لأنه محل طعن اليهود، وأيوب ويونس وهارون وسليمان بن داود، وخص هؤلاء جميعا بالذكر مع اندراجهم في لفظ النبيين لشرفهم وكرامتهم على الله.
وآتينا داود كتابا زبورا، قال القرطبي: كان فيه مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم من الأحكام وإنما هي حكم ومواعظ وتمجيد وثناء على الله تعالى ... وأرسلناك كما أرسلنا رسلا غير هؤلاء قد قصصناهم عليك من قبل في سورة الأنعام وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ [سورة الأنعام آية ٨٤] الآيات وأجمع السور لقصصهم سورة هود والشعراء.
وهنا أرسلنا رسلا لم نقصصهم عليك لأن أممهم مجهولة غير معروفة وليس في ذكرهم كبير فائدة وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [هود ١٢٠] .
وكلم الله موسى تكليما، وخص موسى بهذه الكرامة على سبيل التأكيد لأن قومه هم المقصودون بالحديث، وقد كلم الله موسى تكليما خاصا ممتازا عن غيره، أما كيف كان؟ وهل كان مشافهة أم لا. فالله أعلم بذلك كله، على أن وقوفنا على أسرار الأثير واستخدامه، ونقل الحديث بالراديو والتليفزيون جعل الاعتراضات القديمة شيئا بسيطا لا يعبأ به، فالله الذي أقدر بعض المخلوقات على الوصول إلى هذا قادر جدا على خلق أشياء ليس لها مقياس معروف ولا حد مألوف.
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [سورة الشورى آية ٥١] والظاهر أن تكليم موسى- ﵇ كان من النوع الثاني.
والخلاصة: أنا أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى فلان وفلان من الأنبياء وآتيناك كتابا كما آتينا بعضهم كتابا، وأرسلناك للناس كافة رسولا كما أرسلنا لهم رسلا، فما لهؤلاء القوم يفرقون بين نبي ونبي؟! ويؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.
أرسلنا أولئك الرسل الذين قصصنا عليك بعضا منهم، مبشرين من يؤمن بالله ورسله واليوم الآخر بالثواب الأبدى: جنة المأوى خالدين فيها أبدا، ومنذرين من يكفر بالله ورسله واليوم الآخر بالعقاب الصارم نارا وقودها الناس والحجارة، أرسلنا رسلنا لئلا يكون للناس على الله حجة وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى [سورة طه آية ١٣٤] .
стр. 457
وحجتهم أنهم يقولون: لولا أرسلت إلينا رسلا تبين لنا الشريعة وتعلمنا ما لم نكن نعلم! إذ القوة البشرية مهما تكن تعجز عن إدراك كل جزئيات الخير والشر، على أن عامة الناس لا يفرقون بين الضار والنافع مع احتياج الكل إلى قادة يقودونهم إلى الصراط المستقيم صراط الله العزيز الحميد: ومن الذي كان يأتى بأخبار الغيب من حساب وجزاء، وثواب وعقاب؟؟ ... وما أتى به الرسل موافق لسنن الفطر السليمة، ملائم للطبائع الزكية، ومع ذلك يترتب عليه ثواب عظيم وعقاب أليم.
وكان الله عزيزا لا يغلبه متعنت ولا مكابر، حكيما في كل صنع صنعه وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [سورة الإسراء آية ١٥] .
وهؤلاء اليهود قد أنكروا نبوة النبي ﷺ ولم يشهدوا برسالته وهي أوضح من الشمس فسألوه كتابا من السماء.
إنهم لا يشهدون بذلك ولكن الله يشهد بالقرآن وكفى به شاهدا، فالله أنزله عليك بعلمه الخاص لا يعلمه سواه، ولقد صدق الله في وصفه ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ «١» تحدى به الكل فعجزوا قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٢» وهو القرآن الكامل في كل شيء المشتمل على قوانين وشرائع تكفل لمن يتبعها حياة سعيدة وعزة ورخاء!! وانظر إلى قوله: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ تجد القرآن لا يمكن أن يصدر عن علم بشر، وخاصة إذا كان يعيش في البيئة العربية قبل الإسلام، ولعل هذا هو محط الشهادة.
