوَدَّةً: صلة وقربى. وَتُقْسِطُوا أى: تحكموا بينهم بالعدل. الْمُقْسِطِينَ: العادلين. وَظاهَرُوا أى: وعاونوا الغير وتعاونوا على إخراجكم. روى الأئمة- واللفظ لمسلم- عن على- رضى الله عنه- قال: «بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: ائتوا روضة خاخ- موضع بين مكة والمدينة- فإن بها ظعينة، أى: امرأة في هودج، معها كتاب فخذوه منها» قال علىّ: فانطلقنا مسرعين حتى أدركنا المرأة، وطلبنا منها الكتاب فأبت أول الأمر، فلما رأت منا الجد والإصرار والتهديد أخرجت الكتاب من عقاصها- شعرها- فأتينا به رسول الله، فإذا هو من حاطب بن أبى بلتعة إلى مشركي مكة يخبرهم ببعض أمر الرسول. فقال رسول الله: يا حاطب ما هذا؟ قال: لا تعجل علىّ يا رسول الله، إنى كنت امرأ ملصقا في قريش فأحببت أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال النبي ﷺ «صدق» وهم عمر يضربه بالسيف، فأجيب بأنه من أهل بدر، وأنزل الله- هذه الآية ، وفي معناه نزلت آيات عدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة ٥١] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران ٢٨] ... إلخ. المعنى: يا أيها الذين اتصفتم بالإيمان: لا يليق بكم- لأجل هذا الوصف- أن تتخذوا عدو الله وعدوكم «١» أولياء وأصدقاء، ولو في الظاهر، فالله ينهانا عن موالاتهم والإسرار إليهم بأخبارنا، ولو كان هذا في الظاهر، لا عن عقيدة وإيمان: لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء حالة كونكم تلقون إليهم بالمودة، وتسرون إليهم بها كما فعل أخوكم حاطب بن أبى بلتعة عن حسن نية، لا تتخذوهم أولياء والحال أنهم كفروا بما جاءكم من الحق والقرآن، فأنتم مؤمنون به مصدقون له، وهم كافرون فبينكم عداوة شديدة في العقيدة فكيف تلتقون؟ هم كفروا بالله ورسوله، والحال أنهم يخرجون الرسول وإياكم من

стр. 2446

دياركم وأموالكم وأوطانكم لا لشيء أبدا إلا لأنكم تؤمنون بالله ربكم، عجبا كيف تجعلونهم أولياء وتسرون إليهم بالمودة؟!! إن كنتم خرجتم للجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته فلا تتخذوهم أولياء، أى: لا تتولوا أعدائى إن كنتم أوليائى. كيف تلقون إليهم بالمودة؟ تسرون «١» إليهم بأخبار الرسول سرّا، وأنا أعلم السر وأخفى، نعم الله يعلم ما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل، وأخطأ طريق الهدى والحق. كيف هذا مع أنهم إن يظفروا بكم ويدركوكم- على أى وضع- يكونوا لكم أعداء ويعاملوكم معاملة العدو اللدود، ويسطوا إليكم أيديهم بالضرب والسبي والقتل وألسنتهم بالشتم والسب والذم، ولا عجب فإنهم يودون من صميم قلوبهم لو تكفرون. وما لكم توادون أعداء الله وأعداءكم من أجل قرابتكم وأولادكم؟ مع أنه لن تنفعكم أرحامكم ولا قراباتكم، ولن تنفعكم أولادكم وأموالكم في شيء، يوم القيامة يفصل بينكم ويقضى بحكمه فاعملوا لأجل هذا اليوم، وانظروا ماذا قدمتموه لهذا الغد، واعلموا أن الله بما تعملون بصير فسيجازيكم على كل عمل. أسوة إبراهيم في هذا: كيف تتخذون أعدائى وأعداءكم أولياء؟ ألا تقتدون بأبيكم إبراهيم؟ قد كانت لكم أسوة حسنة، وقدوة طيبة في أبيكم إبراهيم الخليل والذين معه من المؤمنين إذ قالوا «٢» لقومهم: إنا برآء منكم ومما تعبدون فنحن لا نعتد بكم، ولا نحفل بآلهتكم بل أنكرنا، وبدا بيننا وبينكم العداوة لا المحبة، والبغضاء لا الصداقة في كل وقت، كل هذا حتى تؤمنوا بالله وحده، وتكفروا بشرككم. اقتدوا بأقوال إبراهيم وأفعاله إلا قوله لأبيه: لأستغفرن لك. واستثناء قول إبراهيم هذا من الأسوة- الحسنة، لأنها- واجب اتباعها وتقليد إبراهيم فيها حيث ذكر بعدها هذا الوعيد وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ

