← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

سورة الحاقة وهي مكية بالإجماع وعدد آياتها إحدى وخمسون آية، وهي تشمل الكلام على يوم القيامة، ومن كذب به من الأمم السابقة ونهايتهم، ثم وصفا عامّا لهذا اليوم وما يلاقيه المؤمن والكافر، ثم تعرضت للقرآن وأثبتت أنه من عند الله بلا شك، وأن الواجب على النبي هو الصبر والتسبيح لله. جزاء من كذب بالساعة [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١ الى ١٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) المفردات: الْحَاقَّةُ: من حق فلان الأمر بمعنى حققه وأوجبه وأثبته، والمراد الساعة والحاقة لأمور الحساب والمثبتة له، أو هي المحققة الوقوع. بِالْقارِعَةِ: ضرب

стр. 2522

الشيء الصلب والنقر عليه بشيء مثله، والمراد الساعة التي تقرع القلوب بهولها والدنيا بدكها وانصداعها. بِالطَّاغِيَةِ أى: بالطغيان والظلم الواقع منهم. صَرْصَرٍ: شديدة الهبوب في الآذان وشديدة البرودة على الأبدان. عاتِيَةٍ: متجاوزة الحد في العصف والهبوب. حُسُوماً الحسم في اللغة: القطع بالاستئصال. صَرْعى: مطروحين على الأرض. أَعْجازُ نَخْلٍ: أصولها وجذوعها. خاوِيَةٍ: نخرة فارغة. وَالْمُؤْتَفِكاتُ: المتقلبات، يقال: ائتفكت القرية بأهلها: انقلبت، ومنه الإفك للكذب لأنه يقلب الحقائق. بِالْخاطِئَةِ: بالأفعال الخاطئة. رابِيَةً: شديدة زائدة في شدتها، من ربا: إذا زاد. طَغَى: ارتفع وتجاوز حده. الْجارِيَةِ: السفينة التي تجرى على الماء. واعِيَةٌ : حافظة. المعنى: الساعة الحاقة، التي تحقق أمور البعث، وتثبتها وهي المحققة الوقوع ما هي؟! وكأن النفس لغرابتها وهولها تتساءل عنها قائلة: ما هي تلك الحاقة «١» ؟! وما أدراك أيها الإنسان ما الحاقة؟ «٢» أليس عجبا من الإنسان وخاصة المكذبين للبعث لا يدرون ما الحاقة على حقيقتها ثم يكذبون بها!! إن أمر التكذيب بيوم القيامة من قديم الزمان، فقد جاءت رسل كلها تدعو إلى التوحيد وإثبات البعث، فكذبتهم أممهم، وأنكروا البعث فكان جزاؤهم ما قصه القرآن، فاصبر يا محمد على تكذيب قريش للبعث فإن الله معك، واحذروا أيها المكذبون عاقبة عملكم، فإنها لن تكون أقل من عاقبة عاد وثمود، ومن ذكر معهم. كذبت ثمود وعاد- قد مر ذكرهما والكلام عليهما مرارا- بالقارعة التي هي يوم القيامة، فإنها تقرع القلوب بالإفزاع، وتقرع السموات والأرض بالدك والنسف والانشقاق، فهي القارعة بلا شك.

стр. 2523

فأما ثمود فأخذهم ربك بالصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين حين كذبوا أخاهم صالحا وكفروا بالله ولم يصدقوا بالبعث، فأهلكوا بسبب أعمالهم الطاغية المتجاوزة الحدود في العقل والعرف والشرع، أما تفصيل السبب فقد ذكر في قصة الناقة في سورة هود وغيرها، وأما عاد فأهلكوا بريح قوية شديدة، متجاوزة الحد في البطش وقسوة الإهلاك لأنهم كفروا بالله وكذبوا رسولهم هودا ولم يؤمنوا بالبعث، وضموا إلى ذلك أعمالا أخرى فإنهم كانوا يبنون قصورهم في الطريق وعلى سفوح الجبال للعبث واللهو والمجون ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون ... إلخ ما مرّ من سورة الشعراء وغيرها. هذه الريح التي أهلكتهم سخرها عليهم ربك سبع ليال وثمانية أيام لم تدع شيئا إلا جعلته كالرميم، فقطعت كل نبت وزرع وولد وخير، وأهلكت القوم حتى كنت تراهم صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية بالية، فهل ترى لهم من باقية؟ لست ترى لهم أثرا ولا عينا. وجاء فرعون ومن قبله من الأمم، وجاء قوم لوط أصحاب القرى المؤتفكة، جاءوا بالفعلة الخاطئة والإثم الكبير، حيث كفروا وكذبوا وأنكروا البعث فأخذهم ربك أخذة رابية شديدة، أخذ عزيز مقتدر. واذكروا أيها المشركون من سلالة قوم نوح، أنه لما طغى الماء، وتجاوز حده حملناكم في السفينة ونجيناكم من الغرق وأهلكنا المكذبين الكفار، فأنتم أيها المعاصرون أبناء من نجاهم الله، فهل يليق بكم أن تكفروا به؟؟ حملنا آباءكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة وعبرة وموعظة، ولتعيها آذان واعية فيرويها الخلف عن السلف فيحفظها ويعتبر بها، فاحذروا يا كفار مكة أن تكونوا مثل هذه الأمم احذروا. ثم احذروا! يوم الحساب وما فيه من مواقف للأبرار والفجار [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ١٣ الى ٣٧] فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)

стр. 2524

المفردات: الصُّورِ: هو البوق. حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ: رفعتا وسيرتا. فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً: الدك والدق متقاربان في المعنى غير أن الدك أبلغ والمراد ضرب بعضهما في بعض وصارتا كتلة واحدة، أى: صارت مجموعة السهول من الأرض مع مجموعة الجبال كتلة واحدة. وَقَعَتِ الْواقِعَةُ: قامت القيامة. وَانْشَقَّتِ السَّماءُ: وهذا كناية عن انصداعها وتشققها وتبدل أحوالها.

стр. 2525

واهِيَةٌ: مختلة ضعيفة لا تماسك بين أجزائها. وَالْمَلَكُ أى: الملائكة. أَرْجائِها: جنباتها، جمع رجا بمعنى الجانب. عَرْشَ رَبِّكَ: هو سرير الملك، أو كناية عن العز والملك والسلطان. خافِيَةٌ أى: حالة خافية كنتم تسترونها عن الناس. كِتابَهُ: صحيفة عمله. بِيَمِينِهِ أى: بيده اليمين، وهي كناية عن اليمن والخير والبركة. هاؤُمُ: خذوا. ظَنَنْتُ أى: تيقنت. راضِيَةٍ: ذات رضا ويرضى عنها أصحابها. قُطُوفُها دانِيَةٌ: جمع قطف وهو الثمر الذي حان وقت قطافه، والدانية: القريبة التي لا تعب في إحضارها. فَغُلُّوهُ: ضعوا فيه الغل، أى: ما يكبل به الأسير من القيود والسلاسل. صَلُّوهُ أى: اجعلوه في جهنم يصلى نارها ويحترق بها. ذَرْعُها: طولها. حَمِيمٌ: صديق حميم. غِسْلِينٍ: ما يسيل من أهل جهنم من قيح أو صديد أو دم. الْخاطِؤُنَ: الآثمون. المعنى: هذا هو وصف ليوم القيامة الموعود به، والذي عبر عنه القرآن أول السورة بقوله: الحاقة، والذي كذبت به الأمم السابقة، فأهلكها الله جزاء تكذيبها، وحذر قريشا أن تسلك مسلكها. فإذا أراد الله أن يعلم الناس بيوم القيامة، نفخ الموكل بالبوق نفخة واحدة، يصعق لها ما في السموات وما في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا الناس قيام ينظرون الحساب: فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة، وحملت الأرض والجبال واضطربت ورفعت من مكانها وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ فدكتا، أى: الأرض السهلة والجبال المرتفعة دكة واحدة حتى صارت مستوية كأنها كتلة واحدة، فيومئذ تتزلزل الأرض وتمور مورا، وتسير الجبال سيرا وتنسف حتى تصير كثيبا من الرمل مهيلا، يوم إذ يحصل هذا تقع الواقعة وتقوم القيامة، فالسماء وعوالمها عند ذلك يختل نظامها وتتشقق جوانبها فهي يومئذ بالية متداعية لا ترى فيها هذا النظام المحكم الدقيق، أما سكانها من الملائكة فيقفون على جوانبها حين تتصدع، كالبيت إذا انهدم منه جزء انتشر سكانه في أرجائه وجوانبه التي لم تسقط. ويحمل عرش ربك يومئذ ثمانية فوقهم، وهذا تمثيل لكمال عزته وانفراد جلالته

