فإذا رضع طفل من امرأة فهي أمه تحرم عليه، وزوجها أبوه وأولادها أخواته، وهكذا للرضاع أحكام كثيرة مذكورة في كتب الفقه، ويجب على المسلمين العناية به.
ما يحرم بسبب المصاهرة:
فقد حرم أم الزوجة التي دخلت بها أو عقدت عليها، وكالأم الجدة.
وابنة الزوجة التي من غيرك- وهي الربيبة- بشرط الدخول بأمها، وكذا أولاد أولادها، فإن لم يدخل بها لا يحرم عليها بناتها، وزوجة الابن وابن الابن تحرم على الأب والجد.
ما يحرم بسبب عارض:
الجمع بين الأختين أو بين المرأة وقريباتها، وضابط ذلك كل امرأتين بينهما قرابة لو كانت إحداهما ذكرا لحرم عليه نكاح الأخرى كالمرأة وعمتها وخالتها ... إلخ.
إلا ما قد سلف فلا يؤاخذ عليه ... وعن ابن عباس أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما حرم الله إلا نكاح امرأة الأب والجمع بين الأختين. إن الله كان غفورا رحيما.
والله أعلم.
стр. 352
من أحكام الزواج [سورة النساء (٤) : آية ٢٤]
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤)
المفردات:
وَالْمُحْصَناتُ الإحصان في القرآن جاء بأربع معان: الزواج كما في قوله تعالى وَالْمُحْصَناتُ أى: المتزوجات لأنهن دخلن حصن الزواج وحمايته. العفة:
مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ. الحرية: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الإسلام: فَإِذا أُحْصِنَّ أى: أسلمن عند بعض العلماء. ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ المراد بهن: ما سبين في حروب دينية وأزواجهن كفار في دار الحرب. أُجُورَهُنَّ المراد بها هنا: المهور. فَرِيضَةً: مفروضة ومقدرة.
لا جُناحَ: لا إثم ولا حرج.
المعنى:
ذكر الله- سبحانه- في الآية السابقة المحرمات من النساء بسبب النسب أو الرضاع أو المصاهرة أو بسبب عارض كأخت الزوجة وعمتها ... إلخ. وفي الآية هنا ذكر أن
стр. 353
المحصنات من النساء بمعنى المتزوجات كذلك يحرمن ما دمن في عصمة رجل ... إلا اللاتي سبين في حرب دينية بيننا وبين الكفار، أى: ليست حرب استعمار واستغلال،
فقد روى عن أبى سعيد الخدري أنه قال: «أصبنا سبيا يوم (أوطاس) ، ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا النبىّ ﷺ فنزلت الآية فاستحللناهن»
فقد أحل الله للمسلم نكاح المسبية بعد براءة رحمها من زوجها الأول، وشرط الأحناف أنه لا بد من اختلاف الدار بينها وبين زوجها، فلو سبيت هي وزوجها لم تحل لغيره.
ولعل سائلا يقول: الرق وصمة عار فكيف يبيح الإسلام هذه المعاملة؟
نعم هو وصمة عار والإسلام لم يفرضه ولم يحرمه، بل لم ترد آية واحدة في القرآن تبيح الرق، وقد ترك لإمام المسلمين الحرية فيما يراه صالحا وموافقا لمصلحة الدولة من ناحية الأسرى فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [سورة محمد آية ٤] . وفي هذا الحكم خاصة نظر القرآن إلى مصلحة المرأة نفسها، إذ غالبا زوجها قتل في الحرب وفرق بينه وبينها، فلن يعود إليها. فبدل أن تكون جرثومة فساد، أو عالة على المجتمع، ندب لها كافلا أو زوجا يكفيها مئونة العيش ولم يتركها. بل أمره بالعدل معها والرحمة، وحثه على العتق ورغبه فيه، وشرطه في كثير من الكفارات.
وبالجملة فقد حرم الله علينا المحصنات من النساء إلا ما سبيناهن في حروب دينية.
وعلى هذا الأساس فليس هناك رق في العالم يقره الإسلام ويرضاه إلا لضرورة.
كتب الله علينا هذه المحرمات كلها، وأحل لكم ما وراء ذلك المذكور من المحرمات في قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ... إلى هنا، وكذا المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا غيره، والمشركة حتى تسلم، فعل ذلك لأجل أن تبتغوا النكاح الحلال وتطلبوه بأموالكم متى تدفعونها للزوجة أو ثمنا للأمة بشرط قصد الإحصان والإعفاف. لا بقصد سفح الماء والزنا محصنين أنفسكم وزوجاتكم غير مسافحين ولا زانين.
فالقصد الصحيح الشرعي من الزواج هو الإعفاف، وحفظ الماء، والنسل الطاهر، فيختص كل رجل بأنثى وكل أنثى برجل، وهذا هو معنى الإحصان وعدم سفح الماء، فإن الزاني لا يريد باتصاله بالمرأة إلا سفح الماء فقط استجابة لداعي الطبيعة الحيوانية فيه.
стр. 354
فما استمتعتم به من النساء فآتوهن مهورهن التي اتفقتم عليها وفرضتموها على أنفسكم، فريضة من الله العليم الحكيم.
والمهر ليس في مقابلة المتعة للرجل، وحق الإشراف على البيت والقيامة على المرأة، وإنما هو لتحقيق العدل والمساواة ودليل المحبة والإخلاص، ولذا سماه الله نحلة وعطية، ولا جناح عليكم فيما لو تراضيتم واتفقتم بعد العقد، فزدتم في المهر أو نقصتم فيه أو تنازلت الزوجة عن شيء لمصلحة الحياة الزوجية وعلامة على الإخلاص والتعاون إن الله كان عليما بكل نية وقصد، حكيما في كل قانون يسنه لعباده.
والمهر يجب بالعقد أو الدخول، وفي بعض المذاهب بالخلوة الصحيحة.
متى تنكح الأمة وما جزاؤها على الفاحشة [سورة النساء (٤) : آية ٢٥]
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)
المفردات:
يَسْتَطِعْ الاستطاعة: كون الشيء في طوعك. لا يتعاصى عليك.
طَوْلًا: زيادة وفضلا في المال أو الحال. الْمُحْصَناتِ والمراد هنا: الحرائر.
стр. 355
مُسافِحاتٍ: زانيات. أَخْدانٍ جمع خدن: وهو الصاحب أو الرفيق الذي يزنى سرّا. بِفاحِشَةٍ: بفعلة قبيحة وهي الزنا. الْعَنَتَ أصله: كسر العظم بعد الجبر، ثم استعير لكل مشقة وضرر.
المعنى:
ومن لم يستطع منكم من جهة الطول والقدرة في المال، أو الحال لسبب من الأسباب. أن ينكح الحرائر اللاتي أحصنتهن الحرية، ومنعتهن عن الوقوع في المفاسد خاصة المؤمنات، فلينكح ما ملكته يمينه من المسبيات في الحرب الدينية من فتياتكم، والمؤمنات منهن أفضل، وانظر إلى قوله تعالى: مِنْ فَتَياتِكُمُ بدل إمائكم، للإشارة إلى أنهن أخواتكن فليعاملن معاملة كريمة عزيزة.
ثم رغب القرآن في نكاحهن بقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فأنتم أيها المؤمنون أولى ببعض فلا ينبغي أن يعد نكاح الإماء عيبا، إذ المهم هو الإيمان والله أعلم به، فرب أمة خير من ألف حرة إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ «١» .
فانكحوهن أيها الراغبون بإذن أهلهم، وهم الموالي المالكون، وقيل: من له ولاية عليهن كالأب والجد أو القاضي والموصى. أدوا إليهن مهورهن كاملة بالمعروف شرعا وعادة بلا نقص أو تهاون، حالة كونهن متزوجات منكم، محصنات بكم، لا مسافحات ولا زانيات، بمعنى ادفعوا المهر بقصد الزواج والإحصان لا بقصد الزنا والسفاح، بشرط ألا يكن متخذات أخدان وأصحاب يزنين بهن سرّا.
والفاحشة كانت في الجاهلية على نوعين: سرّا وكان يأنف منها الأشراف، وجهرا وكان يقوم بها الإماء فقط، وينصبون علامة حمراء لهن في الجبل بل كان بعضهم يشترى الإماء لهذا، ولذا نرى الله يقول: وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ «٢» وقيد هنا بقوله: غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ في جانب الإماء لأنهن أقرب إلى الوقوع في الفاحشة من الحرائر، وعند الكلام على الحرائر قال: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ لأن الرجال أكثر منهن انقيادا لدواعى الفاحشة وهم الذين يطلبونها من النساء غالبا.
стр. 356
فإذا أحصن بالزواج، وقيل: بالإسلام، فإن أتين بفاحشة الزنا، فجزاؤهن خمسون جلدة على النصف من الحرة، وقال العلماء: المتزوجة من الإماء حدّت بالقرآن، والبكر منهن حدت بالسنة. لما
ورد في الصحيحين من أن النبي ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: «اجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير» «١» .