стр. 2447

واستغفار إبراهيم لأبيه حيث لم يعرف إصراره على الكفر وموته عليه بمعنى الدعاء له بالتوفيق جائز شرعا بدليل قوله: فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، والحكم في الإسلام على هذا بالجواز حيث لم نعلم أن الكافر مصر على الكفر أو مات عليه، فالاستغفار بهذا المعنى جائز لا واجب، ولهذا استثنى من القدوة الواجب اتباعها، وبعضهم أجاب عن هذا بقوله: إبراهيم- ﵇ استغفر حيث لم يعلم إصرار أبيه، وقد كان وعده، أما أنتم فتعرفون إصرار هؤلاء وفظاعة عنادهم وشدة كراهيتهم لكم فلا ينبغي أبدا أن تجاملوهم وتدعوا لهم بالخير بعد أن وصف الله لكم نياتهم ورأيتم أفعالهم، وهذا تخريج حسن بلا شك. لأستغفرن لك ربي والحال أنى لا أملك لك من الله شيئا فاعمل بما يرضيه فلن أغنى عنك من الله شيئا يا أبت! ربنا: عليك توكلنا، وإليك وحدك أنبنا وتبنا، وإليك وحدك المصير. ربنا: لا تجعلنا فتنة للذين كفروا فتعذبنا على أيديهم أو بعذاب من عندك فيظنوا أنهم على حق ونحن على باطل فيفتنوا لذلك، وللأسف ما يحصل اليوم هو هذا. فيا رب لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، واغفر لنا سيئاتنا، وقنا عذاب الخزي في الدنيا والآخرة، ربنا إنك أنت العزيز الحكيم. لقد كان لكم في إبراهيم ومن معه أسوة حسنة لمن «١» كان يرجو الله واليوم الآخر، ومن يتول عن ذلك، ولا يقتدى بالصالحين فليعلم أن الله هو الغنى عنه وعن عمله، المحمود في السموات والأرض، وهذا تهديد لمن لا يقتدى بالقدوة الحسنة. وأما أنتم- أيها المسلمون- فلا يشقن ذلك عليكم عسى أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتموهم في الدين من أقاربكم وأهليكم المشركين، عسى الله أن يجعل بينكم وبينهم مودة وصلة وأخوة في الإسلام، والله على كل شيء قدير، وهو الغفور لما فرط من الذنوب الرحيم بخلقه إذا تابوا وأنابوا.

стр. 2448

وفي هذه الآية حدد علاقتنا بالكفار: فقد نهانا عن مودتهم واصطفائهم بأخبار الحروب والأخبار التي تضر الأمة الإسلامية، ولكن هل نحن منهيون عن البر بهم ماديا والقسط إليهم والعدل معهم؟ ولقد أجاب الله عن ذلك جوابا شافيا فقال ما معناه: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في أمر الدين وشأنه، ولم يخرجوكم من دياركم، لا ينهاكم الله عن الذين لم يفعلوا هذا أن تبروهم بالخير، وتقسطوا إليهم بالعدل، وتعاملوهم بالحسنى ما داموا لم يسيئوا إليكم في الدنيا إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن موالاة ومحبة من قاتلوكم في الدين، وجاهدوكم عليه بكل نفس ونفيس كما فعلت قريش مثلا حيث قاتلوكم لأجل الدين، وأخرجوكم من دياركم وأموالكم وظاهروا الغير وتعاونوا على إخراجكم، ينهاكم الله عن موالاتهم ومحبتهم ومن يتولهم ويتخذهم أنصارا وأحبابا فأولئك هم الظالمون. المهاجرات من النساء ومبايعتهن [سورة الممتحنة (٦٠) : الآيات ١٠ الى ١٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)

