عليها، وكانت هاتان السورتان- المزمل والمدثر- من أوائل القرآن نزولا،
ويروى أن الوحى لما نزل على النبي للمرة الثانية وجده متزملا في قطيفة فقال له: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ وجاءه مرة أخرى وكان متدثرا فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ.
المعنى:
يا أيها المزمل- المتلفف بكساء وقد اضطجع في ركن داره- قم الليل إلا قليلا منه وهو نصفه «١» أو انقص منه قليلا بحيث يزيد على الثلث، أو زد عليه قليلا بحيث لا يزيد على الثلثين، فالنبي- ﵇ أمر بأن يقوم من الليل ساعات تتراوح بين الثلث والثلثين، وهو التهجد وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [سورة الإسراء آية ٧٩] .
يا أيها المزمل: دع ما أنت فيه وانشط لقيام الليل والصلاة فيه، وقراءة القرآن وترتيله وتدبر معناه.
هذا خطاب للنبي ويدخل معه في ذلك أمته وخاصة أصحاب الدعوات والمبادئ والأفكار، والشارع الأعظم يقصد بهذه الإرشادات والتوجيهات التربية الإسلامية الكاملة، تربية الجسم وتعويده على تحمل المشاق والمكاره، وتربية النفس بسموها وبعدها عن شوائب المادة وقوتها بحيث تحكم على الجسم ونوازع الشر فيه، إذ لا شك أن قيام الليل شاق على النفس لكنه يؤدبها ويهذبها، ويعودها الصبر، وهو كذلك مما يقوى الأجسام ويساعدها على العمل والثبات في معترك الحياة.
والنبي- ﵇ تنتظره في دعوته مشاق ومتاعب وتكاليف، ودرعه الواقي في ذلك هو تعويد جسمه على تحمل المشاق، وتقوية روحه بالعمل الصالح وتلاوة القرآن، يا ليت قومي يعلمون ذلك فيعملون على تحقيقه، ويفرحون لإرادة الله ذلك لهم.
стр. 2557
يا أيها المزمل: قم الليل إلا نصفه أو قلل منه قليلا أو زد عليه قليلا، ورتل القرآن في تهجدك ترتيلا، واقرأه بتثبت وتدبر، وتؤدة وتأن فإن القرآن جلاء القلوب، وحياة النفوس.
ولقد امتثل النبي أمر ربه، وتأدب بأدب القرآن، وسهر الليل وجاهد النفس واقتدى به أصحابه حتى شحبت ألوانهم وضعفت أجسامهم وتورمت أقدامهم حتى كأنهم تخطوا الحدود المرسومة فأنزل الله طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى.
ولقد أخذ القرآن يذكر سبب هذا الأمر فقال ما معناه: يا محمد إنك تحمل أكبر رسالة، وتدعو الناس إلى أضخم دعوة: دعوة الحق والحرية والكرامة. وسيكون لك أعداء، وسيكون لمن يدعو بدعوتك أعداء، لهذا أمرناك بإعداد نفسك وجسمك إلى تحمل هذه الرسالة، إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا وقعه شديدا وطؤه على الكفار والمشركين، ولا ينفع هذا إلا تقوية الجسم والروح، وتدبر القرآن وتفهم معناه.
وكأن سائلا سأل شاكا في أن قيام الليل وتدبر القرآن مما يساعد على تحمل مشاق الدعوة، فقال: إن ما حدث في الليل من قيام وصلاة وقراءة قرآن وتدبر له هو أشد وطئا، وأصعب على النفس الإنسانية، وهذا بلا شك مما يساعدها على تحمل المشاق ويقويها فتصبر على المكروه ولا شك أن الليل حيث السكون والصفاء مما يساعد على تدبر القرآن وتفهم معناه.
إن لك في النهار عملا كثيرا متواصلا سريعا فلم يبق إلا الليل، فاغتنم جزءا منه يكن لك خير كثير وفضل كبير.
واذكر اسم ربك وتوكل عليه وحده، وانقطع عما سواه فلن ينفعك غيره، وهكذا المؤمن الكامل لا يتوكل إلا عليه ولا يعتمد على سواه، ولا ينقطع عن كل ذلك لأنه رب المشرق والمغرب وما بينهما، لا إله غيره، وكيف يكون غير ذلك؟! وكل ما في الكون شرقه وغربه شاهد عدل على وحدانية الله، وأنه لا إله غيره، ولا معبود سواه، إذا كان الأمر كذلك فاتخذه وكيلا، واعتمد عليه وحده في دعوتك الخلق إلى الإسلام..
стр. 2558
وسيصادفك- وكل من يدعو بدعوتك إلى يوم الدين- ما تكره من أذى الناس والعلاج في ذلك هو الصبر- إنه سلاح المؤمن وعدة المسلم- والهجر الجميل وانظر إلى علاج القرآن حيث جعل دعامته الصبر والسلوان والهجر الجميل.
أما المكذبون المغرورون أولو النعمة والترف فالله يقول فيهم: ذرني والمكذبين أولى النعمة والترف وأمهلهم قليلا فإن للكون سنة لا تختلف، إن عاقبة هؤلاء المكذبين المغرورين سيئة، والله يمهل قليلا ولا يهمل. هذا في الدنيا أما في الآخرة فالله يقول: إن لدينا أنكالا وقيودا ثقالا، وجحيما أعدت لهم وطعاما ذا غصة وهو طعام الزقوم، الطعام البشع الكريه التي تغص منه النفوس، وبعد هذا كله فهناك عذاب أليم لهم للغاية.
اذكر يوم ترجف الأرض وتضطرب وتتزلزل الجبال وتتحرك حتى تكون تلّا من الرمل كثيبا مهيلا، وليس هذا الاضطراب في الأرض فقط بل فيها وفي السماء إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ «١» ، إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ «٢» .
ولقد أخذ القرآن يهددهم بما حل بغيرهم وكانوا أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فقال: إنا أرسلنا إلى فرعون رسولا هو موسى، فعصى فرعون وقومه رسولهم فأخذهم ربك أخذ عزيز مقتدر. حيث أغرقهم ونجى موسى ومن معه.
إذا كان الأمر كذلك فكيف تتقون- إن دمتم على كفركم- يوما شديد الهول: يوما يجعل الولدان من شدة أهواله شيبا، والسماء في هذا اليوم تنفطر وتتشقق بعد أن كانت آية في الإحكام والدقة ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ «٣» كل ذلك كان وعده مفعولا.
إن هذه الإرشادات والتوجيهات التي سيقت في تلك الآيات تذكرة وعظة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا هو الإيمان والتمسك بالقرآن، وتعود الصبر والسلوان ...
стр. 2559
ذلك تخفيف من ربكم ورحمة [سورة المزمل (٧٣) : آية ٢٠]
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)
المفردات:
أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ المراد: أقل منه. لَنْ تُحْصُوهُ: تطيقوه. فَتابَ عَلَيْكُمْ: رجع بالتيسير عليكم.
المعنى:
هذه الآية ترجع إلى أول السورة حيث كان الأمر فيها للنبي- وكذلك صحبه- بأن يقوم ساعات طوالا من الليل تتراوح بين الثلث والثلثين، وقد امتثل النبي لذلك بل وبولغ في هذا كما سبق، وبعد عشر سنين من هذا الأمر نزل التخفيف على الأمة وانتقل الأمر من الواجب إلى المباح، فلقد خفف الله عن الأمة الإسلامية حيث اتسع العدد وأصبح فيها المريض وذو الحاجة والمسافر والمقاتل، وهؤلاء بلا شك لا يطيقون القيام فجعله الله مندوبا، من شاء فعله فاستحق ثوابه، ومن شاء ترك هذا الفضل الكبير والله هو العالم بكل شيء.
стр. 2560
إن ربك يعلم أنك قمت وامتثلت أمر ربك أنت وطائفة من قومك. قمتم أدنى من ثلثى الليل، وقمتم نصفه، وثلثه، وكان معك صحبك، والمراد بالعلم أن الله سيجازيك على ذلك أحسن الجزاء.
والله وحده هو الذي يقدر الليل والنهار، وهو الذي يعلم المصلحة، وقد علم أن المدة السابقة كافية للتربية الإسلامية، وقد جاء معكم ناس لا يستطيعون ذلك العمل، فالله علم أنكم كجماعة لن تطيقوا قيام الليل على سبيل الواجب، أما كأفراد فمنكم من يقدر وأكثركم لا يقدر، والأحكام الشرعية تبنى على الأعم الأغلب.
فالله قد رجع عليكم بالتيسير والتخفيف منذ أن رجعتم إليه بالشكوى والدعاء، فاقرأوا ما تيسر من القرآن في قيام الليل أو في الصلاة في ساعة من ساعات الليل. علم الله أن الحال والشأن سيكون منكم مرضى ضعاف، لا يستطيعون قيام الليل، وآخرون منكم مسافرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله بالتجارة والسعى على تحصيل الرزق من طريق الحلال، وآخرون يقاتلون في سبيل الله، هؤلاء وهؤلاء لا يستطيعون قيام الليل، فالله خفف عنكم فاقرأوا ما تيسر منه، وأقيموا الصلاة كاملة الأركان مستوفاة الشروط، وآتوا الزكاة، أى: الزكاة الواجبة بناء على أن هذه الآية نزلت بالمدينة أو هي زكاة الفطر، أو مطلق إنفاق على أن السورة مكية، وأقرضوا الله قرضا حسنا فالله غنى قادر سيجازيكم على الدرهم عشرا بل ربما ضاعفه إلى سبعمائة ضعف، فأقرضوه يكن خيرا لكم وأفضل، وما تقدموا لأنفسكم من خير مطلقا تجدوا ثوابه عند الله كاملا، وتجدوه عند الله هو خيرا مطلقا من العمل مهما كان صعبا، وأعظم أجرا، واستغفروا الله على ما فرط منكم فإن من أمراض القلوب الرياء وحب السمعة، وكثيرا ما كان ذلك في الصدقة، فاستغفروا الله مما يكون قد حصل إن الله غفور رحيم.