стр. 2526

بالملك والسلطان، وأن الكل خاضع لجبروته لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [سورة غافر آية ١٦] . وهذه الأوصاف التي ورد ذكرها في هذه الآيات وغيرها مما يجب أن نؤمن به كما ورد في القرآن والسنة الصحيحة، على أن تشعر قلوبنا بالخشية والخوف من هول ذلك اليوم! يومئذ تعرضون للحساب والثواب لا تخفى منكم حالة خافية كنتم تريدون سترها وإخفاءها وكيف تخفى على علام الغيوب خافية؟ وهو العليم بذات الصدور، إذا كان الأمر كذلك، فأما المتقون الذين اتقوا الله وخافوا هذا اليوم فأولئك يؤتون كتابهم بيمينهم، ويأخذون صحائف أعمالهم باليمين، واليمين يستعملها العرب في مواضع الخير والبركة والفرح والسرور، ولذلك يقول فرحا مسرورا لإخوانه: خذوا اقرءوا كتابي إنه كتاب يسر قارئيه، ولا عجب في ذلك إنى تيقنت أنى ملاق هذا اليوم للحساب فعملت له خير عمل وتجنبت لأجله كل سوء ومعصية، ولذلك كانت النتيجة أنه أصبح في عيشة مرضية وحياة سعيدة هنية، هذه الحياة في جنة عالية البنيان شامخة الأركان، قطوفها دانية على طرف الثّمار ثم يقال له ولأمثاله: كلوا واشربوا هنيئا جزاء ما أسلفتم وقدمتم من صالح الأعمال في الأيام الخوالى. وأما من أوتى كتابه بشماله لأنه لم يعد لهذا الموقف حسابه، والشمال تستعمل في مواضع الشؤم والحزن ولذلك تراه يقول: يا ليتني لم أعط هذا الكتاب الذي جمع كل الأعمال ولم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ويا ليتني مت فلم أدر ما حسابيه، يا ليت الموتة الأولى كانت القاضية ولم يكن هناك حياة ثانيةا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً «١» . يا قوم: أين مالي وأهلى وقوتي وسلطاني؟! ما أغنى عنى مالي وهلك بعيدا عنى سلطاني. ثم يقول الله لملائكته: خذوه وضعوا في يديه الأغلال والأصفاد ثم ألقوه في جهنم يصطلى بنارها، أدخلوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا، أدخلوه في نار جهنم. ولا عجب، إنه كان لا يؤمن بالله العظيم، لم يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، وما كان يحض على طعام الفقير والمسكين، وإذا كان الأمر كذلك فليس له اليوم ها هنا حميم ولا صديق كريم مع أنه في أشد الحاجة إلى الناصر والمعين، وليس له من طعام إلا من قيح وصديد، لا يأكله إلا الخاطئون المذنبون قساة القلوب وأصحاب الأعمال السيئة.

стр. 2527

حقيقة الإنسان وما أنزل فيه [سورة الحاقة (٦٩) : الآيات ٣٨ الى ٥٢] فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢) المفردات: كاهِنٍ: هو من يخبر بالغيب، ويدعى معرفة الأسرار. تَقَوَّلَ التقول: تكلف القول، ويراد به الكذب والافتراء. بِالْيَمِينِ: المراد بها اليد اليمنى: أو القوة والبطش. الْوَتِينَ: هو الوريد وهو عرق رئيسى متصل بالقلب يوزع الدم على أجزاء الجسم. حاجِزِينَ: مانعين. لَحَسْرَةٌ: لغمّ وحزن. لَحَقُّ الْيَقِينِ: حق هو اليقين الذي لا شك فيه. فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ: نزه الله عما لا يليق. المعنى: فلأنا «١» أقسم بما تبصرون من المخلوقات، وما لا تبصرون منهم، إن هذا القرآن لقول رسول كريم يبلغه عن ربه بعد أن أوحاه إليه. وقيل المعنى: إذا كان الأمر

стр. 2528

كذلك- وقد تكلمنا عن يوم القيامة وعلى من كذب به، وما فيه من مواقف المتقين والمشركين كل ذلك ليثوب المشركون إلى رشدهم ويؤمنوا بالله ورسوله وباليوم الآخر، ولم يحصل هذا- فلا أقسم بما ترونه وما لا ترونه على أن هذا القرآن نزل على محمد ﷺ قاله مبلغا عن ربه الذي أوحاه إليه، لا أقسم على هذا لظهوره كالشمس أو هو أوضح، وهذا الرسول الكريم ما لكم تكذبونه، وتدعون تارة أنه شاعر، وأخرى أنه كاهن، وأخرى أنه افتراه على الله، عجبا لكم! أهذا القرآن كلام شاعر؟ وأنتم أعلم الناس بقول الشعر والشعراء! ما هو بقول شاعر لاشتماله على الحقائق والقوانين والقصص العالي، وما فيه من أحكام وشرائع الشعر عندكم خلو من هذا كله، فكيف يكون محمد شاعرا؟ وبطلان هذا ظاهر، وبهتانكم فيه أكبر، فلا غرو أن يوبخكم الله بقوله: قليلا ما تؤمنون! وكيف تقولون: إن القرآن كلام كاهن وأنتم تعلمون أن الكاهن له غرض مادى وليس في نفسه السمو والكمال، ولا يدعو إلى الفضيلة والمثل العليا، وهو إن صدق مرة فيكذب مرارا (وكلام الكهان سجع مصنوع وقول موضوع) على أن الكهانة انتهت بظهور القرآن، يقول: تذكروا وادرسوا القرآن لتفرقوا بينه وبين الكهانة قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ والقرآن ليس بالشعر وليس بالكهانة، وإنما هو تنزيل من رب العالمين وفيض من الخالق الرحمن الرحيم، وسرعان وذكر كريم أنزل على لسان رجل صادق مصدق ذي شرف وخلق كما تقرون له بذلك. وكيف تدعون أنه اختلقه ونسبه إلى ربه، ولو تقول علينا بعض الأقاويل والأكاذيب لأخذناه أخذ عزيز قادر، وقطعنا منه حبل الوريد حتى لا يحيا لحظة واحدة في الوجود لأنه يكذب على الله ﷻ ، وما وجدنا أحدا يرد عنه كيدنا أو يقف منه موقف الناصر والمعين ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ!! [سورة الصافات آية ١٥٤] . وإن القرآن لتذكرة وموعظة للمتقين، أولئك الذين صفت أرواحهم وطهرت، وخلت من العصبية الممقوتة أو التقليد الأعمى، وإنه لحسرة على الكافرين فهو يزيد المؤمنين إيمانا وسرورا، ويزيد الكافرين حسرة وارتيابا وظنونا، وإنه لحق هو اليقين، الذي لا شك فيه ولا شبهة، إذا كان الأمر كما عرفت وأن القرآن الذي أنزل عليك من

стр. 2529

ربك لا شك فيه ولا ريب، وأن المكذبين لك والكافرين بالله لهم سوء العذاب في يوم بئيس، إذا كان الأمر كذلك فلم يبق إلا الصبر والمثابرة وتحمل الأذى، فاصبر واستعن على ذلك بتسبيح الله الأقدس وتنزيهه عن كل نقص، واعلم أن اسم الرب كل لفظ يدل على الذات أو على صفة من صفاته كالرحمن الرحيم، ولا شك أن تنزيه الاسم الخاص تنزيه للذات. والله أعلم.

стр. 2530

سورة المعارج مكية بالإجماع، وعدد آياتها أربع وأربعون آية. وتشمل تهديد المشركين بعذاب واقع، مع التعرض لوصف القيامة، ثم الكلام على الإنسان وطبعه وعلاجه، ثم ختام السورة بمثل ما بدئت به. تهديد المشركين بالعذاب الواقع عليهم [سورة المعارج (٧٠) : الآيات ١ الى ١٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً (٦) وَنَراهُ قَرِيباً (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨)

стр. 2531

المفردات: سَأَلَ سائِلٌ: السؤال يكون تارة بمعنى طلب الشيء واستدعائه، ويعدّى حينئذ بالباء فتقول: سألت بكذا، أى: طلبته وعليه قوله: ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ أو بمعنى الاستبخار عن الشيء اعتناء به، ويعدى عند ذلك بعن أو بالباء تقول: سألت عنه وعن حاله. وسألت به وبحاله، وعليه قوله تعالى: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً دافِعٌ: مانع وواق. الْمَعارِجِ: هي المصاعد والدرجات. تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ تصعد، والمراد تلقى الأوامر والنواهي. كَالْمُهْلِ: هو مائع كالزيت، أو مائع الفلزات- المعادن- المذابة. ولها لون خاص ضارب إلى الخضرة أو الحمرة. كَالْعِهْنِ: هو الصوف الملون، وقيل: المنقوش. حَمِيمٌ الحميم: صديق المرء وقريبه الذي يهتم به. وَصاحِبَتِهِ: زوجته. وَفَصِيلَتِهِ فصيلة الرجل: عشيرته ورهطه الأدنون. كَلَّا: كلمة ردع وزجر للمخاطب عن اعتقاد أو رأى أو عمل تغالى في التمسك به. لَظى: نار ملتهبة. نَزَّاعَةً لِلشَّوى: هي أعضاء الجسم الخارجية كاليدين والرجلين مثلا، وقيل: هي جلدة الرأس. كان المشركون حين يهددهم النبي بعذاب الله يستخفون به وبتهديده، وينكرون عليه ذلك، بل ويستعجلونه استهزاء به حتى قال زعيمهم في ذلك وهو النضر بن الحارث: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ وربما كان هذا الموقف مع النبي مما يثير نفسه، ويجعله يتمنى أن لو نزل عليهم عذاب يردع أمثالهم فيؤثر هذا في انتشار الدعوة الإسلامية، فأنزل الله هذه الآيات ليطمئن النبي ﷺ وليهددهم بعذاب واقع عليهم لا محالة، ثم يأمره بالصبر الجميل. المعنى: سأل سائل «١» وطالب بعذاب واقع، وكان النضر بن الحارث هو الذي طلب هذا واستدعاه، أو سألك سائل عن عذاب واقع طالما حدثتهم به، ويحتمل أن يكون السائل هو النبي ﷺ وسياق الآية لا يأباه.

