فعلى الحكام أن يبحثوا في القضية، ويدققوا النظر في شكلها وموضوعها، ولا تغرنهم بلاغة الخصم ولحنه في القول، ولا تأخذهم العاطفة الدينية أو الجنسية فيميلوا لبنى جنسهم أو دينهم، ولعل السر فيما دار في خلد النبي ﷺ أن طعمة المسلم يغلب عليه الصدق، وذاك اليهودي يغلب عليه الكذب والخداع.
والثابت أن النبي ﷺ لم يحكم في هذه القضية قبل نزول القرآن ولم يعمل بغير ما يعتقد لكنه أحسن الظن في المسلم، فبين له علام الغيوب حقيقة الأمر.
واستغفر- يا محمد- الله مما يعرض لك من شئون البشر وميلك إلى من هو ألحن بحجة أو إلى من هو مسلم لإسلامه فهذا وإن لم يكن ذنبا إلا أنه في صورة الذنب. إن الله كان غفورا لذنوب عباده، ستارا رحيما بهم.
ولا تجادل- يا محمد- عن الذين يخونون أنفسهم بتعديهم على حقوق الغير، إن الله لا يحب بل يبغض من كان كثير الخيانة دائبا على ارتكاب الإثم، واجتراح السيئة!! والخيانة مطلقا تقتضي عدم المحبة من الله لصاحبها، ولكن الوصف المبالغ فيه في الآية لبيان ما كان عليه من طعمة وأقاربه، هؤلاء وأمثالهم الذين يأخذون المال خفية يستخفون من الناس، ويستترون منهم حياء وخوفا، ويا للعجب العجاب!! يستخفون من الله عالم الغيب والشهادة الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، وبالضرورة يعلمهم ويشاهدهم وقت أن يدبروا ليلا ما لا يرضى الله ورسوله، تبرئة لأنفسهم ولصاحبهم ولرمي غيرهم بالجريمة وهم يعلمون أنه برىء، وما ذاك إلا لضعف دينهم ولصدأ قلوبهم، وكان الله بما يعملون محيطا وحافظا لهم، فكيف ينجون من عقابه؟
أيها الأقارب لطعمة: ها أنتم أولاء جادلتم عن صاحبكم ومن وقف معه تبرئة له، زورا وبهتانا، جادلتم في الدنيا، فمن يجادل عنهم يوم القيامة؟ يوم تكشف السرائر، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله؟ بل من يكون عليهم وكيلا ومدافعا عنهم؟ لا أحد إلا أعمالهم تنطق عليهم، فلينظر كل إلى عمله.
ومن يعمل سوءا يتعدى جرمه إلى غيره أو يظلم نفسه بفعل معصية خاصة، ثم هو يرجع إلى الله ويتوب نادما على فعله فإنه يجد الله غفورا رحيما يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، لأنه كتب على نفسه الرحمة، فلا تيأسوا من رحمته، ومن يفعل
стр. 422
إثما ويرتكب جرما ظنّا منه أنه كسب لنفسه شيئا فإنما مكسبه وبال وضرر عليه لا يتعداه إلى غيره، فليبق على نفسه من كسب السوء، وليعلم أن الله عليم به، وحكيم في وضعه العقاب الصارم للمذنب.
ومن يكسب ذنبا خطأ بلا قصد أو ذنبا آثما فيه وقاصدا له ثم يجنى جناية أخرى بأن يرمى به شخصا بريئا لا ذنب له مهما كان دينه وجنسه ولونه، فقد احتمل بشدة وألم بهتانا حيث كذب على الله في ادعائه البراءة واتهامه البريء الذي يبهت ويتحير عند سماعه هذا الاتهام، وقد احتمل إثما في ارتكاب الذنب.
فانظر يا أخى كيف ينشد الإسلام العدالة حيثما كانت ويطبقها على المسلم وغيره!! ولولا فضل الله عليك يا محمد أنت وأمتك ورحمته بك وأنه عصمك من الوقوع في الخطأ العملي والقولى، ويمنع عنك أذى الأشرار الذين يحاولون إضلالك وتلبيس الحق بالباطل وإخفائه عليك، لهمت طائفة منهم أن يضلوك، فإن الإنسان مهما كان إذا أحيط بجماعة كهؤلاء يحتاج إلى بحث وفكر حتى يميز حقهم من باطلهم، ويكشف حيلهم ويرد كيدهم، ومن ثم تفضل الله بزحزحة الأشرار عن النبي ﷺ وصرف كيدهم عنه حتى يسير على طريق الله وهدى القرآن والنور الذي أنزل عليه كاشفا له الحقائق ليكون حكمه سليما عادلا.
والواقع أنهم بهذا لا يضلون إلا أنفسهم، إذ الوزر عليهم فقط، وما يضرونك أبدا وقد عصمك الله من كل مكروه وأنزل عليك القرآن، والحكمة- وهي فقه مقاصد الدين وأسراره- وعلمك ما لم تكن تعلم قبل ذلك، ولا غرابة ففضل الله عليك عظيم إذ أرسلك للناس كافة وجعلك خاتم الأنبياء، وشهيدا عليهم يوم القيامة، وعصمك من الناس، وجعل أمتك وسطا، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.
стр. 423
إرشادات [سورة النساء (٤) : الآيات ١١٤ الى ١١٥]
لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥)
المفردات:
نَجْواهُمْ: مسارتهم بالحديث. أَوْ مَعْرُوفٍ: ما يعرفه الشرع ويقره العقل. يُشاقِقِ المشاقة: المعاداة والمخالفة، وذلك أن كل واحد من المتعادين يكون في شق.
سبب النزول:
نزلت في تناجى أهل طعمة ليلا بالفساد وتعاونهم على الشر
وروى أن طعمة ارتد ومات مشركا فنزلت آية وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ في حقه.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ولكن تناجوا بالبر والتقوى وفعل الخير والمعروف، وذلك أن التناجي وحديث السر مظنة لارتكاب الإثم: إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ «١» إذ
«الإثم ما حاك في الصدر وخفت أن يطلع عليه غيرك»
стр. 424
(حديث شريف)
، ولما كان التناجي قد يكون في الأمور العادية كالزراعة والتجارة مثلا، وفيما يضر شرعا قال الله: لا خير في كثير من تناجى الناس إلا نجوى من أمر بصدقة أو بما تعارف عليه الشرع من كل خير عام، أو بإصلاح بين الناس في الخصومة والنزاع، والخيرية في هذه الأشياء الثلاثة إنما يكون في السر دون الجهر: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ «١» وكذلك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إذا ما كان في السر كان أجدى لمن يسدى له النصيحة، والإصلاح بين الناس قد يكون في السر أدعى لإزالة الخصومة وسل السخيمة وتقريب الشقة.
ومن يفعل ذلك بقصد طلب الرضا من الله بأن يكون الدافع له على هذا العمل في السر الرغبة في رضوان الله فسوف يؤتيه أجرا عظيما والله أعلم به.
ومن يشاقق الرسول بارتداده عن الإسلام وإظهاره عداوته له من بعد ما ظهرت له الهداية على لسان رسوله، ويعادى سنته ويتبع غير سبيل المؤمنين ويخالف إجماعهم وما اتفقوا عليه فجزاؤه أن الله يوليه ما تولى ويتركه يتخبط في دياجير الظلام والضلال:
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [سورة الصف آية ٥] وجعل النار مصيرهم وساءت مصيرا، ويمكن أن نفهم من هذه الآية أن الوجهة التي يتوجه إليها الإنسان ويرضاها لنفسه يوليه الله إياها ويسيره في طريقها، وعلى ذلك فاستحقاقه العقاب أمر طبيعي لاختياره طريق الشر وبعده عن الصراط المستقيم.
الشرك وخطره، والشيطان وأثره [سورة النساء (٤) : الآيات ١١٦ الى ١٢٢]
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢٠)
أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (١٢٢)
стр. 425
المفردات:
يَدْعُونَ: يتوجهون ويطلبون المعونة، وهذا نوع من العبادة. شَيْطاناً قيل: إنه الخبيث من الجن والإنس. مَرِيداً: متمرنا على الخبث والخبائث.
لَعَنَهُ: طرده من الرحمة مع السخط والإهانة. مَفْرُوضاً: معينا ثابتا.
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ: لأدفعنهم إلى الضلال والفساد. وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ: أزين لهم الأمانى الباطلة المبنية على غير أساس. فَلَيُبَتِّكُنَّ البتك: القطع، والمراد قطع آذان الأنعام لأجل تمييزها للآلهة. مَحِيصاً: مهربا ومخلصا.
المناسبة:
بين الله جزاء العصيان والخروج عن الشرع ومشاقة الرسول والمؤمنين، وهنا بين أن الله لا يغفر الشرك به أصلا ويغفر غيره لمن يشاء، وهذا تحذير وإطماع.