стр. 2449

المفردات: أُجُورَهُنَّ: مهورهن. بِعِصَمِ: جمع عصمة، والمراد هنا عقد النكاح. فَعاقَبْتُمْ: من العقبة، وهي النبوة، والمراد: أصبتموهم في القتال حتى غنمتم. وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ المراد بذلك: الوأد. بِبُهْتانٍ المراد بذلك الولد. يَفْتَرِينَهُ: يختلقن نسبته إلى الزوج. لما أمر الله المسلمين بترك موالاة المشركين اقتضى ذلك مهاجرة المسلمين من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام خوفا من موالاة المشركين، وكان التناكح من أقوى أسباب الموالاة، فبين الله حكم المهاجرات بهذه الآية. وكان من أسباب النزول ما روى عن ابن عباس أنه قال: جرى الصلح بين المسلمين ومشركي قريش عام الحديبية، وكان من شروطه: أنه من أتى من أهل مكة رد إليهم ومن أتى من المسلمين لم يرد إليهم، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من كتابة الصلح مباشرة إلى النبي، وأقبل زوجها المشرك يطلبها- صيفي بن الراهب- فقال: يا محمد. اردد على امرأتى فإنك شرطت ذلك! وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

стр. 2450

المعنى: يا أيها الذين آمنوا: إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات من دار الشرك إلى دار الإسلام، فامتحنوهن بما يغلب على ظنكم أنهن صادقات في إيمانهن، ولم يأتين حبا في الانتقال من دار إلى دار أو بغضا في زوج، بل كان الدافع لهن هو حب الله ورسوله، واعلموا أن الله أعلم بإيمانهن حقيقة، فلا سبيل لكم إلى ما تطمئن به قلوبكم، من الإحاطة بحقيقة إيمانهن، ولكن هذا ما يمكن فعله فإن علمتم فيهن صدق الإيمان فلا ترجعوهن إلى الكفار- وهذا تقييد للشرط المطلق في عقد الصلح- بل أبقوهن معكم، وقد فرق الشارع الحكيم هنا بين الرجل والمرأة فإن الرجل قوى يمكنه أن يستقل ويترك دار الكفر والمرأة لا تقوى على الإغراء فيخشى معها الفتنة ... لا هن «١» حل لهم حالا، ولا أزواجهم الكفار يحلون لهن في المستقبل بأى شكل ما داموا مشركين، وهن مؤمنات ويلزم على هذا أن تؤتوا الأزواج ما أنفقوا، محل ذلك في الأزواج الذين بيننا وبينهم عهد أما الحربيون فلا يلزمنا شيء لهم، على أن هذا الأمر للندب، وبشرط أن يطلبه الزوج وإلا فلا يجب شيء. وهؤلاء المهاجرون لا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن مهورهن، وما حكم المرأة التي يتركها زوجها في دار الشرك مشركة وهو مسلم؟ الحكم أنه إذا أسلم الزوج وكان إسلامه حقيقيّا فيجب فسخ عقد النكاح السابق بينه وبين المشركة الوثنية أما الكتابية فلا فسخ لأنه يجوز العقد عليها ابتداء، ومحل قطع العلاقة الزوجية بين المسلم والمشركة مشروط بألا يجمعهما الإسلام في العدة. وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا قال المفسرون: كان من ذهب من المسلمات مرتدات إلى الكفار من أهل العهد يقال للكفار: هاتوا مهرها، ويقال للمسلمين إذا جاءت إحدى الكافرات مسلمة مهاجرة: ردوا إلى الكفار مهرها، وكان ذلك نصفة وعدلا بين الناس، ثم نسخ هذا الحكم، وذلك حكم الله يحكم بينكم بالعدل، والله عليم حكيم.

