← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

المعنى: أقسم الحق- ﵎ بالضحى ساعة ارتفاع الشمس أو النهار، وساعة امتلاء الكون بالحياة والضوء والحرارة، وأقسم بالليل إذا سكن «١» وهدأ كل ما فيه بعد حركة واضطراب. أقسم بهذا وذاك على أنه ما تركك يا محمد وما كرهك، وكيف ذلك وأنت الحبيب المختار والرسول الأمين، وخاتم الأنبياء والمرسلين. ولقد اتصل بالنبي ﷺ الأمين جبريل حينما بعث، وهذا الاتصال لأنه بين ملك وبشر كان شديدا على النبي ﷺ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ لهذا فتر الوحى وانقطع لتطمئن نفس الرسول ويتجدد عزمه، وتقوى نفسه على ملاقاة جبريل، فيبحث عنه ويطلبه، فكانت فترة الوحى تأديبا وتطمينا وإصلاحا. ولقد تاقت نفسه الشريفة إلى ملاقاة ربه عن طريق جبريل واشتاق إلى ذلك. ومع الشوق قلق وخوف. فأراد الحق أن يطمئن الرسول على ما يطلب بذكر ما صنعه معه. وتبشيره بمستقبل زاهر، وأن هذه الفترة لم تكن عن ترك ولا بغض وأقسم له على ذلك. ولعلك تسأل عن العلاقة بين القسم بالضحى والليل وبين المقسم عليه؟ والجواب أن الوحى وانقطاعه للاستجمام والتقوية والاطمئنان كان أشبه بالضحى وما فيه من حركة وحياة ثم ما يعقبه من ليل يسكن فيه الكون ليستجم ويستعد لكفاح وحياة أخرى سعيدة. والضحى والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما تركك عن غضب عليك. واعلم أن الآخرة- أى: الأيام المستقبلة الآتية- خير بلا شك من أيامك هذه، فثق أن دعوتك وحياتك تنتقل من طور إلى طور أحسن، وإن يكن في ذلك نوع من التعب والمشقة، ولسوف يعطيك ربك من توارد الوحى الذي تطلبه لإرشاد قومك، وهداية العالم ما به ترضى وتطمئن، ولا عجب في ذلك ولا غرابة، ألم يجدك «٢» يتيما فآواك

стр. 2662

وأيدك ورعاك، وقد ولد النبي يتيما إذ مات أبوه وهو في بطن أمه، فلما ولد عطف الله قلب جده عليه فرعاه وحنا عليه حنوا كثيرا، ثم لما مات جده عبد المطلب كفله عمه أبو طالب بأمر من جده، وكان شديد الحرص عليه كثير العطف والحماية له. وقد كان النبي ﷺ ذا روح قوية نقية طاهرة فكان يرى أن قومه على ضلال، وأن الأديان المحيطة بهم كاليهودية، فأصابته حيرة من أمره، وفر من هذا المجتمع، وحبب إليه الخلاء والمكث في الغار حتى أنقذه الله من حيرته، وهداه إلى أسمى شريعة وأعظم دين: وهذه الحيرة التي كان فيها النبي ﷺ هي التي عبر عنها القرآن بالضلال، وإلا فالنبي ﷺ نشأ طاهرا مطهرا لم يدنس نفسه بالسجود إلى صنم، ولم يقترف فاحشة أبدا، بل ذهب مرة ليستمع إلى حفل فيه غناء فنام حتى أيقظته الشمس، وهو الملقب بالأمين، وقد كان فقيرا- لم يرث عن أبيه إلا ناقة وجارية- فأغناه الله بالقناعة، وجعله عزوفا عن الدنيا، وأدر عليه بعض المال من تجارته في مال خديجة، إذا كان الأمر كذلك وقد غمرك الله بفضله يا محمد، فأما اليتيم فلا تقهره أبدا، وأنت سيد الأيتام وزعيمهم، وأما السائل فلا تنهره، وقد كنت ضالا فهداك الله، وأما بنعمة ربك فحدث بالإنفاق، وقد كنت فقيرا فأغناك الله.

стр. 2663

سورة الانشراح مكية. وآياتها ثمان آيات، وهي كسابقتها في تعداد النعم التي من الله بها على نبيه، مع تطمينه، وحثه على العمل. [سورة الشرح (٩٤) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) المفردات: نَشْرَحْ الشرح: التوسعة والبسط، وشرح الصدر: كناية عن السرور وانبساط النفس. وِزْرَكَ الوزر: الحمل الثقيل. أَنْقَضَ ظَهْرَكَ: أثقله. الْعُسْرِ: الصعوبة والشدة. يُسْراً: سهولة ولينا. فَانْصَبْ: فاتعب في تحصيل غيره. فَارْغَبْ: فاتجه إلى الله وحده. هذه السورة كأنها امتداد للسورة السابقة، ولذا تراها مرتبطة معها أشد ارتباط حتى قال بعضهم: إنهما سورة واحدة. المعنى: قر يا محمد واعترف- بهذه الحقيقة التي لا ينكرها أحد- بأنا شرحنا لك صدرك، وجعلناه يتسع لكل ما يصادفه، شرحنا صدرك للقيام بالدعوة خير قيام وتحمل أعبائها

стр. 2664

بنفس راضية وقلب مطمئن، وقد كان الرسول يضيق صدره بما يقولون. ويتألم مما يفعلون إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ «١» . وهذه الدعوة العامة الشاملة التي جاء بها النبي ﷺ يدعو بها العرب الجاهلين والناس أجمعين، هذه الدعوة عبء ليس بالخفيف بل عبء من أشد ما يكون، وحمل تنوء به كواهل الفطاحل، وينقض لأجله ظهور الأكابر، ولكن الله بما تعهد به لنبيه المصطفى من الآيات والإرشادات، والتوجيهات قد وضع عنه وزره الذي أثقل ظهره لولا لطف الله. ولقد رفع له ذكره، وهل هناك رفعة أعلى من اقتران اسمه باسم الله في الأذان والتكبير، والدعاء والصلاة، ألم يجعل الله طاعة رسوله من طاعته، وحبه من محبته؟ وأى مكانة أرفع من أن يكون له في كل ركن في الأرض أتباع وأنصار يدينون للنبي بالطاعة والولاء؟ ألم تر إلى الصحابة وهم يتسابقون إلى مجلسه والتمتع بحلو حديثه، والاستشفاء بمخالفاته؟ تلك بعض نعمه على رسوله، والله أعلم بغيرها. نعم ما قد شرح الله صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره ليس في الأرض فقط، بل عند سدرة المنتهى، عند جنة المأوى، وكان هذا كله بعد أن لحق بالنبي ما لحق من أذى قومه وعنتهم، حتى ضاق صدره، ولا عجب في ذلك، فإن مع العسر يسرا: وانظر إلى قوله: مع العسر، ثم إلى قوله: يسرا، أى: بالتنكير، وكما يقول الرسول: لن يغلب عسر يسرين «٢» أما العسر الذي كان عند النبي ﷺ والصحابة فهو الفقر وقلة الصديق، وقوة العدو وشدة مقاومته، وقد جاءهم اليسر فكثر المال والصديق، وضعف قوة العدو، وأما قوة المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم

стр. 2665

خصاصة، يحبون إخوانهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، إن قتلوا فهم الشهداء، وإن عاشوا فهم السعداء، فقد كانت- ولا تزال- مضرب الأمثال. وهل كل عسر يعقبه يسر كما هو ظاهر في القرآن؟ الظاهر- والله أعلم- أنه كذلك متى سار صاحب العسر على سنن الله الكونية، فتذرع بالصبر، واستعد للمقاومة وصابر نفسه وصبر على المكروه، وعمل على التخلص منه، عند ذلك يرزق اليسر، بأى شكل وعلى أى وجه، أما إذا حقت كلمة الله فإن صاحب العسر يتخبط في سيره، فينطبق عليه قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ «١» والأمر كله أولا وأخيرا لله، والمشاهد أن مع العسر يسرا، ولكن اليسر يختلف تبعا لحكم يعلمها الله، وانظر إلى التربية القرآنية، وإلى النصيحة الإلهية للحبيب المصطفى، وكذلك كل فرد يريد أن يهتدى بنور القرآن. فإذا فرغت من أى عمل خير فانصب في غيره واعمل على تحقيقه بتوفيق الله، وإلى الله وحده فارغب، وعليه وحده فتوكل، فإنه نعم المولى، ونعم النصير.

