١- الكتاب: وهو القرآن الكريم فقد قال الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ.
٢- السنة: وهي ما أتت عن النبي ﷺ قولا أو فعلا أو تقريرا فقد قال الله:
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ.
٣- الإجماع: وهو إجماع أهل الحل والعقد من الأمة إذا اتبعوا الله ورسوله.
٤- القياس: وهو عرض المسائل المتنازع فيها على القواعد العامة في الكتاب والسنة وذلك قوله: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ.
هؤلاء هم المنافقون وهذه أعمالهم [سورة النساء (٤) : الآيات ٦٠ الى ٦٣]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)
стр. 387
المفردات:
يَزْعُمُونَ الزعم في الأصل: القول حقا كان أو باطلا، ثم كثر استعماله في الكذب. صُدُوداً: إعراضا عن قبول الحكم.
سبب النزول:
روى أن بشرا المنافق خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى رسول الله ﷺ ودعا المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى رسول الله ﷺ فقضى لليهودي فلم يرض المنافق بهذا الحكم ... إلخ، ما جاء في رواية الزمخشري.
المعنى:
ألم ينته علمك إلى الذين يزعمون كذبا وبهتانا، أنهم آمنوا بما أنزل إليك من القرآن، وما أنزل من قبلك من الكتب. هؤلاء المنافقون من اليهود والنصارى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، قيل: هو كعب بن الأشرف سمى طاغوتا لإفراطه في الطغيان وعداوة الرسول ﷺ والبعد عن الحق، وقد أمروا في القرآن أن يكفروا بالطاغوت ويجتنبوه وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ «١» فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى «٢» . هؤلاء الذين تدّعى ألسنتهم الإيمان بالله وما أنزله على رسوله، وتدل أفعالهم على الكفر بهما والإيمان بالطاغوت وإيثار حكمه على حكم الشرع الشريف، ويريد الشيطان- وما توسوس به نفوسهم، وداعي الشر فيهم- أن يضلهم ضلالا بعيدا جدا عن الحق والصواب. وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول فهو الصراط المستقيم: رأيت هؤلاء المنافقين يصدون عنك يا محمد وعن دعوتك صدودا مؤكدا بكل ما أوتوا من قوة وحجة، والحامل لهم على ذلك هو اتباع شهواتهم، فكيف يكون حال هؤلاء المنافقين إذا أصابتهم مصيبة افتضاحهم وظهور حالهم، وانكشاف سترهم بما قدمته أيديهم، كيف يكون حالهم؟
стр. 388
ففي الآية نذير وقوع الخطر بهم حتما، ثم جاءوك بعد ظهور حالهم، يحلفون بالله- وهم الكاذبون- قائلين: ما أردنا بأعمالنا هذه إلا إحسانا في المعاملة وتوفيقا بين الخصوم بالصلح أو الجمع بين منفعة الخصمين.
أولئك الذين لعنهم الله وعلم ما في قلوبهم من الكيد والحقد والحسد، جزاؤهم الإعراض عنهم وعدم مقابلتهم بالبشاشة والترحاب لعل هذا يجعلهم يفكرون في أمر أنفسهم، ويقبلون نصحك ووعظك فأعرض عنهم، وعظهم، وقل لهم قولا بليغا يصل إلى شغاف قلوبهم ويؤثر في نفوسهم، وهذه شهادة من الله للنبي ﷺ بأنه صاحب القول البليغ والكلام المؤثر الدقيق
«أوتيت جوامع الكلم»
«أدبنى ربي فأحسن تأديبي»
حديث شريف. وأما جزاؤهم في الآخرة فمعروف لا يجهلونه.
إرشادات وآداب للسلم والحرب [سورة النساء (٤) : الآيات ٦٤ الى ٧٠]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨)
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠)
стр. 389
المفردات:
شَجَرَ بَيْنَهُمْ: فيما اختلف بينهم من الأمور واختلط. حَرَجاً: ضيقا.
كَتَبْنا: فرضنا عليهم. تَثْبِيتاً: تقوية، والتثبيت: جعل الشيء ثابتا راسخا.
الصِّدِّيقِينَ: جمع صديق، وهو الصادق في قوله واعتقاده المبالغ فيه كأبى بكر الصديق وأمثاله من الصحابة- رضى الله عنهم-. وَالشُّهَداءِ: جمع شهيد، وهو من يشهد بصحة الدين بالحجة والبرهان ويقاتل في سبيله بالسيف والسنان حتى يقتل. وَالصَّالِحِينَ: من صلحت نفوسهم وغلبت حسناتهم سيئاتهم.
المعنى:
وما أرسلنا من رسول إلا وطاعته واجبة، بإذن الله وأمره، فالطاعة لله، ولمن يأمر بطاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن يعص الرسول فقد عصى الله. ثم ترشد العصاة والمذنبين- إذا وقع منهم ذنب- أن يبادروا إلى رسول الله ﷺ فيستغفروا الله عنده ويبالغوا في التوبة وطلب المغفرة حتى يستغفر لهم الرسول فإنهم إن فعلوا ذلك تاب الله عليهم إنه هو التواب الرحيم، وهكذا كل من يعصى الله ورسوله ثم يبادر بالتوبة يجد الله توابا رحيما.
روى أن الزبير بن العوام خاصم رجلا من الأنصار في شأن ماء، فاختصما إلى النبي ﷺ فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب الأنصارى وقال: لأن كان
стр. 390
ابن عمتك: فتغير وجه النبي ﷺ وقال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك.
كان قد أشار على الزبير أولا برأى فيه سعة له ولخصمه فلما أحفظ رسول الله ﷺ استوعب للزبير حقه في صريح الحكم الأخير ... إلخ، ما جاء في أبى السعود فنزلت آية فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وفيها يقسم الله- بنفسه الكريمة المقدسة أنهم لا يؤمنون إيمانا كاملا حتى يحكموك في كل أمورهم وما يختلط عليهم من المشاكل، فما حكمت به فهو الحق لا شك فيه، ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا ولا ضيقا من قضائك ويسلمون به تسليما.
وهكذا نحن- وربك- لا نؤمن بالله إيمانا كاملا حتى نحكّم الله ورسوله في كل أمورنا ومشاكلنا، ثم نجد في أنفسنا ضيقا من حكم القرآن والسنة، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون الفاسقون الظالمون.
لو أن الله- سبحانه- فرض على الناس أن يقتلوا أنفسهم كما أمر بنى إسرائيل قديما تكفيرا لهم عن خطيئتهم في عبادة العجل، أو فرضنا أن كتب عليهم أن اخرجوا من أوطانكم في سبيل الله ما امتثل المأمور به إلا نفر قليل منهم، ... ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به من الأوامر والنواهي التي تظهر معها الحكم وتقرن بالوعد والوعيد، لكان خيرا لهم وأحسن وأشد تثبيتا في الدين وأرسخ، وإذا لآتاهم الله من عنده أجرا عظيما لا يعرف كنهه إلا هو، ولهداهم صراطا مستقيما.
روى عن عائشة- رضى الله عنها-: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله إنك لأحب إلى من نفسي وإنك لأحب إلى من ولدي، وإنى لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر أن آتى فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتى وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإنى إذا دخلت الجنة حسبت ألا أراك، فلم يرد عليه المصطفى ﷺ حتى نزل جبريل بهذه الآية
،
وروى: من أحب قوما حشر معهم.
كيف لا ترضون بحكم الله ورسوله؟ ومن يطع الله فيما أمر ونهى والنبىّ ﷺ فيما بشر وأنذر، وبلغ عن ربه، فأولئك يحشرون يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وكفاهم فخرا شهادة الله لهم أنهم من شدة المحبة وتمام الألفة وعدم الفرقة رفقاء، وذلك الفضل من الله يؤتيه من يشاء، وهو أعلم بمن اتقى!!
المفردات:
حِذْرَكُمْ الحذر والحذر بمعنى واحد، وهو: التيقظ والاستعداد، والمراد:
احترسوا واستعدوا. فَانْفِرُوا النفر: الانزعاج عن الشيء وإلى الشيء، والمراد:
اخرجوا إلى الجهاد. ثُباتٍ: جمع ثبة، وهي الجماعة، أى: اخرجوا جماعة تلو جماعة. لَيُبَطِّئَنَّ: ليثبطن غيره عن القتال، أو ليبطئن هو، أى: يتباطأ.
يَشْرُونَ الْحَياةَ أى: يبيعونها ويأخذون بدلها نعيم الآخرة وثوابها. الطَّاغُوتِ تقدم تفسيره وقريبا. كَيْدَ الكيد: السعى في الإفساد على جهة الاحتيال.
