المفردات:
لَمَحْجُوبُونَ: لممنوعون من رؤية ربهم. لَصالُوا الْجَحِيمِ: لداخلوها وذائقو حرها. الْأَبْرارِ: جمع بر ضد الفاجر. عِلِّيِّينَ: علم لديوان ضخم سجل فيه عمل الأبرار الصالحين من الثقلين. يَشْهَدُهُ: من الشهود وهو الحضور، والمراد أنهم يحافظون عليه، أو من الشهادة. الْأَرائِكِ: جمع أريكة وهي السرير عليه الكلة. نَضْرَةَ النَّعِيمِ: بهجته. رَحِيقٍ: جيد الخمر.
مَخْتُومٍ: ختمت أوانيه تكريما لشاربيها. مِزاجُهُ: ما يخلط به ذلك الشراب. تَسْنِيمٍ: عين مرتفعة حسا ومعنى. الْمُقَرَّبُونَ: هم السابقون، والأبرار: هم أصحاب اليمين. فَكِهِينَ فرحين مسرورين للاستهزاء بالمؤمنين.
لَضالُّونَ: منحرفون عن الحق وعن الطريق السوى. حافِظِينَ لأعمالهم شاهدين عليها. ثُوِّبَ الْكُفَّارُ: جوزوا على عملهم.
стр. 2627
المعنى:
كان الكفار لسوء تفكيرهم، وغرورهم بأنفسهم يقولون: إن كان محمد صادقا في أن هناك بعثا، فنحن في المنزلة العليا والدرجة الرفيعة، وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ «١» .
وهنا بين الله للكفار الفجار منزلتهم يوم القيامة فقال: إنهم عند ربهم يومها لمحجوبون عن رؤيته، ولممنوعون عن خيره وبره، ثم إنهم يومها لداخلون جهنم، وذائقون حرها وجحيمها، ثم يقال لهم من قبل الملائكة تأنيبا وتوبيخا: هذا هو العذاب والجزاء الحق الذي كنتم إذا سمعتم خبره تكذبون به وتكفرون، وها أنتم أولاء قد عاينتموه بأنفسكم بل وذقتم مره! «كلا» ردع لهم عما هم فيه ليعقب بوعد الأبرار كما عقب سابقا بوعيد الفجار، إن كتاب الأبرار لفي عليين، نعم كتاب حسناتهم مسجل في ديوان عمل الأبرار.
فسيجازون على عملهم أحسن الجزاء، والعرب تصف ما يدل على السرور والسعادة بالعلو والطهارة والفسحة والوجاهة، كما أن وصف الشيء بالسفل والضيق والظلمة يدل على الحزن والكآبة لذلك كان كتاب الأبرار في عليين، وكتاب الفجار في سجين، والقرآن عرفنا بكتاب الأبرار حيث قال: وما أدراك ما عليون؟ هو كتاب مرقوم معلوم، بين الكتابة واضح الرسوم، يشهده المقربون من الملائكة ويحافظون عليه، أو يشهدون على ما فيه، هذا حال كتاب الأبرار فما حالهم هم؟ إن الأبرار لفي نعيم على السرر يجلسون وينظرون إلى ما أعد لهم، وإلى ما أعد للفجار المذنبين، تعرف في وجوههم نضرة النعيم ورونقه، يسقون من خمر خالص جيد لا غول فيه، ولا هم عنها ينزفون، قد ختم باسمهم إكراما لهم، ختامه مسك، وفي ذلك فليتبار المتبارون في تخليصه، وليتنافس المتنافسون في الحصول عليه.
وشراب المؤمنين في الجنة خمر جيدة قد مزجت بعين يقال لها تسنيم لأنها عين مرتفعة حسا ومعنى: أعنى عينا يشرب منها المقربون السابقون، فهي معدة ليكرم الله بها أولياءه وأحبابه.
стр. 2628
وهذه بعض سيئات الفجار لأنهم فجار، ولذلك أخرها إلى هنا بعد بيان جزاء الفريقين في الآخرة.. إن الذين أجرموا واعتادوا فعل الشنيع من الأعمال كانوا يضحكون من الذين آمنوا، ويستهزئون بهم، وإذا مروا بهم يتغامزون، ويشيرون إليهم استهزاء بهم، وإذا انقلبوا إلى أهلهم بعد هذا انقلبوا فكهين مسرورين، لأنهم آذوا المسلمين واستهزءوا بهم، وكانوا إذا رأوهم قالوا: إن هؤلاء المؤمنين لقوم ضالون عن الطريق السوى طريق آبائهم وأجدادهم، وهل أرسل أولئك الفجار حافظين وشاهدين على المسلمين؟ لا، إنهم ما أرسلوا عليهم حافظين.
ولكن أيترك ربك عباده وأولياءه بدون جزاء؟ إنه جازى كلا على عمله فجازى الكفار بجهنم وسعيرها، وجازى المؤمنين بالجنة ونعيمها، فاليوم الذي فيه المؤمنون ينعمون بجنة الخلد، والكفار يصلون فيه بنار الجحيم: في هذا اليوم يضحك المؤمنون من الكفار لا ضحك الجاهل المغرور بل ضحك الموفق المسرور، ضحك من وصل إلى نتيجة عمله بعد طول المشقة، وبعد المسافة ضحك من انكشف له الحق فسر له لأنه حق، وهم على الأرائك ينظرون صنع الله وفعله المحكم الدقيق.
هل جوزي الكفار على أعمالهم؟ نعم، هل جوزي المسلمون على أفعالهم؟ نعم وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
стр. 2629
سورة الانشقاق
وهي مكية. وآياتها خمس وعشرون آية، تتضمن ذكر مقدمات يوم القيامة، ونهاية كل إنسان، وما يكون عليه يوم القيامة، ثم القسم بالشفق والليل والقمر لتكونن في حياة ثانية تكون كالأولى، ثم الإنكار عليهم لعدم إيمانهم، وتكذيبهم.
[سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١ الى ٢٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤)
وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩)
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)
بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩)
فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤)
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)
стр. 2630
المفردات:
أَذِنَتْ: استمعت لأمر ربها وامتثلت له. وَحُقَّتْ أى: وحق لها أن تمتثل. مُدَّتْ: اتسعت رقعتها. وَتَخَلَّتْ: لم يبق في باطنها شيء.
كادِحٌ: مجد ساع في طلب الدنيا. يَسِيراً: سهلا. وَيَنْقَلِبُ:
يرجع. أَهْلِهِ: إخوانه من المسلمين. ثُبُوراً: هلاكا وموتا، والمراد أنه يقول: وا ثبوراه وا هلاكاه. وَيَصْلى: يقاسى ويصطلى. سَعِيراً: حر جهنم. فِي أَهْلِهِ: في الدنيا. مَسْرُوراً: فرحا فرح بطر وترف.
يَحُورَ: يرجع إلى الله. بَلى: نعم جواب لما بعد النفي، أى: نعم يرجع.
بِالشَّفَقِ: الأثر الباقي من الشمس في الأفق بعد الغروب، وقيل: هو النهار، والمادة تدل على الرقة. وَما وَسَقَ أى: وما جمع. اتَّسَقَ: اجتمع وتكامل وتم واستدار. يُوعُونَ: يحفظونه في قلوبهم من شرك أو معصية. غَيْرُ مَمْنُونٍ: غير مقطوع.
المعنى:
إذا أراد الله ذهاب هذا العالم، وقيام الساعة، اختل نظام الدنيا، بأى صورة كانت، وعلى أى شكل يريده الله، فترى عند ذلك أن السماء تتشقق وتنفطر، ويعلو الجو غمام وأى غمام؟ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ عند ذلك ترى أن السماء قد استجابت لأمر ربها وانقادت له، وحق لها ذلك الامتثال والاستماع لأمره، وكيف لا يكون ذلك وهي في قبضته وتحت سلطانه. وهو الذي يمسك السماء والأرض أن تزولا، عند ذلك تكور الشمس، وتتناثر النجوم والكواكب، وأما الأرض فلا يمكن أن تبقى على حالها بل نراها قد اندكت جبالها، واتسعت سهولها وامتد جرمها، وألقت ما في باطنها من الكنوز والأجساد والعظام البالية، وتخلت عن كل ذلك، ولم يبق في باطنها شيء وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ وإذا السماء انشقت، وإذا الأرض مدت، وألقت ما في باطنها وتخلت عن كل شيء. يكون ماذا؟ يكون ما شاء الله مما ذكره في غير موضع من القرآن، ويقال: إن الجواب محذوف دل عليه قوله تعالى: يا أَيُّهَا
стр. 2631
الْإِنْسانُ
وكأن المعنى: إذا السماء انشقت، وإذا الأرض مدت ... إلخ. كان البعث ولاقى الإنسان ربه فوفاه حسابه.
يا أيها الإنسان المجد في سعيه، النشيط في عمله السريع في تحصيل معاشه وكسبه:
أنت تكدح في طلب الدنيا، حتى استبطأت حركة الزمن، وكم تمنيت نهاية اليوم أو الشهر أو العام لتحصيل على طلبك، أيها الإنسان ما أجهلك!! ألم تعلم بأن هذا كله من عمرك، وأنت تكدح صائرا إلى ربك، وتجد وأصلا إلى نهايتك وموتك:
يسر المرء ما ذهب الليالى ... وكان ذهابهن له ذهابا
فأنت تجد في السير إلى ربك فتلاقى عملك هناك أوضح من الشمس فاعمل في دنياك على هذا الأساس.