المعنى:
الشرك بالله لا يصدر عن قلب فيه مثقال ذرة من إيمان، ولذلك لا يغفر الله الشرك أصلا، ولكنه يغفر ما دون ذلك- لأن القلب فيه بقية من نور الإيمان- لمن يشاء من
стр. 426
عباده الذين تابوا إلى الله وأنابوا إليه قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها «١» والقرآن الكريم ساق مثل هذه الآية قريبا تسجيلا لفظاعة جرم الشرك بالله بالنسبة لغيره من المعاصي، وليس هناك تكرير للآية وإنما هو مبدأ قرآنى وقاعدة مهمة في الدين تذكر عند ما يناسبها كرأى السياسى أو مذهبه الذي يذكره ويكرره في كل خطبة مع ما يناسبه من قول محكم ومعنى دقيق، ومن يشرك بالله شيئا من الإشراك في القول أو الفعل أو الاتجاه أو التقديس فقد ضل ضلالا بعيدا عن الخير والرشد، ما يعبدون بدعائهم غير الله إلا أمواتا لا ينفعون ولا يضرون بل إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ «٢» وقيل: سماها إناثا لأنها اللات والعزى ومناة، وما يدعون بذلك إلا شيطانا متمرنا على الإيذاء والخبائث لعنه الله وطرده من رحمته مع الذل والهوان، فإنه داعية الشر والفساد، ولذا يقسم: لأتخذن من عبادك جزءا من الناس معينا لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ «٣» وقيل: ما من إنسان إلا وفيه استعداد للخير وللشر ووسوسة الشيطان وهذا معنى وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ «٤» ولأضلنهم وأصرفنهم عن العقائد الصحيحة والطرق المستقيمة مغريا لهم بالأمانى الباطلة، كما إذا وسوس لإنسان بارتكاب المعاصي وغره بالمغفرة أو الشفاعة ... إلخ، من الأمانى الكاذبة، وهذا ديدن الشيطان وطبعه إضلال العباد وملء عقولهم بالأمانى الباطلة، ولآمرنهم بكل سوء وضار فليقطعن آذان الأنعام للآلهة كما كانوا يفعلون في البحيرة من شق الآذان أو قطعها.
ولآمرنهم فليغيرن خلق الله وفطرته التي فطر الناس عليها وهي الاهتداء إلى الحق والدين الصحيح فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها «٥» إذ
«كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه» (حديث شريف) .
وقيل: المراد بتغيير خلق الله الأمور الحسية كالخصاء وغيره، وقد روى المعنيان عن السلف الصالح، ومن يتخذ الشيطان وليّا وإماما من دون الله فقد باء بالخسران المبين، وهل هناك خسران أكثر من ترك هدى القرآن واتباع أساليب الشيطان؟
стр. 427
وهو يعدهم الباطل ويمنيهم بالكاذب، يعدهم بالفقر والمرض والتأخر والبعد عن الحضارة ويمنيهم الأمانى الواسعة الكاذبة، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا وباطلا، أولئك المتبعون للشيطان التاركون للقرآن مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا ولا مهربا وبئس المصير مصيرهم.
والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات ولم يقترفوا المنكرات وخالفوا أنفسهم وشياطينهم وكانوا من عباد الله المخلصين الذين قوى الله إيمانهم وأنار بصيرتهم أولئك سيدخلهم ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين ولهم فيها ما يدّعون نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ «١» وعد الله ومن أصدق من الله حديثا؟ فانظر يا أخى- رعاك الله ووفقك- أين أنت من هؤلاء وأولئك!؟ وهل أنت من حزب الرحمن؟!!
الأمانى وعاقبتها، والعمل وجزاؤه [سورة النساء (٤) : الآيات ١٢٣ الى ١٢٦]
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦)
стр. 428
المفردات:
بِأَمانِيِّكُمْ الأمانى: مفردها أمنية، وهي تمنى الشيء المحبوب. وَلِيًّا:
يتولى أمره ويدافع عنه. نَقِيراً: هو النقرة في النواة، ويضرب بها المثل في القلة.
حَنِيفاً: مائلا عن الزيغ والضلال. خَلِيلًا الخليل: المحب الذي يدفع الخلة، أى: الحاجة عن صاحبه وقد تخللت محبته قلبه.
المناسبة:
مر أن الشيطان يعد أصحابه ويمنيهم الأمانى الكاذبة وقد كان لهذا أثر في نفوس أهل الكتاب وبعض ضعاف الإيمان من المسلمين فناسب بيان حقيقة الأمانى وأثرها والعمل وجزائه.
المعنى:
ليس الثواب يوم القيامة يحصل بالأمانى منكم أيها المسلمون أنتم وأهل الكتاب، ولكن الثواب المعد في الآخرة إنما هو منوط بالعمل، فمن يعمل مثقال ذرة من سوء يجز به الجزاء المساوى لعمله حسبما وعد الله، ولا يجد له من غير الله وليا يتولى أمره أو يدافع عنه ولا نصيرا ينصره يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ومن يعمل مثقال ذرة من الصالحات سواء كان ذكرا أو أنثى عربيا أو عجميًّا وقد جمع مع ذلك الإيمان الخالص بالله ورسوله فأولئك يدخلون الجنة التي وصف لهم بعض ما فيها في القرآن وصفا قريبا من المشاهد المحسوسة حتى تتصوره عقول البشر، ولا يظلم أحد نقيرا، والنقير مثل في القلة، والله أرحم الراحمين لا يظلم أحدا من العالمين، ولا يزيد في عقاب المقصرين وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «١» وبعد أن بيّن- سبحانه- أن الجزاء منوط بالعمل لا بالأمانى ولا الغرور الكاذب أردف ذلك بذكر درجات الكمال فقال:
لا أحد أحسن دينا من دين من أسلم وجهه لله وجعل قلبه خالصا له، وفوض أمره إليه لا يعرف رباّ سواه وبالطبع لا أحد يساويه، وقد عبر عن توجه القلب بإسلام الوجه
стр. 429
لأن الوجه هو المرآة لما في القلب، ومع هذا الإيمان الكامل هو محسن للعمل، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، واتبع ملة إبراهيم وطريقته حالة كونه حنيفا ومائلا عن الشرك، فهو الذي تبرأ من الوثنية وأهلها وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ. وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ «١» .
وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا جملة اعتراضية تفيد مبلغ تفانى إبراهيم الخليل في الذات العلية وإخلاصه في إيمانه إخلاصا جعله خليل الرحمن عدو الشيطان، وقد اختصه الله بكرامات ومنزلة يشبه بها الخليل لدى خليله، ومن كان كذلك كان جديرا بأن تتبع ملته وطريقته.
واعلموا أن لله ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وتصريفا وعبيدا فهو القادر على جزاء العاملين خيرا أو شرا. إذ الكل ملكه فلم يخرج أحد من ملكوته، وهو المستحق للطاعة والعبادة وحده إذ هو المالك ومن عداه مملوك، ولم يتخذ إبراهيم خليلا لحاجة إذ له ملك السموات والأرض وما فيهن، وإبراهيم عبد خاضع، والمولى سيد قاهر جل شأنه، وكان الله بكل شيء محيطا بعلمه وقدرته وتدبيره وخلقه.
حقوق الضعفاء وعلاج المشاكل الزوجية [سورة النساء (٤) : الآيات ١٢٧ الى ١٣٠]
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧) وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠)
стр. 430
المفردات:
يَسْتَفْتُونَكَ: يطلبون منك الفتيا. يُفْتِيكُمْ: يبين لكم ما أشكل من أمورهن. ما كُتِبَ لَهُنَّ أى: فرض لهن من ميراث وصداق. وَأَنْ تَقُومُوا: وأن تعنوا عناية خاصة بهن. بِالْقِسْطِ: العدل. خافَتْ مِنْ بَعْلِها: توقعت من زوجها. نُشُوزاً: تكبرا وتعاليا. إِعْراضاً: ميلا.
وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ: جعلت مطبوعة عليه وحاضرة له لا تنفك عنه أبدا.
كَالْمُعَلَّقَةِ: التي ليست مطلقة ولا ذات بعل. سَعَتِهِ السعة: الغنى.
المناسبة:
كان الكلام أول السورة في الأحكام المتعلقة باليتامى والنساء والقرابة والإرث والمصاهرة، ومن قوله تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً في أسس الدين وما يتعلق بذلك من ذكر أهل الكتاب، والقتال، وقد كثر السؤال بشأن حقوق النساء
стр. 431
واليتامى والعدل بينهن وهل يحل أن يمنع اليتيمة ما كتب لها من الإرث حين يرغب في نكاحها؟ وبماذا يصالح امرأته؟ كل هذا مما تشتد الحاجة إلى معرفته والسؤال عنه، ولذا سئل الرسول ﷺ في ذلك كثيرا فما بين حكمه فيما سلف أحيل بيانه على ما ورد في ذلك الكتاب، أى: هذه السورة وما لم يبين حكمه بعد بين هنا.
