← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

يشرحوا للناس ويبينوا حقيقة النبي ﷺ وصفته التي في كتبهم، ولكنهم- اليهود والنصارى- فرحوا بما أوتوا وكتموا ما أنزل عليهم. المعنى: واذكر يا محمد وقت أن أخذ الله العهد المؤكد بوساطة الأنبياء على أهل الكتاب، وأقسم عليهم ليبينن الكتاب للناس ويظهرونه ولا يحرفونه عن موضعه حتى يفهمه الناس ولا يضطربون فيه. وقد نبذ أهل الكتاب التوراة والإنجيل وراءهم ظهريا. فكان منهم أمة يحملون الكتاب كما يحمل الحمار الأسفار فلا يعرفون منه شيئا، ومنهم الذين يحرفون الكلم عن موضعه ويغيرون ويبدلون ويشترون به ثمنا قليلا، ومنهم الذين لا يعلمون منه إلا أمانى يتمنونها ومشتهيات يشتهونها. واشتروا به ثمنا قليلا من حطام الدنيا الفانية كالرياسة الكاذبة والمال الزائل، فكانوا مغبونين في هذا البيع والشراء الذي فيه العرض الفاني بدل النعيم الباقي فبئس ما يشترون. روى الشيخان أن رسول الله ﷺ سأل اليهود عن شيء في كتبهم فكتموا الحق وأخبروه بخلافه وأروه أنهم قد صدقوه واستحمدوا إليه وفرحوا بما فعلوا، فأطلع الله رسوله على ذلك وسلاه بما أنزل من وعيده لهم ، وروى الشيخان من حديث أبى سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ فإذا قدم اعتذروا إليه وحلفوا وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت هذه الآية وهي تحتمل المعنيين ... والقرآن الكريم بين فيها حالا أخرى لأهل الكتاب حتى لا نكون مثلهم وهي أنهم كانوا يفرحون بما أوتوا من التأويل والتحريف للكتاب ويرون لأنفسهم شرفا فيه وفضلا بأنهم قادة وأئمة يهتدى بهم، وهذا فرح باطل وغرور كاذب، وكانوا يحبون أن يحمدوا بأنهم حفاظ الكتاب وعلماؤه وهم لم يفعلوا شيئا من ذلك وإنما فعلوا نقيضه، وهؤلاء قد اشتبه أمرهم على الناس فهم يحسبون أنهم أولياء الله وأنصار دينه، وهم الذين حرفوه وغيروه فلا تحسبنهم بمفازة ومنجاة من العذاب بل لهم عذاب أليم غاية الألم في الدنيا والآخرة.

стр. 317

فيا أيها المسلمون: إياكم وهذا العمل الشنيع الذي يقوم به أهل الكتاب، ولا تحزنوا ولا تضعفوا واصبروا واتقوا الله، وبينوا الكتاب ولا تشتروا به ثمنا قليلا وعرضا زائلا ولا تفرحوا بما تفعلون، ولا تحبوا أن تحمدوا بما لم تفعلوا فإن الله- تعالى- يكفيكم ما أهمّكم وينصركم على أعدائكم، ويغنيكم عن هذه المنكرات التي نهيتم عنها، فلله ملك السموات والأرض وما فيهن يعطى ويمنع وهو على كل شيء قدير لا يعز عليه نصركم وهلاك من يؤذيكم من أهل الكتاب والمشركين، وإلى الله ترجع الأمور. وفي هذا تسلية ووعد بالنصر للنبي ﷺ وصحبه. ما تشير إليه الآية: إن الواجب على العلماء وعلى كل من يفهم كتاب الله أن يبينه ويوضحه ويظهر ما فيه من عظة وأسرار في الأحكام العامة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والأحكام الدينية وعلاقتها بصالح الأمة- وها نحن نأمل أن يوقظ الله العلماء فيثابروا ويتعاونوا ويستهينوا بالصعاب حتى يخرجوا للناس كنوز الدين بما يلائم المجتمع الحاضر. فإن الواجب ينحصر في شيئين: (أ) تبيين الدين وحقيقته لغير المؤمنين حتى يهتدوا به ويدخلوا فيه. (ب) تبينه للمسلمين حتى يهتدوا به ويفهموه على حقيقته ويعرفوا مخلصين أنه الطريق الوحيد للخلاص من كل ما يضرنا ويؤذينا من خلق فاسد وداء كامن ومستعمر جاثم، فو الله! أيها الناس: لا خلاص لنا إلا بالدين ولا خير إلا في القرآن، فتعلموه وافهموه وادرسوه تكونوا من الناجين في الآخرة. وقد روى عن على- كرم الله وجهه- أنه قال: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا .

стр. 318

ذكر الله والتفكر في خلقه وأثرهما [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩٠ الى ١٩٥] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥)

стр. 319

المفردات: خَلْقِ الخلق: التقدير والترتيب الدال على النظام والإحكام. السَّماواتِ السماء: ما علاك. وَالْأَرْضِ: ما نعيش عليها. لَآياتٍ: لأدلة على وجود الله وقدرته ووحدانيته وعلمه. الْأَلْبابِ: العقول. باطِلًا: عبثا لا نتيجة له. سُبْحانَكَ: تنزيها لله عما لا يليق به. الذَّنْبِ: هو الكبيرة، وقيل: ما كان بينك وبين ربك. السيئة: هي الصغيرة، وقيل: ما كان بينك وبين الخلق. المناسبة: قال الإمام الرازي: اعلم أن المقصود من الكتاب الكريم جذب القلوب والأرواح من الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الحق، فلما طال الكلام في تقرير الكلام والجواب عن شبهات المبطلين عاد إلى إثارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والألوهية والكبرياء، والجلال لله- فذكر هذه الآية. المعنى: ما هذا الكون البديع الصنع؟ وما هذا العالم المحكم الترتيب، وما هذه السماء وأعاجيبها، وما بال نجومها وأفلاكها، وما هذه الشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها، والسماء وما بناها؟! وما هذه الأرض وما طحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها، وأنبت فيها كل نبت وأرساها، وشق فيها أنهارها وحلاها، وما هذا الليل والنهار، وهذا الفلك الدوار، ليل يزحف بجحافله، ونهار يختفى بمعالمه، ثم لا يلبث أن تعاد الكرة بنظام ومسرة، أليس يدل هذا على الخبير البصير؟ المحكم التدبير، الواحد القدير؟ إن في ذلك لآيات لأولى الأبصار!! عن عائشة- رضى الله عنها- أن رسول الله ﷺ قال: هل لك يا عائشة أن تأذنى لي الليلة في عبادة ربي؟ فقلت: يا رسول الله إنى لأحب قربك وأحب هواك (ما تهوى

стр. 320

وتريد) وقد أذنت لك، فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلى فقرأ من القرآن، وجعل يبكى حتى بلت الدموع حقويه، ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه، وجعل يبكى، ثم رفع يديه فجعل يبكى حتى رأيت دموعه قد بلت الأرض، فأتاه بلال ليؤذن بصلاة الغداة فرآه يبكى فقال له: يا رسول الله: أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا؟! ثم قال: وما لي لا أبكى؟ وقد أنزل الله علىّ في هذه الليلة: إن في خلق السموات والأرض. ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها. وأولوا العقول والأرواح الطيبة هم الذين ينظرون إلى السماء والأرض وما فيهما فيذكرون الله ويذكرون نعمه وفضله على العالم في كل حال من قيام وقعود واجتماع ذكر بالقلب حتى يطمئن أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [سورة الرعد آية ٢٨] ثم يتبعون ذكر الله بالتفكير في بديع صنعه وأسرار خلقه وما في هذه العوالم من منافع وحكم وأسرار تدل على كمال العلم وتمام القدرة والوحدانية التامة في الذات والصفات والأفعال. والمراد التفكر في خلق الله لا في ذات، الله، فقد ورد «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق» ومع التفكر اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا، وما حال هؤلاء الذين يجمعون بين التذكر والتفكير؟ يقولون باللسان وقلبهم بين الخوف والرجاء: ربنا ما خلقت هذا الكون باطلا وما خلقت هذا الخلق عبثا أو كمّا مهملا! بل لا بد لهذا الخلق من نهاية يأخذ المطيع والعاصي جزاءه إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وإذا كان كذلك فقنا يا ربنا واصرف عنا عذاب النار بعنايتك وتوفيقك لنا. واجعلنا مع الأبرار بهدايتك ورحمتك يا أرحم الراحمين، ثم إنهم بعد أن يصلوا بالفكر والذكر إلى حقيقة هذا العالم ومآله وقد دعوا ربهم أن يقيهم عذاب جهنم في الحياة الثانية يقولون متضرعين: ربنا إنك من تدخله النار فقد أهنته وأخزيته لأن من يعصيك فأنت قاهره ومذلّه، وكيف لا وقد سخرت هذا العالم وأخضعته لكمال قدرتك وعظيم إرادتك، فمن عاداك فلا ملجأ منك إلا إليك، وليس له شفيع أو نصير، وما للظالمين من أنصار!! وقد وصف من يدخل النار بأنه يستحق هذا لظلمه وتجاوزه الحد المعقول، هذا ما نتجه الفكر والنظر الصحيح في الكون وما فيه. وأما السمع فحينما سمعوا نداء الرسل الكرام قالوا: ربنا إننا سمعنا رسولا ينادى