أيها الإنسان: ستلاقى ربك يوم القيامة، وستلاقى عملك يوم يقوم الناس للعرض على الملك الجبار يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ «١» وهناك يظهر الحق، ويعرف كل عمله، فأما من أوتى كتابه بيمينه، وهم الصالحون المقربون فسوف يحاسبون حسابا يسيرا سهلا، ويرجعون إلى إخوانهم من المؤمنين فرحين مسرورين لأنهم لاقوا جزاءهم. وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً «٢» وأما من أوتى كتابه بشماله أو من وراء ظهره وهم الكفار الفجار، فسوف يحاسبون حسابا عسيرا، ويدعون من شدة ما بهم قائلين: ووا ثبوراه، وا هلاكاه وسيصلون سعيرا ويقاسون حر جهنم الشديد القاسي، فإيتاء الكتاب باليمين أو بالشمال. أو من وراء الظهر تمثيل وتصوير لحالة المطلع على أعماله المستبشر المبتهج بها، أو لحالة المبتئس العبوس الحزين بسببها: والعرب تستعير جهة اليمين للخير وجهة اليسار للشر.
وما سبب عذاب هؤلاء؟ إنه كان في أهله، أى: في الدنيا فرحا مسرورا فرح بطر أو أشر، ولما كان فيه من ترف وحب للشهوة، واستمتاع باللذة، والذي دفعه إلى هذا كله ظنه أنه لن يرجع إلى ربه للحساب، فيحسب ما اقترفته يداه، بل سيرجع إلى ربه فيحاسبه حسابا كاملا، إن ربه كان به بصيرا، وعليما خبيرا، ومقتضى علمه بالمخلوق علما كاملا: أنه لا يتركه سدى، بل يجازى المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته
стр. 2632
إذ مقتضى العلم الكامل بالخلق، والعدل التام في الحكم أن الله لا يترك الخلق بلا حساب وثواب وجزاء، إذ تركهم لا ينشأ إلا من أحد أمرين: إما لأنه لا يعرف حالهم- وحاشا لله أن يكون كذلك- وهو الذي خلقهم، وإما لأنه غير عادل في حكمه وهو مستحيل عليه، فظهر من هذا حسن وجلال قوله تعالى: بلى- نعم سيرجع إلى ربه للحساب- إن ربه كان به بصيرا.
فلا أقسم بالشفق وحمرته، ولا بالليل وظلمته، ولا بالليل وما جمع من خلق كان منتشرا في النهار، ثم أوى إليه فجمعه تحت جناحيه، وما جمع من أمهات إلى أفراخها ومن سائمات إلى حظائرها، ومن نجوم اجتمعت في السماء، وبالجملة ففي النهار الحركة والانتقال وفي الليل المأوى والسكون، وأقسم بالقمر إذا اتسق، واجتمع وتكامل، واستدار وأنار الكون بنوره الكامل ليلة البدر.
لا أقسم بهذه الأشياء: لتركبن طبقا عن طبق، لظهوره ووضوحه، فهو غير محتاج إلى قسم، أو المعنى: لا أقسم بهذه على إثبات البعث فإنه أمر جليل الشأن عظيم الخطر، وهذه الأشياء لا يخشى منها أذى، ولا يخاف منها ضرر. أو: لا أقسم بهذه الأشياء لتعظيمها، فإنها عظيمة في نفسها من غير قسم، وأيا كان فهو أسلوب للقسم مستعمل في لسان العرب. وقد أقسم الحق بهذه الأشياء لفتا لأنظار الناس إليها، وأنها أثر من آثار القدرة الإلهية، على أن في صفاتها ما ينفى كونها آلهة تعبد.
أقسم لتركبن طبقا على طبق، ولتكونن في حالة شبيهة بتلك الحال ومطابقة لها تماما وهي الحياة الثانية، أو لتركبن أيها الناس حالا بعد حال، وأمرا بعد أمر ثم يستقر بكم الأمر إلى الواحد الأحد فيجازى كلا على عمله.
ألا ترى أن القادر على تغيير الأجرام العلوية، والأفلاك السماوية من حال إلى حال قادر على البعث وإحياء الإنسان بعد مماته؟ فما لهم لا يؤمنون؟ أى شيء ثبت لهم حتى كفروا بالله وباليوم الآخر؟ مع أن الشواهد كلها ناطقة على ذلك، وأى شيء ثبت لهم حتى جعلهم إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون لله شكرا، ولا يسجدون له إعجازا، بل الذين كفروا يكذبون بلا حجة ولا برهان، والله أعلم بما يحفظونه في قلوبهم من كفر وحسد وبغضاء، إذا كان الأمر كذلك فبشرهم بعذاب أليم، لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير مقطوع. والله أعلم.
стр. 2633
سورة البروج
وهي مكية. وعدد آياتها اثنتان وعشرون آية، وهذه السورة جاءت تسلية للنبي ﷺ وللمؤمنين وتشجيعا لهم على تحملهم أذى قومهم، ثم ضربت لهم الأمثال بأصحاب الأخدود، وفرعون وثمود. وتخلل ذلك ما به تقر نفوس المؤمنين ببيان نهاية الكفار، ونهاية المؤمنين، على أنها لم تغفل ذكر القرآن في نهايتها.
[سورة البروج (٨٥) : الآيات ١ الى ٢٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤)
النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩)
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)
стр. 2634
المفردات:
الْبُرُوجِ: جمع برج، وهو في أساس اللغة يطلق على الأمر الظاهر. ثم استعمل في القصر العظيم، وعلى ذلك فالسماء ذات البروج أى: النجوم، وقيل المراد بالبروج هنا: منازل الكواكب. وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ: يوم القيامة. الْأُخْدُودِ: الشق في الأرض يحفر مستطيلا، وجمعه أخاديد. شُهُودٌ أى: حضور عذاب المؤمنين.
وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ: وما عابوا عليهم. فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ: ابتلوهم بالإحراق.
بَطْشَ رَبِّكَ: أخذه الكفار. الْوَدُودُ: المحب للطائعين.
المعنى:
أقسم الحق- ﵎ بالسماء ذات النجوم التي كانت ضياء وزينة، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها المسافرون، وهي مع ذلك أبنية فخمة عظيمة تدل على قدرة صانعها الحكيم، وقيل المراد بالبروج: منازل الكواكب في السماء التي ينشأ عنها الفصول الأربعة، وما فيها من حرارة وبرودة، والتي ينشأ عنها عدد السنين والحساب، وتفصيل كل شيء في الوجود، وأقسم الحق- ﵎ باليوم الموعود الذي وعدنا الله به، وهو يوم القيامة، وأقسم كذلك بكل الخلائق والعوالم الشاهد منها والمشهود، فله- سبحانه- في كل شيء دلالة على وحدانيته، فكل شيء شاهد بهذا المعنى، على أن كل شيء في الكون مشهود للناس، والناس مختلفون في الشهادة، أى: الرؤية، أو الفكرة والتأمل.
أقسم الحق- ﵎ بهذه الأشياء: لقد ابتلى الله المؤمنين والمؤمنات قديما بالعذاب والفتنة والبلاء من أعدائهم الكفار، ولكنهم صبروا على ما أوذوا واحتسبوا ذلك عند الله، فكان لهم الأجر الكبير، ولأعدائهم عذاب جهنم ولهم فيها عذاب الحريق، فاصبروا أيها المؤمنون، وسيعوضكم الله خيرا، ولقد ضرب الله قصة أصحاب الأخدود هنا مثلا، ودليلا على جواب القسم المقدر وهو ابتلاء المؤمنين.
قتل أصحاب الأخدود: أصحاب النار ذات الوقود، النار التي أعدوها ليصلاها المؤمنون الموحدون.
стр. 2635
أصحاب الأخدود جماعة من الكفار كانوا في القديم،
ويروى أنهم من أمراء اليمن أو زعماء اليهود، وقد غاظهم إيمان المؤمنين المعاصرين لهم، وشق عليهم ذلك، فانتقموا منهم انتقاما شديدا، وشقوا لهم أخدودا في الأرض، أضرموا فيه النيران ذات الوقود الشديد اللهب والدخان وألقوا فيها كل ما يضرمها ويؤججها ثم جاءوا بالمؤمنين وألقوهم في النار ذات الوقود!!
وقد كانوا قساة القلوب غلاظ الأكباد، فجلسوا يضحكون فرحين بإلقاء المؤمنين في النار، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين من كبائر الإثم وفظائع الجرم شهود وحضور! وما فعل هؤلاء المؤمنون حتى يلقوا في النار؟ لم يفعلوا شيئا أبدا، وما نقموا، ولا عابوا عليهم إلا أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد! يا سبحان الله ما كان سببا في السعادة والخير، يكون سببا في القتل والإحراق والتعذيب بالنيران! ولكن تلك طبيعة البشر قديما وحديثا، وهذا صراع الحق والباطل، وتلك هي البوتقة التي يصهر فيها الإيمان ويصفى.