стр. 2666

سورة التين مكية. وآياتها ثمان آيات، وفيها يقسم الحق- ﵎ بأنه خلق الإنسان فعدله، ثم رده حتى كان أسفل سافلين، إلا المؤمنين فلهم الثواب الكبير، والله أحكم الحاكمين. [سورة التين (٩٥) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) المفردات: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ: هما الشجرتان المعروفتان ذات الثمر المعروف، أو هما مكانان في الشام. طُورِ سِينِينَ: الجبل المسمى بهذا الاسم في طور سينا، والذي ناجى موسى عليه ربه. وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ أى: مكة. تَقْوِيمٍ يقال: قومت الشيء تقويما: إذا جعلته على أعدل وجه وأكمل صورة. أَسْفَلَ سافِلِينَ المراد: جعلناه من أهل النار الذين هم أسفل من كل سافل. غَيْرُ مَمْنُونٍ: غير مقطوع. بِالدِّينِ: بيوم الجزاء. المعنى: أقسم الله بالتين والزيتون، وبطور سينين التي ناجى فيها موسى ربه، وبهذا البلد الأمين، وهو مكة التي يقاسى فيها النبي الأمرّين من قومه، مع أنها البلد الأمين الذي

стр. 2667

يأمن صاحبه ومن دخل فيه من كل صوب، بل يأمن فيها الطير والوحش والقاتل المطلوب، ولكن ما المراد بالتين والزيتون؟ هل هما الشجرتان المعروفتان؟ وأقسم الله بهما لمزيد فضلهما، ولمكانتهما الطيبة المعروفة، غير أن النسق العام للقرآن البليغ يأبى ذلك، ولهذا قيل: المراد بهما مكانهما، وهما يكثران في الشام التي كان فيها السيد المسيح ﵇، وعلى ذلك يكون القسم بهما للإشارة إلى المسيح وبطور سيناء للنبي موسى كليم الله، وبهذا البلد الأمين لخاتم الأنبياء والمرسلين- ﵊. وبعض العلماء يقول: التين والزيتون موضعان في الشام، وهذا يحتاج إلى تصديق الواقع له. قد أقسم الله بهذه الأمكنة المقدسة لشرف من حل بها من الأنبياء والرسل لقد خلق الإنسان في أحسن تقويم، أى: على أحسن حال وأكمل صورة، ألا تراه وقد خلقه مستوى القامة مرفوع الرأس، يأكل بيده، قد وهبه العقل والتفكير، والقدرة على تسخير غيره من الحيوان والنبات، بل امتد عقله، واتسع تفكيره إلى أن سخر الطبيعة وذللها لأغراضه ومنافعه، والشواهد على ذلك كثيرة الآن. ولعل السر في هذا القسم لفت أنظار الناس إلى أنفسهم، وما ركب فيها من قوى وإدراك وعقول وتمييز ليصلوا بهذا إلى توحيد الله القوى القادر، هذا الإنسان الذي خلقه ربه فأكرمه ونعمه، وجعله يستولى على جميع العوالم، قد كان في أول أمره ساذجا قليل الأطماع، لم تتنبه فيه غرائز الشر، ثم تنبهت فيه عوامل الشر، وغرائز السوء حتى ظهر الحقد والحسد والتنازع والإفساد، وكان القتال والنزاع والحروب. وأصبح الإنسان كالحيوان المفترس. وضريت نفسه حتى صار أعظم اغتيالا لأخيه الإنسان من السباع، وهذا معنى قوله: ثم رددناه أسفل سافلين، ففطرة الله التي فطر الناس عليها تدعو إلى التراحم والتعاون وإيثار العدل والخلق الكامل، ولكن الإنسان قد ينزع إلى الشر بعوامل البيئة التي تحرك فيه مصادر السوء. وحينئذ ينسى فطرته، ويعود إلى حيوانيته. ويعمل عمل أهل النار، فيكون أسفل من كل سافل وأشد من كل حيوان ضار.

стр. 2668

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ ... عوى وصوت إنسان فكدت أطير هذا هو الإنسان وطبعه وما جبل عليه، فطرة سليمة حتى إذا حركت فيها عوامل الشر انقلب أشد من الحيوان، إلا الذين امتلأت قلوبهم بالإيمان بالله واليوم الآخر فإنهم يكبحون جماح نفوسهم، ويردونها إلى الجادة والخير، فيعملون العمل الصالح ابتغاء مرضاة الله، وهؤلاء لهم أجر كريم غير مقطوع فلهم الحسنى في الدنيا، ثم لهم الأجر الكامل في الآخرة. عجبا لك أيها الإنسان! ما الذي يجعلك تكذب بيوم الدين بعد أن عرفت ذلك؟! أليس الله بأحكم الحاكمين «١» وأعدل العادلين. حيث أثاب الطائعين بالثواب الدائم وجازى المكذبين بالعقاب الصارم.

стр. 2669

سورة العلق وتسمى سورة «اقرأ» أو «القلم» . وهي مكية، وآياتها تسع عشرة آية، وفيها أمر النبي ﷺ بالقراءة مع بيان مظاهر قدرة الله مع الإنسان، وبيان بعض صفاته ثم ذكر مثل يدل على عناد بعض أفراده وبيان جزاء أمثاله. [سورة العلق (٩٦) : الآيات ١ الى ١٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) المفردات: عَلَقٍ: جمع علقة، وهي قطعة دم جامدة الْأَكْرَمُ أى: هو أكرم من كل كريم. لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ السفع: الجذب بشدة، والناصية: شعر مقدم الرأس، والمراد إذلاله وإهانته. نادِيَهُ المراد: أهل النادي. الزَّبانِيَةَ: الملائكة الموكلين بالإشراف على الكفار في النار فهم يدفعونهم إليها دفعا. وَاقْتَرِبْ: تقرب إلى ربك بالعبادة.

стр. 2670

المعنى: روى البخاري في صحيحه عن عائشة- رضى الله عنها- ما معناه قالت: أول ما بدئ به رسول الله من الوحى الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتى حراء فيتحنث فيه- فيتعبد فيه- الليالى ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فاجأه الوحى، وهو في غار حراء فجأه الملك فيه. فقال: اقرأ. قال رسول الله ﷺ : ما أنا بقارئ، قال: فأخذنى فغطني- ضمني إليه- حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ فغطني الثالثة حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى، فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم ... إلخ الحديث. وعلى ذلك فصدر هذه السورة أول ما نزل من القرآن، رحمة وهدى للناس، وأول خطاب وجه إلى رسول الله من قبل الحق- ﵎ كان أمرا بالقراءة وحديثا عن القلم والعلم، أفلا يتدبر المسلمون هذا ويعملون على نشر العلم ويحملون لواءه؟! فهذا نبيهم الأمى أمر بالقراءة وعمل على نشرها. أما بقية السورة فالظاهر أنها نزلت بعد ذلك، وأول سورة نزلت كاملة أم الكتاب- الفاتحة- وخلاصة معنى الآيات: كن قارئا- يا محمد- بعد أن لم تكن كذلك، واتل ما أوحى إليك ولا تظن أن ذلك بعيد لأنك أمى لا تقرأ ولا تكتب، ولا تتوهمن أن ذلك محال، فالله الذي أبدع هذا الكون وخلق فسوى وقدر فهدى: وخلق الإنسان الذي هو أشرف المخلوقات، والمسيطر عليها، والمتميز عنها بالعقل والتكليف وبعد النظر، خلقه من قطعة دم جامدة لا حس فيها ولا حركة ولا شعور، ثم بعد ذلك صار إنسانا كاملا في أحسن تقويم. هو الله الذي يجعلك قادرا على القراءة ويهبك العلم بما لم تكن تعلم أنت ولا قومك منه شيئا، وهو القادر على أن ينزل عليك القرآن لتقرأه على الناس على مكث وما كنت تدرى قبله ما الكتاب ولا الإيمان!!