فكأن القرآن بهذا يشهد للنبي بصدقه، ولسان حاله: صدق محمد في كل ما يبلغه عن ربه، والملائكة ومنهم جبريل يشهدون لك بالرسالة فثبتت شهادة الله تعالى بما أنزله عليك من القرآن إذ لا يستطيع أحد أن يأتى بمثله ولو اجتمع الإنس والجن، ولا يعقل أن يكون من وضعك فأنت النبي الذي نشأ في بيئة جاهلة.
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ «٣» .
стр. 458
جزاء الكافرين [سورة النساء (٤) : الآيات ١٦٧ الى ١٧٠]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٦٩) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧٠)
المعنى:
بعد أن دلت الآيات على نبوة محمد ﷺ وأنه لا حجة للكفار المعاندين، وأن الله شهيد له بما أنزله عليه بعلمه من آيات القرآن، أخذ ينذر الكفار ويهددهم بالعذاب الشديد، وينذرهم سوء العاقبة وبئس المصير، إن الذين كفروا بالله ورسوله وصدوا عن سبيل الله بأعمالهم التي يقلدهم فيها غيرهم. قد ضلوا وأضلوا ضلالا بعيدا عن الصواب جدا. إن الذين كفروا وظلموا أنفسهم وغيرهم باتباعهم الشيطان وبعدهم عن هدى الرحمن، لم يكن من شأن الله وصفته أن يغفر لهم، فالله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ولم يكن ليهديهم ويوفقهم إلى طريق أبدا إلا طريق جهنم وبئس المصير، فهم قد ملأوا النفس والقلب من ظلام الكفر والضلال حتى لم يعد فيه متسع للنور والهداية، هؤلاء لهم جهنم خالدين فيها خلودا أبديا الله أعلم به يتناسب مع ما قدموا من أعمال، وما جبلوا عليه من خصال، وكان ذلك على الله سهلا ويسيرا.
يا أيها الناس: وقد جاءكم الرسول الكامل والمعهود عند أهل الكتاب، جاءكم
стр. 459
بالقرآن والحق والخير والهدى والعلاج، فآمنوا يكن الإيمان خيرا لكم، آمنوا واقصدوا خيرا لكم وإن تكفروا فاعلموا أن الله معذبكم ومجازيكم على كفركم فليس هناك عذر لمعتذر وليس وراء الموت إلا الجنة أو النار، وليس يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، ولا يجهل شيئا فيهما، وهو الغنى عن عبادتكم، وما ذلك كله إلا أن لله ما في السموات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا وحكما، العليم بخلقه الحكيم في صنعه.
المسيح ابن مريم في نظر القرآن [سورة النساء (٤) : الآيات ١٧١ الى ١٧٣]
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٧١) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧٣)
стр. 460
المفردات:
لا تَغْلُوا الغلو: مجاوزة الحد من جهة التفريط أو الإفراط. وَكَلِمَتُهُ المراد أنه حدث بكلمة (كن) التكوينية لا بمادة أخرى كغيره من الناس. وَرُوحٌ وجد بنفخ من روح الله وهو جبريل. سْتَنْكِفَ
الاستنكاف: الامتناع عن الشيء أنفة وكبرا. الاستكبار: أن يجعل الإنسان نفسه كبيرة غرورا منه وإعجابا بها.
المناسبة:
بعد أن حاج اليهود وألزمهم كلمة التقوى والطريقة المثلى، أردف ذلك بمحاجة النصارى، وألزمهم جميعا الرأى الوسط في عيسى ابن مريم.
المعنى:
يا أهل الكتاب لا تكونوا مغالين في الدين ومجاوزين الحدود فيه، فلا تكفروا بعيسى وتبهتوا أمه، وتحقروه وتهينوه كما فعلت اليهود، ولا تعظموه وتقدسوه حتى تجعلوه إلها أو ابن الإله كما فعلت النصارى، ولا تقولوا على الله إلا القول الحق الثابت بالنقل المتواتر، الذي يستحيل معه الكذب، أو المؤيد بالحجج الدامغة، أما القول بالحلول واتخاذ الصاحبة والولد فكذب وبهتان وخرافة ووثنية وموسى وعيسى والأنبياء جميعا برآء منها.
