← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والغيبة مثلا، أو فعلوا ذنبا صغيرا لا يتعداهم إلى غيرهم ذكروا عقاب الله وما أعده للطائعين والعاصين فيرجعون ويتوبون إليه، أو ذكروا الله وجلاله وجماله ونعمه وفضله فاحتقروا أنفسهم إذ فعلوا ما يغضب الله، وهؤلاء لا يلبثون أن يتوبوا سريعا ويقلعوا عن ذنبهم إلى غير رجعة- ومن يغفر الذنوب الكبيرة والصغيرة إلا الله؟ الذي وسعت رحمته كل شيء وكتب على نفسه الرحمة لمن يرجع إليه- وهؤلاء هم الذين إذا ذكروا الله استغفروا لذنوبهم وتابوا عن جرمهم وانصرف عنهم طائف الشيطان، ووجدوا نفس الرحمن، ومن كان كذلك لا يصر على الذنب فيفعله مرة ثانية، أولئك الموصوفون بما ذكر البعيدون في درجات الكمال الروحي والتوفيق الإلهى، جزاؤهم مغفرة من الله ورضوان من ربهم، وجنات تجرى من تحتها الأنهار لهم فيها نعيم مقيم وهم فيها خالدون، ونعم أجر العاملين الذين يعملون لأنفسهم ولغيرهم. سنة الله في الخلق والعاقبة للمتقين [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٣٧ الى ١٤١] قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١)

стр. 282

المناسبة: كان الكلام في وقعة بدر وأحد وما حصل للمؤمنين فيهما وموقف الكفار وصفتهم مع بيان صفة المؤمنين وجزائهم. ثم بعد هذا ذكر القرآن سنة الله في الخلق وأن ما حصل كان موافقا للسنة مع بيان الحكمة فيما وقع. المعنى: انظروا أيها المسلمون فأنتم أولى بالنظر والاعتبار، انظروا إلى من تقدمكم من الأمم، سيروا في الأرض حتى تقفوا على أخبار الماضين فستجدون أن لله طريقا واحدا لا يختلف: سُنَّةَ اللَّهِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا «١» فإن أنتم أيها المسلمون سرتم سير الطائعين الموفقين، وصلتم إلى ما وصلوا إليه حتما، وإن سرتم سير العصاة المكذبين كانت عاقبتكم خسرا، وفي هذا تنبيه لمن خالف النبي ﷺ يوم أحد. فكأنهم انتصروا يوم بدر لسلوكهم سبيل الطائعين المتوكلين على الله وهزموا يوم أحد لأنهم تنازعوا ففشلوا وخالفوا أمر الرسول ولم يصبروا ولم يتقوا كما أمروا، ففي الآية الكريمة سبيل الأمن والخوف، وفي طيها الوعد والوعيد، والقرآن الكريم يشير في جملته إلى أن مشيئة الله تسير على نظم ثابتة قد ربطت فيها الأسباب بالمسببات وإن يكن الله قادرا على كل شيء، ففي الحرب أو الزرع أو التجارة مثلا إذا سار فيها صاحبها على الطرق المألوفة والنظم المحكمة نجح وإن كان شريرا مجوسيا. وإن جانب المألوف وركب رأسه واتبع غير المعقول كان من الخاسرين ولو كان شريفا علويّا، وأحق الناس بالسير على المعقول والاستفادة بهدى القرآن هم المؤمنون في كل ما يأتون ويذرون والسير في الأرض ومشاهدة الآثار أثبت في معرفة الأخبار من التاريخ ورواية الأخبار «فما راء كمن سمعا» . كل إنسان له عقل يفكر به يعرف أن لله سنة في الكون لا تختلف عند جميع الناس في كل العصور مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم والله يهدى من يحب إلى صراط مستقيم.

стр. 283

فبيان سنن الكون للناس جميعا، وإن كون ما ذكر هداية وعظة فهو خاص بالمتقين لأنهم المنتفعون بهدى القرآن ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ «١» ولذا قال الله: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. وإذا كان المؤمنون هم المنتفعين بما ذكر يجب ألا يضعفوا لما أصابهم من مس السلاح عند القتال وما يلزمه من التدبير، ولا يحزنوا على من قتل منهم في أحد فهو شهيد مكرم عند الله يوم القيامة، وما وقع ليس نصرا للمشركين ولكنه درس شديد للمسلمين، ولذا ورد عن النبي ﷺ : «لو خيرت بين الهزيمة والنصر يوم أحد لاخترت الهزيمة» لما في تلك الغزوة من التربية لكم على تحمل المشاق وبيان أن خروجكم على نبيكم ومخالفة أمره خروج على سنة الله في أسباب الظفر فلا تعودوا لمثله أبدا!! وكيف تهنون وتحزنون والحال أنكم الأعلون بمقتضى سنة الله في جعل العاقبة للمتقين؟ ألا تعلمون أن قتلاهم في النار وقتلاكم في الجنة؟! والمراد بالنهى عن الوهن والحزن النهى عن الاستسلام إلى ذلك، بمعنى التأهب والاستعداد مع العزيمة الصادقة والتوكل على الله والوثوق بالنصر، فإن الله وعد بذلك إن كنتم مؤمنين فاعملوا بهذا. وكيف تضعفون ولا تعلمون حقيقة ما أصابكم من الألم، فأنتم إن أصابكم ألم في أحد فقد أصاب الكفار ألم أكثر منه في بدر، وإن هزمتم في أحد فقد انتصرتم في بدر. فيوم لنا ويوم علينا ... ويوما نساء ويوما نسرّ والأيام دول، والحرب سجال، وتلك الأيام نداولها بين الناس فنجعل للباطل دولة في يوم، وللحق دولة في أيام، والعاقبة والنصر في النهاية للمتقين الصابرين كل ذلك ليستقر العدل ويعم النظام ويعلم الناس أن الدنيا إن سلك طريق النجاح والفوز.. فعل الله ما فعل مع المؤمنين لحكم يعلمها وليتحقق إيمان المؤمنين ويظهر واضحا، ولذا قال النبي ﷺ بعد موقعة أحد: «لا يذهب معنا في القتال (غزوة حمراء الأسد) إلا من قاتل» فذهب المؤمنون وهم في أشد التعب والنصب. لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا هذه العبارة وأمثالها تفيد تحقيق الإيمان وحصوله في الخارج حتى يحصل علم الله به، فإذا علم الله إيمان فلان كان لا بد أن يكون إيمانه

стр. 284

حاصلا في الواقع، إذ علم الله لا بد أن يكون مطابقا للواقع، وعلى ذلك فالمعنى: فعل الله بكم ذلك لحكم هو يعلمها وليتحقق إيمان المؤمنين ويظهر. وليكرم الله أناسا منكم بالشهادة والقتل في سبيل الله والاستشهاد درجة عظيمة سيأتى بيانها فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ (سورة النساء ٦٩) وهذه الشهادة لا يعطيها الله إلا لمن أحبه واصطفاه والله لا يحب الظالمين أبدا. وليمحص الله الذين آمنوا، فهذه الحوادث العنيفة التي ترج المجتمع تمحص الإيمان الخالص من الإيمان المشوب بالضعف والاستكانة حتى تصفو النفوس فلا يبقى فيها درن. وكثير من الناس مصابون بداء الغرور الديني فهم يفهمون في أنفسهم أنهم كاملوا الإيمان حتى إذا ما محصوا بالابتلاء قلّ الديانون وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ففي غزوة أحد تخلف البعض وفر البعض. وصعدوا في الجبل لا يلوون على أحد، وثبت البعض حول النبي ﷺ حتى قتل، واتخذ البعض نفسه ترسا واقيا للنبي ﷺ رضى الله عن الجميع ووفقنا حتى نقتدي بهم. ومن الحكم العالية محق الكافرين فإنهم إذا ظفروا مرة طغوا وبغوا فيكون هلاكهم مرة واحدة، وإذا هزموا كما في بدر، تقلمت أظفارهم وأصابهم الضعف والهلاك شيئا فشيئا حتى يبادروا، والعاقبة للمتقين. دروس لمن شهد غزوة أحد [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٤٢ الى ١٥١] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)

стр. 285

المفردات: وَلَمَّا بمعنى (لم) إلا أن مدخولها متوقع الحصول، فالمراد نفى الجهاد في الماضي وتوقعه في المستقبل. الجهاد: احتمال المشقة ومكافحة الشدائد. تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ المراد: تمنى الشهادة في سبيل الله. تَلْقَوْهُ: تشاهدوا هوله وتروا خطره. انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ انقلب على عقبيه ونكص على عقبيه: رجع وراءه، والمراد: رجعتم كفارا بعد إيمانكم. مُؤَجَّلًا: ذا أجل، وهو المدة المضروبة للشيء. كَأَيِّنْ: كلمة تفيد الكثرة. رِبِّيُّونَ: جماعات كثيرة واحدهم ربّىّ وهو الجماعة. اسْتَكانُوا الاستكانة: الاستسلام والخضوع لأن صاحبها يستكين للخصم. إِسْرافَنا: مجاوزة الحد في كل شيء. الرُّعْبَ: شدة الخوف. سُلْطاناً: برهانا وحجة، ولما فيهما من القوة على دفع الباطل سمى سلطانا. مَثْوَى المثوى: المكان الذي يكون مقر الإنسان ومأواه. يبين الله في هذه الآيات أن الثواب في الآخرة منوط بالجهاد والصبر، كما أن الفوز في الدنيا منوط بإقامة العدل وسلوك الطرق المألوفة، فسنة الله لا تختلف، وقد ذكر مع هذا عتابا لبعض من شهد أحدا. المعنى: لا ينبغي لكم أن تظنوا بالله الظنون وتصابوا بداء الغرور فتفهموا أن دخول الجنة لا يكون من غير جهاد في الله وصبر على البأساء والضراء وحين البأس «لا» ... إن دخول الجنة لا يكون إلا بالجهاد الكامل لإعلاء كلمة الله ورفع راية الوطن، وإنما يكون بجهاد العدو وجهاد النفس خاصة في الشباب، وجهاد حب المال عند البذل في الأعمال العامة النافعة وغير ذلك. وتمكن الصبر في أنفسكم تمام التمكن على أداء التكاليف وعلى الطاعة وعلى البلاء والحوادث.

