من الوحى. طُمِسَتْ: ذهب ضوؤها. فُرِجَتْ: تشققت.
نُسِفَتْ: تفرقت أجزاؤها من نسف الحب بالمنسف: إذا نفضه وذراه.
أُقِّتَتْ: بلغت الوقت المحدود لها. لِيَوْمِ الْفَصْلِ: يوم القيامة. ماءٍ مَهِينٍ: ماء حقير ضعيف. قَرارٍ مَكِينٍ: مستقر حصين وهو الرحم. قَدَرٍ مَعْلُومٍ: زمان معين. فَقَدَرْنا وقدرنا: بمعنى هيأنا وأحكمنا. كِفاتاً كفت الشيء: ضمه وجمعه، كفاتا مصدر له. رَواسِيَ: جبالا ثابتات.
شامِخاتٍ: عاليات مرتفعات. فُراتاً: عذبا. ظِلٍّ المراد به: دخان جهنم. شُعَبٍ: فروع وذوائب. بِشَرَرٍ: جمع شرارة، وهي ما يتطاير من النار. كَالْقَصْرِ: كالدار، والعرب تطلق القصر على البناء الكبير والصغير.
جِمالَتٌ جمع جمال الذي هو جمع جمل، وهو الحيوان المعروف. كَيْدٌ: مكر أو حيلة. ظِلالٍ: جمع ظل.
المعنى:
أقسم الحق- ﵎ على وقوع يوم البعث الذي يكذب به المشركون أقسم بالملائكة التي أرسلن بأمره- تعالى- وأمرن بإنفاذه فورا حالة كونها متتابعات فعصفن في المضي فيه تنفذه وأسرعن إسراعا كما تعصف الرياح، وذلك دليل على سرعة الامتثال وأنهم لا يتباطئون في تنفيذ أمره، وأقسم «١» كذلك بالملائكة التي تنشر الموتى أو: التي تنشر أجنحتها في الفضاء هابطات أو صاعدات، أو تنشر الشرائع على الأنبياء فتفرق بين الحق والباطل، فتلقى ذكرا إلى الأنبياء- ﵈ على أن الإلقاء ليس مختصا بجبريل وإنما هو رئيسهم، تلقى هذا لأجل إعذار المحقين في أعمالهم، وإنذار المبطلين كذلك لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
وبعض العلماء يذهب في تفسير الآية مذهبا آخر يتضمن أن المراد بالمذكورات الرياح وعلى ذلك فيكون المعنى:
стр. 2592
أقسم- ﵎ بالرياح لما لها من الأثر الفعال في حياة العالم بل في وجود هذا الكون، أقسم بها ليلفت النظر إليها كما أقسم بالكواكب في سورة النازعات، وبالخيل في سورة العاديات، على أن الرياح والكواكب والخيل كلها تعدو وتسير وكلها من صنع الجليل القدير جل شأنه.
أقسم بالرياح التي أرسلت بعد ركودها تحمل السحب وتلقح الشجر، وتحمل البذر، وتدفع السفن، إلى غير ذلك، وهذه الرياح التي أرسلت متتابعة الهبوب كشعر الفرس الذي ينبت في محدب رقبته، وهي بعد الإرسال تأخذ في العصف بشدة، فالعصف عقب الإرسال، ولذا عطف بالفاء.
وأقسم بالرياح الناشرات «١» نشرا التي تنشر السحب وتبسطها في الفضاء، وبعد ذلك تأخذ في تفريقها وتوزيعها على من يشاء من عباده وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ [الأعراف ٥٧] وهذه الرياح بعد أن تفرق السحب وتوزعها على من يشاء تلقى في قلوب الناس ذكر الله- الذي أرسلها ومن عليهم بها، وهذا معنى قوله تعالى فَالْفارِقاتِ فَرْقاً فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً والناس حينما يذكرون الله وقت هبوب الرياح وحملها للسحب، منهم من يذكر الله مؤمنا به وبصفاته، ومصدقا بوحيه ورسله وكتبه فيكون هذا عذرا له عند ربه في محو سيئاته، ومنهم من يكون ذكره بمثابة الإنذار له بسوء حيث ينسب هبوب الرياح وسقوط الأمطار لغير الله كالطواغيت والأصنام أو الأنواء والكواكب كما كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا.
أقسم الله بهذه الرياح على أن ما توعدون به من البعث والثواب والعقاب واقع لا محالة.
مقدمات البعث: فإذا النجوم طمست، وذهب ضوؤها بعد أن كانت مضيئة وإذا السماء فرجت وتشققت أجزاؤها بعد أن كانت ملتحمة متينة الوضع والتركيب قوية الجاذبية. إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق ١] وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً [النبأ ١٩] وإذ
стр. 2593
الجبال التي كانت ثوابت ورواسى تقلع من أصلها، وتفرق أجزاؤها، وتذرى في الرياح كأنها نسفت بالمناسيف وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً [سورة النبأ آية ٢٠] وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا [سورة الواقعة آية ٥] .
وهذا وصف للعالم يوم القيامة أو قبله بقليل، وليس هناك أحد يعفى من السؤال حتى الرسل والأنبياء فإنه يوقت لهم وقت لا يتعدونه ليشهدوا على أنفسهم بالبلاغ، ويشهدوا على أممهم، مبرئين أنفسهم من تبعة التقصير في التبليغ، وهذا معنى وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ أى: أجلت ليوم خاص، وكأن سائلا سأل عن ذلك اليوم الموعود؟
فأجيب: ليوم الفصل الذي ليس بالهزل، وما أدراك؟ أى: ما أعلمك به أيها الإنسان؟ ما يوم الفصل! أى: ما كنهه وحقيقته؟ وإنه لعجيب منك أن تلهو عنه ولا تعمل له.
فإذا النجوم طمست وإذا السماء فرجت «١» ، فعندئذ تعلمون صدق الوحى في إثبات البعث، وتعلمون حينئذ مقدار ضلالكم وأن الويل والهلاك والثبور لكم.
بعض مظاهر القدرة التي تلقى في قلوب الكفار والمكذبين الروع بعد الكلام على يوم القيامة وأهواله: ألم نهلك الأولين من قوم عاد وثمود وغيرهم ممن كذبوا بالرسل ولم يؤمنوا بالله وباليوم الآخر وأنتم تعلمون ذلك! ثم بعد ذلك أتبعناهم قوما آخرين، كانوا بعدهم في الزمن، وكذبوا مثلهم، والمراد أقروا «٢» بذلك فاعتبروا به، وتنبهوا له، واحذروا أن تكونوا مثلهم، فإن مثل ذلك الفعل الذي فعلناه مع غيركم نفعله بالمجرمين الذين يكذبون بيوم الدين، ويل يومئذ للمكذبين وهلاك لهم وأى هلاك؟! وهذه الجملة كررت هنا عشر مرات لأن السورة تضمنت ذكر نعم ونقم، فكان إذا ذكرهم الله بنعمة أو خوفهم من نقمة أكد التذكير أو التخويف بذكر الهلاك والثبور المعد للمكذبين يوم القيامة ردعا لهم عن الغفلة وحثا لهم على التصديق وعمل الخير.
ألم نخلقكم من ماء ضعيف حقير؟ فعلى أى شيء تتكبرون عن الإيمان بالله واليوم الآخر؟ ألم يخلق الله الإنسان من منى يمنى؟ ثم كان علقة فمضغة ... إلخ، كل ذلك،
стр. 2594
وهو في رحم أمه، قد وضع في قرار مكين، وإن الأطباء وعلماء التشريح قد وقفوا على تفسير الآية عمليا، وأن الرحم بالنسبة للجنين مكان حصين ومستقر أمين، وكان فيه مع هذا إلى قدر معلوم، وزمان محدود فإذا حان وقت خروجه تفتحت الأبواب، ولانت العظام، واتسع القرار المكين لنزول الجنين، ألا ترى أن ربك قدر ذلك وهيأه تهيئة العليم الحكيم القوى القادر؟ فنعم القادرون المقدرون بالحمد والثناء، والمراد الله ﷻ وتقدست أسماؤه.
ألم نجعل الأرض كفاتا؟ أى: تكفتكم وتضمكم حالة كونكم أحياء وأمواتا؟! يا سبحان الله أليس هذا من عجائب قدرة الله أن جعل الأرض مستقرّا للإنسان على ظهرها يحيى ويتقلب ويسير، وهي- إذا مات- تضمه في بطنها، وتوارى سوأته وتكرم جسده. فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [سورة المائة آية ٣١] .
أليس من نعم الله على خلقه أن جعل الأرض تضمهم إليها حالة كونهم أحياء وأمواتا؟ وجعلنا في الأرض رواسى ثابتات، وأطوارا شامخات، كان لها أثر كبير في إنزال المطر ولذا جاء بعد هذا: وأسقيناكم ماء عذبا فراتا، ويل يومئذ وهلاك شديد للمكذبين الذين يكذبون بنعم ربك، ويكذبون بيوم الدين.
الكفار يوم القيامة: يقال لهم: انطلقوا إلى عذاب كنتم به تكذبون، فهذه جهنم التي يكذب بها الكافرون، وانطلقوا إلى ظل!! يا سبحان الله، الظل الذي يتفيؤه الإنسان ويتخذه مقيلا لراحته هو الظل الممدود الذي لا ينفذ منه حر ولا قر، ولا نار ولا لهب، وهذا هو الظل المعد لأصحاب اليمين، أما الظل المعد للكفار فعذاب أليم، ودخان من يحموم لا بارد ولا كريم، هو ظل ذو ثلاث شعب، فهو يحبس الأنفاس، ويكوى بالنار، ويرمى بالشرار، ظل ليس ظليلا واقيا من وهج الشمس أو لفح النار وليس يقي من اللهب، ظل ناره ترمى بشرر كالقصر أو الجمالات الصفر، فهو ظل جهنمى والعياذ بالله فهو نوع من العذاب شديد، فهو دخان أسود قاتم يملأ الخافقين منعقد من نار تلظى، وانظر إلى وصف الشرر بأنه كالبيت في الضخامة ثم هو كالجمال في الشكل والخفة وسرعة الحركة واللون، وإنه لحقا تنزيل رب العالمين!! ويل يومئذ
стр. 2595
للمكذبين، هذا يوم لا ينطق فيه الكافر بما ينفعه أصلا، أو عند ذلك لا يتكلم أبدا، ولا يؤذن له فيعتذر «١» ويل يومئذ للمكذبين.