وإنما كانت الأمة على النصف لأنها ضعيفة المقاومة، والحرة أبعد عن داعية الفاحشة فلذا رحم الله ضعف الأمة!! ذلك أن جواز نكاح الإماء لمن خاف العنت والمشقة في ارتكاب الإثم والفاحشة حيث لم يستطع نكاح الحرة لسبب من الأسباب. وصبركم عن نكاح الإماء خير لكم، وإن رخص الشارع في نكاحهن للضرورة، إذ فيه يعرض الولد للرق، وحق الولي فيها أقوى فلا تخلص للزوج كالحرة فهو يقدر على استخدامها كيفما يريد في سفر أو حضر وعلى بيعها، وهي ممتهنة خرّاجة ولّاجة والله غفور لمن يصبر، ستار على العيوب والذنوب، رحيم بكم حيث رخص لكم في نكاحهن للضرورة.
نكاح المتعة: هو نكاح المرأة إلى أجل معين، وقد أباحه النبي ﷺ أولا ثم حرمه تحريما مؤكدا، وليس في الآية دليل على جوازه خلافا لبعضهم.
تقدير المهر: المهر في الشرع ليس له حد في القلة أو الكثرة إذ
قد ورد عن النبي ﷺ : «التمس ولو خاتما من حديد» «٢»
وفي القرآن: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً «٣» ولكن المغالاة فيه ليست من المصلحة في شيء بل قد تعوق الزوج.
стр. 357
حكم عامة للأحكام السابقة [سورة النساء (٤) : الآيات ٢٦ الى ٢٨]
يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٢٨)
المفردات:
سُنَنَ: جمع سنة، وهي الطريقة والشريعة. ضَعِيفاً: غير قادر على مخالفة نفسه وهواه.
المعنى:
بعد ما ذكر الله الأحكام السابقة المتعلقة بالبيوت والنكاح- حلاله وحرامه- كأن سائلا سأل: ما هي الحكمة في ذلك؟ وهل الأنبياء والأمم السابقة كانت مكلفة بمثل هذا؟ وهل هذه الأحكام مقصود بها التخفيف علينا أم التشديد؟ فأجاب الله بهذه الآيات مبينا الحكم العالية في آياته وأحكامه وأنه ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ «١» ..
يريد الله أن يبين لكم ما هو خفى عنكم، ويرشدكم إلى ما فيه مصلحتكم، ويهديكم إلى مناهج من قبلكم من الأنبياء والصالحين وطرقهم التي سلكوها في دينهم ودنياهم وأن دينهم الذي ارتضاه لهم سابقا لا يبعد عما اختاره لكم.
يريد الله أن يرشدكم إلى طاعات وأعمال إن قمتم بها وأديتموها على وجهها كانت
стр. 358
كفارات لكم ولسيئاتكم، فيتوب عليكم، ويكفر عنكم إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ «١» والله عليهم بكل قصد، حكيم في كل عمل وقانون يسنه لعباده.
والله يريد أن يتوب عليكم بما كلفكم به من الأعمال التي تطهركم وتزكى نفوسكم فيتوب عليكم بعد هذا، ويريد الذين يتبعون الشهوات ويجرون وراءها- فكأنها أمرتهم باتباعها فامتثلوا أمرها- أن تميلوا معهم حيث مالوا ميلا عظيما، فإن مرتكب الإثم يهمه جدا أن يشاركه غيره فيه إرضاء لنفسه واطمئنانا لها.
يريد الله بهذه الأحكام التخفيف عليكم، حيث أحل لكم نكاح الأمة للضرورة، وحرم عليكم نكاح هذه المحرمات السابقة، وخلق الإنسان ضعيفا عن مقاومة الشهوات والوقوف أمام تيارات النساء فإنهن حبائل الشيطان. ولهذا نهانا عن الجلوس مع غير المحارم والحديث معهن لغير ضرورة، ونهى النساء عن كشف عوراتهن وتبرجهن وعن إبداء زينتهن.
أخرج البيهقي عن ابن عباس- رضى الله عنهما- ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، وعد هذه الآيات الثلاث (٢٦ و ٢٧ و ٢٨) والرابعة إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ. والخامسة إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ. والسادسة وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
. والسابعة إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ.
والثامنة وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ «٢» .
حدود ومعالم [سورة النساء (٤) : الآيات ٢٩ الى ٣٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (٣١) وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (٣٣)
стр. 359
المفردات:
لا تَأْكُلُوا المراد: لا تأخذوا، وإنما عبر بذلك عن الأخذ لأن الأكل هو المقصود المهم. بِالْباطِلِ الباطل: ما قابل الحق. وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ:
لا يقتل بعضكم بعضا. عُدْواناً العدوان: قصد التعدي على الغير.
وَظُلْماً: هو تجاوز الحق بالفعل. نُصْلِيهِ ناراً: ندخله ونحرقه بالنار.
تَجْتَنِبُوا: تتركوا الشيء جانبا. كَبائِرَ: جمع كبيرة، وهي المعصية التي قرن بها وعيد شديد أو حد في كتاب الله أو سنة رسوله كما في بعض الأقوال.
نُكَفِّرْ: نغفر ونمنح. مُدْخَلًا كَرِيماً: مكانا طيبا وهو الجنة.
وَلا تَتَمَنَّوْا التمني: طلب حصول الأمر المرغوب فيه. فَضْلِهِ: إحسانه
стр. 360
ونعمه الكثيرة. مَوالِيَ: جمع مولى، والظاهر أن المراد به من يحق له الاستيلاء على التركة، وقيل غير ذلك. وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ قيل: إن المراد بهم الأحلاف، فقد كان من عادة العرب أن يتحالف الرجل مع رجل آخر على تبادل النجدة والمعونة، وكان الحليف يرث السدس. وقيل وهو الظاهر: إن المراد بهم الأزواج.
ونحن في بيوتنا وأسرنا ومجتمعنا الصغير والكبير أحوج ما نكون إلى معرفة حكم الله في الاعتداء على المال أو النفس، ولذا وضعت هذه الآية هنا.
المعنى:
المال شقيق الروح، والاعتداء عليه يورث العداوة بل قد يجر إلى الجرائم والاعتداء على النفس أقسى اعتداء وأشده، قد تنجم عنه حروب وثارات، واجتناب الكبائر وإعطاء الحقوق لأربابها من دعائم المجتمع السليم لذا عالج القرآن هذا بأحسن علاج.
يا أيها المؤمنون: لا تكونوا من ذوى الأطماع في حقوق الغير، الذين يأكلون أموال الناس بغير حق، فلا يأكل بعضكم مال أخيه الذي بينه وبينه ويتخاصم لأجله بالباطل، ولكن كلوه عن طريق التجارة ما دامت عن تراض منكم ليس فيها كذب ولا خداع ولا غش ولا تدليس.
والتجارة مشروعة، ومتى كانت بالتراضي مع الذكاء وحسن العرض وجذب قلوب الناس بحسن الكلام والوسائل المغرية غالبا يأتى معها الربح الكثير، وإنما أضاف الأموال إلى الجميع (أموالكم) للإشارة إلى أن مال الفرد مال الأمة، والاعتداء على مال الفرد اعتداء على مال الأمة جمعاء، فنحن خلفاء الله في هذا المال. والمال للكل، فالفقير والمحتاج له منه نصيب فلا تمنعوه ... وهذه هي الاشتراكية الإسلامية، احترام الملكية وإيجاد حق معلوم للسائل والمحروم بالزكاة المقيدة والمطلقة، وحث على العمل ومنع الاعتداء على حق الغير إلا بحق الإسلام.
واستثناء التجارة من الأكل بالباطل فيه إشارة إلى أن معظم أنواع التجارة يدخل فيها أكل مال الغير، وإنما أبيحت للترغيب فيها «تسعة أعشار الرزق في التجارة» فهي عماد الحياة ودعامة العمران. متى خلت من الغش والكذب.
стр. 361
ولا يقتل بعضكم بعضا، وفي تعبير القرآن وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إشارة إلى أن من قتل غيره فكأنما قتل نفسه (بالقصاص) بل من قتل غيره فقد اعتدى على الأمة كلها وهو فرد منها مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً «١» فدم المسلم على المسلم حرام إلا من ارتد أو زنى وهو محصن أو قتل عمدا.
وإذا كان قتل الغير على هذا الوضع. كان قتل النفس (الانتحار) أشد جرما وأفظع ذنبا لا يصح أن يصدر من مؤمن، ولذا لم ينهنا عنه القرآن صراحة.
إن الله كان بكم رحيما، حيث حرم الاعتداء على الغير في المال والنفس إلا بحق الإسلام، من يفعل ذلك الاعتداء بقصد الجور والظلم فقد استحق من الله عقوبة صارمة وهي إصلاؤه النار وإدخاله فيها وبئس المصير وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً [النساء ٩٣] وكان ذلك على الله يسيرا وسهلا تحقيقه فهو القادر على كل شيء، مالك الملك والملكوت فلا يغرنك حال الكافرين والعصاة فالله يمهل ولا يهمل، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
نهى الله عن أكل أموال الناس بالباطل، وعن القتل بغير حق، وتوعد من ارتكب ذلك بأقسى العقوبة، ثم ذكر في هذه الآية نهيا عامّا لكل كبيرة ووعد من يمتثل بمحو السيئة ودخول الجنة.