стр. 2561
سورة المدثر
وهي مكية كلها عند بعضهم، وقال بعضهم هي مكية إلا آية وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً ... وعدد آياتها ست وخمسون آية وهي تشمل إرشادات للنبي ﷺ يحتاج إليها في دعوته، ثم تهديد زعيم من زعماء الشرك، وتطرق الكلام إلى وصف جهنم ومن فيها، وهذه السورة والتي قبلها متشابهتان إلى حد ما، فالأولى في إعداد النبي ﷺ كداعية، والثانية ترشده إلى ما به ينجح في دعوته.
توجيهات نافعة للمصطفى ﷺ [سورة المدثر (٧٤) : الآيات ١ الى ١٠]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)
عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)
المفردات:
الْمُدَّثِّرُ: لابس الدثار، وهو ما فوق الشعار الذي يلبس فوق الجسد مباشرة. وَثِيابَكَ المراد: قلبك ونفسك. وَالرُّجْزَ: هو العذاب والمراد هنا أسبابه. نُقِرَ فِي النَّاقُورِ: نفخ في الصور. لا تَمْنُنْ المراد: لا تعط مستكثرا.
стр. 2562
المعنى:
كان النبي ﷺ في أول اتصاله بالوحي ولقائه له يتأثر بذلك كثيرا، وكان يتزمل بعده ويتدثر، حتى انقطع عنه الوحى حينا ثم جاءه على شوق منه إليه، وربما كان هذا التخلف ليهدأ روعه وتسكن نفسه، وقيل: إن النبي ﷺ كان يصيبه من أذى قومه ما يجعله يعتزل مجتمعهم مفكرا ويجلس متدثرا بدثاره في بيته، فجاءه الوحى يحضه على ترك العزلة، وعلى التشمير للدعوة.
يا أيها المدثر الذي اشتمل بدثاره كمن لا يهمه أمر ولا يعنيه شأن، والمستغرق في أفكاره، والمتهيب للقاء الوحى: قم نشيطا من مضجعك، ولا تجعل لليأس سبيلا إلى قلبك، فإن العناية الإلهية أعدتك لرسالة سامية خالدة، ولنشر دين عام هو خاتم الأديان، قم فأنذر الناس بذلك الدين، وخوفهم عاقبة الكفر به، هذه الرسالة التي كلف النبي بها، والتي جاءت لتهدى الناس إلى الطريق الحق، وتجعلهم يعبدون الله الواحد الأحد بعد الأصنام والأوثان والصاحبة والولد، ليست بالأمر الهين السهل، تصور أنك تحاول أن تقنع شخصا بترك ما يعتقده وورثه عن آبائه.. لذلك أرشد الله نبيه إلى طريق النجاح في تلك الدعوة الإسلامية، وإنها لأسلحة جبارة لو استخدمت استخداما صحيحا لكسب صاحبها المعركة وهي:
١- وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ نعم مهما يكن من شيء فكبر «١» ربك وحده، ولا تشرك به غيره، وخلص عقلك من أوهام الشرك وعبادة ما لا ينفع بل يضر.
٢- وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ تطهير الثياب كناية عن تطهير النفس عما تذم به من الأفعال، ولذلك قالت العرب: فلان طاهر الثوب أو طاهر الجيب، يريدون بذلك وصف نفسه بالنقاء من المعايب وسىء الأخلاق، ولا غرابة في ذلك إذ الثياب مما يلازم الإنسان في جميع أطوار حياته. وقد يطلقون الثياب ويريدون ذات النفس أو القلب، وعليه قول عنترة.
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم
стр. 2563
٣- وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ أى: اترك كل ما يؤدى بك إلى العذاب من المعاصي والآثام، وحرر جوارحك من كل ما يغضب ربك.
ألست معى في أن هذه الكلمات جمعت أمهات الفضائل؟ كتحرير العقل من ربقة الشرك وتقويم النفس بكريم الخلق. وإصلاح البدن والروح بهجر المآثم والمحارم.
وهذه الأوامر من باب فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ أى: دم على ما أنت عليه من العبادة الكاملة، ومن تحلى نفسك بالخلق الشريف، ومن هجرك لكل ما يغضب الله.
٤- هذه صفة مهمة تستحق الإفراد بالذكر وهي: الجود وعدم البخل واستكثار العطاء فإن البخل وشح النفس مما ينفر الناس عن صاحب الدعوة، حقيقة الجود مما يدخل في قوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ولكنه خص بالذكر لأثره المهم في جذب قلوب الناس فحقّا صدق الله وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ أى: لا تعط عطاء مهما كان كثيرا وأنت تقدر في نفسك أنه كثير، بل اعتقد أنه قليل، وأعط عطاء من لا يخاف الفقر بحال.
٥- وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ أى: إذا كان الأمر كذلك وقد قمت بالواجب عليك واتبعت نصائح ربك ثم وجدت من قومك إعراضا وتكذيبا وإيذاء فاصبر لأجل ربك ولتبليغ رسالاته، وتلقين وحيه، فإن الصبر هو عدة المسلم وطريق الوصول إلى ما يريد.
قم يا محمد فأنذر، وبلغ رسالة ربك كلها، وإن لم تفعل هذا فما بلغت رسالته، والله عاصمك من الناس، فإذا أبوا إلا التكذيب، فاعلم أن وراءهم يوما ثقيلا، يوما عبوسا قمطريرا، فإذا نقر في الناقور ونفخ في الصور فذلك- يوم إذ يحصل هذا- يوم عسير جدّا شديد على الكافرين غير يسير.
ما يلاقيه زعماء الشرك [سورة المدثر (٧٤) : الآيات ١١ الى ٣١]
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥)
كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠)
ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١)
стр. 2564
المفردات:
ذَرْنِي: دعني واتركني. مَمْدُوداً: مبسوطا موسعا. شُهُوداً:
حضورا لا يفارقونه. مَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً بسطت له الدنيا بسطا. كَلَّا:
كلمة ردع وزجر. عَنِيداً: معاندا له ومكابرا. سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً: سأكلفه وأحمله عذابا شاقا صعبا كصعوبة من يحاول صعود جبل صعب. قَدَّرَ: هيأ الأمر في نفسه ودبره. عَبَسَ وَبَسَرَ العبوس: تقلص عضلات الوجه أو الحاجبين عند ألم أو حزن، والبسور أشد من العبوس. سَقَرَ: اسم من أسماء جهنم، وهو من:
سقرته الشمس: إذا لوحته وآلمته. فِتْنَةً: ابتلاء واختبارا. وَلا يَرْتابَ:
ولا يشك. مَرَضٌ: شك ونفاق. مَثَلًا المثل: هو القول السائر على ألسنة
стр. 2565
الخلق، ويكون في أمر عجيب وشأن خطير، والمراد أن عدد الخزنة أمر عجيب كالمثل.
جُنُودَ رَبِّكَ: أنصاره وأعوانه، والمراد هنا: صنف من الخلق. ذِكْرى لِلْبَشَرِ: موعظة وعبرة.
المعنى:
لقد رسم الله- الخطوط لنجاح الدعوة المحمدية باستكمال العقل وتحرره من الشرك، وباستكمال النفس بالخلق الكامل والمثل العليا، وبتطهير الجوارح والروح بالبعد عن المعاصي والمحارم، ولقد ذكر صفتين لهما وضع خاص، هما الجود والصبر، وبعد ذلك بين ما يلاقيه الكفار يوم القيامة، ثم أراد أن يشجع الرسول على التبليغ فذكر أحد زعماء الشرك وتوعده بسقر التي هي لواحة للبشر، هذه هي دعائم نجاح الرسول في دعوته، وتلك سنة الله في الدعوات كلها لا يستقيم لها أمر إلا بهذا.
ذرني ومن خلقته وحدي بلا شريك معى، اتركه لي وثق أنى قادر عليه لقد خلقته وحيدا لا مال له ولا ولد ولا حول له ولا قوة، حتى إذا أنعمت عليه بالمال والولد قام يكفر بي ويكذب رسلي، لقد مهدت له الدنيا ووسعتها عليه توسيعا، ثم بعد ذلك يطمع أن أزيده من نعمى، أو ثم يطمع أن أزيده فأرسله رسولا!! كلا إنه كان لآياتنا القرآنية معاندا ومكابرا، وماذا يكون جزاؤه؟ سأرهقه صعودا، أى: سأحمله من العذاب نوعا شاقاّ عليه تضعف عنه قوته كما تضعف قوة من يصعد في الجبل في طريق وعر، وكأن سائلا سأل: كيف كانت حالته في معاندة الآيات حتى استحق هذا العذاب؟ فأجيب: إنه فكر فيها وقدر، وهيأ في نفسه أمرا وأجال فيها رأيا يقوله ليرضى الباطل وأهله.
فقتل كيف قدر؟ ثم قتل كيف قدر؟ وهذا كما يقولون: قاتله الله ما أشجعه! في معرض التعجب والاستعظام مدحا للشخص الذي يقولون فيه هذا الكلام، وكأنه بلغ حدا يجعل حساده يقولون له هذا، ثم شاع هذا الاستعمال حتى صار يقوله كل معجب بشخص أو كل محب له، أما العبارة في الآية فليس المقصود منها المدح، وإنما هي للتعجب المشوب بالذم، أو المدح الذي فيها للتهكم والاستهزاء، ثم بعد أن فكر وقدر نظر في جمهور النادي نظر المفكر الساهم، ثم قطب وجهه وقلص عضلات حاجبيه واشتد ذلك التقطيب متهيئا للكلام والحكم القطعي في شأن الرسول والقرآن.