стр. 321

للإيمان: أن آمنوا بربكم وصدقوا برسالتي، فلم يتلكئوا ولم يبطئوا بل أسرعوا فآمنوا بالمنادي ورسالته وكتابه المنزل عليه، ومن آثار الإيمان القلبي المبنى على اليقين الكامل أن قالوا: ربنا فاغفر لنا ذنوبنا التي ارتكبناها من مخالفة أمرك وهكذا حينما يمتلئ القلب من الإيمان الصحيح يشعر صاحبه بالخوف من ذنوبه وهفواته، فيطلب من الله المغفرة والستر (حسنات الأبرار سيئات المقربين) وقيل: المراد بالذنوب: الكبائر، والسيئات: الصغائر، وقال بعضهم: الذنوب: التقصير في عبادة الله، والسيئات: التقصير في حقوق العباد ومعاملة الناس بعضهم لبعض، ربنا وأمتنا مع الأبرار الأطهار من عبادك المخلصين، ربنا وأعطنا ما وعدتنا (وأنت الصادق الوعد) من حسن الجزاء والنصر في الدنيا والنعيم السابغ في الآخرة جزاء على تصديق رسلك واتباعهم، ولا تفضحنا ولا تهتك سترنا يوم القيامة يوم تكشف السرائر وتهتك الحجب والستائر. إنك يا رب لا تخلف الميعاد وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ «١» . فاستجاب لهم ربهم بأن أعطى كل عامل جزاء عمله كاملا غير منقوص سواء كان ذكرا أو أنثى. لا فرق عنده، بل العدل يقتضى المساواة التامة في الجزاء، وقد أشير إلى أن هذا الجزاء إنما هو باعتبار العمل لا باعتبار شيء آخر: «يا فاطمة لا أغنى عنك من الله شيئا» «٢» حديث شريف. وإنه لا فرق بين الذكر والأنثى بعضكم من بعض، فالرجل مولود من الأنثى والأنثى مولودة من الرجل، إذ كلهم لآدم وآدم من تراب. وقد أتبع هذا الحكم ببيان سببه، فلا غرابة في هذا فالذين هاجروا من ديارهم وتركوا أموالهم وأولادهم وديارهم إرضاء لله ورسوله، أو أخرجوا منها عنوة وأوذوا في سبيلي وابتغاء مرضاتي وقاتلوا وقتلوا. لأكفرن عن هؤلاء جميعا سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أثابهم الله ثوابا من عنده وذلك هو الفوز العظيم. والله عنده حسن الثواب، وحيث ربط القرآن الكريم هذا الجزاء العظيم بالهجرة والقتال والإيذاء في سبيل الله يمكننا أن نؤكد ما قلناه أولا من أن السبب في الجزاء هو العمل وأنه لا فرق بين ذكر وأنثى، وإنما الفرق بين عمل وعمل، وإخلاص وعدمه.

стр. 322

الخلاصة: أن الله وعد من فعل ذلك بأمور ثلاثة: ١- محو السيئات وغفران الذنوب جوابا لقولهم: فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ. ٢- هذا الثواب مقرون بالتبجيل والإجلال جوابا لطلبهم: وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ. ٣- إعطاء الثواب العظيم وهو قوله: لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وهذا ما طلبوه بقولهم: وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ. يستفاد من الآية: (أ) أن الجزاء منوط بالعمل لا بشيء آخر. (ب) أن الإسلام يمحو الفوارق بين الذكر والأنثى في العمل والثواب، وهو أول دين كرم المرأة وعرف لها حقوقها، وليس أخذها نصف الرجل في الميراث هضمها لحقها، بل هي مكرمة عند زوجها أو أخيها، والرجل مكلف بزوجة أخرى والولاية لحفظها وصونها وقصرها على ما هو أهم من ذلك. المؤمنون والكافرون وجزاء كل [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٩٦ الى ٢٠٠] لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)

стр. 323

المفردات: لا يَغُرَّنَّكَ الغرة: غفلة في اليقظة، يقال: غرّنى ظاهره، أى: قبلته في غفلة عن امتحانه. تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا: تصرفهم في التجارة والمكاسب. مَتاعٌ المتاع: ما يتمتع به صاحبه، ووصف بالقلة لأنه قصير الأمد زائل وكل زائل قليل. جَهَنَّمُ: اسم للدار التي يجازى فيها الكافرون في الآخرة. الْمِهادُ: المكان الممهد الموطأ كالفراش، والمراد به جهنم وسميت بذلك تهكما. نُزُلًا النزل: ما أعد للضيف من الزاد وغيره. الأبرار: جمع بار، وهو: التقى المبالغ في التقوى. خاشِعِينَ الخشوع: الخضوع. اصْبِرُوا: احبسوا أنفسكم على امتثال الدين وتكاليفه وعن الجزع مما ينالكم. وَصابِرُوا: أسبقوا الكفار في الصبر على الشدائد في الحرب. وَرابِطُوا أقيموا في الثغور وحصنوها. تُفْلِحُونَ الفلاح: الفوز. المناسبة: قال الإمام الرازي: «اعلم أنه- تعالى- لما وعد المؤمنين بالثواب العظيم وكانوا في الدنيا في نهاية الفقر والشدة، والكفار كانوا في النعيم ذكر الله- تعالى- في هذه الآية ما يسليهم ويصبرهم على تلك الشدائد، وذلك ببيان جزاء كل في الآخرة، وأما الدنيا

стр. 324

فنعيمها فان وزائل. ولا تنس أن السورة كلها تدور حول غريزة حب المال وأثرها في القديم مع أمم الأنبياء، ومع المؤمنين في غزوة بدر وأحد. المعنى: لا يغرنك ما ترى من هؤلاء الكفار وتقلبهم في الدنيا وتجارتهم ومكاسبهم فإنه متاع زائل وعرض فإن، وكل زائل قليل، ومثله لا يعتد به ولا ينظر إليه فإن مأواهم ونهايتهم جهنم وبئس ما مهدوا لأنفسهم وأعدوا لها بما جنته أيديهم، فاستحقوا غضب الله عليهم غضبا سرمديا لا نهاية له ولا أمد حيث شاء الله. روى أن بعض المؤمنين قال: إن بعض أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد، فنزلت هذه الآية. ثم بعد أن بين الله حال الكفار ومآل أمرهم في الآخرة أردف ذلك ببيان حال المؤمنين في الدنيا والآخرة ليظهر الفرق جليا وليعرف المسلمون أنهم ليسوا مغبونين في شيء لكن الذين اتقوا ربهم بفعل الطاعات واجتناب المنهيات لهم جنات المأوى تجرى من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها، تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار. وما عند الله بعد هذا خير للأبرار الذين فعلوا البر وأخلصوا فيه وأى خير بجانب ما أعد لهم؟!! فالخيرية ليست على بابها، أى: ما أعد للمؤمنين المتقين هو خير، وما سواه مما أعد للكفار شر. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف ١٠٧] الآية الكريمة حيث قال الله: نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أشار إلى أن المؤمن في الآخرة ضيف على كريم يداه مبسوطتان بالخير، قوى قادر على كل شيء، ملك الملوك، وانظر إلى الكرامة التي خصوا بها من النزل من عند الله. وقد عرفت حال الكفار الذين ماتوا على كفرهم وظلموا معاندين، أما من أسلم منهم كعبد الله بن سلام أو من أسلم من نصارى نجران أو النجاشيّ عظيم الحبشة فالآية تحتمل كل هذا، وإن من أهل الكتاب الذين آمنوا بالله إيمانا حقيقيا خالصا لا نفاق فيه