اختلف العلماء في المعصية وتحديدها وهل فيها كبيرة وصغيرة؟ أم كلها كبائر؟
وأحسن الآراء أن لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار، فالمعصية إن صاحبها استخفاف بالدين، واستهانة به مع الإصرار فهي كبيرة من الكبائر.
وإذا نظرت إلى الزنى وقبلة المرأة أو النظر إليها رأيت أن الزنى كبيرة بلا شك بالنسبة إلى النظر أو القبلة. وعلى هذا الأساس جاء حد الكبائر في الأحاديث الشريفة،
فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة: قال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات: - أى: المهلكات- قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي
стр. 362
يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات»
وقد رويت عدة روايات ثابتة، فيها غير هذه الكبائر كشهادة الزور مثلا ... إلخ.
وخرج علماء الحديث ذلك على أن الرسول كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، فلم يكن ذلك على سبيل الحصر، على أن الشارع نظر إلى عدم تحديد الكبيرة والصغيرة رجاء أن تجتنب المعاصي كلها، كما أخفى الصلاة الوسطى، وليلة القدر، وساعة الإجابة لنحافظ على الكل.
واجتناب الكبيرة إنما يكفر الصغيرة إذا اجتنبها مع القدرة والإرادة كمن تدعوه امرأة ذات حسن وجمال إلى نفسها، فيأبى ذلك خوفا من الله لا لشيء آخر، فهؤلاء الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم البسيط من السيئات، والمعاصي التي تحصل لظرف طارئ كثورة أو غضب ثم يعقبها تأنيب وندم، هؤلاء يكفر الله عنهم سيئاتهم ويدخلهم جنات النعيم، نزلا من عند الله مباركا طيبا إنه واسع المغفرة.
بعد أن نهى الله- عن أكل أموال الناس بالباطل وقتل النفس بغير حق، نهى عن كل الكبائر، توعد على ذلك وأوعد، نهى في الآية عن سبب كل هذا وهو تمنى ما عند الغير، وحثنا على العمل والكسب حتى لا نطمع فيما في أيدى الناس.
وقد ذكروا في أسباب نزول الآية عدة روايات، كلها تدور حول تمنى الرجال.
مضاعفة الثواب كما ضوعف حظهم في الميراث، وتمنى النساء الجهاد مثل الرجال وغير ذلك.
ينهانا الله- عن أن يتمنى كل مكلف منا- ذكرا كان أو أنثى- ما فضل الله به غيره، بل الواجب على كل منا أن يعمل ويكتسب ويجد ويجتهد، فله في كل عمل أتقنه وأخلص فيه نصيبه من الحسنات، وعلينا أن نوجه أفكارنا إلى الخير وإلى ما يغذى العقل ويزكى النفس، واسألوا الله أن يهبكم من فضله ويمن عليكم من نعمه، فهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ «١» ولذا ختم الله الآية بقوله إن الله كان بكل شيء عليما.
والله- خص كلا من الرجال والنساء بأعمال تتفق وطبيعة كل،
стр. 363
وحثهم جميعا على العمل بالإشارة في قوله اكْتَسَبُوا الذي يفيد المبالغة والتكلف في العمل والكسب.
وانظر إلى قوله تعالى: بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ إذ فيه إيجاز بديع، فالآية تشمل كل تفضيل واقع بين الرجال والنساء وبين النساء والرجال، أفرادا وجماعات.
وهذا التفضيل يشمل الخلقي، ويشمل التفاضل فيما يدخل فيه العمل والاجتهاد كالعلم وتحصيل المال أو الجاه مثلا، وهذا هو المقصود بالنهى في الآية. ومن السخف أن يتمنى الإنسان أن يكون قوى البنية أو صحيح الجسم أو ذكرا أو أنثى.
والخلاصة: إننا نهينا عن التمني مع الكسل والخمول ولا يتمنى هذا إلا ضعيف الهمة وضعيف الإيمان، ولا شك أن هذا يجر إلى التعدي على الغير والحسد والحقد ... إلخ. وينبهنا الله بقوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا إلى الكسب والعمل. وفقنا الله إلى ما فيه الخير والسداد.
بعد أن نهى الله- عن أكل أموال الناس بالباطل وعن تمنى ما للغير من مال أو جاه، والمال هو المقصود ويأتى عن طريق الكسب وعن الإرث، قال الله- تعالى- قطعا للأطماع ووضعا للأمور في نصابها: (ولكل) من الرجال والنساء (جعلنا موالي مما ترك) يحق لهم الاستيلاء على التركة وأخذها.
والمولى: هم (الوالدان والأقربون) والأزواج، فآتوهم نصيبهم كاملا من غير نقصان، واعلموا أن الله كان ولا يزال على كل شيء تفعلونه شهيدا فيجازيكم عليه يوم القيامة، فلا يحملنكم الطمع وحسد بعضكم لبعض من جراء زيادة نصيبه في الميراث على أن يأكل من حق غيره سواء كان ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا.
стр. 364
تنظيم الحياة الزوجية [سورة النساء (٤) : الآيات ٣٤ الى ٣٥]
الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (٣٥)
المفردات:
قَوَّامُونَ: يقومون بأمرهن ويحافظون عليهن بعناية ورعاية تامة. قانِتاتٌ القنوت: السكون والطاعة. لِلْغَيْبِ: ما غاب واستتر من أمور الزوجية. نُشُوزَهُنَّ النشوز: ارتفاع الأرض عما حولها، والمراد: عصيان المرأة وترفعها على زوجها. شِقاقَ: نزاع وخصام، كأن كلا منهما في شق وجانب.
حَكَماً الحكم: من له حق الفصل بين الخصمين.
المناسبة:
لما نهى الله- عن تمنى الرجال والنساء ما فضل الله به بعضهم على بعض، وأمرهم بالعمل والجد، وإعطاء كل وارث نصيبه في الميراث وفيه تفضيل الرجال على النساء. ذكر هنا معالم لتدعيم الرابطة الأسرية.
стр. 365
المعنى:
من حكم الله العالية أن جعل الرجال من شأنهم وطبيعتهم أن يقوموا بأمر النساء والإرعاء عليهن خير قيام، وتبع ذلك فرض الجهاد، وحماية الذمار، والإنفاق على النساء من أموالهم، ولذا جعل الله حظهم في الميراث ضعف النساء.
وذلك بما فضل الله به بعض الرجال على بعض النساء، فالرجل كامل الخلقة قوى الإدراك، معتدل العاطفة، سليم البنية، كما فضلهم بوجوب الإنفاق على الزوجة والقريبة ووجوب المهر على أنه تعويض أدبى للمرأة ومكافأة على الدخول في حماية الرجل وحصن الزوجية، وفيما عدا ذلك فالرجل والمرأة متساويان في كل الحقوق والواجبات، ذلك من مفاخر الدين الإسلامى وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وهي رئاسة البيت والقيام عليه، ومعناها تصرف المرأة بكامل حريتها في حدود الشرع وحدود ما يرضاه الزوج ويحبه، فتحفظ منزله وتدبره بالحكمة وترعى أولاده. وتحفظ نفسها وعرضها، وتنفق على حسب طاقة الزوج، وفي ظل كفالة الرجل وحمايته يمكنها أن تقوم بوظائفها الطبيعية كالحمل والولادة والإرضاع ... إلخ، وليست القوامة على النساء سلطة وتحكما، ولكنها إرعاء وتفهم.
هؤلاء النساء لهن في الحياة المنزلية حالتان:
فالصالحات منهن قانتات مطيعات لأزواجهن، حافظات لما غاب واستتر من أمور الزوجية التي لا يصح أن يطلع عليها أحد مهما كان، كالأعراض وما يحصل في الخلوات، وذلك بما وعدهن الله من الثواب العظيم على حفظ الغيب، وبما أوعدهن من العقاب الشديد على إفشائه،
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «خير النساء: التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها»
وهؤلاء ليس لكم عليهن إلا المعاشرة بالمعروف، والمخالطة بالحسنى والآداب الإسلامية.
الحالة الثانية تظهر في هذا الصنف:
واللاتي تخافون أن يرتفعن عن حدود الزوجية وواجباتها فعلى الزوج أن يتبع التعليمات الآتية:
стр. 366
(أ) أن يعظها بما يناسبها من تخويف بالله، وأن هذه معصية ستعاقبين عليها يوم القيامة وأن يهددها ويحذرها سواء العاقبة، وأنه سيحرمها بعض الهدايا والتحف، واللبيب أدرى بحالة امرأته.
(ب) الهجر والإعراض عنها فلا يضاجعها حتى تتبصر في أمرها وتفكر في فعلها فربما رجعت عن نشوزها.
(ج) الضرب غير المبرح، أى: المؤذى إيذاء شديدا.
وليس معنى هذا أن الضرب دواء يعطى لكل امرأة، لا: بل قد تكون هناك نساء شواذ لا يصلح لهن إلا الضرب ومع هذا فديننا يأمرنا بالإحسان في المعاملة فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ «١»
وعن النبي ﷺ : «أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم» ؟؟ «٢»
فالضرب علاج مرّ قد يستغنى عنه الكريم الحر.