هؤلاء المؤمنون آمنوا بالله العزيز الذي لا يعجزه شيء، الحميد في السموات والأرض، وإن كفر به بعض خلقه، الذي له ملك السموات والأرض، وهو على كل شيء شهيد، فهل يترك المؤمنين نهبا للكفار والمشركين يفعلون معهم الأباطيل ويذيقونهم العذاب ألوانا؟! لن يكون هذا أبدا.
إن الذين فتنوا المؤمنين بالتعذيب ثم لم يتوبوا- فإن من يفعل ذلك لن يتوب- فلهم عذاب جهنم، ولهم عذاب الحريق، والله من ورائهم محيط، وهو على كل شيء قدير، أما المؤمنون العاملون فلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار، وذلك هو الفوز العظيم، ولا عجب في هذا كله فربك بطشه بالكفار شديد، وهو القادر على كل شيء الذي يبدئ الخلق ثم يعيد، وهو الغفور لمن تاب الودود لمن أطاع، صاحب الملك والسلطان بيده الأمر وهو الفعال لما يريد.
وهذه أمثلة أخرى تؤكد أن العاقبة للصابرين، وأن الله مع المؤمنين، فاحذروا يا آل مكة تلك العاقبة، وهذه النتيجة، واحذروا أيها الطغاة الظالمون نتيجة أعمالكم! هل بلغك قصص أولئك الجنود، أصحاب القوة والبأس الشديد، مثل فرعون وجنوده وقبيلة عاد وثمود، وكانوا أكثر منكم أموالا وأولادا، فلما كذبوا بالرسل
стр. 2636
وكفروا بالبعث، وآذوا رسلهم، أخذهم ربك أخذ عزيز مقتدر، أخذهم ربك بظلمهم وما ربك بظلام للعبيد.
لو نظر العاقل في تلك الآيات يسوقها الحق للاعتبار والاتعاظ لاهتدى إلى سنة الله في خلقه، وأنها لا تتحول ولا تتغير، ولكن كفار مكة لم يكن فيهم شيء من ذلك بل كانوا في كفر وتكذيب، وكأن الكفر والتكذيب إطار وهم داخلون فيه لا يتجاوزونه.
والله من ورائهم محيط، وهو على كل شيء قدير، فهم لا يعجزونه في الأرض ولا في السماء.
وهل لهؤلاء عذر في تكذيبهم وعدم إيمانهم؟ لا. بل هو قرآن مجيد: قرآن كريم، قد رفع الله قدره، وشرف مكانته، وجعله كاملا في كل شيء، وهو في لوح محفوظ، ولذلك هم في ضلال ولا عذر لهم.
ويقول الشيخ محمد عبده- ﵀ في تفسيره: واللوح المحفوظ شيء أخبر الله به وأنه أودعه كتابه، ولم يعرفنا حقيقته، فعلينا أن نؤمن بأنه شيء موجود، وأن الله قد حفظ فيه كتابه إيمانا بالغيب.
стр. 2637
سورة الطارق
وهي مكية. وعدد آياتها سبع عشرة آية، وقد تكلمت على إثبات أن للنفس حافظا يحفظها وهو الله، والدليل على ذلك، ثم على إثبات البعث، ثم ختمت بالكلام على القرآن، وكيد الكفار والمشركين ويتبع ذلك تصديق النبي ﷺ .
[سورة الطارق (٨٦) : الآيات ١ الى ١٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩)
فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧)
المفردات:
الطَّارِقِ: كل ما جاءك ليلا فهو طارق، والمراد به النجم. الثَّاقِبُ:
الذي يثقب حجب الظلام بضوئه. لَمَّا: قرئت مشددة بمعنى إلا، وإن على ذلك نافية أى: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وقرئت لما بالتخفيف فتكون ما زائدة في الإعراب والمراد بالقراءتين واحد. دافِقٍ دفقت الماء أدفقه: إذا صببته، والمراد ماء مدفوق أى: منصب. الصُّلْبِ: عظام الظهر، أى: فقاره. وَالتَّرائِبِ:
стр. 2638
جمع تريبة، وهي عظام الصدر التي يوضع عليها القلادة. تُبْلَى السَّرائِرُ المراد:
تظهر السرائر وتعلم المكنونات. ذاتِ الرَّجْعِ: ذات الماء أو المطر.
الصَّدْعِ: هو الشق، وقيل: هو النبات الذي يصدع الأرض، أى: يشقها.
فَصْلٌ: فارق بين الحلال والحرام. يَكِيدُونَ كَيْداً الكيد: المكر، وهو إذا أسند إلى الله لا يعقل أن يكون على حقيقته وإنما يكون المقصود منه الوصول بالإنسان إلى جزاء عمله من حيث لا يشعر. فَمَهِّلِ: فتأن عليهم وتريث. رُوَيْداً:
إمهالا يسيرا.
المعنى:
أقسم الحق- ﵎ بالسماء وما فيها من أفلاك وأجرام لا يعلمها إلا هو، وبالطارق الذي يطرق ليلا، وهذا توجيه ولفت لأنظار الناس إلى عالم السماء وما فيها.
ولكنا لم نعرف الطارق فأراد الحق أن يبينه فقال: وما أدراك ما الطارق؟ وهذا أسلوب تفخيم للطارق، كأنه لفرط فخامته لا يحيط به وصف، إلا ما سيذكره الله عنه، هو النجم الثاقب الذي يثقب الظلام بشعاعه اللماع، أقسم بالنجم لما له من أثر كبير في الهداية الحسية والمعنوية والشئون الحيوية الأخرى.
والله- جل شأنه- يقسم على أن كل نفس من النفوس عليها رقيب وحفيظ، وليست في النفوس نفس تترك هملا بلا حساب ولا رقابة، ومن هو الحفيظ؟ هو الله فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ «١» وقيل: هو الملك الموكل بالإنسان.
فإذا كنت في شك من ذلك فلينظر الإنسان إلى نفسه وكيف خلق؟! إنه خلق من ماء دافق: ماء مصبوب، يخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة، وهذا الماء السائل كيف يتكون منه خلق سوى؟ وإنسان كامل في كل شيء! لا يعقل أن يكون ذلك بمحض الصدفة أو بفعل الطبيعة، وإلا لكانت كل الخلائق سواء.
هذا الخلق بهذا الشكل، وعلى تلك الصورة دليل على أن لكل نفس رقيبا وحفيظا يراقب ذلك كله ويدبره، وينقله من حال إلى حال، ولا يعقل أن تترك تلك النفوس سدى بلا ثواب أو عقاب، الإنسان خلق من ماء دافق خارج من صلب الرجل وترائب
стр. 2639
المرأة وهذا الماء من الدم، والدم من الغذاء، والغذاء من النبات، ثم هذا الماء لا يصلح إلا إذا كان الأب مع الأم على وضع خاص. فمن الذي جمع كل هذا؟ أظن أن القادر على ذلك قادر على إرجاع الإنسان وإحيائه يوم تكشف السرائر، وتظهر مكنونات الضمائر، والإنسان عند ذلك ما له من قوة يدفع بها العذاب أو يجلب بها الثواب، وليس له ولى ولا ناصر.
والسماء ذات المطر الذي يحيى الموات، وينبت النبات، والأرض ذات الصدع والشق، أقسم الله بهذا إنه- أى: القرآن- لقول فصل، يفرق بين الحق والباطل، وما هو بالهزل، إنه قول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين، ليس بالشعر ولا بالسحر وإنما هو تنزيل رب العالمين، ذلك هو القرآن المجيد.
أتراه تكلم عن الحفيظ- ثم على البعث وتلك دعامتان، أما الثالثة فهي القرآن ومن أنزل عليه.
ثم ختم السورة بتهديد الكفار والمشركين تهديدا يهد كيانهم مثبتا لهم أنهم يكيدون ويمكرون، ولكن الله يمهلهم ولا يهملهم ثم يأتى عذابه من حيث لا يشعرون.
إذا كان الأمر كذلك فمهل الكافرين يا رسول الله ﷺ ولا تستعجل لهم: إن عذاب ربك واقع بهم، وأمهلهم إمهالا يسيرا.
стр. 2640
سورة الأعلى
وهي مكية، وعدد آياتها تسع عشرة آية، وتشمل الأمر بالتسبيح والتنزيه، ثم الأمر بالتذكير وبيان أن الفلاح لمن تطهر من دنس المعاصي، وخلص من حب الدنيا.
[سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ١ الى ١٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤)
فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩)
سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)
المفردات:
سَبِّحِ التسبيح: تنزيه وتمجيد الله عما لا يليق. فَسَوَّى أى: جعله متساويا في الإحكام والإتقان. قَدَّرَ: جعل الأشياء مقدرة على مقادير مخصوصة.
فَهَدى: فوجه كل كائن إلى وجهته. غُثاءً: باليا هشيما. أَحْوى:
стр. 2641
مائلا إلى السواد. وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى: نوفقك إلى الخير. فَذَكِّرْ: بلغهم رسالتك وعظهم. يَخْشى: يخاف ربه. َْشْقَى
الشقي: الكافر.