стр. 2566
ولما كان قوله محض افتراء، ونهاية الإعراض عن الحق والإيمان، وكان ناشئا عن كبر وغمط للحقوق عبر عنه القرآن بقوله: ثم أدبر واستكبر، فماذا قال؟ قال: إن الكلام الذي سمعته ما هو إلا سحر يؤثر عن السحرة من البابليين والآشوريين والمصريين، ثم أكد رأيه بأنه سحر معروف وليس من كلام الله بقوله: ما هذا إلا مثل قول البشر الذين عاشوا في القرون الماضية.
ما جزاء هذا؟ سأرهقه صعودا، سأصليه سقر «١» وما أدراك؟ ما سقر «٢» ؟ أى شيء أعلمك ما سقر؟ وهذا استفهام يراد به التعجب من هول سقر، وأنه مهما فكر فيها المفكر لا يمكنه أن يعرف من أمرها إلا ما عرفه الوحى من أنها لا تبقى على شيء يلقى فيها إلا أهلكته، ولا تذر أحدا من الفجار يفلت منها، وهي لواحة للبشر تجعل أجسامهم قطعا سوداء متغيرة، عليها تسعة عشر، وهم خزنتها الموكلون بخدمتها وهل هم تسعة عشر ملكا أو صنفا أو صفا أو نقيبا؟ الله أعلم بذلك، وليس لنا أن نبحث في ذلك بعد قوله تعالى: وما أدراك ما سقر؟ على أن المخاطب بذلك سيد البشر.
وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة، أى: ليسوا بشرا، وهذا رد على من قال:
سأكفيكم هذه الآية: ثكلتكم أمهاتكم، أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد من هؤلاء!! فيرد الله عليهم: ليس هؤلاء بشرا بل هم ملائكة، فاسألوا عنهم عادا وثمود وأهل قرى قوم لوط، فإنهم يعرفون الملائكة وقوتهم.
وما جعلنا عدتهم- تسعة عشر- إلا ابتلاء واختبارا للناس، وكانت فتنة وضلالا وإعراضا عن الحق، حيث كفر المشركون بهذا وضلوا، فكانت عاقبة أمرهم ضلالا وإعراضا. أما المؤمنون بالنبي ﷺ من المسلمين وأهل الكتاب فازدادوا يقينا على يقينهم، ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون بل هم متيقنون، وكان ذلك ليقول الذين في قلوبهم شك ونفاق كالمنافقين، وليقول الكافرون بالوحي: ماذا أراد الله بهذا؟
أى: ماذا أراد الله بهذا القول- عدتهم تسعة عشر- الذي يشبه المثل في الغرابة والبداعة؟ فيخوفنا بواسطته من سقر وخزنتها التسعة عشر.
стр. 2567
مثل ذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء، ويهدى من أراد لهم ذلك لأنهم على استعداد للخير أو الشر، وقد ساروا بمحض اختيارهم في أحد السبيلين.
وما يعلم جنود ربك إلا هو، نعم لا يعلم خلقه إلا هو، وجنود ربك التي هي وسائط في تنفيذ إرادته وأحكامه من الأمور الغيبية التي نؤمن بها فقط.
وما سقر ووصفها بهذا إلا ذكرى وموعظة للبشر، فيخافون ربهم ويبتعدون عن عقابه وعذابه، أما حقيقتها فشيء لا يعلمه إلا الله.
يكاد المفسرون يجمعون على أن قصة التهديد السابقة نزلت في الوليد بن المغيرة فإنه كان كثير المال والولد عظيم الجاه قوى النفوذ، وكان له عشرة أولاد يحضرون مجلسه لكبر سنهم ورجاحة عقولهم، ويقيمون معه لا يغادرون مكة لغناهم وثرائهم.
ولما اشتد الأمر رأى زعماء الشرك أن دعوة النبي محمد آخذة في الانتشار، وأن محمدا سيجتمع بوفود العرب وسيكلمهم في الإسلام. اجتمعوا للتشاور فيما يقولون ليردوا به العرب عن الإسلام، فقال قائل: نقول: إنه شاعر، وقال آخر: لا، إنه كاهن، وقال ثالث: لا، إنه مجنون، وقال رابع: لا، إنه كذاب! كل هذا والوليد يسمع ولا يتكلم فقالوا له: ما لك لا تتكلم؟؟ فقال: لقد سمعت محمدا يقرأ كلاما ما هو بكلام الإنس ولا الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وما يقول هذا بشر. فكان لهذا الكلام وقع شديد على المجتمعين، وقالوا: لقد صبأ الوليد- أى: ترك دين آبائه وأجداده- ولتصبأن معه قريش، وتفرق الجمع وكلهم حزين أسيف.
ولكن أبا جهل ذهب لدار الوليد يحتال عليه وأخذ يكلمه بكلام يثير فيه الحمية الجاهلية، والنخوة الكاذبة فقال له: لقد تركنا قريشا تجمع مالا حتى تكفيك تعرضك لمحمد وماله، فقال الوليد: لقد علمت قريش أنى من أكثرها مالا، فهل أنا محتاج لكسر محمد اليتيم؟ قم بنا إلى دار الندوة، ولأقول كلاما أصحح به وضعي.
اجتمع الناس فقال الوليد: إن محمدا ليس بشاعر، ولا كاهن، ولا كاذب- لقد وصف القرآن الوليد في تلك اللحظة الرهيبة وصفا دقيقا جدّا- فقال:
стр. 2568
إن الوليد فكر وقلب وجوه الرأى فيما يقوله، وقدر الرأى وقلبه على وجوهه ثم قاطعه الوحى بقوله: فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ معجبا من أمره ناعيا عليه سوء فعله، ثم نظر الوليد في القوم بعد تفكيره، ثم عبس وبسر، أى: قطب حاجبيه تقطيبا شديدا، وقال لهم: إنه ساحر أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه، ففرحت قريش بذلك فرحا شديدا. واغتم النبي ﷺ وحزن ورجع إلى بيته، وتدثر بدثاره وجلس، فكانت هذه السورة، وأمره الله أن يدع الوليد ومن على شاكلته فالله يكفيكه في الدنيا، وليعذبنه عذابا شديدا في الآخرة بنار هي سقر تسود الوجوه وتشوى اللحم ... إلخ ما في الآيات.
سقر ومن فيه [سورة المدثر (٧٤) : الآيات ٣٢ الى ٥٦]
كَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (٣٦)
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)
ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)
حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)
стр. 2569
المفردات:
إِذْ أَدْبَرَ دبر وأدبر بمعنى: ولى وانصرم. إِذا أَسْفَرَ: أضاء وظهر.
الْكُبَرِ: جمع كبرى، أنثى الأكبر. رَهِينَةٌ يقال: رهن الشيء رهنا ورهينة، وهو الشيء المرهون وثيقة لشيء آخر. ما سَلَكَكُمْ: ما أدخلكم. الْمُصَلِّينَ الصلاة في اللغة: الدعاء والدين، وشرعا: تطلق على الصلاة المعروفة، والمراد المعنى اللغوي لا الشرعي. نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ: نكذب مع المكذبين، وأصل الخوض الذهاب في الماء، ثم نقل إلى الذهاب في الكلام، ثم غلب على الإكثار من باطل الكلام. الْيَقِينُ: الموت. التَّذْكِرَةِ: المراد القرآن. مُسْتَنْفِرَةٌ: نافرة من نفسها. قَسْوَرَةٍ: اسد. صُحُفاً مُنَشَّرَةً الصحف: القراطيس التي تكتب وتتداولها أيدى الناس، والمنشرة: المبسوطة المفتوحة.
المعنى:
لقد تكلم المشركون في خزنة جهنم وعددهم، واتخذوا ذلك مادة لاستهزائهم وسخريتهم فضلوا ضلالا بعيدا، والقرآن هنا يزجرهم عن ذلك ويردعهم بكلمة زاجرة هي «كلا» ثم أقسم بالقمر، والليل إذ أدبر، والصبح إذا أسفر على أن سقر هي إحدى الكبر، أما قسمه بهذه الأشياء فكما قلنا سابقا: إنه للفت أنظار المشركين إلى تلك الآثار الباهرة التي تدل على قدرة الله القادرة، على أن هذا التقلب، والتغيير من حال إلى حال ومن نور إلى ظلام ثم منه إلى ضياء على جواز البعث والانتقال من حال الفناء إلى حال الحياة.
أقسم بالقمر ونوره كيف ينشأ صغيرا ثم يكبر ثم يعود صغيرا صغيرا حتى المحاق، وهذا الليل بجحافله، وسكونه وهدوئه، وموت الطبيعة فيه، ثم يأتى الصبح بأضوائه
стр. 2570
اللامعة ووجهه المشرق وحياته الحافلة، أقسم بهذا كله على أن جهنم المعدة للمكذبين الذين يتخذون القرآن عضين هي إحدى الكبر من جهة أنها نذير «١» للبشر لمن «٢» شاء منكم أيها البشر أن يتقدم للخير ولمن شاء أن يتأخر بفعل الشر، نعم هي نذير لهؤلاء الذين يخافون يوما عبوسا قمطريرا.