المعنى:
بعد أن بين الله لنا السياسة الدينية والاجتماعية التي بينت لنا حدود التعامل مع الناس خاصة الأقارب واليتامى والمساكين وغيرهم، وأحوالنا الشخصية من نكاح وإرث وزواج ... إلخ، وأيد ذلك بضرب الأمثال بمن سبقنا من الأمم أخذ يذكر السياسة الحربية التي بها نحمى ذمارنا ونرد أعداءنا حتى تستوي دعوتنا قائمة وحتى يكون الدين كله لله، وهذه السياسة تتلخص في وجوب الاستعداد للحرب، وفي تنظيف الجبهة الداخلية، وفي الحث على الجهاد ببيان جزائه، وبذكر أحوال الضعفاء المستعبدين إخواننا في الدين! وأن الواجب أن تكون الحرب لغرض شريف فقال ما معناه:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ واحترسوا من عدوكم واستعدوا دائما لملاقاته، فالاستعداد له قد يمنع الحرب، ويكون بتنظيم الجيوش وإعداد العدة المناسبة في كل عصر وحين وبث العيون (المخابرات والجواسيس) ودراسة حاله وبلده وطرقه ... إلخ ما هو معروف في الأصول الحربية، وإذا أخذتم حذركم فاخرجوا إليه جماعات إن اقتضى الحال ذلك، وإلا فأعلنوا التعبئة العامة واخرجوا إليه مجتمعين وفي هذا إشارة إلى تنظيم الأمة عسكريا وتعليم شبابها الفنون العسكرية حتى إذا دعا داعي الوطن وجدنا الكل يحمل السلاح، أما الجبهة الداخلية فلا تخلو أمة من الأمم من الجبناء الرعاديد والمنافقين الذين يثبطون الهمم، ويعوقون عن القتال ويقعدون عنه لفرط حبهم للدنيا وانخلاع قلوبهم من الحرب لضعف إيمانهم وخور عزيمتهم، فاعرفوهم وعالجوا ضعفهم، ولذا يقول القرآن: وإن منكم لجماعة يثبطون الهمم ويقعدون عن الحرب فإن أصابتكم مصيبة في
стр. 393
الحرب كالهزيمة أو القتل مثلا قالوا: قد أنعم الله علينا وتفضل حيث لم نكن معكم، ولئن أصابكم فضل من الله وانتصار على العدو قالوا: يا ليتنا كنا معكم فأخذنا نصيبنا من الغنيمة، كأنه لم تكن بينكم وبينهم مودة وصلة إذ الصلة والمودة التي يظهرونها تقتضي أن يكونوا معكم في السراء والضراء، والله أعلم بقلوبهم وما عندهم من الحسد والحقد، ولكنه سمى مودة تهكما بهم وبحالهم.
وإذا كان هذا واجبكم نحو العدو والاستعداد له وقد عرفتم أن فيكم المنافقين الجبناء الذين لا يخلو منهم زمان أبدا. فليقاتل في سبيل الله ولإعلاء كلمته ونصرة دينه- دين الحق والعدل والكرامة والقوة والمدينة- أولئك المسلمون المخلصون الذين باعوا دنياهم الفانية بالآخرة الباقية ونعيمها الدائم حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى والله عزيز ذو انتقام، والمقاتلون في سبيل الله ينتظرون إحدى الحسنيين إما الاستشهاد في سبيل الله وإما النصرة والغلبة على الأعداء، وفي كلا الحالين سوف يؤتيهم الله أجرا حسنا، وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي سبيل هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؟ وقد كان المسلمون الذين هم في مكة قبل الفتح ولم يتمكنوا من الهجرة في عذاب أليم وتعب مقيم فكانوا يلاقون من عنت الكفار الجبابرة الشيء الكثير، وما قصص بلال وصهيب وعمار عنكم ببعيد!!.
وهؤلاء يقولون من شدة الألم: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من لدنك وليا يلي أمورنا ويحمى ذمارنا، واجعل لنا من لدنك نصيرا ينصرنا فقد عز الناصر وقل المدافع وسدت الأبواب إلا بابك يا كريم يا قوى يا حكيم.
والقتال الذي يضع القرآن سياسته ليس قتال ظلم وتعد وتوسع في الملكية واستعباد للشعوب كما نرى الآن، وإنما هو قتال في سبيل الله ولإعلاء كلمة الحق والإنصاف:
إنصاف الشعوب والأمم، ولذا كانت الحركة الإسلامية تزحف على الشعوب وتجرف الأمم كالسيل المنهمر، وظل الحال كذلك حتى ابتعد المسلمون عن الدين. فابتعدوا عن المثل العليا وضعف فيهم الوازع الديني فطمع فيهم كل طامع وغلبهم كل مغلب.
ولذا يحدد القرآن الغاية من القتال في الإسلام بقوله: الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، وأما الذين كفروا فإنهم يقاتلون في سبيل الطاغوت الذي هو الظلم والجبروت والطغيان والتعدي على حقوق الأمم والأفراد، فقاتلوا أيها المسلمون أولياء الشيطان
стр. 394
ولا تغرنكم قوتهم وهم عدد، فهي على غير أساس لأن وليهم الشيطان ووليكم الرحمن، وهو ناصركم ما نصرتموه، وكيد الشيطان للمؤمنين في جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه، ألا إن حزب الله هم الغالبون.
بعض ضعاف النفوس [سورة النساء (٤) : الآيات ٧٧ الى ٧٩]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩)
المفردات:
كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ: امنعوها عن العادات الجاهلية والحروب القديمة التي كانت بين القبائل. فَتِيلًا: شعرة بسيطة بين فكى النواة، وهي مثل في البساطة والقلة.
بُرُوجٍ: جمع برج، وهو القصر أو الحامية التي يحتمي فيها الجند من العدو.
مُشَيَّدَةٍ: عالية، وقيل: مطلية بالجبس والجير. يَفْقَهُونَ: يفهمون.
стр. 395
المعنى:
ألم ينته علمك إلى الذين قيل لهم لما دخلوا في الإسلام: كفوا أيديكم وامنعوا أنفسكم عن الحرب الجاهلية والإحن القبلية التي كانت تثار لأتفه الأسباب، وأدوا الصلاة مقومة الأركان تامة بالخشوع والخضوع لله، وأدوا الزكاة وغير ذلك من حدود الإسلام وتعاليمه التي ترفع صاحبها إلى مستوى المثل العليا.
من المسلمين الذين أمروا بالكف عن المنكرات والإتيان بالحسنات فريق كان يتمنى القتال لإرضاء شهوته في الاعتداء، فلما فرض عليهم قتال المشركين بعد الهجرة إذا فريق منهم يخشون المشركين كخشيتهم لله أو أشد، ويفرون من الحرب كأنهم مساقون إلى الموت ويقولون: ربنا لم فرضت علينا القتال؟ لولا تركتنا نموت حتف أنوفنا ولو بعد أجل قريب. أليس هذا عجبا؟ وأى عجب؟
قل لهم يا محمد: ما لكم تقعدون عن القتال حبا في الدنيا، ومتاعها قليل فان والآخرة متاعها باق دائم لا كدر فيه ولا تعب؟ وهي لمن خاف الله وامتثل أمره وأخذ لنفسه الوقاية من عذابها فأنتم محاسبون على أعمالكم إن خيرا فخير وإن شرّا فشر ولا تظلمون فتيلا. وإن كان مثقال حبة من خردل لأى إنسان أتينا بها وكفى بنا حاسبين. ما لكم تخافون الحرب؟ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في قصور عالية وبروج مشيدة فملك الموت لا تحجزه الحواجز ولا تعوقه العوائق، وكم من محارب نجا، وقاعد عن الحرب مات حتف أنفه، فلا نامت أعين الجبناء.
وأعجب العجب مقالة أولئك المنافقين إذا أصابتهم حسنة من غنيمة أو خصب أو رزق قالوا: هذه من عند الله ومن فضله وإحسانه ليس لأحد دخل فيها، وإن أصابتهم سيئة من هزيمة أو جدب قالوا- لعنهم الله-: هذه من شؤم محمد، كما حكى القرآن عن قوم موسى وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [سورة الأعراف آية ١٣١] .
قل لهم: كل من الحسنات والسيئات والسراء والضراء من عند الله فإنه موجد وخالق للكل، فما لهؤلاء القوم لا يقربون من فهم حديث من الأحاديث؟ ما الذي دهاهم في عقولهم حتى وصلوا إلى هذا الفهم السقيم؟ فقد ربطت الأسباب بمسبباتها
стр. 396
وإن كان الله خالقا لكل شيء فما أصابك أيها المخاطب من حسنة فمن فضل الله ونعمه وتوفيقه لك حتى تسلك سبل النجاة والخير، وما أصابك من سيئة فمن نفسك حيث لم تسلك سبيل العقل والحكمة، حتى قالوا: إن المرض بسببك بل الأمراض الوراثية بسبب الإنسان وسلوكه الطرق التي تتنافى مع الصحة!! وأما أنت يا محمد فرسول وما عليك إلا البلاغ، والخير والشر كله من عند الله خلقا وإيجادا، وعلى الله الحساب وكفى بالله شهيدا.