تَزَكَّى: تطهر. فَصَلَّى: خشع وخضع لله. تُؤْثِرُونَ: تفضلون.
الصُّحُفِ الْأُولى: الكتب التي أنزلت قبل القرآن.
المعنى:
سبح اسم ربك، ونزهه من كل نقص، واسم به عما لا يليق به من شبه المخلوقات أو اتخاذ الشركاء والأنصاب، والاسم: ما به يعرف الشيء، والله يعرف بصفاته، أما ذاته المقدسة فتعالت عن الأوهام والعقول، فالبشر يعرفون الله بأنه هو العالم القادر المريد الواحد الأحد، الفرد الصمد المنزه عن كل نقص، المتعالي عن الشريك والصاحبة والولد، جل شأنه وتقدس اسمه، وهذا الاسم- أى: الصفات التي بها يعرف- هو الذي وصف بأنه ذو الجلال والإكرام، وهو الذي يجب علينا تنزيهه وتقديسه لأنه هو الذي خلق الخلق، فسواه ووضعه على نظام محكم متقن، لا تفاوت فيه ولا خلل، حتى ما في هذا الكون من سموم وآفات وجراثيم، كل ذلك لكمال النظام وتمام العمل وحسن التقدير، وهو الذي قدر لكل كائن ما ينفعه وما يصلحه، فهداه إليه وأرشده إلى الانتفاع به، أرشده إليه بطبعه وما أودع فيه من غرائز واتجاهات، وهو الذي أخرج المرعى، وأنبت النبات، الذي هو الغذاء للإنسان والحيوان، ثم بعد أن أنبت النبات جعله هشيما باليا مائلا إلى السواد ليكون غذاء للحيوان، وفي هذا إشارة إلى جواز الحياة بعد الموت، وهو الذي تفضل فأنعم على البشر كله بإنزال القرآن، على النبي ﷺ ووعده بأنه سيقرئه القرآن وأنه لا ينساه إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
إلا إذا شاء الله فالكل منه وإليه، وخاضع لأمره إنه يعلم الجهر والإعلان وما هو أخفى من الخفاء، وهو يوفقك للشريعة السمحة السهلة التي لا يصعب قبولها وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى.
إذا كان الأمر كما ذكر من وجوب تنزيه الحق- ﵎ عن كل نقص لأنه خلق الخلق فسواه، وقدر له كل ما يصلح به وهداه إليه بطبعه وغريزته، وأنعم بالنبات أخضره ويابسه، وأنزل القرآن هدى للناس، ووعد بحفظه، وأنه يسر لنا شريعة سهلة سمحة.
стр. 2642
إذا كان الأمر كذلك فذكر يا محمد الناس بالقرآن وعظهم واعلم أن الناس نوعان فريق تنفعه الموعظة، وفريق لا تنفعه، وسيذكر بها ويتعظ من في قلبه نوع من الخشية لله، والإيمان بالغيب، وسيتجنبها الشقي المغلق القلب الذي لا يؤمن بالله ولا بالغيب.
وهذا سيصلى نارا ذات لهب، النار الكبرى التي تكون يوم القيامة: أما نار الدنيا فمهما كانت فهي صغرى! ثم هو فيها لا يموت بل يظل معذبا عذابا شديدا ولا هو فيها يحيى حياة سعيدة: حياة يحبها.
ولا عجب في ذلك، قد أفلح من تطهر من دنس المعاصي ورجس عبادة الهوى والأصنام قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ «١» قد أفلح من زكى نفسه، وقد خاب من دساها ودنسها بالمعاصي، قد أفلح الذي طهر نفسه، وذكر اسم ربه فخشع له وخضع، ذكر ربه فوجل قلبه، واضطربت نفسه، وفاضت عينه، فقام بالعمل الصالح الذي ينفعه بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وهذا إشارة إلى الداء الكامن، والسبب الحقيقي في معصية العاصي وكفر الكافر، والسبب هو إيثار الدنيا على الآخرة، وحب العاجلة الفانية، فحسب الدنيا رأس كل خطيئة حبها، بمعنى أنك تعبدها وتتفانى في خدمتها، مع أن الآخرة خير بلا شك منها، وهي أبقى لك، فلن تأخذ من دنياك إلا ما قدمته يداك من صالح الأعمال، والآخرة خير وأبقى.
ولا تظنوا أن محمدا أتى بالجديد. لا. إن هذا- الشرع المحمدي- لفي الكتب الأولى، كتب إبراهيم وموسى، إذ الكل متفق على توحيد الله، وتنزيهه وإثبات البعث وتصديق الرسل.
стр. 2643
سورة الغاشية
وهي مكية. وآياتها ست وعشرون آية، وقد تكلمت عن الغاشية وأن الناس بها فريقان: فريق في الجنة وفريق في السعير، ثم لفت الأنظار إلى بعض الآثار، ثم مرت بالنبي وتذكيره مع بيان أن المرجع إلى الله.
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١ الى ٢٦]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤)
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩)
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)
وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)
стр. 2644
المفردات:
الْغاشِيَةِ المراد: يوم القيامة لأنه يغشى الناس بعذاب أليم. خاشِعَةٌ:
ذليلة. تَصْلى ناراً: تقاسى حرها. آنِيَةٍ: شديدة الحرارة. ضَرِيعٍ:
شائك لا خير فيه. لاغِيَةً: لغو لا فائدة فيه. عَيْنٌ جارِيَةٌ: ينبوع لا ينقطع. سُرُرٌ: جمع سرير. وَأَكْوابٌ: جمع كوب وهو ما نسميه الآن «كباية» . وَنَمارِقُ: جمع نمرقة وهي الوسادة، أو ما نسميه الآن مسندا أو مخدة. وَزَرابِيُّ: جمع زربي وهو البساط، وأصله: النبات إذا كانت فيه حمرة وصفرة وخضرة. بِمُصَيْطِرٍ: بمتسلط. إِيابَهُمْ: رجوعهم.
المعنى:
هل سمعت قصة ذلك اليوم العظيم «١» ؟! إنه يوم يغشى الناس بالعذاب، ويغشى فيه وجوههم النار، يوم يفترق فيه الناس إلى الفريقين، فريق وجوهه يغشاها العذاب خاشعة ذليلة مما رأته من الإهانة والذل وقد كانت في الدنيا تعمل وتتعب، ولكنها لم تأخذ شيئا وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً «٢» ثم هي تقاسى النار وحرها بما قدمت من سيّئ الأعمال، وهي تسقى من عين شديدة الحرارة، إذا عطشت، حتى إذا خوت بطونهم وأحسوا بالجوع والحرمان جيء لهم بطعام من ضريع، لا يسمن لحما، ولا يدفع جوعا، فلا غناء فيه ولا فائدة.
- وقانا الله شرها- فهي فوق ما يتصور العقل، نار وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين.
وأما الفريق الثاني، فهو فريق أهل الجنة، وجوه- يومئذ تدخلها ناعمة- ذات بهجة وحسن نادر ناضرة، وهي- أى: أصحابها- لسعيها في الدنيا راضية، فرحة مستبشرة لأنها أدت عملها، وقامت بواجبها، وهي في جنة عالية المكان والوصف أو
стр. 2645
عالية البناء والركن، لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، بل هو الحديث العذب، والفاكهة الحلوة، التي لا عبث فيها ولا مجون.
انظر إلى وصف أهل الجنة بالسرور والرضا عن أعمالهم في الدنيا، وأنهم في جنة مرتفعة، ثم هم لا يسمعون لغوا فيها، كما نرى عند الأغنياء والمترفين، في تلك الجنة العالية عيون لا ينقطع ماؤها ولا ينضب معينها. وفيها سرر مرفوعة قد أعدت للجلوس عليها أو النوم، وفيها أكواب موضوعة لاستخدامها وتناول المشروب بها وفيها نمارق ووسائد قد صفت على الأرائك والمقاعد، وفيها البسط الجميلة المنقوشة كالزرابى المبثوثة، وفي الواقع فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون.
ولا عجب في هذا!! أنسوا فلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت «١» إنها خلقت على شكل بديع يدل على أن خالقها عليم بها بصير، أرأيت إلى عنقها وطوله وإلى خفها وحافرها كيف أعد للسير في الصحراء وإلى معدتها وكيف وضعت على شكل يسهل معه حفظ الماء أياما، أو لم ينظروا إلى السماء وما فيها كيف رفعت وعلقت في الهواء مع سرعة دورانها وشدة تجاذبها، أو لم ينظروا إلى الجبال كيف نصبت كالأعلام يهتدى بها السارى، ويلجأ إليها الخائف، ويقصدها المتنزه والمصطاف، أو لم ينظروا إلى الأرض كيف سطحت وبسطت، ومهدت للعيش عليها، أما جمع الإبل والسماء والجبال والأرض في سلك واحد فتلك هي أهم المرئيات عند العربي المخاطب بالقرآن الكريم ألا يدل ذلك كله على أنه قادر على كل شيء، إذا كان الأمر كذلك فذكر يا محمد هؤلاء الناس، واحملهم على النظر في ملكوت الله لعلهم يتفكرون، ولا تأس عليهم، إنما أنت مذكر فقط، لست على قلوبهم مسيطرا، إنما الذي يملك القلوب هو الله وحده، فهو الذي يقدر على إلجائهم إلى الإيمان، ولست عليهم مسلطا إلا من تولى وأعرض فسيسلطك الله عليه: أو المعنى: لست مستوليا عليهم لكن من تولى وأعرض فإن الله معذبه العذاب الأكبر، لأن إليه إيابهم، ثم إن عليه حسابهم.