إنما المسيح عيسى ابن مريم البتول الطاهرة الصديقة النقية التي أنبتها الله نباتا حسنا، وكفلها زكريا الرجل الصالح والتي برأها القرآن الكريم.
إنما المسيح عيسى رسول الله إلى بنى إسرائيل، أمرهم بالمعروف، ونهاهم عن المنكر، وأمرهم بعبادة الله وحده، ونهاهم عن الكفر به والشرك والتثليث وزهدهم في الدنيا، وحثهم على التقوى، وبشرهم بخاتم النبيين والمرسلين وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ... [سورة الصف آية ٦] .
стр. 461
إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وهو مكون بكلمة (كن) التكوينية إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران ٤٧] نعم كل مولود له سبب ظاهر وهو اتصال الجنسين، وله سبب حقيقى وهو إرادة الله المعبر عنها بكلمة (كن) فلما انتفى مع عيسى السبب الأول بالبرهان ثبت أن عيسى خلق بالسبب الثاني وهو كلمة (كن) أوصلها الله مريم بواسطة جبريل إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ [سورة آل عمران آية ٤٥] .
وهو مؤيد بروح كائنة منه- لا بعضا منه كما فهم المسيحيون، وإلا لكان كل شيء بعضا من الله بدليل قوله: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [الجاثية ١٣] وكونه مؤيدا بروح منه يؤيده قوله: وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة ٨٧ و ٢٥٣] وقيل: المعنى: أن عيسى خلق بنفخ من الله وهو جبريل، ويوضحه قوله تعالى: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا [الأنبياء ٩١] فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
[سورة مريم آية ١٧] .
وقال بعضهم: المعنى: أن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ورحمة منه ويقويه قوله تعالى: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا [سورة مريم آية ٢١] ، وما لنا نعجب من خلق عيسى بلا أب؟ حتى تنكب المسيحيون طريق الحق وانغمسوا في الشرك والتثليث هذا!! فهذا آدم خلق بلا أب وأم إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [سورة آل عمران آية ٥٩] وهذه حواء خلقت من آدم فقط!! وبماذا نرد أصول الحيوانات جميعا!! وكما يقولون: هل البيضة أصل أم الفرخة؟ أيا كان فمن الذي أوجد الأصل الأول من الفرخة أو البيضة؟ هو الله: بلا تناسل وبدون تزاوج معروف.
ومن الغريب أن بعض النصارى يفهمون قوله تعالى: رُوحٌ مِنْهُ أن عيسى ابن الله أو جزء الإله أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والذي أوقع المسيحيين في هذا هو التشابه في التوراة والإنجيل، وما وصل إليهم عن طريق الوثنيين من اليونان والرومان والمصريين القدامى والبراهمة.
стр. 462
فالديانة المسيحية الصحيحة مبنية على أساس التوحيد البريء لله سبحانه ذاتا وصفة وفعلا، ولكن الكنيسة أدخلت هذه الوثنيات والعقائد الزائفة في عقول أبنائها لأمر في نفوس القوم، ولما رأوا القرآن يعارضهم في ذلك كذبوه وأنكروا، وهو الذي برأ مريم من قول اليهود!! ووضع عيسى الموضع اللائق ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [سورة مريم آية ٣٤] وفي أقوال الأحرار من المسيحيين ما يؤيد هذا وهي موجودة في كتاب الشيخ رشيد رضا (تفسير الشيخ محمد عبده) الجزء السادس من تفسير هذه الآية. وفي كتاب (إظهار الحق) .