стр. 286

ونفى العلم من الله دليل على عدم وقوع الجهاد والصبر منكم فهو أبلغ من نفى الجهاد والصبر، إذ هو كالدعوى ودليلها، شبيه بهذا قوله تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا. روى عن الحسن أنه قال: بلغني أن رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي ﷺ لنفعلن ولنفعلن فابتلوا بذلك، فلا والله ما كلهم صادق، فأنزل الله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ. نعم لقد كان كثير منكم يتمنى لو يستشهد في سبيل الله تمنيا من نفسه استحق أن يعبر عنه المولى بهذا التأكيد: وَلَقَدْ كُنْتُمْ حتى إذا جد الجد وقامت الحرب وشاهدتم بأعينكم مشاهدة كاملة وأنتم تنظرون نظرة فاحصة ليست عاجلة، توانيتم وانحزتم إلى الجبل وأصعدتم فيه لا تلوون على أحد والرسول يدعوكم فلا يجيبه أحد. وهذا عتاب وأى عتاب؟ نعم كان مع النبي من بايعه على الموت ودافع عنه دفاعا مجيدا حتى قتل البعض ونجا البعض كما تقدم في سرد حوادث الغزوة، ومع هذا كان الخطاب عاما ليكون الإرشاد عاما فيتهم المؤمنون الصادقون أنفسهم ليزدادوا إيمانا وليرعوى المقصرون فلا يعودوا لمثلها أبدا. في هذه الغزوة- كما قلنا سابقا- أشيع قتل النبي ﷺ وكانت الإشاعة سببا في شيوع قالة السوء، حتى قال بعض المنافقين: لو كان نبيا ما قتل!! من لنا برسول إلى عبد الله بن أبىّ ليأخذ لنا الأمان عند أبى سفيان؟ وهكذا مما جعل أنس بن النضر يبرأ إلى الله من مثل هذا الكلام ويقاتل حتى يقتل دفاعا عن الدين. وكانت هذه الإشاعة سببا في انفضاض بعض الناس عن النبي ﷺ فعاتبهم الله بقوله. وما محمد إلا رسول كمن سبقه من الرسل فهم قد خلوا وانتهت حياتهم بموت كموسى وعيسى، أو قتل كزكريا ويحيى، ومع هذا ظلت ديانتهم كما هي وأتباعهم متمسكون بها، فالمعقول أن تظلوا كما كنتم ولو مات أو قتل فإن الرسول بشر كسائر الأنبياء له في الدنيا مهمة تنتهي بانتهاء أجله، ومن كان يعبد الله فإن الله باق، ومن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. أفتنقلبون على أعقابكم فترتدون عن دينكم أو يطير صوابكم لو مات أو قتل مع أنه

стр. 287

رسول كسائر الرسل لم يدّع أنه إله، ولم يطلب لنفسه العبادة حتى إذا مات أو قتل تركتم دينه ورجعتم كفارا. ومن ينقلب على عقبيه ويعود إلى الكفر فلن يضر الله بشيء من الضرر، وإنما يضر نفسه وأما من ثبت على دينه وجاز هذا الامتحان الدقيق فهو من المجاهدين الصابرين الشاكرين الذين سيجزيهم الله خير الجزاء، وقد كانت هذه الآية تمهيدا لموت النبي ﷺ بعد أداء رسالته وقولا فصلا لأمثال عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-. ثم بعد ما لام القرآن المؤمنين على ما بدر منهم حينما بلغهم قتل النبي ﷺ ذكر لهم: بأنه رسول كبقية الرسل، لم يطلب لنفسه العبادة، حتى إذا مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم كافرين، وإنما كان يأمركم بعبادة الله، والله حي لم يمت، ومهمته البلاغ فقط، فإذا ليس لوجوده دخل في استمرار عبادة الله. وهنا يلومهم أيضا على أن النبي لو قتل- كما أشيع- ما كان لكم أن تفعلوا ما فعلتم. ليس من شأن النفوس، ولا من سنة الله فيها، أن تموت بغير إذنه أو مشيئته، التي يجرى بها النظام العام في الكون، وارتباط الأسباب بالمسببات، فالله وحده هو المتصرف في كل شيء، وله الأمر فيأذن للملك يقبض الروح في الموت العادي وغيره، في الإنس والجن حتى في نفسه، الموكل بقبض الأرواح. كتب هذا كتابا محكما مؤقتا بوقت لا يتعداه، ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [سورة النحل آية ٦١] وإذا كان العمر لله، وانقضاؤه بإذنه وإرادته. فكيف يصح الجبن والوهن والضعف والانخذال؟؟ ومن يرد ثواب الدنيا بجهده وعمله، وأعطاه الله شيئا من ثوابها. ومن يرد ثواب الآخرة وجزاءها أعطاه الله شيئا من ثوابها، على حسب إرادته ومشيئته في كلا الحالين، وأما أنتم يا من ضعفتم وفشلتم وتنازعتم وخالفتم أمر نبيكم وقائدكم لأجل الغنيمة، ما الذي تريدون بعملكم؟ إن كنتم تريدون الدنيا فالله لا يمنعكم من ذلك، ولكن ليس هذا طريقها، إن العمل الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ هو للدنيا والآخرة. ولا تنس أن التعبير بقوله: يُرِدْ دليل على أن الإرادة للشخص هي التي تكيف العمل فتارة يكون خيرا وتارة يكون شرا «إنما الأعمال بالنيات» أما الله- فسيجزى الشاكرين نعمه. الواقفين عند حدوده، الثابتين مع نبيه.

стр. 288

وكثير من الأنبياء السابقين قاتل معهم في سبيل الله ولإعلاء كلمته، جماعات في أحرج الأوقات وأشدها، فما وهنوا ولا ضعفوا ولا خضعوا للدنيا ومتاعها، بل ظلوا كما هم لم تزعزعهم الأعاصير ثابتين، والله يحب الصابرين الذين صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله فهو يهديهم ويرشدهم، ولا شك أن هؤلاء مبالغون في التعلق بالله- سبحانه- هذا عملهم، أما قولهم فهو: ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واستر ما ألممنا به مما نعلمه ولا نعلمه واغفر لنا إسرافنا ومجاوزتنا أمرك، فهم مهما فعلوا من الخير يرون أنفسهم مقصرين، أو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين ... وثبت أقدامنا على صراطك المستقيم وأمام عدوك المبين، وانصرنا على القوم الكافرين. فآتاهم الله ثواب الدنيا والسعادة فيها بالرضا والقناعة والعزة وحسن التوكل على الله، وثواب الآخرة وهو الجزاء الأوفى، أولئك رضى الله عنهم ورضوا عنه وذلك هو الفوز العظيم. وأنتم يا أصحاب الرسول محمد وخاتم الأنبياء والمرسلين أولى بهذا. روى أن بعض المنافقين حينما أذيع خبر مقتل النبي ﷺ قال: من لنا برسول إلى ابن أبىّ يأخذ أمانا لنا عند أبى سفيان؟ وقال بعضهم: لو كان نبيا ما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم ودينكم، وهذا أبو سفيان ينادى: العزى لنا ولا عزى لكم، فنزلت هذه الآيات. وبعد ما رغب المؤمنين في الاقتداء بأنصار الأنبياء السابقين وبين جزاء هذا وحذرهم من متابعة الكفار فإن في ذلك خسارة لهم. يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا كأبى سفيان وعبد الله بن أبى والداعين إليهما، إن تطيعوهم يردوكم كافرين كما كنتم، خاسرين في الدنيا بالذلة بعد العزة وتحكم العدو فيكم، وحرمانكم من السعادة والملك الذي وعده الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً. «١» وأما خسران الآخرة فعذاب شديد يوم القيامة. بل الله مولاكم ولا مولى لهم، فلا يليق أن تفكروا في ولاية أبى سفيان أو غيره ولا

стр. 289

تأبهوا لكلام المنافقين الجبناء، فالله نعم المولى وهو خير الناصرين، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [سورة المنافقون آية ٢٨] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [سورة محمد آية ١١] . سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب بسبب شركهم بالله أصناما وحجارة، ليس لهم في هذا حجة ولا برهان، بل هم إذا خلوا إلى أنفسهم وجدوها تعبد معبودات كل حجتهم في عبادتها أنهم وجدوا آباءهم لها عابدين إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وعبادتهم الأصنام تورث في عقولهم خبالا وفي نفوسهم ضعفا وأى ضعف؟ وإذا رأوكم متمسكين بدينكم كان ذلك أدعى إلى إلقاء الرعب في قلوبهم وشكهم في أنفسهم، وهذا ما حصل ويحصل. هذا حالهم في الدنيا، وفي الآخرة مأواهم النار وبئس القرار فإنهم الظالمون المشركون. أما إذا رأيت المؤمنين مع الكافرين وقد انعكست الآية، وقد ألقى الرعب في قلوب المؤمنين فاعلم أنهم ليسوا مؤمنين حقا ولكنهم مسلمون بالوراثة والاسم فقط. ما أصاب المسلمين في أحد، وسببه [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥٢ الى ١٥٥] وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)

стр. 290

المفردات: تَحُسُّونَهُمْ: تقتلونهم، من حسه، أى: أذهب حسه بالقتل. بِإِذْنِهِ: بأمره ودعوته. فَشِلْتُمْ: جبنتم وضعفتم. صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ: كفّكم عنهم وحوّلكم. لِيَبْتَلِيَكُمْ: ليختبركم، والمراد: ليعاملكم معاملة من يختبر وإلا فالله عالم لا يحتاج إلى اختبار. تُصْعِدُونَ من أصعد بمعنى أبعد في الذهاب وأمعن فيه.

