← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

وإن فاتكم شيء من أزواجكم وذهبن إلى الكفار ثم لم يعطوكم شيئا من المهر فعاقبتم، وأتت العاقبة لكم فغنمتم شيئا منهم، فآتوا الذين ذهبت أزواجهم، ولم يأخذوا مهورهن مثل ما أنفقوا لفواته عليهم من جهة الكفار، واتقوا الله في كل شيء، اتقوا فأنتم به مؤمنون، ومن الواجب على المؤمنين تقوى الله في السر والعلانية وقد فعل المؤمنون ما أمروا به من الإيتاء للكفار والمؤمنين، وقد رفع هذا الحكم العام، وأصبح الحكم شخصيّا على الإمام والمسلمين عامة. يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على عدم الإشراك بالله شيئا وعدم السرقة، والزنا، وقتل الأولاد خوف الفقر أو العار كما كان يفعل في الجاهلية من وأد البنات أحياء ويبايعنك على ألا يأتين بولد يختلقن نسبته للزوج مقدرا وجوده بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف عرف حسنه شرعا وعقلا من طاعة الله ورسوله والإحسان للناس وكل ما أمر به الشرع الشريف. إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على هذا الأساس فبايعهن، واستغفر لهن الله عما فرط منهن، وقد كانت مبايعته الرجال على الإسلام والجهاد، ومبايعة النساء على ما ذكر في الآية، وقيل: هما سواء في كل ذلك، ولعل السر في مبايعة النساء بهذا أن النساء كثيرا ما يرتكبن مثل هذه الأعمال. والثابت أن هذه الآية نزلت في مبايعة النبي ﷺ في فتح مكة، وكانت فيهن هند بنت عتبة، ولها قصة مذكورة في كتب السيرة. بدئت هذه السورة بالنهى عن موالاة الكفار وخاصة اليهود، وختمت بمثل ذلك تأكيدا لعدم موالاتهم وتنفيرا للمسلمين عنها. يا أيها الذين آمنوا: لا تتولوا قوما قد غضب الله عليهم، ولعنهم- وهم اليهود- قد يئسوا من الآخرة وثوابها مع أنهم يوقنون بها، وذلك لعنادهم مع النبي مع علمهم بصدقه، هؤلاء يئسوا كما يئس الكفار حالة كونهم من أصحاب القبور الذين ماتوا، يئسوا من الرجوع إليهم والالتقاء بهم في أى وقت.

стр. 2452

سورة الصف هذه السورة مدنية كلها على الصحيح، وآياتها أربع عشرة آية، ونزلت بعد التغابن. وتشتمل على تنبيه المؤمنين لبعض الواجب عليهم، وتحذيرهم من أن يكونوا كقوم موسى وعيسى، مع بيان أن الإسلام هو دين الله، وأنه غالب على الأديان، ثم رسمت طريق الهدى الموصل إلى النجاة من العذاب. توجيهات دينية [سورة الصف (٦١) : الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)

стр. 2453

المفردات لِمَ أى: لأى شيء؟ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ المقت: أشد أنواع البغض من أجل ذنب أو معصية أو دناءة يصنعها الممقوت. صَفًّا أى: صافين أنفسهم. مَرْصُوصٌ والبناء المرصوص: المتلائم الأجزاء المتضام بنظام وحكمة. زاغُوا أى: مالوا عن الحق وانصرفوا عنه. لِما بَيْنَ يَدَيَّ: لما تقدمني من الكتب كالتوراة والزبور. أَحْمَدُ أى: محمد- ﵊ ولعله خصه بالذكر للإشارة إلى أنه أحمد الناس لربه. روى عن ابن عباس- رضى الله عنه- أنه قال: قال عبد الله بن رواحة: لو علمنا أحب الأعمال إلى الله لعملناه، فلما نزل الجهاد كرهوه، وفي رواية أخرى أن هذه الآية نزلت تعيّر المسلمين بترك الوفاء، وتلومهم على الفرار يوم أحد. المعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله: لأى شيء تقولون ما لا تفعلونه من الخير والمعروف؟! ومدار التوبيخ والإنكار في الحقيقة عدم فعلهم، وإنما وجه إلى قولهم أولا للدلالة على أنهم مؤاخذون على شيئين: الوعد، وترك العمل «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» .

стр. 2454

كبر المقت عند الله وفي حسبانه أن تقولوا ما لا تفعلون «١» !! نعم إن قولهم: سنفعل الخير ثم لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، ومبغوض عند الله أشد البغض، ومن هنا كان الخلف في الوعد، والكذب، مذمومين شرعا، ولا يرضى عنهما الله، أما الذي يرضى عنه الله فها هو ذا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ نعم إن الله يحبهم ويرضى عنهم لأنهم يقاتلون في سبيله وابتغاء مرضاته، يقاتلون بنظام ودقة وحكمة صافين أنفسهم مستعدين للقتال على حسب زمانهم، حالة كونهم كالبنيان المرصوص الذي يحمى بعضه بعضا، البنيان المحكم الدقيق الذي لا فرجة فيه ولا خلل، وهذه إشارة إلى إحكام الأمر في القتال والاستعداد له استعدادا مناسبا مع الوحدة والاجتماع التام على الكلمة، ومقابلة العدو بقلوب ثابتة راسخة رسوخ البنيان الشامخ المحكم. وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي؟ وهذا كلام مستأنف مقرر لما قبله من شناعة ترك القتال، ومخالفة أمر الرسول، واذكر وقت قول موسى لقومه- والمراد ذكر ما حصل في الوقت-: يا قوم لأى شيء تؤذونني بمخالفة أمرى، وتخلفكم عن القتال حين ندبتم لقتال الجبارين، وقولكم: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ «٢» فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ «٣» . يا قوم: لم تؤذوننى؟ والحال أنكم تعلمون علما أكيدا أنى رسول الله إليكم، فلما أصروا على الزيغ والانحراف عن الجادة أزاغ الله قلوبهم وصرفها عن الخير لاختيارهم العمى وتركهم الهدى مطلقا، ولا عجب فهم مالوا عن الحق أولا باختيارهم، وهذا بلا شك يؤثر فيهم، فإذا استمروا على ذلك طمس الله على قلوبهم فأمالها عن الحق دائما، وكيف يهديهم ربهم إلى الصواب؟ والله لا يهدى القوم الفاسقين، فاحذروا يا أمة محمد أن تكونوا كهؤلاء، واذكر إذ قال عيسى بن مريم: يا بنى إسرائيل: إنى رسول الله إليكم حالة كوني مبشرا برسول يأتى من بعدي اسمه أحمد فشريعتى تؤيد

стр. 2455

الرسل السابقين واللاحقين، وهذا الاسم الجليل- أحمد- من أسماء النبي ﷺ ويقول حسان بن ثابت: صلى الإله ومن يحف بعرشه ... والطيبون على المبارك أحمد وبشارته- ﵇ بالنبي محمد ﷺ مما نطق به القرآن، وهو الصادق في خبره الذي لا يقبل الشك، فهو الكتاب الوحيد الذي نقل بالتواتر عن صاحبه وقيد كتابة وحفظا قبل لحوق النبي بالرفيق الأعلى، وأما إنكار النصارى لتلك البشارة فأمر لا يعبأ به، كشأنهم في بقية عقائدهم، على أن الإنجيل الذي وصل إلينا فيه البشارة وشأنها أن تكون كناية لا صريحة، ففي إنجيل يوحنا طبع (نيويورك بإمريكا) الإصحاح السادس عشر آية (٧) : لكن أقول لكم الحق إنه لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. (٨) ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطيئة وعلى بر وعلى دينونة. (٩) أما على الخطيئة فلأنهم لا يؤمنون بي. (١٠) وأما على بر فلأنى ذاهب إلى أبى ولا تروني أيضا. (١١) وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين (١٢) إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن (١٣) وأما متى جاء ذلك ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. (١٤) ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم. هذه بشارة بالنبي المرسل الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى، يجيء والعالم يكفر بعيسى إذ يعتقد فيه الألوهية أو أنه ابن الله مع أنه ابن مريم، يجيء ليرشد الخلق إلى جميع الحق، فمن غير محمد ﷺ جاء بهذا؟ على أننا لا ننسى أن هذا ما سلم من التحريف والتغيير والتبديل، والنصارى يؤولون في مثل هذا تأويلا غير مستساغ، ولفظ (البارقليط) ورد كثيرا في كتبهم، قال يسوع المسيح: «إن البارقليط روح الحق الذي يرسله أبى- إلهى- يعلمكم كل شيء» والبارقليط لفظ يفيد معناه الحمد، ولفظ (المعزى) السابق كناية عن خاتم الأنبياء، ولذا جاءت البشارة في إنجيل برنابا صريحة بلفظ (محمد) والظاهر أنها مترجمة عن البارقليط والمعزى. فلما جاء عيسى- ﵇ بالمعجزات الظاهرة قالوا: هذا سحر مبين، فانظر إلى الناس جميعا وقد كذبوا برسلهم مع ظهور الآيات والمعجزات الدالة على صدق