المعنى:
ويستفتونك يا محمد في حقوق النساء على الإطلاق الشاملة للميراث وحقوق الزوجية والمعاشرة، قل: الله يفتيكم فيهن ويبين لكم ما أشكل من أمرهن وكذلك يوضح لكم هذا ما أنزله الله من الآيات السابقة في أول السورة التي تتلى عليكم كأحكام معاملة النساء اليتامى في المواريث فقد جرت عادتكم ألا تعطوهن ما كتب لهن من الإرث إذا كان في أيديكم، وما يتلى عليكم في هذا قوله: وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ ولا تأكلوها (الآية) . وترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن والتمتع بأموالهن. وقيل:
المعنى: وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن فلا تنكحوهن، وما يتلى عليكم قوله:
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا (الآية) . وقد كان الرجل منهم يضم اليتيمة ومالها إلى نفسه فإن كانت جميلة تزوجها وأكل مالها وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيدفنها.
وما يتلى عليكم كذلك في شأن المستضعفين من الأولاد لا تعطونهم حقهم في الميراث وذلك قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ (الآية) .
والله يذكرهم بالآيات السابقة ليتدبروا معناها فإن النفس كثيرا ما تتغافل عن دقائق الأحكام خصوصا إذا كانت الآيات تخالف طبائعهم وما ألفوه من الظلم والجور، والله يرشدكم إلى أن تقوموا لليتامى من هؤلاء النساء والولدان الضعفاء بالعدل وأن تعنوا بهم عناية خاصة.
وما تفعلوا من خير- قل أو كثر- فإن الله عليم فسيجازيكم عليه أحسن الجزاء، وما تفعلوا من شر- قل أو كثر- فإن الله به عليم ومجازيكم عليه.
وإن كانت امرأة تتوقع من زوجها استكبارا وعلوّا عليها بأن يمنعها نفسه ويغلظ لها
стр. 432
القول أو يعاملها معاملة قاسية لا تتناسب مع رابطة الزوجية التي عبر عنها القرآن بقوله:
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [سورة الروم آية ٢١] .
وعلى المرأة الانتظار والتريث فربما يكون الزوج مضطرّا إلى هذا العمل لظروف خاصة له فإذا أحست منه ذلك لكراهته إياها ورغبته عنها، فلا إثم عليها ولا حرج في أن يصلحا بينهما بأن تعرض على زوجها التنازل عن بعض حقوقها ونفقاتها لتبقى في عصمته إن كان ذلك خيرا لهما أو تتنازل عن نفقة العدة أو عن بعض الصداق ومتعة الطلاق ليطلقها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ «١» إن كان في هذا خير لها.
وقد روى أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها وكان لها منه ولد فقالت:
لا تطلقني ودعني أقم بتربية ولدي وتقسم لي في كل شهرين فقال: إن كان هذا يصلح فهو أحب لي، والصلح خير من الطلاق والشقاق والخلاف الذي يهدم كيان الأسر ويقطع رابطة من أقدس الروابط، وناهيك أن الطلاق أبغض الحلال إلى الله فالصلح هو الخير حتى لا يمنى المجتمع بداء التفرق فإن فيه القضاء على الأولاد الصغار وضياعهم ماديا وأدبيا، ويشير القرآن إلى أن الشح طبع في النفوس فقد جعلت حاضرة له ومطبوعة عليه فتجد المرأة تشح نفسها ولا تسمح بحقوقها التي قبل الرجل وترى الرجل شحيحا لا يجود بحسن المعاشرة وطيب المعاملة، هكذا جبلت النفوس. وعلى هذا طبعت، وأحضرت الأنفس الشح وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «٢»
فالقرآن يحث كلا من الزوجين على التنازل عن بعض الحقوق وعلى معالجة شح النفس، ويقول لهم أيضا: وأن تحسنوا المعاملة وتتقوا النشوز والإعراض والمعاكسة وتصبروا على ما يبدو من أحد الزوجين مراعاة لحقوق الزوجية وهناءتها، أن تفعلوا ذلك فإن الله بما تعملون خبير وبصير.
ولن تستطيعوا العدل بين النساء ولو كنتم حريصين على ذلك ففي المعاملة أمور مادية وأخرى غير مادية، وأما المادية فتستطيعون فعلها والعدل فيها كالمبيت والنفقة والكسوة ... إلخ، أما الأمور القلبية كالميل والحب وغير ذلك مما يكون الباعث عليه
стр. 433
الوجدان والشعور النفسي، فهذا مما لا تملكونه، ولهذا خفف الله عنكم ورفع الحرج فيه.
ولكن لا تميلوا كل الميل بحيث تترك المرأة الثانية كالمعلقة لا هي مطلقة ولا هي متزوجة بل عليكم إرضاؤها وحسن عشرتها ومحاربة الميول الجارفة لضرتها حتى لا تتألم.
وإن لم ينفع العلاج واستفحل الداء حتى صار البيت كالمرجل المغلق المليء بالبخار المعرض للانفجار في أى وقت وانفجاره قد يودى بشرف الأسرة كلها وهتك حجابها فإن الكريم العليم الخبير بطبائع النفوس قد فتح بابا للتخلص من هذا حتى تهدأ النفوس وتسكن، ألا وهو باب الطلاق، وإن يتفرقا يغن الله كلا منهما من سعته وقدرته، وربما بعد الانفصال يعودان على أحسن حال وقلوب العباد بين أصابع الرحمن يقلبها كيفما شاء.
وكان الله واسع الفضل والتدبير حكيما فيما شرعه لعباده.
كمال القدرة [سورة النساء (٤) : الآيات ١٣١ الى ١٣٤]
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤)
стр. 434
المعنى:
واعلموا أن لله ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا وإيجادا وتصريفا له الحكم وإليه ترجعون. ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب كالتوراة والإنجيل والزبور من قبلكم وهم اليهود والنصارى، ووصيناكم أنتم يا أمة محمد كذلك بأن اتقوا الله جميعا، وفي هذا إشارة إلى أن الأديان جميعها متفقة على مبدأ التوحيد وتقوى الله ومختلفة في الفروع تبعا للزمان والمكان، وإن تكفروا بالله فاعلموا أن له ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا عن عبادتكم ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ «١» ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا. ثم هدد تهديدا عاما صريحا إن يشأ الله يذهبكم أيها الناس ويستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم، وكان الله على ذلك قديرا.
أيها الناس: من كان يريد بعمله ثواب الدنيا فقد أخطأ فعند الله ثواب الدنيا والآخرة فليرجوا ثوابهما معا رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ «٢» فبدل أن يبغى بالجهاد الدنيا فقط كالغنيمة فليرج بعمله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا لكل قول، بصيرا بكل قصد وعمل.
وفي هذه الآية إشارة صريحة إلى أن الدين الإسلامى كفل لأتباعه وكل من سار على هديه سعادة الدنيا والآخرة، وقد تحقق هذا في صدر الإسلام بما لم يتفق لأمة في المعمورة إلى الآن، ولو استقام المسلمون على سنة كتابهم وهدى دستورهم ورجعوا إلى الدين لاستردوا مكانتهم التي بهرت العالم قرونا طويلة.
стр. 435
العدل والشهادة لله والإيمان به وبكتبه [سورة النساء (٤) : الآيات ١٣٥ الى ١٣٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١٣٦)
المفردات:
قَوَّامِينَ: جمع قوّام، وهو المبالغ في القيام بالشيء حتى يأتى على خير وجه.
انظر إلى قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ. تَلْوُوا أى: ألسنتكم بالشهادة، والمراد تحرفونها ولا تأتون بها على وجهها. فإن اللّيّ هو التحريف وتعمد الكذب. تُعْرِضُوا: لا تؤدوها.
المعنى:
يأمر الله- عباده بأن يكونوا قوامين بالعدل ومبالغين في الإتيان به على خير وجه، لا تأخذهم في الله لومة لائم، لا يصرفهم عنه صارف مع التعاون والتساند والتناصر، وأن يؤدوا الشهادة لله ابتغاء رضوانه وحينئذ تكون شهادة عامة خالية من التحريف والتبديل والكتمان ولو كانت على أنفسكم فاشهدوا الحق ولو عاد
стр. 436
ضرره عليكم أو على الوالدين والأقربين فإن بر الوالدين وصلة الأقارب لا تكون بالشهادة لغير الله، ولا تراعوا غنيا لغناه أو ترحموا فقيرا لفقره بل اتركوا الأمر لله، فالله يتولى أمرهما وهو أعلم بما فيه صلاحهما فلا تحملنكم العصبية وهوى النفس وبغضكم الناس على ترك العدل فيما بينكم وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى «١» ومن هذا ما
روى أن عبد الله بن رواحة لما بعثه ﷺ يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزرعهم فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلىّ، ولأنتم أبغض إلىّ من أعدائكم من القرود والخنازير، وما يحملني حبى إياه وبغضي لكم على ألا أعدل فيكم.
فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض.
وأن تلووا ألسنتكم بالشهادة وتحرفوها أو تعرضوا عن إقامة الشهادة وتكتموها فاعلموا أن الله بما تعملون خبير وسيجازيكم بذلك.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ: المعنى: اثبتوا على ذلك وداوموا عليه وازدادوا يقينا، وآمنوا بالكتاب الذي أنزله الله على رسوله وهو القرآن وجنس الكتاب الذي أنزله على رسله كالتوراة والإنجيل، ومعنى الإيمان بالقرآن التصديق بأنه أنزل من عند الله على خاتم الأنبياء والمرسلين وهو الناسخ لما قبله ليس بعده شيء، والإيمان بالكتب السابقة على أنها من عند الله نزلت على موسى وعيسى.
وقيل: هو خطاب لمؤمنى أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه أتوا رسول الله قالوا: نؤمن بك وبكتابك والتوراة وبموسى ونكفر بما عدا ذلك، فقال- ﵇: بل آمنوا بالله ورسوله والقرآن وبكل كتاب قبله. فقالوا: لا نفعل، فنزلت، فآمنوا كلهم، ثم توعد من لم يؤمن بما ذكر بقوله: ومن يكفر بالله وملائكته الذين هم رسل الله إلى أنبيائه وبرسله إلى خلقه واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا عن طريق الحق ونور الهدى، فاليهود والنصارى الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض إيمانهم لا يعتد به إذ الكفر بكتاب أو برسول كفر بالكل، لأنه لو آمن إيمانا صحيحا بنبيه وكتابه لما كفر بمحمد المبشر به عندهم.
المفردات:
بَشِّرِ: المراد أنذر، وإنما قال: بشر تهكما بهم. الْعِزَّةَ: القوة والمنعة. يَخُوضُوا: يدخلوا. يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ: ينتظرون وقوع أمر بكم.
نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ الاستحواذ: هو الاستيلاء، والمراد: ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم.
المعنى:
من الناس من ران على قلبه ظلمات الغي والضلال فختم الله عليه وحجب بصره كثرة الفسوق والعصيان حتى لم يعد عقله يرى نور الإيمان، ولا قلبه يهتدى بهدى القرآن، أولئك هم الذين تذبذبوا واضطربوا، فمرة هم مؤمنون في الظاهر وإذا خلوا إلى شياطينهم فهم كافرون، وإذا عادوا مع المؤمنين آمنوا ثم ارتدوا كافرين بل أشد كفرا وعنادا مما جاهر بالكفر وثبت عليه، أولئك هم المنافقون الذين كانوا حربا على الإسلام وخطرا داهما على الدولة، وهؤلاء بطبيعتهم التي وصفها القرآن يستحيل عليهم الهداية فإن القلب يصدأ كما يصدأ الحديد، وقلوب هؤلاء تراكم عليها الصدأ حتى أكلها وأفناها، فإن الله لن يغفر لهم ولن يهديهم سبيلا إلى الخير لأنهم لم يحاولوا الهداية ولم يفتحوا عيونهم للنور أبدا.
أنذر هؤلاء المنافقين بأن لهم عذابا أليما إذ هم في الدرك الأسفل من النار، هؤلاء هم الذين يتخذون الكافرين أولياء متجاوزين المؤمنين اعتقادا منهم أن الدولة للكافرين ولم يعلموا أن العاقبة للمتقين لأن الله معهم.
وكذبوا وافتروا: أيبتغون العزة عند هؤلاء؟ كيف يطلبون من هؤلاء القوة والمنفعة وهم أعداء الله ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وأوليائه.
وقد نزل عليكم في الكتاب حيث قال: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ.
والخطاب موجه إلى المؤمنين مطلقا الصادقين والمنافقين، أى: إذا سمعتم آيات الله يكفر بها الكافرون ويستهزئون بها فلا تستمعوا لهؤلاء ولا تجالسوهم حتى يتكلموا في
стр. 439
حديث آخر غير حديث الكفر والإلحاد إنكم إن قعدتم معهم وهم يتكلمون بالباطل في الدين ويستهزئون بالقرآن تكونوا مثلهم، وقد كان المنافقون يجالسون اليهود ويستعمون إليهم وهم يجعلون القرآن موضع الهزء والسخرية، إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا، فإنهم بين مرتكب للإثم وراض عنه غير منكر بل مشجع على ارتكابه.
هؤلاء المنافقون الذين يتربصون بكم وقوع الأمر المؤلم وأن تدور الدائرة عليكم وينتظرون ما يحدث لكم من خير وشر، فإن كان لكم نصر من الله وفتح قالوا: نحن معكم نستحق في الغنيمة، وإن كان للكافرين نصيب في النصر كما حصل يوم أحد قالوا: ألم نستحوذ عليكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم ونحن نمنعكم من المؤمنين بتخذيلهم وإذاعة الأخبار التي تثبط قلوبهم وتلقى الرعب فيها، وإذا كنا نهينا عن مجالسة هؤلاء فكيف بنا إذا اتخذناهم أولياء؟ فالله يحكم بينكم يوم القيامة فيجازى كلا على عمله، ففريق في الجنة وفريق في السعير، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا يغلبونكم به على أمركم، وحيث وصف المؤمنين بهذا الوصف وهو الإيمان فإن تحقق الإيمان تحقق وعد الله بالنصر وغلبة المؤمنين على الكافرين، وقريب من هذا قوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا «١» كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
«٢» وأين هم المؤمنون الصادقون في الإيمان؟
المنافقون لجهلهم، وقلة علمهم، وسوء تقديرهم، يفعلون ما يفعل المخادع، حيث يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، والله- سبحانه- فاعل بهم ما يفعله المخادع حيث أجرى عليهم الأحكام العامة التي عصموا بها دماءهم وأموالهم وأعد لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار، وفي الحقيقة الله لا يخادع فإنه العالم بالسر وأخفى، فقيل: إن المراد يخادعون رسول الله والمؤمنين، وإنما آثر القرآن هذا التعبير ليسجل عليهم عظم جرمهم وليشير إلى أن من يخادع الله كما في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ «٣» وهكذا يكون مركز الرسول الأعظم ﷺ .
стр. 440
وقال بعضهم: إنهم يخادعون الله يوم القيامة حيث يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة وسائرين على الطريق يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ والله خادعهم حيث يستدرجهم في طغيانهم ويبعدهم عن الحق والنور يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً [سورة الحديد آية ١٣] .
ولا غرابة في ذلك فها هم أولاء المنافقون مع أشرف الأعمال وأفضلها وهي الصلاة إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها لأنه لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها ولا خشية ولا هم يعقلون معناها! وأما قلوبهم ففاسدة، ونواياهم سيئة يفعلون بلا إخلاص، ولا يعاملون الله ولكن يعاملون الناس، ألا تراهم يراءون في كل عمل، ويستخفون من الناس والله معهم.
وإذا قاموا إلى الصلاة خشية من الناس بالطبع لا يذكرون الله إلا قليلا بل كما
يقول الحديث: «تلك صلاة المنافق. كررها ثلاثا. يجلس يرقب الشمس إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعة لا يذكر الله فيها إلا قليلا» .
وهم- لعنهم الله- مضطربون دائما بين الإيمان والكفر كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا «١» وتراهم مرة مع المؤمنين في الظاهر وأخرى مع الكفار في الباطن، فهم لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، وحقيقة من يضله الله ولا يوفقه، فلن تجد له سبيلا إلى الخير والسداد.
موالاة الكافرين.. وجزاء المنافقين [سورة النساء (٤) : الآيات ١٤٤ الى ١٤٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (١٤٧)
стр. 441
المفردات:
سُلْطاناً: حجة قوية ظاهرة. الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ: الطبقة التي في قعر جهنم.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تتخذوا الكافرين أولياء متجاوزين المؤمنين تبغون بذلك العزة عندهم، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، وكيف يصدر منكم هذا وهو دأب المنافقين وصفتهم أتريدون بهذا أن تجعلوا لله عليكم حجة قوية ظاهرة في استحقاق العذاب، وإذا اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين فإن هذا لا يصدر إلا من منافق، مع أن المنافقين لسوء أعمالهم وفساد أرواحهم يوم القيامة يكونون في الدرك الأسفل من النار، والنار ذات دركات والجنة درجات، فالمنافقون في أسفل الدرك من النار، ولا شك أنهم يستحقون، فهم خالطوا الإسلام وعرفوه ثم أنكروه اتباعا للشيطان وإيثارا للهوى وزخرف الدنيا، أما الكفار فقد يغلبهم الجهل ويعميهم التقليد لذلك كانوا في درك أقل من المنافقين في النار ولن تجد لهم نصيرا أبدا يمنعهم من العذاب أو يخفف عنهم ما هم فيه، هذا جزاؤهم، أما من تاب منهم عن النفاق وتوفرت فيه شروط التوبة الصحيحة وأتبعوها بثلاثة:
стр. 442
(أ) الاجتهاد في صالح الأعمال التي تستر ما مضى من سيئ النفاق.