فإن أطعنكم وعولج حالهن بواحد من هذا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ «٣» ولا تبغوا في الاعتداء عليهن سبيلا، إن الله كان عليّا كبيرا، ومع هذا فهو يقبل التوبة ويعفوا عن السيئة، ولله المثل الأعلى، فعاملوا من هو أضعف منكم بالحسنى والمغفرة.
قد لا ينتهى الحال عند هذا وقد تكون المرأة مظلومة فيتسع النزاع.
والعلاج أن يبعث الأهل أو الجيران وكل من يهمهم الأمر رجلا حكما من جانب الزوج وحكما من جانب الزوجة بشرط العدالة فيهما والقرابة والخبرة في شئون العائلات ونظام البيوت مع توفر حسن النية، وهما إن يريدا إصلاحا وتوفيقا بين الزوجين قاصدين وجه الله فالله سيوفق ويهدى إلى الخير، وإلا فقد يكون من الخير لهما الطلاق.
إن الله كان عليما بنا وبأحوالنا، خبيرا بأمورنا، وأفضل علاج يرتضيه هو العلاج الحاسم والدواء الناجع وليس علينا إلا اتباعه، والله الموفق.
стр. 367
وعظ وإرشاد [سورة النساء (٤) : الآيات ٣٦ الى ٣٩]
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩)
المفردات:
وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى: صاحب القرابة، أى القريب. وَالْجارِ الْجُنُبِ:
البعيد منك. وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ قيل: المراد به الرفيق في السفر، أو من صاحبته وعرفته ولو وقتا قصيرا. وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ: تقدم تفسيرها في آية «ليس البر» ج ٢. مُخْتالًا: ذا الخيلاء والكبر الذي يظهر تكبره في أفعاله
стр. 368
وأعماله. فَخُوراً: هو المتكبر الذي يعدد محاسنه وأعماله تعاظما وتعاليا.
وَأَعْتَدْنا: هيأنا وأعددنا. مُهِيناً ذا إهانة وذلة. رِئاءَ النَّاسِ: للرياء والسمعة. قَرِيناً: صاحبا وخليلا.
المناسبة:
الكلام من أول السورة إلى هنا في ربط أواصر الصلات وتنظيم حال البيوت والأسر مع العناية بالقرابة والمصاهرة، ثم ناسب هنا ذكر بعض الحقائق التي تنظم المجتمع، وتبنى الأسرة على أساس من التعاون وحسن المعاملة، وقد صدّر هذا الإرشاد بالأمر بعبادة الله تعالى لأنها الأساس الأول ومصدر الخير والهداية.
المعنى:
عبادة الله- هي الخضوع له غاية الخضوع، مع إشعار القلب بتعظيم الله وإجلاله، في السر والعلن، والخشية منه وحده، واعبدوا الله وحده مخلصين له الدين، ولا تشركوا به شيئا من الإشراك حتى يكون العمل لله وحده.
وأحسنوا بالوالدين إحسانا، فلا تقصروا في حقوقهما، وقوموا بخدمتهما كما يجب من غير تأفف أو تألم فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً. وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً [الإسراء ٢٣- ٢٤] .
ولأن حب الوالد لولده غريزة وطبيعة لم يأمرنا الله العطف على الأولاد.
وأحسنوا لذوي القربى كالأخ والأخت والعم والخال وأبنائهما، فإن الإنسان إذا أحسن للوالدين والأقارب تكونت أسرة قوية متعاونة متساندة. وهي نواة المجتمع ومنها تتكون الدولة، لا سيما إذا كان هذا العمل بعد الإيمان بالله والإخلاص له.
وأحسنوا لليتامى فقد فقدوا آباءهم ولا عائل لهم، والمساكين فقد فقدوا أموالهم لضعف أو عجز أو آفة لا لكسل أو خمول أو إسراف في الشر، وأحسنوا للجار القريب إذ له عليكم حق الجوار، وحق القرابة، وحق الإسلام، والجار البعيد عنكم في النسب
стр. 369
أو الدار، وقيل: المراد به الجار ولو كان كافرا،
فقد روى أن النبي ﷺ كان يعطف على جار له يهودي ويزور ابنه
،
وقد قال الرسول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» . «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» .
والصاحب بالجنب كالرفيق في السفر، ومن عرفته ولو مدة قصيرة، وابن السبيل:
المنقطع في سفره عن أهله وماله واللقيط من باب أولى. كل هؤلاء الإحسان إليهم من إرشادات الدين ودعائمه، وأما عبيدكم وإماؤكم فأحسنوا إليهم بالعتق أو بالمساعدة عليه بالمال، وإذا كلفتموهم فأعينوهم على أعمالهم، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، وليأكلوا مما تأكلون وليشربوا مما تشربون فهم إخوانكم، وهكذا تكون الاشتراكية الحقيقية للعمال، وهكذا الدين الإسلامى يعامل الأرقاء بهذا فما بال الأحرار! ثم بعد هذا كله ذكر القرآن العلة في الامتثال وأن من يخالف هذه الوصايا ينطبق عليه الوصف الآتي المفهوم من قوله إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ «١» .
المختال: من تمكنت من نفسه صفة الكبر حتى ظهرت على حركاته وأعماله، والفخور: المعتد بنفسه المتحدث بعمله كبرا وانتقاصا لحقوق الغير، والمختال الفخور مبغوض من عند الله والناس أجمعين، إذ لا يعقل أنهما يمتثلان أمر الله في الوصايا، إذ العبادة خضوع وخشوع وقلبهما بعيد عن هذا، وهما لا يقومان بحق الغير لأنهما لا يشعران بحق للغير عليهما كبرا وبطرا،
ولقد صدق رسول الله حيث قال ما معناه:
«الكبر بطر الحق وغمط الناس»
وبطر الحق: رده استخفافا وترفعا، وغمط الناس:
استحقارهم والازدراء بهم، وقد فسر القرآن الكريم المختالين الفخورين بأنهم الذين يبخلون فلا يعطون، ويأمرون غيرهم بالبخل، ويكتمون ما آتاهم الله من فضله كالعلم والمال.
وقد روى عن ابن عباس: كان جماعة من اليهود يأتون رجالا من الأنصار ينصحون لهم فيقولون: لا تنفقوا أموالكم، فإنا نخشى عليكم الفقر، ولا تسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون ما يكون، ويشمل البخل في الآية البخل بالمال وبالإحسان في الكلام وبالنصيحة.
هؤلاء هيأ الله لهم وأعد لهم بسبب كبرهم وبخلهم، وكتمانهم الحق، وعدم شكرهم
стр. 370
عذابا يهينهم ويذلهم، وقد سماهم الله كفارا للإشارة إلى أن من هذا شأنه فهو كافر بنعمة الله، ومن كان كافرا بنعمة الله فله عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإخفاء.
والذين ينفقون أموالهم للرياء والسمعة، لا شكرا لله على النعمة، ولا اعترافا لعباده بحق والمرائى أقل خطرا من البخيل ولذا أخر في الذكر. وهم لا يؤمنون بالله حقا- لأن المؤمن الكامل لا ينفق رياء بل لله- ولا يؤمنون باليوم الآخر. إذ هم لو كانوا كذلك ما راءوا أحدا بل يعملون لهذا اليوم وهؤلاء هم قرناء الشيطان يوحى إليهم ويعدهم بالفقر لو أنفقوا، ويأمرهم بالفحشاء والمنكر، ومن يكن الشيطان له قرينا فبئس هذا القرين.
أى ضرر كان يلحقهم لو آمنوا حقيقة بالله وعملوا لليوم الآخر الذي فيه الجزاء وآمنوا به، وأنفقوا مما رزقهم الله ابتغاء رضوانه وامتثالا لأمره؟ وهذا الأسلوب للتعجب من حالهم إذ هم لو أخلصوا العمل لما فاتهم ما يطلبون من منافع الدنيا والآخرة، فحالهم حقيقة جدير بالعجاب.
وكان الله بهم عليما وخبيرا وسيجازيهم على أعمالهم، فعلى المؤمن أن يعتقد أن الله يراه ويحاسبه على عمله فإنه إن لم يكن يرى الله فالله يراه.
ترغيب وتحذير [سورة النساء (٤) : الآيات ٤٠ الى ٤٢]
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (٤٠) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (٤٢)
стр. 371
المفردات:
لا يَظْلِمُ الظلم: النقص وتجاوز الحد. مِثْقالَ أصله: المقدار الذي له ثقل، ثم أطلق على المعيار المخصوص للذهب. ذَرَّةٍ: أصغر ما يدرك من الأجسام، وقيل: الجزء الذي لا يتجزأ، وقيل: هي ما يرى في نور الشمس إذا دخلت من نافذة، والذرة الآن لها اصطلاح علمي آخر.
المناسبة:
بعد الإرشادات السابقة من الأوامر والنواهي، رغب- سبحانه- في الامتثال وحذر من المخالفة والعصيان بهذه الآيات.
المعنى:
الله- متصف بكل كمال، ومنزه عن كل نقص، ومن النقص الظلم، ومن الظلم أن ينقص أحدا من أجر عمله شيئا ولو بسيطا جدّا أو يعاقب أحدا مهما كان بغير ما يستحق وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً «١» . فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «٢» .