стр. 325

ولا شبهة، لهم الأجر الكامل عند ربهم، وقد وصفهم الله بأوصاف هي: ١- الإيمان بالله إيمانا صادقا خالصا. ٢- الإيمان بالقرآن المنزل عليكم ولا شك أنه الأساس لما أتى بعده، وهو الحق الذي لا شبهة فيه ولا تحريف. ٣- الإيمان بما أنزل إليهم من التوراة والإنجيل وإن يكن فيه تحريف، أى: أنهم كانوا مؤمنين به فأرواحهم طاهرة نقية، ولا شك أن من يؤمن بالكتب السماوية إيمانا حقيقيا ويترك العناد والحسد والبغضاء والكذب على الله لا بد وأن يؤمن بالقرآن والنبي. ٤- الخشوع لله والخضوع له، وهو ثمرة الإيمان الصحيح ومتى كان القلب خاشعا ممتلئا بخوف الله خضعت له جميع الجوارح «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، ألا وهي القلب» «١» . وإذا حلّت الهداية قلبا ... نشطت في العبادة الأعضاء ٥- ومتى جمعوا تلك الصفات استحال عليهم أن يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا من أعراض الدنيا الفانية، هؤلاء الموصوفون بما ذكر البعيدون في درجة الكمال لهم أجرهم الكامل عند من؟ عند ربهم الذي تولاهم وهداهم ووفقهم، يؤتيهم أجرهم مرتين، ويعطيهم من رحمته كفلين. إن الله سريع الحساب يحاسب الكل ويجازى الكل في أقل من لمح البصر، وقد ختم الله السورة بهذه النصيحة الغالية للمؤمنين التي تنفعهم في الدنيا والآخرة بقوله: يا أيها الذين آمنوا: اصبروا على تكاليف الدين وعلى ما يلمّ بكم من المصائب والشدائد، وصابروا الكفار واغلبوهم في الصبر فتكونوا أكثر تحملا لشدائد الحروب وضرائها، وخص المصابرة بالذكر لأهمّيّتها وخطرها، ورابطوا عند الثغور وخاصة بالخيل وما يلائم قوة الكفار في كل عصر وزمن. واتقوا الله وخافوه واحذروه وراقبوه في السر والعلن لعلكم تفلحون. ولا شك أن من يبذل هذه التضحية ويبالغ فيها كأنه يرجو فلاحا، والصبر والمصابرة ومغالبة الأعداء

стр. 326

فلاح في الدنيا والآخرة ويكون بقصد إقامة الحق والعدل، وإعلاء كلمة الله، وفقنا الله جميعا للخير والفلاح. هذه سورة آل عمران!! أرأيت فيها غير تكوين العقيدة الإسلامية الصحيحة بمناقشته أهل الكتاب- وخاصة المسيحيين- في عقائدهم؟! أرأيت فيها غير تكوين الفرد المسلم والمجتمع المسلم في السلم والحرب؟ لم يكن فيها- علم الله- غير هذا!!

стр. 327

سورة النساء وآياتها مائة وست وسبعون مدنية فقد روى البخاري عن عائشة- رضى الله عنها- أنها قالت: ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله ﷺ وقد بنى النبي ﷺ بعائشة في المدينة في شوال من السنة الأولى للهجرة. اجتماع الناس في أصل واحد [سورة النساء (٤) : آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) المفردات: النَّاسُ: هم الجنس البشرى، وهو الحيوان الناطق المنتصب القامة الذي يطلق عليه الإنسان. وَبَثَّ: نشر. تَسائَلُونَ بِهِ: يسأل بعضكم بعضا بأن يقول: سألتك بالله أن تفعل كذا. وَالْأَرْحامَ: جمع رحم، وهي القرابة من جهة الأب أو الأم. رَقِيباً: مشرفا، والمراد: محافظا. افتتح الله هذه السورة الكريمة بتذكير الناس بأنهم من أصل واحد كلهم لآدم وآدم من تراب، وذكر الرحم والقرابة ليكون هذا كبراعة استهلال لما في السورة من أحكام

стр. 328

المحافظة على أموال الضعاف وأحكام النكاح والإرث، وكأن هذه الأحكام لازمة للناس من حيث كونهم ناسا ولذا بدأها بقوله: يا أيها الناس، وإن تكن السورة مدنية. المعنى: يا أيها الناس خذوا لأنفسكم الوقاية، واتقوا الله الذي رباكم بنعمه، وتفضل عليكم بإحسانه ومننه، فهو الذي خلقكم من جنس واحد وحقيقة واحدة هي آدم- ﵇ وإذا كنا جميعا أبناء لأب واحد، فلا يصح أن نتعدى حدود الله خاصة حدود القربى والرحم الإنسانية. وقيل: هذه النفس لم تبدأ بآدم بل بأوادم قبله، فليس آدم أبا البشر جميعا ... والله أعلم بهذا كله، والخطب يسير، والقرآن أبهم النفس ولم يعرفها فهي تحتمل هذه المعاني وأكثر منها. فإذا ثبت علميا أن آدم أبو البشر أو ليس آدم أبا البشر لم يتعارض ذلك مع القرآن كما تتعارض التوراة وغيرها. على أن الرأى الأول هو الأحسن والذي يتلاءم مع كثير من الأحاديث الصحيحة، والمعنى المراد أنه خلقكم من نفس واحدة أنشأها من تراب وخلق منها زوجها، قيل: من ضلع لآدم كما في الحديث «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها» . وعند بعض العلماء أن المراد أنه خلق من جنسها زوجها فهما من جنس واحد وطبيعة واحدة واستدل على ذلك بقوله- تعالى-: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها [الروم ٢١] وقال في سورة أخرى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا من أنفسهم [الجمعة ٢] فالمراد في الآيات من النفس واحد وهو الجنس ونشر وفرق من آدم وحواء نوعي البشر: الذكور والإناث، فقد خلق آدم من تراب، وخلقت حواء منه، ومنها خلقت الذكور والإناث التي تفرع منهما الإنسان الذي سكن الأرض، وهذا تفصيل لما أجمل في قوله- تعالى-: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ [سورة الزمر آية ٦] .

стр. 329

واتقوا الله الذي تساءلونه به فيقول الواحد منكم لأخيه: أسألك بالله أن تفعل كذا، والمعنى: أسألك بإيمانك به وتعظيمك له. واتقوا الرحم، أى: وصلوا الأرحام بالمودة والإحسان ولا تقطعوها، وكرر الأمر بالتقوى للمبالغة والتأكيد، وفي الأولى ذكر لفظ (الرب) الذي هو علم العطف والتربية في حالة الضعف والحاجة، وفي الثانية لفظ (الله) إذ هو علم المهابة والجلالة ليكون أدعى للإجابة وقبول الأمر، ثم ختم الآية بقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً مشيرا إلى أنه لا يشرع لنا إلا ما به حفظنا ومصلحتنا، وهو الخبير بنا البصير بأحوالنا. ما هي النفس والروح؟: مما لا شك فيه أن في الإنسان ناحية مادية وناحية مبهمة محجوبة بها العقل والحفظ والتذكر، وهذه الأمور آثارها محسوسة بلا شك، وليست من صفات الجسد، فما منشئوها؟ قال الأقدمون عنها: إنها النفس والروح، وهل هي جسم نوراني علوي منفصل عن الجسم متصل به في حال الحياة؟ أو هي حالة تعرض للجسم ما دام حيا وليست جسما؟! رأيان. اليتامى ومعاملتهم في أموالهم [سورة النساء (٤) : آية ٢] وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) المفردات: الْيَتامى: جمع يتيم: وهو من فقد أباه، وخص الفقهاء اليتم بما دون البلوغ. وَلا تَتَبَدَّلُوا: تأخذوه بدله، فالباء داخلة على المتروك. الْخَبِيثَ: الرديء، مأخوذ من خبث الحديد، والمراد منه: الحرام بِالطَّيِّبِ: الحسن، والمراد: الحلال. حُوباً: إثما وذنبا كبيرا.

стр. 330

شروع في بيان نواحي التقوى وجهتها، وأولها المحافظة على مال الضعاف من اليتامى والنساء والسفهاء، حيث ذكرنا الله بالرحم والقربى. المعنى: يا أيها الأوصياء في مال اليتامى: أنفقوا عليه من ماله، واجعلوا ماله خاصا به لا تأكلوا منه شيئا حتى تسلموه إليه بعد البلوغ كاملا غير منقوص، ولا تتمتعوا بمال اليتيم في موضع يجب أن تتمتعوا فيه بمالكم فإنكم إن أخذتم من ماله وتركتم مالكم تكونوا قد استبدلتم الخبيث بدل الطيب، والحرام بدل الحلال، وهذا منهى عنه شرعا. روى أنهم كانوا يضعون الشاة الهزيلة ويأخذون بدلها شاة سمينة، فجاء النهى عن ذلك، ولا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف. ومن كان غنيا فليكن عفيفا عن مال اليتيم، إن أكل مال اليتيم بغير حق ذنب كبير وإثم عظيم، فأقلعوا عنه أيها الناس، واتقوا الله الذي خلقكم من نفس واحدة. تعدد الزوجات والعدل معهن [سورة النساء (٤) : الآيات ٣ الى ٤] وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤) المفردات: تُقْسِطُوا: من أقسط بمعنى عدل ولم يظلم، بخلاف قسط بمعنى ظلم وجار. ما طابَ لَكُمْ: ما مال إليه القلب وعده طيبا من النساء. مَثْنى وَثُلاثَ