стр. 2456

الرسل، وتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا، وكانت عاقبة أمرهم خسرا فاحذروا يا أمة محمد مثل هذه العاقبة! ثم تطرق الكلام إلى المكذبين بمحمد- ﵊ فقال الله ما معناه: أى الناس أشد ظلما ممن يدعى إلى الإسلام الذي هو دين الحق والعدل والكرامة الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة؟ فتكون إجابته على تلك الدعوة الافتراء على الله كذبا وزورا بتكذيب رسوله وتسمية آياته سحرا، نعم لا أحد أظلم من هذا، والله لا يهدى القوم الظالمين، يريدون بهذا التكذيب أن يطفئوا نور الله «١» ، بأفواههم وأنى لهم ذلك؟ والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الله الذي أرسل رسوله محمدا ﷺ بمصدر الهداية والنور: بالقرآن الذي يدعو إلى الهدى والفلاح، أرسله بدين الحق والعزة والكرامة، بالشريعة السهلة الصالحة لكل زمان ومكان، ليظهره على الدين كله وليعليه على جميع الأديان، ولو كره المشركون ذلك، لأنه هو الدين الوحيد الذي يدعو إلى التوحيد الخالص البريء من شوائب الشرك، وقد أنجز الله وعده وأظهر دينه بالحجة والبرهان على جميع الأديان ... إلخ. التجارة الرابحة [سورة الصف (٦١) : الآيات ١٠ الى ١٤] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)

стр. 2457

المفردات: تِجارَةٍ التجارة: تداول البيع والشراء لأجل المكسب. طَيِّبَةً: جيدة حسنة. أَنْصارَ اللَّهِ المراد: أنصار دينه ورسوله. لِلْحَوارِيِّينَ: وهم أصحاب عيسى- ﵇ وأصفياؤه. طائِفَةٌ: جماعة. ظاهِرِينَ: غالبين. سبب نزول هذه الآية قول المؤمنين لرسول الله ﷺ : لو نعلم أى الأعمال أحب إلى الله لعملنا به! وقول عثمان بن مظعون: وددت يا نبي الله أن أعلم أى التجارات أحب إلى الله فأتجر فيها. فنزلت الآية. المعنى: يا أيها الذين آمنوا: هل أدلكم على تجارة عظيمة الشأن كثيرة الربح؟ ربحها عشرة أمثال، وقد تزيد إلى سبعمائة مثل، والله يضاعف بعد ذلك لمن يشاء وتلك تجارة رابحة، وأى ربح أكثر من هذا؟ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ.. [سورة التوبة آية ١١١] . وكأنه قيل: ما هذه التجارة؟ دلنا عليها، فقيل: تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله وابتغاء مرضاته بأموالكم وأنفسكم «١» والمعنى أن المؤمنين يداومون على ذلك من باب قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ [سورة هود آية ١١٢] .

стр. 2458

ذلكم الإيمان والجهاد خير لكم من كل شيء إن كنتم تعلمون أنه خير فهو خير، إن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم ذنوبكم، ويسترها أو يباعد بينكم وبينها، ويدخلكم جنات عالية، تجرى من تحتها الأنهار، ويدخلكم مساكن طيبة جيدة حسنة لا عيب فيها، ولا خوف عليكم فيها ولا أنتم تحزنون، وهي في جنات عدن لا زوال فيها، ذلك هو الفوز العظيم، نعم هو الفوز العظيم، والربح الكثير، والفضل العميم. ولكم إلى جانب ما ذكر نعمة أخرى جليلة أنتم تحبونها هي نصر من الله على الأعداء وفتح قريب للأقطار والأمصار، وانظر- وفقك الله- إلى عاقبة الإيمان الصحيح والجهاد في سبيل الله. يا أيها الذين آمنوا- والخطاب للنبي ﷺ ولأمته-: آمنوا وجاهدوا يكن لكم الثواب الجزيل، وبشرهم يا محمد بذلك، فأنت الصادق المصدق. يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله وأعوانا لرسول الله، كما كان الحواريون أنصارا لعيسى حين طلب منهم ذلك، وقال لهم: من أنصارى متوجها إلى الله؟ قال الحواريون نحن أنصار نبي الله. ولما لحق عيسى بالرفيق الأعلى آمنت طائفة من بنى إسرائيل، آمنت بالله الواحد الأحد وبعيسى ابن مريم رسوله إليهم، وكفرت طائفة أخرى حيث ادعت أنه الإله أو ابنه أو هو ثالث ثلاثة، وغلب أهل الباطل على أهل الحق، فلما جاء محمد ﷺ أيدنا به الذين آمنوا على عدوهم الكافرين، فأصبحوا ظاهرين عليهم بالحجة والبرهان.

стр. 2459

سورة الجمعة مدنية بالإجماع، وعدد آياتها إحدى عشرة آية. وقد تكلمت السورة على فضل الله بإرسال النبي ﷺ من العرب وتناولت اليهود حيث لم يحافظوا على شريعتهم، ثم بعد ذلك أتت بحكم تتعلق بالجمعة. منّ الله على العرب والناس جميعا [سورة الجمعة (٦٢) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) المفردات: الْأُمِّيِّينَ المراد بهم العرب لأن أكثرهم لا يقرأ ولا يكتب إذ الأمى منسوب إلى الأم، فهو على جبلته لا يقرأ ولا يكتب. يُزَكِّيهِمْ: يطهرهم.

стр. 2460

المعنى: يسبح لله كل ما في السموات، وما في الأرض تسبيحا متجددا مستمرا، لأنه صاحب الملك، وبيده الأمر والخلق، وهو القدوس المنزه عن كل نقص المتصف بكل كمال، العزيز الذي لا يغلبه غالب، الحكيم في كل شيء. وأول مظهر من مظاهر فضله ونعمه على خلقه إرسال الرسل وخاصة النبي محمدا ﷺ خاتما للرسل كلهم، ولا شك أن هذا من مظاهر عزته وحكمته، هو الحق- ﵎ الذي بعث في العرب رسولا من جنسهم أميا مثلهم، لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك فهو يتلو عليهم الآيات، ويحملهم على طهارة النفس ويخلق فيهم الضمير الحي، وهو الذي يعلمهم القرآن، والحكمة النافعة المأخوذة من حديثه وقوله وفعله، فهو المثل الأعلى الذي قاد أمته إلى الحياة الصحيحة، في التشريع والقضاء والسياسة والاقتصاد، وإن كانوا من قبل لفي «١» جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، وأى ضلالة أكبر من ضلالة العرب قبل الإسلام؟ يعلم العرب الكتاب والحكمة، ويزكيهم من دنس الرجس والشرك وسوء الفعل، ويعلم آخرين منهم لم يلحقوا بهم وسيلحقون بهم، هؤلاء هم الذين دخلوا في الإسلام من العرب ومن غيرهم أخيرا بعد الصحابة، وما أروع كلمة «منهم» أى: من الأمة الإسلامية، إذ الإسلام لا يقر اختلاف الأجناس والألوان بل كل مسلم من أى جنس ولون فهو عضو في أسرة الإسلام، وإن بعدت الدار، وشط المزار. ذلك الفضل العظيم فضل الله ونعمته يؤتيه من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم، لا حرج على فضل الله حيث فضل الرسول وقومه وجعلهم متبوعين بعد أن كانوا أوزاعا لا وزن لهم ولا قيمة عند غيرهم من الأمم، وظل الحال كذلك. فالعرب لعبوا ويلعبون دورا مهما في العالم إلى الآن.