الطاعة لله ولرسوله [سورة النساء (٤) : الآيات ٨٠ الى ٨١]
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٨١)
المفردات:
تَوَلَّى: أعرض. بَرَزُوا أى: خرجوا من عندك، وأصل البراز:
الأرض الفضاء. بَيَّتَ: دبّر جماعة منهم ليلا رأيا غير الذي قالوه لك.
وروى مقاتل أن النبي ﷺ كان يقول: من أحبنى فقد أحب الله ومن أطاعنى فقد أطاع الله. فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل لقد قارف الشرك؟ قد نهى أن نعبد غير الله ويريد أن نتخذه ربّا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية.
المعنى:
محمد بن عبد الله ﷺ نبي كريم ورسول رب العالمين وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا
стр. 397
وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
«١» وهو بهذا المعنى يخبر عن المولى- ويبلغ ما أوحى إليه، فالآمر والناهي هو الله، والرسول مبلغ فليست الطاعة له بالذات إنما هي لمن بلغ عنه وهو الله- فمن يطع الرسول فقد أطاع الله ... والرسول ﷺ في أوامر الشريعة وفيما يتعلق بالقرآن وأحكام الدين وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [سورة النجم الآيات ٣- ٥] .
أما أمور الدنيا وما يقوله باجتهاده ورأيه في غير الشرع فقد كان الصحابة يسألون النبي عنه: أوحى يا رسول الله أم رأى؟ فإن كان وحيا أطاعوا بلا تردد ولا نظر وإن كان رأيا أشاروا، وقد يرجع الرسول إلى رأيهم كما حصل في غزوة بدر وأحد.
ومن تولى وأعرض عن طاعتك فلا تحزن عليهم إن عليك إلا البلاغ ولست عليهم بمسيطر، وهؤلاء الذين يخشون الناس كخشية الله أو أشد يقولون إذا أمرهم النبي ﷺ بأمر: أمرك طاعة، أى: مطاع نفاقا وانقيادا للنبي ظاهرا فقط.
فإذا خرجوا من المكان الذي يكونون معك فيه منصرفين إلى بيوتهم دبر جماعة منهم في الليل رأيا غير الذي قالوه لك، والله يكتب ما يبيتونه ويطلعك عليه في كتابه المنزل فلا يهمنك أمرهم فإنا مجازوهم، وأعرض عنهم، وتوكل على الله فإن الله كافيك شرهم ومنتقم منهم، وكفى بالله وكيلا.
القرآن من عند الله [سورة النساء (٤) : آية ٨٢]
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢)
المفردات:
يَتَدَبَّرُونَ التدبر: التأمل في أدبار الأمور وعواقبها، وتدبر القرآن: النظر والتفكير في غاياته ومقاصده التي يرمى إليها.
стр. 398
المعنى:
أعمى هؤلاء عن حقيقة الرسالة وكنه الهداية فلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟ ولو تدبروه لعلموا أنه الحق من ربهم إذ هو في صدق في إخباره عما تكنّه ضمائرهم وما تخفيه سرائرهم، ولكن ختم الله على قلوبهم وأضل أعمالهم!! ولو كان هذا القرآن الذي هو عماد الدعوة المحمدية من عند غير الله بأن كان من عند محمد بن عبد الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا في نظمه من جهة البلاغة فيكون بعضه عاليا بلغ حد الإعجاز وبعضه قاصرا عنه، وبعضه صحيح المعنى وبعضه سقيمه، وجزء وافق في إخباره بالغيب وجزء خالف!!! وكان بعضه موفقا صادقا في تصوير الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأمم، فكان مثلا أعلى، وبعضه غير موافق.
وناهيك بوضع الآيات وترتيبها مع أنها نزلت منجمة غير مرتبة، وسبحان الله وتعالى عما يصفون، وكيف لا يكون القرآن من عند الله وفيه تصوير الحقائق تصويرا تامّا كاملا بلا اختلاف ولا تفاوت في أى جزئية.
وفيه الإخبار عن الماضي الذي لم يشاهده محمد بن عبد الله ولم يتيسر له أن يقف على تاريخه، وعن الحاضر والمستقبل، بل على مكنونات الأنفس ومخبئات الضمائر، وأما الأصول والقواعد في التشريع والسياسة العامة والخاصة للفرد والأمة فيكفى شهادة الأعداء له، والحديث فيه عن الاجتماع ونواميس العمران وطبائع الإنسان مع ضرب الأمثال والقصص الذي يسحر القلوب ويخطف الأبصار فأمر لا ينكره إلا مكابر، وأما البلاغة والجزالة فهو الذي أعجز فحول البلاغة من العرب وتحداهم فقهرهم وأذلهم على كره منهم.
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً يشبه بعضه بعضا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ (الزمر ٢٣) .
ولو تدبر المسلمون القرآن الكريم وفهموه فهما صحيحا سليما ووقفوا على أسراره لما وصلوا إلى ما وصلوا.
стр. 399
الرقابة على الأخبار [سورة النساء (٤) : آية ٨٣]
وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣)
المفردات:
أَذاعُوا بِهِ يقال: أذاع السر وبالسر: نشره وأشاعه بين الناس. رَدُّوهُ:
أرجعوه. يَسْتَنْبِطُونَهُ استنبط الماء: استخرجه من البئر، ثم استعمل فيما يستخرجه الرجل بفضل عقله من المعاني والحلول للمشكلات.
المعنى:
سبحانك يا رب أنت الحكيم العليم. ما تركت لنا شيئا إلا ونبهتنا إليه. حتى إذاعة الأخبار، إذ في كل أمة من الأمم جماعة يذيعون الأخبار بشغف خصوصا ما يتعلق بالحروب بقصد سيّئ كالمنافقين، أو بقصد حسن كما يحصل من عامة الشعب، فيرشدنا الله إلى أن الأمور التي تتعلق بالأمن أو الخوف يجب أن يترك الحديث فيها إلى القائد العام وهو الرسول- ﵇ ولأهل الرأى والحل والعقد في الأمة فهم أدرى الناس بها وبالكلام فيها، أما أن نتحدث ونهرف بما نعرف وما لا نعرف بقصد وبغير قصد فهذا ضرر وأى ضرر على الدولة!! ولذا تنبهت الأمم الحديثة إلى الرقابة على الصحف والإذاعة وغيرها حتى لا تستغل عقول الجماهير خصوصا في الحرب رقابة تكفل الحرية، وتمنع الخطأ، أما الرقابة بمعنى كمّ الأفواه والقضاء على الحرية فشيء لا يقره الدين.
ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم إذ هداكم ووفقكم لطاعة الله ورسوله ولنور
стр. 400
القرآن لاتبعتم وسوسة الشيطان كما اتبعه الذين يبيتون ما لا يرضى من القول ويكون لهم ظاهر وباطن، ولما آمن منكم الإيمان الخالص إلا قليل، أو لآمنتم إيمانا ضعيفا.
الحث على الجهاد أيضا [سورة النساء (٤) : آية ٨٤]
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤)
المفردات:
وَحَرِّضِ التحريض: الحث على الشيء بتزيينه والترغيب فيه. بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا: قوتهم وشدتهم. تَنْكِيلًا التنكيل: معاقبة المجرم عقابا يمنع غيره من أن يفعل مثله.
المعنى:
إذا كان الأمر كما حكى من عدم طاعة المنافقين وكيدهم وتقصير الآخرين فقاتل أنت وحدك في سبيل الله وامتثل أمره إن أردت الظفر بالأعداء إذ لا تكلف إلا فعل نفسك فقط، أما غيرك من الذين يقولون: لم كتبت علينا القتال؟ ويخشون الناس أكثر من خشيتهم الله فدعهم، والله مجازيهم على أفعالهم وما عليك إلا أن تحرض المؤمنين على القتال وتحثهم عليه ببيان آثاره في الدنيا ونتائجه في الآخرة.
وقد كان النبي ﷺ حينما حل موعد بدر الصغرى في السنة التالية لغزوة أحد صمم على الخروج فخرج ومعه ألف وخمسمائة مقاتل وعشرة أفراس، وأقاموا على بدر ينتظرون أبا سفيان كما وعدهم وكان النصر لهم، أما أبو سفيان فرجع من الطريق وصرفه الله عن النبي ﷺ عسى أن يكف بأسهم ويزيل قوتهم، فالله ناصرك على الأعداء سواء
стр. 401
كنت وحدك أو معك الألوف، فهو أشد بأسا وأشد قوة وسيعاقبهم العقاب الصارم الذي يمنع أمثالهم من الجرأة على الحق وينكل بهم.