стр. 331

وَرُباعَ : هذه ألفاظ معدولة عن اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. تَعُولُوا العول: الجور. صَدُقاتِهِنَّ: مهورهن. نِحْلَةً عطية وهبة. هَنِيئاً مَرِيئاً: طعام هنيء إذا كان سائغا لا تنغيص فيه ولا ألم، وقيل: الهنيء: ما يستلذه الآكل، والمريء: ما تحسن عاقبته وهضمه وتغذيته. سبب النزول: في الصحيحين عن عروة بن الزبير أنه سأل خالته عائشة أم المؤمنين- رضى الله عنها- عن هذه الآية فقالت: يا ابن أختى هذه اليتيمة تكون في حجر وليها يشركها في مالها ويعجبه مالها وجمالها فيريد أن يتزوجها من غير أن يقسط في صداقها، فلا يعطيها مثل ما يعطى أترابها من الصداق، فنهوا عن ذلك وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع. وفي رواية أنها نزلت في اليتيمة تكون عند الرجل فتشاركه في ماله فيرغب عنها ويكره أن يتزوجها غيره فيشاركه في مالها فيعضلها، فلا يتزوجها ولا يزوجها غيره. وفي رواية أخرى عن عائشة قالت: أنزلت في الرجل تكون له اليتيمة وهو وليها ووارثها ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها فلا ينكحها لمالها، فيضربها ويسيء صحبتها، فنزلت الآية على معنى: خذ ما طابت بها نفسك ودع هذه لا تضر بها. وقد كانوا في الجاهلية يتزوجون أكثر من أربعة، بل قد يجمع الرجل ما شاء فيضطر إلى أخذ مال اليتيم، فنهوا عن ذلك كله. المعنى: بعد أن نهاهم الله عن أكل مال اليتامى والجور فيه، ووقع هذا النهى هذا الموقع فتحرجوا من الإثم، قال ما معناه: وإن خفتم عدم العدل في أموال اليتامى وتحرجتم من أكلها بالباطل، وأحسستم الخوف من أكل مال الزوجة اليتيمة وهضم حقوقها في الصداق، فعليكم ألا تتزوجوا

стр. 332

بها وألا تمنعوها من الزواج، فإن الله جعل لكم مندوحة، وشرع لكم الزواج بمن تحبون من النساء الرشيدات من واحدة إلى أربع. وإذا قلت لجماعة: اقتسموا هذا المال بينكم مثنى وثلاث ورباع كان المطلوب أن يأخذ كل واحد منهم ما شاء من اثنين أو ثلاثة أو أربعة لا يجمع بين الأعداد كلها فيأخذ الواحد تسعة مثلا، هذا استعمال العرب وعادتهم، والقرآن عربي مبين. ولكن إذا خفتم ألا تعدلوا مع اثنتين أو ثلاث أو أربع، فتزوجوا واحدة فقط ومعها ما شئتم من الموالي، فإنه لا يخشى معهن الجور وعدم العدل، والخوف من عدم العدل يشمل تحقيق الظلم أو ظنه بل الشك فيه، أما التوهم فالرأى التسامح فيه. فالمعنى: للرجل المسلم أن يتزوج من واحدة إلى أربع ما دام يثق في أنه يعدل ولا يجوز، وإن خاف عدم العدل فلا يتزوج إلا واحدة ومعها ما شاء من الجواري- وهن الإماء الأرقاء المملوكات ملكا شرعيا- والعدل المطلوب بين النساء يكون في القسم بينهن في المبيت والتسوية في المأكل والمشرب والمسكن والأمور المادية، أما الأمور القلبية كالميل والحب فهذا ما ليس في وسعه، ولذا كان الرسول ﷺ يقول: «هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك» وقد كان يحب عائشة أكثر من غيرها ومع هذا ما كان يخصها بشيء إلا بعد أن يستأذن أخواتها. تعدد الزوجات طبيعة الحياة الزوجية تقتضي- بالفطرة- أن يختص الزوج بالزوجة والزوجة بالزوج، فكما أن الزوج يغار جدا على زوجته كذلك الزوجة. ونحن نرى أن البيت الذي فيه ضرّتان فيه خلاف ونزاع وشقاق قد يؤدى إلى الموت والهلاك والعداوات المستحكمة. لهذا يرى البعض أن في إباحة الإسلام التعدد في الزوجات شيئا يتنافى مع الطبيعة ويتنافى مع العقل فمن الخير المنع، فإن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة!!

стр. 333

ولكن الإسلام حينما أباح التعدد أباحه للضرورة وقيده بقيود تكاد تكون بعيدة المنال، فالقرآن يقول: لا تظلموا اليتيمة في مالها ونفسها، وأمامكم النساء غيرها كثيرات. تزوجوا باثنين أو بثلاث أو بأربع ولكن هذا مقيد بقيد العدل وعدم الظلم، لا فرق بين قديمة وحديثة وجميلة وقبيحة!! والقرآن قال في موضع آخر: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ «١» والعدل المقصود منه هنا: الميل القلبي، فإن تحقق العدل الكامل بعيد جدا، والميل واقع حتما، فلم يبح التعدد بلا قيد ولا شرط، بل بشرط بعيد الحصول والتعدد أو الطلاق كحق للزوج لا غبار عليهما أبدا، بل لعلهما بعض الضرورات اللازمة للطبيعة البشرية، ولكن الخطأ الأكبر يجيء من سوء الاستعمال، أما القول بمنعهما ففيه مخالفة لصريح القرآن ومخالفة لمصلحة الرجل والمرأة على السواء. ماذا نفعل في رجل تزوج بامرأة لا تلد، وهو غنى يريد الولد وعنده القدرة على كفاية اثنتين من النساء؟ ورجل عنده نهم على النساء، ومن تحته امرأة عزوف عن الرجال أو بها مانع أو مرض فهل يزنى؟ فيضيع الدين والمال والصحة والشرف!! أم يتزوج بامرأة بشرط عدم الظلم في معاملة الاثنتين. وماذا نعمل في الأمة عقب الحروب التي تبيد أكثر رجالها فتبقى النساء كثيرات مع قلة الرجال، أمن الخير أن يتمتع بعض النساء وتبقى الأغلبية محرومة من عطف الرجل والعائل؟ وقد تضطرها الظروف إلى ارتكاب الإثم والفحش!! إذا الخير في علاج المسألة بعلاج الدين، فنحافظ على المرأة محافظة تامة ونعنى بها عناية كاملة في الحرب والسلم. ولا يضر الدين إساءة المسلمين له في تنفيذ بعض رخصه، فإنا نراهم لا يعدلون بين الأزواج ويتزوجون لمجرد الشهوة والانتقام لا لغرض شريف، ويكفى الإسلام فخرا أن قال بالطلاق ونادى بتعدد الزوجات كثير من فلاسفة الغرب. فالواجب على أولى الأمر أن يعالجوا الداء بما يحسمه مع تنفيذ روح الدين.

стр. 334

وآتوا النساء مهورهن اللاتي يستحقنها تشريفا لهن وتكريما وعلامة على المحبة وتوثيقا لعرى الصداقة والمودة بلا مبالغة ولا إسراف فإن طبن لكم عن شيء من أموالهن وتنازلن عنه فخذوه هنيئا مريئا. متى نعطى أموال اليتامى لهم؟ [سورة النساء (٤) : الآيات ٥ الى ٦] وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦) المفردات: السُّفَهاءَ: جمع سفيه، والسفه: الاضطراب في العقل والفكر والخلق، والمراد به هنا: من لا يحسن التصرف في المال، ويشمل ذلك اليتامى. قِياماً: ما به تقومون وتعيشون. آنَسْتُمْ : أبصرتم وتبينتم. رُشْداً: المراد به: صلاحا للعقل وحفاظا للمال. إِسْرافاً: مجاوزة للحد في كل عمل، وغلب في الأموال. بِداراً: مبادرة ومسارعة. فَلْيَسْتَعْفِفْ: فليطلب العفة وليحمل نفسه عليها، والعفة: ملكة في النفس تقتضي ترك ما لا ينبغي من الشهوات. حَسِيباً: رقيبا.. أمر الله- فيما سبق بإيتاء أموال اليتامى لهم وإعطاء النساء أموالهن