стр. 2532

لقد أجاب الله عن هذا السؤال بقوله: هو للكافرين، ليس له دافع، أى: هذا العذاب معد ومهيأ للكافرين، ليس له مانع يمنعه من الله رفيع الدرجات صاحب المعارج والمراقي إلى الكمالات وهذه المعارج إذا نسبت إلى الحق- ﵎ كانت بمعنى علو الذات وترفعها عن النقائص ووصفها بكل الكمالات. تعرج وتصعد إليه الملائكة- وخاصة جبريل- في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة من سنى الدنيا، تعرج إلى حظيرة القدس، حيث يفاض عليها من التجليات الإلهية، والأوامر الربانية ما به يحصل النظام العام للكون، وما يتعلق بتدبير الكائنات، فليس عروجهم وصعودهم إلى مكان لأنه منزه عن الحلول بالمكان. وهل هذا اليوم الطويل هو كناية عن أيام الدنيا أو الآخرة؟ قيل بهذا وبذاك، والله أعلم بكتابه، على أن المراد بقوله: (خمسين ألف سنة) هو الكثرة المطلقة لا التحديد بهذا العدد، والعرب تفعل هذا كثيرا في كلامها. بقي أن نفهم السر في الارتباط بين سؤال السائل والعذاب الواقع، وبين عروج الملائكة وترددها بين الله- وبين هذه الأكوان بما يريده منها ويقضيه فيها. الجواب: أن المعنى: هذا معد للكافرين، ليس لهم ما يمنعهم من عذاب الله أبدا، ثم نبههم بقوله: تعرج الملائكة ... الآية إلى أن هذا العذاب إنما يرونه بعيدا لطول مدة الدنيا في نظرهم، مع أنها ليست كذلك عند الله تعالى، وبالنسبة إلى الأحقاب التي تربط الأبد بالأزل، سوى يوم واحد تعرج فيه الملائكة إلى الله بالتدبير لهذه الدنيا التي ترونها خمسين ألف سنة، فما لكم تستعجلون العذاب؟ فهم يرون العذاب بعيدا جدّا لأن الدنيا في نظرهم طويلة جدّا، وأما عند الله فالدنيا يوم واحد وزمن قليل فما لكم تستبطئون الحساب؟ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ «١» ترى أن الله قدر اليوم عنده بألف سنة مرة، وأخرى بخمسين ألف سنة، والمراد الكثرة لا التحديد بزمن- والله أعلم- وقيل: المراد باليوم هو يوم القيامة وصف بأنه خمسون ألف سنة تهويلا وتخويفا للكفار، والخلاصة أن المراد وصف اليوم بالطول مطلقا.

стр. 2533

إذا كان الأمر كذلك فاصبر يا محمد صبرا جميلا لا قلق معه، فإن الموعود به حاصل لا محالة إنهم يرون العذاب الذي يتوعدهم به النبي بعيدا زمانه ونراه قريبا. يوم تكون السماء كدردي الزيت أو مائع النحاس أو الحديد المذاب في النار، والمراد تغير الوضع واختلاف الحال، وتكون الجبال كالصوف المندوف يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [سورة القارعة الآيتان ٤ و ٥] . هذه حال السماء والأرض في ذلك اليوم، أما حال الخلائق فهي كما وصف الله، الناس في شغل شاغل فلا يسأل حميم حميما، ولا قريب قريبا إذ كل عنده ما يغني يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ «١» هل هم لا يسألون أحماءهم وأقاربهم لأنهم لا يرونهم؟ الجواب: إنهم يبصرونهم أى: قد جعلهم الله لا يبصر بعضهم بعضا، ولكن لكل منهم ساعتها شأن يشغله عن أى شيء آخر، ومع هذا فيود كل امرئ منهم من صميم قلبه لو يفتدى نفسه من هول ذلك اليوم بأحب الناس إليه وأعزهم عليه كأولاده وزوجته وإخوته وعشيرته التي تؤويه بل يود لو يفتدى نفسه بمن في الأرض، ثم ينجيه من هذا العذاب البئيس الذي هو فيه إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [سورة المائدة آية ٣٦] . وكأن المكذبين بيوم الدين السائلين عن العذاب المستعجلين له، يتعللون بالأمانى الكاذبة، وأنهم يفدون أنفسهم من هذا العذاب، فكذبهم القرآن وردعهم عن هذا بقوله: «كلا» إن جهنم التي أعدت لهم نار محرقة، لهبها شديد لا منجى منها ولا هرب، تكون نزاعة للأطراف من الأرجل والأيادى، وتنزع كذلك فروة الرأس، فما أصبرهم عليها!! هذه النار تدعو من أدبر عنها وتولى، أو من أدبر عن الحق وأعرض عنه في الدنيا، هذا الدعاء على حقيقته كما روى عن ابن عباس أو هو مجاز «٢» . وتدعو من جمع المال فجعله في وعاء وحفظه وكنزه ولم يؤد حقوق الله فيه، فليس الجمع وحده معيبا، وإنما المعيب الجمع مع عدم إخراج حقوق الفقراء والمساكين فيه.

стр. 2534

طبيعة الإنسان وعلاج القرآن لها [سورة المعارج (٧٠) : الآيات ١٩ الى ٣٥] إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) المفردات: هَلُوعاً الهلع: أفحش الجزع. مع الشح وكثرة الضجر. جَزُوعاً: كثير الجزع والمراد أنه يؤوس قنوط. لِلسَّائِلِ: الفقير الذي يتكفف فيعطى. وَالْمَحْرُومِ: الذي يتعفف فيحرم. بِيَوْمِ الدِّينِ: يوم القيامة. مُشْفِقُونَ: خائفون. ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ: طلب غير هذا. العادُونَ: المتجاوزون الحد.

стр. 2535

هدد الله المشركين بذكر يوم القيامة، وما يحصل فيه بعد التعرض للسؤال عن العذاب الواقع، ثم ذكر هنا طبيعة الإنسان التي تدعوه إلى الكفر واستعجال العذاب والإتيان بأعمال يكون الدافع له حب العاجلة وترك الآجلة، وتلك من غرائز الناس إلا من آمن به فإنه ينجو منها. المعنى: إن الإنسان خلق من طين أسود لازب، جف حتى صار كالفخار، ثم نفخ فيه من روح الله، هذا الإنسان لا بد أن ينزع إلى الشر وإلى الخير، ونزعه إلى الشر كثير بل هو الأصل، ولا يخفف هذا إلا دواعي الخير كالإيمان السليم والقرآن الكريم، والعقل الراجح وبدون هذا فالإنسان حيوان، لكنه مفكر، فالإنسان من حيث هو إنسان مادى بطبعه يؤثر الدنيا على الآخرة، ويحب العاجلة على الباقية، ولا يمنعه من هذا إلا الإيمان بالله وحبه له ولرسوله، وامتثال أمر الشرع في أفعاله، عندئذ يتبصر فيرى الحق ويتبعه وإن خالف نفسه وهواه ويرى الشر فيتجنبه وإن دعته له الدنيا وطبيعته، فالإنسان خلق كثير الهلع، شديد الجزع، إن مسه الشر يستولى عليه يأس قاتل، وقنوط مميت، فهو لعدم إيمانه بالله يظن أن هذا الذي نزل به من فقر أو مرض أو مصيبة لا يمكن أن تتحول عنه، كأنه ليس في الكون إله يقدر على ذلك، وهو إن مسه الخير، وصادفه الحظ كان منوعا له عن الناس جميعا، لأنه يعتقد أن هذا الذي وصل إليه إنما أوتيه على علم عنده وعلى قوة وبصر منه ليس لله فضل عليه، وليس لمخلوق حاجة لديه، ولذلك تراه يمنع رفده، ويضرب عبده ويأكل وحده، تراه فظا غليظ القلب جافى الطبع سىء المعاملة. تلك بعض طبائع الإنسان الموجودة فيه. أما علاجها فهو الإيمان بالله، وحسن التوكل عليه، وحب الآخرة، والبعد عن الدنيا وزينتها، وخلاصة ذلك: طاعة الحق، والإشفاق على الخلق، والإيمان بيوم الدين، والخوف من العقوبة، وقد استثنى الله- سبحانه- من الناس الذين جبلوا على الهلع والجزع ومنع الخير- وفي هذا إشارة إلى العلاج- المؤمنين الكاملين الواثقين في الله ثقة كاملة، وهؤلاء هم المصلحون المحافظون على صلاتهم المداومون عليها، الذين يعطون الفقير حقه من أموالهم، سواء سأل أو تعفف، والذين يؤمنون بالغيب، ويصدقون بيوم البعث، والذين هم من عذاب ربهم دائما في خوف، فليس