من آداب القرآن [سورة النساء (٤) : الآيات ٨٥ الى ٨٧]
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧)
المفردات:
يَشْفَعْ الشفاعة: ضم صوتك إلى صوت رجل آخر لنصرته في طلبه.
نَصِيبٌ أى: حظ منصوب ومعلوم. كِفْلٌ: نصيب مكفول ومضمون.
مُقِيتاً أى: حافظا ومقتدرا. بِتَحِيَّةٍ التحية: مصدر حياه إذا قال له: حياك الله، وهي في الأصل: الدعاء له بالحياة، ثم صارت اسما لكل دعاء وثناء عند المقابلة، والتحية الإسلامية: السلام عليكم، للإشارة إلى أن الدين الإسلامى دين محبة وسلام وأمن. حَسِيباً: محاسبا على العمل ومكافئا له.
المعنى:
الشفاعة: ضم صوتك إلى أخيك لنصرته وتوصيل الحق له، وعلى هذا الأساس يدخل فيها تحريض المؤمنين على القتال وتحبيبهم فيه فإن هذا خير لهم وأى خير؟ ومن
стр. 402
هنا كانت المناسبة ظاهرة على أن بعض المنافقين كانوا يستأذنون النبي في القعود عن القتال لهم ولغيرهم، وإذا توسعنا فيها شملت شفاعة الناس بعضهم لبعض، والتحية نوع من الشفاعة، وعلى كل فهي نوعان: شفاعة حسنة، وشفاعة سيئة والضابط العام أن الحسنة ما كانت فيما استحسنه الشرع ورضيه، والسيئة فيما كرهه الشرع أو حرمه.
ويجب ألا ننسى أن العبرة في القرآن الكريم بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
والشفاعة الحسنة هي التي يراعى فيها حق المسلم فيدفع بها شرا أو يجلب إليه خيرا، وابتغى صاحبها وجه الله، ولم تؤخذ عليها رشوة، وكانت في أمر جائز لا في حد من حدود الله ولا في ضياع حق من الحقوق، والسيئة ما كانت بخلاف ذلك، وقد شاعت عندنا الوساطات والشفاعات السيئة الملوثة بالمادة لتضييع الحقوق وهضمها والاستيلاء على مال الغير، وهذا داء حقير يتنافى مع مبدأ الدين وأصوله، ولكل من الشفعاء نصيب إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وكان الله على كل شيء مقيتا ومقتدرا على إيصال الجزاء لكل شافع.
بعد أن علم الله الناس طريق الشفاعة الحسنة وجزاءها وطريق الشفاعة السيئة ومآلها، علم الناس سنة التحية وآدابها، فكلاهما من أسبابها التواصل بين الناس، ولذا عدت التحية من الشفاعة، وإذا حييتم بتحية فالواجب ردها على أن تكون مثل الأولى أو أحسن منها، وحسن الرد يكون بزيادة الألفاظ فإذا قال لك: السلام عليكم، تقول:
وعليكم السلام ورحمة الله. ويكون بزيادة معنوية كالبشاشة وحسن الاستقبال ... إلخ، ما هو معروف.
وأحكام السلام موضحة في كتب الحديث، ومنها أن بدأه سنة ورده واجب، ويجوز بدء السلام ورده على غير المسلمين عند بعض الأئمة، وأن يسلم القادم على الجالس، والراكب على الماشي، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، ولا يسلم الرجل على المرأة الأجنبية ويسلم على زوجته.
إن الله كان على كل شيء تعملونه حسيبا ومكافئا.
ثم ختم الآيات بالأساس العام للدين، وهو إثبات التوحيد والبعث ولا شك أن ذلك يدفع المسلم إلى العمل والامتثال لأمر الله، لا إله إلا هو، ليجمعنكم إلى يوم القيامة
стр. 403
ليأخذ كلّ جزاءه فلينظر الإنسان ما قدم، وليحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ومن أصدق من الله حديثا، فكلامه- سبحانه- كلام عالم الغيب والشهادة الذي لا يضل ولا ينسى، وهو القوى القادر فكيف لا يكون صادقا في وعده؟!
المنافقون وكيف تعاملهم [سورة النساء (٤) : الآيات ٨٨ الى ٩١]
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (٩١)
стр. 404
المفردات:
فِئَتَيْنِ الفئة: الجماعة. أَرْكَسَهُمْ الركس: رد الشيء مقلوبا، والمراد ردهم إلى الكفر والقتال. يَصِلُونَ: يتصلون. مِيثاقٌ: عهد. حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ: ضاقت عن قتالكم وقتال قومهم. السَّلَمَ: الاستسلام والسلام.
الْفِتْنَةِ: الشرك والضلال واضطراب الأحوال. ثَقِفْتُمُوهُمْ: وجدتموهم وصادفتموهم. سُلْطاناً مُبِيناً: حجة واضحة.
سبب النزول:
روى أن قوما من المنافقين استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى البدو معتلين بجو المدينة فلما خرجوا لم يزالوا راحلين حتى وصلوا مكة قلب الشرك،
وقيل: هم قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة يظاهرون المشركين، وقد رويت عدة روايات في سبب النزول كثيرة، ولكن المعقول منها الموافق لروح الآية الروايات التي يشم منها أنها في جماعة خارج المدينة. ويظهر أن النفاق نوعان: نفاق في الإسلام وادعائه، وهؤلاء هم الذين كانوا مع النبي ﷺ في المدينة ونزل في شأنهم آيات النفاق في سورة البقرة وسورة المنافقون بدليل أن النبي ﷺ لم يقتلهم أينما وجدوا، فهذا زعيمهم عبد الله بن أبىّ يسرح ويمرح على الملأ، وبدليل عدم اتخاذ الأولياء منهم حتى يهاجروا، فدل كل ذلك على أن هؤلاء الذين نزلت فيهم هذه الآية نوع آخر لم يكونوا في المدينة وإنما كانوا خارجها، نافقوا في الولاء للإسلام وادعوا أنهم مع المسلمين، والواقع أنهم عليهم، وهذا ما ظهر والله أعلم.
المعنى:
خاطب الله- جل شأنه- المؤمنين خطابا يتعلق بما قبله، ولذا أتى بالفاء: فما لكم اختلفتم في شأن المنافقين فئتين؟ جماعة يشهدون لهم بالخير، وأخرى تشهد لهم بالكفر والشرك، وكيف هذا؟ والحال أن الله صرفهم عن الحق وأركسهم في الضلال وردهم إلى الشرك على أقبح صورة، بما كسبوا من أعمال الضلال، والبعد عن حظيرة الإسلام
стр. 405
وعدم الهجرة مع رسول الله، أتريدون أن تبدلوا سنة الله في الخلق؟ وأن تجعلوا الضال مهتديا والكافر مسلما، لا يعقل هذا!! إنهم ينظرون إليكم نظرة الأعداء ويودون أن تكفروا مثلهم، فتكونوا سواء، ومن كان هذا حاله فلا يصح أن تختلفوا في شأنه، بل أجمعوا على أنه منافق خارج عن حدود الإسلام. ولا تتخذوا منهم أولياء تعتمدون عليهم، وتركنون إليهم، حتى يهاجروا في سبيل الله هجرة خالصة لوجه الله ورسوله فإن تولى هؤلاء الموصوفون بما ذكر، وأعرضوا عن الهجرة في سبيل الله ولزموا مواضعهم وأساليبهم السابقة وكانوا حربا عليكم فخذوهم إن قدرتم عليهم في أى مكان أو زمان واقتلوهم حيث وجدتموهم في الحل أو الحرم، ولا تتخذوا منهم وليّا ولا نصيرا. وقد استثنى الله منهم طائفتين:
(أ) الذين يتصلون بقوم معاهدين بينكم وبينهم ميثاق وعهد بعدم الاعتداء فيلحقون بهم، ويدخلون معهم في عهدهم.
(ب) الذين جاءوكم وقد ضاقت صدورهم بقتالكم وقتال قومهم المشركين وأعلنوا الحياد، فهؤلاء اتبعوا فيهم أيضا قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [سورة البقرة آية ١٩٠] فهاتان الطائفتان لا يصح قتالهم.
واعلموا أن الله لو شاء لسلط هؤلاء وأولئك عليكم فانضموا إلى معسكر المشركين الذين يجاهرونكم بالعداوة والحروب، لكنه ألقى في قلوبهم الرعب والخوف منكم، فإن اعتزلوكم ولم يقاتلوكم بأى نوع من أنواع القتال وألقى المذكورون إليكم الاستسلام وزمام أمورهم فاعلموا أن الله لم يجعل لكم عليهم سبيلا تسلكونها للاعتداء عليهم.