стр. 335

ومهورهن، وهنا شرط ذلك بشرطين: الخلو من السفه، والاختبار حتى لا يضيعوا أموالهم. المعنى: نهى الله- الأمة نهيا عاما، يدخل فيه أولياء اليتامى والسفهاء دخولا من باب أولى.. نهاهم عن إعطاء السفهاء الذين لا يحسنون التصرف في أموالهم، نهاهم عن إعطاء أموالهم لهم، فإنهم يبددونها، والدين حريص على حفظها لهم. وإنما أضاف الأموال للأولياء وقال: (أموالكم) مع أنها أموال اليتامى والسفهاء للإشارة إلى أن الولي يجب عليه أن يحافظ على المال، إذ لو ضاع لوجبت نفقة اليتيم عليه، فكأن مال اليتيم ماله، ولا يخفى عليك مبدأ التكافل في الأمة الواحدة، وانظر إلى القرآن وقد وصف الأموال بأنها جعلت قوامكم في الحياة، فبالمال تبنى الأمم صروح العمران وتقام دعائم الدنيا، وفي هذا إشارة إلى أن المال والاقتصاد مما يرغب فيه الدين. فعليكم- أيها الأولياء- أن تعطوا الأموال لأربابها بشرط ألا يكون سفيها لا يحسن التصرف، وإلا بقي المال في أيديكم حتى يتم تمرينه على المحافظة على الأموال التي جعلها الله قوامكم في الحياة. وارزقوهم منها ومن ثمرتها وكسبها لا من أصلها وذاتها، والرزق يشمل وجوه الإنفاق جميعها من أكل وكسوة وتعليم وتمريض، وخصت الكسوة بالذكر لأنها مظهر خارجى قد يتساهل فيه، وقولوا لهم قولا لينا ليست فيه خشونة، بل عاملوهم معاملة الأولاد بالعطف واللين، وأشعروهم بالعزة والكرامة وأن ما ينفق عليهم من مالهم، وسيأخذونه بعد البلوغ، ويجب عليكم أن تختبروهم لتعرفوا مدى عقلهم وحسن تصريفهم للمال، وقد أطلق القرآن الكريم الابتلاء حتى تتبينوا رشدهم وكمال تصريفهم، لأن لكل زمن وبيئة نظاما، فاختبار المتعلم غير اختبار العامي وهكذا. وهذا الاختبار يكون عند البلوغ، أى: بلوغ سن الزواج والاكتمال العقلي، فإن تبينتم رشدهم فآتوهم أموالهم.

стр. 336

ولا تأخذوها وتأكلوها عن طريق الإسراف والتبذير، فإن طبيعة النفس التبذير في مال الغير، ولا تأكلوها مسرعين قبل أن يصل اليتيم إلى مرحلة البلوغ والإدراك السليم. أما الأكل من غير إسراف ولا تبذير وبلا إسراع ومبادرة فحكمه أن من كان غنيا فليطلب العفة ويحمل نفسه عليها حتى يتعود ذلك، وفي هذا إشارة إلى أن طبيعة النفوس ميالة إلى الاعتداء على حق الغير وإن كان صغيرا ضعيفا. ومن كان فقيرا محتاجا فليأكل بالمعروف شرعا وعرفا بلا إسراف وتبذير حتى قال بعضهم: إن الولي ليس له أن يأكل إلا قرضا أو بأجر المثل. والحكمة في ذلك أن اليتيم الصغير من الخير له أن يخالط الولي ويأكل مع أولاده حتى يتسنى للولي أن يشرف عليه إشرافا فعليا، فإن كان الولي غنيا كانت المخالطة لمصلحة اليتيم، وإن كان فقيرا فالواجب عليه أن يأكل بالمعروف من كسب المال وثمرته، وليس له أن يجمع من مال اليتيم شيئا خاصا به. فإذا اختبرتم اليتيم أو السفيه وتبينتم صلاحيته لإدارة المال فادفعوه إليه بحضور الشهود قطعا للنزاع، والله شهيد عليكم ورقيب فراقبوه فإنه لا تخفى عليه خافية في الأرض والسماء. تشريع حقوق اليتامى والنساء [سورة النساء (٤) : الآيات ٧ الى ١٠] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠)

стр. 337

المفردات: مَفْرُوضاً: محتوما لا بد من أخذه. وَلْيَخْشَ الخشية: الخوف مع تعظيم المخفو والأمل فيه. سَدِيداً: محكما صائبا، والمراد: موافقا للدين. ظُلْماً: بغير حق. سَيَصْلَوْنَ: سيحرقون، من أصلاه إصلاء: أراد إحراقه، ومنه: صلى اللحم: شواه، واصطلى: استدفأ. سَعِيراً: النار المستعرة. سبب النزول: روى أن أوس بن الصامت الأنصارى توفى وترك امرأته أم كحلة وبنات له فمنع ابنا عمه سويد وعرفطة ميراث أوس عن زوجته وبناته، فشكت إلى رسول الله ﷺ فدعاهما رسول الله، فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلّا ولا ينكى عدوا، نكسب عليها ولا تكسب، فنزلت الآية فأثبتت لهن الميراث، ثم نزلت آية المواريث فجعلت لكل حقه. المعنى: إذا توفى رجل وورثه ذكور وإناث- صغارا كانوا أو كبارا- فالله قد أوجب لكل وارث نصيبا مفروضا وقدرا محتوما في المال الموروث من الوالدين أو الأقربين يستوي في ذلك القليل والكثير، وستأتى آية المواريث وتوضح هذا المجمل وتبينه. ولقد عالج القرآن الكريم بمناسبة تقسيم المال في التركات مرضا في نفوسنا وهو تألم البعض من حضور الأقارب ساعة التقسيم، وحسد الأقارب الذين لا يرثون، فقال: إذا حضر مجلس القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فعالجوا شح النفس عندكم واقطعوا ألسنة بعض ضعاف النفوس بأن تعطوهم شيئا من المال ولو قليلا، وقولوا لهم قولا حسنا واعتذارا جميلا يسل السخائم ويهدئ النفوس، والمأمور بهذا هو الولي أو اليتيم عند البلوغ واستلام المال كل هذا تحتمله الآية، والمهم أن هذا أدب قرآنى وعلاج حكيم، ولعل أحدث الدول رجعت تقول بضريبة التركات بل بالغت في درجتها.

стр. 338

ألا ما أحسن كلامك يا خالق الخلق!! وما أحكم دستورك يا إله السماء والأرض، ارجعوا إلى القرآن واعملوا بما فيه فهو الخير ومنه الشفاء وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «١» . وعلاج لمرض آخر وهو أن النفس الإنسانية كثيرا ما تتحامل على اليتيم وتقسو عليه فذكّرنا بشيء يهز القلب ويحرك المشاعر. تذكروا أنكم مفارقون أولادكم واخشوا ترك ذرية ضعفاء كزغب القطا لا حول لها ولا قوة، فاتقوا الله وقولوا قولا سديدا يوافق الدين وتذكّروا أنه كما تدين تدان ، ثم ختم الكلام بهذا التهديد الشديد، إن الذين يأكلون أموال اليتامى ويأخذونها بأى طريق إنما يأكلون في بطونهم ما به يدخلون النار وسيحرقون بنار مسعرة وقودها الناس والحجارة، وقانا الله منها. آيات المواريث [سورة النساء (٤) : الآيات ١١ الى ١٤] يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)

стр. 339

المفردات: يُوصِيكُمُ الوصية: ما تعهد به إلى غيرك من العمل في المستقبل، تقول: سافر

стр. 340

فلان إلى بلد كذا وأوصيته بأن يحضر لي شيئا. حَظِّ: نصيب. كَلالَةً الكلالة: مصدر كلّ يكل كلالا، وهو من الإعياء، ثم استعمل في القرابة البعيدة غير قرابة الأصول والفروع، رجل ذو كلالة ليس له والد ولا ولد، وعلى هذا أكثر الصحابة. حُدُودُ اللَّهِ: جمع حدّ وهو المنع، وأحكام الله مانعة من الوقوع في المعصية. مُهِينٌ: ذو إهانة وذل. سبب النزول: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله: هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال. فقال: يقضى الله في ذلك، فنزلت آية المواريث، فأرسل رسول الله إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثّمن وما بقي فهو لكم «١» ، وهذه أول تركة قسمت في الإسلام. وهذا نظام المواريث في الحكم الإسلامى الذي يفتخر به المسلمون، وقد أصبح قاعدة عامة للمواريث في العالم- إن لم يكن هو المصدر الأول لأحدث الدساتير- ولولا العصبية الممقوتة عند غير المسلمين لأخذوه كله فإنه نظام من حكيم عليم، والآيات تتضمن حقوق الأولاد ذكورا وإناثا (الفروع) ، وحقوق الأصول كالأب والأم، وحقوق الزوجية وحقوق الإخوة لأم. أما الإخوة لأب فحكمهم سيأتى في آخر السورة. ولأن الأولاد أحق بالعطف والمعونة ولأن الأصول قد يكون لهم حق واجب على غير المتوفى، أو لهم قدرة على الكسب، ولقلة ما بقي من عمرهما بدأ بالفروع وكان لهم نصيب كبير. يوصيكم الله وصية لمصلحتكم- أيها المخاطبون والمكلفون- من المسلمين لأنهم هم الذين يقسمون التركات، ولمبدأ تكافل الأمة وأنها كالجسد الواحد، يوصيكم الله في شأن أولادكم أن يأخذوا من تركة أبيهم، وإذا كانوا إناثا وذكورا، فللذكر مثل نصيب