هذا يوم الفصل، والقضاء بالعدل، هذا يوم جمعناكم فيه مع الأولين السابقين لكم في الزمن أو المكانة، فهل تستطيعون أن تفلتوا؟! فإن كان لكم كيد به تستطيعون شيئا فافعلوا وكيدوني، يا ويلكم أيها المكذبون! وويل يومئذ للمكذبين!! حال المتقين: إن المتقين الذين اتقوا ربهم وخافوا يوما كان شره مستطيرا هم في ظلال وعيون، أى: قريبون من العيون، تجرى من تحتهم الأنهار فلا يتعبون، وعندهم فواكه كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، فواكه مما يشتهون، ويقال لهم تكريما: كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون، ولا غرابة في ذلك، إنا كذلك نجزى المحسنين، ويل يومئذ للمكذبين الذين يقال لهم في الدنيا: كلوا كما تأكل الأنعام، وتمتعوا قليلا فإنا نستدرجكم إلى يوم الدين، كلوا وتمتعوا بدنياكم، وغدا حسابكم إنكم مجرمون، ويل يومئذ للمكذبين، وكان من سوءاتهم أنه إذا قيل لهم: اركعوا لله ربكم، واعبدوه وحده، ولا تشركوا به شيئا لا يركعون، وقيل: المراد بالركوع ركوع الصلاة.
ويل يومئذ للمكذبين! الويل لهم والهلاك لهم والثبور، حيث لم يشكروا النعم ولم يخافوا النقم فالويل لهم ثم الويل لهم!! إذا كان الأمر كذلك وأنهم لم يؤمنوا بهذا الحديث العجيب، فبأى حديث بعده يؤمنون؟؟ إذ هو الكتاب الكامل الذي جمع فأوعى، وهكذا المغضوب عليهم يقضون حياتهم لا ينتفعون بحكمة ولا يهتدون بنور.
стр. 2596
سورة النبأ
وتسمى سورة عم. وهي مكية، وعدد آياتها أربعون آية، وهذه السورة تكلمت على البعث وإثباته، وبيان مظاهر قدرة الله، ثم تعرضت لمنكري البعث وبينت حالهم يوم القيامة: وحال المؤمنين به، على أن تهويل يوم القيامة وتفخيم شأنه، وتخويف الناس من عذابه من عناصر السورة المهمة التي ذكرت في ثنايا الكلام.
[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١ الى ٤٠]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤)
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤)
لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩)
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤)
إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩)
فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤)
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩)
إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)
стр. 2597
المفردات:
عَمَّ يَتَساءَلُونَ: عن أى شيء يسألون رسول الله؟ عَنِ النَّبَإِ: عن خبر يوم البعث، والنبأ: هو الخبر المهم. كَلَّا: كلمة ردع لهم وزجر. مِهاداً المهاد: الفراش الموطأ، وفي القاموس: المهد: الموضع المهيأ للصبي كالمهاد.
أَوْتاداً أى: كالأوتاد، والوتد: خشبة تغرس في الأرض ويظهر منها جزء.
أَزْواجاً: أصنافا، والمراد ذكر وأنثى. سُباتاً السبات: الموت، والمراد:
جعلنا نومكم كالموت، والمادة تدل على القطع فالنوم يقطع التعب والألم، والموت يقطع الحياة، والمراد: جعلنا نومكم راحة لكم. لِباساً أى: كاللباس في الستر.
مَعاشاً: حياة، ووقتا لطلب العيش. وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً أى: خلقنا فوقكم السموات كالقباب. سِراجاً وَهَّاجاً: سراجا متلألئا وقادا، وهو الشمس. الْمُعْصِراتِ المراد: السحائب. ثَجَّاجاً: منصبا كثيرا. حَبًّا
стр. 2598
وَنَباتاً
الحب: ما يقتات به الإنسان كالذرة والحنطة، والنبات ما يقتات به الحيوان كالتبن والحشائش. وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً أى: جنات ملتفة الأشجار كثيرة الأغصان.
أَفْواجاً: جمع فوج، وهو الجماعة المتميزة عن غيرها بشيء. سُيِّرَتِ الْجِبالُ: تناثرت أجزاؤها حتى صارت كالغبار المتطاير. سَراباً: وهو ما يظهر في الجو فيظنه الرائي ماء. مِرْصاداً: مكانا معدا لرصدهم.
لِلطَّاغِينَ: المتجاوزين الحدود في العصيان. مَآباً: مرجعا. لابِثِينَ:
مقيمين فيها. أَحْقاباً: جمع حقبة أو حقب، والمراد: مددا متطاولة لا نهاية لها.
حَمِيماً: هو الماء الحار. غَسَّاقاً: هو القيح والصديد الدائم السيلان من أجساد أهل النار. كِذَّاباً: تكذيبا كثيرا. كِتاباً: إحصاء. مَفازاً أى: فوزا، أو مكانا للفوز. حَدائِقَ الحديقة: البستان المثمر شجره.
كَواعِبَ: جمع كاعب، وهي الفتاة التي استدار ثديها. أَتْراباً: جمع ترب، وهن من كن في سن واحدة كاللدات. كَأْساً: هو إناء من البلور يشرب فيه. دِهاقاً: ممتلئة. لَغْواً: هو ما لا يعتد به من الكلام. عَطاءً:
فضلا وإحسانا منه. حِساباً: كافيا على قدر أعمالهم. الرُّوحُ: جبريل ﵇. صَفًّا: مصطفين. صَواباً أى: قولا صوابا. مَآباً:
مرجعا. نْذَرْناكُمْ
: حذرناكم. نْتُ تُراباً
: لم أخلق.
المعنى:
كان المشركون يتساءلون عن البعث فيما بينهم. ويخوضون فيه إنكارا له واستهزاء بوقوعه، فرد الله عليهم بأسلوب الاستفهام تفخيما لشأن المسئول عنه وتهويلا، وإخراجا له عن دائرة علوم الخلق.
عن أى شيء يسألون «١» الرسول ﷺ والمؤمنين؟! عن النبأ العظيم يتساءلون؟ الذي هم فيه مختلفون فمنهم من هو جازم بعدم وقوعه ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا «٢» ومنهم من ينكره لأنه ينكر وجود الله ... إلخ.
стр. 2599
كلا! وهي كلمة ردع عن التساؤل والاختلاف في البعث مع وضوح الأدلة عليه.
كلا سيعلمون، أى: ليرتدعوا عما هم فيه فإنهم سيعلمون عما قريب حقيقة الحال إذا حل بهم العذاب والنكال. ثم كلا سيعلمون!! وها هي ذي بعض مظاهر القدرة وآيات الرحمة الدالة على قدرة الله على البعث وأنه صاحب النعم: ألم «١» نجعل الأرض فراشا ممهدا ليعيش عليها الإنسان عيشة سعيدة؟
والمعنى: قروا واعترفوا بأن الله قد جعل الأرض مستقرا ومهادا لكم، وجعل الجبال في الأرض كالأوتاد لإرسائها كما يرسى البيت من الشعر بالعمد والأوتاد. وقد خلقناكم ذكرا وأنثى ليتسنى التناسل والتوالد. وينتظم أمر الحياة فيها. وقد جعلنا- أى: الذات الأقدس- نومكم كالموت يقطع طول العناء وكثرة التعب: فالنوم أحد الموتتين، على أنه نعمة من نعم الله الكبرى، فإن نوم ساعات يريح القوى، ويجدد النشاط، ويعيد القوة والحيوية للإنسان، وقد جعلنا الليل كاللباس لأنه يستر الأشخاص بظلمته.
يا سبحان الله في الظلمة خير!! وفي النور خير، إذ للناس في ظلام الليل مصالح وفوائد فكما أن اللباس يقي من الحر والبرد، ويستر العورات، كذلك يستتر فيه الفار من العدو، أو الحيوان المفترس، ويستعد فيه الكامن للوثوب: وربما كان فرصة لقضاء بعض حوائج الناس، وقد جعلنا النهار حياة، ووقتا لتحصيل المعاش فيه يستيقظ الناس لمعاشهم، وفيه يتقلبون لقضاء حوائجهم ومكاسبهم ففي النهار الحياة، وفي الليل النوم والسكون، وقد خلقنا فوقكم سبعا شدادا، أى: سبع سموات قوية محكمة لا يختل نظامها، ولا يضعف بناؤها، وقد جعلنا الشمس فيها سراجا وهاجا، سراجا قويا، متلألئا وقادا، وقد أنزلنا من السحب ماء منصبا كثيرا، ليخرج بسببه الحب من حنطة وأرز وغيرهما، والنبات من عشب وحشائش وغيرهما، ولتخرج بسببه الجنات الملتفة الأغصان، والحدائق الملتفة الأشجار لتقارب أغصانها وطول أفنانها، إن يوم الفصل كان ميقاتا.