وإذا كان الأمر كذلك فآمنوا بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد، لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ... وآمنوا برسله جميعا لا فرق بين نبي ونبي، ولا تقولوا الآلهة ثلاثة (الأب والابن وروح القدس) أو الله ثلاثة أقانيم كل منها عين الآخر وكل منها إله كامل ومجموعها إله واحد.
فإن هذا إشراك بالله وترك للتوحيد الذي هو ملة أبيكم إبراهيم وهذا كلام ينافي العقل الراجح والفكر السليم إذ كيف يكون واحدا وثلاثة وكيف يحل الإله في بعض خلقه؟ وكيف يتحدد، وهل طبيعة الإله كطبيعة البشر؟ أظن لا!! بل طبيعة البشر تتنافى مع طبيعة الملك فهذا لا يأكل ولا يشرب، وعيسى وأمه يأكلان ويشربان! وما ميزة عيسى على غيره من الأنبياء؟ أرسل مؤيدا بالمعجزات وكانت كغيرها لم تجر على سنن الطبيعة بل بقدرة الله وقوته كما نص القرآن الكريم، وموسى الكليم، ومحمد كذلك. فكيف تقولون: عيسى إله؟ - انتهوا خيرا لكم، وقولوا قولا حسنا يكن خيرا لكم، وأجدى من هذا العبث والوثنية والعصبية الحمقاء.
إنما الله إله واحد، لا إله إلا هو، سبحانه وتعالى عما يشركون! سبحان أن يكون له ولد فليس المسيح ابنه إذ الولد يقتضى اتصالا جنسيا بالأم، وحاجة إليه، وإلى أمه، حتى يبرز إلى الوجود أفيليق هذا! لا: يا قوم! الله له ما في السموات وما في الأرض، ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً. لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [سورة مريم آية ٩٣- ٩٥] .
стр. 463
لا فرق في ذلك بين الملائكة والنبيين والناس أجمعين! وهل الإله في حاجة للولد؟
ليقيم اسمه، ويحفظ ذكره، ويرثه بعد موته، وهل هو في حاجة إلى الولد ليعينه؟ كلا فالله قوى قادر، مالك الملكوت، حي دائم باق بعد فناء خلقه، صاحب الأمر والتصريف، وكفى بالله وكيلا!؟
وهذا عيسى نفسه يقول في إنجيل يوحنا: (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته) فهذا نص صريح في أن المسيح رسول الله فقط، وفي الإنجيل أيضا: (من يقبلكم يقبلني ومن يقبلني يقبل الله الذي أرسلنى لن يتكبر المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة الذين هم أعظم من المسيح خلقا وقوة، فهم أعلم بذات الله ومكانته) .
ومن يستنكف عن عبادة الله وحده ويتكبر ويدعى الإشراك أو التثليث فسيحشرهم إليه جميعا ويجازيهم على كل ذلك.
فأما المؤمنون بالله وحده والعاملون الصالحات فيوفيهم أجورهم كاملة، ويزيدهم من فضله فهو واسع الفضل كثير الخير.
وأما الذين استنكفوا وتكبروا فهم المعذبون عذابا أليما في الدنيا والآخرة ولا يجدون لهم من دون الله وليّا ولا نصيرا يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
الدعوة العامة [سورة النساء (٤) : الآيات ١٧٤ الى ١٧٥]
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥)
стр. 464
المناسبة:
بعد أن حاج القرآن النصارى فأفحمهم. ومن قبل حاج اليهود فألزمهم، وناقش المنافقين وكشف سترهم، وظهرت نبوءة محمد ﷺ ظهور الشمس في رابعة النهار، نادى الناس جميعا ودعاهم إلى اتباعه.
المعنى:
أيها الناس: قد جاءكم برهان واضح، ونور ساطع، يبين لكم حقيقة الإيمان بالله، وهو رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم، ذلك البرهان هو محمد ﷺ النبي العربي الأمى، الذي نشأ في الجاهلية. لم يجلس إلى معلم، ولم يؤدبه مؤدب، ولم يتعلم في جامعة ولم يتخرج في معهد. ولم يعد إعدادا لتحمل أكبر رسالة في الوجود من إنسان!! كان في شبابه الأمين الصادق، وعند رجولته الكاملة كان الداعية إلى الله بأقوى أسلوب، وأوضح بيان، وقد كان المثل الأعلى في عمله، وعلمه، ورسالته، وسياسته وقيادته، وزعامته، فحقا أدبه ربه فأحسن تأديبه، نعم كان برهانا على صدق رسالته اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [سورة الأنعام آية ١٢٤] .