стр. 291

وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ: ولا تلتفتون لأحد فجازاكم. أَمَنَةً: الأمنة والأمن سواء. الْغَمِّ: ألم وضيق في الصدر من الأمر الذي لا يدرى الخلاص منه. لَبَرَزَ: لخرج. مَضاجِعِهِمْ: مصارعهم التي يصرعون فيها. اسْتَزَلَّهُمُ: أوقعهم في الزلل والخطأ. سبب النزول: روى الواحدي عن محمد بن كعب قال: لما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد قال الناس: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله تعالى النصر؟ فأنزل الله: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ (الآية) . وتلاها ذكر الحوادث وأسبابها. المعنى: وتالله لقد وفّى لكم ربكم وعده، ونصر عبده، وأعز جنده وهزم المشركين وقت أن أخذتم تقتلونهم قتلا وتفتكون بهم فتكا، كل ذلك بتيسير الله ومعونته، وإذنه وإرادته. نعم صدقكم الله وعده، حتى ضعفتم في الرأى وجبنتم في الحرب، وفشلتم وتنازعتم واختلفتم فقال قائل: فيم وقوفنا وقد انهزم المشركون؟ وقال بعضهم: لا نخالف أمر الرسول أبدا، وما ثبت مكانه إلا عبد الله بن جبير في نفر قليل من أصحابه، وكان ما كان من أمر انهزامكم مما ذكر في (غزوة أحد) . منكم من يريد الدنيا وهم الذين تركوا أماكنهم طلبا للغنيمة، ومنكم من يريد الآخرة وهم الذين ثبتوا في مكانهم ولم يخالفوا أمر الرسول ﷺ . ثم كفّكم عنهم حتى تحولت الحرب ودالت الدولة. فعل هذا بكم ليمتحن إيمانكم ويتبين أمركم، فيظهر الصادقون من المنافقين، ولقد عفا الله عنكم بذلك الابتلاء الذي محا أثر الذنب من نفوسكم وتاب عليكم لما ندمتم على ما فرط منكم، إنه هو التواب الرحيم وهو ذو الفضل العظيم على المؤمنين وكم نقمة في طيها نعم.

стр. 292

صرفكم الله عنهم فجازاكم غما وغما حين ابتلاكم بالهزيمة بسبب غم منهزمين لا تلتفتون وراءكم، والحال أن رسول الله ﷺ يدعوكم قائلا: «إلىّ عباد الله، إلىّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكرّ فله الجنة» يدعوكم في الجماعة المتأخرة الذين ثبتوا مكانهم ولم تنخلع قلوبهم وظلوا يدافعون عن النبي ﷺ . صرفكم عنهم وقت أن كنتم تصعدون في الجبل وتبعدون في السير ألحقتموه للنبي ﷺ بعصيانكم أمره، ومخالفة رأيه، ويصح أن يفهم (أصابكم غما بعد غم) هزيمة المشركين وإشاعة قتل النبي ﷺ وقتل الأحبة وفوات النصر والغنيمة. وما فعل بكم كله إلا ليمرنكم على الشدائد فإنها هي التي تخلق الرجال والأمم ولئلا تحزنوا على شيء فات، ولا ما أصابكم من عدوكم، والله خبير بأعمالكم فمجازيكم عليها. روى الزبير- رضى الله عنه- أنه قال: لقد رأيتنى مع رسول الله ﷺ حين اشتد علينا الخوف فأرسل الله علينا النوم والله إنى لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا. ثم أنزل الله الأمن على القلوب والطمأنينة على النفوس بالنعاس حتى كان يسقط السيف من أحدهم فيأخذه، والنعاس في هذه الحالة نعمة من نعم الله وحدّ فاصل بين حالتي الأمن والخوف، فإنه لا ينام الخائف أبدا. هذا النعاس غشى طائفة من الناس هم المؤمنون الصادقون الملتفون حول رسول الله. وهناك طائفة أخرى قد أهمتهم أنفسهم، وملأ الخوف قلوبهم ما بهم إلا همّ أنفسهم لا همّ الدين ولا همّ الرسول والمسلمين، وذلك لأنهم لا يثقون بنصر الله ولا يؤمنون بالرسول، فقلوبهم هواء، وهؤلاء هم المنافقون كمعتب بن قشير ومن لف لفه من أتباع ابن أبىّ، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية الأولى. يقولون لرسول الله ﷺ : هل لنا من الأمر والنصر نصيب؟ يسألون كالمؤمنين في الظاهر والواقع أنهم ينكرون أن لهم شيئا من النصر والغلب.

стр. 293

قل لهم يا محمد: إن الأمر والنصر كله لله، ولا يكون من غيره كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي «١» . إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ . «٢» هم يضمرون في أنفسهم العداوة والحقد لكم ويظهرون غير ذلك ولا غرابة فهم المنافقون والمخادعون. يقولون: لو كان لنا من النصر والفوز نصيب ما قتلنا ها هنا، فهزيمتنا دليل واضح على أن النصر لن يأتى لنا وأن محمدا ليس نبيا إذ لو كان نبيا ما هزم، فهم يربطون بين النبوة والنصر. وما علموا أن النصر من عند الله وتوفيقه وأن الهزيمة من أعمالهم ومخالفتهم، ومع ذلك فالعاقبة للمتقين. وهؤلاء ختم الله على قلوبهم، فغفلوا عن أن الأعمار بيد الله وأن النصر من عنده وأن الذين كتب عليهم القتل، لا بد من حصوله ولو كانوا في بروج مشيدة. قل لهم: لو كنتم في بيوتكم وقد كتب عليكم القتل، لخرج الذين كتب عليهم القتل إلى حيث يصرعون ويقتلون، فالحذر لا ينجى من القدر، والتدبير لا يقاوم التقدير والأمر كله بيد الله والعاقبة للمتقين. وقد فعل الله ما فعل، ليمتحن ما في صدوركم من الإخلاص والتقوى، وليمحص ما في قلوبكم من وساوس الشيطان حتى تصل إلى الغاية القصوى في اليقين، والله عليم بصاحبات الصدور التي لا تنفك عنها من الأسرار والضمائر فهو لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وهو الغنى عن الابتلاء والاختبار ولكن يفعل هذا لينكشف حال الناس بعضهم لبعض فلا ينخدع إنسان بظاهر أخيه. إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان من المشركين والمسلمين وتركوا أماكنهم أو تولوا منهزمين، إنما أوقعهم الشيطان في هذا الخطأ بسبب بعض أفعالهم السابقة فإن الذنب الذي يفعله الإنسان يترك نكتة سوداء في القلب يرتكز عليها الشيطان فينفذ منها إلى الإنسان ويوحى إليه بالسوء. ولقد عفا الله عنهم لما تابوا وأنابوا وكانت عقوباتهم في الدنيا جوابر لهم، إن الله غفور للذنوب حليم لا يعاجل بالعقوبة.

стр. 294

بث روح التضحية والجهاد في نفوس المؤمنين [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥٦ الى ١٥٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) المفردات: ضَرَبُوا: سافروا في الأرض للتجارة والكسب. لِإِخْوانِهِمْ: لأجل إخوانهم، أى: في شأنهم والمراد بالأخوة ما هو أعم من أخوة النسب والدين والمودة: غُزًّى: جمع غاز، وهو المقاتل. حَسْرَةً: ندامة في قلوبهم. لما بين الله فيما مضى سبب الهزيمة وأن الشيطان قد استزلهم ببعض ما كسبوا. بين هنا ما يوسوس به الشيطان للناس فيعتقدون هذا الخطأ الفاسد. المعنى: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تكونوا كأولئك المنافقين الذين طمس الله على قلوبهم وجعل على أبصارهم غشاوة، فأصبحوا لا يهتدون إلى صواب في رأى، فهم يقولون في شأن إخوانهم في الدين والرأى! حينما يسافرون للتجارة والكسب أو