стр. 2536

عندهم غرور، ولا تخدعهم تلك الأمانى الكاذبة مع سوء العمل، إن عذاب ربهم غير مأمون، إن هؤلاء المؤمنين الكاملين الواثقين في الله لا يجزعون عند حلول شر بهم لأنهم واثقون أن هذا من الله. ولن يفلتوا منه أبدا مهما كان، وهم لا يمنعون خيرا عن أحد لأنهم واثقون أن الخير من الله وأن الفقراء عيال الله، وأنهم سيجازون عليه من الله، والذين هم لفروجهم حافظون. لا ينظرون إلّا لما أحله الله لهم من أزواج أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين على هذا بل مثابون عليه، فمن طلب غير ذلك وتجاوز حدود الزوجية أو ملك اليمين فأولئك هم العادون، والذين هم يراعون الأمانة، يؤدونها كاملة غير منقوصة لأربابها، وهم عند عهودهم لا يتخطونها، والذين هم يقيمون الشهادة، ويؤدونها كاملة حتى لا تضيع الحقوق، والذين هم على صلاتهم يحافظون على أوقاتها وأركانها وشروطها وسننها وآدابها، أولئك هم المصوفون بما تقدم في جنات ونعيم، وهم مكرمون في جوار الله. هؤلاء هم المكذبون وهذه نهايتهم [سورة المعارج (٧٠) : الآيات ٣٦ الى ٤٤] فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤) المفردات: قِبَلَكَ: ناحيتك وجهتك. مُهْطِعِينَ: مسرعين إليك مادى أعناقهم نحوك

стр. 2537

شاخصين بأبصارهم لك. عِزِينَ: جمع عزة، وهي العصبة والجماعة، وكأنها سميت بذلك لأنها تعزى وتنتسب إلى رأى خاص يجمع بين أفرادها، والمراد أنهم كانوا يجلسون حوله جماعات. بِمَسْبُوقِينَ: بمغلوبين. فَذَرْهُمْ: اتركهم. يَخُوضُوا: يتحدثوا في الباطل. الْأَجْداثِ: جمع جدث، وهو القبر. سِراعاً: مسرعين. نُصُبٍ جمع أنصاب، وهو كل ما نصب وأقيم للعبادة. يُوفِضُونَ: يستبقون ويسرعون. خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ: ذليلة كسيرة. وهذا ختام للسورة بديع، إذ بعد أن رد على سؤالهم عن العذاب، ووصف ما يلاقونه يوم الحساب، تعرض إلى طبيعة الإنسان، وبين علاج ذلك، يذكر صفات المؤمنين عادة إلى المكذبين ليختم السورة ببيان حالهم ونهايتهم وتهديدهم. المعنى: كان المشركون إذا سمعوا النبي يتلو القرآن أقبلوا مسرعين عليه مادى أعناقهم إليه شاخصة أبصارهم نحوه، خائفين مضطربين، حتى إذا اجتمعوا به هدأت نفوسهم قليلا فجلسوا متفرقين حوله عن اليمين وعن الشمال جماعات جماعات كأنهم يأتون أول الأمر وجلين خائفين حتى إذا هدأت قلوبهم- نوعا ما- تحلقوا حول النبي حلقا هنا وهناك يتساءلون- مع الإعراض والهزء به- ماذا قال؟ فإذا سمعوا من آيات الله وصف الجنة، وما أعد للمؤمنين فيها من نعيم مقيم، مالت رؤوسهم هازئين ساخرين قائلين: إن كان هؤلاء القوم- أتباع محمد- سيدخلون هذه الجنة، فنحن أولى بها فإنا أشراف العرب وساداتها وهم خدمنا وعبيدنا. فقال تعالى متعجبا من حالهم ومنكرا له: أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم!! عجبا لهؤلاء القوم! كلا وألف كلا! ليس الأمر كما زعموا إن الجنة أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات من الأعمال، إنا خلقناهم وخلقنا غيرهم مما يعلمون: من ماء مهين، من نطفة قذرة، فالكل سواء في هذا ولا فضل لشريف على غيره. وإنما الفضل- وأعلاه دخول الجنة- يكون بالإيمان لا بغيره، وما لكم تستبعدون ذلك؟ أليس الله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ... إلخ؟ فالقادر على ذلك قادر على البعث وإعطاء كل ذي حق حقه.

стр. 2538

فلا أقسم برب المشارق والمغارب- في كل يوم تشرق الشمس من مشرق وتغيب في مغرب- إنا لقادرون، لا يقسم الله على ذلك لظهوره ووضوحه أكثر من الشمس في رابعة النهار. فربك القادر على كل شيء- وخاصة شروق الشمس ومغربها- قادر على تبديل خلق خير من هؤلاء، فيهلكهم، ويأتى بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز وما هو بمسبوق في ذلك، وما هم بمعجزى الله في شيء. وإذا كان الأمر كذلك فذرهم يخوضوا في باطلهم ويذهبوا فيه كل مذهب ويلعبوا فيما لا يجدي ولا ينفع حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون؟! اذكر يوم يخرجون من القبور مسرعين كأنهم يسرعون إلى أنصابهم التي نصبوها في الدنيا للعبادة أرأيتهم وهم يسرعون نحوها؟ خاشعة أبصارهم ذليلة منكسرة ترهقهم ذلة وتغشاهم وتستولى عليهم. ذلك هو اليوم الذي كذبوا به، وسألوه متعجلين مستهزئين به، ذلك هو اليوم الذي كانوا يوعدون! ويا ليتهم آمنوا به..

стр. 2539

سورة نوح وهي مكية بالإجماع. وعدد آياتها ثمان وعشرون آية.. وهي تشتمل على بعض من قصة نوح ﵇ مع قومه. قوم نوح وتصوير حالهم [سورة نوح (٧١) : الآيات ١ الى ٢٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِراراً (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً (١٢) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً (٢٠) قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً (٢١) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً (٢٢) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (٢٤) مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً (٢٥) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً (٢٨)

стр. 2540

المفردات: أَجَلٍ مُسَمًّى: أجل محدود بحد لا يتجاوزه. فِراراً: هربا وتفلتا منه. وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ: جعلوها أغشية وأغطية لهم تستر بدنهم كله. وَأَصَرُّوا الإصرار على الأمر: عبارة عن لزومه والانكباب عليه، وأكثر ما يستعمل في الشرور والآثام. وَاسْتَكْبَرُوا: تكبروا. جِهاراً: مجاهرة. مِدْراراً: كثير الدرور غزير الانسكاب. وَيُمْدِدْكُمْ: يعطكم على فترات ما به تنتفعون. وَقاراً: عظمة وتوقيرا. أَطْواراً: أحوالا مختلفة في الخلق من نطفة إلى

стр. 2541

علقة، وفي نفس الحياة من طفولة إلى شباب إلى كهولة وغير ذلك طِباقاً: متطابقة بعضها فوق بعض. سِراجاً: كل ما يضيء بنفسه فهو سراج. أَنْبَتَكُمْ: أنشأكم. بِساطاً أى: ممهدة كالبسط. سُبُلًا فِجاجاً: واسعة. كُبَّاراً أى: كبيرا. وَدًّا. سُواعاً. يَغُوثَ. يَعُوقَ. نَسْراً: هذه أسماء آلهة كانوا يعبدونها. وفي الأصل كانت أسماء رجال صالحين في قومهم. مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ: من خطاياهم. دَيَّاراً المراد: لا تترك على الأرض من الكافرين أحدا يدور في دار. فاجِراً: فاسقا معتديا. تَباراً: هلاكا. وهذه السورة الكريمة جاءت تقص على النبي ﷺ قصة نوح مع قومه في بعض المواقف الخاصة التي تدور حول دعاء نوح لهم، وكيف وقفوا منه، ليتأسى النبي ﷺ بما حصل لنوح، ولا يأسى من قومه، وليعتبر أهل مكة بما حصل لغيرهم. المعنى: إنا أرسلنا نوحا إلى قومه، أى: حملناه قولا إلهيا، ورسالة سماوية هي: أن أنذر «١» قومك، وحذرهم عاقبة كفرهم، ونهاية شركهم من قبل فوات الفرصة ومن قبل أن يأتيهم عذاب أليم شديد الألم للغاية ... وماذا قال نوح! قال يا قومي: إنى لكم رسول أمين ونذير مبين، جئت بأمر هو أن اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتقوا عذابه وأطيعون، فإنه من أطاع الرسول فقد أطاع الله، إن تعبدوا الله حقا يغفر لكم ذنوبكم، أى: يغفر لكم أفعالكم التي هي ذنوبكم «٢» ويؤخركم إلى أجل مسمى معلوم عنده إن آمنتم، أى: جعل لهم أجلا إن ظلوا كافرين، وأجلا إن آمنوا إن أجل الله إذا جاء وقته وحينه لا يؤخر مطلقا، ليتكم تعلمون ذلك فتعملوا له ولكنهم مع هذا الدعاء