والله خلق الخلق ولهم عقول ومشاعر تدرك بعض الخير والشر، وأرسل لهم رسلا وأنزل معهم كتبا لتمام هدايتهم مع المبالغة في التحذير والإنذار، فمن اجترح سيئة بعد ذلك، ووقع فيما يضره ويؤذيه كان هو الظالم لنفسه وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ «٣» .
ومن فضله وإحسانه أنه يضاعف الحسنة إلى عشرة، ويجزى السيئة بمثلها فقط مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها «٤» والله يضاعف بعد هذا لمن يشاء، ويؤتى من لدنه أجرا عظيما فهو واسع الفضل كثير الخير.
وإذا كان هذا هو النظام العام في الثواب والعقاب، فكيف حال هؤلاء الكفرة؟ إذا جاء يوم القيامة وشهد عليهم أنبياؤهم وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ «٥» وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «٦» .
стр. 372
وقيل: معنى الشهادة أن أعمالهم تقاس بأعمال أنبيائهم، وتعرض عليهم يوم القيامة. وأما الرسول الأعظم خاتم الأنبياء والمرسلين فهو شهيد على الأنبياء جميعا ﷺ
روى البخاري والنسائي من حديث ابن مسعود أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : اقرأ علىّ، قلت: يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم أحب أن أسمعه من غيرى، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا فقال ﷺ : حسبك الآن. فإذا عيناه تذرفان.
فانظر كيف بكى النبي ﷺ لهذا اليوم؟! يومئذ يلاقون ما يلاقون، يومئذ يود الذين كفروا بالله وعصوا رسول الله أن يدفنوا في الأرض كالبهائم ويسوى بهم فيكونون سواءا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
«١» وأنهم يودون لو يكونون ترابا فتسوى بهم الأرض، والحال أنهم لا يكتمون الله حديثا ولا يكذبون في قولهم وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ «٢» لأنهم حينما يقولون ذلك تنطق عليهم أيديهم وأرجلهم بأعمالهم والشهادة عليهم بالشرك، فلشدة الأمر عليهم يتمنون لو تسوى بهم الأرض.
بعض شروط الصلاة مع بيان رخصة التيمم [سورة النساء (٤) : آية ٤٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣)
стр. 373
المفردات:
سُكارى: جمع سكران وهو من الخمر. جُنُباً: من أصابته الجنابة كإنزال المنى أو الجماع. الْغائِطِ: المكان المطمئن من الأرض كان بقصد قديما لقضاء الحاجة فجعل كناية عنها أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ: كناية عن الجماع، وحقيقته: اللمس المشترك من الجانبين، فَتَيَمَّمُوا أى: اقصدوا. صَعِيداً:
وجها طاهرا للأرض عَفُوًّا: ذو العفو، وهو محو السيئة من أساسها.
غَفُوراً: ذا المغفرة، وهي ستر الذنب وقد يبقى أثره.
سبب النزول:
روى أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما وشرابا ودعا نفرا من الصحابة حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا، فلما ثملوا وجاء وقت صلاة المغرب قدموا أحدهم للصلاة فقرأ: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فنزلت الآية
فحرموا الخمر وقت الصلاة، وكانوا يشربونها ليلا حتى نزلت آية التحريم الكبرى.
وروى أن السيدة عائشة كانت في سفر ففقدت عقدها فنزل النبي ﷺ يلتمسه والناس حوله وليسوا على ماء. فنزلت الآية وصلوا بالتيمم
. وقد جاء أسيد بن الحضير إلى مضرب عائشة وجعل يقول: ما أكثر بركتكم يا آل أبى بكر. ما نزل بك يا عائشة أمر تكرهينه إلا جعل الله تعالى فيه للمسلمين فرجا، والظاهر أن صدر الآية نزل لحادثة الخمر وعجزها في حادثة السفر.
المعنى:
لما نهى الله- سبحانه- فيما مضى عن الشرك وارتكاب الكبائر نهى هنا عما يؤدى إليه وهو السكر. يا أيها الذين آمنوا: احذروا أن يكون السكر وصفا لكم عند حضور الصلاة والقيام لها، فتصلوا وأنتم سكارى، وامتثال النهى يكون بترك السكر وقت الصلاة وفيما يقرب منها، والخطاب في الآية موجه للمؤمنين قبل السكر ليجتنبوه.
стр. 374
حتى تعلموا ما تقولون وتدعون به ربكم: إذ السكر يتنافى مع الصلاة التي تحتاج إلى خشوع وخضوع واتجاه لله بالقلب ودعائه باللسان.
ولا تقربوا الصلاة حالة كونكم جنبا إلا في حالة عبور السبيل واجتياز الطريق، وهل المراد بالصلاة حقيقتها؟ أو مكانها؟ الأصح أن يراد بها هذا وذاك، لا تقربوها مع الجنابة أصلا حتى تغتسلوا، والغسل: أن يعم الماء جميع الجسد إذ عند الجنابة توجد حالة عصبية عامة في الجسد يتبعها انحلال عام فيه، وهذا الانحلال يذهب بالغسل.
الصلاة هي الركن الأول العملي في الدين، وهي الصلة بين العبد والرب تتكرر خمس مرات في اليوم، وهي مطلوبة طلبا لا هوادة فيه، إلا أن الطهارة لها قد تتعذر على المسلم لمرض أو عذر، فرخص الشارع الرحيم في التيمم لها حتى لا يعذر في تركها إنسان.
وكان التيمم بالتراب إذ لا يعقل أن يفقده الإنسان بحال من الأحوال بخلاف الماء، على أنا خلقنا من التراب وكانت صورته كما ستعرف لإشعار الشخص بإجراء عملية تشبه الوضوء في أهم أركانه.
وإن كنتم مرضى مرضا يتعذر معه الوضوء أو الغسل، أو في سفر من الأسفار وتعذر استعمال الماء لفقده أو لمشقة السفر، أو أحدثتم حدثا أصغر يوجب الوضوء كخروج شيء من أحد السبيلين ... إلخ، ما هو معروف في كتب الفقه الإسلامى. أو أحدثتم حدثا أكبر يوجب الغسل- كالجماع مثلا ولم تجدوا الماء لتعذر وجوده واستعماله لسبب من الأسباب.
فاقصدوا وجها للأرض طاهرا لا نجاسة فيه، له غبار عند بعض العلماء والبعض لا يشترط فيكفى حجر صلب ... وتيمموا.
والخلاصة: أن التيمم رخصة تغنى عن الوضوء والغسل عند تعذر استعمال الماء لسبب من الأسباب التي ذكرت بالتفصيل في كتب الفقه.
وكيفية التيمم: نية وضربتان على تراب ولو كان غبارا من حشية (مرتبة) الأولى للوجه، والثانية لليدين، ثم لك بعد هذا أن تصلى وتقرأ القرآن ... إلخ، كأنك متوضئ أو مغتسل، وللتيمم أحكام كثيرة في كتب الفقه.
стр. 375
إن الله كان غفورا حيث سهل الصلاة للمعذور بدون وضوء وغسل، ونحن يا أمة النيل لكثرة نعم الله علينا ولجريان النيل تحت أقدامنا، قد لا نشعر بفقد الماء وبالحاجة للتيمم، ولكن الدين الإسلامى دين عالمي للصحراء وللوديان، وقد عفا عمن صلى في حالة السكر قبل هذا، والله عفو عن الذنب، ومن كان عفوّا غفورا آثر التسهيل ولم يشدد علينا. سبحانه من رءوف رحيم ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج ٧٨] .
اليهود وأعمالهم [سورة النساء (٤) : الآيات ٤٤ الى ٤٦]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (٤٦)
المفردات:
نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ أى: جزءا من التوراة. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ: يميلونه ويزيلونه عن مواضعه. غَيْرَ مُسْمَعٍ: يحتمل غير سامع مكروها، أو غير مقبول منك ولا مسموع دعاؤك. وَراعِنا يحتمل انظرنا وأمهلنا، أو بمعنى الرعونة والطيش، أو هي كلمة عبرية كانوا يتسابون بها وهي راعينا. لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ: فتلا بها وتحريفا. طَعْناً فِي الدِّينِ قدحا فيه وذمّا.
стр. 376
المناسبة:
بعد ذكر هذه الأحكام العامة المتعلقة بالفرد والجماعة، أراد القرآن الكريم أن يرشدنا إلى خطر تركها أو العمل ببعضها، بالكلام على الأمم السابقة الذين أوتوا الكتاب فنسوا حظا منه وعملوا ببعض ما فيه فكان الخطر عليهم إذ الله بهم وبنا محيط.
المعنى:
ألم ينته علمك أيها المخاطب إلى الذين أوتوا جزءا من التوراة، وأما بقية الكتاب فلإهمالهم أمر التدوين والحفظ ضاع شيء منه. وبتلبيس رجال الدين وإنقاصهم منه تبعا لأهوائهم وتحريفهم ضاع جزء آخر، ولذا وصفهم القرآن بأنهم أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ وبقوله: فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وأما قوله في موضع آخر:
أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ فلتسجيل تقصيرهم، وقيل: المراد جنس الكتاب.