стр. 295

يجاهدون في سبيل الله، فيحصل لهم موت أو قتل: لو كانوا عندنا لم يبرحوا مكانهم، ما ماتوا وما قتلوا. عجبا لهؤلاء البله أهم يظنون أن المنايا ترسل بلا حساب، وأن الهلاك لا يكون إلا بالسفر أو الحرب؟! ولله در خالد بن الوليد الذي يقول: ما في شبر من جسدي إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح وها أنا ذا أموت على الفراش كالبعير، فلا نامت أعين الجبناء!! ألم يسمعوا قوله تعالى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا «١» . وإذا لم يكن من الموت بدّ ... فمن العجز أن تموت جبانا فيا أيها المؤمنون لا تكونوا مثلهم، بل خالفوهم وثقوا بالله وأن كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ «٢» فإنهم إن رأوكم هكذا لا تبالون بالموت. ولست أبالى حين أقتل مسلما ... على أى جنب كان في الله مصرعي جعل الله ذلك حسرة في قلوبهم وندامة. فأنتم المؤمنون المعتقدون أن الله يحيى ويميت وأنه هو المؤثر وحده وأنه يقول: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ «٣» والله بما تعملون بصير، فلا تخفى عليه خافية من خفايا نفوسكم ومعتقداتكم، وفي هذا ترغيب للمؤمنين وتهديد للكافرين، وتالله- أيها المسلمون- لئن قتلتم في سبيل الله أو متم فهناك مغفرة الله ورضوانه خير بكثير جدا مما يجمعون من حطام الدنيا الفانية. ألا ترى معى أن القرآن يربى فينا روح التضحية والكفاح من أجل العقيدة ورفع لواء الإسلام ويعدنا بأن من يقتل في سبيل الله فهو حي يرزق عند ربه وعند الناس حي بالذكر الطيب والثناء الجميل. وانظر إلى تقديم القتل في الجهاد والموت في غيره اعتبارا بالكثير الغالب.

стр. 296

بعض أخلاقه ﷺ [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٥٩ الى ١٦٤] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) المفردات: لِنْتَ لَهُمْ اللين: الرفق والسهولة في المعاملة. فَظًّا الفظ: السيئ الخلق الشرس. غَلِيظَ الْقَلْبِ: قاسيه الذي لا يتأثر بشيء. لَانْفَضُّوا مِنْ

стр. 297

حَوْلِكَ : لتفرقوا من حولك. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ التوكل: الاعتماد عليه. يَغُلَّ الغل: الأخذ خفية كالسرقة، ثم شاع في الأخذ من الغنيمة قبل التقسيم. السّخط: الغضب العظيم. مَأْواهُ: مصيره من: تفضل وأنعم. أَنْفُسِهِمْ: جنسهم. يُزَكِّيهِمْ: يطهرهم من أدران الوثنية وزائف العقائد. المناسبة: نعمة تتلوا نعمة، وفضل يتلو فضلا من الله ورحمة، فقد عفا عنهم وتاب عليهم ووفقهم لما فيه خير الدنيا والآخرة، وبرحمته وفضله كانت أخلاق المصطفى ﷺ وحسن معاملته للناس وإرشادهم إلى الخير والفلاح. المعنى: خطاب للنبي ﷺ إثر خطاب المؤمنين، فبرحمته- تعالى- وهدايته كنت سهلا في معاملتهم، لينا في إرشادهم وهدايتهم وقبول عذرهم، فيما فرط منهم. وهكذا كان الرسول مثلا أعلى للرئيس الحكيم والزعيم الموفق. ولو كنت (لا قدر الله) سيّئ الخلق، ضيق العقل، فظا جافى القلب، غليظ الكبد ما اجتمعوا حولك، وما تعلقت قلوبهم بك وكيف هذا؟ وقد أرسلت رحمة للعالمين وشهد لك القرآن وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ سورة القلم آية ٤٢ وإذا كنت- يا رسول الله- بهذا الوصف فاعف عنهم، وتجاوز عما يبدر منهم واطلب لهم المغفرة من الله إنه هو الغفور الرحيم، وشاورهم في أمور الدولة ونظام الجماعة في الحرب والسياسة والاقتصاد والاجتماع أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ. أما أمور الدين فالقرآن هو الحكم وقد شهد لك بأنك لا تنطق عن الهوى، ولذا كانوا جميعا يقفون عند رأى النبي ﷺ والوحى في الدين وأحكامه، والمراد: ذم على ما أنت عليه كما فعلت في بدر وأحد من مشاورة أصحابك، وإن حصل خطأ في بعض

стр. 298

الآراء فهو قليل إذ رأيان خير من رأى، والاستشارة من كمال العقل وبعد النظر وحسن السياسة. ولذا كان رسول الله دائم الاستشارة في الأمور كلها. فالحكومة الإسلامية حكومة شورية عادلة دستورها القرآن وهاديها المصطفى وسنته، وليست الحكومات العباسية والأموية وغيرها دليلا عليها بل هي ملك عضوض وحكومات مادية استبدادية لم تحكّم القرآن في كل مشكلاتها. فإذا محص الرأى وظهر فانزل على حكم الأغلبية واعزم وسر على بركة الله واعتمد عليه وحده، فإن الإنسان مهما بعد نظره وحصف رأيه لا يرى من حجاب الغيب شيئا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون فإنه هاديهم إلى الصراط المستقيم. والتوكل على الله يكون بعد البحث والنظر واستقصاء الجزئيات التي مرت، فأنت مكلف بطرق الأسباب الظاهرة والطرق المنتجة غالبا وبعد هذا لا تعتقد أن هذه الأسباب مؤثرة بطبعها وأنك واصل قطعا إلى ما تحب، لا، اعتقد أن هناك قوة فوق القوى وإرادة فوق كل إرادة هي إرادة الله- فتوكل عليه واطلب منه التوفيق والسداد. فالله إن ينصركم فلا غالب لكم أبدا: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ «١» . وإن يخذلكم الله فمن ذا الذي ينصركم من بعده؟ لا أحد، وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون لأنه لا ناصر لهم سواه. روى الكلبي ومقاتل: أنه قيل للرماة الذين تركوا أماكنهم يوم أحد: لم تركتم أماكنكم؟ فقالوا: نخشى أن يقول النبي ﷺ من أخذ شيئا من مغنم فهو له وألا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر، فقال لهم النبي ﷺ : ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمرى؟ فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال لهم: بلى ظننتم أننا نغل ولا نقسم. إن الله قد عصم أنبياءه ورفع درجاتهم عن سفساف الأمور التي يترفع عنها متوسطو الناس، فما يصح ولا يليق بمكانة النبوة التي رفعها الله أن يأخذ نبي شيئا من الغنائم

стр. 299

وكيف يكون ذلك؟ وهم المثل العليا في الخلق الكامل والأدب العالي، وهم يعرفون أن من يأخذ شيئا في الدنيا بغير حق يأثم يوم القيامة وقد تمثل له كأنه حاضر أمامه وشاهد عليه وعلى عمله يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [سورة لقمان آية ١٦] . ومعنى الإتيان: أن الله يعلمها حق العلم ضرورة أن من يأتى بالشيء يعرفه. وبعض المفسرين يرى أن معنى الإتيان أن الذي غل يأتى يوم القيامة وقد حمل المسروق في عنقه واستدلوا على ذلك بعدة روايات يمكن تأويلها. ثم توفى كل نفس يوم القيامة ما كسبت من خير أو شر وهم لا يظلمون وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [سورة الكهف آية ٤٩] . وإذا كانت كل نفس توفى أجرها كاملا من خير وشر فهل يعقل أن يسوى بين المحسن والمسيء؟ أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ «١» ؟ أفمن اتبع رضوان الله وعمل عملا صالحا وابتعد عن الغل والفحش والمنكر حتى كأن رضوان الله أمامه. وقائده فلا يرى إلا حيث يرضى الله، ولا يكون حيث يغضب الله، أهذا يكون كمن رجع بغضب من الله يوازيه ويساوى ذنبه وجرمه، واتخذ غضب الله مكانا يبوء إليه ولا يتركه؟؟ أظن لا يسوى الله بين هذا وذاك!! إن كلا ممن اتبع رضوان الله من المؤمنين ومن باء بغضب الله الشديد لهم درجات ومنازل عند ربهم يوم القيامة فأعلى الدرجات: الرّفيق الأعلى درجة النبي المصطفى والحبيب المجتبى ﷺ وأسفلها الدرك الأسفل: درك أولئك المنافقين والمشركين والكافرين، ولا غرابة فالله بصير بما يعملون. وكيف تظنون بنبيكم المصطفى هذه الظنون؟ ولقد منّ الله وتفضل به على الناس أجمع إذ أرسله رسولا ورحمة للعالمين ومنّ عليكم أنتم إذ أرسله من أنفسكم وجنسكم فهو عربي من ولد إسماعيل، وإذا كان كذلك كنتم أدرى الناس به وبخلقه وصدقه وطبعه ولسانه، وعلى هذا كنتم السابقين إلى الإسلام

стр. 300

والتصديق به ﷺ وهذا هو وجه المنة عليهم، وفي قراءة: من أنفسهم، أى: من أشرفهم. وهو يتلوا عليكم آياته الدالة على قدرته ووحدانيته وعلمه وكمال نعمته إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [آل عمران آية ١٩٠] . وهو يزكيكم ويطهركم من كل دنس ورجس، فقد أخرج من العرب الجاهليين أمة لها نظام وحكم وسياسة وإدارة حكمت أقوى الأمم من الفرس والروم. ويعلمكم الكتاب والقرآن والكتابة والحكمة، حتى كان منكم الكتاب والعلماء والحكماء والقادة في جميع العلوم والمعارف وقد كانوا من قبل بعثته لفي ضلال مبين. بعض قبائح المنافقين وأعمالهم [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٥ الى ١٦٨] أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨)