стр. 2646
سورة الفجر
مكية. وآياتها ثلاثون آية، وقد تضمنت القسم على أن الكفار سيعذبون حتما، كما عذب غيرهم من الأمم السابقة، وبيان الإنسان وطبعه وما جبل عليه في الدنيا، وبيان موقفه يوم القيامة.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤)
هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩)
وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)
المفردات:
وَالْفَجْرِ: هو الوقت المعلوم الذي ينبلج فيه النور متتابعا ويظهر ليبدد حجب الظلام. وَلَيالٍ عَشْرٍ: هي الليالى الأولى من كل شهر التي يغالب فيها النور الظلام- وهي غير معينة ولذلك نكرت. وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ: الزوج والفرد من تلك الليالى. يَسْرِ أى: يسرى، بمعنى يجيء ويقبل. حِجْرٍ: عقل.
بِعادٍ: قبيلة من العرب البائدة كان نبيها هودا، وكانت تسكن الأحقاف جنوبي جزيرة العرب. إِرَمَ: لقب لها. ذاتِ الْعِمادِ: رفيعة العماد، وهذا كناية
стр. 2647
عن الغنى والبسطة. ثَمُودَ: قبيلة من العرب البائدة كانت تسكن الحجر بين الشام والحجاز وكان نبيها صالحا. جابُوا: قطعوا الصخر ونحتوه. فِرْعَوْنَ: ملك مصر. ذِي الْأَوْتادِ: الأبنية الثابتة ثبوت الوتد- الذي يدق في الأرض.
طَغَوْا: تجاوزوا الحد. فَصَبَّ: أنزل عليهم العقوبة. سَوْطَ عَذابٍ أصل السوط: الجلد الذي يضفر ليضرب به، والمراد به العذاب الذي ينزل بهم.
لَبِالْمِرْصادِ المرصاد: المكان الذي يقوم فيه الرصد. والرصد من يرصد الأمور ويراقبها ليقف على ما فيها من خير وشر، ويقال للحارس: رصد.
المعنى:
أقسم الحق- ﵎ بالفجر ساعة يظهر فيه الضوء مطاردا للظلام بجحافله، وقت ينفسخ الصبح وإسفاره، لينشق النهار فينتشر الناس والحيوان، والطير والوحوش يبتغى الكل رزقا من عند الله وفضلا، وأقسم كذلك بالليالي العشر من كل شهر، ولا يزال الظلام فيها يغالب القمر وضوءه حتى يغلبه فيسدل على الكون حجبه وأستاره، وأقسم بالشفع من الليالى والوتر منها، وأقسم بالليل بأستاره التي تستر الكون فيختفى النهار، ويظهر الشفق في الأفق، أقسم بهذا كله ليلفت النظر إلى عجائب الكون وآثار قدرة الله لعلهم يتفكرون، أقسم ليقعن الكفار في قبضة القوى القادر، وليعذبهم عذابا شديدا كما عذب غيرهم من الأمم التي كذبت وكفرت، وكان عاقبة أمرها خسرا، وها هي ذي أخبارهم بالإجمال. ألم تر كيف فعل ربك بعاد بعد أن أرسل لها هودا فكذبته وكفرت بالله. وإرم لقبها «١» ، وكانت تسكن الخيام وتتخذ البيوت من الشعر إلا أنها كانت رفيعة العماد، قوية الجناب، لم يكن يضاهيها أحد، ولم يخلق مثلها في البلاد قوة وعددا. وقد ذكر الله أخبار عاد، وثمود، وفرعون، بالتفصيل في سور أخرى كالحاقة وغيرها.
أما ثمود فكانوا ينحتون من الجبال بيوتا حالة كونهم فارهين، وكانوا يقطعون الصخر وينحتونه لبناء مساكنهم، وهذه شهادة لهم بقوة العمل وسعة الفكر، وأما فرعون وما أدراك ما فرعون؟ إنه ملك مصر وصاحب الحول والطول الذي كان
стр. 2648
يقول: أنا ربكم الأعلى، وكان قومه قد برعوا في فن الهندسة والعمارة حتى بنوا الأهرام وأقاموا التماثيل والمسلات، وما أروع التعبير بقوله: ذِي الْأَوْتادِ فتلك أبنية ثابتة شامخة ثبوت الأوتاد في الأرض، وإذا نظرنا إلى الهرم وجدناه أشبه ما يكون بالوتد المقلوب، هؤلاء جميعا طغوا وبغوا وتجاوزوا الحد في البلاد، ونشأ عن ذلك أنهم أكثروا فيها الفساد، فأنزل الله عليهم من العقوبات والعذاب الدنيوي ما يشبه ضرب السياط المتتابعة المتتالية، وما أدق قوله تعالى: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ حيث شبه الله ما أوقعه بهم من أنواع المهلكات وأصناف العذاب بضرب السياط الذي يكون في أشد العقوبات والله- ﷻ إنما يعذب الأمم جزاء لما كانوا يعملون إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ فهو يجازى المسيء على إساءته، ولا يفوته واحد منهم، ولن يعجزه أحد في الأرض ولا في السماء، فاطمئنوا أيها المسلمون فغدا يلقى كل جزاءه، واحذروا أيها المشركون فهؤلاء كانوا أشد منكم قوة وأكثر حجما.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٥ الى ٣٠]
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩)
وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤)
فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩)
وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)
стр. 2649
المفردات:
ابْتَلاهُ: اختبره بما فعله معه. وَنَعَّمَهُ: صيره مكرما يتمتع بالنعم.
وَلا تَحَاضُّونَ: لا يحض بعضكم بعضا على إطعام المسكين. التُّراثَ:
الميراث. لَمًّا: شديدا. جَمًّا: كثيرا. دُكَّتِ الْأَرْضُ الدك: الدق والهدم، ومنه: اندك سنام البعير: إذا انغرس في ظهره. وَلا يُوثِقُ الوثاق: الشد والربط بالسلاسل والأغلال. الْمُطْمَئِنَّةُ
: المستقرة الثابتة المتيقنة بالحق فلا يخالجها فيه شك.
المعنى:
هذا هو الرب- سبحانه- مع المخلوقين، فإن أردت أن تعرف الإنسان: فأما إذا ما ابتلاه بالخير في الدنيا أصابه الغرور، وقال: إن الله أكرمنى، ومن يكرمه الله في الدنيا فلا يعذبه في الآخرة مهما فعل من المعاصي، وإذا ما ابتلاه بأن ضيق عليه رزقه يقول: ربي أهاننى، ويظن أن من صغرت قيمته عند ربه لم يبال به ولا بعمله فتراه قد وقع في المعاصي وانخرط مع الجبارين، فكأن الغنى والفقر امتحان لا ينجو منه إلا قليل، لم يبتل الله الإنسان بالغنى لكرامته عنده، وإلا لما رأيت كثيرا من الصالحين المقربين فقراء ليس عندهم ما يكفيهم كلا: لم تكن الدنيا دليلا على هذا وذاك، وكان العرب يظنون أنهم على شيء يرضى الله، وكانوا يتوهمون أنهم على دين أبيهم إبراهيم الخليل فرد الله عليهم بأنهم ليسوا على شيء بدليل أنهم لا يكرمون اليتيم بل يأخذون ماله ظلما، ولا يحسنون إليه، ولا يحض بعضهم بعضا على إطعام المساكين، فكرمهم للرياء والسمعة، لا للإنسانية. وهم يأكلون الميراث أكلا بنهم وشدة، ويحبون المال أيا كان حبا شديدا كثيرا، أليس هذا دليلا على أن هؤلاء الكفار المغرورين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، وأنهم ليسوا على شيء يرضى الله ولا يرضى أحدا من أنبيائه.
стр. 2650
كلا وألف كلا!! لا ينبغي أن تكونوا كما وصفكم القرآن، ومن كان كذلك فإنه إذا دكت الأرض دكا وقامت القيامة قياما، وجاء ربك- والله أعلم بكيفية المجيء ولكن نؤمن به «١» - والملك ... !! قاموا وأحدقوا بالناس جميعا- وخاصة الكفار- صفوفا صفوفا، وجئ يومئذ بجهنم وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى «٢» يوم إذ يحصل هذا فقط يتذكر الإنسان أنه أخطأ وأهمل، وكذب وعصى، ولكن هل ينفعه ذلك؟! لا.
وأنى له الذكرى؟! يقول الإنسان الذي عصى في الدنيا: يا ليتني قدمت عملا ينفعني في تلك الحياة الأبدية.
وكأنها هي الحياة فقط وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ «٣» .