أليس الذي خلق هذا بقادر على أن يحيى الموتى يوم الفصل؟! أمن من على الناس بتلك النعم يعجز عن يوم يكون فيه الفصل والقول الحق، والميزان العدل بين الخلائق
стр. 2600
فيفصل المحسن عن المسيء ويجازى كلا على عمله؟! إن يوم الفصل كان ميقاتا معلوما ينتهى إليه الناس فيجتمعون فيه ليرى كل عاقبة عمله، ونهاية أمره وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ فيوم الفصل مؤقت بأجل محدود لا يزاد عليه ولا ينقص منه ولا يعلمه إلا الله.
كيف حال ذلك اليوم؟! وما حال المكذبين به؟! إنه هو يوم الفصل، ليس بالهزل. إنه يوم الفزع الأكبر، يوم ينفخ في الصور، النفخة الثانية التي يأتى بسببها الناس أفواجا، تأتى كل أمة بإمامها، وتأتى كل جماعة منفردة من غيرها، قد فتحت السماء فكانت أبوابا إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ فالقرآن يفسر بعضه بعضا، والمراد: انشقت السماء انشقاقا يشبه فتح الباب في السهولة والسرعة وقد سيرت الجبال في الجو على صورتها بعد تفتتها وبعد قلعها من مقارها، فتصبح كأنها سراب، فهي سراب غليظ يرى من بعيد كأنه جبل وما هو بالجبل.
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً نعم كانت جهنم في ذلك اليوم مكانا وموضعا لرصد الكفار للعذاب لأنهم الطغاة المتجاوزون الحدود، كانت لهم مآبا ومرجعا يؤوبون إليه، حالة كونهم لابثين فيها أحقابا، أى: ماكثين فيها أزمانا غير محدودة، أزمانا متعاقبة متلاحقة لا يعلمها إلا الله، حالة كون الماكثين فيها لا يذوقون شيئا إلا ماء حميما. وصديدا يقطر من جلود أهل النار!! جزاهم ربك على أفعالهم جزاء وفاقا!! وما السبب؟ إنهم كانوا لا يرجون حسابا على أعمالهم، وكذبوا بآياتنا الناطقة على إمكان البعث وكمال القدرة تكذيبا مفرطا، وكل شيء من الأشياء التي من جملتها أعمالهم حفظناه وضبطناه في كتاب وأحصيناه إحصاء، إذا كان الأمر كذلك فيقال لهم: ذوقوا هذا العذاب، فلن نزيدكم بعده إلا عذابا مثله أو أشد.
وهذا بيان لحال المؤمنين يوم القيامة بعد بيان حال الكافرين والمكذبين: إن للمتقين فوزا عظيما بما عملوا في الدنيا، وإن لهم في الجنة موضع فوز ومكان نجاة، بعضه حدائق غناء، ذات بهجة ورواء، وأن لهم فيها فواكه وأعنابا، وكواعب أترابا، أى:
نساء حسانا في سن واحدة فهن لدات، والتمتع بهذا الصنف من النساء أمل الناس في الدنيا فكان لهم في الآخرة على وجه ونظام لا يعلمه إلا الله، وليس لنا أن ندقق النظر في أمثال هذا، بل نؤمن به إيمانا كما نطق القرآن، وإن لهم فيها كأسا مملوءة بالمشتهى من
стр. 2601
المشروبات والمستلذ من الطيبات، وهم لا يسمعون لغوا ولا كذابا، وقد جزاهم الله على أعمالهم جزاء، قد تفضل به وأحسن، جزاء من صاحب الفضل والنعمة رب السموات والأرض، وكان جزاء كفاء لما قدموا، وهذا وصف آخر ليوم القيامة يملأ القلوب خشية، والنفوس روعة ورهبة، كل الناس يوم القيامة لا يملكون من الحق- ﵎ رب السماء والأرض الرحمن لا يملكون منه خطابا، ولا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ «١» في هذا اليوم يقوم الروح جبريل والملائكة بين يدي الرب- صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا!! يا سبحان الله!! يقوم الروح والملائكة بين يدي الجبار المتكبر المتعالي، لا يسمح لأحد بالنطق إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا بأن تشفع لمن يستحق الشفاعة! أين الأصنام والشركاء الذين يظنون أنهم شفعاء لله؟!! أين الناس جميعا؟! وقد وقف جبريل والملائكة بين يدي الجبار ينتظرون الإشارة منه؟! ذلك اليوم الحق، نعم هو اليوم الحق الذي لا شك فيه، ولا مرية.
إذا كان الأمر كذلك فمن شاء فليتخذ مآبا إلى ربه، وليعمل عملا صالحا يقربه إليه.
ثم عاد إلى تهديد الكفار المكذبين بيوم القيامة الذين يتساءلون عنه محذرا لهم من عاقبة عنادهم وتكذيبهم. إنا أنذرناكم عذابا قريبا حصوله إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً «٢» يوم ينظر المرء ما قدمت يداه فقط، يوم لا يرى فيه أبدا إلا عمله، يوم يقول الكافر:
ليتني كنت ترابا لم أخلق، يقول ذلك من شدة هول ما يلقى، ويتمنى أن لو كان جمادا أو حيوانا غير مكلف.
المفردات:
وَالنَّازِعاتِ: الكواكب الجارية على نظام خاص، وقيل: الملائكة التي تنزع النفوس وتخرجها من الأبدان. غَرْقاً يقال: أغرق إغراقا، وغرقا في الشيء: بالغ فيه وجد. وَالنَّاشِطاتِ: الكواكب تخرج من برج إلى برج، أو هي الملائكة تخرج الأرواح من الأجساد، مأخوذ هذا من نشط الدلو من البئر، إذا أخرجها برفق.
وَالسَّابِحاتِ: الكواكب تسبح في أفلاكها أو تسير سيرا هادئا، أو هي الملائكة تسبح بأمر ربها بين السماء والأرض. فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً: للكواكب يسبق بعضها بعضا، أو هي الملائكة تتسابق في تنفيذ أمر ربها. تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ: تتحرك الأرض والجبال وتضطرب. الرَّادِفَةُ: التابعة أو الواقعة التي تردفها، وكل شيء جاء عقيب شيء فهو رديف له. واجِفَةٌ: مضطربة قلقة. خاشِعَةٌ:
خاضعة ذليلة. فِي الْحافِرَةِ: في الحياة التي كنا فيها، يقال: رجع فلان في
стр. 2604
حافرته أى: طريقه التي جاء منها فحفرها بقدميه. نَخِرَةً العظام النخرة: البالية التي لو لمستها لتفتتت. كَرَّةٌ خاسِرَةٌ: رجعة يخسر فيها أصحابها. زَجْرَةٌ:
صيحة. بِالسَّاهِرَةِ: بالأرض التي كانوا يسهرون عليها بعد أن كانوا في جوفها، وقيل: سميت ساهرة والمراد أصحابها. بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ: الوادي الطاهر المطهر.
طُوىً: هو اسم للوادي، أو المراد بورك فيه مرة بعد مرة. طَغى: تجاوز الحد. تَزَكَّى أى: تتزكى وتطهر نفسك من الآثام والعيوب. الْآيَةَ الْكُبْرى: هي معجزة انقلاب العصا حية. فَحَشَرَ: جمع ما في استطاعته.
نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى المراد: عقوبتها في الآخرة بالإحراق وفي الأولى بالإغراق والإذلال. بَناها أصل البناء: ضم شيء إلى شيء برباط وإحكام ليكون شيئا واحدا، والمراد أن السماء وما فيها من كواكب قد جمعت وضمت بإحكام وإتقان حتى صارت كأنها واحد. رَفَعَ سَمْكَها السمك: مقدار الارتفاع من أسفل إلى أعلى، وقد رفع الله سمكها، أى: جعل مقدار ارتفاعها من الأرض وذهابها إلى جهة العلو مديدا. فَسَوَّاها: جعلها مستوية محكمة. وَأَغْطَشَ لَيْلَها أى: جعله مظلما. وَأَخْرَجَ ضُحاها: أبرزه، والمراد بالضحى: النهار. دَحاها:
بسطها ومهدها للإنسان. الطَّامَّةُ الْكُبْرى: الداهية الكبرى- والمراد هنا يوم القيامة لأن كل من فيه يذهل عن كل شيء سواه. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى:
ظهرت بارزة للعيان. الْمَأْوى: المكان الذي يأوى إليه الشخص ويقر فيه.
أَيَّانَ مُرْساها؟: متى إرساؤها وإقامتها. مُنْتَهاها: نهايتها. عَشِيَّةً:
طرف النهار من آخره. أَوْ ضُحاها: أوله.
المعنى:
أقسم الحق- ﵎ بالكواكب السيارة التي تجرى على سنن مقدر ونظام معين لا تتعداه، تنزع مجدة في سيرها، مسرعة فيه بلا توان، وأقسم بها وهي تخرج من برج إلى برج وتسبح في الفضاء سبحا، وتسير فيه سيرا هادئا، كل في فلك يسبحون، والمراد بذلك وصف الكواكب بالجري السريع والانتقال من حال إلى حال، سابحة في الفضاء، ومع هذا فعالم السماء محكم لا اضطراب فيه ولا تصادم، ألا يدل ذلك على قدرة قادرة، وعلى علم كامل تام، لا يحيط به إلا هو؟
стр. 2605
فَالسَّابِقاتِ «١» أى: فبعض الكواكب تسبق بعضها في الجري. فالمدبرات أمرا للعباد في معاشهم وحياتهم كتوقيت المواقيت، وتكوين الفصول، وما يتبع ذلك من نظام الحياة البشرية، وليس المراد تدبير أمر الخلق تدبيرا كاملا على ما يعتقد بعض عبدة الكواكب فهذا كفر صريح، بل المراد: بها يكون ذلك.