وقال الرازي: إن النبي ﷺ وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عامر السلمى على ألا يعينه ولا يعين عليه، وعلى أن كل من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله جواره.
ستجدون آخرين، أى: فئة أخرى غير السابقة، مردوا على النفاق ومرنوا عليه يريدون أن يأمنوا على أنفسهم وأموالهم.
حكى ابن جرير أنها نزلت في قوم هم بنو أسد وغطفان وقيل غيرهم، كانوا يأتون النبي ﷺ بالمدينة، فيسلمون رياء ونفاقا ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان
стр. 406
ويرتدون إلى الشرك، يبتغون أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتلهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا أنفسهم.
هؤلاء كلما ردوا إلى الفتنة والشرك ودعوا إليها أركسوا فيها على أسوأ حالة، وبالغوا في الضلال، فهؤلاء إن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم زمام السلام فاقتلوهم إن تمكنتم منهم، وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا واضحا ظاهرا وحجة قوية في قتالهم.
قتل المؤمن وجزاؤه [سورة النساء (٤) : الآيات ٩٢ الى ٩٣]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (٩٣)
المفردات:
خَطَأً: بغير قصد للقتل. فَتَحْرِيرُ: فعتق. رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ: نفس مؤمنة. وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ: مال يدفع لأهل القتيل جبرا لخاطرهم وعوضا
стр. 407
عنه. أَنْ يَصَّدَّقُوا: أن يعفوا عنها. مِيثاقٌ: عهد، أو ذمة، أو أمان.
مُتَتابِعَيْنِ: المراد شهرين قمريين لا يتخللهما فطر إلا لعذر شرعي. تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ: تطهيرا لأنفسكم ولأما لجرحكم.
سبب النزول:
روى أن الحارث بن يزيد من بنى عامر بن لؤي كان يعذب عياش بن أبى ربيعة ثم خرج الحارث مهاجرا إلى النبي ﷺ ولم يعرف إسلامه بعد، فلقيه عياش بالحرة (ضاحية من ضواحي المدينة) فعلاه بالسيف وهو يظن أنه لا يزال كافرا، ثم جاء إلى النبي ﷺ فأخبره الخبر، فنزلت الآية ثم قال له: قم يا عياش فحرر، أى: أعتق رقبة مؤمنة.
المعنى:
الإيمان بالله ورسوله إذا وصل إلى القلب منع صاحبه من ارتكاب الفواحش خاصة التعدي على النفس بغير حق، والمؤمن يشعر بحقوق الله عليه وحقوق إخوانه المؤمنين.
ويؤمن بقوله تعالى: ومَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً «١»
وروى في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة»
والأحاديث التي تقرن القتل بالشرك كثيرة، ولذا يقول الله وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً «٢» أى: ليس من شأن الإيمان وطبعه أن يقتل المؤمن مؤمنا، وأن يقترف هذا الجرم الفظيع عمدا وبقصد!! ولكنه قد يقع منه ذلك خطأ وبغير قصد.
ومن قتل مؤمنا خطأ فعليه عقاب إذ الخطأ ينشأ من التهاون وعدم الاهتمام والاعتناء.
والقتل الخطأ: كأن يقصد طيرا فيصيب إنسانا، أو يظن شخصا كافرا حربيا فيظهر أنه مسلم، كما حصل لعياش- رضى الله عنه- أو يقصد إنسانا بما لا يقتل غالبا كالعصا البسيطة واليد فيقتله.
стр. 408
وعقابه في شيئين: كفارة للقتل، وهي: عتق رقبة مؤمنة، لأنه أعدم نفسا مؤمنة.
فيحيى بالعتق نفسا مثلها.
ودية مسلّمة إلى ورثة القتيل عوضا عن دمه، وإزالة للعداء، وقطعا للإحن والبغضاء. وقد بينتها السنة، وهي مائة من الإبل مختلفة الأسنان، أو قيمتها، وتجب على أسرة القاتل، فإن عجزت أخذت من بيت المال (وزارة المال) ، وهي واجبة كما قلنا إلا إذا عفا أهل القتيل وتصدقوا بها، ولها أحكام كثيرة في كتب الفقه.
فإذا كان القتيل مؤمنا وهو من قوم أعداء لكم فالواجب تحرير رقبة مؤمنة فقط، بلا دية إذ لا يعطى لهم مال يحاربوننا به.
وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق أو عهد أو ذمة كالذي بين الدول الآن، فالواجب دية مسلّمة إلى أهله احتراما للعهود والدماء، وعتق رقبة مؤمنة، واختلف العلماء في دية غير المسلم فقيل: دية كاملة، وقيل: على النصف، والظاهر أن القرآن نكّر الدية للإشارة إلى أنها مال يتفق عليه ويحكم به الحاكم حسب ما يمليه عليه دينه وضميره، ويوافق العصر الذي هو فيه وتزال آثار القتل به، فمن لم يجد رقبة يعتقها فعليه صيام شهرين متتابعين، تطهيرا لنفسه وتكفيرا عن فعلته، ومعنى التتابع أنه إذا أفطر لغير عذر شرعي في أثناء الصوم لم يحسب له ما مضى.
وكان الله عليما بكم حكيما في حكمه.
ومن يقتل مؤمنا عامدا قاصدا قتله بما يقتل غالبا كالرصاص أو الآلة الحادة كالسيف مثلا، فجزاؤه جهنم، خالدا فيها، وغضب الله عليه، وطرده من رحمته وأعد له عذابا عظيما لا يدرى كنهه إلا المنتقم الجبار!! لأنه هدم ما بناه الله بغير حق.
هذا غير القصاص في القتل كما ثبت في آية البقرة وآية المائدة.
وهذا التهديد الشديد والوعيد الكثير المفهوم من الآية جعل بعض الأئمة كابن عباس يقول: ليس للقاتل توبة، وفيه أحاديث صحيحة تثبت ذلك. وقال بعضهم: هذا من التغليظ، وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً «١» يشمل القاتل وقيل: إن هذا الجزاء لمن استحل قتل المؤمن. والله أعلم.
стр. 409
التسرع في الحكم [سورة النساء (٤) : آية ٩٤]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤)
المفردات:
ضَرَبْتُمْ: سرتم في الأرض للتجارة أو الحرب. فَتَبَيَّنُوا قرئ: فتثبتوا، والمراد: اطلبوا بيان الأمر وحقيقته ولا تتسرعوا. السَّلامَ: الاستسلام والانقياد، أو التحية. عَرَضَ الْحَياةِ: متاعها الفاني. مَغانِمُ كَثِيرَةٌ المراد:
أرزاق ونعم كثيرة.
سبب النزول:
رويت روايات كثيرة كلها تدور حول قتل مسلم أظهر إسلامه ساعة القتال وهو في أرض المشركين، عن ابن عباس- رضى الله عنهما-: مر رجل من بنى سليم بنفر من أصحاب النبي ﷺ وهو يسوق غنما له فسلم عليهم فقالوا: ما سلّم علينا إلا ليتعوذ منا. فعمدوا إليه فقتلوه واستاقوا غنمه إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت الآية.
المعنى:
بعد بيان حكم قتل المسلم خطأ وعمدا، شرع في بيان نوع من قتل الخطأ الناشئ عن التسرع في الحكم على الرجل بعدم الإسلام.
стр. 410
يا أيها الذين آمنوا بالله وصدقوا رسوله: إذا سافرتم في سبيل الله، ولإعلاء كلمته فالواجب عليكم أن تتمهلوا في الحكم على من يقابلكم، وتتبينوا جلية الأمر. هل هو مؤمن يظهر عليه علامة الإيمان من التهليل والتكبير وإلقاء تحية الإسلام؟ فمتى ظهر عليه شيء من ذلك، فلا تتعرضوا له أصلا فأنتم مأمورون بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، وليس لكم أن تقولوا: قال هذا تعوذا منا ليفر بنفسه وليس مؤمنا فالله أعلم به، تبتغون بذلك عرض الدنيا الفاني وحطامها الزائل من الغنيمة التي معه، فعند الله أرزاق ونعم كثيرة لا تحصى، وله خزائن السموات والأرض، فلا يصح منكم ولا يليق بكم أن تفعلوا هذا الفعل وتتسرعوا في الحكم، على أنكم كنتم هكذا من قبل، آمنتم سرا ثم أظهرتم الإسلام علنا فقبلتم في عداد المؤمنين وصرتم آمنين مطمئنين، إن الله كان بما تعملون خبيرا وبصيرا سيجازيكم على نواياكم فاحذروه وخافوا عقابه.
