الإسلام، ثم انتهى الأمر إلى أن أخذوا بمبدأ الإسلام في الطلاق والزواج. سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ «١» والله- ﷻ يهددنا إن تركنا أحكام القرآن بأنه سيغضب علينا ويذيقنا سوء العذاب في الدنيا والآخرة جزاء إهمال أحكام الإسلام، وقد كان ذلك.
المعنى:
كثير «٢» من القرى- والمراد أصحاب كل قرية- عتت عن أمر ربها، وأعرضت عنه، وأهملته وخرجت عن أمر رسولها، ولم تمتثل له فكان الجزاء أنها حوسبت على أعمالها حسابا شديدا على ذلك، وعذبت عذابا منكرا في الدنيا والآخرة، فهي قد ذاقت وبال أمرها وعاقبته، وكانت عاقبة أمرها خسارة هائلة. أعد الله لها عذابا شديدا بعد ذلك في الآخرة غير ما مضى، ألست معى في أن من يترك أحكام الله، ويهمل أمر الدين يكون جزاؤه العذاب في الدنيا والآخرة؟! وإذا كان الأمر كذلك فاتقوا الله يا أصحاب العقول الراجحة- أعنى بهم الذين آمنوا بالله ورسوله- وكأن سائلا سأل وقال: لم هذا؟ فكان الجواب: قد أنزل الله إليكم أيها الناس ذكرا لكم هو القرآن، وأرسل رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات، تبين لكم كل شيء وتهديكم إلى كل خير، وقد بينها لكم ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور، والمراد بهم من أراد الله لهم هذا، وسبق في علمه أنهم من أهل الجنة.
ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله ربك جنات تجرى من تحتها الأنهار، وقد أحسن الله له رزقا فيها، ووسع له في جنات النعيم.
ولا غرابة في ذلك كله فهي تشريعات الحكيم الخبير بكل شيء، فاحذروا مخالفة أمره
стр. 2487
فإنه من يخالفه يذقه عذابا شديدا، فهو الله الذي خلق السموات السبع. وخلق من الأرض مثلهن، أى: سبعا وإن تكن مطبقة بعضها على بعض من غير فتوق بخلاف السموات، وقيل: المثلية في خضوعها لله وأمره وإرادته، الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل أمر الله وقضاؤه وحكمه بينهن، فالكل خاضع له ﷻ ، ومن كان كذلك كان قادرا على إيقاع العذاب على العصاة والمخالفين لأمره- ﷻ ، ولتعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، فاتقوا الله يا أصحاب العقول، واحذروا عقابه الشديد، واعتبروا بمن سبقكم من الأمم، واعلموا أن علاج القرآن لمشاكلكم إنما هو علاج الخبير البصير.
стр. 2488
سورة التحريم
مدنية بالإجماع، وعدد آياتها اثنتا عشرة آية وتسمى سورة النبي، ولذا تعرضت إليه كزوج وإلى بعض ما حدث من زوجاته، وذكرت مع بعض توجيهات مواعظ وأمثلة.
ما حدث من بعض زوجاته من خصومة [سورة التحريم (٦٦) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤)
عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥)
стр. 2489
المفردات:
فَرَضَ: شرع وسن. تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ: تحليلها، وحل ما عقدته الأيمان بالكفارة، أو بفعل المحلوف عليه. مَوْلاكُمْ: سيدكم ومتولى أموركم. نَبَّأَتْ بِهِ: أخبرت. وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: أطلعه عليه وجعله ظاهرا عليه.
صَغَتْ: مالت وقرئ: زاغت. مَوْلاهُ: ناصره. ظَهِيرٌ أى:
مظاهرون ومعاونون. قانِتاتٍ: مواظبات على الطاعات. عابِداتٍ:
متعبدات أو متذللات. سائِحاتٍ المراد: صائمات. ثَيِّباتٍ: جمع ثيب، وهي التي ترجع عن الزواج بعد زوال بكارتها. وَأَبْكاراً: جمع بكر من بكر: إذا تقدم غيره، ولا شك أنها تتقدم الثيب، والمراد بها من لم تفض بكارتها.
روى الشيخان عن عائشة أن النبي ﷺ كان يحب الحلوى والعسل، وكان إذا صلى دار على نسائه فيدنو من كل واحدة منهن، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس. فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت إليها امرأة من قومها عكة «١» عسل فسقت رسول الله ﷺ منه شربة، فقلت: والله لتحتالن له فذكرت ذلك لسودة وقلت لها: إذا دخل عليك ودنا منك فقولي له: يا رسول الله: أكلت مغافير «٢» وقولي له: وما هذا الريح؟ وكان ﷺ يكره أن يوجد منه الريح الكريهة، فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: أكلت العرفط «٣» حتى صارت فيه، أى:
في العسل- ذلك الريح الكريهة، وإذا دخل علىّ فسأقول له ذلك، وقولي أنت يا صفية ذلك، وقد فعلن هذا.
وفي هذه الرواية أن التي شرب عندها العسل حفصة، وفي رواية أخرى أن التي شرب عندها العسل زينب بنت جحش، والذي حرمه العسل، وأن حفصة وعائشة ائتمرتا عليه، وقد حلف لحفصة عند ما كلمته أنه لن يعود وأمرها ألا تخبر أحدا.
وروى الدّارقطنيّ عن ابن عباس عن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ بأم ولده مارية في بيت حفصة فوجدته حفصة معها- وكانت حفصة غابت إلى بيت أبيها-
стр. 2490
فقالت له: تدخلها بيتي! ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك. فقال لها: «لا تذكري هذا لعائشة فهي علىّ حرام إن قربتها» قالت حفصة وكيف تحرم عليك وهي جاريتك؟ فحلف لها ألا يقربها، فقال النبي ﷺ : «لا تذكريه لأحد» فذكرته لعائشة فآلى ألا يدخل على نسائه شهرا فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة فأنزل الله- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ
ويقول العلامة القرطبي: هذه الرواية أمثل في السند وأقرب إلى المعنى ، لكنها لم تدون في الصحيح.
المعنى:
يا أيها النبي المختار: لأى شيء تحرم ما أحل الله لك؟ بمعنى: لا ينبغي منك ذلك، على أن المراد بالتحريم الامتناع عن الاستمتاع بالعسل، أو بمارية على الخلاف في الروايات، وليس المراد بالتحريم اعتقاد كونه حراما بعد ما أحله الله.
لم تحرم ما أحل الله لك حالة كونك تبتغى مرضاة زوجاتك؟ إذ لا ينبغي منك أن تشتغل بما يرضى الخلق بل اللائق أن زوجاتك وسائر الخلق تسعى في رضاك، وتتفرغ أنت لمهام الرسالة، والله غفور رحيم، وفي ختام الآية بهذا دليل على تعظيم شأنه، وعلو مكانه حيث جعل ترك الأولى بالنسبة لمقام الكريم يعد كالذنب، وإن لم يكن في نفسه ذنبا، ولم يكن عتاب الله لنبيه إلا لمزيد الاعتناء به.
لقد فرض الله لكم تحلة أيمانكم، وشرع لكم تحليلها بالكفارة وبفعل المحلوف عليه، وكفارة اليمين ذكرت في قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (٨٩ من سورة المائدة) .
وعلى رواية أنه حلف تكون الآية ظاهرة المعنى، وعلى أنه لم يحلف يكون سمى التحريم يمينا لأنه تجب فيه كفارة اليمين، وهل كفر النبي ﷺ بأن أعتق رقبة أو لم يكفر؟ قولان، قد فرض الله لكم تحليل يمينكم بالكفارة لها، والله مولاكم وهو العليم فيعلم ما يصلحكم فيشرعه لكم، وهو الحكيم في كل أفعاله وأحكامه.
واذكر إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه- هي حفصة على الصحيح- حديثا هو قوله ﷺ عند ما عاتبته حفصة: كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود إليه،
стр. 2491
وقد حلف، وطلب منها ألا تخبر أحدا، ولكنها أخبرت عائشة بما جرى، فعاتبها النبي ﷺ .
فلما نبأت به وأخبرته عائشة، وقد أطلعه الله عليه، مع أنه كان سرّا بينهما، لما حصل هذا عرف النبي حفصة بعض الحديث الذي أفشته، قيل: هو قوله لها: كنت شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود، وأعرض النبي عن بعضه الآخر تكرما لما فيه من زيادة خجلها، فلما نبأها به قالت: من أخبرك بهذا؟ أهو عائشة يا ترى أم من؟ فأجاب النبي: الذي أخبرنى هو العليم الخبير.
إن تتوبا إلى الله هذا خطاب لعائشة وحفصة كما روى عن عمر- رضى الله عنه- فلتوبتكما سبب وموجب فقد مالت قلوبكما عن الواجب، فإن الواجب أن تكونا في مرضاة رسول الله تحبان ما يحب وتكرهان ما يكره. وفي قراءة: فقد زاغت قلوبكما، والمراد: أسرعوا في التوبة وإرضاء رسول الله، وإن تتظاهرا عليه وتتعاونا على ما يسيئه بسبب شدة الغيرة فلن يعدم من يظاهره فإن الله مولاه وناصره، وجبريل وصالحوا المؤمنين كأبى بكر وعمر وغيرهما من كبار الصحابة، والملائكة بعد ذلك ظهراء له ومتعاونون على إرضائه، ومن كان كذلك فليس في حاجة إلى أحد بعد.