وبعضهم يرى أن الله أقسم بالملائكة التي تنزع الأرواح من الأجساد نزعا. فهي تنزع قلوب الكفار نزعا بشدة وإغراق ومبالغة، وهي تنزع قلوب المؤمنين برفق وهوادة وهذا معنى الناشطات نشطا، وذاك معنى النازعات غرقا، والمراد بالسابحات الملائكة تسبح في الفضاء نازلة بأمر ربها، وأما السابقات فالملائكة تتسابق في تنفيذ الأمر، والمدبرات هم الملائكة، وقد وكل الله لكل طائفة تدبير أمر والقيام عليه بإذنه وعلى العموم فالله أعلم بسر كتابه، أقسم الله بالنازعات والناشطات فالسابقات فالمدبرات لتبعثن بعد الموت. ولتنبؤن بما عملتم يوم ترجف الراجفة، وتضطرب الأرض والجبال بسبب النفخة الأولى. تتبعها الرادفة وهي النفخة الثانية، أو المراد تتبعها الرادفة وهي السماء يوم تمور مورا. وتنشق انشقاقا.
يوم ترجف الأرض والسماء تكون قلوب الكفار يومئذ قلقة خائفة لأنهم أبصروا ما كانوا ينكرون. ورأوا ما به يوعدون، أبصارهم خاشعة ذليلة، أرأيتهم وهم يضطربون عند ما رأوا العذاب يوم القيامة؟! انظر إليهم وهم يقولون في الدنيا ساعة ينذرون بالبعث يقولون منكرين: أنرد إلى حياتنا الأولى؟! بعد أن متنا وكنا ترابا، إن هذا لعجيب! وقد حكى القرآن عنهم قولهم ثانية: أإذا كنا عظاما بالية متفتتة ليس فيها حياة ولا حرارة أنرد ونبعث!! إن هذا لعجيب! أما القول الثالث: فقد قالوا مستهزئين بالنبي وبوعده بالبعث: تلك إذا كرة خاسرة على معنى: إن صح ما يقوله محمد، وأن هناك حسابا وثوابا وعقابا وحياة بعد أن صرنا ترابا فنحن إذا خاسرون، وتلك رجعة خاسر أصحابها حيث لم نعمل لها!
стр. 2606
وقد رد الله عليهم دعواهم الباطلة في قولهم: أإذا كنا عظاما نخرة نبعث؟ ببيان أن إعادة الحياة للبشر أمر سهل، وأن الله القادر على البدء قادر على الإعادة، وأنه خلق في الكون ما هو أشد وأكبر من البشر لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [سورة غافر آية ٥٧] فقال ما معناه:
لا تستبعدوا البعث بعد الفناء فإنما هي صيحة واحدة يكلف بها ملك ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ «١» فالمراد بالصيحة النفخة الثانية. فإذا أنتم بعدها جميعا لدينا محضرون تنتظرون ما يفعل بكم. وإذا أنتم أحياء على وجه الأرض بعد أن كنتم أمواتا.
وتلك قصة موسى مع فرعون الطاغية سيقت كالتسلية للنبي ﷺ وتهديدا للمشركين، فليس هم أقوى وأشد من فرعون وقومه، فلما كفروا بالله واليوم الآخر عاقبهم عقوبتين في الأولى والآخرة، فاحذروا يا آل مكة أن تكونوا مثلهم: هل أتاك حديث موسى؟ وهذا أسلوب بديع في التشويق إلى استماع الحديث والحرص عليه كأنه أول نبأ عن موسى، هل أتاك حديثه إذ ناداه ربه- جل وعلا- وهو بالوادي المقدس المطهر- واد في أسفل جبل طور سيناء من جهة الشام- الذي قدسه الله مرة بعد مرة فقال له: اذهب إلى فرعون إنه طغى وجاوز الحد المعقول في تعذيب بنى إسرائيل وفي الكفر بالله، فقل له مع الملاينة والملاطفة لتتم الحجة وينقطع العذر: هل لك إلى أن تطهر نفسك من أدرانها باتباع شرع الله الذي أوحى إلى؟ وأهديك إلى ربك فتؤمن به وتعلم صفاته، فيترتب على ذلك أنك تخشاه، ولكن فرعون كذب ولم يؤمن وطلب آية على صدق موسى، فأراه الآية الكبرى التي هي انقلاب العصا حية، فكذب وعصى أيضا، ثم أدبر عن الحق وأعرض عن موسى وعن دعوته، وأخذ يسعى في الأرض بالفساد ومكايدته هو ومن معه، فجمع السحرة من جميع البلاد وقال لهم: أنا ربكم الأعلى فليس هناك سلطان بعد سلطاني، وظل فرعون سادرا في غلوائه لاهيا في عتوه وجبروته حتى تبع موسى وقومه إلى البحر الأحمر. وهم يخرجون من مصر وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ «٢» وهكذا حكم الله على فرعون
стр. 2607
بالإغراق، وكان آية لمن بعده، وهو في الآخرة في جهنم وبئس القرار، فأخذه الله ونكل به نكال الآخرة والأولى، وكان عقابه نكالا له ولغيره، إن في ذلك لعبرة ولكن لمن يخشى، فاعتبروا يا أولى الأبصار!! وهذا فرعون مصر الجبار العنيد لم يعجز الله في شيء، فأين أنتم يا كفار مكة منه! وهكذا سنة الله في خلقه يكذبون الرسل، ولا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم، فصبرا يا رسول الله. وبعد ذلك خاطب المشركين موبخا لهم ومبكتا على إنكارهم البعث بعد ما بين لهم سهولته على الله وأنها صيحة واحدة فإذا هم قيام أحياء يحاسبون، خاطبهم بقوله: أأنتم أشد خلقا أم السماء؟ فكأنه يقول لهم: إنكم خلقتم من ماء مهين، وأنتم مع هذا ضعاف عاجزون لا تملكون لأنفسكم نفعا ولا ضررا. ولا موتا ولا حياة، وهذه هي السموات بديعة الخلق، حسنة الشكل، قوية التركيب، متينة البناء، محكمة لا عوج فيها ولا اضطراب رغم كثرة الدوران وسرعة السير، أليس عالم السماء وما فيه آية على قدرة الله، وعلى أن خلقه أعظم منكم خلقا؟! فالله بنى السماء بناء محكما، ورفع سمكها إلى حيث شاء! فسواها حيث وضع كل جرم سماوي في وضعه لا يتعداه، وله فلك يسبح فيه لا يتخطاه، وبين كل الأجرام تجاذب وترابط بحيث لم يند عن المجموعة جرم، وإذا أراد الله شيئا انتهت الدنيا وبطل هذا النظام. وانظر إلى ذلك الكون العجيب وإلى وضعه الدقيق، فهذه الشمس والأرض ودوران كل في مداره بحكمة ودقة، كيف ينشأ عنهما الليل والنهار أَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها والأرض بعد ذلك دحاها وبسطها ومهدها للحياة بحيث يستطيع الحيوان السير عليها، والمعيشة فوقها. وقد أخرج منها ماءها ومرعاها، وقد أرسى عليها الجبال الرواسي الشامخات لئلا تميد وتضطرب، ولتكون مصدرا للمنافع، كل ذلك خلقه الله متعة لكم ومنفعة لكم ولأنعامكم.
وهذا وصف عام لبعض أهوال يوم القيامة لعلهم يعتبرون! فإذا وقعت الواقعة، وجاءت الداهية الكبرى التي يصغر أمامها كل حدث، وينسى صاحبها كل شيء إلا هي، تلك هي الطامة الكبرى تكون يوم القيامة، يوم يتذكر الإنسان أعماله حيث يراها مكتوبة أمامه في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، يوم تبرز جهنم بصوتها المزعج، وهي تفور تكاد تميز من الغيظ.
стр. 2608
إذا جاءت الطامة يفصل ربك بين الخلائق، فمنهم شقي، ومنهم سعيد، فأما الشقي فهو الذي طغى وتجاوز الحدود وآثر الحياة الدنيا، فكانت الجحيم هي المأوى، وبئس المصير، وأما السعيد فهو من خاف مقام ربه، وخاف قيامه بين يدي العزيز الجبار يوم القيامة، وقد نهى النفس عن هواها، وألزمها كلمة التقوى، فكانت الجنة هي المأوى ونعم القرار. أرأيت أسباب دخول جهنم وأنها هي الطغيان والظلم، وحب الدنيا وترك العمل للآخرة؟ وأسباب دخول الجنة وأنها معرفة الله والخوف منه، ونهى النفس عن اتباع الهوى؟! وقد كانوا يسألون النبي ﷺ استهزاء بالساعة قائلين: متى تكون؟ ويقصدون بذلك إنكار الوقوع، فيرد الله عليهم على طريق الاستفهام الإنكارى مخاطبا النبي ﷺ ليكون أتم وأبلغ: فيم أنت من ذكراها؟ على معنى: في أى شيء أنت حتى تذكر لهؤلاء وقت حصولها؟ والله وحده عنده علم الساعة، وإلى ربك وحده منتهاها، وإنما أنت منذر فقط من يخشاها، وليس عليك إلا البلاغ فلا يهمنك أمرهم، ولا تشغل بطلبهم، وكأنك بهم يوم يرونها، تراهم كأنهم لم يلبثوا في هذه الدنيا إلا عشية أو ضحاها وقد انقضت، فإذا هم فيما أنكروه واقعون.
стр. 2609
سورة عبس
وهي مكية. وعدد آياتها اثنتان وأربعون آية، وقد تكلمت عن قصة ابن أم مكتوم، مع بيان أن القرآن تذكرة فمن شاء فليتعظ به، ثم بينت أصل الإنسان ونشأته، ولفتت نظره إلى طعامه وشرابه لعله يتعظ، ثم لم تهمل الحياة الآخرة وما فيها.