الجهاد في سبيل الله وفضله [سورة النساء (٤) : الآيات ٩٥ الى ٩٦]
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٩٦)
المفردات:
الضَّرَرِ: المرض والعلة كالعمى والعرج. الْحُسْنى: هي الجنة.
المعنى:
لا يستوي القاعدون عن الجهاد بأموالهم بخلا بها، وحرصا عليها، وضنّا بها عن
стр. 411
الإنفاق في سبيل الله، والقاعدون بأنفسهم حرصا على الراحة والنعيم، نعم لا يستوي هؤلاء مع المجاهدين في سبيل الله.
ولكن القعود عن الجهاد يكون مذموما حيث لا عذر يمنع منه، فإن كان هناك عذر شرعي فلا لوم ولا عتاب، بل
قال رسول الله ﷺ عند دخوله المدينة بعد غزوة تبوك:
«إن في المدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه. قالوا:
يا رسول الله: وهم بالمدينة؟ قال: نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر» .
فضل الله المجاهدين في سبيل الله بالنفس والنفيس على القاعدين بعذر درجة وفضلا والله أعلم به، وإن كان قد وعد كلا الجنة والمثوبة الحسنى.
أما القاعدون بغير عذر. فقد فضل الله عليهم المجاهدين أجرا عظيما، ودرجات كثيرة ومغفرة من الله كبيرة، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة، أى:
جوع في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، ورحمة من الله ورضوان فوق هذا وذاك، ولا غرابة فالله غفور لمن يستحق المغفرة رحيم بمن يتعرض لنفحات الرحمة.
المهاجرون في سبيل الله والمتخلفون عنها [سورة النساء (٤) : الآيات ٩٧ الى ١٠٠]
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠)
стр. 412
المفردات:
تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ توفى الشيء: أخذه وافيا تامّا، وتوفى الملائكة الناس: قبض أرواحهم حين الموت. سَبِيلًا طريقا يوصلهم. مُراغَماً الرغم: الذل والهوان. وأصله لصوق الأنف بالرغام، أى: التراب، والمراد: مكانا للهجرة ومأوى يصيب فيه الخير فيرغم بذلك أنوفهم. وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أى: وجب، ألا ترى إلى قوله تعالى: وَجَبَتْ جُنُوبُها أى: وقعت جنوبها على الأرض.
نزلت في قوم أسلموا بمكة، وتركوا الهجرة ثم ماتوا. وقيل: ماتوا في غزوة بدر وكانوا يحاربون في صفوف الكفار على كره منهم فقتلوا.
المعنى:
لما اشتد إيذاء الكفار للمسلمين في أول الأمر وهاجر بعضهم إلى الحبشة ثم هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة، وولدت الدولة الإسلامية. في هذا الوقت كانت الهجرة واجبة وكان بعض المسلمين قد هاجر مع النبي ﷺ ولم يدخر وسعا في ذلك. وبعضهم قعد عنها حبّا في وطنه وإيثارا للدنيا وعرضها، ومنهم من كان ضعيفا لا يقدر عليها لمرض أو كبر أو جهل بالطريق، ومنهم من هاجر ومات في الطريق.
إن الذين قبضت أرواحهم الملائكة وهم في دار الشرك حالة كونهم ظالمي أنفسهم برضاهم الإقامة في دار الشرك وإيثارهم الدنيا وعرضها على نصرة الحق، والهجرة مع رسول الله، وبقبولهم الظلم والتضييق عليهم في عدم إقامتهم الشعائر الدينية. هؤلاء قالت لهم الملائكة توبيخا لهم وتأنيبا: في أى شيء كنتم من أمور دينكم؟ فإنهم تركوا الهجرة التي كانت طريق نصرة الإسلام في مهده وهم قادرون عليها قالوا معتذرين بغير
стр. 413
العذر الحقيقي: كنا مستضعفين ومستذلين في مكة، فلم نقدر على إقامة الدين وواجباته، وهذه حجة واهية، ولذا قالت لهم الملائكة: ألم تكن أرض الله التي يمكنكم فيها القيام بواجبات الدين والهجرة مع الرسول بدون تعرض لكم، ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟؟ نعم هي واسعة ولكنكم رضيتم بالذل، وآثرتم الدنيا على نصرة الحق. فأولئك جزاؤهم جهنم وبئس المصير مصيرهم.
وفي هذا إشارة إلى أنه يجب على المسلم أن يفر بدينه إلى حيث يمكنه أن يقيم حدوده وواجباته حسبما أمر الله، وقد استثنى الله من هؤلاء صنفا وهم المستضعفون حقيقة الذين لهم عذر مقبول كالشيوخ الضعفاء، والعجزة من النساء والولدان الذين لا يستطيعون الهجرة، وقد ضاقت بهم الحيل، وعميت عليهم الطرق فلا يهتدون إلى سبيل منها، مثل عياش بن ربيعة. ومسلمة بن هشام، وأم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عباس، وغيرهم، على أن المراد بالولدان المراهقون لا الصبيان، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، ولا يؤاخذهم بالإقامة في دار الشرك وترك الهجرة، وفي هذا إشارة إلى أن ترك الهجرة ذنب كبير، وكان الله كثير العفو عن الذنوب غفورا لأصحابها.
وأما المهاجرون في سبيل الله وإن كان بهم ضعف فمن يهاجر منهم يجد في الأرض مكانا للهجرة، ومأوى يسلكه، فيه الخير والسعة والرزق والعزة، وهذا ترغيب في الهجرة، ووعد صريح لمن يخشى ترك المال والأهل ومشقة السفر والبعد عن الديار بأنه سيجد ما يغنيه ويرغم به أعداءه متى كانت هجرته خالصة لوجه الله!! ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت قبل الوصول إلى المدينة، فقد ثبت أجره على الله، والله هو الذي أوجب هذا تفضلا وإحسانا
«إنما الأعمال بالنيات» .
روى أنها نزلت في جندب بن ضمرة وكان قد بلغه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ (الآية) ، فقال لأولاده: احملوني إلى المدينة فلن أبيت بمكة الليلة، فحملوه ومات بالطريق فنزلت هذه الآية.
وما أعظم الفرق بين هذا الوعد المؤكد الذي لا يعلم كنهه إلا هو وبين الوعد بالمغفرة لمن ترك الهجرة لضعفه.
стр. 414
والهجرة قبل الفتح كانت واجبة ليعز المسلم دينه ويقيم حدوده وأركانه، ويتعلم الفقه ويأخذه من معينه الأول ولتقوية شوكة المسلمين ونصرة النبي ﷺ حتى إذا فتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا، وانتشر الصحابة يعلمون الناس ويفقهونهم في دينهم، وقويت شوكة الإسلام لم تعد الهجرة واجبة
«لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا» (رواه الشيخان) .
كيفية الصلاة في السفر والحرب [سورة النساء (٤) : الآيات ١٠١ الى ١٠٣]
وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١) وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣)
стр. 415
المفردات:
ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ: سافرتم فيها لأن المسافر يضرب الأرض برجليه أو بعصاه أو بقوائم راحلته. تَقْصُرُوا أى: تتركوا شيئا منها. يَفْتِنَكُمُ: يؤذونكم بالقتل أو غيره. كِتاباً: فرضا ثابتا ثبوت الكتابة في اللوح. مَوْقُوتاً:
منجما في أوقات معلومة.
لا زال الكلام في الجهاد والهجرة وما يتصل بهما، وفيهما سفر وخوف فمن الحكمة بيان الصلاة فيهما.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا إذا سرتم في الأرض وسافرتم فيها لقصد الهجرة أو للحرب أو التجارة فليس عليكم جناح ولا إثم في قصر الصلاة الرباعية، وهذه صلاة السفر المسماة في كتب الفقه بصلاة القصر، وذلك أن السفر شدة ومشقة رخص الشارع فيها قصر الصلاة، وقد ثبتت كيفيتها بالسنة المتواترة، أما صلاة الخوف الآتية في الآية فثبتت كيفيتها بنص القرآن. والثابت عن النبي ﷺ وعن أبى بكر وعمر وكبار الصحابة وصدر من خلافة عثمان أنهم كانوا يصلون في السفر الظهر، والعصر، والعشاء ركعتين، ولذا قال الأحناف: إن قصر الصلاة في السفر عزيمة، أى: واجب، والشافعى يقول: إنها رخصة، أى: جائز لك أن تتم وأن تقصر، والظاهر أن الحق مع الأحناف.
وعثمان- رضى الله عنه- قيل: إنه أتم وهو بمنى صلاته، وقد تأولوا ذلك بأنه كان متزوجا ونوى الإقامة ... ومسافة السفر التي تبيح قصر الصلاة وتبيح الفطر في رمضان
стр. 416
حددوها بمسيرة ثلاثة أيام بلياليها على القدم أو على البعير وحددت الآن بالكيلومتر حوالى ٨١ كيلو متر، وبعضهم يرى القصر مع أى سفر كان.
إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا بمعنى أن يتعرضوا لكم بما تكرهونه من القتال وغيره فليس عليكم جناح، قال العلامة أبو السعود في تفسيره: «وهذا شرط معتبر في شرعية ما يذكر بعده من صلاة الخوف المؤداة بالجماعة، وأما في حق مطلق القصر فلا اعتبار له اتفاقا لتظاهر السنن على مشروعيته»
وقد روى عن عمر- رضى الله عنه- أنه سئل عن قوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وعن أمن الناس فقال: سألت رسول الله ﷺ فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» .
فالظاهر- والله أعلم- أن السفر مطلقا يقتضى القصر، وقوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ كقوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً «١» حيث إن الإكراه حرام مطلقا أردن التحصن أم لم يردن.
إن الكافرين كانوا لكم عدوّا مبينا ظاهرا فاحذروهم في السفر والإقامة ... ولقد ذكر القرآن الكريم كيفية صلاة الخوف بعد ذكرها مجملة، وأنه لا إثم فيها لأنها تزيد على صلاة القصر بكثرة التغير عن الهيئة العامة مع القصر.
وإذا كنت يا محمد فيهم- وكذلك كل إمام قائم مقامك- فأقمت لهم الصلاة وناديتهم لها بالأذان والإقامة. فالواجب أن يقسم الجيش طائفتين، فلتقم طائفة منهم معك في الصلاة وليأخذوا أسلحتهم معهم حتى لا يحتاجوا إلى مجهود عقب الصلاة، وربما باغتهم العدو فيكونون على استعداد، فإذا سجدوا فليكن الذين يحرسون من ورائكم في اتجاه العدو مستعدين لرده إن حدثته نفسه بالاعتداء، والظاهر أن المراد بالسجود هنا إتمام الصلاة، فإذا أتمت الطائفة الأولى صلاتها وأنت واقف في أول الركعة الثانية فلتأت الطائفة الثانية التي كانت حارسة، وتقتدى بك وتأخذ حذرها وأسلحتها، ولعل الحكمة في الأمر بأخذ الحذر لها أن العدو قد يكون تنبه في صلاة الطائفة الأولى فمن الحكمة أن تحذر الثانية وتتنبه ثم تصلى بها الركعة الثانية لك وتنتظرها في جلوس التشهد الأخير حتى تقوم هي وتصلى الركعة الثانية لها ثم تسلم بها، وعلى هذا تحظى الطائفة الأولى بالتكبير مع الإمام والثانية بالتسليم معه.
стр. 417
ولصلاة الخوف أحكام كثيرة في كتب الفقه وصفات الصلاة كلها تدور حول الآية وتختلف باختلاف ما إذا كان العدو في جهة القبلة أو غيرها.
والحكمة العامة في الأمر بأخذ الحذر والسلاح حتى في الصلاة، أن الكفار يودون من صميم قلوبهم أن تغفلوا عن أسلحتكم وأمتعتكم ولو بانشغالكم في الصلاة، فينقضون عليكم ويميلون عليكم ميلة واحدة بالقتل والنهب ولكن الله يريد لكم النصر والغلبة، فيأمركم بالاستعداد والحذر.
ولا جناح عليكم إذا كان بكم أذى كمطر أو مرض أو عذر أن تضعوا أسلحتكم مع أخذ الحذر والاستعداد للعدو، ولتعلموا أن النصر لكم ما نصرتموه. وأن الله يدافع عنكم إذا دافعتم عن قرآنه ودينه، وأنه أعد للكافرين عذابا شديد الإهانة في الدنيا والآخرة.
وقد روى عن النبي ﷺ يوم ذات الرقاع ما معناه أنه صلّى بطائفة ركعة ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم الركعة الثانية وسلموا وانصرفوا تجاه العدو، وجاءت الطائفة الثانية فصلى بهم الركعة الثانية التي بقيت لهم ثم أتموا فسلم بهم.
وقال بهذه الصلاة أكابر الصحابة ومالك والشافعى رضى الله عنهم جميعا.
فإذا أديتم الصلاة- أى: صلاة الخوف- فاذكروا الله في أنفسكم بتذكر نعمه، وبألسنتكم بالحمد والتكبير والدعاء في أى حال تكونون من قيام وقعود واضطجاع.
وإذا كنا مأمورين بالذكر في الحرب على كل حال ولا عذر في تركه!! فما بالنا في السلم، فإذا اطمأننتم بانتهاء الحرب أو الحلول في دار الإقامة بعد السفر فأقيموا الصلاة كالمعتاد تامة الأركان والشروط، إن الصلاة عماد الدين قد فرضها الله فرضا ثابتا كالكتابة في اللوح، موقوتا بأوقات معلومة، فلا يصح أن يترك وقتها أبدا حتى في الحرب وساعة الخوف فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [سورة البقرة آية ٢٣٩] .
وإتمام صلاة الخوف بالجماعة يدل على أن الجماعة مطلوبة في أشد الأحوال.
стр. 418
في الحث على القتال أيضا [سورة النساء (٤) : آية ١٠٤]
وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٠٤)
المفردات:
وَلا تَهِنُوا: لا تضعفوا. فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ: في طلب القوم ورد عدوانهم.
المعنى:
يرشدنا الله إلى أننا لا نضعف ولا نهن في طلب القوم الذين ناصبونا العداء.
وجاهرونا بالبغضاء، إن كنتم تتألمون من الحرب وشدتها فإنهم كذلك يتألمون مثلكم ولكنكم تنتظرون إحدى الحسنيين وترجون من الله نصرة دينه، وفوز حزبه والثواب الجزيل على حرب الأعداء، وكان الله عليما حكيما فيما يأمركم به وينهاكم عنه.
وهذا من باب تقوية الروح المعنوية، وشحذ العزائم بالنسبة لمن يتربص بالإسلام الدوائر، ويناصبونه العداء بل ويعتدى علينا بالفعل.
أما من لم يقاتلنا في الدين ولم يخرجنا من ديارنا فلا جناح علينا أن نبرهم ونقسط إليهم، ونعاملهم معاملة حسنة، وصدق الله: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة آية ٨)
المفردات:
لِلْخائِنِينَ: الذين يخونون أنفسهم بارتكاب المعاصي. وَلا تُجادِلْ
المجادلة: أشد أنواع المخاصمة. خَوَّاناً أَثِيماً
: مبالغا في الخيانة وركوب الآثام.
يَسْتَخْفُونَ
: يستترون من الناس حياء وخوفا. يُبَيِّتُونَ
: يدبرون، والأكثر أن يكون هذا ليلا. وَكِيلًا
: حفيظا يوكل إليه الأمر في الحفظ والحماية.
خَطِيئَةً
: ذنبا بلا قصد، والإثم: الذنب المقصود. يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً
: يقذفه به ويسنده إليه. بُهْتاناً
: كذبا يبهت الغير ويجعله يتحير عند سماعه.
سبب النزول:
روى أن طعمة بن أبيرق أحد بنى ظفر من الأنصار سرق درعا- من جار له- في جراب دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه، وخبأها عند زيد بن السمين من اليهود، فالتمسوا الدرع عند طعمة فلم يجدوها وحلف بالله ما أخذها، فساروا في أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوها، فقال: دفعها إلىّ طعمة، وشهد له ناس من اليهود بذلك ولكن طعمة أنكر ذلك، فقالت بنو ظفر: انطلقوا بنا إلى رسول الله، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا: إن لم تفعل هلك وافتضح وبرىء اليهودي فهم النبي ﷺ أن يفعل وأن يعاقب اليهودي، فنزلت.
وروى أن طعمة هرب إلى مكة وارتد، وقد سقط عليه حائط في سرقة فمات.
المعنى:
أراد الله- أن يأمر رسوله بإقامة العدل والحكم بما أنزل الله، والرسول ﷺ في المكان الذي نعرفه، فما بال الناس والحكام غيره؟! إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن هاديا إلى صراط الله العزيز الحكيم، وهو الحق من عنده، والحق في خيره وطلبه وحكمه، أنزله لتحكم بين الناس بما علمك الله وأرشدك إليه، فاحكم بين الناس به، ولا تكن لمن خان نفسه وغيّر ضميره مخاصما ومدافعا تدافع عنه وترد من طالبه بالحق.
стр. 421
فعلى الحكام أن يبحثوا في القضية، ويدققوا النظر في شكلها وموضوعها، ولا تغرنهم بلاغة الخصم ولحنه في القول، ولا تأخذهم العاطفة الدينية أو الجنسية فيميلوا لبنى جنسهم أو دينهم، ولعل السر فيما دار في خلد النبي ﷺ أن طعمة المسلم يغلب عليه الصدق، وذاك اليهودي يغلب عليه الكذب والخداع.