هذا إنذار للعاملين والعصاة المذنبين، مع العلم أن كل نفس بما كسبت مرهونة، أى: أن النفس مرهونة بعملها فإن كان خيرا فك رهنها وحبسها، وإن كان شرّا فستظل حتى تستوفى عقابها، وعلى ذلك فالعصاة نفوسهم مرهونة بعملهم الشر، والمؤمنون أصحاب اليمين ليست نفوسهم مرهونة لأنهم أدوا ما عليهم. كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ فإنهم في جنات مكرمون، على سرر متقابلون يتجاذبون أطراف الحديث ويتساءلون، أى: يسأل بعضهم بعضا عن المجرمين المكذبين ما حالهم؟ ولعلهم يعرفون الجواب، ولكن هذا يساق زيادة في تبكيت المجرمين وإيلامهم، وإمعانا في سرور المؤمنين، أصحاب اليمين يتساءلون عن المجرمين فيطلعون عليهم، وهم في جهنم فيقولون لهم: ما سلككم في سقر؟ ما الذي أدخلكم في جهنم؟ قالوا لهم: الذي سلكنا أننا لم نك من المصلين، ولم نك ندعو الله رب العالمين بل كنا ندعو غيره ونشرك به سواه، وأنا لم نك نطعم المسكين المحتاج بل كنا ننفق للدنيا وللرياء، وكنا نكذب مع المكذبين ونخوض مع الخائضين في هراء الكلام وفاسده، وكنا نكذب بيوم القيامة ولا نصدق به، وظللنا على هذا الحال حتى أتانا اليقين الذي لا شك فيه كالموت، وهذا العذاب الذي نقاسيه اليوم.
إذا كان الأمر كذلك فما تنفع هؤلاء شفاعة الشافعين، ومن ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ وهذا رد عليهم في دعواهم أن الآلهة تشفع عند الله لهم.
عجبا لهؤلاء بعد هذا البيان الساطع فما لهم عن القرآن معرضين؟ أى شيء حصل لهؤلاء حتى يعرضوا عن كلام رب العاملين مالك يوم الدين.
стр. 2571
ما لهم يعرضون ويفرون؟ كأنهم حمر- المراد حمر الوحش- نافرة من نفسها وطبعها، وقد فرت من أسد، إن أمر هؤلاء لعجيب.
بل- وهذا إضراب عن إعراضهم ونفورهم مما فيه سعادتهم وخيرهم كالحيوان واستمع لما هو أعجب وأغرب: بل يريد كل امرئ منهم أن تنزل عليه صحف من السماء مبسوطة تأمره باتباع محمد ﷺ .
كلا وألف كلا!! بل هم لا يخافون الآخرة، ولا يرجونها أصلا، فهذا هو السبب، وطلبهم الصحف المنشرة ضرب من العبث واللهو، فأعرض عن هذا ولا تسمع لهم في شيء..
كلا إن القرآن تذكرة وعظة لمن يريد الآخرة ويؤمن بالغيب، وفيه استعداد للخير، فمن شاء ذكره واتعظ به وآمن، وما يذكرون إلا إن شاء الله ذاك بالقهر والإلجاء، لكن الله ترك الإيمان والكفر لاختيار العبد الذي هو مناط الثواب والعقاب.
وقيل المعنى: وما يذكرون في حال من الأحوال إلا حال أن شاء الله لهم ذلك إذ الأمر كله له، هو الله أهل لأن يتقى ويحذر عقابه فلماذا لا تتقون؟ وهو أهل للمغفرة فلماذا لا تصلحون أعمالكم. وتتوبون لربكم وتثوبون لرشدكم؟
стр. 2572
سورة القيامة
وهي مكية بالإجماع. وعدد آياتها أربعون آية.
وهي في الكلام على يوم القيامة والاستدلال عليه. ووصفه وبيان أهواله، ثم تعرضت لخروج الروح. وذكر مبدأ الخلق.
يوم القيامة وما فيه [سورة القيامة (٧٥) : الآيات ١ الى ٢٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤)
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)
يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)
وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩)
كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤)
تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥)
стр. 2573
المفردات:
اللَّوَّامَةِ: كثيرة اللوم لنفسها أو لغيرها. أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ: أيظن؟
نُسَوِّيَ بَنانَهُ البنان: أطراف الأصابع أو الأصابع كلها، وتسويتها: جمع عظامها وإعادة تركيب أعضائها. لِيَفْجُرَ أَمامَهُ الفجور: التمادي في ارتكاب الآثام والذنوب والمراد بلفظ (أمامه) بقية حياته. بَرِقَ الْبَصَرُ: زاغ وتحير من شدة الدهش. خَسَفَ الْقَمَرُ: ذهب نوره وأظلم. الْمَفَرُّ: الفرار.
لا وَزَرَ الوزر: الجبل يلجأ إليه والمراد: لا ملجأ ولا معقل ولا حصن.
الْمُسْتَقَرُّ
: الاستقرار والسكون. بَصِيرَةٌ
: حجة وشاهد. مَعاذِيرَهُ
:
أعذاره. وَقُرْآنَهُ
قراءته. الْعاجِلَةَ: هي الدنيا وما فيها. وَتَذَرُونَ:
تتركون. ناضِرَةٌ: حسنة جميلة نضر الله وجهها بالنعم. ناظِرَةٌ: رائية، أو منتظرة باسِرَةٌ: عابسة عبوسا شديدا. فاقِرَةٌ: داهية شديدة تقصم فقار الظهر.
المعنى:
افتتح الله هذه السورة بالقسم على إثبات البعث، إلا أن القسم هنا وفي سورة لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ قد صدر بلا النافية، وقد تحير العلماء في تخريج ذلك فبعضهم قال: إن الأصل لأنا أقسم بيوم القيامة «١» ، وقال البعض: إن لا النافية نفت معتقداتهم الفاسدة ثم بدئ بالقسم على البعث، وقيل: إن الله لا يقسم بهذا على البعث لظهوره وانكشاف أمره حتى لم يعد للمنكر وجه ينفى.
وفي كتاب الآلوسي وجه آخر لعله أدق وأنسب- والله أعلم بأسرار كلامه- خلاصته: إن القسم بشيء يتضمن تعظيمه، وكأن الله يقول: لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة على معنى أن يوم القيامة والنفس اللوامة لا يعظمان بالقسم
стр. 2574
لأنهما في أنفسهما عظيمان سواء أقسم بهما أم لا؟ وهذا الأسلوب بلا شك يفيد تعظيمهما جدّا، وبالتالى يفيد تعظيم المقسم عليه الذي هو البعث. انتهى باختصار وتصرف.
أقسم الحق- ﵎ بيوم القيامة على أن الناس لا يتركون سدى بدون حساب بل لا بد أنهم يبعثون ويجاوزن على أعمالهم، وأقسم كذلك بالنفس التي تكثر اللوم لذاتها لأنها لم تكثر من فعل الخير أو لفعلها الشر، وهذا اللوم إنما يكون يوم القيامة وقيل: النفس اللوامة التي تلوم نفسها في الدنيا على التقصير في عمل الخير أو على بعض الهفوات في الشر، وهذه ليس من المعقول أن تترك بلا جزاء على هذا العمل.
لا أقسم بيوم القيامة، ولا أقسم بالنفس اللوامة لتبعثن ولتحاسبن يوم القيامة على ما قدمتم في الدنيا من خير أو شر.
أيحسب الإنسان الذي من شأنه وطبعه أنه يكذب بالوحي، أيحسب «١» أنا لن نقدر على جمع عظامه بعد موته وتفريقها؟!! وهل المراد بالإنسان شخص خاص أو كل إنسان منكر؟
روى أن الآية وردت في معرض الرد على عدى بن ربيعة والأخنس بن شريق، وكانا جارين سيئين لرسول الله، فقد جلس عدى يوما إلى رسول الله وطلب منه أن يحدثه عن يوم القيامة، فأخذ النبي يحدثه عن يوم القيامة، فقال عدى: أما والله لو رأيت ذلك اليوم بعيني لم أصدقك يا محمد، ولم أؤمن بك ولا به. أيمكن أن يجمع الله العظام؟!
ولذلك جاء في رد القرآن على كل من ينكر- وخاصة عديا والأخنس وأضرابهما- بما يأتى: بلى نجمعها ونعيدها كما بدأنا خلقها أولا حالة كوننا- أى:
الذات الأقدس- قادرين على جمع عظامه مع تسوية بنانه حتى يتمثل بشرا سويّا كاملا كما كان، فذكر تسوية البنان إشارة إلى إعادة الإنسان كاملا في أعضائه حتى الأطراف، أو إلى إعادته كاملا في تكوين جسمه كما كان في الدنيا.
والبنان وما فيه من سلاميات ومفاصل، ودقة في الوضع والتركيب، وما في أطرافه التي تختلف بصماتها في كل فرد عن الآخر دليل على كمال القدرة بل يدل على أن القادر على ذلك هو بلا شك قادر على جمع العظام وإحياء الموتى.
стр. 2575
بَلْ «١» يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ وهذا إضراب عن توبيخ الإنسان والإنكار عليه لأنه يكذب بيوم الدين إلى توبيخه على فعل أشد وأدعى للإنكار. وهو أنه ينكر البعث لأنه يريد أن يتمادى في الشر. وينبعث في ارتكاب الإثم طول حياته، فهو يريد أن يعيش كالحيوان لا عقل يمنعه ولا دين يردعه.
وهذا الإنسان المرتكب للمعاصي الفاجر المتعامى عن الحق فإذا وعظه واعظ أو ذكر بيوم القيامة سأل منكرا مستهزئا متعنتا: أيان يوم القيامة؟!! أى: متى هو؟ أقريب أم بعيد؟ ويظل هذا الوضيع سادرا في غيه لاهيا في شهواته ونزواته، فإذا برق بصره، وخسف القمر وانكسف نوره، واختل نظام الكون حتى جمعت الشمس والقمر في مكان واحد وزمان واحد، وإذا حصل هذا يقول متحيرا يومئذ: أين المفر؟ أين النجاة وأين السبيل؟! كلا «٢» وألف كلا! اليوم لا وزر ولا ملجأ، ولا معين ولا ناصر، لا ملجأ منه إلا إليه، ولا حصن من عذابه إلا عفوه، إلى ربك يومئذ المستقر، وإليه وحده الالتجاء والسكون، وماذا بعد هذا؟ ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم من عمل لذلك اليوم وما أخر من أمور طلبت منه ولم يعملها، والمراد بالإخبار مجازاته على عمله كله إن خيرا فخير وإن شرّا فشر.