стр. 2461

هؤلاء هم اليهود [سورة الجمعة (٦٢) : الآيات ٥ الى ٨] مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) المفردات: حُمِّلُوا التَّوْراةَ المراد: كلفوا العمل بها، وليس هو من الحمل على الظهر بل هو من الحمالة، أى: الكفالة. أَسْفاراً: كتبا كبارا، وسميت أسفارا لأنها تسفر عن معناها إذا قرئت. أَوْلِياءُ لِلَّهِ: أحباؤه. تَفِرُّونَ مِنْهُ: تخافون منه. وهذا مثل ضربه الله لليهود حيث أعطاهم التوراة، ولم يعملوا بها فكانوا كالحمار الذي يحمل الكتب الكبار، وفي ذكر هذا المثل هنا تحذير لأمة محمد ﷺ من أن يكونوا كاليهود يدعون ولا يعملون ويحملون ولا ينتفعون. المعنى: شبه الله- اليهود حيث حملوا التوراة وكلفوا بها وعلموا بما فيها وحفظوها ثم لم يعملوا بها ولم ينتفعوا بما فيها- بالحمار يحمل كتبا كبارا، من كتب

стр. 2462

العلم، فهو يمشى بها ولا يعلم عنها شيئا، وخص الحمار بالذكر لأنه علم في الجهالة والبلادة، وهذا مثل ينطبق على من لم يعمل بالقرآن وأحكامه، ويعرض عنه. بئس المثل مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، والله لا يهدى القوم الظالمين. وكان اليهود يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الآخرة لهم دون سواهم، فنزل في ذلك قل لهم يا محمد: يا أيها الذين هادوا واتبعوا موسى والتوراة إن زعمتم صادقين أنكم أولياء الله، وأحباؤه من دون الناس، إن كنتم صادقين في هذا الزعم فتمنوا الموت الذي ينقلكم إلى دار الكرامة فتحظوا بالسعادة التي أعدها لكم ربكم، ولا يتمنونه أبدا بسبب ما قدمته أيديهم من الكفر والمعاصي وتكذيب الرسول ﷺ مع علمهم بصدقه ووصفه في التوراة، وفي حديث أن النبي ﷺ قال لما نزلت هذه الآية «والّذى نفس محمّد بيده لو تمنّوا الموت ما بقي على ظهرها يهودىّ إلّا مات» وفي هذا إخبار عن الغيب ومعجزة للنبي الكريم. قل لهم: إن الموت الذي تفرون منه وتخافونه فإنه ملاقيكم حتما «١» إذ كل شيء هالك إلا وجهه، ثم تردون أيها اليهود إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه منكم خافية، فينبئكم بما كنتم تعملون ويجازيكم عليه. بعض أحكام تتعلق بصلاة الجمعة [سورة الجمعة (٦٢) : الآيات ٩ الى ١١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)

стр. 2463

المفردات: نُودِيَ لِلصَّلاةِ: أذن لها. يَوْمِ الْجُمُعَةِ: هو اليوم المعروف من أيام الأسبوع، وتصلى فيه صلاة الجمعة. فَاسْعَوْا: فامضوا إلى ذكر الله بقصد حسن. وَذَرُوا الْبَيْعَ: اتركوه. قُضِيَتِ الصَّلاةُ: أديت وفرغ منها. انْفَضُّوا إِلَيْها: أسرعوا لها. المعنى: خاطب الله- المؤمنين خاصة بهذا النداء تشريفا لهم وتكريما، وليعلموا أن إيمانهم يقتضى الإسراع في إجابة هذا الطلب وتحقيق هذا الأمر، يا أيها المؤمنون: إذا أذن لصلاة الجمعة في يوم الجمعة فالواجب عليكم أن تسعوا إلى ذكر الله سعيا يتحقق به شهود الصلاة وحضورها والحصول على الثواب كاملا، والمطلوب هو السعى بالأقدام والعمل مع الإخلاص بقلوب ذاكرة، ونفوس راغبة في الحضور والمشاهدة بين يدي الله ﷻ . اسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع والشراء وما شابههما. ومن الذي تجب عليه الجمعة ويجب عليه السعى لها؟ هم الرجال المقيمون الأحرار الذين لا عذر لهم، وما المراد بهذا النداء؟ هل هذا الأذان الأول أو هو الأذان بين يدي الخطيب؟ الذي كان أيام النبي ﷺ أنه كان يؤذن المؤذن بين يديه ثم يقيم الصلاة، والأذان الأول حصل أيام عثمان، وعلى ذلك فالمراد هو الأذان الثاني لا الأول، ولكن في الواقع أن الاستعداد المعقول في هذه الأيام يقتضى أن نترك البيع ونسعى للصلاة عند سماع الأذان الأول حتى يكمل الاستعداد بهدوء وطمأنينة.

стр. 2464

وقد ورد حديث عن النبي- ﵇: «من ترك الجمعة ثلاث مرّات تهاونا بها طبع الله على قلبه» والجمعة كأى صلاة يلزمها الوضوء والطهارة، ويسن لها الغسل. فإذا قضيت الصلاة، وفرغتم منها فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم، وابتغوا من فضل الله، واذكروا الله كثيرا رجاء أن تكونوا من الفالحين وروى عن بعضهم أنه كان يقول عقب صلاة الجمعة: اللهم إنى أجبت دعوتك وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتنى، فارزقني من فضلك وأنت خير الرازقين. روى أن النبي ﷺ كان يخطب قائما يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا، فأنزلت هذه الآية: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً. قل لهم: ما عند الله من الثواب الجزيل والفضل العميم والرزق الواسع، والبركة التي يعطيها بعض عباده خير من اللهو ومن التجارة التي تسرعون إليها قصدا، والله وحده خير الرازقين. فاطلبوا منه الرزق، واستعينوا بطاعته على نيل ما عنده من خيرى الدنيا والآخرة.