стр. 2671

اقرأ باسم ربك، أى: بقدرته- فالاسم كما مر علم على الذات وبه تعرف، والله يعرف بصفاته- الذي خلق كل مخلوق فسواه وعدله في أى صورة شاءها له- وقد خلق الإنسان من علق، اقرأ يا محمد، والحال أن ربك الأكرم من كل كريم. لأنه واهب الكرم والجود، وهو القادر على كل موجود، ولقد كرر الأمر بالقراءة لأنها تحصل للإنسان العادي بالتكرار. وتكون للمصطفى ﷺ بتكرير الأمر، وإذا كان الله أكرم من كل كريم، أفيصعب عليه أن يهبك نعمة القراءة وحفظ القرآن وأنت لم تأخذ بأسبابها العادية، اقرأ إن شئت قوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [سورة القيامة آية ٦٧] سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى [سورة الأعلى آية ٦] . اقرأ وربك الأكرم الذي علم الناس كيف يتفاهمون بالقلم مع بعد المسافة، وطول الزمن، وهذا بيان لمظهر من مظاهر القدرة والعلم عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ نعم لقد أودع الله في الإنسان من الغرائز والتفكير ما جعله يبحث ويستقصى، ويجرب حتى وصل إلى معرفة أسرار الكون، وطبائع الأشياء فاستخدم كل هذا له وسخره لإرادته خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [البقرة ٢٩] وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [البقرة ٣١] . ترى أن الله أمر نبيه بالقراءة عامة وخاصة القرآن ثم بين له أن هذا أمر ممكن بالنسبة لله الذي خلق الخلق، وخلق الإنسان من علق، وهو الكريم الذي لا يبخل وخاصة على رسوله، وهو الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم. كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى حقا إن الإنسان ليطغى ويتكبر ويتمادى في الإثم لأنه رأى نفسه قد استغنت عن الغير بكثرة المال والأولاد، وما كان له ذلك! إن إلى ربك وحده الرجوع يوم القيامة فسوف يحاسبه على ذلك حسابا شديدا. لعلك تسأل عن تناسق الآيات؟ فأقول لك: لما ذكر الله فيما ذكر بعض مظاهر القدرة والعلم وكمال النعم التي أنعم بها على الإنسان، ومقتضى ذلك ألا يكفر به أحد، ولكن الإنسان كفر وبغى فأراد الله أن يبين السبب فقال ما معناه: إنه حب الدنيا والغرور بها والحرص عليها حتى تشغله عن النظر في الآيات الكبرى! بعد أن أمر الله نبيه بأن يتلو ما أوحى إليه من الكتاب وأبان له سبب كفر الإنسان ضرب له مثلا برأس من رءوس الكفر قيل: هو أبو جهل، وإن كانت الآية عامة.

стр. 2672

أخبرنى يا محمد عن الذي ينهى عبدا خاضعا لله يصلى له، ما شأنه؟ إن شأنه لعجيب «١» شخص يكفر ويعصى ربه، ينهى عن الخير وخاصة الصلاة أخبرنى عن حاله لو كان من أصحاب اليمين، وكان من السابقين المهتدين ثم يأمر بالتقوى والخير ما شأن هذا؟ إن حاله يكون عجيبا لأنه يستحق المثوبة الكبرى في جنة المأوى. أخبرنى إن كذب إنسان وأعرض عن الحق وتولى وأعطى نفسه كل ما تتمنى!! ألم يعلم هؤلاء بأن الله يرى، قروا واعترفوا بأن الله يعلم الغيب والشهادة وسيجازى كلا على عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ففروا أيها الناس إلى الله وتوبوا إليه واعملوا على مرضاته. كلا: كلمة ردع وزجر لمن يعصى الله مطلقا، فأقسم لئن لم ينته هؤلاء الكفار أو العصاة عن أفعالهم لنعذبنهم عذابا شديدا، ولنذلنهم إذلالا يتناسب مع تكبرهم في الدنيا وما ذلك على الله بعزيز. لنجذبن تلك الناصية بشدة، تلك الناصية التي طالما كذبت لغرورها بقوتها واعتقادها أنها تمتنع عن الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهذا كذب بلا شك، وقد أخطأت لأنها تجاوزت حدها وأساءت إلى غيرها وخاصة الأبرار الصادقين، سنفعل مع صاحبها كل إهانة فليدع أهل ناديه ليدفعوا عنه شيئا!! بل سندعو الزبانية، أى: سيدعو الله زبانية جهنم يدفعونه دفعا لها يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [سورة الطور آية ١٣] وليس له شفيع ولا نصير. كلا- ردع للكافر عن عمله- لا تطعه أيها الرسول واسجد لله دائما وتقرب إليه بالعبادة فإنها الحصن والوقاية، وطريق النجاح.

стр. 2673

سورة القدر وهي مكية على الصحيح، وآياتها خمس آيات، وفيها تكلم عن بدء نزول القرآن، وأنه نزل ليلة القدر، التي تنزل فيها الملائكة والروح بكل أمر من الله، وهي سلام من كل سوء. [سورة القدر (٩٧) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) المفردات: لَيْلَةِ الْقَدْرِ: ليلة التقدير، أو الشرف الرفيع والقدر العالي. وَالرُّوحُ: هو جبريل. المعنى: إن ربك أنزل القرآن- أى: بدأ نزوله- في ليلة مباركة كثيرة الخيرات والبركات لأن فيها نزلت الآيات البينات، وهذه الليلة من رمضان لقول الله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ» وهي ليلة القدر التي ابتدأ الله فيها بتقدير دينه الحنيف. وتحديد دعوة رسوله الكريم، وهي ليلة القدر والشرف والعزة والكرامة لأن الله أعلى فيها منزلة نبيه، وشرف الإنسانية برسالة السماء الكبرى خاتمة الرسالات وقد جاء هذا

стр. 2674

التصريح بشرفها وعلو مكانتها حيث يقول الله: وما أدراك ما ليلة القدر؟ لا أحد يعرف كنهها، ولا يحيط أحد بفضلها إلا بما سأذكره عنها، ليلة القدر خير من ألف شهر، ولا غرابة فالليلة التي ابتدأ الله فيها نزول القرآن هي ليلة مباركة فيها يفرق ويفصل كل أمر حكيم لأنه من الحكيم الخبير، أليست هذه الليلة خيرا من ألف شهر، بل هي خير ليلة في الوجود، وأسمى وقت في الزمن وبالطبع العمل فيها خير من العمل في غيرها ألف مرة. واستأنف بيان بعض فضلها فقال: إنها تتنزل فيها الملائكة- وخاصة جبريل المكلف بالوحي- يتنزلون فيها بإذن ربهم من كل أمر حكيم على النبي ﷺ فأول عهد النبي بشهود الملائكة وجبريل معهم كان في تلك الليلة التي تنزلت الملائكة من عالمها إلى عالم الأرض، نزلوا بالوحي على رسول الله. وهذه الليلة ليلة سلام وأمان ولا غرابة ففيها ابتدأ نزول القرآن مصدر الإسلام ومبدأ السلام، روى أن النبي ﷺ خرج ليخبر عن ليلة القدر فوجد رجلين يتنازعان فنسي الخبر. ليلة القدر مصدر السلام والأمان حتى مطلع الفجر .