ثم أضرب الحق- ﵎ عن إخباره بأعماله إلى مرتبة أتم وأوضح فقال:
بل الإنسان على نفسه شاهد وحجة ورقيب، وعلى ذلك فالمعنى أن الإنسان يوم القيامة ينبأ بعمله، والمراد يجازى عليه، على أنه هو شاهد على نفسه وسوء عمله وقبيح أثره في الدنيا. فليس الأمر في حاجة إلى شهيد آخر يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ «٣» . كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً «٤» فالإنسان يشهد على عمله، ولو ألقى أعذاره، وحمله الخجل والخوف على خلق أعذار كاذبة، فإن شهادة نفسه عليه أحق بالقبول من هذه المعاذير.
стр. 2576
روى أنه ﷺ كان حريصا على حفظ القرآن، وكان يصعب عليه حفظ الآيات وجبريل يلقيها إليه، فكان يحرك لسانه وشفتيه بالقرآن أثناء سماعه لجبريل حرصا على عدم ضياع شيء منه، فنهى النبي عن ذلك في سورة طه. لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ..
الآيات والمعنى: لا تحرك أيها الرسول لسانك وشفتيك بالقرآن قبل أن ينتهى جبريل من إلقاء الوحى، لا تحرك لسانك لتعجل بأخذه وحفظه ثم ذكر العلة في ذلك فقال: إن علينا جمع هذا القرآن في صدرك، وتثبيته في قلبك، وإن علينا أن نوفقك لقراءته كاملا مضبوطا حتى تحفظه ولا تنساه، فإذا قرأناه عليك بواسطة جبريل فأنصت له حتى يفرغ، وإذا فرغ جبريل فاتبع قراءته فإنك ستجد نفسك واعيا له وحافظا، ولا يهمنك معناه فإن على الله وحده بيانه وإيضاح مشكلاته وكشف أسراره لك، أليس ذلك من الأدلة القوية على أن القرآن من عند الله؟
بقيت مسألة هامة: ما السر في وضع هذه المسألة وسط الكلام على البعث ومنكريه؟ بعض العلماء ذهب في تأويله إلى أن الكلام متصل بما قبله إذ كل إنسان له كتاب يقرأ فيه عمله يوم القيامة، فإذا جاء المكذب بيوم البعث الفاجر طول حياته يقرأ كتابه، تلجلج وحرك لسانه بسرعة ليخفى بعض ما في الكتاب ظنا منه أن ذلك ينجيه فنهى عن ذلك وأمر بالإقرار والاعتراف لأن على الله بيان كل أعماله.
ولكن أغلب المفسرين على الرأى الأول، وقالوا عن وضع هذه الآيات هنا: إنها اعتراض بما يؤكد التوبيخ على العجلة، ولو كانت في الخير كما في حفظ القرآن فكيف بها إذا كانت في حب الدنيا، والذي يؤيد هذا ما وراء ذلك من آيات.
ويرجح الشيخ عبد القادر المغربي في تفسيره أن هذه الآية أنزلت على النبي ﷺ حينما كان جبريل يتلو عليه سورة القيامة فكان ﷺ يحرك لسانه متعجلا الحفظ فأوحى إليه ربه آية لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ ...
ولقنه جبريل هذه الآية غضة طرية في غضون تلقينه الآيات التي حرك بها لسانه ليكون ذلك أدعى إلى الامتثال.
كلا، ارتدعوا أيها البشر عما أنتم عليه من حب العجلة في شئونكم وأعمالكم وهذا داء عام شامل لجميع البشر، وإن يكن البعض يتعجل في الخير والكثير يتعجل في التكذيب والشر، أنتم أيها المكذبون بالبعث لم تكذبوا الوحى إحقاقا للحق بل أنتم قوم تحبون العاجلة وتؤثرون الدنيا الفانية، وتذرون الحياة الآخرة والعمل لها، وما علمتم أن
стр. 2577
الناس في الآخرة فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير، فريق وجوهه ناضرة بالنعيم جميلة بإكرام الله له، وهي إلى ربها ناظرة وفريق آخر وجوهه يومئذ كالحة منقبضة عابسة باسرة، تظن لسوء فعلها في الدنيا- بل تتحقق- أنه لا بد أن ينزل بها مصيبة فادحة مصيبة عظمى تقصم الظهر، وتبيد فقاره.
بقي شيء، وقع فيه خلاف كبير بين العلماء قديما، هو: هل نرى ربنا يوم القيامة أو لا؟ الجمهور على إثبات الرؤية مستدلا بقوله هنا: إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وبالأحاديث عن رسول الله: وبعض الفرق تمنع الرؤية بالنظر إذ البصر يحد الله وذاته، وهو لا تدركه الأبصار، على أنه يلزم معها الانحصار في زمن وجهة، والله محال عليه ذلك، والآية هنا تؤول بأن الوجوه تنتظر من الله النعم والفضل والرضوان، على أن الخطب سهل فأمور الآخرة أمور غيبية لا نقيسها على الحاضر عندنا بل نؤمن بها، والله أعلم بها.
الإنسان عند موته وعند بدء خلقه [سورة القيامة (٧٥) : الآيات ٢٦ الى ٤٠]
كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠)
فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥)
أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)
стр. 2578
المفردات:
التَّراقِيَ: جمع ترقوه، وهي العظمة التي تمتد من ثغرة النحر إلى العاتق وهما ترقوتان يمينا وشمالا. راقٍ
: من رقى فهو راق، وهو الذي يعمل الرقية، والمراد المعالج. الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ: هذا مثل لاشتداد الحال ونهاية الشدة.
يَتَمَطَّى التمطي: التبختر والتكبر في المشي. سُدىً: هملا بلا عناية.
نُطْفَةً النطفة: الماء القليل. يُمْنى: يراق ويصب. عَلَقَةً: قطعة دم عالقة. فَخَلَقَ: قدرها بقدر محكم. فَسَوَّى: عدلها وأحكم أمرها.
المعنى:
وهذا نوع من العلاج عظيم، هو أن يلفت القرآن أنظار البشرية إلى حالهم ساعة خروج الروح، وما فيها من أهوال، ثم يتلطف معهم في الحديث فيذكرهم بالنشأة الأولى ليخلص من ذلك كله إلى إثبات البعث الذي تدور عليه السورة كلها.
كلا أيها البشر: ارتدعوا عن حب العاجلة، وتذكروا الآخرة واعملوا لها بكل قواكم، اذكروا ما ينزل بكم ساعة خروج الروح، ساعة تبلغ الروح الترقوة.
اذكروا إذا بلغت الروح التراقي، واجتمع الأهل والأصحاب وقالوا: هل من طبيب أو راق؟ الكل حوله لا يملكون شيئا إلا استدعاء الطبيب، ولكن الأقدار سهام إذا انطلقت لا ترد، وكل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه يرجع الأمر، وظن الإنسان بل وتيقن أنه الفراق لا محالة، واشتد الأمر، وعظم الخطب والتفت الساق بالساق، وانتهى الأمر إلى الواحد الباقي، إلى ربك وحده ساعتها المساق.
أما المكذب الضال فالويل له!! فإنه لا صدق بمال ولا برأى ولا بشيء أبدا، ولا صلى لله، ولكن كذب بالحق لما جاءه. وأعرض عن رسول الله حين دعاه وغرته الدنيا بزخارفها غرورا كثيرا، ثم ذهب بعد ذلك بتبختر في مشيته، غير مكترث بما فعل. أولى لك أيها المكذب فأولى: ثم أولى لك فأولى! وهذه عبارة هدد بها النبي ﷺ أبا جهل ففهم منها الوعيد والتهديد، وقال للنبي: أتوعدني يا محمد؟ والله ما تستطيع
стр. 2579
أنت ولا ربك فىّ شيئا، والله لأنا أعز من مشى بين جبليها، ثم لم يلبث أن قتل ببدر شر قتلة.
أيحسب الإنسان المغرور أنه يترك هملا، بلا شرع ولا حكم، وبلا حساب ولا عقاب؟
ألم يك نطفة من ماء يصب في الرحم. ثم صار علقة فمضغة ثم صوره فأحسن تصويره. وسواه فأكمل خلقه. فكان منه الذكر والأنثى لبقاء النوع الإنسانى.
أليس الذي فعل هذا مع الإنسان بقادر أن يحيى الموت ويبعثهم يوم القيامة؟! فكروا واتعظوا أيها الناس، واعلموا أن الذي رعاكم ورباكم في النشأة الأولى لا يعقل أن يترككم سدى، ويخلقكم هملا لا يجازى المحسن، ولا يعاقب المسيء.
стр. 2580
سورة الإنسان
وهي مكية، وحكى بعضهم الإجماع على أنها مدنية، وعدد آياتها إحدى وثلاثون وتشمل الكلام على البعث، وعلى خلق الإنسان وهدايته للخير والشر، ثم بيان عاقبة كل، مع ذكر أعمال الأبرار وجزائهم.
الإنسان: بعثه وخلقه وتكليفه [سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (٣) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (٤)
المفردات:
حِينٌ الحين: جزء محدود من الزمان شامل للقليل والكثير. الدَّهْرِ:
الزمان الممتد الذي ليس بمحدود. نُطْفَةٍ: هي القليل من الماء. أَمْشاجٍ:
جمع مشج، أى: أخلاط. نَبْتَلِيهِ: نختبره. هَدَيْناهُ: دللناه وأرشدناه إلى الطريق. أَعْتَدْنا: هيأنا. سَلاسِلَ: قيودا توضع في الأرجل.