стр. 2465

سورة المنافقون مدنية في قول الجميع، وهي إحدى عشرة آية، وقد تعرضت لذكر المنافقين وأعمالهم وصفاتهم ثم ختمت السورة بإرشادات هامة للمؤمنين. المنافقون [سورة المنافقون (٦٣) : الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)

стр. 2466

المفردات: جاءَكَ الْمُنافِقُونَ. حضروا مجلسك. نَشْهَدُ: نحلف، ولا شك أن الحلف والشهادة كل منهما إثبات لأمر معين. جُنَّةً: سترة ووقاية. فَطُبِعَ: ختم عليهم بالخاتم. خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ أى: خشب ممالة إلى الجدار قاتَلَهُمُ اللَّهُ أى: لعنهم وطردهم من رحمته «١» أَنَّى يُؤْفَكُونَ «٢» ؟ أى: يصرفون عن الحق إلى الباطل والكفر الذي هم فيه. لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ: عطفوها وأمالوها إلى غير جهة الأعادى، فلا تغتر بهم قاتلهم الله، أى: لعنهم وطردهم من رحمته. والكلام

стр. 2467

دعاء وطلب من ذاته- تعالى- أن يلعنهم هو ويطردهم، أو هو تعليم للمؤمنين أن يدعوا على المنافقين بذلك. وإذا قيل لهم: تعالوا إلى رسول الله يستغفر لكم عما فرط منكم، أشاحوا برءوسهم وعطفوها كبرا وإعراضا عن هذا الطلب واستهزاء به.. ورأيتهم يصدون جاهدين عن سبيل الله غيرهم، وهم مستكبرون. سواء عليهم استغفارك لهم وعدمه «١» فإنهم لن ينتفعوا به، ولن يؤمنوا لأن الله لن يغفر لهم، إن الله لا يهدى القوم الفاسقين، ولا غرابة في وصفهم بالفسق والخروج عن حدود الدين والعرف فهم يقولون لأصحابهم من الأنصار: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينقضوا. يَنْفَضُّوا: يتفرقوا. الْعِزَّةُ: الغلبة لا تُلْهِكُمْ: لا تشغلكم. أَجَلُها الأجل: آخر العمر. المعنى: إذا جاءك المنافقون وحضروا مجلسك قالوا بألسنتهم: نشهد إنك لرسول الله «٢» والله يعلم إنك لرسوله حقا «٣» والله يشهد إن المنافقين لكاذبون، فالتكذيب من الله لهم ليس لقولهم: إنك لرسول الله، ولكنه راجع إلى ادعائهم الصدق والموافقة في الشهادة بين اللسان والقلب، ولا شك أنهم كاذبون في قولهم هذا، لأنهم لا يؤمنون به بناء على أن الكذب ما خالف الاعتقاد.

стр. 2468

اتخذوا أيمانهم التي تعودوا الحلف بها كذبا، اتخذوها جنة لهم ووقاية، فهم كلما ظهر منهم شيء يوجب المؤاخذة حلفوا عليه كاذبين عصمة لأموالهم ودمائهم- كما روى البخاري في سبب النزول- واتخاذ الأيمان جنة عبارة عن إعدادهم وتهيئتهم لها إلى وقت الحاجة ليحلفوا بها ويتخلصوا من المؤاخذة، فهم صدوا عن سبيل الله من أراد الدخول في الإسلام، واستمروا على ذلك، وقرئ (إيمانهم) والمراد ما كانوا يظهرونه من إسلام ليكون وقاية لهم من القتل أو الأسر، إنهم ساء ما كانوا يعملون من النفاق وما يتبعه. ذلك- والإشارة إلى أنهم أسوأ الناس عملا أو إلى ما حكى من نفاقهم وكذبهم وأيمانهم- بسبب أنهم آمنوا نفاقا وكذبا، ثم كفروا، أى: ظهر من أقوالهم وأفعالهم، فطبع على قلوبهم وختم عليها بالخاتم حتى لا يدخلها نور الحق، فهم لا يفقهون الحق والطريق السوى. وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم لقوتها وتناسب أعضائها، وإن يقولوا تسمع لقولهم لفصاحتهم وذلاقة ألسنتهم وحسن كلامهم في الدنيا، والخطاب في الآية لكل من يصلح للخطاب أو لسيد المخاطبين ﷺ وكانوا يحضرون مجلس الرسول كأنهم خشب مسندة، شبهوا وهم جالسون مستندون إلى الحائط بالخشب المسندة، إذ لا روح فيهم يعقل، ولا بصيرة تبصر الخير، فهم كما نقول: أصنام أو كراسي. وهم لفرط هلعهم، وشدة خوفهم من أن ينزل فيهم قرآن يفضحهم، ويظهر طويتهم يحسبون كل صيحة واقعة عليهم، هم العدو الكاملون في العداوة، إذ لا أخطر من العدو المنافق الذي يضحك لك، وقلبه يتميز غيظا منك، فاحذرهم. روى البخاري عن زيد بن أرقم قال: كنت مع عمى فسمعت عبد الله بن أبى بن سلول يقول: «لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا» وقال: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل» فذكرت ذلك لعمى فذكر عمى لرسول الله ﷺ فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبى وأصحابه فحلفوا ما قالوا وصدقهم رسول الله، وكذبني، فأصابنى هم لم يصبني مثله فجلست في بيتي فأنزل الله- : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ إلى قوله: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إلى قوله: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فأرسل إلىّ رسول الله ﷺ ثم قال: «إن الله صدقك» .

стр. 2469

لا تنفقوا على من عند رسول الله من المهاجرين حتى ينفضوا ويتفرقوا عنه. عجبا لهؤلاء، أما علموا أن في السماء الرزق، وأن لله خزائن السموات والأرض، وأنه هو الرزاق ذو القوة المتين، ولكن المنافقين لا يفقهون ذلك. يقولون: لئن رجعنا إلى المدينة من غزوة بنى المصطلق ليخرجن الأعز منها- أرادوا أنفسهم- الأذل من المهاجرين وأصحاب رسول الله، بئسما قالوا والحال أن العزة والقهر والغلبة لله على أعدائه، ولرسوله العزة بنصرة دينه وإظهاره على الأديان كلها، وللمؤمنين العزة بنصرتهم على أعدائهم، وخاصة من يقول هذا الكلام السابق، ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك. أرأيت إلى المنافقين وإيمانهم الكاذب، وأيمانهم، وشهادتهم؟ - والله يعلم إنهم لكاذبون- انظر إليهم وقد اتخذوا أيمانهم جنة لهم، وقد صدوا عن سبيل الله وساء عملهم، وهم في المجالس كالخشب المسندة، ويظنون أن كل صيحة واقعة عليهم، وهم الذين يدعون غيرهم إلى الإمساك والشح لقصر عقولهم، ويتعاهدون على إخراج المؤمنين معتزين بالباطل والغرور، ولكن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [سورة النساء آية ١٤٥] . يا أيها الذين آمنوا: لا تكونوا كالمنافقين الذين يغترون بالأموال والأولاد، ويشتغلون بتدبيرها ورعايتها عن ذكر الله، ولا شك أن من أهم الأسباب التي تدفع الإنسان إلى النفاق أو التحلل من الدين هو الانشغال بالدنيا وعوارضها، والانهماك الشديد في تحصيلهما ورعايتهما، فذلك مما يشغل الإنسان عن ذكر الله وعن عبادته، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون لأنهم باعوا الباقية بالفانية، واشتروا الضلالة بالهدى، وليس معنى هذا أننا نترك الدنيا بما فيها من الأموال والأولاد، لا. ولكن المنهي عنه هو الانشغال بهما عن ذكر الله، أما إعطاء الدنيا حقها مع العبادة وذكر الله فهذا هو مطلوب الشرع الشريف، وفي هذه الدائرة يتنافس المتنافسون، وأنفقوا بعض ما رزقناكم، أنفقوا بعض ما جعلكم الله خلفاء فيه، وأنفقوا بعضا يكن لكم حصنا ووقاية من عذاب الله، أنفقوا بعض المال يكن حصنا لكم ولمالكم حتى لا يذهب في الدنيا، ولا تعاقبوا في الآخرة، أنفقوا قليلا من المال من قبل أن يأتى أحدكم مقدمات الموت وأماراته فيقول حين يرى ما أعد للمتخلفين عن أوامر الله، فيقول: رب لولا

стр. 2470

أخرتنى، أى: هلا أمهلتنى إلى أجل قريب وأعطيتنى أمدا قصيرا في الدنيا فأتصدق ببعض مالي ليكون وقاية لي من هذا العذاب وأكن «١» من العباد الصالحين. ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها، ولن يمهلها طرفة عين فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ. [سورة الأعراف آية ٣٤] . وهكذا كل مفرط في دينه، وعابث في دنياه عند الاحتضار يكون نادما على ما فرط سائلا الرب- طول الأجل ولو مدة يسيرة ليستعتب وليستدرك ما فاته، ولكن هيهات ثم هيهات! قد كان ما كان. وهو آت آت، والله خبير بما تعملون.