стр. 2542

اللين والعرض الجميل أصروا على كفرهم فماذا كان موقف نوح؟ إنه ناجى ربه وقال آسفا: رب إنى دعوت قومي- كما تعلم- إلى الإيمان والطاعة ليلا ونهارا وسرّا وإعلانا، فلم أر منهم إلا عنادا واستكبارا عن الحق وعن الصراط المستقيم، وإنى كلما دعوتهم إلى الإيمان لتغفر لهم أصموا آذانهم عن سماع تلك الدعوة، وحجبوا عيونهم عنها، وأصروا واستكبروا استكبارا. وانظر إلى القرآن الكريم وهو يصور حالهم العجيبة حيث يعبر عن عدم سماعهم بأنهم جعلوا أصابعهم في آذانهم، والجعل يقتضى دوام الوضع، والأصابع يفهم منها المبالغة في السد فإن الذي يوضع طرف الإصبع لا الإصبع كله، وانظر إلى قوله (واستغشوا ثيابهم) فإن المعنى أنهم بالغوا في التغطى بها مبالغة كأنهم طلبوا من ثيابهم أن تغشى الجسم كله لا عيونهم فقط. ثم إلى دعوتهم جهارا، ثم إنى أعلنت لهم الحال وبينته لهم على كل وضع بحيث جمعت بين الإعلان والإسرار. تلك هي المرحلة الأولى في الدعوة، تلتها مرحلة ثانية هي مرحلة الشرح وبيان الحجة حيث قال نوح: فقلت: استغفروا ربكم، وتوبوا إليه، إنه يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، إنه كان غفارا على أنكم إن آمنتم بربكم يرسل السماء عليكم بالمطر الكثير الذي يخصب الأرض ويأتى بالخير، ويمددكم ربكم عند ذلك بأموال نافعة وأبناء وذرية صالحة، ويجعل لكم جنات وبساتين. ويجعل لكم فيها الأنهار والعيون، أى: إن آمنتم أمدكم بسعادة دنيوية تكفل لكم حياة رغدة وعيشة راضية. ولكنهم مع ذلك لم يؤمنوا فناقشهم بقوله: أى شيء ثبت لكم حالة كونكم لا ترجون وقارا كائنا لله؟ والوقار العظمة، والرجاء الخوف أو الاعتقاد، فكأن المعنى أى سبب حصل لكم حال كونكم غير خائفين أو غير معتقدين لله تعالى عظمة توجب عليكم الإيمان بالله والطاعة لرسوله؟!! إن هذا لشيء عجيب، وشيء تنكره العقول السليمة. ما لكم لا تخشون الله وقدرته على كل شيء؟ وما لكم لا ترهبون سطوته فتؤمنوا به وتصدقوا برسله؟ وهو القادر على كل شيء، وهو الذي خلقكم في أطوار مختلفة وفي

стр. 2543

أحوال تكاد تكون متباينة، ألم يخلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ثم أخرجكم أطفالا ثم كنتم شيوخا، أليس صاحب هذا بقادر على كل شيء فما لكم لا تخافون عظمة الله؟ ولا تؤمنون بيوم القيامة! ثم لفت نظرهم إلى هذا الكون بعد أن نبههم إلى ما في أنفسهم من آيات فقال: ألم تروا السماء كيف خلقت؟ لقد خلقها الله سبع سموات طباقا، ما ترى فيها من نقص ولا تفاوت، وجعل القمر في إحداهن نورا، وجعل الشمس في أخرى سراجا وهاجا. يا سبحان الله لقد جعل الحكيم العليم للقمر نورا، وللشمس سراجا، لأن الدنيا ستصبح بنور الشمس على أنه نور قوى شديد، ونور القمر بسيط يضيء في الليل نوعا ما، وهو نور منعكس ليس من ذات القمر وهُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً «١» وقد توصل العلم إلى بعض الحقائق الثابتة في كتاب الله.. ثم لفت نظرهم إلى أنفسهم فقال: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً نعم هو خلقنا من تراب، فعناصرنا المادية تراب مخلوط بماء، ثم كانت النطفة، والنطفة خلاصة الدم، والدم من الغذاء والغذاء من الأرض، فالله سبحانه أنبت الإنسان من الأرض نباتا كالشجر، ولكنه ميزه عنه بالحياة الحيوانية، ثم كمله بالعقل والتفكير، وشرفه بالرسالات الإلهية، فما لكم لا تؤمنون، لأى سبب تكفرون. ثم بعد هذا يعيدكم إلى الأرض أمواتا، ثم يخرجكم منها إخراجا للبعث والجزاء ... ثم لفت نظرهم إلى الأرض التي أقلتهم فقال: لقد جعلت لكم الأرض بساطا، فهي ممهدة للعيش، ميسرة سهلة للانتقال، لتسلكوا منها طرقا واسعة توصلكم إلى أغراضكم. هذا هو الدور الثالث في القصة. وقد أخذ نوح بعد هذا يشكو إلى ربه عصيان قومه مبينا سبب هذا العصيان ونهايته، وفي هذا كشف لحقيقة كان يجهلها عامة المشركين. قال نوح: رب إنهم عصوني وخالفوا أمرى واتبعوا رؤساءهم الذين حملوهم على الكفر، وأشاروا عليهم به لأنهم أصحاب مال وأولاد. فاغتروا بهم، واستكبروا واشتروا الضلالة بالهدى، وآثروا هذا الجاه الكاذب على النعيم الدائم، هؤلاء الرؤساء مكروا بعامتهم وبنوح مكرا كثيرا. فأما مكرهم بالشعب فلأنهم ضللوهم عن اتباع الحق، وحالوا بينهم وبين الإيمان بنوح- ﵇ وأما مكرهم بنوح فلأنهم

стр. 2544

كانوا يتظاهرون أمامه بأن الأمر متروك للناس! وما كانوا يظهرون له أعمالهم الحقيقية، مكروا مكرا كبيرا، ولكن الله مكر بهم، وهو خير الماكرين. ومن طرق المكر التي كان يسلكها أشرافهم ورؤساؤهم أنهم أشاروا عليهم بل ونهوهم عن التفريط في آلهتهم، وكانوا يظهرون لهم في ثوب الناصح الشفوق. لا تدعن آلهتكم التي عبدتموها وعبدها آباؤكم من قبل، ولا تدعن خاصة ودّا، ولا سواعا، ولا يغوث، ولا يعوق. ونسرا، إذ تلك زعماء الآلهة، وكأن الآلهة كالبشر فيها السوقة والخاصة، وفيها الأشراف والعامة، وقد انتقلت هذه الأصنام للعرب «١» . يا رب: هؤلاء الأشراف والرؤساء هم سبب البلاء والشقاء فقد أضلوا كثيرا، وما زالوا يضلون، يا رب: لا تزد الظالمين إلا ضلالا فهذه إرادتك، وهذا عملهم فلا أمل فيهم يرجى، فيا رب نفذ فيهم إرادتك بهلاكهم. من خطاياهم أغرقوا فأدخلوا نارا، بسبب خطاياهم التي أعظمها الكفر وإيذاء نوح وقد جاء خبره مفصلا في سورة هود، أغرقوا بالطوفان وماتوا فأدخلوا نارا ليأخذوا عذاب الآخرة بعد عذاب الدنيا ومع هذا كله لم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ينصرونهم ويردون عنهم هذا العذاب، فأين آلهتهم وأصنامهم وأوثانهم؟ وأين (ود. وسواع. ويغوث. ويعوق، ونسر؟) أين هؤلاء. وقال نوح من كثرة ما لاقى منهم: رب لا تذر على الأرض من الكافرين- المعاصرين له- شخصا واحدا منهم يسكن دارا أو يدور ويتحرك، وهذه العبارة تفيد الدعاء عليهم بمحوهم بالكلية، وقد أجاب الله دعاءه إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ ثم أخذ نوح يذكر سبب هذا الدعاء- والأمر كله لله- إنك إن تتركهم بدون هذا العذاب العاجل يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ذرية تكون فجرة كفرة بسبب إنحاء الكفر لهم وتقليدهم فيه. أما المؤمنون الذين آمنوا بالله وبرسوله فيقول نوح في شأنهم: رب اغفر لي واستر ذنبي- إن كان- واغفر لي ولوالدي، ولمن دخل بيتي- ولعله أراد شريعته أو سفينته- واغفر للمؤمنين والمؤمنات من كل أمة وفي كل زمن. ولا تزد الظالمين لأنفسهم بالكفر ولغيرهم بالإضلال إلا تبارا وهلاكا.

стр. 2545

سورة الجن وهي مكية باتفاق الجميع، وعدد آياتها ثمان وعشرون آية. وهي تتضمن حقائق إسلامية نطق بها القرآن على لسان الجن، مع ذكر توجيهات إلى النبي ﷺ وحقائق تتعلق بالرسالة. الجن واستماعهم للقرآن [سورة الجن (٧٢) : الآيات ١ الى ١٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥)

стр. 2546

المفردات: أُوحِيَ الوحى: هو ما يلقى إلى الأنبياء من عند الله، وفيه معنى الخفاء والسرعة، والإيحاء: أن تلقى إلى غيرك ما يريده عن طريق الإيماء أو الإشارة أو الرسالة أو الكتابة أو الإلهام. نَفَرٌ النفر: العدد القليل، هو من الثلاثة إلى العشرة. اسْتَمَعَ: أصغى. عَجَباً المراد: يثير العجب ويدعو للغرابة والدهشة. جَدُّ رَبِّنا يقال: جد هذا في عيني، أى: عظم، فالمراد: تعالى جلال ربنا وعظمته، وقيل الجد: الملك والسلطان. يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً السفيه: من عنده خفة وطيش تنشأ عن حمق وجهل، والقول الشطط: الذي تخطى صاحبه فيه حد العدل والحق. يَعُوذُونَ: يطلبون النجاة والعون. رَهَقاً: طغيانا وإثما، أو ذلة وخوفا لا يطاق. لَمَسْنَا السَّماءَ: طلبنا بلوغها واستماع أخبارها. حَرَساً: لفظ يدل على الجمع، والمراد عليها حراس من الملائكة شداد. شُهُباً: وهي شعلة من نار ساطعة. رَصَداً: يرصده ويرقبه لينقض عليه. رَشَداً المراد: خيرا ورحمة. نُعْجِزَ اللَّهَ: لن نفوته ونفلت من قدرته. بَخْساً أى: انتقاصا من حقه في الثواب فيعطى أقل مما له. وَلا رَهَقاً: لا يخاف ظلما غير محتمل. تَحَرَّوْا رَشَداً أى: طلبوا الأحرى والأهدى من الطريقين. الْقاسِطُونَ قسط: ظلم وجار وأقسط: أزال الظلم والجور أى: عدل.