стр. 2451

وإن فاتكم شيء من أزواجكم وذهبن إلى الكفار ثم لم يعطوكم شيئا من المهر فعاقبتم، وأتت العاقبة لكم فغنمتم شيئا منهم، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم، ولم يأخذوا مهورهن مثل ما أنفقوا لفواته عليهم من جهة الكفار، واتقوا الله في كل شيء، اتقوا فأنتم به مؤمنون، ومن الواجب على المؤمنين تقوى الله في السر والعلانية وقد فعل المؤمنون ما أمروا به من الإيتاء للكفار والمؤمنين، وقد رفع هذا الحكم العام، وأصبح الحكم شخصيّا على الإمام والمسلمين عامة. يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على عدم الإشراك بالله شيئا وعدم السرقة، والزنا، وقتل الأولاد خوف الفقر أو العار كما كان يفعل في الجاهلية من وأد البنات أحياء ويبايعنك على ألا يأتين بولد يختلقن نسبته للزوج مقدرا وجوده بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف عرف حسنه شرعا وعقلا من طاعة الله ورسوله والإحسان للناس وكل ما أمر به الشرع الشريف. إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على هذا الأساس فبايعهن، واستغفر لهن الله عما فرط منهن، وقد كانت مبايعته الرجال على الإسلام والجهاد، ومبايعة النساء على ما ذكر في الآية، وقيل: هما سواء في كل ذلك، ولعل السر في مبايعة النساء بهذا أن النساء كثيرا ما يرتكبن مثل هذه الأعمال. والثابت أن هذه الآية نزلت في مبايعة النبي ﷺ في فتح مكة، وكانت فيهن هند بنت عتبة، ولها قصة مذكورة في كتب السيرة. بدئت هذه السورة بالنهى عن موالاة الكفار وخاصة اليهود، وختمت بمثل ذلك تأكيدا لعدم موالاتهم وتنفيرا للمسلمين عنها. يا أيها الذين آمنوا: لا تتولوا قوما قد غضب الله عليهم، ولعنهم- وهم اليهود- قد يئسوا من الآخرة وثوابها مع أنهم يوقنون بها، وذلك لعنادهم مع النبي مع علمهم بصدقه، هؤلاء يئسوا كما يئس الكفار حالة كونهم من أصحاب القبور الذين ماتوا، يئسوا من الرجوع إليهم والالتقاء بهم في أى وقت.

стр. 2452

سورة الصف هذه السورة مدنية كلها على الصحيح، وآياتها أربع عشرة آية، ونزلت بعد التغابن. وتشتمل على تنبيه المؤمنين لبعض الواجب عليهم، وتحذيرهم من أن يكونوا كقوم موسى وعيسى، مع بيان أن الإسلام هو دين الله، وأنه غالب على الأديان، ثم رسمت طريق الهدى الموصل إلى النجاة من العذاب. توجيهات دينية [سورة الصف (٦١) : الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)

стр. 2453

المفردات لِمَ أى: لأى شيء؟ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ المقت: أشد أنواع البغض من أجل ذنب أو معصية أو دناءة يصنعها الممقوت. صَفًّا أى: صافين أنفسهم. مَرْصُوصٌ والبناء المرصوص: المتلائم الأجزاء المتضام بنظام وحكمة. زاغُوا أى: مالوا عن الحق وانصرفوا عنه. لِما بَيْنَ يَدَيَّ: لما تقدمني من الكتب كالتوراة والزبور. أَحْمَدُ أى: محمد- ﵊ ولعله خصه بالذكر للإشارة إلى أنه أحمد الناس لربه. روى عن ابن عباس- رضى الله عنه- أنه قال: قال عبد الله بن رواحة: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فلما نزل الجهاد كرهوه، وفي رواية أخرى أن هذه الآية نزلت تعيّر المسلمين بترك الوفاء، وتلومهم على الفرار يوم أحد. المعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله: لأى شيء تقولون ما لا تفعلونه من الخير والمعروف؟! ومدار التوبيخ والإنكار في الحقيقة عدم فعلهم، وإنما وجه إلى قولهم أولا للدلالة على أنهم مؤاخذون على شيئين: الوعد، وترك العمل «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» .