ألم تر إلى الذين أوتوا جزءا من الكتاب، يستبدلون الضلالة بالهدى ويأخذون الكفر بدل الإيمان، ويريدون منكم أن تضلوا معهم الطريق المستقيم، والله أعلم بأعدائكم أيها المؤمنون، فامتثلوا أمره، واحذروا أعداءكم من أهل الكتاب وكفى بالله وليّا يتولى أمركم، وكفى به نصيرا ينصركم إن نصرتموه كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ.
ثم بين الله الذين أوتوا نصيبا من الكتاب وهم أعداؤنا فقال: من الذين هادوا نعم منهم قوم يحرفون الكلم الذي أنزله الله عليهم في التوراة عن مواضعه الأصلية بأن يزيلوه عن مواضعه أصلا أو يضعوه في غير مكانه، وقيل: المراد يحرفونه عن معناه، فيفسرونه بغير المراد تضليلا للناس وتلبيسا عليهم، وقد فعل اليهود كل ذلك، فغيروا وصف النبي ﷺ والبشارة به وفسروا الكلام بغير معناه كما في آية الرجم.
وهم يقولون للنبي ﷺ : سمعنا وعصينا، بدل قولهم: سمعنا وأطعنا.
وكانوا يقولون حسدا وحقدا على النبي ﷺ واسمع غير مسموع لك دعاؤك أو غير مقبول منك، ويحتمل واسمع غير سامع مكروها كما يقال: واسمع لا سمعت مكروها، كانوا يخاطبون به النبي ﷺ استهزاء مظهرين إرادة المعنى الأخير وهم مضمرون في أنفسهم المعنى الأول.
стр. 377
وكانوا يقولون: راعنا، وهو كلام أيضا كالذي قبله يحتمل: انظرنا وتمهل علينا، ويحتمل أنه من الرعونة والحمق، أو هي كالكلمة العبرانية (راعنا) وهي كلمة سب عندهم.
فهذه جرائم ثلاث كانوا يقولونها للنبي ﷺ تارة في مجلسه وتارة بعيدا عنه يفعلون هذا ليّا بألسنتهم وفتلا بها وصرفا للكلام عن إرادة الخير إلى إرادة الشر والسب وطعنا في الدين وقدحا فيه بالاستهزاء والسخرية.
وهذا منتهى الجرأة في الباطل والعدوان على الحق، ولو أنهم قالوا عند ما سمعوا أمرا أو نهيا: سمعنا وأطعنا، بدل: سمعنا وعصينا، ولو أنهم قالوا: اسمع وانظرنا عند خطاب النبي ﷺ بدل: اسمع غير مسمع، وراعنا لو ثبت هذا لكان خيرا لهم، وأهدى سبيلا، ولكن لم يقولوا ذلك فخذلهم الله ولعنهم وطردهم من رحمته فهم لا يوفقون أبدا لخير، ولذا فإنهم لا يؤمنون أبدا إلا إيمانا قليلا لا إخلاص فيه أو إلا قليلا منهم كعبد الله ابن سلام وأضرابه.
تهديد ووعيد لأهل الكتاب [سورة النساء (٤) : الآيات ٤٧ الى ٤٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (٤٨)
المفردات:
الطمس: الإزالة، ومنه طمس الدار، أزال معالمها. وُجُوهاً الوجه:
تارة يراد به الوجه المعروف، وتارة يراد به وجه النفس، وهو ما تتوجه إليه من
стр. 378
المقاصد، قال تعالى: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ. أَدْبارِها: جمع دبر وهو الخلف والقفا. والارتداد: الرجوع إلى الوراء في المحسوسات وفي المعاني. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ. أَوْ نَلْعَنَهُمْ أو نهلكهم، وقيل: نمسخهم. افْتَرى:
اختلق.
المعنى:
يا أيها الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى: آمنوا بالقرآن المنزل على محمد ﷺ المصدق لما معكم من التوراة والإنجيل، وقد وصفهم القرآن بأنهم أوتوا الكتاب مع أنهم ضيعوا جزءا منه وحرفوا جزءا آخر تسجيلا عليهم بالتقصير واستحقاق العقاب.
والأديان السماوية متفقة في الأصول العامة كالتوحيد ونفى الشرك وإثبات البعث والدعوة إلى كريم الأخلاق والقرآن الكريم مصدق لموسى وعيسى بهذا المعنى، ومعترف بهما وبغيرهما من الأنبياء والرسل، فكيف لا يؤمن أهل الكتاب بالقرآن وبمحمد؟ مع أنه جاء مصدقا لما معهم وموافقا لملة إبراهيم- ﵇ بل تراهم غيروا وصفه ﷺ وبدلوا وأنكروا فقيل لهم: يا أهل الكتاب آمنوا بما أنزلنا من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التي توجهتم إليها، في كيدكم للإسلام وأهله، ونردها خاسئة خاسرة إلى الوراء، وذلك بإظهار الإسلام وإعلاء كلمته وافتضاح أمركم وكشف ستركم، فالطمس والوجه والرد على الأدبار كلها أمور معنوية وقد تحققت، أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت، وقد ورد أن الله أهلكهم، وقد تم ذلك وتحقق الوعيد في كل المعاصرين بإذلال بنى النضير وإجلائهم، وإهلاك بنى قريظة، وبعضهم فسر الطمس والوجه والارتداد على الأدبار على أنها أمور حسية، وتأول في تحقيق ذلك والله أعلم بكلامه، وأنتم تعلمون أن وعيده في الأمم السابقة قد تحقق وحصل فاحذروا وعيده وخافوا عقابه إن وعد الله كان مفعولا.
بعد أن وعد الله أهل الكتاب وهددهم إن لم يؤمنوا، وكان وعده مفعولا لا محالة، ساق هذه الآية لتأكيد ما مضى وتقريره ببيان استحالة المغفرة بدون الإيمان فإنهم كانوا يفعلون ما يفعلون، ويقولون: سَيُغْفَرُ لَنا على أن المراد بالشرك في الآية مطلق
стр. 379
الكفر الشامل لكفر اليهود وغيرهم، وهو يظهر في اعتقاد المرء أن لغير الله تصريفا في الكون، ودفعا للضر، وجلبا للخير، وفي أخذ الحلال والحرام في الدين عن غير الله وكتابه المنزل كما فعلت النصارى اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة التوبة آية ٣١] .
الشرك: هو الغطاء الكثيف الذي يمنع نور الإيمان من الوصول إلى القلب وهو منتهى ما تهبط إليه عقول البشر، ومنه تتولد سائر الرذائل التي تهدم الأفراد والجماعات ولا غرابة في ذلك فالمشرك بالله يفهم في حجر أو بشر مثله أو جماد لا حياة فيه: له تأثيرا في الكون، ويعبده ليقربه إلى الله زلفى، وبالتوحيد والإيمان: الخلاص من كل ذلك والسمو بالنفس إلى عبادة الرب والاعتماد عليه وحده والتوكل عليه والإخلاص له وفي هذا نور القلب، وصفاء الروح، ونور البصيرة، والعزة الكاملة، والنص المحقق لهذا كله لا يغفر الله الشرك أبدا تغليظا لذنبه، وامتيازا له عن سائر المعاصي، ويغفر ما دون ذلك، لأن نور الإيمان يسترها، وإنما مغفرة المعاصي لمن يشاء من عباده الموفقين للتوبة والعمل الصالح إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [سورة هود آية ١١٤] .
وأما من يشرك بالله فقد اجترح إثما عظيما، وأى إثم يقاس بجانب الشرك بالله؟
أهل الكتاب وجزاؤهم على أعمالهم [سورة النساء (٤) : الآيات ٤٩ الى ٥٥]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣)
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (٥٥)
стр. 380
المفردات:
يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ: يمدحونها. يُظْلَمُونَ الظلم: النقص وتجاوز الحد.
فَتِيلًا: هو ما تكون في شق نواة التمر مثل الخيط. بِالْجِبْتِ المراد: الأصنام، وأصله الرديء الذي لا خير فيه. الطَّاغُوتِ: مصدر بمعنى الطغيان والجبروت، ويطلق على كل ما يعبد من دون الله، وعلى الشيطان. نَقِيراً: هو النقرة التي تكون في ظهر النواة: ويضرب بها المثل في القلة والحقارة. يَحْسُدُونَ الحسد:
تمنى زوال نعمة للغير.
المعنى:
ألم ينته علمك إلى هؤلاء الذين يزكون أنفسهم، ويدّعون ما ليس فيهم. وأنهم أبناء الله وأحباؤه، لا تمسهم النار مهما فعلوا لكرامتهم على الله: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ «١» وما علموا أن تزكية النفس تكون بالعمل الذي يجعلها زكية طاهرة، وهذه التزكية محمودة عند الله والناس، أما التزكية بالقول والادعاء والاعتماد على ما كان للآباء فهي مستهجنة عند الله والناس مبعثها الغرور الكاذب، والجهل الفاضح، ولذا يقول الله: (بل الله يزكى من يشاء) من عباده بتوفيقه للعمل الصالح، ولا تنقصون شيئا من جزاء أعمالكم مهما كان بسيطا هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى «٢» فلا عبرة بتزكيتكم أنفسكم يا أهل الكتاب.