وَأَغْلالًا: أطواقا توضع في الأيدى.
стр. 2581
المعنى:
هل أتى على الإنسان وقت من الزمن لم يكن شيئا مذكورا؟ وقد علم الله أنهم يقرون فيقولون: نعم قد أتى عليه ذلك، فيقال لهم: الذي أوجده من العدم بعد أن لم يكن كيف يمتنع عليه إحياؤه من العدم «١» ؟ والإنسان من حيث هو إنسان مر عليه حين من الدهر كانت الكرة الأرضية خالية منه، وهذا الزمن لا يعلمه إلا الله.
هذا الإنسان الذي خلق من العدم كيف خلق؟ يقول الله- تعالى- مجيبا ومؤكدا:
إنا خلقناه من نطفة أمشاج، يا سبحان الله! يقول الله تعالى: إنا خلقنا الإنسان من نطفة موصوفة بأنها أخلاط، فيها نوازع الخير والشر كامنة، وفيها صفات للإنسان مختلفة، وفيها اتجاهات له متباينة. ولو شاء ربك لجعل الناس على نظام واحد وطريقة واحدة كلهم للخير أو كلهم للشر، ولكنهم لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولأجل هذا الاختلاف خلقهم، فبه يعمر الكون، وتكون الدنيا والآخرة.
خلقنا ربك من نطفة فيها أخلاط ليبتلينا، إنا خلقناه من نطفة أمشاج حالة كوننا مريدين ابتلاءه واختباره فيما سنكلفه به من شرائع.
ولهذا جعلناه سميعا بصيرا، أى: فترتب على إرادة الابتلاء أن خلق الله فينا قوة العقل والإدراك لنميز بعقولنا التي كان طريقها المهم السمع والبصر، ولكن هل يكفى العقل وحده لإدراك الخير والشر؟ لا.. ولهذا قال: إنا هديناه السبيل العام، أى: دللناه وبينا له طريق الخير وطريق الشر بواسطة الشرائع والرسل بعد أن منحناه العقل والنظر.
فالله- سبحانه- خلق الإنسان، وفيه نوازع الخير والشر، والاتجاهات المختلفة المتباينة ثم رزقه عقلا وفكرا، وأرشده بعد ذلك إلى سبيل الخير والشر بواسطة الكتب والرسل.. إنا هديناه السبل حالة كون الإنسان إما شاكرا وإما كفورا، فهو بعد ذلك إما شاكرا لربه نعمه سالكا سبل الخير مستحقّا دار الكرامة، وإما كفورا لنعم ربه لم يقم بحقها فكفر وكذب وعمل سيئا، فاستحق دار الإهانة، وهذا ما أعد لكل من الفريقين فريق الشاكرين وفريق الكافرين. إنا هيأنا للكافرين في جهنم سلاسل توضع في أرجلهم وأغلالا في أيديهم وأعناقهم: ونارا مستعرة يصلونها وبئس القرار قرارهم.
المفردات:
الْأَبْرارَ: جمع بر. وهو من جمع بين الصدق والتقوى والإخلاص.
كَأْسٍ الكأس: تطلق على إناء الخمر وعلى الخمر نفسها. مِزاجُها: ما تمزج به. كافُوراً: طيب معروف له رائحة جميلة. يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً فجر الماء وفجره: إذا أخرجه من الأرض وشق طريقا يجرى فيه، والمراد أنها تحت أمرهم.
بِالنَّذْرِ النذر: هو ما التزمته منه قربة لله، والوفاء به إنفاذه حسب ما التزمته.
مُسْتَطِيراً: منتشرا فاشيا في كل جهة. مِسْكِيناً: هو من أسكنه فقره وحاجته أو ذله حتى كان قليل الحركة. وَيَتِيماً اليتم: التفرد، وهو هنا من فقد أباه حتى أصبح وحيدا بلا عائل. وَأَسِيراً: من أسر في حرب إسلامية مع الكفار. عَبُوساً: شديد الهول عظيم الخطر. قَمْطَرِيراً: شديدا مظلما.
وَلَقَّاهُمْ: ألقى عليهم وأعطاهم. نَضْرَةً وَسُرُوراً: حسنا وفرحا.
مُتَّكِئِينَ الاتكاء: الجلوس بتمكن وراحة. وغالبا يكون على شق واحد مع الاعتماد على وسادة. الْأَرائِكِ: جمع أريكة وهي السرير عليه الأستار والكلة- الناموسية- زَمْهَرِيراً: بردا قارسا. وَذُلِّلَتْ: سهلت حتى صارت في متناول الأيدى. قُطُوفُها: جمع قطف وهو العنقود ساعة يقطف. بِآنِيَةٍ:
هي صحاف الطعام. وَأَكْوابٍ: جمع كوب: آنية الشراب، والكوب قدح مستدير الرأس لا عروة فيه، ولا خرطوم، وهو ما نسميه الآن- كوبة-وارِيرَ
: جمع قارورة وهي الوعاء الزجاجي المعروف. زَنْجَبِيلًا: نبات له طعم حريف ورائحة جميلة. سَلْسَبِيلًا: الشراب السهل المرور في الحلق لعذوبته، واسم عين في الجنة. سُندُسٍ: من الثياب المصنوعة من الحرير. وَإِسْتَبْرَقٌ:
نسيج من حرير سميك. وَحُلُّوا ألبسوا حلية. شَراباً طَهُوراً: نقيّا من الشوائب.
المعنى:
تلك سنة القرآن يتبع الترهيب بالترغيب، ويتكلم على الكفار ونهايتهم ثم على الأبرار من المؤمنين وخاتمتهم، ليظهر الفرق جليا فيكون ذلك أدعى إلى الإيمان وعدم التكذيب.
стр. 2584
إن الأبرار لفي نعيم، يشربون شرابا ممزوجا بالكافور، هذا الشراب مستمد من عين جارية لا ينفد ماؤها، أعنى عينا يشربها عباد الله، يجرونها حيث شاءوا فهي طوع إرادتهم.
وكأن سائلا سأل: بماذا استحقوا تلك الكرامة، وهذا النعيم؟ والجواب: إنهم يوفون بالنذر، ويخافون يوم الحساب فإن شره مستطير، وهم يتمتعون بخلق كريم فاضل، والوفاء بالنذر الشرعي الذي هو قربة إلى الله كنذر صيام أو صلاة أو صدقة دليل على قوة الإيمان ومضاء العزيمة في الخير، وإذا وفي الإنسان بالنذر لأنه التزام، فالوفاء بالواجب المكلف به شرعا أحرى وأهم له، بل هو من باب أولى، تلك هي الخصلة الأولى للأبرار. والخصلة الثانية: خوفهم من الحساب، فهذا الخوف يدعوهم إلى عمل الصالح من الأعمال، وترك الفحش من السيئات، وهذا اليوم جدير بالخوف من العقلاء لأن فيه شرا مستطيرا منتشرا في كل جهة.
والخصلة الثالثة: تمسكهم بالخلق الفاضل، وتحليهم بكرم الفعال كإطعام الطعام للمحتاجين، وبالتجربة كان الإطعام والبذل لله دليلا على صدق الإيمان، وقوة اليقين هؤلاء يساعدون المحتاج، ويمدون إليه يد المعونة وخاصة الإطعام، والمحتاج مسكين قانع أو يتيم محروم أو أسير ذليل، هم يطعمون الطعام مع حبه وشدة الحاجة إليه.
وقد روى عن علىّ- كرم الله وجهه- وزوجه فاطمة- رضى الله عنها- أنهما نذرا لله نذرا إن شفى الحسن والحسين سبطا رسول الله فسيصومان ثلاثة أيام، فشفاهما الله فصاما ولم يكن عند هما إلا ما يفطرهما فقط، وعند المغرب سألهما مسكين طعاما، فأعطياه الطعام مع الحاجة إليه وباتا على الطوى: وفي اليوم الثاني سألهما يتيم فأعطياه مع شدة الحاجة، وفي اليوم الثالث سألهما أسير فأعطياه وقد صاما ثلاثة أيام متوالية بلا طعام.. عند ذلك نزل جبريل على النبي ﷺ بهذه الآيات ثم قال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك.
هذا هو الإيمان السليم من كل شائبة، يطعمون الطعام على حبه قائلين بلسان الحال لا بلسان المقال، قالوا: إنا نخاف من ربنا عذاب يوم تعبس فيه الوجوه من كثرة ما تلاقى: عبوسا لشدة هوله وعظيم خطره على العباد، يوما عبوسا قمطريرا، أى:
شديدا مظلما.
стр. 2585
كافأهم الله على ذلك بأن وقاهم شر ذلك اليوم وألقى عليهم بدل العبوس والظلمة والشدة والرهق حسنا وبهجة وبهاء. وسرورا، أعطاهم جنة تجرى من تحتها الأنهار، أكلها دائم، وظلها كذلك، وتلك عقبى المتقين، وأعطاهم جنة وكساهم حريرا، وأجلسهم على الأرائك متكئين جلسة المتمكن الهادئ فارغ البال، وهم في تلك الجنة، لا يرون شمسا محرقة، ولا يحسون بردا شديدا، بل هم في جو هادئ حالم لا يشعرون بما يكدرهم.