وأنزل الله إليكم مع هذا البرهان، نورا مبينا هو القرآن الكريم، ظهر في الوجود، بعد ما عميت القلوب، وغشيت الأبصار من الوثنية المشركة، واليهودية الكاذبة، والمسيحية الضالة، ظهر في الكون فأنار الوجود، وأضاء القلوب، وأحيا النفوس.
وأوضح الطريق لعبادة الله حق العبادة، وكان محكم التنزيل، كاملا في السياسة والاقتصاد، والاجتماع والعمران والعلوم الكونية والإلهية والسياسة الحربية للأمم، فحقا هو حبل الله المتين وهو النور المبين وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [سورة الشعراء آية ١٩٢- ١٩٥] .. فمن تأمل هذا البرهان القوى، وذلك النور السماوي، ظهر له أن محمدا ﷺ برهان من الله وحجة على أحقية هذا الدين، وأن كتابه القرآن أنزله الله بعلمه وشهد له بصدقه.
стр. 465
فأما الذين آمنوا به واتبعوا نوره واعتصموا بحبله فسيدخلهم ربهم في رحمته وفضله في الدنيا والآخرة ويهديهم إلى صراطه المستقيم، فمن يعمل بالقرآن وحكمه كانت له العزة في الدنيا والكرامة، وفي الآخرة الجنة والرضوان والسلامة.
حق الإخوة في الميراث [سورة النساء (٤) : آية ١٧٦]
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)
المفردات:
الْكَلالَةِ تقدم تفسيرها. هَلَكَ: مات.
سبب النزول:
روى أحمد والشيخان عن جابر بن عبد الله قال: دخل علىّ رسول الله ﷺ وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ثم صب فعقلت فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ فنزلت آية المواريث
، يريد هذه الآية.
وقال الخطابي: أنزل الله في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول السورة وفيها إجمال، ثم أنزل الأخرى في الصيف وفيها كمال البيان وقيل: إنها من آخر الآيات نزولا.
стр. 466
المعنى:
يطلبون منك الفتيا أيها الرسول فيمن يورث كلالة جابر بن عبد الله الذي ليس له ولد وارث ولا والد، وله إخوة من أب وأم. وإن هؤلاء لم يفرض لهم شيء. وإن الذي تقدم أول السورة في الأخ لأم ونصيبه السدس، فإن زاد فالثلث فقط كنصيب أمه.
إن امرؤ مات، وليس له ولد ولا والد وله أخت لأب أو شقيقة (لأب وأم) فلها نصف ما ترك.
وهو يرثها إن لم يكن لها ولد ذكر أو أنثى على الصحيح.
فإن كان يرث بالأخوة أختين فلهما الثلثان مما ترك أخوهما، وكذا إن كن أكثر من اثنتين كأخوات جابر فقد كن تسعا، وفي رواية: سبعا، فلهن الثلثان والباقي لمن يوجد من العصبة على ما هو مفصل في أبواب الميراث.
وإن كان الإخوة رجالا ونساء فللذكر مثل الأنثيين في حظهما وهو الثلثان.
يبين الله لكم هذه الأحكام لتعرفوها وتعملوها بها فلا تضلوا أبدا، والله بكل شيء عليم، فعليكم التمسك بهذه الأحكام إذ هي مصدر الخير والبركة لكم..
стр. 467
سورة المائدة
مدنية إلا قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (الآية) ، فقد روى في الصحيحين عن عمر أن هذه الآية نزلت عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع، وآياتها مائة وعشرون آية.