وهاك تهديدا آخر: عسى «١» ربه إن طلقكن أن يعطيه نساء بدلكن خيرا منكن لأنكن لو كنتن خيرا، ما طلقكن. يبدله أزواجا مسلمات مخلصات، مؤمنات مصدقات تائبات راجعات إلى الله في كل حين، عابدات كثيرات العبادة، سائحات صائمات ثيبات وأبكارا «٢» .
ألست معى في أنه لا ينبغي لأحد أن يمتنع عن تناول ما أحله الله؟ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ «٣» وفي أن الكفارات تجبر الخلل الذي يحصل منا، وفي أنا عرفنا موقف النساء بعضهن من بعض وغيرتهن، أليست هذه القصة دليلا
стр. 2492
على أن هذا القرآن من عند الله لا من عند محمد؟! إذ لا يعقل أن يسجل إنسان على نفسه عتابا، أو يخبر عن نزاع في بيته.
توجيهات ومواعظ [سورة التحريم (٦٦) : الآيات ٦ الى ٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)
المفردات:
قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ: احفظوها. غِلاظٌ: شداد في الخلق.
شِدادٌ المراد: شداد في الجسم. نَصُوحاً: خالصة، مأخوذة من قولهم:
عسل ناصح، أى: خالص من الشمع، أو المراد: بالغة في النصح. لا يُخْزِي:
لا يفضح ولا يستخف. وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ: اشتد عليهم.
وما أقوى هذه التوجيهات بعد سرد النزاع الداخلى في بيت النبي، وما أروع هذه المواعظ بعده، وما أحكم هذه المناسبة.
стр. 2493
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله قوا أنفسكم وأهليكم نار جهنم، فإنها نار وقودها الناس والحجارة لا وقودها العشب والحطب احفظوا أنفسكم من هذه النار بترك المعاصي، وفعل الطاعات، واجتناب المنهيات، التي تغضب الله ورسوله، واحفظوا أهليكم منها بأن تأمروهن بالمعروف وتنهوهن عن المنكر، وتعلموهن الخير وأوامر الشرع وتؤدبوهن بأدب القرآن، والأهل: هم الزوجة والأولاد والخدم ومن هم في حوزتك ومعيشتك، ولقد صدق الله: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها «١» ، وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ «٢» فالمسلم الواجب عليه أن يصلح نفسه أولا، ويقي نفسه شر النار وغضب الجبار، ثم يتجه ثانية إلى تكوين أسرته على مبادئ الدين الحنيف ويغرس في نفوسهم أدب القرآن الكريم. والفضائل الإسلامية العليا، بهذا يكون وقى أهله من النار، فلست مطالبا بنفسك فقط. لا. بل عليك نفسك ثم أهلك وأسرتك، ثم إن أردت زيادة في الخير فادع إلى الله واعمل في محيط إخوانك ومعارفك وأصدقائك على نشر أدب الإسلام وتعاليمه.
قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة، عليها حرس من الملائكة غلاظ الأخلاق شداد الأجسام، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
يا أيها الذين كفروا: لا تعتذروا اليوم- أى: عند إدخالهم النار تقول لهم الملائكة ذلك- ليس اليوم يوم عذر وعتاب، وإنما هو يوم جزاء وحساب، وإنما تجزون على ما كنتم تعملون في الدنيا.
يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا «٣» خالصة لوجه الله ليست لغرض أبدا توبة بالغة في النصح لينصح بها صاحبها نفسه، توبة تنصح الناس وتدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها على صاحبها.
والتوبة النصوح تستدعى الإقلاع عن الذنب، والندم عليه لكونه ذنبا- لا لسبب آخر- ندما قلبيّا يدعو إلى الحزن والأسف على ما فرط، وهذا بلا شك يستلزم العزم
стр. 2494
على عدم العودة مرة أخرى، فإذا كان الذنب في حق الله اكتفى الحال بهذا، وإن كان في حق آدمي لزمك إرجاع الحق إلى صاحبه، أو طلب عفوه ومغفرته عنه ولو بالجملة، وهل قبول التوبة لازم أم متروك لمشيئة الله حتى يظل العبد متجها إلى الله؟
الحق- والله أعلم- أنه لا يجب على الله قبول التوبة إذا وجدت بشروطها لكن الله يقبلها كرما منه وتفضلا، عسى ربكم أن يكفر عنكم بالتوبة سيئاتكم، ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار. يوم لا يخزى الله النبي ﷺ بل يكرمه ويعزه لأنه الحبيب المصطفى، ولا يخزى من معه من الذين آمنوا حالة كون نورهم يسعى ويمتد بين أيديهم وبأيمانهم، بشراهم اليوم حالة كونهم يقولون لما رأوا غيرهم يضلون: ربنا أتمم لنا نورنا. واغفر لنا إنك على كل شيء قدير.
يا أيها النبي جاهد الكفار بكل ما أوتيت من قوة، وكذا المنافقين، اغلظ عليهم واشتد في معاملتهم. واعلم أن مأواهم جهنم، وبئس المصير مصيرهم.
أمثلة حية للنساء [سورة التحريم (٦٦) : الآيات ١٠ الى ١٢]
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)
стр. 2495
المفردات:
مَثَلًا المثل: الصفة العجيبة، والمراد: إيراد حالة غريبة ليعرف بها حالة أخرى مشاكلة لها في الغرابة. فَلَمْ يُغْنِيا: لم يدفعا عنهما شيئا من الإغناء. أَحْصَنَتْ فَرْجَها: حفظته. بِكَلِماتِ رَبِّها: شرائعه. مِنَ الْقانِتِينَ: من القوم الطائعين.
قد ضرب الله هذه الأمثال ليعلم الجميع أن القربى إلى الله بالطاعات، لا بالشفاعات والوسيلة، وأن المؤمنة الصابرة على الإيذاء ينجيها الله من القوم الظالمين، وفي هذا تعريض بأمهات المؤمنين وتخويف لهن بأنه لن ينفعهن قربهن من النبي إذا أتين بذنب.
وهذا ختام للسورة رائع بذكر ما يدل على مسئولية المرأة.
المعنى:
ضرب الله مثلا للذين كفروا والمغرورين الذين يدعون الشفاعة لهم من النبي:
ضرب مثلا امرأة نوح وامرأة لوط، كانتا متزوجتين رجلين كريمين على الله: الأول نوح الأب الثاني للبشر، والثاني لوط نبي كريم على الله، ولكن هاتين المرأتين خانتا زوجيهما. والظاهر- والله أعلم- أنها خيانة في العقيدة أو في الخلق غير الزنا فإن الخيانة الزوجية بالزنا خلق ذميم يتبرأ منه الأنبياء وعائلاتهم، فمن المعقول أن تكون امرأة النبي كافرة لأنها ترى هذا، وليس من المعقول أن تكون زانية لأن الزنا مرض وراثي ينشأ من البيئة التي يعيش فيها الشخص ولا يعقل أن يمسك النبي امرأة زانية.
هاتان المرأتان خانت كل منهما زوجها بالكفر أو النميمة أو الاتصال بالأعداء مثلا، فلم ينفعهما قربهما من الأنبياء، ولم يدفع نوح ولوط مع كرامتهما عند الله عن زوجتيهما
стр. 2496
لما عصتا من عذاب الله شيئا، وهذا بيان صريح على أن العذاب يدفع بالطاعة لا بالشفاعة، وقيل لهما: ادخلا النار مع الداخلين لها ممن ليس لهم صلة بنبي أو غيره.
وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون وكانت مؤمنة صالحة، أى: جعل حالها العجيب مثلا لحال المؤمنين في أن صلتها بالكافرين لم تضرها شيئا، ما دامت هي تقوم بالعمل الصالح، ضرب الله مثلها إذ قالت عند تعذيب فرعون لها: رب ابن لي عندك بيتا في الجنة، ونجنى من فرعون وعمله، ونجنى من القوم الطغاة الظالمين.
وضرب الله مثلا للذين آمنوا مريم ابنة عمران أم عيسى- ﵇ التي أحصنت فرجها وحفظته، لأنها العفيفة الحصينة المبرأة من العيب، يا سبحان الله هذا هو وصف القرآن لمريم البتول الطاهرة. فنفخ الله فيه من روحه، والنافخ هو جبريل بأمر الله، نفخ في فرجها وفي جيب قميصها روحا من الله، فحملت مريم عيسى، والإضافة التي في قول الله: من روحنا للتشريع والتكريم ولأنه روح وصلت إلى مريم بلا واسطة أب.
وصدقت مريم بكلمات ربها حيث قال لها جبريل: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
«١» صدقت بشرائع الله وكتبه، وكانت مريم من سلالة القوم الطائعين القانتين.
стр. 2497
سورة الملك
وتسمى الواقية والمنجية، لأنها تقى وتنجي من عذاب القبر، وهي مكية على الصحيح، وعدد آياتها ثلاثون آية، وتشتمل كأخواتها المكيات على إثبات وجود الله ببيان مظاهر قدرته وعلمه، وقد تعرضت لما يلاقيه الناس يوم القيامة، ولبيان بعض نعمه على عباده، والسورة على العموم تدور حول بيان النعم.