[سورة عبس (٨٠) : الآيات ١ الى ٣٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤)
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩)
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤)
أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩)
وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢)
стр. 2610
المفردات:
عَبَسَ العبوس: تقطيب الوجه من الألم. وَتَوَلَّى: أعرض.
الْأَعْمى: هو ابن أم مكتوم. يَزَّكَّى: يتطهر من الذنوب.
الذِّكْرى: الموعظة. اسْتَغْنى أى: عن الإيمان بالله. تَصَدَّى: أصله تتصدى، أى: تترصد له بالموعظة. يَسْعى: يسرع في طلب الخير بجد.
تَلَهَّى: أصله تتلهى، أى: تنشغل عنه. تَذْكِرَةٌ: موعظة.
صُحُفٍ: جمع صحيفة وهي ما يكتب فيه. سَفَرَةٍ: جمع سافر، وهو الوسيط بين جماعتين ليصلح ما بينهما. بَرَرَةٍ: جمع بار، وهو من لم يقترف إثما.
فَقَدَّرَهُ: هيأه لما يصلح له. أَنْشَرَهُ المراد: أحياه. وَقَضْباً: كل ما يأكله الإنسان قضبا، أى: غضا طريّا كالبقول. غُلْباً: ملتفة الأغصان.
أَبًّا المراد به: الكلأ والمراعى.
روى أن ابن أم مكتوم، ابن خال خديجة بنت خويلد- وكان أعمى- جاء إلى النبي ﷺ يسأله قراءة القرآن، وتعليمه مما علمه الله، وكان عند النبي رهط من زعماء قريش كعتبة بن ربيعة، وأخيه شيبة، وأبى جهل بن هشام وأمية بن خلف وغيرهم، والنبي مشغول بدعوتهم إلى الإسلام وبتذكيرهم بالله وباليوم الآخر، وكان ﷺ شديد الحرص على إيمان هؤلاء ثقة منه بأن إسلامهم سيجر غيرهم من أتباعهم.
فلما جاء ابن أم مكتوم وناداه قائلا: يا رسول الله: أقرئنى القرآن، وعلمني مما علمك الله، وهو مشغول بمحادثة زعماء الشرك كره ذلك منه النبي وعبس في وجهه وقطب، وأعرض عنه
فنزلت هذه الآيات تعاتب النبي عتابا رقيقا على تركه الفقير الأعمى الذي جاء يسأل ويزداد علما ونورا، وعلى توجهه إلى الأغنياء الأقوياء، وفي هذا كسر لقلوب الفقراء، فلدفع هذا عوتب الرسول على عبوسه في وجه الفقير الأعمى.
أليس في هذا العتاب الصريح دليل للمنصف على أن هذا الرسول صادق في كل ما يبلغه عن ربه، وأن هذا القرآن من عند الله لا من عنده؟
стр. 2611
عبس النبي وأعرض بوجهه لأن جاءه الأعمى، وهو ابن أم مكتوم، جاءه وهو مشغول بمحادثة زعماء الشرك، فعاتبه الله على ذلك قائلا: وما يدريك لعله يتطهر بما يسمعه منك ويتلقاه عنك من الوحى، نعم أى شيء يعلمك بحال هذا السائل لعله يتطهر أو يتعظ فتنفعه موعظتك؟
التفت الله إلى رسوله الكريم معاتبا لائما قائلا ما معناه: إن ما صدر منك كان على هذا التفصيل: فالذي استغنى عن الإيمان بالله وعن طاعته وطاعة رسوله، واستغنى بماله وجاهه عن قبول الحق وعن استماع النصيحة فأنت تتعرض له، وتشغل نفسك بوعظه، وأما من جاءك طالبا الهداية خائفا من الله، فأنت عنه تتلهى وتشتغل عنه بسواه، وهذا عتاب للنبي وإنكار لهذا العمل، مع أن الرسول ليس عليه إلا البلاغ، فمن ركب رأسه، واغتر بدنياه، وأغفل آخرته، وظن أنه غنى عن هداية الله فليس على الرسول عيب ولا لوم في بقائه على حالته.
ثم لما ذكر الله هذه الحادثة أعقبها ببيان وظيفة الرسول وعمله وأن هذه الرسالة التي أرسل بها الرسول ليست محتاجة إلى حيلة ولا موعظة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وعلى ذلك فلست أيها الرسول في حاجة إلى الإلحاح على هؤلاء ليؤمنوا.
كلا.. إنها- آيات القرآن- تذكير ووعظ، لمن غفل عن الله فمن شاء ذكره واتعظ به فليفعل، ومن لم ينفعه وعظه فقد جنى على نفسه.
ثم إن الله تعالى وصف هذه التذكرة بأوصاف تدل على عظم شأنها، فقال: إنها مودعة وثابتة في صحف عالية مكرمة مشرفة، مرفوعة مطهرة عن النقص والعيب، لا تشوبها شائبة خلل في أية ناحية من النواحي، وقد أتت بأيدى ملائكة سفرة بين الله وبين الخلق، وهم كرام على الله بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء ٢٦] وأبرار وأطهار، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
فهذا هو حال القرآن جاء تذكرة وموعظة، وكان بالمنزلة العالية المرفوعة المطهرة وجاء على أيدى ملائكة أمناء كرام بررة، فهل يعقل بعد هذا أن يكفر به عاقل؟! قتل الإنسان! ما أشد كفره! وما أفظعه! أفلا ينظر إلى نفسه من أى شيء خلق؟
إنه خلق من نطفة قذرة، ثم كان خلقا سويا قد قدره الله وهيأه ليقوم بما يكلف به،
стр. 2612
وليؤدى رسالته في عمارة الكون ثم قد هداه الله إلى الخير والشر بما أودع فيه من عقل وغرائز، وبما أرسل له من رسل وكتب، ألا ترى أن الله هداه السبيلين، ثم بعد ذلك أماته فجعل له قبرا يواريه، ثم إذا شاء بعد ذلك أحياه للحساب، فانظر إلى مبدئك ومنتهاك.
كلا أيها الإنسان: ارتدع عما أنت فيه، وثب إلى رشدك وارجع إلى ربك فأنت لم تقض ما أمر به ربك، ولم تعرف ما طلب منك.
إذا كان الأمر كذلك فلينظر الإنسان إلى طعامه كيف يكون؟ ألم يروا أن الله أنزل من السماء ماء وصبه على الأرض صبا، ثم شق الأرض بالنبات، وأحياها بالزرع والخضروات، فأنبت منها قمحا وشعيرا، وعنبا وفاكهة، وبقولا وزيتونا ونخلا،
وحدائق ملتفة الأغصان كثيفة، كل هذا لكم ولأنعامكم!!! [سورة عبس (٨٠) : الآيات ٣٣ الى ٤٢]
فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)
المفردات:
الصَّاخَّةُ: الصوت الشديد الذي يصم الآذان، والمراد هنا: النفخة التي بها تقوم القيامة. وَصاحِبَتِهِ: زوجته. يُغْنِيهِ: يصرفه ويصده عن كل من عداه. مُسْفِرَةٌ: مضيئة متهللة، تقول: أسفر الصبح: إذا أضاء مُسْتَبْشِرَةٌ: فرحة. غَبَرَةٌ: غبار. تَرْهَقُها: تدركها من قرب، والمراد: تعلوها. قَتَرَةٌ: سواد الدخان. الْفَجَرَةُ: الذين خرجوا عن حدود العقل.
стр. 2613
المعنى:
هكذا الشأن بعد تعداد النعم، والتذكير بآلاء الله- تعالى- التي تقتضي من الإنسان النظر الصحيح والبعد عن الكبر والكفر والفجور، أخذ الله- يذكرنا بيوم القيامة وأهواله التي تجعل الإنسان يذهل عن أحب الناس إليه، فإذا وقعت الواقعة وجاءت الصاخة، يوم يفر المرء ويتباعد عن أخيه ولا يأخذ بناصره ولا يواليه يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً «١» وقد كان في الدنيا يستنصر به ويعتز، بل يفر كذلك من أبويه، أمه وأبيه، بل يفر كذلك من الذين يتعلق بهم قلبه أشد من غيرهم كزوجة وبنيه وكيف لا يكون ذلك؟ ولكل امرئ منهم يومئذ شيء يصرفه ويصده عن قرابته وأهله، ويوم القيامة ترى وجوها مضيئة متهللة فارغة البال ضاحكة السن مستبشرة فرحة، تلك هي وجوه المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهناك وجوه أخرى عليها غبرة ويعلوها سواد فهم في هم وحزن وكمد، أولئك هم الكفرة الذين كفروا بالله ورسوله ولم يؤمنوا باليوم الآخر وكانوا في الدنيا فجرة قد خرجوا عن حدود الشرع والعقل والعرف الصحيح، واجترحوا السيئات فكان جزاؤهم ذلك وبئس المصير.
стр. 2614
سورة التكوير
وهي مكية. وآياتها تسع وعشرون آية، وقد تضمنت الكلام على البعث بذكر مقدماته. وما يكون فيه، ثم القسم المؤكد على أن القرآن حق أوحى به إلى محمد على لسان جبريل الأمين. وما كان محمد بمجنون ولا متهم.
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤)
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤)
المفردات:
كُوِّرَتْ: لفت مثل تكوير العمامة، أى: لفها، والمراد: اختفاؤها عن الأعين وذهاب ضوئها. انْكَدَرَتْ: انتثرت وتساقطت. سُيِّرَتْ: أزيلت عن أماكنها بالرجفة. الْعِشارُ: هي السحاب، وتعطيلها: منعها من حمل الماء، وقيل: هي النياق أتى على حملها عشرة أشهر. وهي من كرائم المال، وتعطيلها:
إهمالها. حُشِرَتْ: جمعت. سُجِّرَتْ: ملئت بالنار بعد أن غاض ماؤها.