стр. 2675

سورة البينة وتسمى سورة البرية أو «لم يكن» ، وآياتها ثمان آيات، وفيها الرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب، ببيان أن ما جاء به النبي هو الحق، ثم ذكرت جزاء من بقي على الكفر منهم، ومن آمن بالنبي ﷺ . [سورة البينة (٩٨) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) المفردات: مُنْفَكِّينَ: مفارقين كفرهم تاركين ما هم عليه. الْبَيِّنَةُ: الحجة الظاهرة

стр. 2676

التي يتميز بها الحق من الباطل، من البيان وهو الظهور. مُطَهَّرَةً: طاهرة من الزور والبهتان. قَيِّمَةٌ: لا عوج فيها. حُنَفاءَ: مائلين عن الباطل. الْقَيِّمَةِ أى: الكتب القيمة، أو الأمم المستقيمة العادلة. الْبَرِيَّةِ: الخلق. جَنَّاتُ عَدْنٍ: إقامة ومكث. المعنى: أرسل النبي ﷺ إلى الناس أجمعين، أرسل لهم بالهدى ودين الحق، ليخرجهم من ظلمات الجهالة، وفساد العقيدة، وذل التقليد الأعمى، وكان الكفار من أهل الكتاب أو المشركين سواء في البعد عن الحق والدين الصحيح. أما أهل الكتاب فبعد أن فارقهم موسى وعيسى تخبطوا وحرفوا الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وأصبح دينهم خليطا ممقوتا فيه إلى جانب الحق البسيط ضلالات وضلالات، وأما المشركون الذين لا يقولون بالتوحيد ولا يؤمنون بالبعث كمشركي مكة، فقد تردوا في الباطل إلى أقصاه، وأصبح دينهم مسخا من عقائد جاهلية وتقاليد بالية حسبوها دين إبراهيم الخليل، والله يعلم أنه منها برىء. ما كان الذين كفروا من أهل الكتاب الذين كانوا يستفتحون على الذين كفروا من المشركين ببعثة النبي العربي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، فلما جاءهم ما عرفوا- بعثة النبي- كفروا به، ولهذا ذكرهم أولا، على أنهم أشد جرما من المشركين الذين يجهلون الحق، وهؤلاء عرفوه وكفروا به عنادا وحسدا من عند أنفسهم، ما كان هؤلاء وأولئك منفكين عن باطلهم حتى تأتيهم البينة الواضحة، والحجة الظاهرة التي تقصم ظهر الباطل، وما هي؟ هي رسول من الله، وقد كان رسول الله نفسه بينة وحجة ظاهرة على أن دينه هو الحق، فهو الصادق الأمين صاحب الخلق القويم والمعجزات الناطقة بصدقه، والمنزل عليه القرآن الذي يتلوه، أى: يقرؤه مع كونه أميا، وقد كان النبي ﷺ يقرأ القرآن حفظا عن ظهر قلب. يتلو صحفا- القرآن- مطهرة من كل عيب وزور وكذب، تلك الصحف فيها كتب قيمة لا عوج فيها ولا نقص، وما المراد بالكتب؟ قيل: هي ما في القرآن مما بقي صحيحا من كتب موسى وإبراهيم مثلا، أو هي سور القرآن: وكأن كل سورة كتاب

стр. 2677

مستقل قائم بذاته، أو هي أحكام الإسلام وشرائعه، وعلى كل فهي كتب قيمة لا عوج فيها ولا باطل، ولا كذب ولا بهتان الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً. قَيِّماً [سورة الكهف الآيتان ١ و ٢] . وهل انتهى الكفر بإرسال النبي حتى يصح قوله تعالى: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ والجواب: إن إرسال النبي ﷺ كان صدمة للشرك زلزلت عقائد المشركين وفتحت قلوب الجهلاء الملتاثين، وأنارت الطريق حتى عرفت الحق من الباطل، فكانت بعثته حدا فاصلا بين عهدين، لهذا صح قوله: «حتى» ولكن لم يؤمن الكل بالنبي. بل بعضهم وقف من النبي موقف العناد يصد عن سبيل الله، ويحاول بكل ما أوتى من قوة وجهد أن يصرف الناس عن رسول الله، أراد الله أن يسلى الرسول ببيان أن كفر الناس وعنادهم طبيعة فيهم، وقد حصل لإخوانك الأنبياء مثلك، وتفرق الناس معهم واختلفوا في شأنهم بين مؤمن وكافر ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ «١» ولقد اختلف أهل الكتاب على أنبيائهم، وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينة والحجة القائمة، أى: بعد إرسال الرسل إليهم. عجبا لهؤلاء- اليهود والنصارى- كيف يقفون معك هذا الموقف!! هل جئتهم بأمر جديد عليهم! لا، هل أمرتهم بالمنكر ونهيتهم عن المعروف؟ إنك لم تأمرهم إلا بعبادة الله وحده مع الإخلاص والبعد عن الشرك والميل عن الإثم وكل بهتان، وأمرتهم بإقامة الصلاة لله وإيتاء الزكاة؟ ما لهم لا يؤمنون؟! إن كان هؤلاء متمسكين بدينهم حقا ومؤمنين به حقا فدينهم الصحيح يدعو لذلك، ويدعوهم للإيمان بالنبي محمد وذلك- الذي ذكر من العبادة والإخلاص ... إلخ- هو دين الكتب القيمة الصحيحة التي لم تحرف بعد، وهو دين الأمم المستقيمة على الحق والخير، فهل لهؤلاء عذر في ترك الإسلام؟ وهل يقبل منهم أن يعاندوا رسول الإسلام؟! ما جزاء من يكفر بتلك الشريعة الغراء السهلة السمحة؟ وما جزاء من يؤمن بها ويصدق رسولها؟ أما جزاء الذين كفروا من أهل الكتاب- وكانوا أولى الناس بأن يتسابقوا إلى الإسلام- والمشركين الذين يعبدون الأوثان ويقدسون الأصنام والأحجار فهم في نار جهنم، خالدين فيها أبدا.

стр. 2678

ولا غرابة في ذلك فهم شر الخلق على الإطلاق لأنهم كذبوا على الله وصدوا عن سبيله وكذبوا بكتابه، ولم يصدقوا رسوله، بل كذبوه وآذوه وأخرجوه وحاربوه. أما جزاء من آمن بالله وباليوم الآخر، وصدق رسول الله فأولئك هم خير البرية، وكان جزاؤهم عند ربهم- وهذه نهاية الشرف لهم- جنات إقامة ومكث، وجنات تجرى من تحتها الأنهار فيها ما يدعون ويشتهون: وهم فيها خالدون أبدا. ولا غرابة فقد رضى الله عن أعمالهم التي عملوها، ورضى أن يمدحهم ويثيبهم عليها، وهم قد رضوا عنه لأنهم فرحوا بلقائه وسروا بنعيمه. وذلك الفوز العظيم لمن خشي ربه، فاحذروا أيها الناس واعملوا لتنالوا هذا الأجر العظيم.