مظاهر القدرة والعلم [سورة الملك (٦٧) : الآيات ١ الى ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩)
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)
стр. 2498
المفردات:
تَبارَكَ البركة: النماء والزيادة حسية كانت أو معنوية، والمراد: تعالى وتعاظم بالذات عن كل ما سواه ذاتا وصفة وفعلا، وعليه قول العربي وقد وقف على ربوة:
تباركت عليكم، أى: تعاليت حسيا. الْمَوْتَ وَالْحَياةَ الموت: عدم الحياة عما هي من شأنه، والحياة: ما يصبح بها الإحساس. لِيَبْلُوَكُمْ: ليختبركم، والمراد:
ليعاملكم معاملة المختبر. طِباقاً: متطابقة بعضها فوق بعض بحيث يكون كل جزء منها مطابقا للجزء من الأخرى، وأصل الطبق: جعل الشيء على مقدار الشيء مطابقا له من جميع جوانبه كالغطاء له. تَفاوُتٍ: تباين وعدم تناسب. فُطُورٍ:
صدوع وشقوق. كَرَّتَيْنِ: أى: كرة بعد كرة، والمراد: ترديد النظر.
يَنْقَلِبْ: يرجع. خاسِئاً: محروما ذليلا لعدم إدراك مطلوبه. حَسِيرٌ:
منقطع كليل. بِمَصابِيحَ المراد: بنجوم. رُجُوماً: جمع رجم، المراد ما يرجم به. وَأَعْتَدْنا: هيأنا. السَّعِيرِ: النار الملتهبة. شَهِيقاً: هو الصوت المنكر الذي يشبه صوت الحمار. تَفُورُ: تغلى. تَمَيَّزُ أى:
تنقطع. فَوْجٌ: جماعة. فَسُحْقاً: بعدا عن رحمة الله، والمراد ألزمهم الله سحقا. الْغَيْظِ: شدة الغضب.
المعنى:
تعالى الله وتعاظم- جل شأنه- عما سواه ذاتا وصفة وفعلا وتكاثر خيره وبره على
стр. 2499
جميع خلقه، فهو صاحب التصرف التام في الموجودات «١» على مقتضى إرادته ومشيئته بلا منازع، وهو على كل شيء قدير وهو الحكيم الخبير، ولفظ «تبارك» يدل على غاية الكمال ونهاية التعظيم والإجلال، ولذا لا يجوز استعماله في حق غيره ...
وقد شرع القرآن في تفصيل بعض أحكام الملك وآثار القدرة، وبيان أن لهما حكما وغايات جليلة كلها تعود على الإنسان بالخير العميم.
وهو الذي خلق الموت والحياة، وقدرهما على كل كائن في الوجود، وراعي ترتيبهما الوجودي فقدم الموت على الحياة. ولعل في ذكر الموت مقدما عظة وعبرة لمن يعتبر، قدرهما ليعاملكم «٢» معاملة من يختبر أمركم فيعرف خيركم وشركم، ويعلم أيكم أحسن عملا! وأكثر إخلاصا، وأبعد عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله، وكان المفروض أن يكون عمل الإنسان دائرا بين الحسن والأحسن لا بين الخير والشر، وقد خلق الله الموت والحياة ليبلوكم وليختبركم، فالحياة محل الاختبار والتكاليف، والموت محل الجزاء والثواب الذي هو نهاية الاختبار، وهو العزيز الذي لا يعجزه عقاب من أساء، الغفور لمن شاء أو لمن تاب.
وهو الذي خلق سبع سموات متطابقة بعضها فوق بعض، وهل السموات هي مدارات الكواكب أو مادة لا يعلمها إلا الله؟ الظاهر- والله أعلم- من مجموع النصوص الواردة في القرآن والسنة أن السماء مادة لا يعلمها إلا الله، والعلماء الطبيعيون يقولون: إنها فراغ يدور فيها الكواكب. والخطب سهل، لو تبصر الإنسان لرأى أن الله هو الذي خلق سبع سموات- والعدد على حسب ما كان معروفا عند العرب متطابقة بعضها فوق بعض أشبه ما تكون بطبقات البيضة، ليس فيها عيب ولا خلل، ولا ترى في خلقها تفاوتا في أى ناحية من النواحي، إن كنت في شك في ذلك فارجع البصر، ودقق النظر حتى يتضح لك الحال، ويتبين لك المقام، ولا تبقى
стр. 2500
لك شبهة في تناسب خلق الرحمن واستكماله لكل أسباب الحكمة. فارجع البصر هل ترى من فطور أو شقوق؟ الجواب: لا. ثم ارجع البصر، ودقق النظر مرة بعد مرة- والمراد التكثير في النظر لمعرفة الخلل- يعد إليك البصر محروما من إدراك العيب والخلل في السموات، فكأن النظر طرد عن ذلك طردا بالصغار وعاد خاسئا ذليلا، وهو كليل من طول معاودة النظر.
وعلى الجملة فالسماوات السبع، وما فيهن آية من آيات الله الكبرى لو تأملت ما فيها من تناسب وتجاذب وإحكام ودقة ونظام لا يختل أبدا مع سرعة دورانها، لهالك هذا النظام العجيب، وإن شككت في ذلك فارجع البصر مرة بعد مرة فإنه سيرتد إليك خائبا خاسئا وهو كليل وضعيف أمام هذه القدرة العظيمة.
فهذه السموات السبع خالية من العيوب والخلل، وهي كذلك في غاية الحسن والبهاء. ولقد زينا السماء الدنيا بزينة هي الكواكب، فهي في السماء كالمصابيح في السقوف، وإنك لترى السماء ليلا، وكأنها عروس ليلة الزفاف، وهذه النجوم والأفلاك ينفصل منها أجزاء ملتهبة أو تلتهب من الاحتكاك بالأجواء هذه الأجزاء جعلت رجوما للشياطين، وأعدت لذلك فلم يعد للشياطين طريق لاستراق السمع من السماء، ولم يعد للدجالين الكذابين طريق للكذب على الناس، حيث إن الله أخبر أن النجوم خلقت زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وأعتدنا لأولئك الشياطين عذاب النار المسعرة المشتعلة في الآخرة.
وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم، وبئس المصير مصيرهم، إذا ألقوا فيها سمعوا لها صوتا منكرا كصوت الحمار «١» ، وهو حسيسها حالة كونها تفور بهم وتغلى غليان المرجل، ويا ويلهم حينما يرون النار، تكاد تتميز، أى: ينفصل بعضها عن بعض من شدة الغيظ «٢» والغضب! وهذا وصف لجهنم دقيق.
وهاك وصفا لمن فيها: كلما ألقى فيها جماعة من أصحابها سألهم خزنتها وزبانيتها قائلين لهم: ألم يأتكم نذير يتلو عليكم آيات الله، وينذركم لقاء ربكم؟ قالوا: بلى قد
стр. 2501
جاءنا نذير فأنذرنا وتلا علينا آيات ربنا، فكذبناه، وقلنا له: ما أنزل الله من شيء على بشر مثلنا، ما أنتم أيها الرسل جميعا إلا في ضلال كبير، وقالوا معترفين بخطئهم ومتحسرين على ما فاتهم: لو كنا نسمع الكلام سماع قبول وإنصاف، ولو كنا نعقل ونحكم عقولنا حقيقة في كل ما يلقى إلينا ما كنا في عداد أصحاب السعير اليوم! فاعترفوا بذنبهم الذي هو كفرهم بآيات الله فبعدا لهم من رحمة الله ورضوانه، وسحقا لهم إنهم من أصحاب السعير.
أما المؤمنون الذين يخشون الله حقا، ويؤمنون به، ويخافون عذابه يوم القيامة أولئك لهم مغفرة عظيمة لذنوبهم، ولهم أجر كبير لا يقادر قدره ولا يعرف كنهه.
بعض مظاهر نعمه وقدرته وعلمه مع تهديد الكفار [سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٣ الى ٢٤]
وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)
وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
стр. 2502
المفردات:
بِذاتِ الصُّدُورِ: صاحبة الصدور، والمراد بها الخواطر التي لم تبارح الصدور. اللَّطِيفُ لطف الشيء: دق وصغر حجمه، والمراد أنه مطلع على دقائق الأمور. ذَلُولًا من الذل: وهو اللين ضد الصعوبة، وليس من الذل، وهو الهوان فضده العز. مَناكِبِها: جمع منكب، بمعنى الناحية، والمراد نواحيها وجوانبها، وقيل: جبالها وآكامها إذ المنكب يطلق على ملتقى عظم العضد بالكتف، ولا شك أنه مرتفع. النُّشُورُ: الحياة بعد الموت. يَخْسِفَ يقال: خسف الله بفلان الأرض: إذا غيبه بها. تَمُورُ: تضطرب وتتحرك بشدة. حاصِباً الحاصب: ريح شديدة تحمل الحصباء، أى: الحجارة الصغيرة. نَكِيرِ: تغيرى، والمراد عذابي. صافَّاتٍ يقال: صف الطائر جناحيه: بسطها في الجو وهو يطير.
وَيَقْبِضْنَ والمراد بقبضهما: ضم جناحيه إلى جنبه. جُنْدٌ: أنصار وأعوان.
مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ أى: من غيره. بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ لجوا: تمادوا واستمروا، والعتو: العناد والكبر، والنفور: البعد عن الحق. مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ يقال: كبه على وجهه: صرعه وقلبه، والمكب: هو الشخص الذي يعتريه سقوط على وجهه من حين لآخر. سَوِيًّا: منتصب القامة. صِراطٍ: طريق.