زُوِّجَتْ: زوجت الأرواح بأبدانها وعادت إلى أجسامها. الْمَوْؤُدَةُ: هي
стр. 2615
البنت تدفن حية. الصُّحُفُ: ما يسجل فيه العمل. كُشِطَتْ: أزيلت كما يكشط الجلد عن الذبيحة. سُعِّرَتْ: أوقدت نارها إيقادا شديدا.
أُزْلِفَتْ: قربت وأدنيت.
المعنى:
ابتدأ الله هذه السورة الكريمة بذكر علامات ودلائل تكون يوم القيامة. بعضها سابق عليه وبعضها يكون فيه، وعلى العموم فمقدمات البعث تكون بخراب الدنيا واختلال نظامها وهلاك كل من فيها، وذلك عند النفخة الأولى، في هذا الوقت تكور الشمس وتلف حتى لا يكون لها ضوء أو حرارة، والنجوم تتناثر وتسقط، وترجف الأرض وتضطرب فتزول الجبال من أماكنها، وتصبح كالعهن المنفوش، عند ذلك يملأ الخوف والاضطراب كل الكون، فلو فرض وكانت حياة عندئذ يذهل كل إنسان عن أعز شيء لديه، فتراه يهمل عشاره وكرائم ماله، بل تذهل كل مرضعة عما أرضعت لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ»
وترى الوحوش قد جمعت من كل مكان وأصبحت في صعيد واحد، والبحار سجرت بالزلازل حتى اختلطت وضاعت الحواجز بينها، وتعود بحرا واحدا، ويكون التسجير: معناه امتلاؤها بالماء. ولعل المراد بالتسجير هنا: ملؤها بالنار بدل الماء، ولا غرابة فباطن الأرض شديد الحرارة جدا بدليل البراكين التي تخرج منه، وليس ببعيد عند انتهاء الدنيا، أن تتشقق الأرض ويغيض الماء لتبخره، ثم يمتلئ البحر بالنار التي تخرج من باطن الأرض، تلك هي مقدمات البعث الأولى، وبعدها يكون البعث والحياة والنشور وهذا عند النفخة الثانية، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ [سورة الزمر آية ٦٨] .
هذه هي أولى مراحل البعث ذكرت بعد مقدماته، وإذا النفوس عادت إلى أبدانها، بعد أن كانت بعيدة عنها، وكانت الحياة الثانية لأجل البعث، وفيه يؤتى بالموءودة التي دفنت حية خوف الفقر أو العار، وتلك كانت عادة من عادات العرب في الجاهلية، فجاء الإسلام وحاربها وقضى عليها، واستبدل من أولئك الأعراب الذين كانوا يئدون
стр. 2616
البنات أحياء عربا فيهم ظرف الإسلام، وحكمة المسلمين وغرس فيهم التربية الإسلامية العالية التي قوامها: لا ضرر ولا ضرار، والتمسك بأهداب الفضيلة والمثل العليا.
هذه الموءودة تسأل: لأى ذنب قتلت؟! لم يكن لها ذنب- علم الله- وهذا سؤال للتبكيت والتوبيخ والتسجيل عليهم، وإذا الصحف التي كتبت فيها الأعمال، وسجل فيها ما اقترفه كل إنسان، نشرت ليقرأ كل إنسان كتابه، ويعرف عمله وحسابه، وإذا السماء كشطت وأزيلت فلم يعد لها وجود. والظاهر- والله أعلم- أن المراد بكشط السماء هو رفع الحجاب فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ «١» فترى كل نفس عند ذلك عملها، وتقوم عليها شهودها، فتبصر ما لم تكن تبصره من قبل، وإذا الجحيم سعرت وأحميت نارها وأوقدت، وإذا الجنة أزلفت وقربت وقدمت للمتقين.
وإذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت ... إلخ ما ذكر هنا من الأمور الاثنى عشر. وجواب هذا الشرط قوله: علمت نفس ما أحضرت، أى: إذا حصل هذا- ما ذكر- علمت نفس ما قدمت من عمل إن كان خيرا فجزاؤه خير، وإن كان شرّا فجزاؤه شر.
وقد فصل هنا ما أجمل في سورة «ق» عند بيان ما يسبق الحساب فقال هناك:
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وقال هنا: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ إلى قوله:
وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ وهنا أجمل في ذكر ما يحصل يوم الحساب حيث اكتفى بسؤال الموءودة، وتسعير جهنم. وتقريب الجنة، وفي سورة «ق» فصل كثيرا حيث قال:
وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ ... ... إلخ. الآيات.
اعتاد العرب في كلامهم أنهم إذا أقسموا على إثبات أمر واضح ظاهر، قالوا:
لا أقسم إشارة إلى أنه لا يحتاج إلى قسم، وقيل: إنه يؤتى بلا في القسم إذا أريد تعظيم المقسم به على ما فصلناه عند قوله: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ «٢» وعلى ذلك يمكننا أن نفهم قوله تعالى هنا: فلا أقسم بالخنس.
стр. 2617
[سورة التكوير (٨١) : الآيات ١٥ الى ٢٩]
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)
ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤)
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)
المفردات:
بِالْخُنَّسِ: جمع خانس، وهو المنقبض المستتر. الْكُنَّسِ: جمع كانس، أو كانسة، وأصله من قولهم: كنست الظبية: إذا دخلت الكناس وهو مكانها ومأواها، ومنه قولهم: كنست المرأة: إذا دخلت هودجها، والمراد: الكواكب التي تظهر في أفلاكها للعين ليلا تشبيها لها بالمرأة إذا ظهرت في هودجها، أو الظبية إذا ظهرت في كناسها. عَسْعَسَ: أقبل بظلامه. تَنَفَّسَ: ظهر وامتد حتى صار نهارا بينا. ذِي قُوَّةٍ: صاحب قوة في الجسم وغيره. مَكِينٍ: صاحب مكانة. صاحِبُكُمْ: هو الرسول ﵇. بِضَنِينٍ أى: بمتهم، أو ببخيل. رَجِيمٍ: ملعون. ذِكْرٌ: عظة وعبرة.
المعنى:
فلا أقسم بالكواكب المتخفية عن العين نهارا، الجواري لكي تظهر في أفلاكها ليلا كالظباء في كناسها، لا أقسم بهذا على أنه قول رسول كريم لظهور ذلك للعيان فلا
стр. 2618
يحتاج إلى إقسام، أو المعنى: لا أقسم بهذه الأشياء لعظمها فإنها عظيمة في نفسها ولو لم يقسم بها، والمعنى على القسم بها قسما مؤكدا، وأقسم بالليل إذا عسعس وأدبر ظلامه، والصبح إذا أضاء وظهر «١» أقسم بهذا على أن القرآن قول رسول كريم وهو جبريل لأنه حمله إلى النبي ﷺ فنسب إليه، هذا الرسول ذو قوة في العقل ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى «٢» فهو شديد القوى ذو حصافة في العقل والرأى، عند ذي العرش ﷻ ، مكين، أى: صاحب مكانة وشرف، والعندية عندية تشريف وإكرام لا عندية مكان، وهو مطاع في الملأ الأعلى: أمين على الوحى وعلى نقله، وما صاحبكم هذا بمجنون كما يصفه المشركون، وهو على ثقة من جبريل حين يبلغه، والحال أنه رآه على صورته الأصلية بالأفق العالي الظاهر- عند سدرة المنتهى- وما محمد على الغيب، أى: الوحى بمتهم بل هو صادق في خبره، ويؤيد هذا المعنى قراءة بظنين، وقيل: وما هو على الغيب ببخيل، فليس مقصرا في تبليغ الوحى، وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، حيث إن محمدا أمين، وليس مجنونا: وما هو على الغيب بمتهم إذ ليس هذا القرآن قول شيطان، ولا قول كاهن، وليس أساطير الأولين.
فأين تذهبون «٣» وأى طريق تسلكون؟ وأية حجة تقولون؟ بعد أن سدت عليكم كل الطرق وأقيمت عليكم الحجج والبراهين، وبطلت جميع المفتريات التي تفترونها.
ما هذا القرآن إلا ذكر وتذكرة وموعظة وعبرة، عظة للعالمين لمن شاء أن يستقيم على الجادة ويسير على سواء السبيل، والمعنى أن من شاء الدخول في الإسلام- لمن شاء منكم أن يستقيم- هو الذي ينتفع بهذا الذكر الحكيم، أما غيرهم فقد ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة، فلا يمكن أن يروا نور الحق، ولا أن يهتدوا بنور القرآن.
ولكن هل مشيئة العباد مطلقة غير خاضعة لأية قوة أو مشيئة أخرى؟ الجواب: إن إرادتكم الخير خاضعة لإرادة الله ولا تكون إلا بعد مشيئة الله رب العالمين، فهو سبحانه
стр. 2619
الذي يودع في البشر إرادة الخير. فتنصرف همة أصحاب الخير إليه، ولو شاء لسلبكم تلك الإرادة فكنتم كالحيوان.
ولما كان رب العالمين وكان ما نحهم كل ما يتمتعون به كانت إرادة البشر مستندة إلى إرادة الله، وهذا معنى قوله تعالى: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ فمشيئة العبد في دائرة صغيرة هذه الدائرة داخلة في دائرة مشيئة الله الكبرى.
بقيت كلمة أخرى في إقسام الله بالكواكب الخنس والكنس، وبالليل والصباح أو بالشمس والقمر أو غير ذلك، والظاهر أن هذا القسم للفت الأنظار إلى تلك الأشياء، وأنها دلائل على قدرة الله وبديع نظامه في الكون، ثم جاءت صفات لها كالخنس والكنس توبيخا لمن يعبد الكواكب ببيان بعض صفاتها التي يستحيل معها أن تكون آلهة بل هي مخلوقة متغيرة متحولة من حال إلى حال، مصرفة يصرفها المولى- ﷻ والله أعلم.