فيومئذ لا يعذب عذاب ربك أحد، بل هو الذي يتولى العذاب وحده بلا شريك ولا يوثق أحدا من خلقه غيره، وهذا لأن الأمر يومئذ أمره.
هذا شأن الإنسان المادي، وهذا جزاؤه ونهايته في الآخرة.
أما الإنسان إذا صفت روحه وسمت عن الماديات، كانت نهايته يوم القيامة سعيدة، ويقال له: يا أيتها النفس المطمئنة الواثقة في الله وفي لقائه، والمستيقنة بنور الحق الذي لا يخالجه شك، أيتها النفس ارجعي إلى ربك، وأحظي بشرف لقائه ورضوانه، ارجعي إلى ربك راضية عن عملك في الدنيا مرضية عنك لأن من كان معها قد رضى عنها، والله قد رضى عنها، وذلك هو الفوز العظيم، فادخلي أيتها النفس في عداد عبادي الصالحين المقربين لأنك عملت عملهم، وادخلى جنتي.
والرجوع إلى الله تمثيل لكرامة بعض خلقه عنده وإلا فالله معنا حيث كنا.
стр. 2651
سورة البلد
مكية على الصحيح، وآياتها عشرون آية، وهي تتضمن القسم على أن الإنسان في كبد. وأن المغرور يظن أن لن يقدر عليه أحد، ثم بيان بعض نعم الله على الإنسان، ثم دعوته لاقتحام العقبة، مع بيان أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة.
[سورة البلد (٩٠) : الآيات ١ الى ٢٠]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤)
أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩)
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)
يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩)
عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)
المفردات:
كَبَدٍ: تعب ومشقة. لُبَداً: كثيرا. وَهَدَيْناهُ: دللناه وبينا له.
النَّجْدَيْنِ النجد: الطريق المرتفع، والمراد هنا سبيلا الخير والشر. اقْتَحَمَ اقتحم الدار: دخلها بشدة وصعوبة. الْعَقَبَةَ: الطريق الصعب، والمراد المشاق
стр. 2652
التي تصادفك. فَكُّ رَقَبَةٍ: عتقها. ذِي مَسْغَبَةٍ المسغبة: المجاعة، والسغب: الجوع. مَقْرَبَةٍ: قرابة. مَتْرَبَةٍ يقال: ترب فلان: إذا افتقر، أى: أصبحت يده ملتصقة بالتراب. بِالْمَرْحَمَةِ: الرحمة بالناس. مُؤْصَدَةٌ وقرئت موصدة، والمراد: محيطة بهم ومغلقة عليهم.
المعنى:
ابتدأ الله هذه السورة الكريمة بعبارة تدل على القسم وتأكيده- كما بيناه في سورة القيامة وفي سورة التكوير وفي سورة الانشقاق-: أقسم بهذا البلد، والمراد مكة المكرمة التي جعلت حرما آمنا جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ «١» فيها الكعبة التي هي قبلة المسلمين، وفيها مقام إبراهيم، وفيها ظهور النور المحمدي الذي كان قياما للناس، وأقسم بكل والد وما ولد من إنسان وحيوان ونبات، أقسم بهذا كله على أن الإنسان خلق في تعب ومشقة، ولعلك تسأل ما السر في قوله: وأنت حل بهذا البلد؟ أى مكة، وقد جعل معترضا بين ما أقسم به من هذا البلد والوالد والولد وبين المقسم عليه، فأقول لك: هذا تفخيم لمكة ورفع لشأنها، أى: أقسم بهذا البلد، والحال أن أهلها قد استحلوا إيذاءك وإيلامك- وهذا معنى: وأنت حل، أى:
مستحل لهم- فهم لم يرعوا حرمة بلدهم في معاملتك، وفي هذا إيقاظ لضميرهم، وتعنيف لهم على فعلهم مع النبي ﷺ ولعلك تسأل: وما العلاقة بين القسم والمقسم عليه؟ والجواب: أنه جاء تسلية للنبي ﷺ فهو في مكة وقد ناله ما ناله من تعب ومشقة، وهذا المتعب مما يخفف عنه أن يعلم أن أفراد الإنسان كلهم في تعب ومشقة، ولا تنس أن ذكر الوالد والولد مما يبشر أن مكة ستلد ما به تفخر الإنسانية كلها وتعتز:
وإن يكن هذا مع تعب ومشقة، وكلنا يعرف ما يلاقي الولد والوالد في ذلك حتى البذرة في الأرض وعند الحصاد.
أيحسب «٢» الإنسان المغرور بقوته المتباهى بشدته رغم ما هو فيه من تعب ونصب أن لن يقدر عليه أحد؟! وهذا نوع منه، وذاك نوع آخر يقول: أهلكت مالا كثيرا،
стр. 2653
وإن كان في الشر، وهذا قول المفتونين بمالهم وغناهم، أيظن أولئك أن الله لم يرهم، إن الله يعلم ما أنفق، ولا يقبل منه إلا الطيب.
يقول الشيخ محمد عبده- ﵀ في تفسيره: بعد أن أخبر الله- جل شأنه- بأن الإنسان قد خلق في كبد لام الجاهل المغرور على غروره حتى كأنه يظن أن لن يقدر عليه أحد. مع أن ما هو فيه من المكابدة كاف لإيقاظه من غفوته واعترافه بعجزه، وبعد أن وبخ المرائين الذين ينفقون أموالهم طلبا للشهرة وحبا في الأحدوثة مع حسن النية، أراد أن يبين لهؤلاء وأولئك أنه مصدر لأفضل ما يتمتعون به من البصر والنطق والعقل المميز بين الخير والشر.
أما كان الأجدر بالإنسان: وقد خلق الله له العين ليبصر بها، واللسان والشفة ليتكلم وينطق بهما، وهداه إلى طريق الخير والشر بما وهبه من عقل مميز، وبما أرسل له من رسل وبما أنزل عليه من كتب، وترك له بعد ذلك حرية الاختيار، أما كان يجدر به أن يختار سبيل الخير، وينأى بنفسه عن سبيل الشر، ويصعد بها عن الدنايا ويقتحم العقبة التي في طريقه- وللإنسان عقبات من نفسه وشيطانه وهما أدنياه- وذلك بأن يكون جودا لله فيفك الرقبة ويعتقها أو يعمل على ذلك بكل قواه، أو يطعم في المجاعة والشدة يتيما، والقريب أولى، أو مسكينا يده ملصقة بالتراب لا يجد شيئا، ثم كان بعد ذلك من المؤمنين الكاملين الذين يتواصون بالصبر على تحمل المكاره في سبيل الله، ويتواصون أى: يوصى بعضهم بعضا بالرحمة على خلق الله، لا تنس أن السورة تدور حول تسلية النبي ليتحمل أذى قومه.
أولئك- الموصوفون بما ذكر- هم أصحاب الميمنة السابقون السعداء في الآخرة، أما من كفر بآيات ربه الكونية والقرآنية فأولئك هم أصحاب المشأمة: أصحاب الشمال الأشقياء الخالدون في جهنم كما يشير إلى ذلك قوله: عليهم نار مطبقة من كل جانب، فلا خلاص لهم منها.
стр. 2654
سورة الشمس
مكية. وآياتها خمس عشرة آية، وهي تتضمن الحث على تزكية النفس، والقسم على أن العذاب واقع على المكذبين لا محالة كما وقع على ثمود قديما.
[سورة الشمس (٩١) : الآيات ١ الى ١٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤)
وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩)
وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤)
وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)
المفردات:
وَضُحاها الضحى: الضوء، أو: هو النهار كله، والأصل فيه أنه انبساط الشمس وامتداد النهار. تَلاها: تبعها واستمد نوره منها. جَلَّاها: كشفها وأظهرها وأتم وضوحها. يَغْشاها: يزيل ضوءها. طَحاها أى: بسطها ووسعها. وَما سَوَّاها: عدلها وكملها بخلق القوى والغرائز التي بها الحياة.
فَأَلْهَمَها الإلهام: هو الإفهام أو التمكين والإقدار. فُجُورَها الفجور: هو
стр. 2655
الإتيان بما يسبب الهلاك والخسران. وَتَقْواها: التقوى دَسَّاها: النقص والإخفاء، ومن سلك طريق الشر والمعصية فقد أنقص نفسه عن مرتبة الكمال.
بِطَغْواها: بسبب طغيانها. انْبَعَثَ: أسرع. وَسُقْياها: شربها الخاص بها. فَدَمْدَمَ: أطبق عليهم. فَسَوَّاها أى: سوى عليهم الأرض، أو لم يفرق بين واحد منهم وواحد.