ذَرَأَكُمْ: خلقكم على جهة الكثرة.
كان المشركون ينالون من النبي ﷺ فيخبره جبريل- ﵇ فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كي لا يسمع رب محمد. فنزلت وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ.
стр. 2503
المعنى:
الله يعلم الغيب والشهادة، ويعلم السر وأخفى، فسواء عنده الإسرار في القول والجهر به، إنه عليم بصاحبة الصدور، وبما يكون من الخواطر التي تلازم القلوب فلا تبرحها، ألا يعلم الله مخلوقاته التي خلقها؟ ألا يعلم الخالق خلقه؟ والحال أنه هو اللطيف العالم بدقائق شئون البشر، المطلع على خفايا الخلق، وهو اللطيف بعباده، وإن لطفه بعباده لعجيب، فهو يوصل الخير إليهم، ويكشف الضر عنهم من أخفى الطرق وأدقها، وهو الخبير بكل شيء.
هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا: سهلة مذللة ينتفع الخلق بكل ما فيها، فانقياد الأرض لبنى آدم ظاهر الوضوح، وخاصة في هذه الأيام حيث لم يدع الخلق ضربا من ضروب الانتفاع إلا سلكوه، ولا عنصرا إلا حللوه وركبوه، صهروا المعادن، وفتتوا الذرات واستنبتوا النباتات، واكتشفوا أسرار الكائنات، وغاصوا في أعماق البحار وطاروا في أجواء الفضاء، أليس الله قد لطف بعباده حيث مكنهم من كل ذلك؟ جعل الأرض ذلولا، وإذا كان كذلك فامشوا في مناكبها ونواحيها، وجوانبها وأطرافها، وآكامها وسهلها وحزنها.
احذروا أيها الناس هذا التمادي في الباطل، والتكذيب للرسل، واذكروا أنه تعالى جعل لكم الأرض سهلة لينة منقادة انقياد الدابة الذلول، فدعوا إذن العناد والتكذيب، واعلموا أن إليه النشور، وإليه وحده مرجع الإنسان في الحياة الأخرى ليحاسبه ويجازيه.
واعلموا أيها الناس أن الله قادر على تبديل النعم بالنقم، فاحذروا عقابه، واخشوا غضبه، أأمنتم الحق- ﵎ أن يخسف بكم الأرض، ويغيبكم فيها، فإذا هي تتحرك بشدة حركة غير عادية؟ أأمنتم أيها القوم ذلك الإله العظيم الذي تعتقدون أنه موجود في السماء- مع أنه ثبت بالدليل العقلي أن الله ليس له مكان بل هو موجود بقدرته وعلمه وإحاطته في كل مكان- أأمنتم أن يهلككم، ويبيدكم، ويغير هذه الأرض الذلول التي تنتفعون بها في كل شيء، فإذا هي تمور وتضطرب؟! بل أأمنتم الله الذي هو في السماء- كما تعتقدون- أن يرسل ريحا شديدة تثير الحصباء وتحملها، هذه الريح ترسل عليكم فتهلككم وتستأصل شأفتكم؟!
стр. 2504
انظر إلى ترتيب الآيات ترتيبا محكما دقيقا حيث ذكرهم ربك بنعمة صلاحية الأرض للمعيشة، ثم حذرهم عاقبة التمادي في الباطل، وأن من الحكمة ألا يأمنوا زوال النعم فإن الله قادر على سلبهم إياها، فبعد أن تكون الأرض ذلولا تصبح كالفرس الجموح فترجف وتضطرب اضطراب خسف وهلاك حتى تبتلعهم، وكأن العرب استبعدوا هذا، فأضرب الحق- ﵎ عن تهديدهم بهذا إلى تهديدهم بشيء كثير الحصول عندهم، وهو الريح الحاصب التي تنزع الناس، وتتركهم هلكى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية؟! وفيه يتبين إنذار الله لهم حقا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ؟! ثم أراد الله أن يهددهم بأسلوب آخر يكون بلفت نظرهم إلى من تقدمهم من الأمم التي كذبت رسلها، وأبيدت عن آخرها، وفي ذلك سلوى للرسول الأكرم.
ولقد كذب الذين من قبلهم من الأمم السابقة التي عرفوها، وكانوا يمرون على آثارهم، فغضب الله عليهم وأذاقهم عذاب الحياة الدنيا، وخسف بهم الأرض، وأهلكهم وتلك آثارهم، فانظروا كيف كان نكيري وسخطى على الكفار؟! هؤلاء كذبوا برسلهم، واستخفوا بوعيدهم، واغتروا بمالهم، فكانت عاقبة أمرهم خسرا في الدنيا والآخرة، وكان المشركون من العرب يعتقدون أن ما يهددون به لن يحل أبدا، فذكرهم بما حل بغيرهم. وذكر لهم بعض آيات قدرته في الكون ليعلموا أن الله على كل شيء قدير. فقال ما معناه: أليس من عجائب القدرة ما يراه الإنسان في كل وقت وآن، من تحليق الطيور في أجواز الفضاء، من الذي رفعها، ومن الذي منعها من السقوط، ومن الذي أوجد فيها القدرة على الطيران، وللتحرك في السماء، من الذي ركبها تركيبا به تقوى على ذلك؟ أليس هذا من عجائب صنع الله؟ أعموا ولم يروا إلى الطير فوقهم صافات أجنحتهن تارة، ويقبضنها تارة أخرى، ما فعل هذا إلا الرحمن الذي سهل لذلك الحيوان وسائل الطير والانتقال، كان هذا أساسا لتفكير الإنسان في الطيران، إنه بكل شيء بصير.. بسط الطائر لجناحه أساس طيرانه، وقد يبقى مستمرّا عليه ساعات، وقبضه له وهو يطير قليل الحصول، عارض متجدد. ومن هنا عبر عند البسط بقوله: «صافّات» وعند القبض بقوله: «يقبضن» «١» .
стр. 2505
أولم ينظر المشركون إلى عجيب صنع الله وإلى آثار قدرته الظاهرة في طيران الطائر في الهواء فيعرفوا مبلغ قدرة الله على إنزال العذاب بهم؟! أم أنهم تعاموا عن ذلك اعتدادا بأن لهم من دون الله قوة تحميهم ولهم آلهة من دون الله ترزقهم إن أمسك الله عنهم الرزق، فوبخهم الله وأنبهم على هذا الزعم الفاسد، وأنكر عليهم وجود جند لهم وأعوان يدفعون عنهم عذاب الله إن أراد بهم سوءا فقال: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ «١» لا جند لهم ولا أعوان، ما الكافرون الذين يتوهمون ذلك إلا في غرور باطل، وخداع كاذب، وأنكر عليهم اعتقادهم أن الآلهة ترزقهم إن أمسك الله عنهم الرزق بقوله: أمن هذا الذي يرزقكم؟ أى: أخبرونى من هذا- والإشارة هنا للتحقير- الذي تظنون أنه يرزقكم من دون الله؟! لا أحد أبدا يرزق غيره، فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، بل هؤلاء لجوا في عنادهم، واستمروا في عتوهم ونفورهم عن الحق.
ولقد ضرب الله مثلا للكفار المعاندين الموصوفين بالعتو والنفور مع مقارنتهم بالمؤمنين الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم، ولا شك أن الكافر المغرور الذي نفخ الشيطان في أنفه فامتلأ عتوّا ونفورا فهو كالماشى المكب على وجهه الذي يتعثر في كل خطوة يخطوها، أما المؤمن فهو كالسائر على طريق لاحب، أى: ممهد مستقيم، وهو منتصب القامة معتدل في المشي فأى القبيلين أهدى طريقا، وأقرب وصولا؟
وإذا كان المشركون كذلك فهل هم معذورون أولا؟ لا، ليسوا معذورين في شيء فالله خلق الخلق، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة لعلهم يتجهون إلى الخير وإلى الحق: نور الله! ولكن قليلا ما يشكرون.
قل لهم: هو الذي خلقكم، وذرأكم في الأرض فكان منكم النسل الكثير، والتكاثر المفضى إلى الانتشار في بقاع الأرض، ولكن اعلموا أنكم إليه تحشرون، ولا غرابة في ختام هذه الآيات بالحشر فإن السورة مكية من أغراضها إثبات البعث.
стр. 2506
إثبات للبعث وتهديد وبيان لبعض النعم [سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٥ الى ٣٠]
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩)
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)
المفردات:
زُلْفَةً أى: اقترابا، والمراد مقتربا. سِيئَتْ: من السوء، وهو القبيح.
تَدَّعُونَ: من الدعاء بمعنى الطلب والنداء، أو من الدعاء بمعنى تدعون بطلانه.
غَوْراً أى: غائرا، وغار الماء: إذا نضب وذهب في الأرض. مَعِينٍ: جار على وجه الأرض تراه العيون، مأخوذة من عانه إذا نظره بالعين، أو هو من معن الماء: إذا اطرد وتسلسل.
المعنى:
كان المشركون يسألون النبي ﷺ عن ميعاد البعث استهزاء به وسخرية بوعيده وإنكارا له فيقولون: متى الساعة أيها المؤمنون إن كنتم صادقين في دعواكم؟.
ولكن الله رد عليهم بقوله: إنما العلم عند الله، أى: الله وحده الذي يعلم الوقت، وإنما الرسول مبلغ فقط، أما متى يكون؟ فليس من اختصاصه.