стр. 301

المفردات: مُصِيبَةٌ: ما أصابهم يوم أحد من الهزيمة وقتل سبعين من المسلمين. أَنَّى هذا أى: من أين لنا هذا؟ وهو تركيب يفيد التعجب الْجَمْعانِ: جمع المسلمين وجمع المشركين. فَادْرَؤُا: فادفعوا عن أنفسكم ... لما حكى الله قولهم واتهامهم النبي ﷺ المعصوم من كل عيب وخطأ أردف هذا ببيان خطئهم فيما قالوا وفعلوا يوم أحد! المعنى: يقول- منكرا لقولهم هذا رادّا لفعلهم وأنه لا يليق: أفعلتم ما فعلتم وفشلتم وتنازعتم وعصيتم أمر رسولكم، ولما أصابتكم مصيبة في أحد قد أصابهم ضعفاها يوم بدر- وذلك أنهم قتل منهم في أحد سبعون، وقد قتلوا يوم بدر من المشركين سبعين وأسروا سبعين- قلتم أيها المنافقون حين هزمتم في أحد: من أين لنا هذا؟!! تعجبا، أى: من أين جاءت لنا هذه المصائب كأنهم فهموا أن النصر دائما في جانب المسلمين مهما خالفوا وعصوا أوامر الدين. وللأسف توجد فئة من المسلمين يفهمون مثل هذا الفهم ويعتقدون أن الله ناصر المسلمين وإن خالفوه وعصوا رسوله فالله- سبحانه- ينكر عليهم تعجبهم قائلا: إن كنتم هزمتم في أحد فقد هزمتم المشركين في بدر على أن هزيمتكم في أحد أنتم سببها قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ واعلموا إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فلم يكن هناك شيء خارج عن قدرته ولكنه- سبحانه- لحكم هو يعلمها- وقد صرح القرآن ببعضها- أراد لكم هذا المصير في غزوة أحد، وما أصابكم يوم التقى الجمعان في أحد، فبإذن الله وإرادته وتقديره لأن كل شيء في الوجود خاضع لإرادته وحكمته. وقد حصل هذا، ليعلم الله المؤمنين، ويتميزوا عن غيرهم فيعرفوا أنفسهم، والمراد: تحقيق إيمان الذين آمنوا وظهوره في الخارج. وكذا يتحقق نفاق الذين نافقوا منكم فقد كانوا حينما خرجوا من المدينة إلى أحد ألف مقاتل ثم رجع عبد الله بن أبىّ ومن معه من المنافقين في الطريق وكانوا ثلاثمائة

стр. 302

رجل، فبهذا عرفوا وعرف حقيقتهم في الإيمان ولا تنس من ترك مكانه من الرماة وخالف الرسول ﷺ ولولا غزوة أحد ما ظهر هذا كله. إن هؤلاء الذين نافقوا قيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله وجاهدوا للدفاع عن الدين والحق والعدل ابتغاء مرضاة الله لا ابتغاء مكسب أو عرض دنيوى، أو: تعالوا قاتلوا على أنه دفاع عن النفس والأهل والوطن فإن هزيمة المسلمين هزيمة لسكان المدينة وضياع لكرامتها، فما كان من هؤلاء المنافقين إلا أنهم زاغوا وقعدوا وتكاسلوا قائلين: لو نعلم أنكم تلقون قتالا في غزوتكم هذه لاتبعناكم وسرنا معكم ولكننا نعلم أنكم لا تقاتلون. وقيل في معنى كلامهم: لو نعلم أنكم ذاهبون لقتال لذهبنا معكم ولكنكم ذاهبون لهلاك محقق فنحن لا نذهب معكم هؤلاء الناس يوم أن قالوا هذه المقالة وتخلفوا عن جيش المسلمين هم يومئذ للكفر أقرب منهم للإيمان، فقد ظهرت حقيقتهم، فبعد أن كانوا مستورين يطلق عليهم لفظ الإيمان أصبحوا لا ينطبق عليهم الوصف وصاروا أقرب إلى الكفر فإن من يقعد عن الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الأوطان لا يصح أن ينطبق عليه وصف المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [سورة الحجرات آية ١٥] . هؤلاء يقولون: نحن مؤمنون- بأفواههم فقط- وهذا ديدن المنافقين يقولون ما ليس في قلوبهم، وهل يخلو نفاق من كذب وبهتان؟ والله أعلم بما يكتمون من الكفر والعداوة للمسلمين وتمنى هزيمتهم وزوالهم. هذه مقالتهم عن القتال لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ ولهم مقالة أخرى بعد الموقعة أشد خطرا وضررا. إنهم قالوا لأجل إخوانهم ومن على شاكلتهم في الجنس والدين والجوار وقعدوا عن القتال وتخلفوا عن شرف الجهاد، قالوا في شأن إخوانهم: لو أطاعونا ولم يسيروا مع المسلمين ما قتلوا كأنهم حصروا أسباب الموت والهلاك في ذهابهم إلى ساحة القتال! تبّا لهؤلاء الجبناء الرعاديد!! ألم يعلموا أن كثيرا ممن يذهب إلى القتال ينجو ومن يتخلف يموت وهل سبب الموت القتال فقط؟!

стр. 303

إن كانوا صادقين في هذا الزعم الفاسد فليدفعوا عن أنفسهم الموت وهم أينما يكونوا يدركهم الموت ولو كانوا في بروج مشيدة؟! المستشهدون والمجاهدون في سبيل الله وجزاؤهم [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦٩ الى ١٧٥] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) المفردات: يَسْتَبْشِرُونَ الاستبشار: السرور الحاصل بالبشارة. لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ

стр. 304

خَلْفِهِمْ المراد بهم: المقاتلون في سبيل الله ولم يستشهدوا. الْقَرْحُ: الألم الشديد، والمراد به: ما حصل يوم أحد. أَحْسَنُوا الإحسان: إتقان العمل على أكمل وجه. وَاتَّقَوْا أى: أخذوا الوقاية من عذاب الله وخافوا الإساءة والتقصير في العمل. حَسْبُنَا اللَّهُ: كافينا. الْوَكِيلُ: الذي توكل إليه الأمور. فَانْقَلَبُوا: فرجعوا بسرعة. الشَّيْطانُ هل هو إبليس؟ أو هو نعيم بن مسعود؟ سبب النزول: روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن منقلبهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا؟» فقال الله تعالى: «أنا أبلغهم عنكم» فنزلت هذه الآية. والآيات مرتبطة بما قبلها إذ بعد أن ذكر الله مقالة المنافقين في القتال وقولهم لإخوانهم: لو قعدتم معنا ما قتلتم. أردف هذا بما يلاقيه المقاتلون في سبيل الله خاصة المستشهدين حتى لا يلقوا بالا لأقوال المنافقين وليكون ذلك حثّا للمؤمنين على الجهاد وتربية لهم على نصرة الإسلام وإعلاء كلمة الله. المعنى: ولا تحسبن أن الذين جاهدوا في سبيل الله وقاتلوا وقتلوا أمواتا لا يبعثون ولا يجازون على ما قدموا، لا: بل هم أحياء بعد استشهادهم مكرمون عند ربهم مختصون بتلك المكانة العليا التي استأثروا بها (فالعندية هنا) عندية مكانة وتشريف لا عندية مكان وحدود. هم أحياء عند ربهم حياة مؤكدة ثابتة بدليل قوله: يُرْزَقُونَ والحياة التي عناها القرآن وأكدها حياة غيبية الله أعلم بها، وليس من الخير البحث في أنها حياة مادية أو روحية بل نؤمن بما جاء به القرآن تاركين التفصيل والجدل فيما لا يجدي.

стр. 305

هؤلاء الشهداء فرحون ومغتبطون بما رأوه من نعيم مقيم وفضل كبير وإكرام جليل من الله لهم، وهم مسرورون بإخوانهم المجاهدين الذين لم يحظوا بعد بشرف الاستشهاد حينما رأوا ما أعد من الجزاء الأوفى لهم، وهو حياة أبدية ونعيم دائم لا يكدره خوف من وقوع مكروه ولا حزن على فوات محبوب. وهم يستبشرون ويفرحون بما يتجدد لهم من نعمة الحياة عند ربهم ورزقه لهم ويفرحون بما آتاهم الله من فضله. الخلاصة: أن الله- ذكر الشهداء وأنهم أحياء عنده يرزقون، وأنهم فرحون بما حباهم الله من فضل وكرامة، وهذا الفضل مجمل، تفصيله ما بعده، أى: فضل يعود على إخوانهم في الحرب وفضل يعود عليهم أنفسهم وهو الخاص بهم في دار الكرامة وقد كرر للتأكيد، وفرحون بمن يجاهد في سبيل الله ولم يستشهد بعد، وهم من خلّفوهم في الحرب هؤلاء المجاهدون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وأنهم بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ ليذهب الخيال في تصورهما كل مذهب ثم ختم الآية بالكلام على إخوانهم في الجهاد، بقوله: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين، فالمراد بهم: المجاهدون الذين لم يستشهدوا بعد، وقد وصفهم بقوله: الذين استجابوا لله وللرسول من بعد ما أصابهم من الجراح والألم الشديد في غزوة أحد ولبوا نداء الرسول حينما طلبهم للقاء أبى سفيان في غزوة حمراء الأسد «١» الذين أحسنوا منهم العمل وأتقنوه واتقوا عاقبة تقصيرهم في العمل، وخافوا الله زيادة على ما هم عليه من الألم، أجر عظيم يتناسب مع عملهم وجهودهم، الذين قال لهم الناس- وهم نعيم بن مسعود كما ورد في بعض الروايات-: إن الناس- وهم قريش- قد