(ب) الاعتصام بالله والتمسك بكتابه والاهتداء بهدى الرسول المصطفى ﷺ كل ذلك طلبا لرضا الله.
(ج) الإخلاص لله بأن يدعوه وحده ويتجهوا إليه اتجاها خالصا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [سورة الفاتحة الآيتان ٥ و ٦] .
فأولئك الموصوفون بما ذكر مع المؤمنين، وسوف يؤت الله المؤمنين الأجر العظيم الذي لا يدرى كنهه إلا الله فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [سورة السجدة آية ١٧] .
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ماذا يريد الله بعذابكم أيها الناس أيعذبكم انتقاما؟! لا ... أيعذبكم لدفع ضرر وجلب خير؟! لا.. إنه هو القوى الغنى، ولكن الله عادل حكيم لا يسوى بين الصالح والطالح، فالكافرون والمنافقون والعاصون لم يؤدوا حق الشكر لله وواجبه، ولم يصرفوا ما أعطى لهم من نعم في الخير ولكن في غير ما خلقت لأجله، ولو شكروا الله وآمنوا به حقا لاستحقوا الثواب المعد لأمثالهم فالله شاكر يجازى من شكر عليم بخلقه لا تخفى عليه خافية لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ «١» فهو الكريم يعطى، ويجازى بل ويضاعف الحسنة بعشر إلى أضعاف.. ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، واجعلنا يا رب من عبادك المخلصين الأبرار، إنك سميع الدعاء.
стр. 443
الجهر بالسوء وخطره [سورة النساء (٤) : الآيات ١٤٨ الى ١٤٩]
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (١٤٩)
المفردات:
الْجَهْرَ: الإعلان، يقال جهر برأيه: أعلنه.
المناسبة:
كان الكلام إلى هنا في المنافقين والكفار من أهل الكتاب، وبعد هذه الآيات رجع القرآن إلى الكلام عليهما، وكل ذلك بذكر عيوبهم والتعرض لسوءاتهم، حتى يقف المسلمون عليها فيبعدوا عنها وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ «١» وقد جاءت هاتان الآيتان في الوسط، لإرشاد المسلمين إلى أن الجهر بالسوء لا بأس به. وخاصة بعد أن تعرض القرآن الكريم لإذاعة السوء عن الكفار، وسنعرف أن الجهر بالسوء فيه خطر على الأمة والفرد.
المعنى:
لا يحب الله الجهر بالسوء حالة كونه من القول لأنه يؤجج نيران العدوان، ويولد البغضاء والكراهية، ولا تنس أنه يؤثر في نفوس السامعين تأثيرا سيئا من ناحية تقليد صاحبه في إذاعة السوء، وتقليد نفس السوء الذي يحكى للناس وهذا أمر مسلّم به ومعروف.
لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا إذا كان صادرا من مظلوم، إذ له بالطبع أن يشكو ظلمه للناس، ويشرحه للقضاء لعله ينصفه، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ويقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين.
стр. 444
والظالم لنفسه هو الذي يحب الجهر بالسوء وإذاعة الفاحشة بين الناس، والسوء من القول يشمل إذاعة الفاحشة والغيبة والنميمة والسعاية والكذب والبهتان ... إلخ. والله سميع لكل قول من ظالم أو مظلوم، عليم بكل فعل ونية، وسيجازى كلا على عمله.
وإن تبدوا خيرا من قول أو فعل أو تخفوه فلا تظهروه، أو تعفوا عن سوء منكم وضرر ألمّ بكم، فاعلموا أن الله عفو عن السيئات، يحب العافين عن الناس مع القدرة، قدير على أن يجزل الثواب للطائعين. وفي هذا ترغيب لفعل الخير، والعفو عند القدرة.
أما إبداء الخير فحسن لمن يأنس من نفسه عدم الرياء وكان قلبه عامرا بالإخلاص والإيمان، وهو قدوة لغيره، والإخفاء حسن إن خاف شيئا من الرياء والنفاق وكان فيه حفظ للكرامة وستر على الفقراء والمحتاجين.
الكفر والإيمان وعاقبة كل [سورة النساء (٤) : الآيات ١٥٠ الى ١٥٢]
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٥٢)
المفردات:
سَبِيلًا: طريقا. وَأَعْتَدْنا: هيأنا وأعددنا. مُهِيناً: ذا إهانة.
стр. 445
المعنى:
الكفر والإيمان ضدان لا يجتمعان في قلب أبدا، وهل تستوي الظلمات والنور ... ؟
ومن الناس من يكفرون بالله ورسله جميعا في الواقع ونفس الأمر وإن لم يصرحوا بذلك، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، فيؤمنوا بالله ويكفروا بالرسل وكتبهم، وهؤلاء هم أكثر سكان العالم.
ومن الناس من يؤمن بالله وببعض الرسل كاليهود والنصارى. يؤمنون بموسى أو عيسى ويكفرون بمحمد ﷺ وبكتابه المنزل عليه.
ويريدون بهذا أن يتخذوا سبيلا وسطا بين الإيمان والكفر، أولئك المذكورون هم الكافرون الكاملون في الكفر، والراسخون في الضلال حقا. وأى حق يكون أثبت وأصح مما يجعله الله تعالى حقا؟؟ وأعتدنا وهيأنا للكافرين منهم ومن غيرهم عذابا ذا إهانة في الدنيا والآخرة.
ولا غرابة في هذا الحكم الشديد، لمن يؤمن بالله ويكفر برسله، أو يؤمن ببعض الرسل ويكفر بالبعض الآخر، إذ الإيمان بالله حقيقة يقتضى عبادته على وجه يرتضيه، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالإيمان بالرسل واتباع تعاليمهم فهم السفراء بين الله وخلقه، فكيف يتصور إيمان بالله وكفر برسله؟
وأما الإيمان برسله كموسى أو عيسى كما فعلت اليهود أو النصارى. والكفر بمحمد ﷺ والأنبياء فليس بشيء.
إذ لو آمن اليهود بموسى حقيقة لآمنوا بمحمد كذلك، ولو آمن النصارى بعيسى حقيقة لآمنوا كذلك بمحمد ﷺ فهو مذكور في كتبهم ومبشر به عندهم ومصدق لما معهم، على أن دلائل الرسالة عند محمد ﷺ أوضح من غيرها فهو الأمى العربي الذي نشأ في الجاهلية ثم أنزل عليه القرآن الكامل في كل شيء ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [سورة البقرة آية ٢] .
ألست ترى أن الرسل وكتبهم كأمراء الأقاليم، والقوانين التي تصدر إليهم من الرئيس الأعلى، والشعب ملزم بطاعة الرئيس وقانونه، حتى إذا انتهت مدته وجاء رئيس آخر
стр. 446
بقانون آخر وجب أن يترك السابق ويؤمن بالجديد وهكذا فالله وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى «١» أرسل رسله قديما بالهدى ودين الحق حتى ختم الرسالة بمحمد ﷺ والقران دستوره الباقي ما بقيت الأرض والسماء لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً «٢» فالواجب اتباعه والإيمان به.
والمسلمون هم الذين يؤمنون بالله ورسله ولا يفرقون بين أحد من رسله إيمانا خالصا لله، أولئك سوف يؤتيهم ربهم أجورهم كاملة يوم القيامة، وكان الله غفورا لمن يأتى بهفوة مع الإيمان الصحيح، رحيما بعباده جميعا، حيث أرسل لهم الرسل لهدايتهم الطريق المستقيم.
من قبائح اليهود وأفعالهم [سورة النساء (٤) : الآيات ١٥٣ الى ١٥٩]
يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (١٥٣) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (١٥٤) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧)
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (١٥٩)
стр. 447
المفردات:
جَهْرَةً المراد: رؤية جهرة. الصَّاعِقَةُ: نار تنزل من السماء، والظاهر أنها الشرارة الكهربائية التي تظهر في السماء. الْبَيِّناتُ: الدلائل الواضحة على نبوة موسى: كفلق البحر، واليد البيضاء، والعصا. الطُّورَ: اسم الجبل الذي كانوا مقيمين أسفله. سُجَّداً المراد: خاضعين متذللين. لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ: لا تتجاوزوا ما أبيح لكم، أو لا تظلموا أنفسكم بالصيد فيه.