стр. 2507
فلما رأوا هذا اليوم الموعود، والعذاب السيئ الذي أعد لهم. لما رأوه وقد كانوا يكذبون به استاءت وجوههم، وامتلأت غيظا وهماّ، وقيل لهم تأنيبا وإيلاما: هذا الذي كنتم تطلبونه وتسألونه، أو هذا هو الذي كنتم تدعون بطلانه وتزعمون أنه لا يأتيكم، فها أنتم أولاء ترونه قريبا منكم، لا شك فيه الآن.
كان النبي ﷺ يدعوهم إلى الإيمان، ويلح في ذلك، وفي خلال هذا يسفه أحلامهم ويذم آلهتهم، وكانوا يكرهون ذلك ويستاءون له فكانوا يقولون لبعض: انتظروا فسيموت وتموت دعوته ويهدأ بالنا، وتطمئن نفوسنا.
فرد الله عليهم آمرا النبي أن يقول لهم: أخبرونى إن استجاب الله دعاءكم، فأهلكنا بالموت أو رحمنا فأخر أجلنا قليلا. ماذا تستفيدون من ذلك، ما دمتم مقيمين على الكفر والضلال، أتحسبون أن ذلك ينجيكم من عذاب الله؟ لا ولن ينفعكم موتنا أو عدمه، وإنما الذي ينفعكم هو الإيمان فقط، والذي نجانا نحن هو الإيمان بالرحمن والتوكل عليه فقط، وأما أنتم إذا ظللتم على ما أنتم عليه فستعلمون غدا من هو في ضلال كبير؟
قل لهم مذكرا بنعمة من نعمه: أخبرونى إن أصبح ماؤكم غائرا لا تصله الأيدى ولا الدلاء فمن يأتيكم بماء معين جار على وجه الأرض نابع من العيون، أو منظور إليه بالعيون؟ لا أحد غير الله فآمنوا به واعملوا صالحا ينجيكم ربكم من عذاب أليم.
стр. 2508
سورة ن
وتسمى سورة القلم، وهي مكية على الصحيح، وعدد آياتها اثنتان وخمسون آية وتشمل بيان بعض صفات النبي ﷺ وإرشاده إلى مخالفة المكذبين ثم ذكر قصة أصحاب البستان تهديدا للكفار، ثم مناقشتهم وإبطال حججهم، وبعد ذلك أمر النبي بالصبر على أذاهم، مع بيان شدة بغضهم للنبي والقرآن.
محمد رسول الله أكرم الخلق على الله [سورة القلم (٦٨) : الآيات ١ الى ١٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)
فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)
وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤)
إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)
стр. 2509
المفردات:
ن ينطق بها هكذا نون: وفيها ما في حروف الهجاء التي افتتحت بها السور المكية، وقد تقدمت مرارا، وهي بلا شك رمز (شفرة) بين الله- ﵎ وبين رسوله المصطفى، على أن بعضهم ذكر حكمة لذكرها، هي أنها سيقت تنبيها للمشركين إلى أن القرآن الذي أعجزكم مكون من حروف هجائية ينطق بها كل إنسان منكم، ومع هذا عجزتم عن الإتيان بمثله. وَالْقَلَمِ: وهو الآلة المعروفة.
وَما يَسْطُرُونَ: وما يكتبون. مَمْنُونٍ: مقطوع أو منقوص.
الْمَفْتُونُ: المجنون، من فتن: إذا أصيب بفتنة أى محنة أو بلاء من ذهاب عقل أو مال أو موت ولد. تُدْهِنُ من الإدهان، وهو المداهنة والملاينة، يقال: أدهن الرجل في دينه وداهن في أمره: إذا خان وأظهر خلاف ما يضمر، وأصل اللفظ من الدهن الذي هو البل، فإنه يلين اليابس. حَلَّافٍ: كثير الحلف. مَهِينٍ:
ضعيف الرأى حقيره. هَمَّازٍ: كثير الهمز، والهمز في اللغة: النخس، ومنه المهماز للدابة، والمراد به الطعن في الناس والغض منهم وذكرهم بالمكروه، وهو كاللمز. مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ: يمشى بين الناس بالنميمة والسعاية. مُعْتَدٍ: يتعدى حدود العدل والإنصاف. أَثِيمٍ: كثير الآثام. عُتُلٍّ: هو الأكول والشّراب القوى الجسم الغليظ. زَنِيمٍ: دعى، أى: يندس في القوم ويلحق بهم في النسب ولا يكون منهم. سَنَسِمُهُ الوسم: أن تضع علامة على الشيء تميزه بها عن غيره.
الْخُرْطُومِ: هو في الخنزير كالأنف للإنسان.
المعنى:
أقسم الحق- ﵎ هنا بقوله: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ أما القسم بالقلم وأثره فهو للإشارة إلى عظم النعمة بهما وأنهما من النعم على الإنسان بعد المنطق والبيان، إذ على قدر انتشارهما في أمة يكون مقدار نبوغها وتقدمها بين الأمم على أن هذا الإقسام بهما لفت أنظار العالم إلى خطرهما وأثرهما.
стр. 2510
وما أروع لفظ وَما يَسْطُرُونَ حيث يشمل كل فنون الكتابة والتعبير عما في الضمير بالرسم والتصوير، ويشمل كل آلة أو نظام استحدث للتوصل إلى ذلك من آلات ومعدات حدثت أو ستحدث، وهكذا القرآن، لأنه صادر من علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما سيكون من البشر، تجده يختار العبارات التي تشمل كل المخترعات ألا ترى إلى قوله: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ [سورة النحل آية ٨] .
ولعلك تدهش حين تعلم أن هذه السورة من أوائل السور نزولا، وكانت سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ أول سورة نزلت، ولكن لا غرابة فهذا دين سماوي يعرف مقدار الكتابة والقراءة وأثرهما في نظام الدنيا، ثم يكون هذا كله على يد نبي أمى عربي لا يقرأ ولا يكتب؟ وأقسم الله بالقلم وما يسطرون به ما أنت يا محمد- بنعمة ربك وفضله- بمجنون، كما يصفك هؤلاء المشركون، وكأن المعنى: انتفى عنك الجنون بسبب ما أنعم الله عليك من خلق كريم، ورعاية من ربك الرحمن الرحيم، وكيف تكون مجنونا، وأنت العاقل الصادق الأمين، بإقرارهم جميعا؟! وكيف ذلك؟! وإن لك لأجرا غير مقطوع، إنه عطاء غير محدود، على ما قمت به من تبليغ الرسالة وأداء الأمانة، وما تحملت في سبيل ذلك من عنت وإرهاق، كيف يكون مجنونا من يقوم بعبء هذه الرسالة؟! والحال أنك على خلق عظيم، وإذا شهد الله هذه الشهادة فهل بعد ذلك شيء.
إذا كان الأمر كذلك، وأنك في عناية الله ورعايته، وأنك خاتم رسله وإمام أنبيائه فستبصر ويبصرون حقيقة الأمر، وأن الله مع المؤمنين، وهو ناصر رسله على الكفار والمشركين، وقد كان المشركون يعتزون بعددهم وأموالهم وأولادهم ويسترسلون في إيذاء النبي ﷺ وربما تأثر النبي بشيء من ذلك، ولكن الله يطمئنه- ووعده الحق- أن النصر في جانبه، وأن الدائرة عليهم.
فستعلم ويعلمون: من منكم هو المجنون؟ «١» ، وهذا كلام مبنى على التعريض بالمشركين بأن الجنون فيهم لا يعدوهم إلى غيرهم، ووصفه تعالى لهم بالجنون مشاكلة،
стр. 2511
وفي الواقع ليس فيهم جنون حقيقة بل وصفوا به من حيث إعراضهم عن الحق واتباعهم الهوى والباطل: ولا شك أن من كان كذلك كان جديرا بالجنون، وحيث نصر الله عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده علموا وعلم الكل أنهم كانوا كالمجانين حين كذبوا وكفروا، لا عجب في ذلك الحكم فربك هو أعلم- لا يعلم غيره- بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين، إذ هو خلق الناس من تراب ثم من نطفة ثم من علقة، فهو تعالى يعلم الذين حادوا عن السبيل، أو هدوا إلى صراط العزيز الحميد.
إذا كان الأمر كذلك فلا تطع المكذبين بحال من الأحوال في أى شيء يطلبونه، إنهم ودوا من صميم قلوبهم لو تداهن في أمر يطلبونه، فهم يدهنون «١» كذلك، أى:
يكافئونك على ملاينتك لهم.
كان النبي ﷺ في أول الدعوة يقف وحده أمام قوى الأعداء المتكاثرة ومع هذا كانوا يعرضون على النبي أن يلاينهم نوعا ما فلا يذم آلهتهم، ولا يسفه أحلامهم وهم لذلك لا يهاجمون المسلمين، وربما وقع في نفس النبي بعض الشيء من هذا الكلام فجاءت هذه الآية فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ شحنا للعزائم، وإلهابا للهمة، بعد أن ذكره ربه في فاتحة السورة بما كان يصفه به أولئك المشركون من أنه مجنون وأفاك أثيم، فكيف بعد هذا يصانعهم أو يمالئهم، كان هذا تعليما إلهيا للنبي ولأصحاب الدعوات، إذ هذا غالبا ما يؤخذ سلاحا يطعن به الأشراف والأبرياء وأصحاب الدعوات، وهذا نهى للنبي عن إطاعة الكفار المكذبين مطلقا، ثم نهاه عن إطاعة نوع خاص فيه صفات خاصة، كل واحدة كفيلة بالتحذير من الطاعة، وهذه اجتمعت في الوليد بن المغيرة على الصحيح، وقيل: في غيره.