стр. 306

جمعوا لكم جموعهم فاخشوهم ولا تخرجوا إليهم، وكان ذلك في غزوة بدر الصغرى (بدر الموعد) فَزادَهُمْ إِيماناً أى: فزادهم قول الناس لهم إيمانا وثقة به ويقينا في دينه، من حيث خافوه ولم يخافوا الناس واعتمدوا على نصره وعونه وإن قل عددهم فإنه هو العزيز القوى وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً [سورة الأحزاب آية ٢٢] . وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ: كافينا الله ونعم الوكيل، فهو على كل شيء قدير ونعم المولى ونعم النصير. وفي الحديث: «إذا وقفتم في الأمر العظيم فقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل» وفي رواية: للبخاري عن ابن عباس: قالها إبراهيم الخليل حين ألقى في النار، وقالها محمد ﷺ حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم. لما فوضوا أمورهم إليه، واعتمدوا بقلوبهم عليه أعطاهم من الجزاء أربعة: النعمة، والفضل، وصرف السوء، واتباع الرضا، فرضّاهم عنه ورضى عنهم وذلك هو الفوز العظيم، وفي هذا إشارة إلى الخسارة الفادحة التي لحقت بالقاعدين المتخلفين المنافقين وذلك معنى قوله تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ (الآية) . إنما ذلك الشيطان- وهو نعيم بن مسعود- المثبط للمسلمين يخوف أولياءه الذين قعدوا عن رسول الله، وقيل: المعنى إنما ذلك قول إبليس الملعون يخوفكم أولياءه من صناديد الكفار كأبى سفيان، فلا تخافوهم وخافوني فاتبعوا أمرى وجاهدوا مع رسولي، سارعوا إلى ما يأمركم به إن كنتم مؤمنين حقا. ما يؤخذ من الآية: ١- أن المؤمن القوى لا يكون جبانا، بل الجبن لا يجتمع مع الإسلام الكامل. ٢- مكانة الاستشهاد في سبيل الله وجزاؤه عند الله. ٣- أن الخوف يجب أن يكون من الله فقط لا من الأعداء مهما كانوا. ٤- على المؤمن أن يعالج أسباب الخوف فلا يسترسل فيها حتى على تلك العادة الرذيلة.

стр. 307

تسلية النبي ﷺ وبيان بعض الحكم [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٧٦ الى ١٧٩] وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨) ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) المفردات: وَلا يَحْزُنْكَ حزن يحزن، وأحزن يحزن: بمعنى يكدرك ويؤلمك. حَظًّا: نصيبا. اشْتَرَوُا الْكُفْرَ: أخذوا الكفر بدلا من الإيمان بفعل المشترى يعطى شيئا ويأخذ بدله. نُمْلِي: نمهل، والإملاء: الإمهال والتملية بين الإنسان وشأنه يفعل ما يشاء، مأخوذ هذا من قولهم: أملى لفرسه: إذا أرخى لها الحبل لترعى ما تشاء.. لِيَذَرَ: ليترك. يَمِيزَ أى: من مازه بمعنى ميّزه. الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ المراد بهما: المؤمن والمنافق. يَجْتَبِي: يختار. لما أظهر الكافرون والمنافقون ما كانوا يضمرونه للنبي ﷺ من أمثال قولهم: لو كان

стр. 308

محمد نبيا ما قتل ولا هزم وأسرعوا في نصرة الكفار وتثبيط المؤمنين عن القتال، كل هذا كان يؤلم النبي ﷺ ويحزنه، فنزلت هذه الآيات تسلية وتثبيتا لقلبه. المعنى: ولا يحزنك يا محمد الذين يسارعون في نصرة الكفر والسعى في إعلاء كلمته ويبذلون المال والرجال في خدمته كأبى سفيان وغيره من صناديد الكفار واليهود والمنافقين. ولا يحزنك هؤلاء لأنهم يحاربونك فيضرونك إنما يحاربون الله القوى القدير، فهم إذا لا يضرون إلا أنفسهم والعاقبة عليهم. وقيل: المعنى إنهم لن يضروا حزب الله من المؤمنين لأن الله ناصرهم فهم إذا لا يضرون إلا أنفسهم، وقد بين الله ذلك بقوله: يريد الله ألا يجعل لهم نصيبا في الآخرة من الثواب لأن طبيعتهم قد فسدت، وميلهم دائما إلى الشر والضرر، وهكذا سنة الله وإرادته مع أمثالهم، ولهم عذاب في الدنيا والآخرة سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ «١» عذابا عظيما هائلا يستحقونه لمساعدتهم في نصرة الكفر وتأييده، وهل هذا الجزاء للمسارعين في نصرة الكفر فقط؟ لا. بل كل من اختار الكفر وآثره على الإيمان ظنا منه أنه ربح في هذا الاستبدال لن يضر الله شيئا من الضرر، بل الضرر عليهم ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ولهم عذاب أليم مؤلم للغاية في الدنيا والآخرة. وإذا كان هذا حال الكفار فكيف ترى أن الله يمد لهم في الدنيا ويملى لهم في أعمالهم؟ ولذا أجاب الله بقوله: (ولا يحسبن الذين كفروا) أن إملاءنا لهم خير فإن الإملاء يكون خيرا إذا كان صاحبه يستغله في عمل الخير له، وهؤلاء يملى لهم الله فتكون عاقبتهم أنهم يزدادون إثما على إثم ويبالغون في الباطل والبهتان، فلهم عذاب مهين، وإنما نملي لهم ليتوبوا، ويقلعوا عما هم فيه فيكون الإملاء خيرا، ولكن جرى في علم الله أن بعضهم لن يعود إلى الخير ويؤوب إلى الرشد فهؤلاء لهم عذاب مهين، وأى إهانة أشد من هذا؟؟ وما كان الله ليترك المؤمنين على حالهم فلا يميز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن هذا يضر جماعة المسلمين، فإنه لا بد للجماعة من أن تعرف قوتها الحقيقية فتسير

стр. 309

عليها، ولا تغتر، على أن الفرد قد يغتر بنفسه، فإذا ما امتحن عرف إيمان نفسه، وما سبيل التمييز بين هذا وذاك إلا بالاختبار بالشدائد والامتحان بالمصائب وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [سورة محمد آية ٣١] وقد اختبر الله الناس بغزوة أحد كما مضى، وما كان الله ليعلمكم حقيقة أنفسكم بطريق الغيب، فإنه خلق الإنسان وقدر له أن يصل إلى ما يريد بالعمل الكسبي الذي ترشده له الفطرة وهدى الدين. ولذلك جرت سنة الله أن يميز بالابتلاء سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [سورة الأحزاب ٦٢] ولكن الله يختار من يشاء من رسله لأن مرتبة الاطلاع على الغيب مرتبة عليا عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [سورة الجن آية ٢٦ و ٢٧] فالرسول يطلعه الله على بعض الغيب فيخبر ببعضه عباده فيكون منهم الذين يؤمنون بالغيب، ولذا ختم الآية بقوله: فآمنوا بالله وما يخبر به رسوله. وإن تؤمنوا بذلك وتتقوا الله فلكم أجر عظيم وثواب جزيل. وفقنا الله لأن نكون من هؤلاء. البخل شر يوم القيامة [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨٠ الى ١٨٤] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)

стр. 310

المفردات: سَيُطَوَّقُونَ: إما من الطاقة، ف المعنى: سيكلفون ذلك يوم القيامة. وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ «١» أو: من الطوق، فالمعنى سيلزمون إثمه في الآخرة كما يلزم الطوق الرقبة فلا يجدون عنه مصرفا. مِيراثُ: ما يتوارثه أهلهما من مال وغيره. سَنَكْتُبُ ما قالُوا: سنسجل ما قالوه، والمراد: إننا سنعاقبهم عليه. ذُوقُوا: أصل الذوق: إدراك المطعومات بالفم، ثم أريد به هنا إدراك المحسوسات مطلقا. الْحَرِيقِ: المحرق والمؤلم، والمراد: عذاب هو المحرق والمؤلم. عَهِدَ إِلَيْنا: أمرنا به في التوراة. القربان: ما يتقرب به إلى الله. الزُّبُرِ: جمع زبور، وهو الكتاب. الْمُنِيرِ الذي ينير الطريق، والمراد الإنجيل. كان ما مضى من التحريض على بذل النفس في الحرب وجزاء الاستشهاد، وهنا علاج لمرض من أخطر الأمراض وهو البخل، إذ حياة الأمم متوقفة على بذل النفس والمال. وإلى هنا انتهى الكلام عن غزوة أحد وما يتعلق بها. المعنى: ولا يظن أحد أن بخل الذين يبخلون بما حباهم الله من فضله خير لهم كما يتوهمون أن كنز المال ينفع في الملمات وأن الجود يفقر، والإقدام قتّال، لا: بل هو شر مستطير