المعنى:
أقسم الحق- ﵎ بالشمس على أنها كوكب سيار مع ضخامتها وكبر حجمها وقوة ضوئها، وبضحاها، أى: ضوئها وحرها، وهما مصدر الحياة، ومبعث الحركة، ومنبع نور الكون في النهار والليل، وأقسم بالقمر إذا تلاها في ارتباط مصالح الناس به، وتبيين المواقيت، وإضاءة الكون، ومن هنا كان حساب السنين إما بالسنة الشمسية أو بالسنة القمرية، والقمر يتلو الشمس ولأنه يستمد نوره منها، والغريب أن هذا الرأى لبعض العلماء القدامى، وجاء العلم مؤيدا له، وأقسم بالنهار إذا جلاها، أى: أظهر الشمس وأتم نورها، والنهار من الشمس، وكلما كان أجلى كانت الشمس كذلك لأن قوة الأثر تدل على قوة المؤثر فصح بهذا قوله- جل شأنه-:
وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها ترى أن الله أقسم بالضوء الذي يعم الكون عن طريق مباشر كما في الشمس أو عن طريق غير مباشر كما في القمر، وبالنهار الذي هو زمانه، ثم بعد ذلك أقسم بالليل إذا يغشى الشمس ويستر ضوءها عنا فالنهار يظهرها، والليل يسترها، فسبحان من خلق هذا، وإذا كانت الشمس يجليها النهار ويسترها الليل هل يعقل أن تعبد وتكون إلها؟! وأقسم بالسماء وعوالمها وقد بناها الله وأحكم رباطها، وقوى جاذبيتها فلا ترى فيها خللا ولا عوجا لأنها صنعة الحكيم القادر. وأقسم بالأرض وما طحاها، أى: بسطها في نظر العين ووسعها ليعيش عليها الخلق، وأقسم بالنفس «١» والذي سواها وأحكم
стр. 2656
أمرها ومنحها القوى والغرائز التي تستكمل بها الحياة، فترتب على ذلك أن خلق لها عقلا يميز بين الخير والشر وذلك من تمام التسوية، وأقدرها على فعل المعصية التي تهلكها والخير الذي ينجيها ويقيها من السوء، قد أفلح من زكاها ونماها وأعلاها. وقد خاب وخسر من دساها حتى جعلها في عداد نفوس الحيوانات. فإن الإنسان يرتفع عن الحيوان بتحكم العقل والسمو بالنفس عن مزالق الشهوات، أما إذا انحط إلى المعاصي وحكم الشهوة في نفسه كان هو والحيوان سواء. ويصدق عليه: أنه دسى نفسه وأنقص مرتبتها وجعلها في عداد نفوس الحيوانات التي تحكمها شهوتها لا عقلها.
أقسم الله بذلك كله والمقسم عليه محذوف لتذهب فيه النفس إلى كل مذهب، وتقديره: لتبعثن، أو ليحاسبن المسيء على إساءته، والمحسن على إحسانه، وربما كان هذا هو الظاهر والدليل عليه هو ذكر قصة ثمود هنا، وقيل: إن الجواب (قد أفلح من زكاها) واللام حذفت منه، وقصة ثمود مع نبيهم صالح ذكرت قبل هذا.
كذبت ثمود بسبب طغيانهم حين انبعث أشقاهم الذي عقر الناقة، فقال لهم رسول الله صالح: احذروا ناقة الله وسقياها، وأطبق عليهم العذاب، ولم يترك منهم أحدا لأنهم رضوا عن فعل صاحبهم، والله لا يخاف عاقبة ما فعل بهم، لأنه عادل في حكمه وقوى قادر في عمله.
стр. 2657
سورة الليل
مكية على الصحيح. وآياتها إحدى وعشرون آية، وفيها أقسم الله على أن الناس مختلفون في العمل والثواب، ثم أنذرهم نارا حامية أعدت لمن عصى وحرمت على من أطاع، وهذه السورة قيل: إنها نزلت في أبى بكر- رضى الله عنه- ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
[سورة الليل (٩٢) : الآيات ١ الى ٢١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩)
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤)
لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩)
إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)
المفردات:
يَغْشى: يستر الكل بظلامه ويواريه. تَجَلَّى: ظهر وانكشف لَشَتَّى: جمع شتيت، وهو المتباعد بعضه عن بعض، والمراد: مختلف نوعا
стр. 2658
وجزاء. بِالْحُسْنى: بالخصلة الحسنى. لِلْيُسْرى: للخصلة السهلة التي تنتج خيرا. لِلْعُسْرى: للخصلة المعقدة والفعلة المتعبة التي لا تنتج إلا شرا.
تَرَدَّى: هوى وسقط والمراد نزل إلى قبره. تَلَظَّى أصلها: تتلظى، أى:
تتوهج وتتقد. لا يَصْلاها: لا يحترق بها. إِلَّا الْأَشْقَى: كثير الشقاء.
سَيُجَنَّبُهَا: يبعد عنها. الْأَتْقَى: المبالغ في التقوى. تُجْزى: تستحق الجزاء.
المعنى:
أقسم الحق- ﵎ بالليل إذا يغشى هذا الكون بجحافله، لا يفلت منه شيء، والليل الذي يستر الكل بظلامه، ويواريه تحت جنحه فيسكن الكون، ويموت الحي ميتة صغرى، وأقسم بالنهار إذا تجلى وانكشف بطلوع الشمس فانكشف بظهوره كل شيء، ودبت الحياة في الحي، واستيقظ الكل يسعى وراء العيش، بعد طول الهجود والنوم. فسبحانك يا رب جعلت الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وماذا كان الحال لو أن الليل كان دائما أو النهار؟! وأقسم بالذي خلق الزوجين الذكر والأنثى من المنى مع أن الماء واحد، والمكان واحد، ولكنه- ﷻ يهب لمن يشاء إناثا، ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما، سبحان الله خلق الليل والنهار، والضوء والظلام، والذكر والأنثى، على أن المادة واحدة في الجميع، ثم أقسم بهذا كله على أن سعيكم أيها الناس لمختلف نوعا وجنسا وغاية ونهاية، قل كل يعمل على شاكلته أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
«١» ؟ لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ «٢» . أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ «٣» ؟.
стр. 2659
فأما من أعطى بعض ما عنده وبذل ما في وسعه، واتقى الله ومحارمه، ونهى النفس عن الهوى، وصدق بالحسنى والفضيلة تصديقا قلبيا مقرونا بالعمل الخالص فالله يجزيه ويهديه وييسر له الخصلة اليسرى والفعلة الطيبة لأن قلبه قد ملئ بالنور، واعتاد الخير، وأما من بخل بما عنده واستغنى به عن الناس، فلم يعمل لهم خيرا ولم ينظر لهم، لأنه مغرور بما عنده، وكذب بالفضيلة فالله يجزيه ولا يهديه، وييسره دائما للفعلة العسرى التي فيها حتفه وهلاكه، فكان الأول من أهل الجنة، وكان الثاني من أهل النار.
من صدق بالحسنى وعمل لها فأعطى واتقى. يسره الله لأيسر الخطتين وأسهلهما في أصل الخلقة وهي خطة تكميل النفس بالكمال وفعل الصالحات لتسعد بمزاياها في الدنيا والآخرة، وهذا- كما يقولون- أصل العادة التعود، فإذا تعودت أولا فعل الخير أصبح عادة لك بتيسير الله وهذا معنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى والعكس صحيح فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى لأن من مرنت نفسه على فعل الشر، واستشرى معها الفساد فإن الله- على حسب سنته- يسهل له تلك الخطة العسرى وهي الخطة التي يحط فيها الإنسان من نفسه ويرتمى في أحضان الرذيلة، أو إذا تردى في قبره وسقط، فماذا يغنى عنه ماله؟! ولكن كيف يحاسب الله العبد على ذنب أطلق له الإرادة فيه ومكنه من عمله! والجواب تكفل به القرآن فقال ما معناه: إن علينا وقد خلقنا الإنسان للعبادة، أى:
ليحرز الثواب في الدنيا والآخرة أن نهديه وندله على طريق الخير والشر، ونطلق اختياره، ونمكنه من العمل، وهذا تقويم له وتشريف، فمن يعمل بعد ذلك خيرا يثب عليه أو شرا يجاز عليه، وهذا كقوله تعالى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ وإن لله الآخرة والأولى، والله أنذركم أيها الناس نارا تلتهب وتحترق بشدة فاحذروها. فإنه لا يصلاها ولا يحترق بها إلا الشقي المبالغ في الكفر أو المعصية ولم يتب، وهو الذي كذب بالله وكفر. وتولى عن الحق وأعرض عنه، ولم يرجع إليه في لحظة من اللحظات، وسيبعد عنها التقى المبالغ في التقوى والهداية الذي يؤتى ماله يتزكى به لوجه الله، وليس لأحد عنده من نعمة أو يد يجازيه عليها لكن كل عمله وصدقته ابتغاء وجه الله ورضوانه وهذا الصنف سيعطيه الله في الدنيا والآخرة حتى يرضى. ألم يبين الله لكم أيها الناس طريق الخير وطريق الشر ونهاية كل، فمن يعمل بعد ذلك مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذررة شرّا يره، على أن العقل وحده وطبيعة الإنسان قد تدرك أصل الخير والشر.
стр. 2660
سورة الضحى
مكية. وعدد آياتها إحدى عشرة آية، وفيها يقسم الله، أنه ما ودع محمدا ﷺ وما قلاه، وأن آخرته خير من أولاه، وأنه يعطيه حتى يرضيه، ثم يطلب منه الإقرار ببعض النعم عليه، ثم إرشاده إلى بعض الفضائل.