ولا تطع كل حلاف كثير الحلف باليمين، فإنه لا يكثر الحلف إلا إذا كان معتقدا أن مخاطبه لا يصدقه، ولا بد أن يكون كذابا بينه وبين نفسه وبينه وبين ربه.
مَهِينٍ أى: ذليل حقير في عقله ورأيه، لا في شخصه وماله. هَمَّازٍ:
كثير الهمز واللمز، والطعن في الناس والغض منهم وذكرهم بالمكروه مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ يمشى بين الناس بالسعاية والفساد وإيقاع العداوة والبغضاء. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ يمنع
стр. 2512
نفسه وغيره من الخير والإصلاح. مُعْتَدٍ أَثِيمٍ كثير الاعتداء وارتكاب الآثام والمعاصي مع الناس. عُتُلٍّ جاف غليظ الطبع سىء الخلق، بغيض المعاملة، أكول شروب مادى حقير. بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ بعد هذا كله فهو دعى ليس ذا أصل معروف، وقد كان الوليد كذلك استحلقه أبوه بعد ولادته بثمان عشرة سنة.
لأنه كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال: هي أساطير الأولين وأكاذيبهم، يتداولها الناس من جيل إلى جيل.
هذا المخلوق ومن على شاكلته سيسمه ربك على أنفه «١» وسيلحق به ذل وعار يلزمه لزوم العلامة، وقد تحقق ذلك فسيظل اسم الوليد بن المغيرة مقرونا بالذل والحقارة إلى يوم الدين.
هذا هو محمد ﷺ أكرم الخلق على الله، وهذه بعض صفاته يسجلها ربه في هذه السورة، ومعها توجيهات إلهية له ولكل من يقوم بدعوته، ومع هذا كله صفات عشرة كلها في منتهى الذم والحقارة وصف بها عدو من أعداء الحق والدعوة المحمدية!!!
قصة أصحاب الجنة ومغزاها [سورة القلم (٦٨) : الآيات ١٧ الى ٣٣]
إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)
أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١)
عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)
стр. 2513
المفردات:
بَلَوْناهُمْ: فعلنا معهم فعل المختبر. الْجَنَّةِ المراد: البستان كثير الزروع والثمار والأغصان الملتفة التي تستر ما تحتها، والعرف يخص الجنة بفراديس النعيم في الآخرة. لَيَصْرِمُنَّها الصرام: وقت جنى الثمر. مُصْبِحِينَ: داخلين في الصباح. وَلا يَسْتَثْنُونَ المراد لا يقولون: إن شاء الله. طائِفٌ أى: طرقها في الليل من أمر الله طارق وهو هلاكها. كَالصَّرِيمِ: كالبستان المصروم ثمره أى: المقطوع، وللصريم معان أشهرها أنه الليل المظلم أو الأرض السوداء.
حَرْثِكُمْ: زرعكم والمراد مكان الزرع، أى: الحقل. يَتَخافَتُونَ:
يتكلمون كلاما مهموسا لا يسمعه أحد. وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ: ذهبوا حالة كونهم قادرين في ظنهم على حرد أى: منع للمساكين. أَوْسَطُهُمْ: أعدلهم وأحسنهم رأيا لأن الوسط من كل شيء خياره وعليه قوله تعالى: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) . لَوْلا تُسَبِّحُونَ: هلا تنزهون الله من كل سوء. يَتَلاوَمُونَ أى: يلوم بعضهم بعضا. يا وَيْلَنا: يا هلاكنا احضر فهذا أوانك.
طاغِينَ: متجاوزين الحد والعقل والشرع. راغِبُونَ أى: متوجهون ومتضرعون.
المعنى:
لقد منّ الله على الناس جميعا بنعم لا تعد ولا تحصى، ومن الناس: أهل مكة، حيث كانت لهم تجارات واسعة وبعض المزروعات، وكانت لهم رحلتان صيفا وشتاء، ثم
стр. 2514
أرسل لهم رسول الله بالهدى ودين الحق ليخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الهدى والعلم، ومع النبي ﷺ قرآن فيه ذكرهم وشرفهم يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم، ولكنهم كفروا وكذبوا، ولم يراعوا حق الله، وكفروا بالنعم فاستحقوا العذاب والهلاك، أليس هذا بلاء وأى بلاء؟
إنا بلونا أهل مكة بالنعم، ثم بإرسال إمام الرسل، فكفروا واستحقوا من الله عظيم النقم، حيث اغتروا بالمال والأهل والولد، ولم يرعوا حق الله فيهم، كما بلونا أصحاب البستان كثير الخير والبركات عظيم الثمر، ملتف الأغصان، ولكنهم ما عرفوا حق الله وكفروا بالمساكين وحقوقهم، ثم بعد ذلك ندموا، ولات ساعة الندم.
ولأصحاب البستان قصة خلاصتها: كان هناك رجل صالح يخاف الله، ويعطى حقوق المساكين، ويعلن عن يوم الجنى ليحضر كل مستحق فيأخذ من خير الله ما يستحق، ثم توفى هذا الرجل وخلفه أولاده على البستان وكانوا كثرة، ثم لما قرب جنى الثمار تذاكروا فيما بينهم ماذا يفعلون كما كان أبوهم يفعل؟ لا. إنه كان رجلا طيبا، وكان فردا واحدا منهم تبعاته قليلة، أما نحن فجماعة ولنا أولاد، وبأى شيء يستحق المسكين في البستان؟ ونحن الذين قمنا بالحرث والزرع والتسميد. لا. لا. لن نعطى أحدا، قالوا هذا إلا واحدا منهم وعظهم فلم يتعظوا، وأمرهم فلم يأتمروا، وكان واحدا وهم جماعة فنزل على إرادتهم مكرها، ولا تنس قول الله: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا [سورة البقرة آية ٢٦٨] .
عقدوا أمرهم عشاء على أن يذهبوا مبكرين في الصباح ليصرموا الجنة وحدهم بدون أن يعلم المساكين ولم يقولوا: إن شاء الله، وظنوا أنهم قادرون على منعهم، وبيناهم كذلك إذ طاف عليها طائف من ربك، وطرقها بلاء عظيم لم يكن للإنسان فيه أى مدخل، فأصبحت كالبستان المصروم ثمره. أصبحت كقطعة الليل ظلاما، أرأيت إلى حقل القطن بعد الجنى؟ إنه كالليل الأسود.
فلما رأوها هكذا، بعد أن ساروا ليلا في السر، وكتموا أنفاسهم حتى لا يعلم مسكين قصدهم، لما رأوها قالوا: يا ويلنا إنّا لضالون حيث منعنا حقوق المساكين وغفلنا عن قدرة الله الكبير، ثم بعد ذلك ذهبوا إلى أبعد من هذا قائلين: لا تظنوا أنا حرمنا المساكين بفعلنا هذا. لا. ليسوا محرومين أبدا فإن الله موجود، ولكن نحن
стр. 2515
المحرومون من التوفيق والهداية، حيث خرجنا عن أمره. وقسونا على عباده وخلقه.
قال أوسطهم عقلا، وأرجحهم رأيا: ألم أقل لكم عند ما عزمتم على منع المساكين هلا تسبحون الله؟ هلا تنزهون الله فتطيعوا أمره؟ ولا تظنوا فيه العجز على الرزق والإعطاء ومعاقبة العاصي المتكبر؟ قالوا إزاء هذا: سبحان ربنا وتنزيها له إنا كنا ظالمين. ندموا على ما فات وهل ندمهم كان صحيحا أم لا؟ الله أعلم.
فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، قالوا: يا ويلنا، إنا كنا طاغين وخارجين عن حدود العقل والشرع والسنن الإلهية، ندموا وقالوا: عسى ربنا أن يبدلنا خيرا من تلك الجنة التي أبيدت، إنا إلى الله وحده راغبون ومتجهون.
أيها الناس: العذاب العاجل نرسله على الطغاة المتجبرين والكفار والمشركين مثل هذا العذاب الذي أرسل في لحظة واحدة فأهلك الحرث والنسل، فإياكم والغرور وإياكم ومخالفة أمر الله، ولعذاب الآخرة أكبر وأشد لو كان الناس يعلمون.
مناقشة المكذبين وتهديدهم [سورة القلم (٦٨) : الآيات ٣٤ الى ٤٧]
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨)
أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣)
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)
стр. 2516
المفردات:
تَدْرُسُونَ درس الكتاب: قرأه بعناية ليفهمه. أَيْمانٌ: عهود ومواثيق.
بالِغَةٌ: مغلظة مؤكدة. زَعِيمٌ: كفيل وضامن. يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ:
كناية عن اشتداد الأمر وعظيم الهول يوم القيامة. تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ: تلحقهم ذلة واستكانة. فَذَرْنِي: اتركني. الْحَدِيثِ: القرآن والوحى الذي يبلغه النبي إلى الناس. سَنَسْتَدْرِجُهُمْ الاستدراج: أن تنزل بالمرء درجة درجة إلى حيث تريد، والمراد سنأخذهم على غفلة. وَأُمْلِي لَهُمْ: أمهلهم وأؤخرهم. كَيْدِي مَتِينٌ: عمل معهم الذي يشبه الكيد القوى. أَجْراً: أجره على البلاغ.