стр. 2620
سورة الانفطار
وهي مكية. وعدد آياتها تسع عشرة آية، وهي تتضمن الكلام على البعث والتذكير بيوم القيامة وأن النفس تشهد فيه ما عملت، ثم ناقشت الإنسان في شأن مخالفته لربه وتماديه في فجوره، مع أنه صاحب نعم جليلة عليه، وقد جعل له شهودا كراما كاتبين، ثم كانت النهاية لكل إنسان إما الجنة وإما النار، والأمر يومئذ لله.
[سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١ الى ١٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)
يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)
стр. 2621
المفردات:
انْفَطَرَتْ: انشقت. انْتَثَرَتْ: تساقطت. فُجِّرَتْ: فتحت وشققت جوانبها فزال ما بينها من برزخ. بُعْثِرَتْ: قلب ترابها الذي وضع على موتاها، ويلزم هنا إخراج من دفن فيها. ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟: ما خدعك وجعلك تعصاه؟! فَسَوَّاكَ: خلقك كامل الأعضاء حسن الهيئة. الْأَبْرارَ:
جمع بر، وهو من يعمل البر ويلتزم به في كل تصرفاته. الْفُجَّارَ: جمع فاجر، وهو الخارج عن الحدود. يَصْلَوْنَها: يقاسون حرها. يَوْمَ الدِّينِ: يوم الحساب والجزاء. وَما أَدْراكَ
: ما أعلمك ما هو؟
المعنى:
يذكرنا القرآن كثيرا بيوم القيامة، وأن الإنسان فيه يشهد ما قدمته يداه من خير أو شر وسيجازى عليه، ويقدم لذلك بذكر بعض أهوال يوم القيامة ليجذب قلب السامع إلى دائرة الاتعاظ والتهويل والتفخيم، فترى السامع وقد حبس أنفاسه ساعة يسمع (إذا السماء انفطرت) وتشققت، وإذا الكواكب التي كانت زينة ونورا تصبح وقد تناثرت وسقطت بلا نظام، كسقوط العقد إذا انفرط حبه في يد صاحبه، ولا تنس أن الأرض تسير سيرا، وتضطرب اضطرابا. ويقع الخلل في جميع أجزائها فترى البحار وقد فجرت تفجيرا، وتشققت جوانبها وامتلأت ماء حتى اختلط عذبها بملحها، ولم يعد بينها حاجز بل يغمر البسيطة الماء ثم لا يلبث أن يتبخر، والبحار تسجر وتملأ لهبا ودخانا، أرأيت الأرض في هذه الساعة: وكأنى بك وأنت تنظر إلى القبور وقد بعثرت، وذرى ترابها وأخرج من فيها للحساب، وقد نشرت الصحف وقرئت الكتب عندئذ تعلم كل نفس ما قدمت من صالح الأعمال أو سيئها وما أخرت منه.
عجبا لك أيها الإنسان العاقل المفكر ما الذي غرك وخدعك، وجرأك على عصيان ربك الكريم؟! وقد علمت ما سيكون يوم القيامة من أهوال، وما ستلاقيه أنت من أحوال، وما سيظهر لك من أعمال، يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم المتعالي المنزه عن كل نقص المتصف بكل كمال، الذي خلقك أولا، وهو على خلقك ثانيا أقدر
стр. 2622
وأقدر، الذي خلقك فسواك وجعلك حسن الصورة كامل الهيئة سالما في أعجب الصور وأتقنها وأجملها وأدقها وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ الأعضاء، الذي خلقك فعدلك وصيرك معتدلا متناسب الخلق منتصب القامة، فلست كبقية الحيوان، وقد عدلك، أى صرفك عن صورة غيرك.
«كلا» ارتدع عن الاغترار بمولاك، ولا تجعل كرمه حجة لعصيانه فتلك حجة المغرورين المخدوعين، فقد خلقك في صورة حسنة كاملة وركّبك في أى صورة شاءها.
ولكنكم يا معشر العصاة والكفار لا ترتدعون بل تكذبون بيوم الدين، أو تكذبون بدين الإسلام، والحال أن الله جعل عليكم حافظين: ملائكة تكتب أعمالكم وتحفظها ليوم الدين، وهم كرام بررة، كاتبون للأعمال: خيرها وشرها، يعلمون كل ما تفعلون.
ويوم القيامة تعرفون وتندمون ولات ساعة مندم.
وما نتيجة هذا الحفظ والكتب من الملائكة؟ النتيجة: إن الأبرار لفي نعيم مقيم، وإن الفجار لفي جحيم مقيم، يصلونها ويحترقون بنارها يوم الدين. أما الأبرار فأولئك هم العاملون المؤمنون بالله وباليوم الآخر وبالملائكة والكتاب والنبيين، الذين آتوا المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، ووفوا بالعهود، وصبروا في البأساء والضراء وحين البأس أولئك هم الذين صدقوا الله في إيمانهم، وأما الفجار فهم على النقيض من ذلك كله.
وما أدراك ما يوم الدين؟ ثم ما أدراك ما يوم الدين؟! وهذا تعجب من حال الإنسان الذي لا يعرف هذا اليوم الشديد ولا يعمل له لينجو من عذابه.
стр. 2623
سورة المطففين
وهي مكية في قول الأكثرين، وعدد آياتها ست وثلاثون آية، وتتضمن هذه السورة تفصيلا لبعض أنواع الفجور كالتطفيف في الكيل، والتكذيب بيوم الدين، والاعتداء على الغير، والقول بأن القرآن أساطير الأولين، وسبب هذا، وجزاؤه يوم القيامة، ثم تفصيل جزاء الأبرار، فكأن هذه السورة جاءت بيانا للسورة السابقة.
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)
لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩)
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)
المفردات:
وَيْلٌ: هلاك وعذاب. لِلْمُطَفِّفِينَ: الذين يأخذون حقهم كاملا، ويعطون حق غيرهم ناقصا. اكْتالُوا: أخذوا ما لهم من حق بالكيل.
يَسْتَوْفُونَ: يأخذونه وافيا كاملا. كالُوهُمْ: أعطوهم شيئا بالكيل.
стр. 2624
يُخْسِرُونَ: ينقصون الكيل والميزان. أَلا يَظُنُّ: ألا يعلم. كَلَّا:
كلمة ردع وزجر لهم عما هم فيه من التطفيف والتكذيب. سِجِّينٍ: هو علم على سجل ضخم فيه سوءات الفجار. مَرْقُومٌ: بين ظاهر الكتابة، أو له علامة يعرف بها، أى: معلم. مُعْتَدٍ: متجاوز حدود العقل والشرع. أَثِيمٍ:
كثير الآثام والانهماك في الشهوات. أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ: أكاذيبهم نقلها الخلف عن السلف. رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ: غلب عليها وغطاها، أى: اسودت من الذنب.
المعنى:
بعض النفوس قد ملئت بالشح والأنانية وحب الذات، طغى عليها حب المال طغيانا شديدا، فتراه إذا كان له حق عند غيره أخذه كاملا غير منقوص، وطفف في الكيل أو الميزان، وإذا كان لغيره حق عنده نقصه في الكيل أو الميزان، الويل لهؤلاء! ثم الويل لهم! فإن عملهم هذا لون من الفجور والآثام والأنانية يحاربها الإسلام الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ.
عجبا لهؤلاء ثم عجبا! ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون؟؟! إن هؤلاء المطففين لو كانوا يظنون «١» أن الله باعث الخلق ومحاسبهم على أعمالهم لما أقدموا على تلك الأعمال الشنيعة، إذ لو اعتقدوا حقا أن الله يبعث خلقه ويحاسبهم لتركوها، وكان التعبير بقوله أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ أبلغ وصف لهم، فاسم الإشارة يدل على أنهم ممتازون بهذا الوصف القبيح، وعلى بعدهم عن رحمة الله، ووصفهم بأنهم لا يظنون البعث دليل على أنهم أسوأ من الكفار فإنهم يظنون البعث، ثم انظر إلى وصف اليوم ويا بؤسهم فيه، ويا خير من يؤمن بالله ويعمل صالحا في ذلك اليوم الذي يقوم فيه الناس ويطول قيامهم أمام رب العالمين للحساب.
المعنى:
ارتدعوا أيها الفجار من المطففين والمكذبين بيوم الحساب عن ذلك وارجعوا إلى ربكم القادر على كل شيء، فستحاسبون على أعمالكم حسابا شديدا، وقد أعد الله لهم
стр. 2625
كتابا أحصى أعمالهم، ولم يغادر منها صغيرة ولا كبيرة، وإن هذا الكتاب لفي الديوان الجامع الذي دون فيه أعمال الفجرة من الثقلين، وما أدراك ما سجين؟ والمراد تفخيمه وأنه لا أحد يعرف عنه شيئا إلا ما أخبر به الحق- ﵎ فقال: هو كتاب مرقوم ظاهر الكتابة، أو معلم يعرفه بعلامته كل من رآه أنه لا خير فيه.
الويل والهلاك للمكذبين، الذين يكذبون بيوم الدين، ومنشأ ذلك هو كثرة الاعتداء وتجاوز الحدود، وارتكاب الآثام والشرور ولذا يقول الله: وما يكذب به إلا كل معتد أثيم، وتأويل ذلك أن النفس التي اعتادت الظلم والطغيان والبغي والاسترسال في الشرور والآثام يصعب عليها جدا الإذعان لأخبار الآخرة والتصديق بها، فإن تصديقها- مع هذه الأعمال- حكم صريح عليها بالسفه والجنون، وهذه النفس تكون جامحة طامحة، فصاحبها يعللها، ويهون عليها الأمر بالتغافل والتكذيب بيوم القيامة، أو التعلق بالأمانى الباطلة. تلك حقائق قرآنية نادى بها العلم الحديث فلذلك إذا تليت آيات القرآن التي تنادى بإثبات البعث على هذه النفس لم يكن منها إلا أن تقول: تلك أساطير الأولين وأكاذيبهم، حكيت لنا وأثرت عنهم، ولكنها أحاديث لا حقيقة لها، ولا تستحق النظر.