стр. 311

وخطر جسيم على الأمة والفرد، والظاهر أن المراد بالبخل البخل بالقدر من الزكاة المحددة والصدقة المطلقة إذ لم يأمرنا الدين بالإنفاق لكل ما نملك. أما خطره في الدنيا فظاهر في الحملات الشعواء على الأغنياء الجشعين وشيوع الأفكار الهدامة للنظم الاجتماعية العامة، وأما شره في الآخرة فما عبر القرآن الكريم بأنهم سيلزمون عاقبة بخلهم إلزام الطوق في العنق فلا يجدون عنه صرفا ولا محيلا. وفي بعض الروايات عن النبي ﷺ في مانع الزكاة. يطوق بشجاع أقرع، وروى بشجاع أسود، وقيل: يجعل ما بخل به حية يطوقها في عنقه يوم القيامة تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه وتقول: أنا مالك أنا كنزك. وكيف تبخلون بالمال أو الجاه أو العلم؟ لأن هذا كله مما آتاه الله، والآية مطابقة يدخل فيها كل ذلك وإن كان دخول المال فيها دخولا أوليا؟ وكيف تبخلون بالمال وتكنزونه للولد والوارث؟ ولله- سبحانه- ما في السموات والأرض مما يتوارثه أهلوها من مال وغيره فما لهم يبخلون بملكه وقد طلبه منهم؟ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد ٧] وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [البقرة ٣] وفي الآية إيماء إلى أن كل ما منحه الله للإنسان من مال أو جاه أو قوة أو علم هو عرض زائل وعارية مستردة، وصاحبه فان غير باق، ولله تصريف الأمور، فربما جمعت المال ليرثه ابنك حتى يكون غنيا والله لم يقدر له ذلك فيضيع ما جمعت، ولله ميراث السموات والأرض والله بما تعملون خبير لا تخفى عليه منكم خافية. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت اليهود رسول الله ﷺ حين أنزل مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [البقرة ٢٤٥ الحديد ١١] فقالوا: يا محمد؟ أفقير ربك؟ يسأل عباده القرض ونحن أغنياء؟ فأنزل الله: لقد سمع الله ... الآية ، وفي رواية وقع نقاش بين أبى بكر- رضى الله عنه- وفنحاص اليهودي في هذا الموضوع فلطمه أبو بكر فشكا إلى الرسول ﷺ فقال لأبى بكر: لم فعلت؟ قال: يا رسول الله، إن عدو الله قال: إن الله فقير ونحن أغنياء فأنكر فنحاص ذلك فنزلت الآية تأييدا لكلام أبى بكر وتسجيلا على فنحاص، والمعنى: سنحفظ عليهم مقالتهم ونحصيها عليهم فيعاقبون على ما قالوا أشد العقوبة. ولا غرابة في ذلك فهم اليهود الذين مرنوا على النفاق ومردوا على السوءات فهم الذين قتلوا الأنبياء قديما بغير حق ولا ذنب إلا أنهم يقولون: ربنا الله، ونسبة القتل

стр. 312

لليهود الأحياء مع أنهم لم يباشروه لأنهم راضون عنهم وهم سلفهم ومن أمتهم، والأمة تؤخذ بذنب أفرادها لأنهم بين فاعل القبح وتارك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فيكون مشتركا بالقوة لا بالفعل. وهؤلاء اليهود حاولوا مرارا قتل النبي ﷺ (وما حادثة أكلة خيبر ببعيدة) . وجزاء هؤلاء أن الله سينتقم منهم أشد الانتقام ويقول لهم إهانة وتنكيلا بهم وتعذيبا: ذوقوا عذابا هو الحريق المؤلم فإنكم أهل له كما أذقتم المؤمنين سابقا عذاب الدنيا وألمها. هذا العذاب الأليم لهم بما قدمته أيديهم وجنته جوارحهم، وذكر الأيدى للتغليب وللتأكيد بأنهم فعلوا ما فعلوا بأنفسهم. ولأن الله هو الحكم العدل وليس بذي ظلم للعبيد أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ «١» ! أفنجعل المسلمين كالمجرمين؟ ما لكم كيف تحكمون!!؟ فما ترك عقاب المسيء مساواة بينه وبين المحسن، ولا شك أن هذا وضع للشيء في غير موضعه، سبحانه وتعالى عما يشركون!! هؤلاء اليهود لهم السوءات الكبيرة فهم البخلاء بالمال، المانعون للزكاة، القاتلون للأنبياء، الظالمون في كل عمل، القائلون كذبا: إن الله عهد إلينا ألّا نؤمن برسول أيا كان حتى يأتينا بقربان نتقرب به إلى الله فتأكله النار، وكانوا يفترون على الله الكذب ويذيعون أن الله أوحى إليهم في التوراة هذه المقالة. فرد الله عليهم أن هذه معجزة، والمعجزة سيقت لتأكيد الرسالة وإثبات صدق النبي ﷺ المبعوث، وقد أرسلت لكم المعجزات وأتتكم الرسل بالبينات الواضحات الدالات على صدقهم فلم كذبتموهم ولم تصدقوهم؟ ولم قتلتموهم إن كنتم صادقين؟ فإن كذبوك يا محمد بعد هذا كله فقد كذبت رسل قبلك كثيرة جاءوا بالبينات المعجزات وأيدوا بالكتب خاصة الكتاب المنير وهو الإنجيل، وهذه تسلية للرسول ﷺ .

стр. 313

نهاية كل حي والابتلاء في الدنيا [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨٥ الى ١٨٦] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) المفردات: تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ: تعطونها وافية غير منقوصة. زُحْزِحَ: نحّى عنها وأبعد. مَتاعُ: ما يتمتع وينتفع به. الْغُرُورِ: مصدر غره، أى: خدعه. لَتُبْلَوُنَّ البلاء: الاختبار، والمراد: لتعاملن معاملة المختبرين حتى تظهر حالكم على حقيقتها. أَذىً كَثِيراً كالطعن في الدين والكذب على الله ورسوله. والصبر: حبس النفس على ما تكره، ومقاومة الجزع بالتقوى والرضا. مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ: من معزومات الأمور، أى: مما يجب العزم عليه من الأمور، أو مما عزمه الله أن يكون بمعنى مما حتم أن يكون. المعنى: ما مضى كان في تسلية الرسول ﷺ ببيان حال الناس مع الأنبياء قديما وحديثا.. وهنا تسلية عامة للنبي وأصحابه.

стр. 314

كل حي إلى ممات وكل نفس إلى فوات، وكل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون، وكلكم تموتون، فمن كان منكم مسيئا كالكفار فإساءته محدودة موقوته فلا تضجروا منها ولا تألموا فسيجازون عليها الجزاء الأوفى. وأنتم لا تيأسوا ولا تحزنوا من ضر أصابكم أو ألم حاق بكم فكل نفس ذائقة الموت، وإنما تأخذون حقكم وجزاءكم وافيا كاملا غير منقوص يوم القيامة، يوم الجزاء والوفاء، يوم القسطاس والميزان، يوم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. فمن نحّى عن النار وأبعد عنها وأدخل الجنة فقد فاز فوزا عظيما، وهذا التعبير فيه إشارة إلى أن أعمال الناس في مجموعها تدعو أصحابها إلى النار لأن الإنسان فيه معاني الحيوانية والشهوة أكثر بكثير من معاني الخير، فكأن كل شخص مشرف عليها، وأن مجرد الزحزحة عنها فوز وأى فوز؟! فالمزحزحون عن النار: من غلبت صفاتهم الروحانية على صفاتهم الحيوانية فأخلصوا أو اتجهوا لله- . وما الحياة الدنيا- والمراد منها حياتنا هذه ومعيشتنا الحاضرة التي نشغلها باللذات الجسمانية كالأكل والشرب أو المعنوية كالجاه والمنصب والسيادة- هذه الحياة متاع الغرور لأن صاحبها دائما مغرور بها مخدوع. شبه الدنيا بصفقة خاسرة اشتراها صاحبها من النفس والشيطان والهوى وقد غشه فيها البائع وغره ودلس عليه، فلما انتهى الأمر تبين فسادها ورداءتها. فالواجب على العاقل ألا يغتر بها وألا يسرف في حبها ويترامى في أحضان مظاهرها وإلا أصابه شررها، والويل له عند فراقها. وبعد هذا سلّى الله نبيه المصطفى بتسلية عامة في الحرب والسلم: وهي كما لقى من الكفار يوم أحد ما لقى!! سيلقى أذى كثيرا في النفس والمال. والمقصود من هذا توطين النفس وتربيتها على تحمل الأذى والشدائد. والابتلاء من الله في الأموال يكون بطلب البذل في جميع وجوه الخير والبر وفيما يعرض من الحوائج والآفات، والابتلاء في النفس يكون بطلب الدفاع والجهاد في سبيل الله والقتل في الحرب والموت العادي في الأهل والأولاد.