مَغْرَمٍ: غرامة. مُثْقَلُونَ: محملون حملا ثقيلا.
لقد كان مشركو مكة يقفون من الدعوة الإسلامية موقف العدو اللدود الذي ينفق كل نفس ونفيس في سبيل إحباطها والقضاء عليها، والله- ﷻ يعلم ذلك، فهو تارة يهددهم، ويكشف حالهم، ويباعد بين النبي ﷺ وبينهم فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وتارة يضرب لهم الأمثال بمن سبقهم من المغرورين والمكذبين الذين نالهم من الله ما نالهم كأصحاب الجنة.
ثم بعد ذلك أخذ يناقشهم الحساب وينقض أوهامهم وحججهم.
وقد كانوا يقولون: نحن أحسن حالا من النبي وصحبه فنحن أكثر مالا وأغنى رجالا، ولنا قوة ومنعة، وأصحاب محمد في فقر وضعف وقلة عدد وعدد. فإذا كان يوم القيامة فنحن سنكون مثلهم إن لم نكن أحسن منهم.
في هذا سيقت تلك الآيات الواضحات تفند رأيهم وتهدم زعمهم الباطل.
стр. 2517
المعنى:
إن للمتقين الذين اتقوا الله واتخذوا لأنفسهم الوقاية من عذاب الله حيث امتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه، هؤلاء لهم عند ربهم جنات النعيم، إن للمتقين- لا الكافرين المكذبين- جنات النعيم، وانظر إلى قوله: عند ربهم: فهل يعقل أن يكون للكفار جنة مثلهم عند ربهم؟ وقد كفروا به ولم يعرفوا له حقه.
يقول الحق- ﵎: عجبا لكم أيها الكفار، أفنجور في الحكم- وهذا محال- فنجعل المسلمين المتقين كالمجرمين الكافرين، ثم التفت لهم لتأكيد الرد وتشديده قائلا: ما لكم؟ أى شيء حصل لكم من خلل في العقل وسوء في الرأى؟
كيف تحكمون؟ أى: على أى وضع حكمتم هذا الحكم؟ هل هو عن عقل أو عن اختلال فكر وسوء رأى؟ «١» . لا. إنه حكم مجرد عن العقل والنظر السليم.
أم لكم كتاب فيه تدرسون؟ إن لكم فيه لما تخيرون؟ بل «٢» ألكم كتاب مكتوب سواء كان سماويا أو غيره تدرسون فيه وتقرأون إن لكم فيه الذي تتخيرونه وترضونه بقطع النظر عن أى اعتبار! لا شيء من هذا.
لم يكن لكم كتاب فيه ما تقولونه من أن لكم يوم القيامة ما تختارونه. بل ألكم أيمان، وعهود علينا، أيمان مغلظة وعهود موثقة تبلغ إلى يوم القيامة. جوابها إن لكم لما تحكمون! .. لا شيء من هذا أبدا.
سلهم يا محمد متحديا: إن كان لهم كتاب فيه ما ذكر فليبرزوه، وإن كان لهم يمين من الله فليظهروه، وإن كان لهم زعيم وضامن لهم ما يقولون فمن هو؟
فليس معهم دليل نقلي من كتاب الله أو غيره، وليست لهم حجة ظنية من يمين أو غيره وليس لهم ضامن يضمن قولهم فماذا بعد هذا؟!
стр. 2518
بل ألهم شركاء من الأصنام والأوثان التي يعبدونها إن كانوا صادقين فليأتوا بشركاء يشهدون لهم، ويؤيدونهم في أن لهم نصيبا في الجنة، لا شك أن المشركين ليس لهم شركاء يشهدون لهم، إذ هي أصنام وأوثان لا تنفع ولا تضر، ولا تبصر ولا تسمع، وبذلك تكون قد بطلت حجتهم، وانقطعت معاذيرهم، وحقت الكلمة عليهم، إن كان لهم شركاء كما يدعون فليأتوا بهم يوم يكشف عن ساق: وهو يوم القيامة، يوم الفزع الأكبر، يوم يشتد الهول ويعظم الأمر.
اذكروا أيها المشركون ذلك اليوم الشديد الهول الذي يجازى فيه كل على ما فرط في جنب الله، وستجازون أنتم على ذلك ويقال لكم: ها أنتم اليوم قد ظهر لكم الحق، فاسجدوا لله واعبدوا، ولكن أنى لهم ذلك؟ وقد حيل بينهم وبين ما يشتهون؟! عند ذلك تخشع أبصارهم، وترتجف قلوبهم، وترهقهم ذلة واستكانة مما قدموا من سىء الأعمال، وقد كانوا قبل ذلك يدعون إلى السجود بإلحاح، وهم في بحبوحة العيش وسلامة الجسم، وفي وقت العمل والطاعة، أما اليوم فهو للجزاء والحساب فقط.
فيا ويلهم من هذا اليوم الذي يكشف فيه عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون.
إذا كان الأمر كذلك فاتركنى مع من يكذب بهذا القرآن، اتركني وهؤلاء فأنا بهم بصير، وعلى جزائهم قدير، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون «١» ، أما استدراج الله لهم فهو أن الله أعطاهم مالا وأولادا، ومتعهم بصحة وعافية فشغلهم كل ذلك عن النظر الصحيح في آيات الله واتباع الرسول مع قيام الأدلة الواضحة على صدقه وصحة نبوته، وقد تمادوا في باطلهم وغفلتهم، حتى حسبوا أن تأخير العذاب عنهم وإسداء النعم لهم لأنهم يستحقون ذلك، وأنهم مكرمون عند ربهم، بل أعماهم الغرور ففهموا أنه سيكون لهم مثل ذلك يوم القيامة كالمؤمنين على الأقل، وما زال المشركون كذلك سادرين في غيهم وغرورهم حتى نزل بهم البلاء فبدد الله جمعهم، وشتت شملهم أليس هذا استدراجا لهم؟ وإملاء لهم حتى تكون القاضية.
وقد سمى تأخير العذاب عنهم وتمتعهم بالنعم- مع أنه قدر عليهم الشقاء والفناء
стр. 2519
والهلاك وسيلاقونه حتما- سمى الله هذا كيدا لأنه يشبه الكيد إذ الكيد الحقيقي عمل الضعيف مع القوى، والله مبرأ من هذا، فهو القوى القادر ذو البطش الشديد.
بل أتسألهم أجرا كبيرا على رسالتك، فهم من التزاماته مثقلون؟ بل أعندهم صحائف الغيب فهم يكتبون ما شاءوا لهم؟ لا هذا ولا ذاك، وقد لزمتهم الحجة.
ختام السورة [سورة القلم (٦٨) : الآيات ٤٨ الى ٥٢]
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)
المفردات:
كَصاحِبِ الْحُوتِ: هو يونس بن متى. مَكْظُومٌ: من كظم غيظه:
إذا رده وحبسه. بِالْعَراءِ: بالأرض الفضاء. مَذْمُومٌ: ملوم. فَاجْتَباهُ رَبُّهُ: اختاره. لَيُزْلِقُونَكَ: ليجعلونك تزلق وتزل، يقال: زلقت قدمه:
زلت، وأزلق فلانا ببصره نظر إليه نظر متسخط كاره.
المعنى:
إذا كان الأمر كذلك، وأن هؤلاء الكفار قد بطلت حجتهم، ولم يعد فيه فائدة من نقاشهم فاصبر لحكم ربك وقضائه، فإن لله سنة لا تتخلف أبدا مع الناس فهو يملى للمكذبين، ويؤجل عقوبتهم، ولكنه لا يهملهم أبدا، ولا بد من نزول العقوبة بهم،
стр. 2520
وليس عليك إلا الصبر، ولا تكن كيونس بن متى ذلك النبي الصالح الذي لاقى من قومه عنتا ومشقة وألما وهماّ، لا تكن مثله في الضجر والألم وعدم التحمل إذ نادى، ودعا على قومه، وهو ممتلئ غيظا وألما، ثم خرج من ديارهم كارها لهم كالآبق، فلما وصل إلى الساحل ركب السفينة، وانتهى الأمر إلى إيقاعه في اليم، فالتقطه الحوت، وهو مليم آت بما يلام عليه حيث لم يصبر على أذى قومه إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا ...
وفي سورة (ص) المزيد من قصة يونس.
ولكن الله تداركه بلطفه، حين استقر في بطن الحوت، وأصبح في ظلمات ثلاث فنادى الله اللطيف الخبير تائبا نائبا لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ «١» لما تداركه الله برحمته وقبل توبته ألقاه الحوت في العراء، والحال أنه غير مذموم إذ قبل الله توبته، فاجتباه وأرسله إلى أهل «نينوى» فآمنوا به، ومتعهم ربك إلى حين، ولا عجب فهو من الصالحين.