стр. 2547

لقد ثبت في الصحاح أن الجن «١» استمعوا للنبي ﷺ وهو يصلى بأصحابه، ويقرأ القرآن بصوت أمال الجن فصرفهم إليه، فلما استمعوا، وأفهموا حقائق من كلام الله انطلقوا إلى أهليهم يبشرونهم ويحملون إليهم ما عرفوه، ولقد أوحى الله إلى النبي بهذا ليطمئن خاطره، وتستمر نفسه كما هي قوية شديدة في دعوتها، فإن أعرض عنها المشركون فها هم أولاء الجن يؤمنون ويدعون غيرهم للإيمان بها، نزلت هذه الآية بالإجمال في سورة الأحقاف، الآيتان: ٢٩، ٣٠ ومرة بالتفصيل كما هنا، نزلت فيما نزلت تبكيتا لقريش والعرب، حيث تباطأوا عن الإيمان وكانت الجن أسرع منهم في قبول الدعوة مع أنهم من غير جنس البشر، أما القرشيون والعرب فقد كذبوا حسدا من عند أنفسهم وبغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده. المعنى: قل لهم يا محمد: لقد أوحى الله إلىّ أنه استمع نفر من الجن إلى القرآن فقالوا لقومهم عند رجوعهم إليهم: إنا سمعنا قرآنا جليل الشأن بديعا يدعو إلى العجب لأنه مخالف لكلام البشر، بل ولكل الكتب السابقة، في نظامه وأسلوبه وأغراضه ومعانيه، وهو كتاب يهدى إلى الرشد وإلى الخير والحق، وإلى الصراط المستقيم، فنشأ عن ذلك أننا آمنا به وبمن أنزل عليه، وبعد ما آمنا بالقوى القادر الذي أنزله على عبده محمد، ولن نشرك بعد هذا بربنا أحدا من خلقه أيّا كان. وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا «٢» أى: وصدقنا أن الحال والشأن ارتفع جلال ربنا وعظمته أى: عظمت عظمته وتعالى سلطانه، فهو صاحب الملك والسلطان، تبارك

стр. 2548

اسمه وتعالى سره، ما اتخذ صاحبة ولا ولدا، كأن الجن حينما سمعوا القرآن نبههم ذلك إلى خطأ كان يعتقده الكفرة من الجن حيث شبهوا الله بالحادث المحتاج إلى الصاحبة والزوجة والذي يجوز عليه الانفصال والاتصال، ويحتاج إلى الأولاد، وكيف يكون ذلك مع أنه تعالى الغنى عن كل شيء؟ آمنا بالله وصدقنا بأن ما كان يقوله سفيهنا في حقه- كان شططا وخروجا عن حد المعقول لفرط بعده عن الحق إذ كان ينسب الصاحبة والولد إليه . وها هم يعتذرون عن تقليدهم لسفيههم وقائدهم في الشر فيقولون: آمنا بالله وصدقنا بخطئنا في ظننا الذي لأجله اعتقدنا ما اعتقدنا في نسبة ما لا يليق بالله، لأننا كنا نظن أن من المستحيل أن يقول واحد من الإنس والجن على الله قولا كاذبا فيه كنسبة الصاحبة والولد له جل شأنه. كان الرجل من العرب إذا أمسى في واد مقفر، وخاف على نفسه نادى بأعلى صوته يا عزيز هذا الوادي- يريد رئيس الجن فيه- أعوذ بك من سفهاء قومك، فإذا سمع الجن ذلك استكبروا وزادهم هذا إرهاقا وتعنتا وعتوا وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً بمعنى: آمنا بالله وآمنا بأنه كان رجال من الإنس يلجئون إلى الجن يستعيذون بهم، فكان الجن يزدادون بذلك عتوّا واستكبارا وقيل إن معنى الآية: وأنه كان رجال من الإنس يستجيرون برجال منهم وهم الكهان والمنجمون والعرافون، يستجيرون بهم من أذى الجن، فيزداد الكهان والعرافون عتوّا واستكبارا، وهذا علاج جاء على لسان إخواننا الجن لرد البشر إلى الصواب في اعتقادهم في الجن. وعلى ذلك فكاذب من يقول: إن بعض الناس يستخدم الجن أو إن للجن عملا نافعا أو ضارّا في حياتنا يقول الآلوسي: ولعل تعلق الإيمان بهذا باعتبار ما يشعر به من كون ذلك ضلالا موجبا لزيادة الرهق. وآمنا بأن الإنس ظنوا خطأ كما ظننتم أن الله لن يبعث أحدا من الرسل إلى أحد من العباد، وقيل المعنى: أوحى إلى أن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الكفرة أن الله لن يبعث أحدا من خلقه بعد موته.

стр. 2549

وبخبركم بأننا طلبنا بلوغ السماء لنسمع كلام أصحابها كما كنا فوجدناها قد ملئت حرسا قويّا من الملائكة أعد لطرد من يسترق السمع، وملئت شهبا رصدا لمن يريد السمع لتحرقه. ونخبركم كذلك بأننا كنا نقعد منها مقاعد كثيرة لاستراق السمع قبل بعثة النبي ﷺ فمن يستمع الآن يجد له شهابا خاصا به رصد لأجله لا يخطئه، وهذه الشهب لا يمنع وجودها الآن وقبل الآن، وكونها ظاهرة طبيعية لا يمنع أنها أعدت بعد البعثة لذلك مع صفتها الأصيلة، وكثرت لهذا الغرض، ويفيد ذلك قوله: «ملئت» . وآمنا بأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بحراسة السماء أم أراد بهم ربهم رشدا وخيرا؟ وآمنا بأنا منا الصالحون، أى: في أنفسهم، الطيبون في المعاملات مع غيرهم، المائلون للخير بطبعهم، ومنا غير ذلك، وهم كثير، كنا طرائق مختلفة حيث وكلنا إلى أنفسنا. وآمنا بأنا لن نعجز الله ولن نفلت منه أبدا أينما كنا في الأرض ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء فالكل في قبضته وتحت تصرفه. وآمنا بأنا سمعنا الهدى، أى: القرآن فآمنا به من غير تلعثم وتردد فمن يؤمن بربه وبما أنزله- فلا يخاف نقصا ولا يخاف ظلما إذ لا يظلم ربك مثقال ذرة. وفي الواقع أن ربك لا يظلم أحدا بل الكل يأخذ جزاءه، لكن نصت الآية على أن المؤمن لا ينقص من حسناته! ولا يبخس شيء من عمله. وبعد سماع القرآن آمنا بأنا منا المسلمون، ومنا القاسطون الجائرون على طريق الهدى، فأما المسلمون المهذبون فأولئك قوم توخوا العدل والحق وقصدوه واتبعوه وآمنوا وعملوا: وأما القاسطون الجائرون عن سنن الحق والعدل والكرامة التي هي سنن الإسلام فأولئك مأواهم جهنم بل كانوا لها حطبا ووقودا. تلك حقائق إسلامية أوردها القرآن على لسان الجن فكانت دواء لكثير من أمراضنا وتصحيحا لكثير من أفهامنا.

стр. 2550

توجيهات إلهية للرسول ﵇ [سورة الجن (٧٢) : الآيات ١٦ الى ٢٨] وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨) المفردات: عَلَى الطَّرِيقَةِ: على ملة الإسلام. غَدَقاً: كثيرا نافعا. لِنَفْتِنَهُمْ لنختبرهم فيه. يَسْلُكْهُ: يدخله. صَعَداً يعلو المعذب فيه، وقيل: شاقّا

стр. 2551

الْمَساجِدَ: أماكن السجود، والمراد المواضع المعدة للعبادة والصلاة. لِبَداً: جمع لبدة، مأخوذة من تلبد القوم: إذا تجمعوا، وعليه قولهم: لبدة الأسد للشعر المتراكم حول عنقه. يُجِيرَنِي: ينفعني ويدفع عنى. مُلْتَحَداً أى: ملتجأ ألتجئ إليه، أو حرزا أتحصن به. أَمَداً: زمنا بعيدا. يَسْلُكُ المراد: يقيم ويثبت. رَصَداً: حراسا وحفظة. المعنى: قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن، وأوحى إلى أن الحال والشأن لو استقام الإنس والجن على ملة الإسلام التي هي الطريقة المثلى، الطريقة المحكمة التي فيها خير الدنيا والآخرة، أن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء كثيرا مباركا فيه وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف ٩٦] وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [سورة المائدة آية ٦٦] . لو استقام الخلق لأتتهم الدنيا وكثرت أرزاقهم، ثم أتت مرحلة أخرى هي مرحلة الاختبار والابتلاء ليظهر أهم من الشاكرين أم من الذين يكفرون بالنعم! وهذا معنى قوله تعالى: لنفتنهم فيه، ومن يعرض عن ذكر ربه، ولا يقبل على عبادته فإنه يدخله عذابا يعلوه ويكون هو فيه، عذاب- والعياذ بالله- شديد وبئس هذا المصير. وأوحى إلى أنه لما قام عبد الله ورسوله محمد ﷺ يدعو الناس إلى الخير وإلى الهدى والنور، لما قام يدعوه كادوا- أى: الإنس والجن- يكونون عليه متراكمين متكتلين ليطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن ينصره ويظهر دينه ولو كره المشركون وقد كان ذلك كذلك. قل لهم يا محمد: ما لكم! وماذا فعلت! إنما أدعو ربي وأعبده وحده ولا أشرك به شيئا فليس هذا بأمر يضركم أو يدعو إلى ما تفعلون. قل لهم: ما لكم تقفون منى هذا الموقف!! إنى لا أملك لكم ضرّا ولا نفعا، والذي يملك ذلك هو الله، فلم أكن مقصرا في حقكم في شيء!