стр. 2679

سورة الزلزلة مدنية، وقيل: إنها مكية. آياتها ثمان آيات، وفيها أثبت الله أن الخير مهما كان سيجازى عليه صاحبه، وأن الشر مهما كان سيجازى عليه صاحبه، كل ذلك يوم القيامة. [سورة الزلزلة (٩٩) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) المفردات: زُلْزِلَتِ الزلزلة: الاهتزاز والاضطراب الشديدان. أَثْقالَها: جمع ثقل، وهو في الأصل متاع البيت، والمراد به هنا: ما في جوف الأرض من دفائن. يَصْدُرُ النَّاسُ المراد: يخرجون من قبورهم. أَشْتاتاً: متفرقين فريق إلى الجنة وفريق إلى السعير. مِثْقالَ ذَرَّةٍ: الذي يرى في ضوء الشمس إذا دخلت من نافذة يقال: ذرة. المعنى: حينما يريد الله انقضاء الدنيا، وقيام الساعة، يأمر الأرض فتتزلزل وتهتز اهتزازا عنيفا لم يكن مألوفا، وتخرج دفائنها وأثقالها من نار ومياه ومعادن وما بقي من جثث، عندئذ

стр. 2680

يقول الإنسان الذي يرى هذا: ما لها؟ أى: ما الذي حصل للأرض؟! فإن هذا لم يألفه ولم يعرف له سببا، وفي ذلك الوقت تحدثك الأرض حديثها، وتنطق بلسان الحال لا بلسان المقال، كما قال العلامة الطبري في تفسيره: إن هذا تمثيل، فما وقع للأرض مما لم يكن مألوفا إنما كان بسبب أن ربك أوحى لها، وأمرها بهذا أمرا تكوينا، وكل ما يحصل في الكون فهو من قبيل الأمر التكويني من الله، إلا أن هناك أمورا تحصل بلا سبب ظاهرى فتسند للأمر التكويني، وما يحصل بسبب عادى لا يسند إليه، وإن كان في الواقع منه، يومئذ يخرج الناس من قبورهم متفرقين كل على حسب عمله، ليروا جزاء أعمالهم، فمن يعمل ما يوازن مثقال ذرة من خير يثب عليه، ومن يعمل مثقال ذرة من شر يجاز عليه وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ «١» وهذه السورة سورة ترغيب وترهيب.

стр. 2681

سورة العاديات مكية، وعدد آياتها إحدى عشرة آية، وفيها يقسم الله على أن الإنسان الذي أنعم عليه كفور جحود، وأنه شهيد على ذلك، وأنه محب للمال بخيل، ثم هدده بالعقاب الشديد يوم القيامة. [سورة العاديات (١٠٠) : الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١) المفردات: وَالْعادِياتِ أى: الخيل التي تعدو وتسرع في الجري. ضَبْحاً الضبح: نوع من السير، أو نوع من العدو، وقيل: هو اسم للصوت. فَالْمُورِياتِ قَدْحاً أورى فلان: إذا أخرج النار بزند ونحوه. والقدح: ضرب شيء بشيء ليخرج من بينهما شرار النار. فَالْمُغِيراتِ: الإغارة والهجوم. فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً أى: هيجن، والنقع: الغبار. فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً: توسطن به جمعا. لَكَنُودٌ الكنود في الأصل: الأرض التي لا تنبت، شبه به الإنسان الذي يمنع الحق والخير والواجب عليه، والمراد به الكفور، أو العاصي. لَشَدِيدٌ أى: بخيل ممسك شديد الضن بالمال. بُعْثِرَ أى: بعث وأثير وأخرج. وَحُصِّلَ: أظهر ما في الصدور محصلا مجموعا.

стр. 2682

المعنى: أقسم الحق- ﵎ بالخيل إذا عدت حالة كونها تضبح ضبحا، فالخيل التي تغير على العدو في الصباح، فالخيل التي تثير التراب وتهيجه فوق الرءوس فتتوسط به جموع الأعداء، وهن متلبسات بالغبار. أقسم الله بالخيل الشديدة العدو التي تخرج من أفواهها زفيرا عاليا، فالتي تورى النار أثناء الجري، وتغير على العدو في الصبح، وتثير النقع وتتوسط به جمع الأعداء، وتلك أوصاف للخيل التي يجاهد بها أصحابها في سبيل الله، وهذا شرف كبير، ولذلك أقسم الله بها، على أن الخيل من الدواب التي لها مكانتها، وهي كما قال العربي: ظهورها حرز وبطونها كنز. ومهما استحدث من آلات الحرب فلا زال للخيل مكان ملحوظ، على أن هذه الأوصاف تعلمنا كيف نستخدم الخيل، حتى لا نتخذها زينة فقط. لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً [سورة النحل آية ٨] . أما المقسم عليه فقوله: إن الإنسان لربه لكنود، وإنه على ذلك لشهيد، وإنه لحب الخير لشديد، وقد وصف الله الإنسان بثلاث صفات: الأولى كونه كنودا، أى: مناعا للخير جحودا يجحد نعمة ربه، ولا يقوم بشكرها، وهذا إنما يكون من الإنسان الكفور أو العاصي، لقد صدق الحديث: «الكنود الّذى يمنع رفده، ويأكل وحده، ويضرب عبده» الثانية كونه على أعماله شهيدا فأعماله شاهدة عليه فلا تحتاج لدليل، وهو لا يستطيع إنكار جحده لظهوره، على أنه إن أنكر بلسانه عناده فبينه وبين ضميره يشهد بأنه منكر جاحد لنعم ربه، وسيشهد على نفسه يوم القيامة، فهو إذا على أعماله شهيد، والثالثة: إنه لحب الخير لشديد، نعم، إن الإنسان لأجل حبه المال حبا جما بخيل به شحيح لا ينفق منه إلا بقدر بسيط، وهو حريص عليه، متناه في الحرص، ممسك مبالغ في الإمساك. يحصل منه هذا؟! أفلا يعلم الإنسان أن ربه به بصير؟ أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وأخرجت الناس من الدور، ثم أظهرت دفائن القلوب وأسرار الصدور: إن ربهم بهم يومئذ لخبير، وإنه سيجازى على النقير والقطمير.

стр. 2683

سورة القارعة وهي مكية، وآياتها إحدى عشرة آية، وفيها يصف بعض مناظر يوم القيامة. [سورة القارعة (١٠١) : الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١) المفردات: الْقارِعَةُ «١» القرع: الضرب بشدة، وسميت الحادثة العظيمة قارعة لأنها تقرع أصحابها وتصك آذانهم، والمراد بها هنا: يوم القيامة لأنه يقرع الناس بالهول والفزع الشديد. كَالْفَراشِ: حيوان صغير أحمق يتهافت على النار. الْمَبْثُوثِ: المتفرق كَالْعِهْنِ: الصوف ذي الألوان. الْمَنْفُوشِ: الذي نفش. فَأُمُّهُ: ما يأوى إليها كما يأوى الولد إلى أمه. هاوِيَةٌ: هي نار جهنم. حامِيَةٌ: ملتهبة.

стр. 2684

المعنى: القارعة التي تقرع الناس بأهوالها، وتصك آذانهم بصوتها هي يوم القيامة، يوم الفزع الأكبر والهول الشديد، واليوم الذي تصطك فيه الأجرام العلوية بالسفلية، ويقرع فيها أعداء الله بالعذاب الشديد والخزي والنكال، تلك هي القارعة الكبرى وما القارعة؟ وهذا استفهام للتهويل والتفخيم، وما أدراك! ما القارعة؟! نعم أى شيء يعرفك بها ويعلمك حقيقتها؟ لا أحد يخبرك عنها إلا خالقها وهو الله، وأنت لا تعرف عنها إلا ما يقصه عليك ربها. يوم يكون الناس حيارى مضطربين كالفراش المتفرق الذي يقع في النار لتخبطه وسوء تقديره، وتكون الجبال الرواسي- التي كانت مثلا في الثبات وعدم التأثر- كالصوف المنفوش، يا سبحان الله! أما حال من فيها فها هو ذا: فمن ثقلت موازينه لحسن أعماله وكثرة إخلاصه، فهو يومئذ في عيشة راضية، أى: فهو في حال تقر بها عينه، وتطمئن لها نفسه حتى يصبح راضيا مغتبطا. وأما من خفت موازينه لسوء عمله واتباعه الباطل وبعده عن الحق فأمه هاوية، ما أروع هذا التعبير! ما يأوى إليه نار حامية، نار يهوى فيها صاحبها، وما أدراك، ما هيه؟ أى: أنت لا تعرف عنها شيئا، إنها نار حامية تكوى الوجوه، وتشوى الجلود، وقانا الله شرها.