غُلْفٌ: جمع غلاف، وهو الظرف، والمراد: أوعية العلم فليست في حاجة إلى ما نقول، ويصح أن يكون جمع أغلف، والمراد: مغطاة بأغطية خلقية لا يصل إليها شيء مما نقول. طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها: ختم عليها بالخاتم.
وقيل صارت كالنقود المسكوكة فلا تقبل غير النقش الذي عليها. بُهْتاناً:
كذبا يبهت صاحبه عند سماعه ويتعجب منه.
المعنى:
يسألك أهل الكتاب من اليهود أن تنزل عليهم كتابا مكتوبا بخط سماوي يشهد أنك رسول الله إليهم، وقيل: ينزل باسم جماعتهم أو أسماء الأحبار منهم، وهذا الطلب دليل على عدم فهمهم حقيقة الرسالة وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ
стр. 448
لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
«١» يسألك هؤلاء اليهود على سبيل التعنت والتعجيز، ولا تعجب أيها الرسول من سؤالهم ولا تستكثره عليهم فقد سألوا موسى قديما أكبر من هذا، وقالوا: أرنا الله رؤية جهرة عيانا بلا حاجز ولا حجاب، وقد مر كثيرا أن فعل آبائهم ينسب إلى المعاصرين منهم، لأنهم وارثوهم ومقلدوهم ومعتزون بهم، ولا تنس مبدأ تكافل الأمة الواحدة، وقيل: إن أهل الكتاب جنس عام يدخل فيه المعاصرون وآباؤهم ... وسؤالهم رؤية الله عيانا يدل على جهلهم بالله وما يجب له من صفات الكمال، إذ كيف تحيط به الأبصار والعيون؟ لذا كان أكبر جرما من سؤالهم كتابا من السماء، وقد عوقبوا على هذا الطلب بنزول الصاعقة وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [البقرة ٥٥] .
ثم هم بعد أن ماتوا بالصاعقة أحياهم الله فاتخذوا العجل إلها من بعد ما جاءتهم الآيات البينات الواضحات، كالعصا وفلق البحر وغيرها من الحجج القوية التي تثبت الألوهية والوحدانية لله- فعفونا عن ذلك الذنب حين تابوا منه تلك التوبة النصوح، وآتينا موسى سلطانا مبينا وحجة قوية حيث طلب منهم القتل فقتلوا أنفسهم وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة آية ٥٤] .
ومن عجائب أحوالهم أن الله أخذ عليهم الميثاق. وكلفهم بالشريعة ورفع فوقهم الطور بسبب هذا الميثاق ليأخذوه بقوة ونشاط. وقد كان رفع الطور فوقهم من الآيات الكونية، حتى يؤمنوا، ولكنهم اليهود وكفى!! وقلنا لهم: ادخلوا باب القرية (والله أعلم بها) خاضعين لله متذللين له ذلة وانكسارا لعظمته وجبروته، وقلنا لهم، لا تتجاوزوا الحدود المرسومة لكم، ولا تصطادوا يوم السبت- وقد كانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شرعا- ابتلاء لهم واختبارا، فظلموا أنفسهم واصطادوا فيه وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [البقرة ٦٥] . وأخذنا منهم ميثاقا شديدا ليأخذنّ التوراة بقوة وجد،
стр. 449
وليعملن بها، ولا يكتمون بشارة عيسى ابن مريم ومحمد ﷺ
روى أنهم بعد ما قبلوا ما كلفوا به من الدين أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عنه فالله يعذبهم بأى نوع من العذاب وهذا هو الميثاق المؤكد.
ثم انظر بعد هذا الميثاق المؤكد والعقود الموثقة ماذا هم فاعلون؟؟
لقد سجل القرآن عليهم هنا أقبح المخالفات وأشد العناد فقال ما معناه: فبسبب نقضهم الميثاق الذي واثقهم الله عليه، فقد أحلوا حرامه وحرموا حلاله، وبكفرهم بآيات الله التي أراهم منها ما لم ير سواهم، وبسبب قتلهم الأنبياء بغير ذنب إلا أنهم قالوا: ربنا الله، قتلوهم بغير حق كزكريا ويحيى- ﵉ وبسبب قولهم:
قلوبنا في غلاف فلا يصل إليها شيء مما تدعون إليه، أو هي أوعية مليئة بالعلم فليست في حاجة إلى شيء!! لا بل طبع الله على قلوبهم بكفرهم وختم عليها فلا يصل إليها نور الهدى فهي كالنقود المضروبة لا تقبل نقشا آخر، ولذلك فهم لا يؤمنون إلا قليلا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه.
وبكفرهم بعيسى والإنجيل ورميهم بالفاحشة مريم البتول رموها بيوسف النجار وكان صالحا فيهم، ولا شك أن هذا بهتان يبهت من يقال فيه ويدهش عند سماعه لبعده عن الحق وغرابته، وبادعائهم أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ووصفهم له بالرسالة تهكما به ووصف القرآن له بأن ابن مريم رسول الله للرد على من يزعم من النصارى أنه الإله أو ابنه، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
وما قتلوه، وما صلبوه: كما زعموا وادعوا وشاع بينهم ولكن وقع لهم الشبه فظنوا أنهم صلبوه والواقع أنهم صلبوا شخصا غيره.. وكيف يقتل عيسى والله قد عصم أولى العزم من الرسل جميعا فنجى نوحا من الغرق، وإبراهيم من النار، وموسى من فرعون، وعيسى من اليهود، ومحمدا من المشركين.
وإن الذين اختلفوا في شأن عيسى من أهل الكتاب لفي شك منه وحيرة، ما لهم به من علم قاطع بقتله، لكنهم يتبعون الظن والشك في أمره، ويرجحون هذا على ذلك بالظنون والشبه لا بالعلم القاطع.
وفي الأناجيل المعتمدة عند النصارى، أنه قال لتلاميذه والمقربين إليه، وفي الليلة التي طلب فيها للقتل «كلكم تشكون في هذه الليلة» .
стр. 450
وقيل: اختلافهم قولهم: إن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ وإن كان المقتول عيسى فأين صاحبنا؟
وما قتلوه قتلا يقينا، لأن الجند الذين قاموا بقتله من الثابت أنهم كانوا يعرفون شخص المسيح، وقد مات في شبه ثورة.
وفي الأناجيل الموجودة الآن، أن الذي سلمه هو يهوذا الأسخريوطى، وفي بعض الأناجيل أن الجند أخذوا يهوذا نفسه ظنا منهم أنه المسيح، فالذي لا خلاف فيه أن الجند ما كانوا يعرفون عيسى وأنهم قتلوا شخصا هل هو المسيح أو شخص يشبه إلى أبعد حد. وقيل: المعنى ما قتلوا العلم يقينا من جهة البحث والنظر في أمر قتله وصلبه.
رفع عيسى- ﵇ -:
المسلمون يعتقدون كما أخبر القرآن أن عيسى لم يقتل ولم يصلب وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وأنه نجاه من الذين مكروا به وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ «١» وهذا هو معنى (متوفيك) عند بعض العلماء، أى: موفيك أجلك كاملا وعاصمك من الناس كغيرك من الأنبياء، وهل هو بعد النجاة رفع إلى السماء بروحه وجسده أو رفع بروحه فقط، وأما جسده فانتهت حياته كغيره من الناس؟ أو لم يحصل له رفع لا بالروح ولا بالجسد؟ ويتبع ذلك تفسير قوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ «٢» أما جمهور المفسرين: فيرون أن الله رفع عيسى بروحه وجسده إلى السماء وسينزل آخر الزمان يحكم بالقرآن ويقتل الخنزير ويكسر الصليب بدليل الآية الآتية وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وكما هو ثابت في حديث البخاري. وهناك آراء أخرى في رفع عيسى إلى السماء، والقرآن الكريم لا يثبت الرفع ولا ينفيه (والله أعلم بكلامه) وكان الله عزيزا لا يغالب أبدا، فهو الذي أنقذ عيسى من كيد اليهود وعصم محمدا من الناس جميعا، حكيما في كل فعل وعمل.
وما من أحد من أهل الكتاب سواء كان يهوديا أو نصرانيا إلا ليؤمنن بعيسى إيمانا صحيحا قبل موته، أى: عند خروج روحه بلا إفراط ولا تفريط، فاليهودى يؤمن أنه
стр. 451
رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والنصراني يؤمن بأنه رسول الله وعبده وكلمته فليس إلها ولا ابن الإله.
وإذا كان حالهم هكذا قبل الموت ولا ينفعهم الإقرار حينئذ فما بالهم لا يسرعون في الإيمان بعيسى إيمانا صحيحا؟
وقيل: وما من أهل الكتاب أحد من المعاصرين لنزول عيسى آخر الزمان إلا ليؤمنن بعيسى قبل موته، أى: موت عيسى أو موت ذلك الكتابي، ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا، يشهد بإيمانهم به وبكفرهم فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [سورة النساء آية ٤١] .