стр. 2454

كبر المقت عند الله وفي حسبانه أن تقولوا ما لا تفعلون «١» !! نعم إن قولهم: سنفعل الخير ثم لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، ومبغوض عند الله أشد البغض، ومن هنا كان الخلف في الوعد، والكذب، مذمومين شرعا، ولا يرضى عنهما الله، أما الذي يرضى عنه الله فها هو ذا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ نعم إن الله يحبهم ويرضى عنهم لأنهم يقاتلون في سبيله وابتغاء مرضاته، يقاتلون بنظام ودقة وحكمة صافين أنفسهم مستعدين للقتال على حسب زمانهم، حالة كونهم كالبنيان المرصوص الذي يحمى بعضه بعضا، البنيان المحكم الدقيق الذي لا فرجة فيه ولا خلل، وهذه إشارة إلى إحكام الأمر في القتال والاستعداد له استعدادا مناسبا مع الوحدة والاجتماع التام على الكلمة، ومقابلة العدو بقلوب ثابتة راسخة رسوخ البنيان الشامخ المحكم. وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي؟ وهذا كلام مستأنف مقرر لما قبله من شناعة ترك القتال، ومخالفة أمر الرسول، واذكر وقت قول موسى لقومه- والمراد ذكر ما حصل في الوقت-: يا قوم لأى شيء تؤذونني بمخالفة أمرى، وتخلفكم عن القتال حين ندبتم لقتال الجبارين، وقولكم: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ «٢» فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ «٣» . يا قوم: لم تؤذوننى؟ والحال أنكم تعلمون علما أكيدا أنى رسول الله إليكم، فلما أصروا على الزيغ والانحراف عن الجادة أزاغ الله قلوبهم وصرفها عن الخير لاختيارهم العمى وتركهم الهدى مطلقا، ولا عجب فهم مالوا عن الحق أولا باختيارهم، وهذا بلا شك يؤثر فيهم، فإذا استمروا على ذلك طمس الله على قلوبهم فأمالها عن الحق دائما، وكيف يهديهم ربهم إلى الصواب؟ والله لا يهدى القوم الفاسقين، فاحذروا يا أمة محمد أن تكونوا كهؤلاء، واذكر إذ قال عيسى بن مريم: يا بنى إسرائيل: إنى رسول الله إليكم حالة كوني مبشرا برسول يأتى من بعدي اسمه أحمد فشريعتى تؤيد

стр. 2455

الرسل السابقين واللاحقين، وهذا الاسم الجليل- أحمد- من أسماء النبي ﷺ ويقول حسان بن ثابت: صلى الإله ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد وبشارته- ﵇ بالنبي محمد ﷺ مما نطق به القرآن، وهو الصادق في خبره الذي لا يقبل الشك، فهو الكتاب الوحيد الذي نقل بالتواتر عن صاحبه وقيد كتابة وحفظا قبل لحوق النبي بالرفيق الأعلى، وأما إنكار النصارى لتلك البشارة فأمر لا يعبأ به، كشأنهم في بقية عقائدهم، على أن الإنجيل الذي وصل إلينا فيه البشارة وشأنها أن تكون كناية لا صريحة، ففي إنجيل يوحنا طبع (نيويورك بإمريكا) الإصحاح السادس عشر آية (٧) : لكن أقول لكم الحق إنه لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. (٨) ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطيئة وعلى بر وعلى دينونة. (٩) أما على الخطيئة فلأنهم لا يؤمنون بي. (١٠) وأما على بر فلأنى ذاهب إلى أبى ولا تروني أيضا. (١١) وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين (١٢) إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن (١٣) وأما متى جاء ذلك ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. (١٤) ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم. هذه بشارة بالنبي المرسل الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى، يجيء والعالم يكفر بعيسى إذ يعتقد فيه الألوهية أو أنه ابن الله مع أنه ابن مريم، يجيء ليرشد الخلق إلى جميع الحق، فمن غير محمد ﷺ جاء بهذا؟ على أننا لا ننسى أن هذا ما سلم من التحريف والتغيير والتبديل، والنصارى يؤولون في مثل هذا تأويلا غير مستساغ، ولفظ (البارقليط) ورد كثيرا في كتبهم، قال يسوع المسيح: «إن البارقليط روح الحق الذي يرسله أبى- إلهى- يعلمكم كل شيء» والبارقليط لفظ يفيد معناه الحمد، ولفظ (المعزى) السابق كناية عن خاتم الأنبياء، ولذا جاءت البشارة في إنجيل برنابا صريحة بلفظ (محمد) والظاهر أنها مترجمة عن البارقليط والمعزى. فلما جاء عيسى- ﵇ بالمعجزات الظاهرة قالوا: هذا سحر مبين، فانظر إلى الناس جميعا وقد كذبوا برسلهم مع ظهور الآيات والمعجزات الدالة على صدق
следующие страницы →