стр. 2471

سورة التغابن مدنية عند الأكثرين، وقال بعضهم: مكية إلا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ إلى آخر السورة. وعدد آياتها ثماني عشرة آية، وهي في بيان قدرة الله وعلمه. من مظاهر قدرته وعلمه [سورة التغابن (٦٤) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤) المفردات: صَوَّرَكُمْ التصوير: تخطيط وتشكيل، وهو الذي يكون به صورة الشيء وهيئته التي يعرف بها ويتميز عن غيره بسمتها. بِذاتِ الصُّدُورِ أى: صاحبة الصدور التي لا تبارحها، المراد بذلك حديث النفس والسر الذي لم يبح لأحد.

стр. 2472

المعنى: يسبح لله ما في السموات، وما في الأرض، وينزهه عن كل نقص، تنزيها مستمرّا كل ما فيهما، وذلك بدلالته على اتصافه بكل كمال، وسموه عن كل نقص، له الملك وحده دون غيره إذ هو المبدئ المعيد الخالق المصور- وله وحده الحمد إذ هو المولى لكل النعم الرحمن الرحيم، وأما ملك غيره لبعض الأشياء فاسترعاء منه- جل شأنه- وتمليك منه له، وما حمد غيره- ﵎ فلجريان بعض النعم على يديه فهو له في الحقيقة والواقع. وهو على كل شيء قدير. وها هي ذي بعض آثار القدرة: هو الذي خلقكم وأوجدكم من العدم، خلقكم من تراب وسواكم، ثم نفخ فيكم من روحه فكان الإنسان مكونا من مادة وروح، وفيه نوازع الخير ونوازع الشر، فمنكم أيها الناس كافر، ومنكم مؤمن، والله- ﷻ هو الذي أراد هذا وقدره، وكفر الكافر من تغلب مادته على روحه، وهكذا العاصي، والمؤمن بالعكس، وسيجازى ربك على الكفر والمعصية، أو على الإيمان والحسنة لأن صاحبها اختار ذلك، والله بما تعملون بصير، وهو بخلقه خبير. الذي خلقكم، وكان منكم الكافر والمؤمن خلق السموات والأرض، وهذا الكون كله الذي عرف بعضه، وجهل أكثره لم يخلق عبثا بل خلق خلقا ملتبسا بالحق والحكمة البالغة ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى، وهو الذي صوركم فأحسن صوركم لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ «١» نعم خلقنا فصورنا على أتم صورة، وأكمل نظام، وأدق ترتيب، خلق فينا العقل والفكر، والنظر والبيان لنعرف مآلنا ونهاية أمرنا إن كنا من المفكرين! صورنا في أحسن صورة وإليه وحده المرجع والمصير، فالواجب أن نتقي الله وننظر ما قدمناه لغد، ونعلم أن الله يعلم ما في السموات والأرض، وهو يعلم الغيب والشهادة، ويعلم السر وأخفى، وهو العليم بذات الصدور جل شأنه وتبارك اسمه !

стр. 2473

إثبات البعث وتهديد الكفار [سورة التغابن (٦٤) : الآيات ٥ الى ١٠] أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) المفردات: نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا: خبرهم المهم. وَبالَ أَمْرِهِمْ: عاقبته «١» .

стр. 2474

زَعَمَ: ظنوا، الزعم: هو ادعاء العلم بالباطل. بَلى: نعم. النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا أى: القرآن. لِيَوْمِ الْجَمْعِ: هو يوم القيامة تجمع فيه الخلائق كلها. يَوْمُ التَّغابُنِ: هو يوم القيامة الذي يغبن فيه أهل الجنة أهل النار. المعنى: ألم يأتكم- أيها الكفار- خبر من كان قبلكم من قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، هؤلاء كفروا فذاقوا وبال أمرهم، وكان عاقبة كفرهم خسرا عليهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب أليم لا يقادر قدره. ذلك العذاب الذي ذاقوه في الدنيا، وسيذوقونه في الآخرة بسبب أنه كانت تأتيهم رسلهم بالآيات المبينات والمعجزات الظاهرات، فكانوا يكفرون عنادا وكبرا، ويقولون- أى: تقول كل أمة منهم-: أبشر يهدينا؟! منكرين أن يكون الرسول بشرا ولو ظهرت في يديه المعجزات أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ؟ فكأن الكل قالوا: أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا «١» ؟ فكفروا، وأعرضوا عن الآيات، واستغنى الله عنهم حيث أهلكهم بعذاب من عنده، ولولا غناه عنهم لهداهم إلى الإيمان ووفقهم إليه، والله هو الغنى عن خلقه فضلا عن طاعتهم وإيمانهم، المحمود في السماء والأرض بلسان الحال لا بلسان المقال. زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا. ظنوا هذا بلا دليل وحجة، وادعوا العلم على ذلك بلا برهان، ولا شك أنه زعم باطل، قل لهم يا محمد: بلى. وربي لتبعثن يوم القيامة ثم لتنبؤن بما عملتم، ولتجزون على ذلك، وذلك كله على الله يسير، فإنه على كل شيء قدير. وإذا كان الأمر كذلك فآمنوا بالله ورسوله، وآمنوا بالنور الذي أنزلنا. وهو القرآن الذي أنزل رحمة للعالمين، ونبراسا للناس أجمعين يهديهم إلى الصراط المستقيم. ويقودهم إلى سعادة الدنيا والآخرة، فهو بلا شك نور رب العالمين، والله بما تعملون خبير.

стр. 2475

اذكروا يوم يجمعكم الحق- ﵎ ليوم الجمع، يوم تجمع فيه الخلائق كلها، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، والثقلان أجمعون، ذلك يوم التغابن، وهو يوم القيامة سمى بذلك لأنه يوم يظهر فيه غبن كل كافر ترك الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان. ولا شك أن ذلك هو التغابن حقيقة الجدير بهذا الاسم «١» . وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً ... وكأن هاتين الآيتين بيان لمعنى التغابن: ومن يؤمن بالله حقا ويعمل صالحا يكفر الله عنه سيئاته ويسترها عليه، ويدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار، خالدين فيها وذلك هو الفوز العظيم، والذين كفروا بالله ورسوله، وكذبوا بآياته- وخاصة القرآن الكريم- أولئك هم أصحاب النار خالدين فيها وبئس مصيرهم، فانظر إلى عاقبة المؤمنين. ونهاية الكافرين. الحياة الدنيا في نظر المؤمنين [سورة التغابن (٦٤) : الآيات ١١ الى ١٨] ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)

стр. 2476

المفردات: ْنَةٌ والفتنة: بلاء ومحنة. مَا اسْتَطَعْتُمْ: جهد طاقتكم. شُحَّ نَفْسِهِ الشح: البخل والحرص الشديدان. تُقْرِضُوا المراد: تتصدقوا وتنفقوا. سبب النزول: روى أن الكفار قالوا: لو كان المسلمون مسلمين حقا لصانهم الله عن المصائب في الدنيا. فنزل قوله تعالى: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ ... الآيات توضح حقيقة الدنيا، وما يصيب المسلم فيها من خير أو شر. المعنى: لقد سبق بيان نتيجة الإيمان ونهايته، ونتيجة الكفر وغايته من الفوز العظيم للمؤمنين في الآخرة والمصير السيئ للكافرين فيها.