стр. 341

الأنثيين ولا غرابة في هذا، فالرجل محتاج إلى النفقة على نفسه وزوجته، وأخته وأخته تكفل نفسها، فإن تزوجت كانت نفقتها على زوجها. وإن كان للميت ذكر واحد لا أخت له أخذ التركة بعد أخذ أصحاب الفروض كالزوجة والأم والأخ لأم كما سيأتى. وإن كان للميت بنتان فأكثر أخذتا الثلثين فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وقد دخلت البنتان في عموم الآية، لأن البنت مع أخيها تأخذ الثلث وهو يأخذ الثلثين، والذكر له حظ الأنثيين، فإذن البنتان تأخذان الثلثين، ولأن الله صرح في آية أخرى بحق الأختين وأنهما يأخذان الثلثين، وقد ساق القرآن هنا حكم البنتين فأكثر مع بقاء التفريع على ما تقدم، وهذا ما فهمه جمهور الصحابة خلافا لابن عباس الذي يرى أن للبنتين النصف، وإن كانت واحدة فلها نصف ما ترك أبوها والباقي يورث على حسب المواريث الشرعية. حقوق الوالدين: ولأبوى الميت السدس لكل واحد منهما، لا فرق في ذلك بين الأب والأم لأن علاقتهما ومحبتهما بالنسبة له سواء، هذا إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد ولا ولد ابن (الولد يطلق على الذكر والأنثى) وقد ورثه أبواه فلأمه الثلث مما ترك والباقي للأب كما هو معلوم من انحصار الإرث فيهما، فإن كان للميت إخوة من ذكور أو إناث رجعت الأم من الثلث إلى السدس سواء كانت الإخوة لأبوين أو لأحدهما وليس كذلك كالأخ الواحد وقد قضى النبي ﷺ والخلفاء الراشدون من بعده بأن الأخوين والأختين يردون الأم من الثلث إلى السدس، هذا حكم الوالدين مع ولد للميت وعدمه ومع الإخوة للميت، وبقي حكم الوالدين مع أحد الزوجين. والحكم أن الزوجين يأخذان حظهما، والأم ثلث الباقي والأب الباقي من التركة، هذا رأى جمهور الصحابة ما عدا ابن عباس- رضى الله عنهم أجمعين-. يوصيكم الله أن تعملوا بهذه القوانين فإنها خير لكم وأنفع من بعد وصية يوصى بها الميت أو دين يتركه عليه، ولعل تقديم الوصية في الذكر على الدّين لأنها أخذ شيء من

стр. 342

غير عوض، قد تكون ثقيلة على الورثة فقدمها للاعتناء بها، وإن كان الدّين مقدما عليها في الأداء وكان العطف للإيذان بأنهما متساويان في الوجوب متقدمان على القسمة مجموعين أو منفردين. ولا تتبعوا ما كنتم عليه في الجاهلية من حرمان الأنثى والصغير، فلستم تعرفون النافع من الضار فاتبعوا ما أمركم الله به فهو أعلم منكم، بما هو أقرب في النفع لكم، وقد فرض ما ذكر من الأحكام فريضة محكمة لا هوادة في وجوب العمل بها فريضة من الله، إنه كان عليما بكم حكيما يضع الأمور في نصابها. حقوق الأزواج: إن كان الميت أنثى فللزوج النصف، هذا إن لم يكن للزوجة ولد ولا ولد ابن سواء كان من الزوج أو من غيره ويستوي في ذلك الزوجة المدخول بها والمعقود عليها، فإن كان لها ولد أو ولد ابن من أى زوج فلكم أيها الأزواج الربع مما تركن والباقي للأقارب حسب الميراث الشرعي وذلك من بعد وصية توصى بها أو دين ثبت عليها. وإن كان الميت ذكرا فلزوجته الربع من تركته إن لم يكن له ولد ولا ولد ابن، أى: فرع وارث وإن يكن من غيرها، فإن كان له ولد أو ولد ابن فلها الثمن والباقي للورثة حسب المواريث الشرعية، وذلك من بعد وصية يوصى بها أو دين. وإن كان هناك رجل موروث كلالة بأن لم يكن له فرع وارث من ابن أو ابن ابن، وليس له أصل وارث كالأب والجد، وكان له أخ من الأم أو أخت فللأخ من الأم السدس ذكرا كان أو أنثى، فإن كانوا أكثر من ذلك فلهم الثلث كالأم. كل هذا: من بعد وصية يوصى بها أو دين حالة كونه غير مضار في الوصية بأن تكون أكثر من الثلث، وفي الدّين بأن يقر بدين لم يقبضه أو يستغرق المال كله، وشرط عدم الضرر في صاحب الكلالة فقط لأن بعض الناس قد يكره ميراث الكلالة فنهاهم الله عن الضرر في ذلك، والله عليم بالأحوال حليم بنا لا يعاجل بالعقوبة من يستحقها. وبعد أن بين الله الأحكام المتعلقة بالضعفاء من الأيتام والنساء وأحكام المواريث، أشار إلى أنها حدود الله ومحارمه التي لا يصح لمسلم أن يتخطاها ويتجاوزها، ومن حام حولها يوشك أن يقع فيها.

стр. 343

ومن يطع الله باتباع ما أنزله على رسوله وبلغه إلى خلقه ومن يطع الرسول فيما بلغ عن ربه من أحكام وآيات، يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار. وصفها الحقيقي الله أعلم به، وعلينا أن نسلم به وأنه جزاء المحسنين، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ وهم فيها خالدون، وذلك هو الفوز العظيم. وأما من يتعدّ حدود الله وينتهك حرمات الله ويعص الله ورسوله يدخله نارا وقودها الناس والحجارة خالدين فيها إلى ما شاء الله وله عذاب مهين ومذل له فهو عذاب مادى وروحي. الفاحشة وجزاؤها [سورة النساء (٤) : الآيات ١٥ الى ١٦] وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (١٦) المفردات: يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ: يفعلنها، والفاحشة: ما فحش ذنبه وقبح جرمه كالزنا. يَتَوَفَّاهُنَّ يقال: توفيت مالي على فلان واستوفيته: قبضته، والمراد: توفى أرواحهن ملك الموت. المعنى: واللاتي يأتين الفعلة الممقوتة وهي الزنا، ولا شك أنها أكبر الفواحش وأحقرها،

стр. 344

ومن يفعلها من النساء فاطلبوا أربعة من الرجال يشهدون عليهن، والخطاب للأمة كلها لأن هذا مرض عام يفت في عضد الأمة، فإن شهدوا عليهن فأمسكوهن في البيوت فإنهن جرثومة الفساد، وداء إذا تفشى أهلك الأمم والأفراد حتى يتوفى أرواحهن ملك الموت ويقبضها، أو يجعل الله لهن سبيلا بأن يتزوجن ويقلعن، وقيل: هو الحد عن هذا الداء الحقير ولا يكون ذلك إلا من الله وتوفيقه. واللذان يأتيان الفاحشة من الزاني والزانية غير المحصنين فآذوهما بالتأديب والتوبيخ، فإن تابا وأصلحا حالهما وأعرضا عن هذا العمل المشين فأعرضوا عنهما وكفوا الأذى، إن الله كان توابا يقبل التوبة من عباده ويعفوا عن السيئات رحيما بعباده. وفي هاتين الآيتين رأيان: رأى الجمهور القائل: إن الفاحشة هي الزنا خاصة، فالآيات الأولى في المحصنات من النساء، أى المتزوجات، والآية الثانية في الأبكار، ولذا كان عقابهن خفيفا.. والآيتان منسوختان بالحد المفروض في سورة النور من الرجم والجلد وهو المراد بالسبيل الذي جعله الله للنساء المحبوسات في البيوت. وعن أبى مسلم أن الآية الأولى في المساحقات التي تحصل بين النساء، والثانية في اللواط، وعلى هذا فلا نسخ، وقد قال بذلك مجاهد، والله أعلم. متى يقبل الله التوبة [سورة النساء (٤) : الآيات ١٧ الى ١٨] إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٨)

стр. 345

المفردات: السُّوءَ: العمل القبيح الذي يسوء فاعله، فيشمل الصغائر والكبائر. بِجَهالَةٍ المراد بها: الجهل والسفه بارتكاب ما لا يليق بالعاقل، لا عدم العلم، وذلك يكون عند ثورة الشهوة أو الغضب، وكل من عصى الله فهو جاهل. أَعْتَدْنا: هيأنا وأعددنا. المعنى: إنما قبول التوبة والغفران واجب على الله لسابق وعده الكريم فقد كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [سورة الأنعام آية ٥٤] . قبول التوبة متحقق للذين يعملون المعصية ويلمون بها ولم يصروا عليها لأنهم فعلوها بدافع الهوى والشيطان، حتى إذا ما ثابوا لأنفسهم ورجعوا لعقولهم أدركوا خطأهم وأنبوا أنفسهم وتابوا إلى الله توبة نصوحا هؤلاء هم الذين يعملون السوء، أى: المعصية الواحدة التي لم تكرر حتى تصير سيئات- كما في الصنف الثاني- في ثورة الجهل والسفه، والغضب، حتى إذا زالت تلك الحال تابوا من قريب، أى: بعد وقوعها بسرعة، فأولئك يتوب الله عليهم. والله الذي أوجب قبول التوبة على نفسه عليم بخلقه إذ إن النفس الإنسانية قد تشذ ويغويها الشيطان فتقع في المعصية، فلولا باب التوبة ليئس الناس وظلوا على حالهم، وهو الحكيم في صنعه- . وليست توبة الذين يعملون السوء بعد السوء حتى تصير لهم سيئات وسيئات مقبولة عند الله، وذلك أن المعصية تجعل في القلب نكتة سوداء. بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون من المعاصي، هؤلاء لا تقبل توبتهم، وكيف تقبل وهم يظلون على عملهم سادرين في غيهم؟ حتى إذا أدركهم الموت وساعته تابوا عند العجز عن المعصية والخوف من العقاب.