وهذه الجنة قد دنت عليهم ظلالها الوارفة، وكانت ثمارها سهلة التناول، يتناولها الشخص بلا تعب ولا مشقة، يا سبحان الله!! وهم فيها مكرمون، لهم خدم وحشم، ويطوف عليهم غلمان لهم بآنية من فضة فيها طعامهم، ويطاف عليهم بأكواب من فضة، فيها شرابهم، هذه الأكواب فيها صفاء الزجاج وبياض الفضة ونضرتها، وهذه الأوانى قد قدرت لهم تقديرا تامّا فليست صغيرة لا تفي بما يطلبون، ولا كبيرة تزيد على ما يحتاجون.
وهم في الجنة يسقون فيها شرابا تارة يمزج بالكافور كما مضى، وطورا يمزج بالزنجبيل، وهذا الشراب مستمد من عين لا تنقطع تسمى سلسبيلا لأنها سهلة لينة هينة، ولهم خدم يطوفون عليهم، هؤلاء الولدان مخلدون في نضرة الشباب وروعة الحسن والجمال إذا رأيتهم مقبلين ومدبرين حسبتهم لؤلؤا منثورا في الصفاء والنظافة والجمال.
وإذا رأيت هناك- ونسأل الله الكريم أن يرينا ذلك- رأيت نعيما لا يقادر قدره، ولا يدرى كنه، ورأيت ملكا كبيرا، يتضاءل أمامه ملك كسرى وقيصر، وما مر من وصف لبعض مشاهد الجنة فوصف تقريبي فقط، ونعيمها الحقيقي لا يعلمه إلا خالقه، وهم في الجنة تعلوهم ثياب من سندس رقيق أخضر، ومن إستبرق سميك كل بما يناسبه، وألبسوا حلية هي أساور من فضة أو ذهب، وسقاهم ربك شرابا لا يدرى وصفه، شراب طهور نقى من كل الشوائب.
إن هذا كان لكم أيها العاملون الشاكرون جزاء على أعمالكم، وكان سعيكم مشكورا.
стр. 2586
توجيهات للنبي ﷺ [سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٢٣ الى ٣١]
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (٢٦) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (٢٧)
نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً (٢٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١)
المفردات:
آثِماً: كثير الإثم. كَفُوراً: شديد التعصب للكفر. بُكْرَةً وَأَصِيلًا: أول النهار وآخره. الْعاجِلَةَ: الدنيا. وَيَذَرُونَ: يتركون.
ثَقِيلًا: شديدا. وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ: ربطنا أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق، وفي القاموس: الأسر: شدة الخلق والخلق، والمراد: أحكمنا خلقهم.
تَذْكِرَةٌ: عظة وعبرة.
لقد جمعت هذه السورة بين تذكير الإنسان بخلقه ونشأته ثم تكليفه بالشرائع، ووعظه ببيان أحوال المكذبين يوم القيامة والمؤمنين، ومع هذا فقد ظل المشركون على
стр. 2587
ما هم عليه، فكان من الخير أن تختم السورة بتوجيهات شديدة للنبي ﷺ تنفعه في هذا الوضع.
المعنى:
إنا نحن نزلنا عليك القرآن يا محمد: نزلناه تنزيلا، فهذا القرآن حق لا شك فيه ولا مراء، وليس عليك إلا اتباعه، وعلينا وحدنا نصرة المؤمنين وخذلان الكافرين، فالأمر كله لله الذي أنزل القرآن كتابا محكما لا يأتيه الباطل أبدا، وإذا كان الأمر كذلك فاصبر لحكم ربك فإنه هو الحكم العدل، سيقضي بينك وبينهم بالقول الفصل، وما عليك شيء سوى الصبر، وإياك أن تطيع منهم آثما كثير الذنوب كعتبة بن ربيعة الذي كان يعرض على النبي أن يترك دينه نظير تزويجه بنتا جميلة من بناته، ولا تطع منهم كفورا قوى الشكيمة في الكفر شديد التعصب للجاهلية كأبى جهل والوليد بن المغيرة، الذي
يروى عنه أنه كان يقول للنبي ﷺ : ارجع عن هذا الأمر وسأعطيك مالا حتى ترضى، ولهذا قال له ربه: اصبر حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا، ولا تطع منهم آثما أو كفورا.
ولهذا لا بد لمقابلة هذه الشدائد من التذرع بسلاح الإيمان القوى: ألا وهو الذكر في الصباح والمساء والغدو والرواح فإنه الحصن الحصين، والسجود لله في الليل وتسبيحه في وقت طويل منه.
وأما هؤلاء الكفار فدعهم لخالقهم فهو أعلم بهم وأدرى، إنهم يحبون العاجلة ويجرون وراء الدنيا وزينتها الفانية، ويتركون وراءهم يوما شديد الهول، يوما تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، فنحن خلقناهم، وأحكمنا خلقهم وتصويرهم. وإذا شئنا بدلنا بهم أمثالهم تبديلا، فربك على كل شيء قدير، وهذا تهديد لهم كبير.
إن هذه السورة وأمثالها- يا محمد- تذكرة وعظة فمن شاء اتعظ واتخذ إلى ربه سبيل الخير الموصلة للخير في الآخرة. ومن شاء لم يتعظ واتخذ طريق الضلال والإثم والفسوق والعصيان إلى ربه؟ وهذا أسلوب تطمين وتهدئة لخاطر النبي الكريم.
стр. 2588
فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، إذ السبل مفتحة أمام العبد وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ «١» ولكن اعلموا أن الأمر مع هذا لله، وما تشاءون إلا وقت أن يشاء الله، فللعبد مشيئة جزئية هي مناط الثواب والعقاب، ولله المشيئة الإلهية.
إن الله كان عليما بخلقه حكيما في كل أفعاله.
ثم ختمت السورة ببيان عاقبة الفريقين: أما أحدهما فالله يدخله في رحمته وجنته ورضوانه، وأما الآخر فهم الظالمون وقد أعد الله لهم عذابا أليما.
стр. 2589
سورة المرسلات
وهي مكية وعدد آياتها خمسون آية، وتشمل الكلام على البعث بالقسم عليه ثم ببيان مقدماته، ثم ذكر بعض مظاهر القدرة لله في خلقه، ثم ذكر حال الكفار يوم القيامة، وذكر حال المؤمنين كذلك، وقد ختمت بلوم الكفار على بعض أعمالهم.
[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١ الى ٥٠]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤)
فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩)
وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)
أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩)
انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤)
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)
стр. 2590
المفردات:
وَالْمُرْسَلاتِ: فسرها بعضهم بالملائكة المرسلة بأمره تعالى فعصفن في المضي وأسرعن في تنفيذ الأمر كما تعصف الريح، وبعضهم فسرها بالرياح المرسلات بأمره إلى جهات مختلفة، فالعاصفات: السريعات الهبوب والسير. عُرْفاً: إرسالا متتابعا مأخوذ من عرف الفرس، وهو اسم للشعر المتتابع الثابت في محدب الرقبة.
وَالنَّاشِراتِ نَشْراً أى: الرياح التي تنشر السحب في السماء، أو هي الملائكة تنشر الشرائع في الأرض. فَالْفارِقاتِ فَرْقاً: الرياح تفرق السحاب في أجواء الفضاء، أو هي الملائكة تفرق بين الحق والباطل. فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً: هي الرياح تلقى في قلوب الناس ذكرا لمن أرسلها بالخير، أو هي الملائكة تلقى على الأنبياء الذكر
стр. 2591
من الوحى. طُمِسَتْ: ذهب ضوؤها. فُرِجَتْ: تشققت.
نُسِفَتْ: تفرقت أجزاؤها من نسف الحب بالمنسف: إذا نفضه وذراه.
أُقِّتَتْ: بلغت الوقت المحدود لها. لِيَوْمِ الْفَصْلِ: يوم القيامة. ماءٍ مَهِينٍ: ماء حقير ضعيف. قَرارٍ مَكِينٍ: مستقر حصين وهو الرحم. قَدَرٍ مَعْلُومٍ: زمان معين. فَقَدَرْنا وقدرنا: بمعنى هيأنا وأحكمنا. كِفاتاً كفت الشيء: ضمه وجمعه، كفاتا مصدر له. رَواسِيَ: جبالا ثابتات.
شامِخاتٍ: عاليات مرتفعات. فُراتاً: عذبا. ظِلٍّ المراد به: دخان جهنم. شُعَبٍ: فروع وذوائب. بِشَرَرٍ: جمع شرارة، وهي ما يتطاير من النار. كَالْقَصْرِ: كالدار، والعرب تطلق القصر على البناء الكبير والصغير.
جِمالَتٌ جمع جمال الذي هو جمع جمل، وهو الحيوان المعروف. كَيْدٌ: مكر أو حيلة. ظِلالٍ: جمع ظل.
المعنى:
أقسم الحق- ﵎ على وقوع يوم البعث الذي يكذب به المشركون أقسم بالملائكة التي أرسلن بأمره- تعالى- وأمرن بإنفاذه فورا حالة كونها متتابعات فعصفن في المضي فيه تنفذه وأسرعن إسراعا كما تعصف الرياح، وذلك دليل على سرعة الامتثال وأنهم لا يتباطئون في تنفيذ أمره، وأقسم «١» كذلك بالملائكة التي تنشر الموتى أو: التي تنشر أجنحتها في الفضاء هابطات أو صاعدات، أو تنشر الشرائع على الأنبياء فتفرق بين الحق والباطل، فتلقى ذكرا إلى الأنبياء- ﵈ على أن الإلقاء ليس مختصا بجبريل وإنما هو رئيسهم، تلقى هذا لأجل إعذار المحقين في أعمالهم، وإنذار المبطلين كذلك لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
وبعض العلماء يذهب في تفسير الآية مذهبا آخر يتضمن أن المراد بالمذكورات الرياح وعلى ذلك فيكون المعنى:
стр. 2592
أقسم- ﵎ بالرياح لما لها من الأثر الفعال في حياة العالم بل في وجود هذا الكون، أقسم بها ليلفت النظر إليها كما أقسم بالكواكب في سورة النازعات، وبالخيل في سورة العاديات، على أن الرياح والكواكب والخيل كلها تعدو وتسير وكلها من صنع الجليل القدير جل شأنه.