ودعاة المسيحية: يقولون بصلب المسيح- ﵇ وينسجون لهذا قصة الخطيئة الخاصة بأبينا آدم وأن العدل والرحمة تقاتلا حتى انتهى الأمر إلى صلب المسيح كفارة لخطايا شعبه أو للعالم ... إلخ، ما هو مدون في كتبهم، ونحن إذ ننكر هذه العقيدة لا نقول باستحالتها على عيسى كبشر وإنما لأن القرآن نفاها نفيا باتا وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ.
على أن مسألة القتل، لا مجال للعقل فيها، بل لا بد أن نستقيها من مصدر صحيح، يكون موضع الثقة، ونحن المسلمين نقلنا نفى القتل والصلب عن القرآن.
وهو الكتاب الوحيد الذي نقل بالتواتر نقلا سليما لا شبهة فيه لأى منصف بدليل أنه لا يختلف في أى بلد من بلاد العالم في كلمة وأما الكتب الأخرى التي فيها الصلب فهي كتابة أفراد لم تنقل بالتواتر وليس مصدرها واحدا ولذا نراها مختلفة جدا في الشكل والموضوع اقرءوا إن شئتم إنجيل برنابا وبعض الأناجيل الأخرى وهل من كتب من أتباع المسيح بالصلب شاهده أو هو خبر يحتمل الصدق والكذب؟؟! وكيف يتصور عاقل أن قوما يؤمنون بأن عيسى إله أو ابنه أو واحد من ثلاثة ثم يؤمنون مع هذا بأنه صلب على خشبة مع اعترافهم بأن المسيح تألم وبكى من هذا القتل وتضرع إلى الله أن يكشف عنه هذا السوء فقد ورد في الإنجيل: (يا أبتاه إن أمكنك فلتعبر عنى هذه الكأس إن لم يمكن أن تعبر عنى هذه الكأس إلا أن أشربها فلتكن مشيئتك) .
стр. 452
ثم كيف يتصور عاقل قصة الخطيئة وصلب عيسى كفارة؟ - وفيها:
(أ) طول تفكير الإله من وقت خطيئة آدم إلى قبيل ظهور عيسى، بل كيف نتصور العراك والنزاع بين العدل والرحمة!! ما شاء الله ما شاء الله!!! (ب) وكيف نحكم على أمثال أبينا إبراهيم الخليل وقد مات قبل ظهور المسيح وصلبه أمات عاصيا لم تكفر ذنوبه! (ج) وكيف يبيح شرع لأتباعه أن يرتكبوا كل شيء لأن نبيهم عيسى صلب تكفيرا لخطاياهم، إن هذا لشيء عجيب!! وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [سورة البقرة آية ١٤٦] وأعجب من هذا إيمان كثير من المسيحيين بتلك الخرافات.
بعض قبائحهم وجزاؤهم عليها [سورة النساء (٤) : الآيات ١٦٠ الى ١٦٢]
فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦١) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (١٦٢)
المفردات:
هادُوا: تابوا ورجعوا بعد عبادة العجل. بِصَدِّهِمْ: منعهم.
الرَّاسِخُونَ: الثابتون في العلم المتقنون له.
стр. 453
المعنى:
كان اليهود قديما كلما ارتكبوا ذنبا خاصة بعد ما تابوا من عبادة العجل، حرم الله عليهم نوعا من الطيبات التي كانت حلالا لهم ولأسلافهم من قبل، فبسبب هذا الظلم الذي لا يعرف كنهه إلا الله حرم عليهم ما حرم، ومع هذا كانوا يفترون على الله الكذب ويقولون: هذه المحرمات كانت جراما علينا وعلى نوح وإبراهيم ومن بعدهما، ولذا كذبهم الله تعالى في كثير من الآيات: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ [آل عمران ٩٣] . وقوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما [سورة الأنعام آية ١٤٦] .. ثم شرع القرآن في بيان مجمل الظلم الصادر منهم فقال: وبسبب صدهم عن سبيل الله كثيرا من الناس لقد منعوا أنفسهم وغيرهم من الإيمان بالله بسبب عصيانهم موسى وعنادهم مرارا، وبالقدوة السيئة لغيرهم في الكفر، وأمرهم بالمنكر، ونهيهم عن المعروف، وكتمانهم البشارة ووصف النبي ﷺ وبسبب أخذهم الربا من غيرهم وأكله معتقدين حله، وقد كتب في التوراة المحرفة: إن الربا حلال مع غير اليهود حرام مع اليهود، وبسبب أكلهم أموال الناس بالباطل من طريق الرشوة والنصب والاحتيال والغش سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ «١» وجزاء هؤلاء الظلمة لأنفسهم ولغيرهم أن الله هيأ للكافرين منهم عذابا ذا إهانة وذل لهم في الدنيا والآخرة، وقد ذكر أن تحريم الطيبات كان عاما، أما العذاب فكان للمصرين منهم على الكفر، وبعد أن بيّن الله قبائحهم وجزاءهم عليها! وأنه شامل للكل استدرك على ذلك بقوله:
لكن الراسخون في العلم الثابتون فيه، الذين لا يشترون الضلالة بالهدى، وهم المنتفعون به المؤمنون إيمانا صادقا بالله وبما أنزل عليك، وبما أنزل على من قبلك من الرسل، وهم لا يفرقون بين أحد منهم، وأخصّ المقيمين الصلاة المؤدين لها تامة الأركان، مستوفية الشروط بالجوارح والقلب، والمؤتون الزكاة لمن يستحقها، والمؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا حقيقيا فلا يقولون: عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله، ولا يقولون: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة أولئك البعيدون في درجات الكمال سيؤتيهم ربهم أجرا لا يعلم قدره إلا هو، أجرا عظيما من عنده.
стр. 454
وحدة الوحى وحكمة إرسال الرسل [سورة النساء (٤) : الآيات ١٦٣ الى ١٦٦]
إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (١٦٤) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٦٥) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (١٦٦)
المفردات:
أَوْحَيْنا الإيحاء يأتى في اللغة على معان، منها: الإشارة كقوله تعالى:
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا والإلهام: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ وعلى ما يكون غريزة: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وعلى الإعلام في خفاء: شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً والمراد بالإيحاء في الآية ما يلقى إلى الأنبياء من عند الله.
الْأَسْباطِ جمع سبط، وهو: ولد الولد، والمراد: أبناء يعقوب لصلبه أو أولاد أولاده. زَبُوراً: مكتوبا، وكل كتاب زبور، والمراد به: الكتاب المنزل على داود ﵇.
стр. 455
المناسبة:
نعى الله على أهل الكتاب عموما أنهم يفرقون بين الأنبياء فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. ثم تعرض القرآن لليهود خاصة وأنهم سألوا محمدا ﷺ عنادا واستكبارا- أن ينزل كتابا من السماء آية لهم ولم يكن هذا العناد جديدا على اليهود فقد سألوا موسى قديما أكبر من هذا، وفعلوا القبائح، وكفروا بعيسى، وبهتوا أمه وحاولوا قتله وصلبه ... إلخ، ما ذكر.
ولو فعلت هذا لآمنوا بك وصدقوك، فأنت أوضح دليلا وأقوم قيلا، على أن الإيحاء من الله إليك كان كالأنبياء السابقين، فما لهم يفرقون بين نبي ونبي؟؟ وما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟!!
المعنى:
إنا بما لنا من العظمة والقدرة قد أوحينا إليك يا محمد هذا القرآن إيحاء كإيحائنا إلى الأنبياء قبلك، فلست بدعا من الرسل، وهم قد آمنوا بهم، فكيف يطلبون منك أن تنزل عليهم كتابا من السماء، على أنهم لو آمنوا حقيقة بالرسل لآمنوا بك فالوحى جنس واحد لم يتغير، وفي كتبهم البشارة بك ووصفك.
وحقيقة الإيحاء كما قال المرحوم الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد: (عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة) .. إنا أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى المشهورين من الأنبياء قبلك كنوح، وخص بالذكر أولا لأنه أقدم نبي مرسل، على أن قومه كذبوه فعذبوا. وهو الأب الثاني للبشر، وأوحى إلى النبيين من بعده لا سيما إبراهيم- ﵇ أبو الأنبياء، والذي يدين له العرب وأهل الكتاب، وإسماعيل ابنه الأكبر وأبو العرب وجد المصطفى ﷺ وإسحاق ابن إبراهيم أبو يعقوب المسمى بإسرائيل وإليه تنسب اليهود، والأسباط وهم حفدة يعقوب، وقيل: أولاده لصلبه وعددهم عشرة أولاد يوسف واثنان فكان المجموع اثنى عشر، وهم في نسل إسحاق كالقبائل في نسل إسماعيل، وعيسى ابن مريم وقدم على غيره
стр. 456
لأنه محل طعن اليهود، وأيوب ويونس وهارون وسليمان بن داود، وخص هؤلاء جميعا بالذكر مع اندراجهم في لفظ النبيين لشرفهم وكرامتهم على الله.