стр. 2552

قل لهم: وماذا أعمل لو لم أدعكم إلى الخير فعاقبنى الله بالسوء!! إنى لن يجيرني من الله أحد، ولن يدفع عنى العذاب أحد، ولن أجد من دونه ملتجأ فأنا مكلف ومأمور بهذا العمل من الله، ولو تأخرت لعاقبنى فما لكم تفعلون معى هذا!! قل لهم: إنى لا أملك لكم شيئا إلا أن أبلغ بلاغا جاءني من الله لكم، هذا البلاغ هو القرآن الذي يهدى إلى التي هي أقوم، إلا بلاغا من الله ورسالاته التي هي أوامره ونواهيه الدينية فمن سمع البلاغ ووعاه، وامتثل جميع الأوامر والنواهي، وتقبل الرسالات الإلهية وتدبرها كانت له الجنة خالدا فيها أبدا. ومن يعص الله ورسوله في رسالاته وبلاغه، فيعرض عن سماعها وتدبرها والعمل بها فإن له نار جهنم خالدا فيها جزاء وفاقا لتكذيبه وإعراضه وسوء صنيعه. ولا يزال المشركون سائرين في ضلالهم مغرورين بأنفسهم وبقوتهم، ويستهزئون بك وبوعيدك وبمن معك حتى يروا العذاب، فإذا رأوه فسيعلمون من هو أضعف ناصرا، ومن هو أقل عددا، وسيعلمون أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا!! فاحذروا يا آل مكة هذا. وكان المشركون حينما يسمعون هذا التهديد بالعذاب يوم القيامة ينكرونه ويستهزئون به فأمر النبي ﷺ أن يقول لهم: ما أدرى وقت هذا العذاب، أما نفس العذاب فواقع لا محالة، غير أنى لست أدرى أقريب هو أم بعيد؟ قد جعل له ربي زمنا طويلا. هو عالم الغيب وحده، لا يطلع على غيبه أحدا، إلا من ارتضاه من رسول فإنه يطلعه على بعض غيبه مما يحتاج إليه في رسالته ويكون من الخير الاطلاع عليه، أما غير ذلك فلا يرقى إلى غيبه مخلوق من إنس أو جن أو ملك، وكيف يكون ذلك؟ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [سورة الأنعام آية ٥٩] . والخلاصة: أن الله عنده علم الغيب، ولا يطلع عليه أحدا من خلقه إنسيّا كان أو جنيّا حكيما أو كاهنا أو غيرهما، إلا من ارتضى من رسله الذين هم أصحاب الشرائع السماوية، فإن الله أطلعهم على بعض غيوبه فكانت التوراة والزبور والإنجيل والقرآن وما فيهم. ذلك هو الغيب الذي أطلع الله عليه بعض خلقه بواسطة الوحى به على لسان الأمين جبريل وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ [سورة التكوير آية ٢٤] فالمراد بالغيب القرآن، أى: ما هو بمتهم عليه حتى يتصور أنه غير أو بدل.

стр. 2553

ويريد الله أن يعلمنا أن هذا الغيب وصل إلى الرسل عن طريق محكم جدّا، وبلغه الرسل بأمانة ودقة وحكمة، لم يكن معه نسيان أو إهمال أو خطأ في شيء، ألا ترى قوله: فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ فإنه يسلك من بين يدي الرسول ومن خلفه حرسا شديدا يحفظونه من الوساوس والاختلاط، والذهول والنسيان حتى لا يترك بعض ما أوحى إليه أو يقصر في تبليغه إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [سورة القيامة آية ١٧] وهذا ما يسمى في عرف علماء التوحيد بالأمانة والعصمة. كل ذلك ليعلم ربك علم ظهور وانكشاف- أى: يتحقق هذا في الخارج ويشاهده الجميع- أن قد أبلغوا- أى: الرسل- رسالات ربهم، أو ليعلم أن قد أبلغ جبريل زعيم الملائكة رسالات ربهم، والحال أن الحق- ﵎ أحاط بما لديهم كله إحاطة العليم الخبير، الناقد البصير، وأحصى كل شيء من هذا الكون حالة كونه معدودا مميزا عن غيره، فهل يعقل أن يتطرق إلى الرسل شك في زيادة أو نقص إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ! [سورة الحجر آية ٩] . وانظر إلى ختام السورة، بإبراز الغيب الإلهى محاطا بسور لا يقربه إلا المرتضى المختار من الرسل الكرام، أما الجن والكهان ومن يدعى علم الغيب فأولئك كذبة فجرة، لا يعرفون أنفسهم..

стр. 2554

سورة المزمل وهي مكية كلها، ويرى بعضهم أنه يستثنى من ذلك آخرها، وعدد آياتها عشرون آية، وتشمل: إرشادات النبي ﷺ لتقوية جسمه وروحه حتى يقوى على تحمل الرسالة، ثم أمره بالصبر وترك المشركين مع تهديدهم بأنواع التهديدات. إرشادات إلهية لزعيم الدعوة الإسلامية [سورة المزمل (٧٣) : الآيات ١ الى ١٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩) وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩)

стр. 2555

المفردات: الْمُزَّمِّلُ: المتلفف بثيابه، يقال: تزمل وتدثر، ثم قلبت التاء زايا في المزمل. ودالا في المدثر. وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ المراد: اقرأ بتثبت وتؤدة. ثَقِيلًا: شاقّا. ناشِئَةَ: ما يحدث فيه ويتجدد، مأخوذ من نشأ إذا حدث وتجدد. أَشَدُّ وَطْئاً: أصعب وقعا. وَأَقْوَمُ: أعدل. سَبْحاً طَوِيلًا: عملا كثيرا سريعا، وأصل السبح: العوم على وجه الماء، أو سرعة الجري، ثم استعمل في العمل السريع الكثير. وَتَبَتَّلْ، انقطع إليه انقطاعا. وَذَرْنِي: اتركني. النَّعْمَةِ: التنعم والترفه. أَنْكالًا: جمع نكل وهو القيد الثقيل. ذا غُصَّةٍ: ما أعده الله في تلك الدار من طعام منكر فظيع. تَرْجُفُ الْأَرْضُ: تضطرب وتتزلزل. كَثِيباً: تلّا من رمل متناثر جمعته الريح بعد تفرق. مَهِيلًا: هو ما إذا تحرك أسفله سال من أعلاه وتتابع. وَبِيلًا: ثقيلا شديدا. مُنْفَطِرٌ: متصدع ومتشقق. تَذْكِرَةٌ: عبرة وعظة. أعد الله نبيه الكريم لتحمل أضخم رسالة في الوجود، الرسالة العامة إلى جميع الخلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكنه بشر بينه وبين الملك تنافر في الطبيعة المادية، لذلك اضطرب وخاف عند أول لقاء وذهب إلى خديجة كأنه محموم، وقال: زملوني زملوني!! وما علم أن هذا الذي لقيه في الغار هو جبريل الذي نزل على موسى وعيسى، وكانت هذه الرسالة إلى قوم وثنيين مشركين ومتعصبين مقلدين، وكان النبي يعرف عنهم ذلك فكان كأنه يخشاهم، ويشعر بخطورة هذه الدعوة في هذا المجتمع! فناداه الله بهذا النداء وبقوله في السورة الأخرى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ من باب الملاطفة والملاينة وتأنيسا على عادة العرب في اشتقاق اسم من صفة المخاطب التي هو

стр. 2556

عليها، وكانت هاتان السورتان- المزمل والمدثر- من أوائل القرآن نزولا، ويروى أن الوحى لما نزل على النبي للمرة الثانية وجده متزملا في قطيفة فقال له: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ وجاءه مرة أخرى وكان متدثرا فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ. المعنى: يا أيها المزمل- المتلفف بكساء وقد اضطجع في ركن داره- قم الليل إلا قليلا منه وهو نصفه «١» أو انقص منه قليلا بحيث يزيد على الثلث، أو زد عليه قليلا بحيث لا يزيد على الثلثين، فالنبي- ﵇ أمر بأن يقوم من الليل ساعات تتراوح بين الثلث والثلثين، وهو التهجد وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [سورة الإسراء آية ٧٩] . يا أيها المزمل: دع ما أنت فيه وانشط لقيام الليل والصلاة فيه، وقراءة القرآن وترتيله وتدبر معناه. هذا خطاب للنبي ويدخل معه في ذلك أمته وخاصة أصحاب الدعوات والمبادئ والأفكار، والشارع الأعظم يقصد بهذه الإرشادات والتوجيهات التربية الإسلامية الكاملة، تربية الجسم وتعويده على تحمل المشاق والمكاره، وتربية النفس بسموها وبعدها عن شوائب المادة وقوتها بحيث تحكم على الجسم ونوازع الشر فيه، إذ لا شك أن قيام الليل شاق على النفس لكنه يؤدبها ويهذبها، ويعودها الصبر، وهو كذلك مما يقوى الأجسام ويساعدها على العمل والثبات في معترك الحياة. والنبي- ﵇ تنتظره في دعوته مشاق ومتاعب وتكاليف، ودرعه الواقي في ذلك هو تعويد جسمه على تحمل المشاق، وتقوية روحه بالعمل الصالح وتلاوة القرآن، يا ليت قومي يعلمون ذلك فيعملون على تحقيقه، ويفرحون لإرادة الله ذلك لهم.