أقسم بالرياح التي أرسلت بعد ركودها تحمل السحب وتلقح الشجر، وتحمل البذر، وتدفع السفن، إلى غير ذلك، وهذه الرياح التي أرسلت متتابعة الهبوب كشعر الفرس الذي ينبت في محدب رقبته، وهي بعد الإرسال تأخذ في العصف بشدة، فالعصف عقب الإرسال، ولذا عطف بالفاء.
وأقسم بالرياح الناشرات «١» نشرا التي تنشر السحب وتبسطها في الفضاء، وبعد ذلك تأخذ في تفريقها وتوزيعها على من يشاء من عباده وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ [الأعراف ٥٧] وهذه الرياح بعد أن تفرق السحب وتوزعها على من يشاء تلقى في قلوب الناس ذكر الله- الذي أرسلها ومن عليهم بها، وهذا معنى قوله تعالى فَالْفارِقاتِ فَرْقاً فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً والناس حينما يذكرون الله وقت هبوب الرياح وحملها للسحب، منهم من يذكر الله مؤمنا به وبصفاته، ومصدقا بوحيه ورسله وكتبه فيكون هذا عذرا له عند ربه في محو سيئاته، ومنهم من يكون ذكره بمثابة الإنذار له بسوء حيث ينسب هبوب الرياح وسقوط الأمطار لغير الله كالطواغيت والأصنام أو الأنواء والكواكب كما كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا.
أقسم الله بهذه الرياح على أن ما توعدون به من البعث والثواب والعقاب واقع لا محالة.
مقدمات البعث: فإذا النجوم طمست، وذهب ضوؤها بعد أن كانت مضيئة وإذا السماء فرجت وتشققت أجزاؤها بعد أن كانت ملتحمة متينة الوضع والتركيب قوية الجاذبية. إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق ١] وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً [النبأ ١٩] وإذ
стр. 2593
الجبال التي كانت ثوابت ورواسى تقلع من أصلها، وتفرق أجزاؤها، وتذرى في الرياح كأنها نسفت بالمناسيف وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً [سورة النبأ آية ٢٠] وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا [سورة الواقعة آية ٥] .
وهذا وصف للعالم يوم القيامة أو قبله بقليل، وليس هناك أحد يعفى من السؤال حتى الرسل والأنبياء فإنه يوقت لهم وقت لا يتعدونه ليشهدوا على أنفسهم بالبلاغ، ويشهدوا على أممهم، مبرئين أنفسهم من تبعة التقصير في التبليغ، وهذا معنى وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ أى: أجلت ليوم خاص، وكأن سائلا سأل عن ذلك اليوم الموعود؟
فأجيب: ليوم الفصل الذي ليس بالهزل، وما أدراك؟ أى: ما أعلمك به أيها الإنسان؟ ما يوم الفصل! أى: ما كنهه وحقيقته؟ وإنه لعجيب منك أن تلهو عنه ولا تعمل له.
فإذا النجوم طمست وإذا السماء فرجت «١» ، فعندئذ تعلمون صدق الوحى في إثبات البعث، وتعلمون حينئذ مقدار ضلالكم وأن الويل والهلاك والثبور لكم.
بعض مظاهر القدرة التي تلقى في قلوب الكفار والمكذبين الروع بعد الكلام على يوم القيامة وأهواله: ألم نهلك الأولين من قوم عاد وثمود وغيرهم ممن كذبوا بالرسل ولم يؤمنوا بالله وباليوم الآخر وأنتم تعلمون ذلك! ثم بعد ذلك أتبعناهم قوما آخرين، كانوا بعدهم في الزمن، وكذبوا مثلهم، والمراد أقروا «٢» بذلك فاعتبروا به، وتنبهوا له، واحذروا أن تكونوا مثلهم، فإن مثل ذلك الفعل الذي فعلناه مع غيركم نفعله بالمجرمين الذين يكذبون بيوم الدين، ويل يومئذ للمكذبين وهلاك لهم وأى هلاك؟! وهذه الجملة كررت هنا عشر مرات لأن السورة تضمنت ذكر نعم ونقم، فكان إذا ذكرهم الله بنعمة أو خوفهم من نقمة أكد التذكير أو التخويف بذكر الهلاك والثبور المعد للمكذبين يوم القيامة ردعا لهم عن الغفلة وحثا لهم على التصديق وعمل الخير.
ألم نخلقكم من ماء ضعيف حقير؟ فعلى أى شيء تتكبرون عن الإيمان بالله واليوم الآخر؟ ألم يخلق الله الإنسان من منى يمنى؟ ثم كان علقة فمضغة ... إلخ، كل ذلك،
стр. 2594
وهو في رحم أمه، قد وضع في قرار مكين، وإن الأطباء وعلماء التشريح قد وقفوا على تفسير الآية عمليا، وأن الرحم بالنسبة للجنين مكان حصين ومستقر أمين، وكان فيه مع هذا إلى قدر معلوم، وزمان محدود فإذا حان وقت خروجه تفتحت الأبواب، ولانت العظام، واتسع القرار المكين لنزول الجنين، ألا ترى أن ربك قدر ذلك وهيأه تهيئة العليم الحكيم القوى القادر؟ فنعم القادرون المقدرون بالحمد والثناء، والمراد الله ﷻ وتقدست أسماؤه.
ألم نجعل الأرض كفاتا؟ أى: تكفتكم وتضمكم حالة كونكم أحياء وأمواتا؟! يا سبحان الله أليس هذا من عجائب قدرة الله أن جعل الأرض مستقرّا للإنسان على ظهرها يحيى ويتقلب ويسير، وهي- إذا مات- تضمه في بطنها، وتوارى سوأته وتكرم جسده. فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [سورة المائة آية ٣١] .
أليس من نعم الله على خلقه أن جعل الأرض تضمهم إليها حالة كونهم أحياء وأمواتا؟ وجعلنا في الأرض رواسى ثابتات، وأطوارا شامخات، كان لها أثر كبير في إنزال المطر ولذا جاء بعد هذا: وأسقيناكم ماء عذبا فراتا، ويل يومئذ وهلاك شديد للمكذبين الذين يكذبون بنعم ربك، ويكذبون بيوم الدين.
الكفار يوم القيامة: يقال لهم: انطلقوا إلى عذاب كنتم به تكذبون، فهذه جهنم التي يكذب بها الكافرون، وانطلقوا إلى ظل!! يا سبحان الله، الظل الذي يتفيؤه الإنسان ويتخذه مقيلا لراحته هو الظل الممدود الذي لا ينفذ منه حر ولا قر، ولا نار ولا لهب، وهذا هو الظل المعد لأصحاب اليمين، أما الظل المعد للكفار فعذاب أليم، ودخان من يحموم لا بارد ولا كريم، هو ظل ذو ثلاث شعب، فهو يحبس الأنفاس، ويكوى بالنار، ويرمى بالشرار، ظل ليس ظليلا واقيا من وهج الشمس أو لفح النار وليس يقي من اللهب، ظل ناره ترمى بشرر كالقصر أو الجمالات الصفر، فهو ظل جهنمى والعياذ بالله فهو نوع من العذاب شديد، فهو دخان أسود قاتم يملأ الخافقين منعقد من نار تلظى، وانظر إلى وصف الشرر بأنه كالبيت في الضخامة ثم هو كالجمال في الشكل والخفة وسرعة الحركة واللون، وإنه لحقا تنزيل رب العالمين!! ويل يومئذ
стр. 2595
للمكذبين، هذا يوم لا ينطق فيه الكافر بما ينفعه أصلا، أو عند ذلك لا يتكلم أبدا، ولا يؤذن له فيعتذر «١» ويل يومئذ للمكذبين.
هذا يوم الفصل، والقضاء بالعدل، هذا يوم جمعناكم فيه مع الأولين السابقين لكم في الزمن أو المكانة، فهل تستطيعون أن تفلتوا؟! فإن كان لكم كيد به تستطيعون شيئا فافعلوا وكيدوني، يا ويلكم أيها المكذبون! وويل يومئذ للمكذبين!! حال المتقين: إن المتقين الذين اتقوا ربهم وخافوا يوما كان شره مستطيرا هم في ظلال وعيون، أى: قريبون من العيون، تجرى من تحتهم الأنهار فلا يتعبون، وعندهم فواكه كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، فواكه مما يشتهون، ويقال لهم تكريما: كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون، ولا غرابة في ذلك، إنا كذلك نجزى المحسنين، ويل يومئذ للمكذبين الذين يقال لهم في الدنيا: كلوا كما تأكل الأنعام، وتمتعوا قليلا فإنا نستدرجكم إلى يوم الدين، كلوا وتمتعوا بدنياكم، وغدا حسابكم إنكم مجرمون، ويل يومئذ للمكذبين، وكان من سوءاتهم أنه إذا قيل لهم: اركعوا لله ربكم، واعبدوه وحده، ولا تشركوا به شيئا لا يركعون، وقيل: المراد بالركوع ركوع الصلاة.
ويل يومئذ للمكذبين! الويل لهم والهلاك لهم والثبور، حيث لم يشكروا النعم ولم يخافوا النقم فالويل لهم ثم الويل لهم!! إذا كان الأمر كذلك وأنهم لم يؤمنوا بهذا الحديث العجيب، فبأى حديث بعده يؤمنون؟؟ إذ هو الكتاب الكامل الذي جمع فأوعى، وهكذا المغضوب عليهم يقضون حياتهم لا ينتفعون بحكمة ولا يهتدون بنور.