وآتينا داود كتابا زبورا، قال القرطبي: كان فيه مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم من الأحكام وإنما هي حكم ومواعظ وتمجيد وثناء على الله تعالى ... وأرسلناك كما أرسلنا رسلا غير هؤلاء قد قصصناهم عليك من قبل في سورة الأنعام وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ [سورة الأنعام آية ٨٤] الآيات وأجمع السور لقصصهم سورة هود والشعراء.
وهنا أرسلنا رسلا لم نقصصهم عليك لأن أممهم مجهولة غير معروفة وليس في ذكرهم كبير فائدة وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود ١٢٠] .
وكلم الله موسى تكليما، وخص موسى بهذه الكرامة على سبيل التأكيد لأن قومه هم المقصودون بالحديث، وقد كلم الله موسى تكليما خاصا ممتازا عن غيره، أما كيف كان؟ وهل كان مشافهة أم لا. فالله أعلم بذلك كله، على أن وقوفنا على أسرار الأثير واستخدامه، ونقل الحديث بالراديو والتليفزيون جعل الاعتراضات القديمة شيئا بسيطا لا يعبأ به، فالله الذي أقدر بعض المخلوقات على الوصول إلى هذا قادر جدا على خلق أشياء ليس لها مقياس معروف ولا حد مألوف.
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [سورة الشورى آية ٥١] والظاهر أن تكليم موسى- ﵇ كان من النوع الثاني.
والخلاصة: أنا أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى فلان وفلان من الأنبياء وآتيناك كتابا كما آتينا بعضهم كتابا، وأرسلناك للناس كافة رسولا كما أرسلنا لهم رسلا، فما لهؤلاء القوم يفرقون بين نبي ونبي؟! ويؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.
أرسلنا أولئك الرسل الذين قصصنا عليك بعضا منهم، مبشرين من يؤمن بالله ورسله واليوم الآخر بالثواب الأبدى: جنة المأوى خالدين فيها أبدا، ومنذرين من يكفر بالله ورسله واليوم الآخر بالعقاب الصارم نارا وقودها الناس والحجارة، أرسلنا رسلنا لئلا يكون للناس على الله حجة وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى [سورة طه آية ١٣٤] .
стр. 457
وحجتهم أنهم يقولون: لولا أرسلت إلينا رسلا تبين لنا الشريعة وتعلمنا ما لم نكن نعلم! إذ القوة البشرية مهما تكن تعجز عن إدراك كل جزئيات الخير والشر، على أن عامة الناس لا يفرقون بين الضار والنافع مع احتياج الكل إلى قادة يقودونهم إلى الصراط المستقيم صراط الله العزيز الحميد: ومن الذي كان يأتى بأخبار الغيب من حساب وجزاء، وثواب وعقاب؟؟ ... وما أتى به الرسل موافق لسنن الفطر السليمة، ملائم للطبائع الزكية، ومع ذلك يترتب عليه ثواب عظيم وعقاب أليم.
وكان الله عزيزا لا يغلبه متعنت ولا مكابر، حكيما في كل صنع صنعه وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [سورة الإسراء آية ١٥] .
وهؤلاء اليهود قد أنكروا نبوة النبي ﷺ ولم يشهدوا برسالته وهي أوضح من الشمس فسألوه كتابا من السماء.
إنهم لا يشهدون بذلك ولكن الله يشهد بالقرآن وكفى به شاهدا، فالله أنزله عليك بعلمه الخاص لا يعلمه سواه، ولقد صدق الله في وصفه ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ «١» تحدى به الكل فعجزوا قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٢» وهو القرآن الكامل في كل شيء المشتمل على قوانين وشرائع تكفل لمن يتبعها حياة سعيدة وعزة ورخاء!! وانظر إلى قوله: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ تجد القرآن لا يمكن أن يصدر عن علم بشر، وخاصة إذا كان يعيش في البيئة العربية قبل الإسلام، ولعل هذا هو محط الشهادة.
فكأن القرآن بهذا يشهد للنبي بصدقه، ولسان حاله: صدق محمد في كل ما يبلغه عن ربه، والملائكة ومنهم جبريل يشهدون لك بالرسالة فثبتت شهادة الله تعالى بما أنزله عليك من القرآن إذ لا يستطيع أحد أن يأتى بمثله ولو اجتمع الإنس والجن، ولا يعقل أن يكون من وضعك فأنت النبي الذي نشأ في بيئة جاهلة.
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ «٣» .
стр. 458
جزاء الكافرين [سورة النساء (٤) : الآيات ١٦٧ الى ١٧٠]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٦٩) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠)
المعنى:
بعد أن دلت الآيات على نبوة محمد ﷺ وأنه لا حجة للكفار المعاندين، وأن الله شهيد له بما أنزله عليه بعلمه من آيات القرآن، أخذ ينذر الكفار ويهددهم بالعذاب الشديد، وينذرهم سوء العاقبة وبئس المصير، إن الذين كفروا بالله ورسوله وصدوا عن سبيل الله بأعمالهم التي يقلدهم فيها غيرهم. قد ضلوا وأضلوا ضلالا بعيدا عن الصواب جدا. إن الذين كفروا وظلموا أنفسهم وغيرهم باتباعهم الشيطان وبعدهم عن هدى الرحمن، لم يكن من شأن الله وصفته أن يغفر لهم، فالله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ولم يكن ليهديهم ويوفقهم إلى طريق أبدا إلا طريق جهنم وبئس المصير، فهم قد ملأوا النفس والقلب من ظلام الكفر والضلال حتى لم يعد فيه متسع للنور والهداية، هؤلاء لهم جهنم خالدين فيها خلودا أبديا الله أعلم به يتناسب مع ما قدموا من أعمال، وما جبلوا عليه من خصال، وكان ذلك على الله سهلا ويسيرا.
يا أيها الناس: وقد جاءكم الرسول الكامل والمعهود عند أهل الكتاب، جاءكم
стр. 459
بالقرآن والحق والخير والهدى والعلاج، فآمنوا يكن الإيمان خيرا لكم، آمنوا واقصدوا خيرا لكم وإن تكفروا فاعلموا أن الله معذبكم ومجازيكم على كفركم فليس هناك عذر لمعتذر وليس وراء الموت إلا الجنة أو النار، وليس يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، ولا يجهل شيئا فيهما، وهو الغنى عن عبادتكم، وما ذلك كله إلا أن لله ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا وحكما، العليم بخلقه الحكيم في صنعه.
المسيح ابن مريم في نظر القرآن [سورة النساء (٤) : الآيات ١٧١ الى ١٧٣]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣)
стр. 460
المفردات:
لا تَغْلُوا الغلو: مجاوزة الحد من جهة التفريط أو الإفراط. وَكَلِمَتُهُ المراد أنه حدث بكلمة (كن) التكوينية لا بمادة أخرى كغيره من الناس. وَرُوحٌ وجد بنفخ من روح الله وهو جبريل. سْتَنْكِفَ
الاستنكاف: الامتناع عن الشيء أنفة وكبرا. الاستكبار: أن يجعل الإنسان نفسه كبيرة غرورا منه وإعجابا بها.
المناسبة:
بعد أن حاج اليهود وألزمهم كلمة التقوى والطريقة المثلى، أردف ذلك بمحاجة النصارى، وألزمهم جميعا الرأى الوسط في عيسى ابن مريم.
المعنى:
يا أهل الكتاب لا تكونوا مغالين في الدين ومجاوزين الحدود فيه، فلا تكفروا بعيسى وتبهتوا أمه، وتحقروه وتهينوه كما فعلت اليهود، ولا تعظموه وتقدسوه حتى تجعلوه إلها أو ابن الإله كما فعلت النصارى، ولا تقولوا على الله إلا القول الحق الثابت بالنقل المتواتر، الذي يستحيل معه الكذب، أو المؤيد بالحجج الدامغة، أما القول بالحلول واتخاذ الصاحبة والولد فكذب وبهتان وخرافة ووثنية وموسى وعيسى والأنبياء جميعا برآء منها.
إنما المسيح عيسى ابن مريم البتول الطاهرة الصديقة النقية التي أنبتها الله نباتا حسنا، وكفلها زكريا الرجل الصالح والتي برأها القرآن الكريم.
إنما المسيح عيسى رسول الله إلى بنى إسرائيل، أمرهم بالمعروف، ونهاهم عن المنكر، وأمرهم بعبادة الله وحده، ونهاهم عن الكفر به والشرك والتثليث وزهدهم في الدنيا، وحثهم على التقوى، وبشرهم بخاتم النبيين والمرسلين وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ... [سورة الصف آية ٦] .