стр. 381
وعلينا نحن المسلمين ألا ندع لهذا الداء طريقا إلى قلوبنا أبدا وألا نغتر بأننا أمة محمد ﷺ وكتابنا خير كتاب، ونبينا خاتم الأنبياء وأننا الأمة الوسط، لا: اعملوا فسيرى الله أعمالكم:
«اعملي يا فاطمة فلن أغنى عنك من الله شيئا» .
انظروا أيها المسلمون كيف يختلقون على الله الكذب في دعواهم وتزكيتهم أنفسهم، وكفى بهذا الافتراء على الله إثما مبينا واضحا.
روى عن عكرمة: أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين في مكة يؤلبهم على النبي ﷺ يأمرهم أن يغزوه قائلا: إنا معكم نقاتله فقالوا: إنكم أهل كتاب مثله ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، فإن أردت أن تخرج معنا فاسجد لهذين الصنمين فسجد. ثم قالوا: نحن أهدى أم محمد؟ فنحن ننحر الكوماء (الناقة الضخمة) ونسقى الحاج، ونقرى الضيف، ومحمد قطع رحمه، وخرج من بلده؟ فقال: بل أنتم أهدى سبيلا، فنزلت تلك الآيات.
ألم ينته علمك إلى أولئك الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ومع هذا يؤمنون بالأصنام والطاغوت ويقولون في شأن الذين آمنوا للذين كفروا أى من أجل مخالفتهم: هؤلاء الكفار الجاهليون أهدى من الذين آمنوا سبيلا وأقوم طريقا، يا عجبا كل العجب:
يقول أصحاب الكتاب والرسل لمن لهم كتاب ورسول مصدق لما معهم مؤيد بكتبهم مبشر به عندهم مثل هذا القول.
أولئك الذين قضى عليهم الله بالطرد من الرحمة بسبب كفرهم وعصيانهم ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا أبدا.
بل ليس لهم نصيب من الملك ولو كان لهم نصيب منه فرضا، فهم لا يؤتون غيرهم من الناس أحقر شيء وأبسطه، وصدق الله فهم كذلك في حكمهم الزائل بفلسطين، وما ذلك إلا لأنهم أنانيون مطبوعون على الأثرة وحب المادة والغرور الكاذب بأنه ليس أحد غيرهم يستحق شيئا.
بل هم يحسدون الناس كمحمد ﷺ على ما آتاه الله من فضله كالنبوة والكتاب والحكمة، ولا غرابة في هذا فقد آتى الله آل إبراهيم الكتاب والحكمة والنبوة وآتيناهم ملكا عظيما، والعرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم، واليهود من ولد إسحاق بن إبراهيم.
стр. 382
فمن أسلافهم من آمن بما أعطى إبراهيم، ومنهم من كفر، وكذا شأن الناس دائما مع الأنبياء قديما وحديثا فلا تأس يا محمد.
والخلاصة: أن حال اليهود لا تخلوا من غرور كاذب أو خطأ فاضح لسجودهم للأصنام، وشهادتهم أن الجاهليين خير من المؤمنين أو اعتقاد خاطئ في أنهم أصحاب الملك والنبوة فلا يعطى أحد مثلهم، أو من حسد كامن للعرب على ما أعطاهم الله من الكتاب والحكمة والنبوة والملك الذي ظهرت آثاره على يد محمد ﷺ .
وكفى بجهنم نارا مسعرة لهم وبئس المصير.
جزاء الكفر وثواب الإيمان [سورة النساء (٤) : الآيات ٥٦ الى ٥٧]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧)
المفردات:
نُصْلِيهِمْ ناراً: نشويهم بالنار. نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ: احترقت وتلاشت.
ظِلًّا ظَلِيلًا: وارفا دائما لا تنسخه شمس. ولا يصيب صاحبه حر ولا برد، وقد يراد بالظل النعمة والعزة.
المعنى:
تقدم أن منهم من آمن، ومنهم من كفر وكان جزاؤهم جهنم، وهذا تفصيل لما تقدم.
стр. 383
إن الذين كفروا بآياتنا الدالة علينا المنزلة على أنبيائنا وخاصة القرآن لأنه أظهر الآيات وأكملها، هؤلاء سوف نصليهم ونحرقهم بالنار التي وقودها الناس والحجارة كلما احترقت جلودهم حتى لم تعد صالحة لإيصال الألم إلى مراكز الشعور والإدراك بدلناهم جلودا جديدة غيرها، أو هذا تمثيل لدوام شعورهم بالعذاب شعورا كاملا، ولا غرابة إن الله عزيز لا يغلبه غالب، حكيم في كل صنعه، ومن حكمته وعدله تعذيب العاصي بهذا وأمثاله، وإثابة المؤمن بما يناسب عمله، ومن ثم قرن ثواب المؤمن بجزاء الكافر حتى يظهر الفرق جليا فيكون ذلك أدعى للإيمان.
والذين آمنوا بالله إيمانا صحيحا، وعملوا الصالحات من الأعمال سيدخلهم ربهم الجنة التي عرضها السموات والأرض، والتي تجرى من تحتها الأنهار فلا تعب فيها ولا مشقة، وهم فيها ماكثون وخالدون، ولهم فيها أزواج مطهرة طهارة حسية ومعنوية من دنس الحيض والنفاس، وكذا العيوب النفسية، كأنهن الياقوت والمرجان ويدخلهم ربهم ظلا دائما لا حر فيه ولا برد، ولا تنسخه شمس، ولهم فيها العزة الدائمة والهناءة المستمرة، ولا حرج على فضل الله، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان: اللهم ارزقنا التوفيق والسداد حتى نكون منهم يا رب الأرباب.
السياسة العامة للحكمة الإسلامية [سورة النساء (٤) : الآيات ٥٨ الى ٥٩]
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩)
стр. 384
المفردات:
الْأَماناتِ: جمع أمانة، وهي: ما يؤتمن عليها الشخص وتعم جميع الحقوق المتعلقة بذمته من حقوق لله أو للناس أو لنفسه. بِالْعَدْلِ: التساوي في الشيء والمراد به إيصال الحقوق إلى أربابها من أقرب الطرق. تَأْوِيلًا التأويل: بيان المآل والعاقبة.
سبب النزول:
روى أنها نزلت في عثمان بن طلحة بن عبد الدار، وكان سادان الكعبة وذلك أن رسول الله ﷺ حين دخل مكة يوم الفتح أغلق عثمان بن طلحة الكعبة وصعد إلى السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه وقال: لو علمت أنك رسول الله لم أمنعه، فأخذه علي بن أبى طالب بالقوة، وفتح الباب ودخل رسول الله وصلّى ركعتين، فلما خرج سأله عمه العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة فنزلت، فأمر النبي عليًّا أن يرده إلى عثمان ويعتذر إليه
... هذا ما روى في سبب النزول: ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعلى ذلك فهو أمر عام لكل مسلم في كل أمانة في ذمته أو تحت يده، سواء كانت عامة للأمة أو خاصة للفرد.
وهذا رد على اليهود- الذين قالوا للكفار: أنتم أهدى من المؤمنين سبيلا- ببيان أسس الحكومة الإسلامية الصحيحة الموافقة للقرآن الكريم.
المعنى:
الأمانة كلمة عامة جامعة تشمل أمانة العبد مع ربه، بمعنى أن الله عاهده على الامتثال للأوامر واجتناب النواهي. وأمانته مع الناس بأن يرد ودائعهم ويحفظ حقوقهم، وغيبتهم، وسرهم، ولا يغشهم، ويطيع الله فيهم، وإن كان حاكما فالشعب أمانة في عنقه واجب عليه أن يحكم فيهم بما أنزل الله، وأن يتقى الله فيهم بامتثال أمره والاهتداء بسنة المصطفى فلا يسند أمرا لغير أهله ولا يضيع حقا، ولا يغش مسلما، ولا يقبل رشوة، ولا يأكل أموال الناس بالباطل، ولا يدخر وسعا في السهر على المصلحة، والإرعاء على الخلق، وأن يعامل غيره بما يجب أن يعامله به لو كان محكوما.
стр. 385
وإن كان عالما فالواجب عليه أن يرشد الناس إلى الخير، ويهديهم إلى طريق الحق ويوقفهم على أسرار الشرع حتى يتمسكوا بأهداف الدين وإلا اعتبر مقصرا في واجبه إن لم يكن خائنا للأمانة. وأمانته مع نفسه بأداء ما طلب منه.
ألست معى أن الأساس الأول للحكومة الإسلامية هو (الأمانة) بل هي الدعامة لإقامة مجتمع طاهر ونظيف وأمة رشيدة؟
الأساس الثاني (العدل) نعم العدل أساس الملك وأصل من أصول الدين الإسلامى لأنه شريعة ودولة ودين ودنيا، فالعدل واجب على الحكام والولاة حتى تصل الحقوق لأربابها كاملة غير منقوصة، ولذا أمر الله به في كثير من الآيات اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى. [سورة المائدة آية ٨] كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [سورة النساء آية ١٣٥] .
وإذا كان هذا إرشاد الله ووعظه فنعم شيئا يعظكم به أيها المسلمون، إن الله كان سميعا لكل مظلوم وصاحب حق وأمانة، وبصيرا بكل خائن أو مقصر في واجبه أو متسبب في ضياع الحق بأى شكل ولون.