стр. 2477

أما الدنيا فأمرها سهل هين جدّا إذ هي ليست دار جزاء ولا مثوبة، ولكنها دار عمل وتعب، وقد تكون محل ابتلاء واختبار بنزول المصائب والمحن على بعض الناس. ومن يؤمن بالله، ويعتقد هذا فإن الله هاديه إلى الحق والصواب من الصبر والثبات، والرجوع إلى الله، ولذلك يبيت هادئ النفس قرير العين مستريح القلب، والله بكل شيء عليم، وغير المؤمن إذا نزل به حادث أو ألمت به مصيبة ضجر وجزع، وأصابه الغم والكرب، وقضاء الله نافذ على الجميع. وما علينا إلا أن نطيع الله ورسوله في كل أمر ونهى فهذا هو العلاج الناجع، والدواء الصادق، فإن تولى البعض وأعرض فإنما حسابه على ربه، وما على الرسول إلا البلاغ المبين، فالله وحده هو الإله المقصود في كل شيء الذي له الملك وإليه يرجع الأمر كله فعليه وحده يتوكل المؤمنون ... أما الفهم الصحيح السليم للأزواج والأولاد، وللأهل والأموال فقد تكفلت الآيات: ١٤، ١٥. إلى آخر السورة بذلك فقد روى أن عوف بن مالك الأشجعى كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه وقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق فيقيم فنزلت الآية.. وفي رواية أنها نزلت في رجال أسلموا بمكة، وأرادوا أن يأتوا النبي ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم يأتون النبي ﷺ فلما أتوا النبي ورأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم فأنزل الله تعالى هذه الآيات. يا أيها الذين آمنوا إن بعض أزواجكم وأولادكم عدوّا لكم، حيث يفعلون معكم فعل العدو، ويكونون حجر عثرة أمامكم يمنعونكم من فعل الخيرات، وقد يدعونكم إلى ارتكاب الذنوب والآثام في سبيل راحتهم والحرص على سعادتهم، ألست معى في أن من يفعل معى فعل العدو، ويمنعني عن الخير الذي ينفعني، ويحملني على فعل المعاصي يكون عدّوا لي، ولو كان زوجا أو ابنا أو غيرهما؟ إذا كان الأمر كذلك فاحذروهم، وقوا أنفسكم من شرورهم وآثامهم إن كانت لهم. ولكنهم من أهلك وذوى قرابتك فالمطلوب منك أن تحذر ما يوقعك في الشر فقط، ثم تعفو وتصفح وتغفر، فإنك إن تعف وتصفح وتغفر يعف عنك الله، إن الله غفور رحيم.

стр. 2478

إنما أموالكم وأولادكم فتنة وبلاء، ومحنة واختبار قد يترتب عليهم الوقوع في الآثام والشدائد، وكثيرا ما رأينا المال والأولاد يدفعان صاحبهما إلى فعل المهلكات ويحملان بعض الناس على الغرور الكاذب، وارتكاب الآثام والفظائع كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى «١» والله عنده أجر عظيم، فانظروا إليه ودعوا المال والولد فإنه لن ينفعكم يوم الحساب. فاتقوا الله ما استطعتم، وابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم، وليكن أحب شيء إلى النفس حب الله ورسوله، واسمعوا مواعظه وأوامره سماع قبول، وأطيعوا في كل ما أمر، وأنفقوا مما رزقكم يكن خيرا لكم وأفضل، ولا يكن الولد والأهل مدعاة للجبن والبخل، واعلموا أنه من يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، إن تصرفوا «٢» بعض الأموال في سبيل الله وابتغاء رضوانه يثبكم على ذلك ثوابا جزيلا ويغفر لكم، والله شكور مجاز على الطاعات، حليم في العقاب على المعصية، وهو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم.

стр. 2479

سورة الطلاق مدنية بالإجماع، وعدد آياتها إحدى عشرة آية، أو اثنتا عشرة آية. وتشتمل على أحكام تتعلق بالعدة وأحكامها، ثم تهديد بذكر عاقبة المخالفين. أحكام تتعلق بالعدة [سورة الطلاق (٦٥) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (٣) وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (٤) ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً (٧)

стр. 2480

المفردات: وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ: اضبطوها، وأصل معنى الإحصاء: العد بالحصى كما كان أولا، ثم صار حقيقة في العد مطلقا. بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ: بسبب ارتكاب ذنب ظاهر كالزنا مثلا. حُدُودُ اللَّهِ: أحكامه. بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: قضين عدتهن، والمراد: شارفن على انقضائها. ذَوَيْ عَدْلٍ: أصحاب عدل وذمة. وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ: أدوها لوجه الله بلا تحريف. مَخْرَجاً: طريقا للخروج من المآزق والأزمات العائلية. حَسْبُهُ: كافيه. بالِغُ أَمْرِهِ المراد: يبلغ ما يريده . مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ: من جهة لا تخطر له على بال. قَدْراً: تقديرا لا يتعداه أصلا. يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ: أصابهن اليأس من الحيض لتقدم سنهن. إِنِ ارْتَبْتُمْ: إن شككتم أو ترددتم في عدتهن. وَأُولاتُ الْأَحْمالِ: أصحاب الأحمال، جمع حمل والمراد النساء الحبليات. أَجَلُهُنَّ: انقضاء عدتهن

стр. 2481

بالوضع. مِنْ وُجْدِكُمْ أى: مما تجدونه، ويكون في وسعكم وطاقتكم. وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ: ائتمر وتآمر بمعنى واحد، والمراد: تشاوروا في إرضاع الطفل، والمعروف: المسامحة والروح الكريمة. تَعاسَرْتُمْ: أصابكم إعسار واختلاف. قُدِرَ: قتر عليه في الرزق. المعنى: يا أيها النبي: إذا أردتم طلاق النساء فالواجب أن تطلقوهن لعدتهن، نادى الله النبي ﷺ ثم خاطب الجميع بقوله: إذا طلقتم للإشارة إلى أنه إمام أمته. وسيد جماعته كما يقال: يا فلان افعلوا كذا فهو المتكلم عنهم، والآمر لهم وهم لا يصدرون إلا عن رأيه فكان هو وحده سادا مسد الجميع، ولعل اختيار لفظ النبي في هذا يؤيد هذا المعنى، وقيل: نودي أولا ثم خوطبت أمته لأن أمر الطلاق مما لا يصح توجيهه للنبي الكريم. الطلاق جعل سلاحا في يد الزوج، ولكن يجب أن يستعمل في أضيق حدوده، ولا يشرع إلا إذا كان لا بد منه. فهو كما يقول النبي ﷺ : «أبغض الحلال إلى الله الطّلاق» وروى عن أبى موسى عن النبي ﷺ : «ولا تطلّقوا النّساء إلا من ريبة- أى: بسببها- فإنّ الله لا يحبّ الذّوّاقين ولا الذّوّاقات» وعن أنس قال: قال النبي ﷺ : «ما حلف بالطّلاق ولا استحلف به إلّا منافق» هذا الطلاق المبغوض عند الله يجب ألا يوقعه الزوج في حالة يزداد بها ضرر المرأة، ولذا قال الفقهاء: إن الطلاق نوعان سنى وبدعى، أما السنى فهو الذي يقع في طهر مسبوق بحيض لم تجامع فيه المرأة، والبدعى غير ذلك، والمراد في الآية أن يكون الطلاق لعدتهن أى: في الوقت الذي يشرعن فيه في العدة، وهو في أى طهر لم تجامع فيه، وهذا ما يسمى بالطلاق السنى. وأحصوا- أيها الأزواج والزوجات- العدة- فإن المرأة المدخول بها إذا طلقت طلاقا واحدا أو اثنين كان لزوجها حق مراجعتها في العدة، فإن فاتت العدة كانت خطبة من جديد إن أراد، فإن طلقها ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. واتقوا الله ربكم، نعم أمرنا بالتقوى وسط هذه الأوامر التي يطل فيها الشيطان برأسه، وتسرع فيها الفتنة إسراعا كثيرا قد يدعو إلى تغيير الذمة، لهذا أمرنا بتقوى الله