стр. 2685

سورة التكاثر مكية، وآياتها ثمان آيات، وفيها يحذرنا الله عاقبة التكاثر في المال والجاه، ويخبر أن عذاب العصاة واقع لا محالة، وأن جهنم حق لا شك فيها، وأنكم ستسألون عن نعيم الدنيا. [سورة التكاثر (١٠٢) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) المفردات: أَلْهاكُمُ: شغلكم. التَّكاثُرُ: التبارى في الكثرة، أى: المفاخرة بكثرة المال والولد، أو المراد التغالب في تكثير المال وكثرة الرجال. عِلْمَ الْيَقِينِ أى: علما يقينيا، والعلم اليقيني: هو الذي نشأ عن اعتقاد مطابق للواقع عن عيان أو دليل صحيح. عَيْنَ الْيَقِينِ أى: لترونها رؤية حقيقية كأنها هي اليقين نفسه، فعلم العيان والمشاهدة يسمى عين اليقين. المعنى: ألهاكم التكاثر في الأموال والرجال والتغالب في جمعها عن تحصيل ما ينفعكم وعمل

стр. 2686

ما يبقى لكم يوم القيامة، ألهاكم ذلك وشغلكم عن الخير الذي ينفعكم حتى صرتم موتى والمعنى: أنكم بقيتم على ذلك طول حياتكم. وقد ورد أن قبيلتين تفاخرتا بكثرة المال والرجال حتى ذهبوا إلى قبورهم، وتفاخروا بمن مات فنزلت السورة تنعى عليهم ذلك وتحذرهم عاقبته ومغبته. ارتدعوا عن ذلك العمل الذي ينشئ التدابر والتقاطع والانشغال بما لا ينفع صاحبه. كلا سوف تعلمون عاقبة هذا التكاثر وعند ذلك تندمون ولا ينفع الندم، ثم كلا سوف تعلمون، وهذا تأكيد للمعنى السابق، كلا! لو تعلمون عاقبة ذلك علما يقينيا لا شك فيه ولا شبهة علما ناشئا عن اعتقاد صحيح لما تفاخرتم بالمال أو بالرجال، ولما تسابقتم في تكثير المال والرجال، ولانصرفتم إلى ما هو خير لكم وأجدى عليكم، ألا وهو التسابق في تحصيل الخير، فلمثل هذا فليعمل العاملون. أقسم لترون الجحيم- وهذا كناية عن ذوق عذابها- ثم لترونها ولتتذوقن عذابها لأنكم تسابقتم في المال وتكاثرتم وتفاخرتم به، ولترونها لذلك رؤية مشاهدة، رؤية محسوسة وهي الرؤية اليقينية، ثم بعد ذلك لتسألن عن النعيم الذي تتفاخرون به وتتسابقون في تحصيله، فاحذروا أيها الناس وانتبهوا.

стр. 2687

سورة العصر مكية. وآياتها ثلاث آيات. وفيها القسم على أن الإنسان لفي خسر وضلال إلا من عصمه الله من المؤمنين العاملين الذين تواصوا بالحق والصبر. [سورة العصر (١٠٣) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) المفردات: الْعَصْرِ: هل المراد به الدهر كله؟ أو هو الوقت الخاص الذي يكون في طرف النهار.؟ خُسْرٍ: ضلال وفساد. تَواصَوْا: يوصى بعضهم بعضا. بِالْحَقِّ: بالثابت والمراد به الخير. بِالصَّبْرِ الصبر: قوة النفس على تحمل المشاق. يقسم الله بالدهر، لما فيه من العبر، وما يكون فيه من الأحوال المتناقضة التي تدل على أن لهذا الكون، ولهذا الدهر إلها هو المتصرف القادر فيه، ألست ترى فيه ليلا ونهارا يتعاقبان، وترى فيه آية لليل وأخرى للنهار، ألست ترى فيه سراء، وضراء، وسعادة وشقاء وصحة ومرضا، وخوفا وأمنا، وإنسانا يموت من الجوع وآخر يهلك من الشبع، وهذا يموت من الغرق، وذاك يموت من الحرق، كل ذلك والعصر زمن لا دخل له في شيء أبدا، بل هذا يدل على أن للكون إلها هو خالقه ومدبره وهو المستحق لأنه يتوجه إليه وحده ويعبد.

стр. 2688

إن الإنسان لفي خسر وضلال وكفر وهلاك بسبب ما يتردى فيه من المعاصي والكفر والآثام التي اختارها لنفسه «١» يا سبحان الله الإنسان كالمغمور في الخسران، وقد أحاط به من كل جانب، وذلك أنه يذنب في حق الإله الذي رباه وأنعم عليه بكل نعمة وخير. إن الإنسان- جميع أفراده- في ذنوب وآثام مهلكة إلا من عصم الله منه ووفقه إلى الخير، وهم الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله إيمانا صادقا خالصا، ثم أتبعوا ذلك بالعمل الصالح المفيد الذي يرضى الله ورسوله والمؤمنين، ولكن هل يكتفى منك الله بذلك؟ لا، بل لا بد من خصلة ثالثة هي التواصي بالحق، والتواصي بالصبر، أى: يوصى بعضهم بعضا بالحق الثابت الذي أرشد له الدليل السليم والشريعة الصحيحة، ويوصى بعضهم بعضا بالصبر على المكروه، وتحمل المشاق. إذ لا يكتفى منك الدين بأن تعمل الخير فقط بل لا بد أن تدعو غيرك- بعد أن تصلح نفسك- تدعوه إلى الحق وإلى الخير وإلى الصراط المستقيم، وسيلحقك أذى في ذلك بلا شك فاصبر وادع غيرك للصبر، فالصبر نصف الإيمان والله هو الموفق إلى الخير.

стр. 2689

سورة الهمزة مكية. وآياتها تسع آيات، وفيها ينعى الله على العياب الطعان المشاء بالنميمة، ويعده بنار شديدة مطبقة عليه من كل ناحية. [سورة الهمزة (١٠٤) : الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) المفردات: وَيْلٌ: هلاك وعذاب. هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ: عياب طعان مشاء بالنميمة بين الناس، وهذه الصيغة ذاتها تدل في اللغة على الكثرة. وَعَدَّدَهُ أى: عده مرات متلذذا به. أَخْلَدَهُ: جعله خالدا باقيا. كَلَّا: ردع وزجر. لَيُنْبَذَنَّ: ليرمين. الْحُطَمَةِ: النار الشديدة، سميت بذلك لأنها تحطم العظام وتأكل اللحوم. الْمُوقَدَةُ، المتقدة الشديدة. تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ: تصل إليها وتؤثر في موضع الشعور ومركز الإحساس، أو تطلع على ما فيها وتميز بين أنواعها. مُؤْصَدَةٌ: مطبقة مغلقة عليهم. عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ: عمد طويلة. ويل شديد لا يدرك كنهه، ولا تعرف حقيقته: لكل همزة لمزة، لكل شخص يطعن في أعراض الناس، ويغض من شأنهم، ويحقر من أعمالهم، يسيء إليهم متلذذا

стр. 2690

بعمله، وإنما دعاه إلى ذلك إعجابه بنفسه، وغروره بماله الذي جمعه وجعله عدته، وعده مرات، وظن أنه لا يموت، ويروى أن الأخنس بن شريق، أو الوليد بن المغيرة، أو أمية بن خلف كان يفعل ذلك مع النبي ﷺ . سيذكر الله ما أعده لهؤلاء وأمثالهم من العيابين المغرورين بمالهم فقال: كلا: ردع لهم وزجر عن ظنهم الفاسد وحسبانهم الكاذب والله لينبذن من يفعل ذلك في الحطمة، تلك النار التي تحطم العظام وتأكل اللحوم وتهجم على القلوب. وما أدراك ما الحطمة؟ وهذا الاستفهام يراد به تفخيم أمرها، وإكبار شأنها وبيان أنها مما لا تدركها العقول، ولا تحيط بها الأوهام، ولا يعرفها إلا خالقها فمن ذا الذي يعلمك بشأنها إلا خالقها؟ ولذا عرفها فقال: هي نار الله التي ليست كنيران الخلق، نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة وتقهرها وتعلوها، لأنها تدخل في الجوف، أو هي تعرف أسرار القلوب، وتميز بين الطائع والعاصي، إنها مطبقة عليهم فلا يخرجون منها أبدا، وأبوابها المغلقة شدت بأوتاد طويلة لا تفتح أبدا.