والثابت أن النبي ﷺ لم يحكم في هذه القضية قبل نزول القرآن ولم يعمل بغير ما يعتقد لكنه أحسن الظن في المسلم، فبين له علام الغيوب حقيقة الأمر.
واستغفر- يا محمد- الله مما يعرض لك من شئون البشر وميلك إلى من هو ألحن بحجة أو إلى من هو مسلم لإسلامه فهذا وإن لم يكن ذنبا إلا أنه في صورة الذنب. إن الله كان غفورا لذنوب عباده، ستارا رحيما بهم.
ولا تجادل- يا محمد- عن الذين يخونون أنفسهم بتعديهم على حقوق الغير، إن الله لا يحب بل يبغض من كان كثير الخيانة دائبا على ارتكاب الإثم، واجتراح السيئة!! والخيانة مطلقا تقتضي عدم المحبة من الله لصاحبها، ولكن الوصف المبالغ فيه في الآية لبيان ما كان عليه من طعمة وأقاربه، هؤلاء وأمثالهم الذين يأخذون المال خفية يستخفون من الناس، ويستترون منهم حياء وخوفا، ويا للعجب العجاب!! يستخفون من الله عالم الغيب والشهادة الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، وبالضرورة يعلمهم ويشاهدهم وقت أن يدبروا ليلا ما لا يرضى الله ورسوله، تبرئة لأنفسهم ولصاحبهم ولرمي غيرهم بالجريمة وهم يعلمون أنه برىء، وما ذاك إلا لضعف دينهم ولصدأ قلوبهم، وكان الله بما يعملون محيطا وحافظا لهم، فكيف ينجون من عقابه؟
أيها الأقارب لطعمة: ها أنتم أولاء جادلتم عن صاحبكم ومن وقف معه تبرئة له، زورا وبهتانا، جادلتم في الدنيا، فمن يجادل عنهم يوم القيامة؟ يوم تكشف السرائر، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله؟ بل من يكون عليهم وكيلا ومدافعا عنهم؟ لا أحد إلا أعمالهم تنطق عليهم، فلينظر كل إلى عمله.
ومن يعمل سوءا يتعدى جرمه إلى غيره أو يظلم نفسه بفعل معصية خاصة، ثم هو يرجع إلى الله ويتوب نادما على فعله فإنه يجد الله غفورا رحيما يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، لأنه كتب على نفسه الرحمة، فلا تيأسوا من رحمته، ومن يفعل
стр. 422
إثما ويرتكب جرما ظنّا منه أنه كسب لنفسه شيئا فإنما مكسبه وبال وضرر عليه لا يتعداه إلى غيره، فليبق على نفسه من كسب السوء، وليعلم أن الله عليم به، وحكيم في وضعه العقاب الصارم للمذنب.
ومن يكسب ذنبا خطأ بلا قصد أو ذنبا آثما فيه وقاصدا له ثم يجنى جناية أخرى بأن يرمى به شخصا بريئا لا ذنب له مهما كان دينه وجنسه ولونه، فقد احتمل بشدة وألم بهتانا حيث كذب على الله في ادعائه البراءة واتهامه البريء الذي يبهت ويتحير عند سماعه هذا الاتهام، وقد احتمل إثما في ارتكاب الذنب.
فانظر يا أخى كيف ينشد الإسلام العدالة حيثما كانت ويطبقها على المسلم وغيره!! ولولا فضل الله عليك يا محمد أنت وأمتك ورحمته بك وأنه عصمك من الوقوع في الخطأ العملي والقولى، ويمنع عنك أذى الأشرار الذين يحاولون إضلالك وتلبيس الحق بالباطل وإخفائه عليك، لهمت طائفة منهم أن يضلوك، فإن الإنسان مهما كان إذا أحيط بجماعة كهؤلاء يحتاج إلى بحث وفكر حتى يميز حقهم من باطلهم، ويكشف حيلهم ويرد كيدهم، ومن ثم تفضل الله بزحزحة الأشرار عن النبي ﷺ وصرف كيدهم عنه حتى يسير على طريق الله وهدى القرآن والنور الذي أنزل عليه كاشفا له الحقائق ليكون حكمه سليما عادلا.
والواقع أنهم بهذا لا يضلون إلا أنفسهم، إذ الوزر عليهم فقط، وما يضرونك أبدا وقد عصمك الله من كل مكروه وأنزل عليك القرآن، والحكمة- وهي فقه مقاصد الدين وأسراره- وعلمك ما لم تكن تعلم قبل ذلك، ولا غرابة ففضل الله عليك عظيم إذ أرسلك للناس كافة وجعلك خاتم الأنبياء، وشهيدا عليهم يوم القيامة، وعصمك من الناس، وجعل أمتك وسطا، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.
стр. 423
إرشادات [سورة النساء (٤) : الآيات ١١٤ الى ١١٥]
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥)
المفردات:
نَجْواهُمْ: مسارتهم بالحديث. أَوْ مَعْرُوفٍ: ما يعرفه الشرع ويقره العقل. يُشاقِقِ المشاقة: المعاداة والمخالفة، وذلك أن كل واحد من المتعادين يكون في شق.
سبب النزول:
نزلت في تناجى أهل طعمة ليلا بالفساد وتعاونهم على الشر
وروى أن طعمة ارتد ومات مشركا فنزلت آية وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ في حقه.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ولكن تناجوا بالبر والتقوى وفعل الخير والمعروف، وذلك أن التناجي وحديث السر مظنة لارتكاب الإثم: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ «١» إذ
«الإثم ما حاك في الصدر وخفت أن يطلع عليه غيرك»
стр. 424
(حديث شريف)
، ولما كان التناجي قد يكون في الأمور العادية كالزراعة والتجارة مثلا، وفيما يضر شرعا قال الله: لا خير في كثير من تناجى الناس إلا نجوى من أمر بصدقة أو بما تعارف عليه الشرع من كل خير عام، أو بإصلاح بين الناس في الخصومة والنزاع، والخيرية في هذه الأشياء الثلاثة إنما يكون في السر دون الجهر: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ «١» وكذلك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذا ما كان في السر كان أجدى لمن يسدى له النصيحة، والإصلاح بين الناس قد يكون في السر أدعى لإزالة الخصومة وسل السخيمة وتقريب الشقة.
ومن يفعل ذلك بقصد طلب الرضا من الله بأن يكون الدافع له على هذا العمل في السر الرغبة في رضوان الله فسوف يؤتيه أجرا عظيما والله أعلم به.
ومن يشاقق الرسول بارتداده عن الإسلام وإظهاره عداوته له من بعد ما ظهرت له الهداية على لسان رسوله، ويعادى سنته ويتبع غير سبيل المؤمنين ويخالف إجماعهم وما اتفقوا عليه فجزاؤه أن الله يوليه ما تولى ويتركه يتخبط في دياجير الظلام والضلال:
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [سورة الصف آية ٥] وجعل النار مصيرهم وساءت مصيرا، ويمكن أن نفهم من هذه الآية أن الوجهة التي يتوجه إليها الإنسان ويرضاها لنفسه يوليه الله إياها ويسيره في طريقها، وعلى ذلك فاستحقاقه العقاب أمر طبيعي لاختياره طريق الشر وبعده عن الصراط المستقيم.
الشرك وخطره، والشيطان وأثره [سورة النساء (٤) : الآيات ١١٦ الى ١٢٢]
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢٠)
أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (١٢٢)
стр. 425
المفردات:
يَدْعُونَ: يتوجهون ويطلبون المعونة، وهذا نوع من العبادة. شَيْطاناً قيل: إنه الخبيث من الجن والإنس. مَرِيداً: متمرنا على الخبث والخبائث.
لَعَنَهُ: طرده من الرحمة مع السخط والإهانة. مَفْرُوضاً: معينا ثابتا.
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ: لأدفعنهم إلى الضلال والفساد. وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ: أزين لهم الأمانى الباطلة المبنية على غير أساس. فَلَيُبَتِّكُنَّ البتك: القطع، والمراد قطع آذان الأنعام لأجل تمييزها للآلهة. مَحِيصاً: مهربا ومخلصا.
المناسبة:
بين الله جزاء العصيان والخروج عن الشرع ومشاقة الرسول والمؤمنين، وهنا بين أن الله لا يغفر الشرك به أصلا ويغفر غيره لمن يشاء، وهذا تحذير وإطماع.
المعنى:
الشرك بالله لا يصدر عن قلب فيه مثقال ذرة من إيمان، ولذلك لا يغفر الله الشرك أصلا، ولكنه يغفر ما دون ذلك- لأن القلب فيه بقية من نور الإيمان- لمن يشاء من