стр. 2482

في الطلاق وهدم البيوت، وتقوى الله في إحصاء العدة، وتقوى الله في القضاء على آمال امرأة، وربما كان لها أطفال. اتقوا الله أيها الناس ولا تخرجوهن، أى: المطلقات من بيوتهن التي هي ملك للزوج، ولكنها أضيفت لهن لتأكد النهى عن إخراجها من مسكنها الذي كانت تسكن فيه قبل الطلاق، ولا يخرجن، أى: النساء من تلك البيوت إلا أن يأتين بفاحشة ظاهرة تدعو إلى الإخراج كالزنا أو السرقة أو سبها لمن في البيت من الأهل والأبوين، فلو اتفق الزوجان على الخروج جاز عند بعض الأئمة. وتلك حدود الله وأحكامه، ومن يتعد حدود الله بأن أخل بشيء منها فقد ظلم نفسه وأضر بها، إذ حدود الله لمصلحة الإنسان، وأنت لا تدرى، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، نعم أنت لا تدرى فربما كان بقاء المرأة في مسكنها مدة العدة يدعوك إلى أن تراجع نفسك وترجع عما فعلته فتراجعها في العدة، وهذا كثيرا ما يحصل، بخلاف ما لو خرجت من البيت وكثر القيل والقال. وتدخل الناس بالإفساد انقطع غالبا حبل الصلة، والمشرع حريص جدّا على عدم انقطاعه. فإذا شارفن على آخر العدة فإما إمساك بمعروف بأن تراجعها لا للإضرار، أو تسريح بإحسان ومفارقة بمعروف، فالنبي ﷺ يقول: «لا ضرر ولا ضرار» . ويندب أن تشهدوا رجلين عدلين على الطلاق أو الرجعة حتى لا يحصل خلاف فإن الذاكرة قد تخون، والنفس قد تسول لك أمرا لا يحبه الله، والواجب على الشهود أن يقيموا الشهادة لله، ويؤدوها خالصة لوجهه. ذلكم- الأحكام- يوعظ بها المؤمنون بالله واليوم الآخر حقا، أما غيرهم فلا يؤمنون ولا يوعظون بها. ومن يتق الله يجعل له مخرجا من كل شدة، ومتسعا من كل ضيق، وغنى من كل فقر، وسعادة من كل بؤس فالتقوى هي الطريق الأقوى، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يدرى، ومن يتوكل على الله فهو حسبه وكافيه، والتقوى والتوكل ليسا باللسان وإنما هما بالقلب، ولا يعرفهما إلا الخالق العالم فلا يطلع عليهما سواه، والله يقول ذلك، وهو أصدق القائلين، ولكن من ذاق عرف، ولا يعرف الشوق إلا من يكابده. قال الربيع بن خيثم: إن الله- تعالى- قضى على نفسه أن من توكل عليه كفاه، ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجاه، ومن دعاه أجاب

стр. 2483

له، وتصديق ذلك في كتاب الله وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن ١١] وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق ٣] إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ [التغابن ٦٤] وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران ١٠١] وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة ١٨٦] وكيف لا تتوكل على الله، والله بالغ ما يريده، قد جعل الله لكل شيء قدرا وتقديرا لا يتعداه بحال، فلا يبقى إلا التسليم والتوكل على الله حق التوكل، وهذا تأكيد وتقرير لقبول أحكام الله. عدة الآيسة من الحيض: عرف الله الناس عدة المطلقة التي تحيض بقوله: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وبين هنا حكم الطلاق والرجعة فيه. أما عدة الآيسة التي لا تحيض لكبر سنها فعدتها ثلاثة أشهر إن شككتم فلم تدروا ما الحكم فيهن، وقيل: إن ارتبتم في حيضها وقد انقطع عنها الحيض، أو لم يجر على الطريق المألوف وعند ذلك تسمى بالمستحاضة. عدة الصغيرة التي لم تحض: واللائي لم يحضن من الصغار فعدتهن ثلاثة أشهر كذلك. عدة الحامل: وأصحاب الحمل من النساء عدتهن بوضع الحمل مطلقا سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها، وسواء كان الحمل علقة أو مضغة أو سقطا أو جنينا كاملا ولو كان الوضع بعد الوفاة بلحظة. ومن يتق الله حق تقواه يجعل له من أمره يسرا، ذلك الذي ذكره من الأحكام أمر الله أنزله إليكم، وبينه لكم، ومن يتق الله باجتناب كل نواهيه، وامتثال كل أوامره يكفر عنه سيئاته، ويعظم له أجره في الآخرة. حق السكنى: أسكنوهن- أى: المطلقات البائنات من أزواجهن واللاتي لا رجعة لهم عليهن- كالمطلقة مع الإبراء وليست حاملا وهذه المرأة لها حق السكنى دون النفقة والكسوة لأنها بائن منه لا يتوارثان ولا رجعة لها، ولذا أوجبت لها السكنى فقط، أما الحامل فلها السكنى والنفقة والكسوة حتى تضع، أما المرأة التي لم تبن من زوجها فهي امرأته ترثه ويرثها، ولا تخرج من البيت إلا بإذنه كما أمر، لأنها مطلقة طلاقا رجعيا فهي ملحقة بالزوجة لها كل ما لها، وأما المطلقة ثلاثا فمذهب مالك والشافعى أن لها السكنى دون النفقة كالبائن، وأبو حنيفة يقول: لها السكنى والنفقة.

стр. 2484

أسكنوهن بعض مكان سكناكم «١» من وجدكم، أى: مما تجدونه ومما تطيقونه، ولا تضاروهن في شيء فلتجئوهن إلى الخروج. نفقة الحامل: والحامل المطلقة تجب لها النفقة والسكنى حتى تضع، وأما الحامل المتوفى عنها زوجها فقيل: ينفق عليها من جميع المال حتى تضع، وقيل: ينفق عليها من نصيبها فقط. رضاع الطفل: إذا طلقت المرأة وهي ترضع طفلها، فعلى الآباء أن يعطوهن أجرة الرضاع، وهل للمرأة أن تأخذ الأجرة على الرضاع مطلقا وهي في عصمة الزوج أو لا يجوز لها إلا إذا كانت مطلقة بائنة أو غير بائنة؟ أقوال للفقهاء، وعلاج القرآن في هذا هو: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ والمراد هو التشاور بالمعروف والقول الجميل بلا شدة ولا إضرار، فهو يقوم بطلباتها: وهي تقوم بإرضاع طفلها بلا معاكسات ومحاكمات. فإنها مهما كانت أم أولاده، وهو أب أولادها فمن الخير الإبقاء على الصلة: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً. وإن تعاسرتم في أجرة الرضاع، أو اشتطت الأم في الأجرة، أوشح الرجل في دفعها فسترضع له امرأة أخرى، على أن المرأة المطلقة ليست ملزمة بالإرضاع للطفل إلا إذا أبى ثدي غيرها. النفقة: لينفق الزوج على زوجته المطلقة وعلى ولده الصغير على قدر وسعه بالنسبة لحاله فإن كان غنيا أنفق نفقة الأغنياء، وإن كان فقيرا أنفق نفقة الفقراء وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ، وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ «٢» وقد قال النبي ﷺ لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها وما في وسعها. واتقوا الله فلا تظلموا غيركم، ولا تدعوا ما ليس فيكم، اتقوا الله في ادعاء الفقر أو الغنى، واعلموا أن الله سيجعل بعد عسر يسرا، وبعد الضيق فرجا، وبعد الفقر غنى وهو على كل شيء قدير.