стр. 2691

سورة الفيل مكية. وآياتها خمس آيات، وفيها يذكر الله قصة أصحاب الفيل، وخلاصتها: كان على اليمن ملك يسمى أبرهة الأشرم، وقد بنى كنيسة عظيمة بصنعاء، وكانت على جانب كبير من الأبهة وفخامة البناء، وأراد أن يصرف الحج من الكعبة إليها، وأخبر النجاشيّ ملك الحبشة بذلك، ويروى أن أعرابيا أحدث فيها وفر، فغاظ ذلك الملك، وأقسم ليدمرن الكعبة، فجهز جيشا عظيما، وقصد به إلى مكة، وكان في مقدمته فيل عظيم، ولما شارف الجيش مكة أمر الملك بنهب أموال العرب، وكان فيها إبل لعبد المطلب بن هاشم جد النبي- ﵊ فاستاقها الجند، فلما علم عبد المطلب بذلك طلب مقابلة الملك، فقابله وكلمه في شأن الإبل فرد عليه الملك قائلا: لقد أعجبتنى حين رأيتك ثم زهدتني فيك حين كلمتنى، تسألنى الإبل وتترك البيت الذي هو دينك ودين آبائك!! فرد عليه عبد المطلب قائلا: أما الإبل فهي لي وأما البيت فله رب يحميه، فرد عليه أبرهة الإبل ... ويروى أن عبد المطلب لما انصرف من عند الملك أمسك بحلقة باب الكعبة وقال: لاهم «١» إن العبد يمنع ... رحله فامنع رحالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم ... أبدا محالك إن كنت تاركهم وقبلتنا ... فأمر ما بدا لك فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبأ جيشه لهدم البيت والانصراف إلى اليمن، فلما وجهوا الفيل إلى مكة برك، ولما وجهوه إلى اليمن أو إلى الشام قام ونهض. عند ذلك أرسل الله عليهم طيرا تحمل في مناقيرها وأرجلها حجارة صماء ألقتها عليهم فانتشر المرض فيهم حتى مات أغلبهم، وصاروا كأوراق الشجر الجافة. ولكن هل هذه الحجارة قتلتهم بنفسها أو لأنها تحمل جراثيم الطاعون؟ الله أعلم بذلك، والثابت أنهم عقب إلقائها عليهم مات معظم الجيش، وانصرف أبرهة ومن بقي عن هدم الكعبة، ومات أبرهة في الطريق.

стр. 2692

[سورة الفيل (١٠٥) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) المفردات: كَيْدَهُمْ: مكرهم وحيلتهم. تَضْلِيلٍ: هلاك وضياع. أَبابِيلَ: جماعات متفرقة. سِجِّيلٍ: الطين الذي تحجر. كَعَصْفٍ العصف: ورق الزرع الذي يبقى بعض الحصاد فتأكله الماشية. المعنى: ألم تعلم بقصة متواترة مستفيضة أصبح العلم بها يساوى في قوته وجلائه العلم الناشئ عن الرؤية والمشاهدة؟ والمراد: أخبرنى بقصة أصحاب الفيل، أخبرنى كيف فعل ربك بهم؟ ألم يجعل كيدهم ومكرهم وحيلتهم في هدم الكعبة، في ضلال وباطل، ولم يصلوا إلى ما أرادوا؟!. وقد أرسل الله عليهم طيرا جماعات تحمل حجارة فيها جراثيم الأمراض التي فتكت بمعظم الجيش، حتى باء بالخيبة، ورجع بالخذلان المبين، هذه الطيور رمت الجيش بحجارة من طين متحجر، فأهلكت أكثره، وتركته نهبا للطير، أشبه ما يكون بالعصف المأكول للحيوان، وهو ورق الشجر إذا جف بعد الحصاد.

стр. 2693

سورة قريش مكية. وآياتها أربع، وفيها أمرت قريش بعبادة ربها صاحب النعم عليها. [سورة قريش (١٠٦) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤) المفردات: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ يقال: آلفت الشيء إيلافا، وألفته إلفا وإلافا، بمعنى: لزمته وعكفت عليه، وقيل المراد بذلك: المعاهدات التجارية والمحالفات التي عقدوها مع غيرهم، وهذه المادة تدل على اجتماع الشمل مع الالتئام. رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ الرحلة والارتحال: شدهم الرحال للسير هذه في الأصل، ثم صارت اسما للسفر. ذَا الْبَيْتِ : الكعبة. آمَنَهُمْ: نجاهم وسلمهم. كلنا يعرف أن مكة وما حواليها بلاد قاحلة لا نبات فيها ولا زرع، رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ «١» وهذا الوضع جعل سكانها يفكرون في أمر معاشهم، فكانوا تجارا. يتاجرون مع جيرانهم في الشمال والجنوب، فرحلوا إلى اليمن شتاء وإلى الشام صيفا، ولأنهم أهل بيت الله وجيرانه كان الناس

стр. 2694

يحترمونهم، ويكرمونهم، ويعاملونهم معاملة حسنة، بذلك زادت منافعهم، واتسعت تجارتهم وكثر ربحهم، وعقدوا المعاهدات والمحالفات التجارية مع جيرانهم. وخلاصة معنى السورة: إن كانت قريش «هم أولاد النضر بن كنانة» لا يعبدون ربهم لسبب من الأسباب فليعبدوا رب هذا البيت لأنه آلفهم رحلة الشتاء والصيف للتجارة وكسب الرزق، وكانوا بذلك أغنياء آمنين ينتقلون حيث شاءوا، بفضل الله الذي جعلهم جيران بيته وخدم حجاجه لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ولله وحده المنة والفضل على أهل مكة حيث نجّى البيت من أبرهة لتظل لهم مكانتهم وتجارتهم مع جيرانهم، فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم بعد جوع وفقر، وآمنهم بعد خوف وذل. فالله- الذي وسع لهم في الرزق، ومهد لهم سبيل الأمن، وأعطاهم القبول عند الناس لأنهم أهل بيته وخدم حجاجه، فاستطاعوا بذلك أن يجدوا قوتهم ويأمنوا على أنفسهم وتجارتهم، وإذا كان الله هو صاحب الفضل في ذلك كله فليعبدوه وحده دون سواه لأنه أطعمهم بدل جوع شديد، وآمنهم بدل خوف كثير.