стр. 2557

يا أيها المزمل: قم الليل إلا نصفه أو قلل منه قليلا أو زد عليه قليلا، ورتل القرآن في تهجدك ترتيلا، واقرأه بتثبت وتدبر، وتؤدة وتأن فإن القرآن جلاء القلوب، وحياة النفوس. ولقد امتثل النبي أمر ربه، وتأدب بأدب القرآن، وسهر الليل وجاهد النفس واقتدى به أصحابه حتى شحبت ألوانهم وضعفت أجسامهم وتورمت أقدامهم حتى كأنهم تخطوا الحدود المرسومة فأنزل الله طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى. ولقد أخذ القرآن يذكر سبب هذا الأمر فقال ما معناه: يا محمد إنك تحمل أكبر رسالة، وتدعو الناس إلى أضخم دعوة: دعوة الحق والحرية والكرامة. وسيكون لك أعداء، وسيكون لمن يدعو بدعوتك أعداء، لهذا أمرناك بإعداد نفسك وجسمك إلى تحمل هذه الرسالة، إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا وقعه شديدا وطؤه على الكفار والمشركين، ولا ينفع هذا إلا تقوية الجسم والروح، وتدبر القرآن وتفهم معناه. وكأن سائلا سأل شاكا في أن قيام الليل وتدبر القرآن مما يساعد على تحمل مشاق الدعوة، فقال: إن ما حدث في الليل من قيام وصلاة وقراءة قرآن وتدبر له هو أشد وطئا، وأصعب على النفس الإنسانية، وهذا بلا شك مما يساعدها على تحمل المشاق ويقويها فتصبر على المكروه ولا شك أن الليل حيث السكون والصفاء مما يساعد على تدبر القرآن وتفهم معناه. إن لك في النهار عملا كثيرا متواصلا سريعا فلم يبق إلا الليل، فاغتنم جزءا منه يكن لك خير كثير وفضل كبير. واذكر اسم ربك وتوكل عليه وحده، وانقطع عما سواه فلن ينفعك غيره، وهكذا المؤمن الكامل لا يتوكل إلا عليه ولا يعتمد على سواه، ولا ينقطع عن كل ذلك لأنه رب المشرق والمغرب وما بينهما، لا إله غيره، وكيف يكون غير ذلك؟! وكل ما في الكون شرقه وغربه شاهد عدل على وحدانية الله، وأنه لا إله غيره، ولا معبود سواه، إذا كان الأمر كذلك فاتخذه وكيلا، واعتمد عليه وحده في دعوتك الخلق إلى الإسلام..

стр. 2558

وسيصادفك- وكل من يدعو بدعوتك إلى يوم الدين- ما تكره من أذى الناس والعلاج في ذلك هو الصبر- إنه سلاح المؤمن وعدة المسلم- والهجر الجميل وانظر إلى علاج القرآن حيث جعل دعامته الصبر والسلوان والهجر الجميل. أما المكذبون المغرورون أولو النعمة والترف فالله يقول فيهم: ذرني والمكذبين أولى النعمة والترف وأمهلهم قليلا فإن للكون سنة لا تختلف، إن عاقبة هؤلاء المكذبين المغرورين سيئة، والله يمهل قليلا ولا يهمل. هذا في الدنيا أما في الآخرة فالله يقول: إن لدينا أنكالا وقيودا ثقالا، وجحيما أعدت لهم وطعاما ذا غصة وهو طعام الزقوم، الطعام البشع الكريه التي تغص منه النفوس، وبعد هذا كله فهناك عذاب أليم لهم للغاية. اذكر يوم ترجف الأرض وتضطرب وتتزلزل الجبال وتتحرك حتى تكون تلّا من الرمل كثيبا مهيلا، وليس هذا الاضطراب في الأرض فقط بل فيها وفي السماء إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ «١» ، إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ «٢» . ولقد أخذ القرآن يهددهم بما حل بغيرهم وكانوا أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فقال: إنا أرسلنا إلى فرعون رسولا هو موسى، فعصى فرعون وقومه رسولهم فأخذهم ربك أخذ عزيز مقتدر. حيث أغرقهم ونجى موسى ومن معه. إذا كان الأمر كذلك فكيف تتقون- إن دمتم على كفركم- يوما شديد الهول: يوما يجعل الولدان من شدة أهواله شيبا، والسماء في هذا اليوم تنفطر وتتشقق بعد أن كانت آية في الإحكام والدقة ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ «٣» كل ذلك كان وعده مفعولا. إن هذه الإرشادات والتوجيهات التي سيقت في تلك الآيات تذكرة وعظة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا هو الإيمان والتمسك بالقرآن، وتعود الصبر والسلوان ...

стр. 2559

ذلك تخفيف من ربكم ورحمة [سورة المزمل (٧٣) : آية ٢٠] إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠) المفردات: أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ المراد: أقل منه. لَنْ تُحْصُوهُ: تطيقوه. فَتابَ عَلَيْكُمْ: رجع بالتيسير عليكم. المعنى: هذه الآية ترجع إلى أول السورة حيث كان الأمر فيها للنبي- وكذلك صحبه- بأن يقوم ساعات طوالا من الليل تتراوح بين الثلث والثلثين، وقد امتثل النبي لذلك بل وبولغ في هذا كما سبق، وبعد عشر سنين من هذا الأمر نزل التخفيف على الأمة وانتقل الأمر من الواجب إلى المباح، فلقد خفف الله عن الأمة الإسلامية حيث اتسع العدد وأصبح فيها المريض وذو الحاجة والمسافر والمقاتل، وهؤلاء بلا شك لا يطيقون القيام فجعله الله مندوبا، من شاء فعله فاستحق ثوابه، ومن شاء ترك هذا الفضل الكبير والله هو العالم بكل شيء.

стр. 2560

إن ربك يعلم أنك قمت وامتثلت أمر ربك أنت وطائفة من قومك. قمتم أدنى من ثلثى الليل، وقمتم نصفه، وثلثه، وكان معك صحبك، والمراد بالعلم أن الله سيجازيك على ذلك أحسن الجزاء. والله وحده هو الذي يقدر الليل والنهار، وهو الذي يعلم المصلحة، وقد علم أن المدة السابقة كافية للتربية الإسلامية، وقد جاء معكم ناس لا يستطيعون ذلك العمل، فالله علم أنكم كجماعة لن تطيقوا قيام الليل على سبيل الواجب، أما كأفراد فمنكم من يقدر وأكثركم لا يقدر، والأحكام الشرعية تبنى على الأعم الأغلب. فالله قد رجع عليكم بالتيسير والتخفيف منذ أن رجعتم إليه بالشكوى والدعاء، فاقرأوا ما تيسر من القرآن في قيام الليل أو في الصلاة في ساعة من ساعات الليل. علم الله أن الحال والشأن سيكون منكم مرضى ضعاف، لا يستطيعون قيام الليل، وآخرون منكم مسافرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله بالتجارة والسعى على تحصيل الرزق من طريق الحلال، وآخرون يقاتلون في سبيل الله، هؤلاء وهؤلاء لا يستطيعون قيام الليل، فالله خفف عنكم فاقرأوا ما تيسر منه، وأقيموا الصلاة كاملة الأركان مستوفاة الشروط، وآتوا الزكاة، أى: الزكاة الواجبة بناء على أن هذه الآية نزلت بالمدينة أو هي زكاة الفطر، أو مطلق إنفاق على أن السورة مكية، وأقرضوا الله قرضا حسنا فالله غنى قادر سيجازيكم على الدرهم عشرا بل ربما ضاعفه إلى سبعمائة ضعف، فأقرضوه يكن خيرا لكم وأفضل، وما تقدموا لأنفسكم من خير مطلقا تجدوا ثوابه عند الله كاملا، وتجدوه عند الله هو خيرا مطلقا من العمل مهما كان صعبا، وأعظم أجرا، واستغفروا الله على ما فرط منكم فإن من أمراض القلوب الرياء وحب السمعة، وكثيرا ما كان ذلك في الصدقة، فاستغفروا الله مما يكون قد حصل إن الله غفور رحيم.
следующие страницы →