стр. 2485

وعد ووعيد [سورة الطلاق (٦٥) : الآيات ٨ الى ١٢] وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً (١١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢) المفردات: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ: وكثير من القرى عَتَتْ: من العتو، والمراد: أعرضت. نُكْراً: شديدا منكرا. وَبالَ أَمْرِها: عاقبته. أُولِي الْأَلْبابِ: أصحاب العقول. ذِكْراً: هو القرآن. رِزْقاً: جزاء حسنا. الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ المراد: أمر الله وقضاؤه. لقد سبقت أوامر لله وأحكام تتعلق بالأسرة والبيوت والطلاق والزواج والعدة والنفقات، وكانت في أول العصر الحديث مثار نقد شديد وطعن من علماء الغرب على

стр. 2486

الإسلام، ثم انتهى الأمر إلى أن أخذوا بمبدأ الإسلام في الطلاق والزواج. سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ «١» والله- ﷻ يهددنا إن تركنا أحكام القرآن بأنه سيغضب علينا ويذيقنا سوء العذاب في الدنيا والآخرة جزاء إهمال أحكام الإسلام، وقد كان ذلك. المعنى: كثير «٢» من القرى- والمراد أصحاب كل قرية- عتت عن أمر ربها، وأعرضت عنه، وأهملته وخرجت عن أمر رسولها، ولم تمتثل له فكان الجزاء أنها حوسبت على أعمالها حسابا شديدا على ذلك، وعذبت عذابا منكرا في الدنيا والآخرة، فهي قد ذاقت وبال أمرها وعاقبته، وكانت عاقبة أمرها خسارة هائلة. أعد الله لها عذابا شديدا بعد ذلك في الآخرة غير ما مضى، ألست معى في أن من يترك أحكام الله، ويهمل أمر الدين يكون جزاؤه العذاب في الدنيا والآخرة؟! وإذا كان الأمر كذلك فاتقوا الله يا أصحاب العقول الراجحة- أعنى بهم الذين آمنوا بالله ورسوله- وكأن سائلا سأل وقال: لم هذا؟ فكان الجواب: قد أنزل الله إليكم أيها الناس ذكرا لكم هو القرآن، وأرسل رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات، تبين لكم كل شيء وتهديكم إلى كل خير، وقد بينها لكم ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور، والمراد بهم من أراد الله لهم هذا، وسبق في علمه أنهم من أهل الجنة. ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله ربك جنات تجرى من تحتها الأنهار، وقد أحسن الله له رزقا فيها، ووسع له في جنات النعيم. ولا غرابة في ذلك كله فهي تشريعات الحكيم الخبير بكل شيء، فاحذروا مخالفة أمره

стр. 2487

فإنه من يخالفه يذقه عذابا شديدا، فهو الله الذي خلق السموات السبع. وخلق من الأرض مثلهن، أى: سبعا وإن تكن مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السموات، وقيل: المثلية في خضوعها لله وأمره وإرادته، الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل أمر الله وقضاؤه وحكمه بينهن، فالكل خاضع له ﷻ ، ومن كان كذلك كان قادرا على إيقاع العذاب على العصاة والمخالفين لأمره- ﷻ ، ولتعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، فاتقوا الله يا أصحاب العقول، واحذروا عقابه الشديد، واعتبروا بمن سبقكم من الأمم، واعلموا أن علاج القرآن لمشاكلكم إنما هو علاج الخبير البصير.

стр. 2488

سورة التحريم مدنية بالإجماع، وعدد آياتها اثنتا عشرة آية وتسمى سورة النبي، ولذا تعرضت إليه كزوج وإلى بعض ما حدث من زوجاته، وذكرت مع بعض توجيهات مواعظ وأمثلة. ما حدث من بعض زوجاته من خصومة [سورة التحريم (٦٦) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥)

стр. 2489

المفردات: فَرَضَ: شرع وسن. تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ: تحليلها، وحل ما عقدته الأيمان بالكفارة، أو بفعل المحلوف عليه. مَوْلاكُمْ: سيدكم ومتولى أموركم. نَبَّأَتْ بِهِ: أخبرت. وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: أطلعه عليه وجعله ظاهرا عليه. صَغَتْ: مالت وقرئ: زاغت. مَوْلاهُ: ناصره. ظَهِيرٌ أى: مظاهرون ومعاونون. قانِتاتٍ: مواظبات على الطاعات. عابِداتٍ: متعبدات أو متذللات. سائِحاتٍ المراد: صائمات. ثَيِّباتٍ: جمع ثيب، وهي التي ترجع عن الزواج بعد زوال بكارتها. وَأَبْكاراً: جمع بكر من بكر: إذا تقدم غيره، ولا شك أنها تتقدم الثيب، والمراد بها من لم تفض بكارتها. روى الشيخان عن عائشة أن النبي ﷺ كان يحب الحلوى والعسل، وكان إذا صلى دار على نسائه فيدنو من كل واحدة منهن، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس. فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت إليها امرأة من قومها عكة «١» عسل فسقت رسول الله ﷺ منه شربة، فقلت: والله لتحتالن له فذكرت ذلك لسودة وقلت لها: إذا دخل عليك ودنا منك فقولي له: يا رسول الله: أكلت مغافير «٢» وقولي له: وما هذا الريح؟ وكان ﷺ يكره أن يوجد منه الريح الكريهة، فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: أكلت العرفط «٣» حتى صارت فيه، أى: في العسل- ذلك الريح الكريهة، وإذا دخل علىّ فسأقول له ذلك، وقولي أنت يا صفية ذلك، وقد فعلن هذا. وفي هذه الرواية أن التي شرب عندها العسل حفصة، وفي رواية أخرى أن التي شرب عندها العسل زينب بنت جحش، والذي حرمه العسل، وأن حفصة وعائشة ائتمرتا عليه، وقد حلف لحفصة عند ما كلمته أنه لن يعود وأمرها ألا تخبر أحدا. وروى الدّارقطنيّ عن ابن عباس عن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ بأم ولده مارية في بيت حفصة فوجدته حفصة معها- وكانت حفصة غابت إلى بيت أبيها-

стр. 2490

فقالت له: تدخلها بيتي! ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك. فقال لها: «لا تذكري هذا لعائشة فهي علىّ حرام إن قربتها» قالت حفصة وكيف تحرم عليك وهي جاريتك؟ فحلف لها ألا يقربها، فقال النبي ﷺ : «لا تذكريه لأحد» فذكرته لعائشة فآلى ألا يدخل على نسائه شهرا فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة فأنزل الله- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ويقول العلامة القرطبي: هذه الرواية أمثل في السند وأقرب إلى المعنى ، لكنها لم تدون في الصحيح. المعنى: يا أيها النبي المختار: لأى شيء تحرم ما أحل الله لك؟ بمعنى: لا ينبغي منك ذلك، على أن المراد بالتحريم الامتناع عن الاستمتاع بالعسل، أو بمارية على الخلاف في الروايات، وليس المراد بالتحريم اعتقاد كونه حراما بعد ما أحله الله. لم تحرم ما أحل الله لك حالة كونك تبتغى مرضاة زوجاتك؟ إذ لا ينبغي منك أن تشتغل بما يرضى الخلق بل اللائق أن زوجاتك وسائر الخلق تسعى في رضاك، وتتفرغ أنت لمهام الرسالة، والله غفور رحيم، وفي ختام الآية بهذا دليل على تعظيم شأنه، وعلو مكانه حيث جعل ترك الأولى بالنسبة لمقام الكريم يعد كالذنب، وإن لم يكن في نفسه ذنبا، ولم يكن عتاب الله لنبيه إلا لمزيد الاعتناء به. لقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم، وشرع لكم تحليلها بالكفارة وبفعل المحلوف عليه، وكفارة اليمين ذكرت في قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (٨٩ من سورة المائدة) . وعلى رواية أنه حلف تكون الآية ظاهرة المعنى، وعلى أنه لم يحلف يكون سمى التحريم يمينا لأنه تجب فيه كفارة اليمين، وهل كفر النبي ﷺ بأن أعتق رقبة أو لم يكفر؟ قولان، قد فرض الله لكم تحليل يمينكم بالكفارة لها، والله مولاكم وهو العليم فيعلم ما يصلحكم فيشرعه لكم، وهو الحكيم في كل أفعاله وأحكامه. واذكر إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه- هي حفصة على الصحيح- حديثا هو قوله ﷺ عند ما عاتبته حفصة: كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود إليه،
следующие страницы →