وهي كسورة النساء كلاهما مشتمل على عدة عهود وأحكام، وفيهما ذكر لأهل الكتاب والمنافقين، وقد مهدت سورة النساء لتحريم الخمر ثم جاء تحريمها قاطعا في المائدة،
وروى عن النبي ﷺ أنه قرأ سورة المائدة في حجة الوداع وقال: «يا أيها الناس إن سورة المائدة آخر ما نزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها» .
الوفاء بالعهود [سورة المائدة (٥) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)
стр. 468
المفردات:
أَوْفُوا الوفاء: الإتيان بالشيء وافيا كاملا لا نقص فيه. بِالْعُقُودِ: بالعهود المؤكدة الموثقة، وهي تشمل عقود الشرع فيما أحل وحرم وفرض، وعقود الناس بعضهم مع بعض في البيع والشراء والمناكحة وغير ذلك. بَهِيمَةُ: وهي ما لا عقل لها، سميت بذلك لإبهام أمرها من جهة نقص نطقها وفهمها وعدم تمييزها وعقلها، وخصها العرف بذوات الأربع من حيوان البر والبحر. الْأَنْعامِ: هي الإبل، والبقر، الشامل للعراب الجواميس، والضأن الشامل للخراف والمعز، وألحق بها الظباء وبقر الوحش وحمره. شَعائِرَ: جمع شعيرة، مأخوذ من الشعور والإعلام، والمراد معالم دينه، وخصت بمناسك الحج. الْهَدْيَ: ما يهدى إلى الحرم ويذبح فيه للفقراء. الْقَلائِدَ: جمع قلادة، وهو ما يعلق في العنق. آمِّينَ:
قاصدين. لا يَجْرِمَنَّكُمْ: لا يحملنكم ولا يكسبنكم. شَنَآنُ: بغضهم بغضا شديدا. الْبِرِّ: ما اطمأن إليه القلب. الْإِثْمِ: كل ذنب ومعصية، وهو ما حاك في الصدر وخفت أن يطلع عليه الغير.
المعنى:
هذا بيان للناس من الله ورسوله، فيا من اتصفتم بالإيمان وتطهرت قلوبكم من دنس الشيطان أوفوا بالعقود التي عقدتموها بينكم وبين الله أو بينكم وبين أنفسكم، أو بينكم وبين الناس. ومن كل ما أمر به الشرع ونهى، أو تعاقدتم عليها كالبيع والشراء والنكاح ... إلخ،
فالنبي ﷺ يقول: «المسلمون عند شروطهم»
وقال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل»
وقال: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»
فإذا يجب الوفاء بالعقود والعهود، بشرط أن توافق الشرع الشريف.
ولقد أخذ القرآن الكريم يفصل تلك العهود المأخوذة علينا من قبله، مع أن فيها بيانا لنعمه التي تحملنا على الوفاء بالعهود.
أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إلا ما يتلى عليكم من المحرمات العشر الآتية، والأنعام
стр. 469
لا تشمل ذوات الحافر من الخيل والبغال والحمير، وكذلك السباع وكل ما له ناب يعتمد عليه في الاعتداء على غيره.
حالة كونكم غير محلى الصيد في الإحرام، فالذي يجلس في الحرم ولو لم يحرم أو من أحرم بالحج والعمرة ولو لم يكن في الحرم. يحرم عليه الاصطياد والأكل منه.
إن الله يحكم بما يريده من الخير لكم أيها المؤمنون، فانظروا مواقع أحكامه تجدوها عين الخير والصواب.
وانظر- رعاك الله ووفقك- تجد الآية اشتملت على أمر بالوفاء بالعهد ونهى عن نقض الوعد، وإحلال الأنعام، واستثناء بعد استثناء، وإخبارا عن قدرته وحكمته، كل ذلك في سطرين، وتبارك الله أحسن الخالقين.
يا أيها الذين آمنوا: لا تحلوا شعائر الله ولا تتهاونوا في معالم الدين مطلقا خصوصا مناسك الحج ومشاعره، على معنى: لا تتعدوا حدود الله، ومكنوا المسلمين جميعا من أداء مناسك الحج.