[سورة الضحى (٩٣) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤)
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩)
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)
المفردات:
وَالضُّحى: ضوء الشمس في شباب النهار. سَجى: سكن.
وَدَّعَكَ: تركك. ما قَلى يقال: قلاه يقلاه، ويقليه: إذا أبغضه وكرهه.
فَآوى: أسكن ورعى. ضَالًّا: حائرا، فليس من الضلال بل من الحيرة.
فَهَدى: فوفقك إلى أحسن طريق. عائِلًا: فقيرا. فَلا تَقْهَرْ:
فلا تذله. فَلا تَنْهَرْ: لا تزجر.
стр. 2661
المعنى:
أقسم الحق- ﵎ بالضحى ساعة ارتفاع الشمس أو النهار، وساعة امتلاء الكون بالحياة والضوء والحرارة، وأقسم بالليل إذا سكن «١» وهدأ كل ما فيه بعد حركة واضطراب. أقسم بهذا وذاك على أنه ما تركك يا محمد وما كرهك، وكيف ذلك وأنت الحبيب المختار والرسول الأمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين.
ولقد اتصل بالنبي ﷺ الأمين جبريل حينما بعث، وهذا الاتصال لأنه بين ملك وبشر كان شديدا على النبي ﷺ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ لهذا فتر الوحى وانقطع لتطمئن نفس الرسول ويتجدد عزمه، وتقوى نفسه على ملاقاة جبريل، فيبحث عنه ويطلبه، فكانت فترة الوحى تأديبا وتطمينا وإصلاحا.
ولقد تاقت نفسه الشريفة إلى ملاقاة ربه عن طريق جبريل واشتاق إلى ذلك. ومع الشوق قلق وخوف. فأراد الحق أن يطمئن الرسول على ما يطلب بذكر ما صنعه معه.
وتبشيره بمستقبل زاهر، وأن هذه الفترة لم تكن عن ترك ولا بغض وأقسم له على ذلك.
ولعلك تسأل عن العلاقة بين القسم بالضحى والليل وبين المقسم عليه؟ والجواب أن الوحى وانقطاعه للاستجمام والتقوية والاطمئنان كان أشبه بالضحى وما فيه من حركة وحياة ثم ما يعقبه من ليل يسكن فيه الكون ليستجم ويستعد لكفاح وحياة أخرى سعيدة.
والضحى والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما تركك عن غضب عليك. واعلم أن الآخرة- أى: الأيام المستقبلة الآتية- خير بلا شك من أيامك هذه، فثق أن دعوتك وحياتك تنتقل من طور إلى طور أحسن، وإن يكن في ذلك نوع من التعب والمشقة، ولسوف يعطيك ربك من توارد الوحى الذي تطلبه لإرشاد قومك، وهداية العالم ما به ترضى وتطمئن، ولا عجب في ذلك ولا غرابة، ألم يجدك «٢» يتيما فآواك
стр. 2662
وأيدك ورعاك، وقد ولد النبي يتيما إذ مات أبوه وهو في بطن أمه، فلما ولد عطف الله قلب جده عليه فرعاه وحنا عليه حنوا كثيرا، ثم لما مات جده عبد المطلب كفله عمه أبو طالب بأمر من جده، وكان شديد الحرص عليه كثير العطف والحماية له.
وقد كان النبي ﷺ ذا روح قوية نقية طاهرة فكان يرى أن قومه على ضلال، وأن الأديان المحيطة بهم كاليهودية، فأصابته حيرة من أمره، وفر من هذا المجتمع، وحبب إليه الخلاء والمكث في الغار حتى أنقذه الله من حيرته، وهداه إلى أسمى شريعة وأعظم دين:
وهذه الحيرة التي كان فيها النبي ﷺ هي التي عبر عنها القرآن بالضلال، وإلا فالنبي ﷺ نشأ طاهرا مطهرا لم يدنس نفسه بالسجود إلى صنم، ولم يقترف فاحشة أبدا، بل ذهب مرة ليستمع إلى حفل فيه غناء فنام حتى أيقظته الشمس، وهو الملقب بالأمين، وقد كان فقيرا- لم يرث عن أبيه إلا ناقة وجارية- فأغناه الله بالقناعة، وجعله عزوفا عن الدنيا، وأدر عليه بعض المال من تجارته في مال خديجة، إذا كان الأمر كذلك وقد غمرك الله بفضله يا محمد، فأما اليتيم فلا تقهره أبدا، وأنت سيد الأيتام وزعيمهم، وأما السائل فلا تنهره، وقد كنت ضالا فهداك الله، وأما بنعمة ربك فحدث بالإنفاق، وقد كنت فقيرا فأغناك الله.
стр. 2663
سورة الانشراح
مكية. وآياتها ثمان آيات، وهي كسابقتها في تعداد النعم التي من الله بها على نبيه، مع تطمينه، وحثه على العمل.
[سورة الشرح (٩٤) : الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)
المفردات:
نَشْرَحْ الشرح: التوسعة والبسط، وشرح الصدر: كناية عن السرور وانبساط النفس. وِزْرَكَ الوزر: الحمل الثقيل. أَنْقَضَ ظَهْرَكَ: أثقله.
الْعُسْرِ: الصعوبة والشدة. يُسْراً: سهولة ولينا. فَانْصَبْ: فاتعب في تحصيل غيره. فَارْغَبْ: فاتجه إلى الله وحده.
هذه السورة كأنها امتداد للسورة السابقة، ولذا تراها مرتبطة معها أشد ارتباط حتى قال بعضهم: إنهما سورة واحدة.
المعنى:
قر يا محمد واعترف- بهذه الحقيقة التي لا ينكرها أحد- بأنا شرحنا لك صدرك، وجعلناه يتسع لكل ما يصادفه، شرحنا صدرك للقيام بالدعوة خير قيام وتحمل أعبائها
стр. 2664
بنفس راضية وقلب مطمئن، وقد كان الرسول يضيق صدره بما يقولون. ويتألم مما يفعلون إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ «١» .
وهذه الدعوة العامة الشاملة التي جاء بها النبي ﷺ يدعو بها العرب الجاهلين والناس أجمعين، هذه الدعوة عبء ليس بالخفيف بل عبء من أشد ما يكون، وحمل تنوء به كواهل الفطاحل، وينقض لأجله ظهور الأكابر، ولكن الله بما تعهد به لنبيه المصطفى من الآيات والإرشادات، والتوجيهات قد وضع عنه وزره الذي أثقل ظهره لولا لطف الله.
ولقد رفع له ذكره، وهل هناك رفعة أعلى من اقتران اسمه باسم الله في الأذان والتكبير، والدعاء والصلاة، ألم يجعل الله طاعة رسوله من طاعته، وحبه من محبته؟
وأى مكانة أرفع من أن يكون له في كل ركن في الأرض أتباع وأنصار يدينون للنبي بالطاعة والولاء؟
ألم تر إلى الصحابة وهم يتسابقون إلى مجلسه والتمتع بحلو حديثه، والاستشفاء بمخالفاته؟ تلك بعض نعمه على رسوله، والله أعلم بغيرها.
نعم ما قد شرح الله صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره ليس في الأرض فقط، بل عند سدرة المنتهى، عند جنة المأوى، وكان هذا كله بعد أن لحق بالنبي ما لحق من أذى قومه وعنتهم، حتى ضاق صدره، ولا عجب في ذلك، فإن مع العسر يسرا: وانظر إلى قوله: مع العسر، ثم إلى قوله: يسرا، أى: بالتنكير، وكما
يقول الرسول: لن يغلب عسر يسرين «٢»
أما العسر الذي كان عند النبي ﷺ والصحابة فهو الفقر وقلة الصديق، وقوة العدو وشدة مقاومته، وقد جاءهم اليسر فكثر المال والصديق، وضعف قوة العدو، وأما قوة المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم
стр. 2665
خصاصة، يحبون إخوانهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، إن قتلوا فهم الشهداء، وإن عاشوا فهم السعداء، فقد كانت- ولا تزال- مضرب الأمثال.
وهل كل عسر يعقبه يسر كما هو ظاهر في القرآن؟ الظاهر- والله أعلم- أنه كذلك متى سار صاحب العسر على سنن الله الكونية، فتذرع بالصبر، واستعد للمقاومة وصابر نفسه وصبر على المكروه، وعمل على التخلص منه، عند ذلك يرزق اليسر، بأى شكل وعلى أى وجه، أما إذا حقت كلمة الله فإن صاحب العسر يتخبط في سيره، فينطبق عليه قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ «١» والأمر كله أولا وأخيرا لله، والمشاهد أن مع العسر يسرا، ولكن اليسر يختلف تبعا لحكم يعلمها الله، وانظر إلى التربية القرآنية، وإلى النصيحة الإلهية للحبيب المصطفى، وكذلك كل فرد يريد أن يهتدى بنور القرآن. فإذا فرغت من أى عمل خير فانصب في غيره واعمل على تحقيقه بتوفيق الله، وإلى الله وحده فارغب، وعليه وحده فتوكل، فإنه نعم المولى، ونعم النصير.