«كلا» ليست آيات القرآن أساطير، وإنما هي الحق لا مراء فيه، إنما دفعهم إلى هذا وجرأهم عليه أعمالهم السيئة التي مرنوا عليها ودربوا حتى اسودت قلوبهم، وران عليها الفساد فلم تعد تبصر الخير على أنه خير، فإن الرين الذي ينشأ عن الذنب كالصدإ على المرآة، والتوبة تجلوه: ومداومة العمل الفاسد تجعل الفساد ملكة عند الإنسان فيعمل الشر بلا تفكير ولا روية، وذلك هو الرين أو الطبع أو القفل.
[سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١٥ الى ٣٦]
كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩)
كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)
وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)
عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)
стр. 2626
المفردات:
لَمَحْجُوبُونَ: لممنوعون من رؤية ربهم. لَصالُوا الْجَحِيمِ: لداخلوها وذائقو حرها. الْأَبْرارِ: جمع بر ضد الفاجر. عِلِّيِّينَ: علم لديوان ضخم سجل فيه عمل الأبرار الصالحين من الثقلين. يَشْهَدُهُ: من الشهود وهو الحضور، والمراد أنهم يحافظون عليه، أو من الشهادة. الْأَرائِكِ: جمع أريكة وهي السرير عليه الكلة. نَضْرَةَ النَّعِيمِ: بهجته. رَحِيقٍ: جيد الخمر.
مَخْتُومٍ: ختمت أوانيه تكريما لشاربيها. مِزاجُهُ: ما يخلط به ذلك الشراب. تَسْنِيمٍ: عين مرتفعة حسا ومعنى. الْمُقَرَّبُونَ: هم السابقون، والأبرار: هم أصحاب اليمين. فَكِهِينَ فرحين مسرورين للاستهزاء بالمؤمنين.
لَضالُّونَ: منحرفون عن الحق وعن الطريق السوى. حافِظِينَ لأعمالهم شاهدين عليها. ثُوِّبَ الْكُفَّارُ: جوزوا على عملهم.
стр. 2627
المعنى:
كان الكفار لسوء تفكيرهم، وغرورهم بأنفسهم يقولون: إن كان محمد صادقا في أن هناك بعثا، فنحن في المنزلة العليا والدرجة الرفيعة، وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ «١» .
وهنا بين الله للكفار الفجار منزلتهم يوم القيامة فقال: إنهم عند ربهم يومها لمحجوبون عن رؤيته، ولممنوعون عن خيره وبره، ثم إنهم يومها لداخلون جهنم، وذائقون حرها وجحيمها، ثم يقال لهم من قبل الملائكة تأنيبا وتوبيخا: هذا هو العذاب والجزاء الحق الذي كنتم إذا سمعتم خبره تكذبون به وتكفرون، وها أنتم أولاء قد عاينتموه بأنفسكم بل وذقتم مره! «كلا» ردع لهم عما هم فيه ليعقب بوعد الأبرار كما عقب سابقا بوعيد الفجار، إن كتاب الأبرار لفي عليين، نعم كتاب حسناتهم مسجل في ديوان عمل الأبرار.
فسيجازون على عملهم أحسن الجزاء، والعرب تصف ما يدل على السرور والسعادة بالعلو والطهارة والفسحة والوجاهة، كما أن وصف الشيء بالسفل والضيق والظلمة يدل على الحزن والكآبة لذلك كان كتاب الأبرار في عليين، وكتاب الفجار في سجين، والقرآن عرفنا بكتاب الأبرار حيث قال: وما أدراك ما عليون؟ هو كتاب مرقوم معلوم، بين الكتابة واضح الرسوم، يشهده المقربون من الملائكة ويحافظون عليه، أو يشهدون على ما فيه، هذا حال كتاب الأبرار فما حالهم هم؟ إن الأبرار لفي نعيم على السرر يجلسون وينظرون إلى ما أعد لهم، وإلى ما أعد للفجار المذنبين، تعرف في وجوههم نضرة النعيم ورونقه، يسقون من خمر خالص جيد لا غول فيه، ولا هم عنها ينزفون، قد ختم باسمهم إكراما لهم، ختامه مسك، وفي ذلك فليتبار المتبارون في تخليصه، وليتنافس المتنافسون في الحصول عليه.
وشراب المؤمنين في الجنة خمر جيدة قد مزجت بعين يقال لها تسنيم لأنها عين مرتفعة حسا ومعنى: أعنى عينا يشرب منها المقربون السابقون، فهي معدة ليكرم الله بها أولياءه وأحبابه.
стр. 2628
وهذه بعض سيئات الفجار لأنهم فجار، ولذلك أخرها إلى هنا بعد بيان جزاء الفريقين في الآخرة.. إن الذين أجرموا واعتادوا فعل الشنيع من الأعمال كانوا يضحكون من الذين آمنوا، ويستهزئون بهم، وإذا مروا بهم يتغامزون، ويشيرون إليهم استهزاء بهم، وإذا انقلبوا إلى أهلهم بعد هذا انقلبوا فكهين مسرورين، لأنهم آذوا المسلمين واستهزءوا بهم، وكانوا إذا رأوهم قالوا: إن هؤلاء المؤمنين لقوم ضالون عن الطريق السوى طريق آبائهم وأجدادهم، وهل أرسل أولئك الفجار حافظين وشاهدين على المسلمين؟ لا، إنهم ما أرسلوا عليهم حافظين.
ولكن أيترك ربك عباده وأولياءه بدون جزاء؟ إنه جازى كلا على عمله فجازى الكفار بجهنم وسعيرها، وجازى المؤمنين بالجنة ونعيمها، فاليوم الذي فيه المؤمنون ينعمون بجنة الخلد، والكفار يصلون فيه بنار الجحيم: في هذا اليوم يضحك المؤمنون من الكفار لا ضحك الجاهل المغرور بل ضحك الموفق المسرور، ضحك من وصل إلى نتيجة عمله بعد طول المشقة، وبعد المسافة ضحك من انكشف له الحق فسر له لأنه حق، وهم على الأرائك ينظرون صنع الله وفعله المحكم الدقيق.
هل جوزي الكفار على أعمالهم؟ نعم، هل جوزي المسلمون على أفعالهم؟ نعم وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
стр. 2629
سورة الانشقاق
وهي مكية. وآياتها خمس وعشرون آية، تتضمن ذكر مقدمات يوم القيامة، ونهاية كل إنسان، وما يكون عليه يوم القيامة، ثم القسم بالشفق والليل والقمر لتكونن في حياة ثانية تكون كالأولى، ثم الإنكار عليهم لعدم إيمانهم، وتكذيبهم.
[سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١ الى ٢٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤)
وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩)
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)
بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩)
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤)
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)
стр. 2630
المفردات:
أَذِنَتْ: استمعت لأمر ربها وامتثلت له. وَحُقَّتْ أى: وحق لها أن تمتثل. مُدَّتْ: اتسعت رقعتها. وَتَخَلَّتْ: لم يبق في باطنها شيء.
كادِحٌ: مجد ساع في طلب الدنيا. يَسِيراً: سهلا. وَيَنْقَلِبُ:
يرجع. أَهْلِهِ: إخوانه من المسلمين. ثُبُوراً: هلاكا وموتا، والمراد أنه يقول: وا ثبوراه وا هلاكاه. وَيَصْلى: يقاسى ويصطلى. سَعِيراً: حر جهنم. فِي أَهْلِهِ: في الدنيا. مَسْرُوراً: فرحا فرح بطر وترف.
يَحُورَ: يرجع إلى الله. بَلى: نعم جواب لما بعد النفي، أى: نعم يرجع.
بِالشَّفَقِ: الأثر الباقي من الشمس في الأفق بعد الغروب، وقيل: هو النهار، والمادة تدل على الرقة. وَما وَسَقَ أى: وما جمع. اتَّسَقَ: اجتمع وتكامل وتم واستدار. يُوعُونَ: يحفظونه في قلوبهم من شرك أو معصية. غَيْرُ مَمْنُونٍ: غير مقطوع.
المعنى:
إذا أراد الله ذهاب هذا العالم، وقيام الساعة، اختل نظام الدنيا، بأى صورة كانت، وعلى أى شكل يريده الله، فترى عند ذلك أن السماء تتشقق وتنفطر، ويعلو الجو غمام وأى غمام؟ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ عند ذلك ترى أن السماء قد استجابت لأمر ربها وانقادت له، وحق لها ذلك الامتثال والاستماع لأمره، وكيف لا يكون ذلك وهي في قبضته وتحت سلطانه. وهو الذي يمسك السماء والأرض أن تزولا، عند ذلك تكور الشمس، وتتناثر النجوم والكواكب، وأما الأرض فلا يمكن أن تبقى على حالها بل نراها قد اندكت جبالها، واتسعت سهولها وامتد جرمها، وألقت ما في باطنها من الكنوز والأجساد والعظام البالية، وتخلت عن كل ذلك، ولم يبق في باطنها شيء وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ وإذا السماء انشقت، وإذا الأرض مدت، وألقت ما في باطنها وتخلت عن كل شيء. يكون ماذا؟ يكون ما شاء الله مما ذكره في غير موضع من القرآن، ويقال: إن الجواب محذوف دل عليه قوله تعالى: يا أَيُّهَا