стр. 2695

سورة الماعون مكية. وآياتها سبع آيات، وفيها ينعى الله على من يكذب، ويبين صفاته. [سورة الماعون (١٠٧) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) المفردات: بِالدِّينِ: بالجزاء، وقيل: بالإسلام كله. يَدُعُّ الْيَتِيمَ: ينهره ويزجره زجرا شديدا. وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ: لا يحث عليه. فَوَيْلٌ: هلاك. ساهُونَ: غافلون عنها. الْماعُونَ: كل ما يستعان به وينتفع. أرأيت الذي يكذب بالدين؟ أخبرنى عنه من هو؟ فإن الواجب على المتدين أن يعرفه على حقيقته حتى يبتعد عنه لا عن صفاته؟ فالاستفهام أريد به تشويق السامع ليعرف ما بعده، وللإشارة إلى أن هذا الأمر خفى! وكل يدعى أنه مصدق بيوم الدين، هل عرفت من هو المكذب بالدين؟ إن لم تكن عرفته فذلك هو: الذي يدع اليتيم، ويدفعه دفعا عنيفا ويزجره زجرا شديدا عن حقه في ماله إن كان له مال، أو عن حقه في الصدقة إن كان فقيرا، وهو الذي لا يحض على إطعام المساكين، وإذا كان لا يحث عليه

стр. 2696

فمن باب أولى لا يطعم هو، وانظر إلى علامة المكذب بيوم الدين التي ذكرها القرآن: منع الحقوق وإيذاء الضعفاء، والبخل الشديد على المستحقين، إذا عرفت ذلك فويل وهلاك للمصلين الذين هم عن صلاتهم غافلون، الذين يصلون صلاتهم بدون خشوع وخضوع، وبدون استحضار قلبي لعظمة الله، وبدون تدبر لمعانى ما يقرءون، صلاة لا يشعر صاحبها أنه بين يدي الخالق فتراه يسبح بفكره ويسرح طرفه ويتحرك ويعبث بأطرافه ولا يعرف عدد ما يصلى، تلك صلاة بعض الناس الذين يكذبون بيوم الدين وهي بلا شك لا تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقد سها أصحابها عن ذكر الله وهم لذلك يراءون الناس ويذكرونهم ويفعلون لهم ولا يفعلون لله، وهم لشدة الشح وكثرة البخل يمنعون الماعون! أرأيت من يكذب بالدين؟ هو الذي يشتد على اليتيم، ولا يعطى حقوق المساكين وهو غافل عن صلاته مراء للناس في عمله، ومانع خيره عن غيره، فالويل ثم الويل لهؤلاء، إن صاموا وإن صلوا.

стр. 2697

سورة الكوثر مكية على الصحيح، وآياتها ثلاث آيات. وفيها يذكر الله أنه أعطى نبيه الخير الكثير ثم يطالبه بالصلاة والصدقة شكرا له على ما أنعم. [سورة الكوثر (١٠٨) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) المفردات: الْكَوْثَرَ: الشيء الكثير. قيل لأعرابية رجع ابنها من سفر: بم رجع ابنك؟ فقالت: رجع بكوثر، وقيل: هو نهر في الجنة. شانِئَكَ: مبغضك. الْأَبْتَرُ: مقطوع الأثر والذكر. المعنى: كان المشركون حينما يرون النبي والمسلمين في قلة من العدد وقلة من المال يستخفون بهم ويهونون من شأنهم ظانين أن الحق والخير إنما يكون مع المال والغنى وكثرة العدد، وإذا رأوا النبي وقد مات له ولد قالوا: قد بتر محمد ولم يبق له ذكر، وكان المنافقون كذلك إذا رأوا ما عليه المسلمون من شدة وضيق ذات اليد انتظروا منهم السوء ومنوا أنفسهم بالغلبة عليهم، وكان ضعاف المسلمين ربما وقع في نفوسهم شيء من خواطر السوء إذا وقعوا في ضيق أو شدة لهذا كله نزلت السورة تبين ما عليه النبي ﷺ وما أعطى من الخير الكثير في الدنيا والآخرة، وما سيؤول إليه حال حاسديه ومبغضيه، ولعلنا نعتبر بذلك ونرضى!

стр. 2698

إنا أعطيناك الكوثر، أى: الخير الكثير البالغ حد الإفراط، ألم يعطك ربك النبوة والدين الحق؟ وأرسلك للناس كافة؟ وجعل دينك خاتم الأديان، ونهاية الرسالات، وجمع فيه بين خير الدنيا والآخرة، وجمع فيه الحسن والكمال من كل ناحية؟ ألم يعطك القرآن والعلم والحكمة؟ ألم يعطك الفضل الكثير والخير العميم، والهدى والنور؟ وسعادة الدنيا والآخرة لك ولأصحابك ولأمتك إلى يوم القيامة؟! نعم أعطاك هذا كله، ومن بينه الكوثر- إذا فسر بنهر في الجنة- وإذا كان الأمر كذلك فصل لربك وتوجه إليه وحده وتوكل عليه ولا ترج غيره فإنه نعم المولى ونعم النصير، صل لله وانحر ذبيحتك مما هو نسك لله، كل هذا له وحده فإنه هو الذي رباك وأعطاك وهداك ووفقك. أما شانئوك وحاسدوك ومبغضوك فهم المقطوع أثرهم، الذين لا يبقى لهم ذكر جميل، وقد شبه الله الذكر الجميل بذنب الحيوان لأنه يتبعه وهو زينة له، وشبه الحرمان من الأثر الطيب بقطع الذنب، وقد شاع البتر في ذلك، وبعض العلماء يفسر الصلاة بصلاة العيد، والنحر بالأضحية فقط، وليس هذا بسديد.

стр. 2699

سورة الكافرون مكية. وآياتها ست آيات، وفيها قطع لآمال الكفار وبيان الفرق بين عبادتهم وعبادة النبي ﷺ وأنه واسع جدا. [سورة الكافرون (١٠٩) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) روى أن زعماء الشرك أتوا النبي ﷺ لما يئسوا منه ورأوا أن في دعوته خيرا ولكن يمنعهم من اتباعه حب التقليد الأعمى والعظمة الكاذبة، وقالوا له: تعال نعبد إلهك مدة وتعبد آلهتنا مدة فيحل بذلك الصلح بيننا وبينك، وتزول العداوة من بيننا فإن كنا في خير أخذت منه حظا، وإن كنت في خير أخذنا منه حظا، فنزلت السورة ردا عليهم، وقطعا لأطماعهم. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء الكفار الذين مرنوا على الكفر فلم يعد فيهم خير، ولن يرجى منهم إيمان، قل لهم: لا أعبد الذي تعبدونه فأنتم تعبدون آلهة تتخذونها شفعاء لله الواحد القهار، أنتم تعبدون آلهة تظنون أنها تحل في صورة أو تظهر في صنم أو وثن، وأنا أعبد الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولا مثيل له ولا ند، ولا يحل في جسم أو شخص، وهو الغنى عن الشفعاء ولا يتقرب إليه بمخلوق، بل القربى والوسيلة إليه في العبادة فقط فبين الذي أعبد والذي تعبدون فرق شاسع، فلا أنا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد.

стр. 2700

يا أيها الكافرون الثابتون على الكفر: لا أنا عابد عبادتكم ولا أنتم عابدون عبادتي فالآيات ٢، ٣ تدلان على الاختلاف في المعبود الذي يعبد، فالنبي- ﵊ يعبد الله وهم يعبدون الأصنام والأوثان والشفعاء، والآيتان ٤، ٥ تدلان على الاختلاف في نفس العبادة فعبادة النبي خالصة لله لا يشوبها شرك ولا تصحبها غفلة عن المعبود، وعبادتكم كلها شرك وإشراك وتوسل بغير العمل فكيف يلتقيان!! وبعض العلماء يرى- دفعا للتكرار- أن المعنى: لا أعبد في المستقبل ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم في الماضي ولا أنتم عابدون ما أعبد فيه، والأمر سهل والنهاية واحدة. لكم دينكم وعليكم وحدكم وزره، ولى ديني الذي أدعو إليه وعلى تبعاته وأوزاره، وهاتان الجملتان لتأكيد المعنى السابق.
следующие страницы →