стр. 346

وأما حديث أن التوبة تقبل ما لم يغرغر فمحمول على من تاب توبة خالصة لله، يدرك فيها المذنب قبح فعله السابق ويندم ندما حقيقيّا وقلما يحصل مثل هذا. ولا يقبل الله توبة الذين يموتون وهم كفار. وقد سوى الله بين من يموت كافرا وبين من يؤجل التوبة حتى تحضره الوفاة إذ هي لا تكون إلا عند التكليف والاختيار. أولئك هيأنا لهم عذابا مؤلما ومذلا لهذين الفريقين اللذين استعبدهما الشيطان إلى الموت. كيف نعامل نساءنا؟ [سورة النساء (٤) : الآيات ١٩ الى ٢١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١)

стр. 347

المفردات: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ العضل: داء عضال، أى: شديد، وعضلت المرأة بولدها: إذا اختنقت رحمها به فخرج بعضه وبقي بعضه، فالعضل: الشدة والتضييق والحبس. الفاحشة: الفعلة الشنيعة القبيحة. مُبَيِّنَةٍ: واضحة ظاهرة. بِالْمَعْرُوفِ: ما لا ينكره الشرع والعرف والطبع. والبهتان: الكذب. أَفْضى: وصل إليها وصولا خاصا وهو ما يكون بين الزوجين. مِيثاقاً غَلِيظاً: عهدا مؤكدا ربط برباط قوى محكم. كانت المرأة في الجاهلية تعد من قبيل المتاع حتى كان أقارب الزوج المتوفى يستولون عليها كرها. روى البخاري: أنه كان إذا مات الرجل منهم كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها، فنزلت الآية. وقيل: كان الرجل يمسك المرأة وهو لها كاره حتى تموت فيرثها!! وكان الرجل إذا تزوج امرأة ولم تكن تكفى حاجته حبسها مع سوء العشرة لتفتدى نفسها بمالها وتختلع، فقيل: ولا تعضلوهن ... الآية. وكان من عادتهم في الجاهلية أيضا إذا أرادوا فراق امرأة رموها بفاحشة حتى تخاف وتشترى نفسها بالمهر الذي دفعه إليها. والآية الكريمة فيها دواء لهذه الأدواء وعلاج كريم ورفع المرأة إلى مكانتها اللائقة بها كشريكة في الحياة وكإنسان حي له كرامة وشخصية. وهكذا الإسلام والقرآن من أربعة عشر قرنا يعالج ولكن بحكمة لا إفراط ولا تفريط. لأنه تنزيل من حكيم عليم. فيا من اتصفتم بالإيمان بالله ورسوله لا يليق أن تعاملوا المرأة كالمتاع فتستولون عليها وترثونها وهي كارهة لهذا، لا يحل لكم أبدا أن تفعلوا فعل الجاهلية إن شاء أحد الأقارب تزوجها وإن شاء أمسكها ومنعها إلى أن تموت، تالله إن هذا عمل لا يليق بكم أبدا. ولا يحل لكم أن تضيقوا عليهن، وتضاروهن حتى يضطروا إلى الافتداء بالمال والصداق، فإن النبي ﷺ قال: «استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان في أيديكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله» .

стр. 348

وهل يليق بمن اتصف بالإيمان وخالط قلبه بشاشته أن يفعل الإيذاء خاصة مع من أفضى إليها وعاشرها معاشرة الأزواج لأجل المال أو العتاد؟ تالله إن هذا لا يليق أبدا. ما دامت المرأة في طاعته وتحفظ فراشه وتقوم بخدمته، فإذا نشزن عن طاعتك وساءت عشرتهن ولم ينفع معها النصح أو التأديب أو ظهر- والعياذ بالله- أنها ارتكبت فاحشة كالزنا أو السرقة أو نحوها من الأمور الممقوتة شرعا وعرفا فلكم حينئذ أن تعاكسوهن وتعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أعطيتموه لهن من المال والصداق، وإنما شرط في الفاحشة أن تكون ظاهرة فاضحة لئلا يستغل هذا بعض ضعاف النفوس من الرجال فيرمى المرأة العفيفة بشيء لمجرد الظن فقط، وإنما أبيح للرجل التضييق على المرأة التي تأتى بالفاحشة خشية أن يستغل بعض النساء هذا فيفحشن في القول والفعل حتى يطلقها زوجها فتتاجر بالمال والصداق مع كل رجل. ويا أيها المؤمنون عاشروا نساءكم بالمعروف وخالطوهن بما تألفه الطباع السليمة ولا ينكره الشرع ولا العرف من غير تضييق في النفقة ولا إسراف، وفي كلمة المعاشرة معنى المشاركة والمساواة، أى: كلّ يعاشر صديقه من جانبه بالمعروف معرضا عن الهفوات جالبا للسرور معينا على الشدائد حافظا للود وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً «١» فإن كرهتموهن لعيب خلقي أو دمامة في خلقتهن أو تقصير أو مرض أو لهوى في نفوسكم فاصبروا ولا تتعجلوا، فعسى أن تكرهوا شيئا وفيه الخير الكثير لكم، ومن يدرى؟ إن هذه الدميمة تكون أم الأولاد النجباء وربة البيت الأمينة المحافظة المقتصدة الصبور المعينة لك في السراء والضراء، والحوادث تثبت أكثر من هذا، فالصبر الصبر أيها المؤمنون، وحسن المعاشرة وإن أردتم استبدال زوج جديد مكان زوج سابقة كرهتموها وهي لم تأت بفاحشة ظاهرة وقد كنتم آتيتموها المال الكثير قبل ذلك، فلا تأخذوا من هذا المال شيئا لأنها لم ترتكب ذنبا تستحق أن يؤخذ منها المال وإرادة الاستبدال ليست شرطا في عدم حلّ الأخذ بل هو الكثير الغالب. وكيف تأخذونه وتستسيغون ذلك بعد أن تأكدت بينكم رابطة الزوجية بأقوى رباط حيوي وباشر كل منكم الآخر ولابسه ملابسة يتكون منها الولد، واطلع على ما لم يطلع عليه أب أو أخ؟! إن هذا الشيء عجيب، أتأخذونه بالبهتان آثمين وقد أفضى

стр. 349

بعضكم إلى بعض، وأخذن منكم ميثاقا غليظا هو حق الصحبة والمضاجعة، ووصفه بالغلظ لقوته وعظمته، وقيل: الميثاق: «إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» . والشريعة لم تحدد مقدار الصداق بل تركته للظروف والأحوال، وإن التغالى فيه لمعوق للزواج الذي هو مطلوب الشرع. من يحرم التزوج بهن [سورة النساء (٤) : الآيات ٢٢ الى ٢٣] وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٢٣) المفردات: سَلَفَ مضى. مَقْتاً: ممقوتا ومبغوضا. ساءَ سَبِيلًا أى: بئس ذلك طريقا.

стр. 350

المعنى: ذكر الله في هاتين الآيتين ما يحرم على الرجال نكاحهن وقد كانوا في الجاهلية إذا توفى الرجل عن امرأته كان ابنه أحق بها ينكحها إن شاء إن لم تكن أمه، أو ينكحها من شاء!! والمراد بالنكاح: العقد كما قال ابن عباس. روى ابن جرير: كل امرأة تزوجها أبوك دخل بها أو لم يدخل بها فهي حرام، والمراد بالآباء ما يشمل الأجداد، والمراد أنكم تستحقون العقاب لنكاحكم ما نكح آباؤكم إلا ما مضى فهو معفو عنه، إن هذا النكاح كان فاحشة يأباها العقل وممقوتا في الشرع وساء سبيلا، وبئس ذلك الطريق في العرف، ولذا كانوا يسمونه نكاح المقت وبعد هذا بين الله أنواع المحرمات وهي أنواع. نكاح الأصول: فقد حرم الله نكاح الأمهات وكذا الجدات. ونكاح الفروع: فقد حرم الله نكاح البنات وهن يشملن بنات الصلب وبنات الأبناء. نكاح الحواشي القريبة والبعيدة: فقد حرم نكاح الأخت سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم. ونكاح العمات والخالات القريبة والبعيدة كعمة الأب وخالة الأم. وقد حرم بنات الأخ وبنات الأخت من جهة الأبوين أو لأب أو لأم. ما حرم من جهة الرضاع: يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب.