فيا رسول الله لا تكن كيونس، وإنما اصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، وسيقضي الله أمرا كان مفعولا، واعلم أن هؤلاء المكذبين لا يألون جهدا في عداوتك فمهما لاقيت منهم فهو قليل، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى: وإن يكاد الذين كفروا لينظرون إليك نظر الحاقد الكاره حتى كأنه من شدة الغيظ والحنق يكاد يزلق قدمك ويرميك من طولك، فهذه النظرات المسمومة كأنها سهام محسوسة حين يسمعون منك القرآن، أرأيت وصفا أدق من هذا للحقاد الحاسد! ويقولون: إنه لمجنون كما قالوا سابقا، وما هذا القرآن إلا ذكر للعالمين، وشرف للناس أجمعين، فهل يعقل أن يكون هذا القرآن آتيا على يد مجنون!!
стр. 2521
سورة الحاقة
وهي مكية بالإجماع وعدد آياتها إحدى وخمسون آية، وهي تشمل الكلام على يوم القيامة، ومن كذب به من الأمم السابقة ونهايتهم، ثم وصفا عامّا لهذا اليوم وما يلاقيه المؤمن والكافر، ثم تعرضت للقرآن وأثبتت أنه من عند الله بلا شك، وأن الواجب على النبي هو الصبر والتسبيح لله.
جزاء من كذب بالساعة [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١ الى ١٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩)
فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)
المفردات:
الْحَاقَّةُ: من حق فلان الأمر بمعنى حققه وأوجبه وأثبته، والمراد الساعة والحاقة لأمور الحساب والمثبتة له، أو هي المحققة الوقوع. بِالْقارِعَةِ: ضرب
стр. 2522
الشيء الصلب والنقر عليه بشيء مثله، والمراد الساعة التي تقرع القلوب بهولها والدنيا بدكها وانصداعها. بِالطَّاغِيَةِ أى: بالطغيان والظلم الواقع منهم. صَرْصَرٍ:
شديدة الهبوب في الآذان وشديدة البرودة على الأبدان. عاتِيَةٍ: متجاوزة الحد في العصف والهبوب. حُسُوماً الحسم في اللغة: القطع بالاستئصال. صَرْعى:
مطروحين على الأرض. أَعْجازُ نَخْلٍ: أصولها وجذوعها. خاوِيَةٍ: نخرة فارغة. وَالْمُؤْتَفِكاتُ: المتقلبات، يقال: ائتفكت القرية بأهلها: انقلبت، ومنه الإفك للكذب لأنه يقلب الحقائق. بِالْخاطِئَةِ: بالأفعال الخاطئة.
رابِيَةً: شديدة زائدة في شدتها، من ربا: إذا زاد. طَغَى: ارتفع وتجاوز حده. الْجارِيَةِ: السفينة التي تجرى على الماء. واعِيَةٌ
: حافظة.
المعنى:
الساعة الحاقة، التي تحقق أمور البعث، وتثبتها وهي المحققة الوقوع ما هي؟! وكأن النفس لغرابتها وهولها تتساءل عنها قائلة: ما هي تلك الحاقة «١» ؟! وما أدراك أيها الإنسان ما الحاقة؟ «٢» أليس عجبا من الإنسان وخاصة المكذبين للبعث لا يدرون ما الحاقة على حقيقتها ثم يكذبون بها!! إن أمر التكذيب بيوم القيامة من قديم الزمان، فقد جاءت رسل كلها تدعو إلى التوحيد وإثبات البعث، فكذبتهم أممهم، وأنكروا البعث فكان جزاؤهم ما قصه القرآن، فاصبر يا محمد على تكذيب قريش للبعث فإن الله معك، واحذروا أيها المكذبون عاقبة عملكم، فإنها لن تكون أقل من عاقبة عاد وثمود، ومن ذكر معهم.
كذبت ثمود وعاد- قد مر ذكرهما والكلام عليهما مرارا- بالقارعة التي هي يوم القيامة، فإنها تقرع القلوب بالإفزاع، وتقرع السموات والأرض بالدك والنسف والانشقاق، فهي القارعة بلا شك.
стр. 2523
فأما ثمود فأخذهم ربك بالصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين حين كذبوا أخاهم صالحا وكفروا بالله ولم يصدقوا بالبعث، فأهلكوا بسبب أعمالهم الطاغية المتجاوزة الحدود في العقل والعرف والشرع، أما تفصيل السبب فقد ذكر في قصة الناقة في سورة هود وغيرها، وأما عاد فأهلكوا بريح قوية شديدة، متجاوزة الحد في البطش وقسوة الإهلاك لأنهم كفروا بالله وكذبوا رسولهم هودا ولم يؤمنوا بالبعث، وضموا إلى ذلك أعمالا أخرى فإنهم كانوا يبنون قصورهم في الطريق وعلى سفوح الجبال للعبث واللهو والمجون ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون ... إلخ ما مرّ من سورة الشعراء وغيرها.
هذه الريح التي أهلكتهم سخرها عليهم ربك سبع ليال وثمانية أيام لم تدع شيئا إلا جعلته كالرميم، فقطعت كل نبت وزرع وولد وخير، وأهلكت القوم حتى كنت تراهم صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية بالية، فهل ترى لهم من باقية؟ لست ترى لهم أثرا ولا عينا. وجاء فرعون ومن قبله من الأمم، وجاء قوم لوط أصحاب القرى المؤتفكة، جاءوا بالفعلة الخاطئة والإثم الكبير، حيث كفروا وكذبوا وأنكروا البعث فأخذهم ربك أخذة رابية شديدة، أخذ عزيز مقتدر.
واذكروا أيها المشركون من سلالة قوم نوح، أنه لما طغى الماء، وتجاوز حده حملناكم في السفينة ونجيناكم من الغرق وأهلكنا المكذبين الكفار، فأنتم أيها المعاصرون أبناء من نجاهم الله، فهل يليق بكم أن تكفروا به؟؟
حملنا آباءكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وعبرة وموعظة، ولتعيها آذان واعية فيرويها الخلف عن السلف فيحفظها ويعتبر بها، فاحذروا يا كفار مكة أن تكونوا مثل هذه الأمم احذروا. ثم احذروا!
يوم الحساب وما فيه من مواقف للأبرار والفجار [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١٣ الى ٣٧]
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧)
يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢)
قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧)
ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢)
إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)
стр. 2524
المفردات:
الصُّورِ: هو البوق. حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ: رفعتا وسيرتا.
فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً: الدك والدق متقاربان في المعنى غير أن الدك أبلغ والمراد ضرب بعضهما في بعض وصارتا كتلة واحدة، أى: صارت مجموعة السهول من الأرض مع مجموعة الجبال كتلة واحدة. وَقَعَتِ الْواقِعَةُ: قامت القيامة.
وَانْشَقَّتِ السَّماءُ: وهذا كناية عن انصداعها وتشققها وتبدل أحوالها.
стр. 2525
واهِيَةٌ: مختلة ضعيفة لا تماسك بين أجزائها. وَالْمَلَكُ أى: الملائكة.
أَرْجائِها: جنباتها، جمع رجا بمعنى الجانب. عَرْشَ رَبِّكَ: هو سرير الملك، أو كناية عن العز والملك والسلطان. خافِيَةٌ أى: حالة خافية كنتم تسترونها عن الناس. كِتابَهُ: صحيفة عمله. بِيَمِينِهِ أى: بيده اليمين، وهي كناية عن اليمن والخير والبركة. هاؤُمُ: خذوا. ظَنَنْتُ أى: تيقنت.
راضِيَةٍ: ذات رضا ويرضى عنها أصحابها. قُطُوفُها دانِيَةٌ: جمع قطف وهو الثمر الذي حان وقت قطافه، والدانية: القريبة التي لا تعب في إحضارها.
فَغُلُّوهُ: ضعوا فيه الغل، أى: ما يكبل به الأسير من القيود والسلاسل.
صَلُّوهُ أى: اجعلوه في جهنم يصلى نارها ويحترق بها. ذَرْعُها: طولها.
حَمِيمٌ: صديق حميم. غِسْلِينٍ: ما يسيل من أهل جهنم من قيح أو صديد أو دم. الْخاطِؤُنَ: الآثمون.
المعنى:
هذا هو وصف ليوم القيامة الموعود به، والذي عبر عنه القرآن أول السورة بقوله:
الحاقة، والذي كذبت به الأمم السابقة، فأهلكها الله جزاء تكذيبها، وحذر قريشا أن تسلك مسلكها.
فإذا أراد الله أن يعلم الناس بيوم القيامة، نفخ الموكل بالبوق نفخة واحدة، يصعق لها ما في السموات وما في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا الناس قيام ينظرون الحساب: فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة، وحملت الأرض والجبال واضطربت ورفعت من مكانها وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ فدكتا، أى: الأرض السهلة والجبال المرتفعة دكة واحدة حتى صارت مستوية كأنها كتلة واحدة، فيومئذ تتزلزل الأرض وتمور مورا، وتسير الجبال سيرا وتنسف حتى تصير كثيبا من الرمل مهيلا، يوم إذ يحصل هذا تقع الواقعة وتقوم القيامة، فالسماء وعوالمها عند ذلك يختل نظامها وتتشقق جوانبها فهي يومئذ بالية متداعية لا ترى فيها هذا النظام المحكم الدقيق، أما سكانها من الملائكة فيقفون على جوانبها حين تتصدع، كالبيت إذا انهدم منه جزء انتشر سكانه في أرجائه وجوانبه التي لم تسقط.
ويحمل عرش ربك يومئذ ثمانية فوقهم، وهذا تمثيل لكمال عزته وانفراد جلالته