стр. 315

لتسمعن أيها المسلمون من المشركين واليهود والنصارى أذى كثيرا وطعنا في الدين والقرآن والنبي ﷺ . ولكن العلاج الوحيد والدواء الرباني لكل ما مضى هو الصبر والتقوى ونعم هذا الدواء لكل داء. إن تصبروا وتتقوا يؤتكم أجرين من رحمته وذلك هو الفوز العظيم. بعض قبائح أهل الكتاب [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٨٧ الى ١٨٩] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) المفردات: مِيثاقَ: هو العهد المؤكد الذي أخذ على أهل الكتاب بوساطة الأنبياء. لَتُبَيِّنُنَّهُ: لتظهرن جميع ما فيه من الأحكام والأخبار حتى يعرفه الناس على وجهه الصحيح. فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ: هذه العبارة مثل في ترك الأمر، ويقتضيها وضع الأمر نصب أعينهم. أَتَوْا: فعلوا. بِمَفازَةٍ: فوز من العذاب. المناسبة: إيذاء أهل الكتاب للنبي كثير، والعجيب أن يطعنوا في الدين وهم قد أمروا بأن

стр. 316

يشرحوا للناس ويبينوا حقيقة النبي ﷺ وصفته التي في كتبهم، ولكنهم- اليهود والنصارى- فرحوا بما أوتوا وكتموا ما أنزل عليهم. المعنى: واذكر يا محمد وقت أن أخذ الله العهد المؤكد بوساطة الأنبياء على أهل الكتاب، وأقسم عليهم ليبينن الكتاب للناس ويظهرونه ولا يحرفونه عن موضعه حتى يفهمه الناس ولا يضطربون فيه. وقد نبذ أهل الكتاب التوراة والإنجيل وراءهم ظهريا. فكان منهم أمة يحملون الكتاب كما يحمل الحمار الأسفار فلا يعرفون منه شيئا، ومنهم الذين يحرفون الكلم عن موضعه ويغيرون ويبدلون ويشترون به ثمنا قليلا، ومنهم الذين لا يعلمون منه إلا أمانى يتمنونها ومشتهيات يشتهونها. واشتروا به ثمنا قليلا من حطام الدنيا الفانية كالرياسة الكاذبة والمال الزائل، فكانوا مغبونين في هذا البيع والشراء الذي فيه العرض الفاني بدل النعيم الباقي فبئس ما يشترون. روى الشيخان أن رسول الله ﷺ سأل اليهود عن شيء في كتبهم فكتموا الحق وأخبروه بخلافه وأروه أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرحوا بما فعلوا، فأطلع الله رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيده لهم ، وروى الشيخان من حديث أبى سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ فإذا قدم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت هذه الآية وهي تحتمل المعنيين ... والقرآن الكريم بين فيها حالا أخرى لأهل الكتاب حتى لا نكون مثلهم وهي أنهم كانوا يفرحون بما أوتوا من التأويل والتحريف للكتاب ويرون لأنفسهم شرفا فيه وفضلا بأنهم قادة وأئمة يهتدى بهم، وهذا فرح باطل وغرور كاذب، وكانوا يحبون أن يحمدوا بأنهم حفاظ الكتاب وعلماؤه وهم لم يفعلوا شيئا من ذلك وإنما فعلوا نقيضه، وهؤلاء قد اشتبه أمرهم على الناس فهم يحسبون أنهم أولياء الله وأنصار دينه، وهم الذين حرفوه وغيروه فلا تحسبنهم بمفازة ومنجاة من العذاب بل لهم عذاب أليم غاية الألم في الدنيا والآخرة.

стр. 317

فيا أيها المسلمون: إياكم وهذا العمل الشنيع الذي يقوم به أهل الكتاب، ولا تحزنوا ولا تضعفوا واصبروا واتقوا الله، وبينوا الكتاب ولا تشتروا به ثمنا قليلا وعرضا زائلا ولا تفرحوا بما تفعلون، ولا تحبوا أن تحمدوا بما لم تفعلوا فإن الله- تعالى- يكفيكم ما أهمّكم وينصركم على أعدائكم، ويغنيكم عن هذه المنكرات التي نهيتم عنها، فلله ملك السموات والأرض وما فيهن يعطى ويمنع وهو على كل شيء قدير لا يعز عليه نصركم وهلاك من يؤذيكم من أهل الكتاب والمشركين، وإلى الله ترجع الأمور. وفي هذا تسلية ووعد بالنصر للنبي ﷺ وصحبه. ما تشير إليه الآية: إن الواجب على العلماء وعلى كل من يفهم كتاب الله أن يبينه ويوضحه ويظهر ما فيه من عظة وأسرار في الأحكام العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والأحكام الدينية وعلاقتها بصالح الأمة- وها نحن نأمل أن يوقظ الله العلماء فيثابروا ويتعاونوا ويستهينوا بالصعاب حتى يخرجوا للناس كنوز الدين بما يلائم المجتمع الحاضر. فإن الواجب ينحصر في شيئين: (أ) تبيين الدين وحقيقته لغير المؤمنين حتى يهتدوا به ويدخلوا فيه. (ب) تبينه للمسلمين حتى يهتدوا به ويفهموه على حقيقته ويعرفوا مخلصين أنه الطريق الوحيد للخلاص من كل ما يضرنا ويؤذينا من خلق فاسد وداء كامن ومستعمر جاثم، فو الله! أيها الناس: لا خلاص لنا إلا بالدين ولا خير إلا في القرآن، فتعلموه وافهموه وادرسوه تكونوا من الناجين في الآخرة. وقد روى عن على- كرم الله وجهه- أنه قال: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا .

стр. 318

ذكر الله والتفكر في خلقه وأثرهما [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩٠ الى ١٩٥] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥)

стр. 319

المفردات: خَلْقِ الخلق: التقدير والترتيب الدال على النظام والإحكام. السَّماواتِ السماء: ما علاك. وَالْأَرْضِ: ما نعيش عليها. لَآياتٍ: لأدلة على وجود الله وقدرته ووحدانيته وعلمه. الْأَلْبابِ: العقول. باطِلًا: عبثا لا نتيجة له. سُبْحانَكَ: تنزيها لله عما لا يليق به. الذَّنْبِ: هو الكبيرة، وقيل: ما كان بينك وبين ربك. السيئة: هي الصغيرة، وقيل: ما كان بينك وبين الخلق. المناسبة: قال الإمام الرازي: اعلم أن المقصود من الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح من الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الحق، فلما طال الكلام في تقرير الكلام والجواب عن شبهات المبطلين عاد إلى إثارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والألوهية والكبرياء، والجلال لله- فذكر هذه الآية. المعنى: ما هذا الكون البديع الصنع؟ وما هذا العالم المحكم الترتيب، وما هذه السماء وأعاجيبها، وما بال نجومها وأفلاكها، وما هذه الشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، والسماء وما بناها؟! وما هذه الأرض وما طحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، وأنبت فيها كل نبت وأرساها، وشق فيها أنهارها وحلاها، وما هذا الليل والنهار، وهذا الفلك الدوار، ليل يزحف بجحافله، ونهار يختفى بمعالمه، ثم لا يلبث أن تعاد الكرة بنظام ومسرة، أليس يدل هذا على الخبير البصير؟ المحكم التدبير، الواحد القدير؟ إن في ذلك لآيات لأولى الأبصار!! عن عائشة- رضى الله عنها- أن رسول الله ﷺ قال: هل لك يا عائشة أن تأذنى لي الليلة في عبادة ربي؟ فقلت: يا رسول الله إنى لأحب قربك وأحب هواك (ما تهوى

стр. 320

وتريد) وقد أذنت لك، فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلى فقرأ من القرآن، وجعل يبكى حتى بلت الدموع حقويه، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه، وجعل يبكى، ثم رفع يديه فجعل يبكى حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال ليؤذن بصلاة الغداة فرآه يبكى فقال له: يا رسول الله: أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا؟! ثم قال: وما لي لا أبكى؟ وقد أنزل الله علىّ في هذه الليلة: إن في خلق السموات والأرض. ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها. وأولوا العقول والأرواح الطيبة هم الذين ينظرون إلى السماء والأرض وما فيهما فيذكرون الله ويذكرون نعمه وفضله على العالم في كل حال من قيام وقعود واجتماع ذكر بالقلب حتى يطمئن أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [سورة الرعد آية ٢٨] ثم يتبعون ذكر الله بالتفكير في بديع صنعه وأسرار خلقه وما في هذه العوالم من منافع وحكم وأسرار تدل على كمال العلم وتمام القدرة والوحدانية التامة في الذات والصفات والأفعال. والمراد التفكر في خلق الله لا في ذات، الله، فقد ورد «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق» ومع التفكر اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا، وما حال هؤلاء الذين يجمعون بين التذكر والتفكير؟ يقولون باللسان وقلبهم بين الخوف والرجاء: ربنا ما خلقت هذا الكون باطلا وما خلقت هذا الخلق عبثا أو كمّا مهملا! بل لا بد لهذا الخلق من نهاية يأخذ المطيع والعاصي جزاءه إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وإذا كان كذلك فقنا يا ربنا واصرف عنا عذاب النار بعنايتك وتوفيقك لنا. واجعلنا مع الأبرار بهدايتك ورحمتك يا أرحم الراحمين، ثم إنهم بعد أن يصلوا بالفكر والذكر إلى حقيقة هذا العالم ومآله وقد دعوا ربهم أن يقيهم عذاب جهنم في الحياة الثانية يقولون متضرعين: ربنا إنك من تدخله النار فقد أهنته وأخزيته لأن من يعصيك فأنت قاهره ومذلّه، وكيف لا وقد سخرت هذا العالم وأخضعته لكمال قدرتك وعظيم إرادتك، فمن عاداك فلا ملجأ منك إلا إليك، وليس له شفيع أو نصير، وما للظالمين من أنصار!! وقد وصف من يدخل النار بأنه يستحق هذا لظلمه وتجاوزه الحد المعقول، هذا ما نتجه الفكر والنظر الصحيح في الكون وما فيه. وأما السمع فحينما سمعوا نداء الرسل الكرام قالوا: ربنا إننا سمعنا رسولا ينادى
следующие страницы →