стр. 351

فإذا رضع طفل من امرأة فهي أمه تحرم عليه، وزوجها أبوه وأولادها أخواته، وهكذا للرضاع أحكام كثيرة مذكورة في كتب الفقه، ويجب على المسلمين العناية به. ما يحرم بسبب المصاهرة: فقد حرم أم الزوجة التي دخلت بها أو عقدت عليها، وكالأم الجدة. وابنة الزوجة التي من غيرك- وهي الربيبة- بشرط الدخول بأمها، وكذا أولاد أولادها، فإن لم يدخل بها لا يحرم عليها بناتها، وزوجة الابن وابن الابن تحرم على الأب والجد. ما يحرم بسبب عارض: الجمع بين الأختين أو بين المرأة وقريباتها، وضابط ذلك كل امرأتين بينهما قرابة لو كانت إحداهما ذكرا لحرم عليه نكاح الأخرى كالمرأة وعمتها وخالتها ... إلخ. إلا ما قد سلف فلا يؤاخذ عليه ... وعن ابن عباس أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما حرم الله إلا نكاح امرأة الأب والجمع بين الأختين. إن الله كان غفورا رحيما. والله أعلم.

стр. 352

من أحكام الزواج [سورة النساء (٤) : آية ٢٤] وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤) المفردات: وَالْمُحْصَناتُ الإحصان في القرآن جاء بأربع معان: الزواج كما في قوله تعالى وَالْمُحْصَناتُ أى: المتزوجات لأنهن دخلن حصن الزواج وحمايته. العفة: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ. الحرية: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الإسلام: فَإِذا أُحْصِنَّ أى: أسلمن عند بعض العلماء. ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ المراد بهن: ما سبين في حروب دينية وأزواجهن كفار في دار الحرب. أُجُورَهُنَّ المراد بها هنا: المهور. فَرِيضَةً: مفروضة ومقدرة. لا جُناحَ: لا إثم ولا حرج. المعنى: ذكر الله- سبحانه- في الآية السابقة المحرمات من النساء بسبب النسب أو الرضاع أو المصاهرة أو بسبب عارض كأخت الزوجة وعمتها ... إلخ. وفي الآية هنا ذكر أن

стр. 353

المحصنات من النساء بمعنى المتزوجات كذلك يحرمن ما دمن في عصمة رجل ... إلا اللاتي سبين في حرب دينية بيننا وبين الكفار، أى: ليست حرب استعمار واستغلال، فقد روى عن أبى سعيد الخدري أنه قال: «أصبنا سبيا يوم (أوطاس) ، ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا النبىّ ﷺ فنزلت الآية فاستحللناهن» فقد أحل الله للمسلم نكاح المسبية بعد براءة رحمها من زوجها الأول، وشرط الأحناف أنه لا بد من اختلاف الدار بينها وبين زوجها، فلو سبيت هي وزوجها لم تحل لغيره. ولعل سائلا يقول: الرق وصمة عار فكيف يبيح الإسلام هذه المعاملة؟ نعم هو وصمة عار والإسلام لم يفرضه ولم يحرمه، بل لم ترد آية واحدة في القرآن تبيح الرق، وقد ترك لإمام المسلمين الحرية فيما يراه صالحا وموافقا لمصلحة الدولة من ناحية الأسرى فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [سورة محمد آية ٤] . وفي هذا الحكم خاصة نظر القرآن إلى مصلحة المرأة نفسها، إذ غالبا زوجها قتل في الحرب وفرق بينه وبينها، فلن يعود إليها. فبدل أن تكون جرثومة فساد، أو عالة على المجتمع، ندب لها كافلا أو زوجا يكفيها مئونة العيش ولم يتركها. بل أمره بالعدل معها والرحمة، وحثه على العتق ورغبه فيه، وشرطه في كثير من الكفارات. وبالجملة فقد حرم الله علينا المحصنات من النساء إلا ما سبيناهن في حروب دينية. وعلى هذا الأساس فليس هناك رق في العالم يقره الإسلام ويرضاه إلا لضرورة. كتب الله علينا هذه المحرمات كلها، وأحل لكم ما وراء ذلك المذكور من المحرمات في قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ... إلى هنا، وكذا المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره، والمشركة حتى تسلم، فعل ذلك لأجل أن تبتغوا النكاح الحلال وتطلبوه بأموالكم متى تدفعونها للزوجة أو ثمنا للأمة بشرط قصد الإحصان والإعفاف. لا بقصد سفح الماء والزنا محصنين أنفسكم وزوجاتكم غير مسافحين ولا زانين. فالقصد الصحيح الشرعي من الزواج هو الإعفاف، وحفظ الماء، والنسل الطاهر، فيختص كل رجل بأنثى وكل أنثى برجل، وهذا هو معنى الإحصان وعدم سفح الماء، فإن الزاني لا يريد باتصاله بالمرأة إلا سفح الماء فقط استجابة لداعي الطبيعة الحيوانية فيه.

стр. 354

فما استمتعتم به من النساء فآتوهن مهورهن التي اتفقتم عليها وفرضتموها على أنفسكم، فريضة من الله العليم الحكيم. والمهر ليس في مقابلة المتعة للرجل، وحق الإشراف على البيت والقيامة على المرأة، وإنما هو لتحقيق العدل والمساواة ودليل المحبة والإخلاص، ولذا سماه الله نحلة وعطية، ولا جناح عليكم فيما لو تراضيتم واتفقتم بعد العقد، فزدتم في المهر أو نقصتم فيه أو تنازلت الزوجة عن شيء لمصلحة الحياة الزوجية وعلامة على الإخلاص والتعاون إن الله كان عليما بكل نية وقصد، حكيما في كل قانون يسنه لعباده. والمهر يجب بالعقد أو الدخول، وفي بعض المذاهب بالخلوة الصحيحة. متى تنكح الأمة وما جزاؤها على الفاحشة [سورة النساء (٤) : آية ٢٥] وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) المفردات: يَسْتَطِعْ الاستطاعة: كون الشيء في طوعك. لا يتعاصى عليك. طَوْلًا: زيادة وفضلا في المال أو الحال. الْمُحْصَناتِ والمراد هنا: الحرائر.

стр. 355

مُسافِحاتٍ: زانيات. أَخْدانٍ جمع خدن: وهو الصاحب أو الرفيق الذي يزنى سرّا. بِفاحِشَةٍ: بفعلة قبيحة وهي الزنا. الْعَنَتَ أصله: كسر العظم بعد الجبر، ثم استعير لكل مشقة وضرر. المعنى: ومن لم يستطع منكم من جهة الطول والقدرة في المال، أو الحال لسبب من الأسباب. أن ينكح الحرائر اللاتي أحصنتهن الحرية، ومنعتهن عن الوقوع في المفاسد خاصة المؤمنات، فلينكح ما ملكته يمينه من المسبيات في الحرب الدينية من فتياتكم، والمؤمنات منهن أفضل، وانظر إلى قوله تعالى: مِنْ فَتَياتِكُمُ بدل إمائكم، للإشارة إلى أنهن أخواتكن فليعاملن معاملة كريمة عزيزة. ثم رغب القرآن في نكاحهن بقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فأنتم أيها المؤمنون أولى ببعض فلا ينبغي أن يعد نكاح الإماء عيبا، إذ المهم هو الإيمان والله أعلم به، فرب أمة خير من ألف حرة إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ «١» . فانكحوهن أيها الراغبون بإذن أهلهم، وهم الموالي المالكون، وقيل: من له ولاية عليهن كالأب والجد أو القاضي والموصى. أدوا إليهن مهورهن كاملة بالمعروف شرعا وعادة بلا نقص أو تهاون، حالة كونهن متزوجات منكم، محصنات بكم، لا مسافحات ولا زانيات، بمعنى ادفعوا المهر بقصد الزواج والإحصان لا بقصد الزنا والسفاح، بشرط ألا يكن متخذات أخدان وأصحاب يزنين بهن سرّا. والفاحشة كانت في الجاهلية على نوعين: سرّا وكان يأنف منها الأشراف، وجهرا وكان يقوم بها الإماء فقط، وينصبون علامة حمراء لهن في الجبل بل كان بعضهم يشترى الإماء لهذا، ولذا نرى الله يقول: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ «٢» وقيد هنا بقوله: غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ في جانب الإماء لأنهن أقرب إلى الوقوع في الفاحشة من الحرائر، وعند الكلام على الحرائر قال: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ لأن الرجال أكثر منهن انقيادا لدواعى الفاحشة وهم الذين يطلبونها من النساء غالبا.
следующие страницы →