وعلى الشعب بالنسبة للحكام والقادة السمع والطاعة ما داموا قد أدوا الأمانة على خير وجه وحكموا بالعدل بين الناس، يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله بتنفيذ أحكامه والعمل بكتابه ودستوره. وأطيعوا الرسول فهو الذي بين لنا دستور السماء وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «١» وأطيعوا أولى الأمر وهم أهل الحل والعقد في الأمة، أى: السلطة التشريعية في البلد، وهي تتكون من الحكام والولاة والنواب والشيوخ والعلماء والزعماء، أطيعوهم متى أجمعوا على أمر من الأمور بشرط أن يكونوا أدوا الأمانة وأقاموا العدالة وأطاعوا الله ورسوله بتنفيذ دستور القرآن عند ذلك تجب طاعتهم على الناس وهذا هو المسمى بالإجماع في علم الأصول.
فإن تنازعوا في شيء فالواجب رده إلى نظيره ومثله في القرآن والسنة، والذي يفهم هذا هم العلماء الأعلام العاملون المخلصون لله ولرسوله، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر فاعملوا بهذه الوصايا وامتثلوا أمر الله فذلك خير لكم في الدنيا والآخرة، وأحسن تأويلا، ويؤخذ من الآية الكريمة أن أصول التشريع في الدين أربعة:
стр. 386
١- الكتاب: وهو القرآن الكريم فقد قال الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ.
٢- السنة: وهي ما أتت عن النبي ﷺ قولا أو فعلا أو تقريرا فقد قال الله:
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ.
٣- الإجماع: وهو إجماع أهل الحل والعقد من الأمة إذا اتبعوا الله ورسوله.
٤- القياس: وهو عرض المسائل المتنازع فيها على القواعد العامة في الكتاب والسنة وذلك قوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.
هؤلاء هم المنافقون وهذه أعمالهم [سورة النساء (٤) : الآيات ٦٠ الى ٦٣]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)
стр. 387
المفردات:
يَزْعُمُونَ الزعم في الأصل: القول حقا كان أو باطلا، ثم كثر استعماله في الكذب. صُدُوداً: إعراضا عن قبول الحكم.
سبب النزول:
روى أن بشرا المنافق خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى رسول الله ﷺ ودعا المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله ﷺ فقضى لليهودي فلم يرض المنافق بهذا الحكم ... إلخ، ما جاء في رواية الزمخشري.
المعنى:
ألم ينته علمك إلى الذين يزعمون كذبا وبهتانا، أنهم آمنوا بما أنزل إليك من القرآن، وما أنزل من قبلك من الكتب. هؤلاء المنافقون من اليهود والنصارى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، قيل: هو كعب بن الأشرف سمى طاغوتا لإفراطه في الطغيان وعداوة الرسول ﷺ والبعد عن الحق، وقد أمروا في القرآن أن يكفروا بالطاغوت ويجتنبوه وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ «١» فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى «٢» . هؤلاء الذين تدّعى ألسنتهم الإيمان بالله وما أنزله على رسوله، وتدل أفعالهم على الكفر بهما والإيمان بالطاغوت وإيثار حكمه على حكم الشرع الشريف، ويريد الشيطان- وما توسوس به نفوسهم، وداعي الشر فيهم- أن يضلهم ضلالا بعيدا جدا عن الحق والصواب. وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول فهو الصراط المستقيم: رأيت هؤلاء المنافقين يصدون عنك يا محمد وعن دعوتك صدودا مؤكدا بكل ما أوتوا من قوة وحجة، والحامل لهم على ذلك هو اتباع شهواتهم، فكيف يكون حال هؤلاء المنافقين إذا أصابتهم مصيبة افتضاحهم وظهور حالهم، وانكشاف سترهم بما قدمته أيديهم، كيف يكون حالهم؟
стр. 388
ففي الآية نذير وقوع الخطر بهم حتما، ثم جاءوك بعد ظهور حالهم، يحلفون بالله- وهم الكاذبون- قائلين: ما أردنا بأعمالنا هذه إلا إحسانا في المعاملة وتوفيقا بين الخصوم بالصلح أو الجمع بين منفعة الخصمين.
أولئك الذين لعنهم الله وعلم ما في قلوبهم من الكيد والحقد والحسد، جزاؤهم الإعراض عنهم وعدم مقابلتهم بالبشاشة والترحاب لعل هذا يجعلهم يفكرون في أمر أنفسهم، ويقبلون نصحك ووعظك فأعرض عنهم، وعظهم، وقل لهم قولا بليغا يصل إلى شغاف قلوبهم ويؤثر في نفوسهم، وهذه شهادة من الله للنبي ﷺ بأنه صاحب القول البليغ والكلام المؤثر الدقيق
«أوتيت جوامع الكلم»
«أدبنى ربي فأحسن تأديبي»
حديث شريف. وأما جزاؤهم في الآخرة فمعروف لا يجهلونه.
إرشادات وآداب للسلم والحرب [سورة النساء (٤) : الآيات ٦٤ الى ٧٠]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨)
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠)
стр. 389
المفردات:
شَجَرَ بَيْنَهُمْ: فيما اختلف بينهم من الأمور واختلط. حَرَجاً: ضيقا.
كَتَبْنا: فرضنا عليهم. تَثْبِيتاً: تقوية، والتثبيت: جعل الشيء ثابتا راسخا.
الصِّدِّيقِينَ: جمع صديق، وهو الصادق في قوله واعتقاده المبالغ فيه كأبى بكر الصديق وأمثاله من الصحابة- رضى الله عنهم-. وَالشُّهَداءِ: جمع شهيد، وهو من يشهد بصحة الدين بالحجة والبرهان ويقاتل في سبيله بالسيف والسنان حتى يقتل. وَالصَّالِحِينَ: من صلحت نفوسهم وغلبت حسناتهم سيئاتهم.
المعنى:
وما أرسلنا من رسول إلا وطاعته واجبة، بإذن الله وأمره، فالطاعة لله، ولمن يأمر بطاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن يعص الرسول فقد عصى الله. ثم ترشد العصاة والمذنبين- إذا وقع منهم ذنب- أن يبادروا إلى رسول الله ﷺ فيستغفروا الله عنده ويبالغوا في التوبة وطلب المغفرة حتى يستغفر لهم الرسول فإنهم إن فعلوا ذلك تاب الله عليهم إنه هو التواب الرحيم، وهكذا كل من يعصى الله ورسوله ثم يبادر بالتوبة يجد الله توابا رحيما.
روى أن الزبير بن العوام خاصم رجلا من الأنصار في شأن ماء، فاختصما إلى النبي ﷺ فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصارى وقال: لأن كان
стр. 390
ابن عمتك: فتغير وجه النبي ﷺ وقال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك.
كان قد أشار على الزبير أولا برأى فيه سعة له ولخصمه فلما أحفظ رسول الله ﷺ استوعب للزبير حقه في صريح الحكم الأخير ... إلخ، ما جاء في أبى السعود فنزلت آية فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وفيها يقسم الله- بنفسه الكريمة المقدسة أنهم لا يؤمنون إيمانا كاملا حتى يحكموك في كل أمورهم وما يختلط عليهم من المشاكل، فما حكمت به فهو الحق لا شك فيه، ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا ولا ضيقا من قضائك ويسلمون به تسليما.
وهكذا نحن- وربك- لا نؤمن بالله إيمانا كاملا حتى نحكّم الله ورسوله في كل أمورنا ومشاكلنا، ثم نجد في أنفسنا ضيقا من حكم القرآن والسنة، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون الفاسقون الظالمون.
لو أن الله- سبحانه- فرض على الناس أن يقتلوا أنفسهم كما أمر بنى إسرائيل قديما تكفيرا لهم عن خطيئتهم في عبادة العجل، أو فرضنا أن كتب عليهم أن اخرجوا من أوطانكم في سبيل الله ما امتثل المأمور به إلا نفر قليل منهم، ... ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به من الأوامر والنواهي التي تظهر معها الحكم وتقرن بالوعد والوعيد، لكان خيرا لهم وأحسن وأشد تثبيتا في الدين وأرسخ، وإذا لآتاهم الله من عنده أجرا عظيما لا يعرف كنهه إلا هو، ولهداهم صراطا مستقيما.
روى عن عائشة- رضى الله عنها-: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله إنك لأحب إلى من نفسي وإنك لأحب إلى من ولدي، وإنى لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر أن آتى فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتى وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإنى إذا دخلت الجنة حسبت ألا أراك، فلم يرد عليه المصطفى ﷺ حتى نزل جبريل بهذه الآية
،
وروى: من أحب قوما حشر معهم.
كيف لا ترضون بحكم الله ورسوله؟ ومن يطع الله فيما أمر ونهى والنبىّ ﷺ فيما بشر وأنذر، وبلغ عن ربه، فأولئك يحشرون يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وكفاهم فخرا شهادة الله لهم أنهم من شدة المحبة وتمام الألفة وعدم الفرقة رفقاء، وذلك الفضل من الله يؤتيه من يشاء، وهو أعلم بمن اتقى!!