ولا تتهاونوا في حرمة الشهر الحرام وهو جنس يشمل الأربعة الحرم (ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب) تلك الأشهر الحرم لا تقاتلوا فيها المشركين كما روى عن ابن عباس وقتادة، ولا تبدلوها بغيرها ولا تعترضوا الهدى الذي أهدى للحرم بالأخذ أو التعرض له حتى لا يصل إلى الكعبة، ولا ذوات القلائد من الأنعام، وخصت بالذكر مع اندراجها في الهدى تشريفا لها واعتناء، وقيل: المراد أصحاب القلائد من الكفار، ولا تعترضوا الآمّين البيت الحرام والقاصدين له، فالمعنى: أن الله يوجب على المسلمين أن يكون زمان الحج ومكانه وقت أمان واطمئنان، لا خوف ولا قلق للحاج حتى يكون آمنا على نفسه وماله فالحجاج يبتغون فضلا من الله ورضوانا، ومن كان كذلك وجبت المحافظة عليه.
وإذا تحللتم وخرجتم من الإحرام وأنتم في غير أرض الحرم فاصطادوا كما تشاءون، فإن المحّرم الصيد وأنتم محرمون أو أنتم في أرض الحرم وإن لم تكونوا محرمين، فإذا تحللتم من هذين فلا إثم عليكم في الصيد وأكله.
стр. 470
ولا يحملنكم بغض قوم لأنهم صدوكم عن المسجد الحرام عام الحديبية، لا يحملنكم هذا على الاعتداء عليهم بغير حق، فالعفو والصفح خير.
وتعاونوا على البر وهو ما تطمئن إليه القلوب وتسكن من كل خير وطلب الشرع الشريف على سبيل الأمر والنهى، ولا تتعاونوا على الإثم وهو ما حاك في الصدر وخفت أن يطلع عليه غيرك من كل ذنب ومعصية لله، ولا تتعاونوا على العدوان على حق الغير، وهذا من جوامع الكلم الشامل لكل معروف ومنكر وكل خير وشر.
فالقرآن يأمرنا بالتعاون على كل ما ينفع الأمة في دينها ودنياها، ولا شك أن هذا مبدأ اجتماعي خير، فالأمم وقد تكاثرت أفرادها وتشعبت اتجاهاتها، وتعددت مصالحها، أصبح لا يؤثر فيها مجهود الفرد مهما كان قويا، بل لا بد من تعاون غيره وتسانده معه، ومن ثم كانت الجمعيات الدينية والتكتل للخير، من أقوى دعائم النجاح والفلاح في هذا العصر.
وقد كان المسلمون في العصر الأول يتعاونون على البر والتقوى بدون حاجة إلى تكتل وارتباط لأن الكل مرتبط بعهد الله وميثاقه، أما نحن اليوم ففي أشد الحاجة إلى توحيد الاتجاهات حتى تأتى الدعوة إلى الله بثمرها الطيب، واتقوا الله أيها الناس إن الله شديد العقاب فاحذروه. وإياكم ومخالفة أمره.
المحرمات من المطعومات [سورة المائدة (٥) : آية ٣]
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)
стр. 471
المعنى:
إن الله تعالى أحل لنا أكل بهيمة الأنعام وسائر الطيبات من الحيوان الذي يعيش في البر والبحر والجو يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ.
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ وإنما حرم علينا أربعة أنواع بالإجمال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [سورة النحل آية ١١٥] .
وفي هذه الآية ذكر المحرم وهو عشرة:
الميتة: وهي ما ماتت وحدها بدون فعل فاعل، وفي الشرع: هي التي لم تذكّ ذكاة شرعية، وقد حرمت لما فيها من الضرر إذ الغالب أنها ماتت من مرض، وبقي فيها مكروبه وجراثيمه التي تعيش في الدم بعد الوفاة، أما إذا ذكيت فإن الدم الذي يحمل الجراثيم أو أغلبه ينزل منها، على أنها مما تعافها النفوس الطيبة وتأنف من أكلها الطباع السليمة.
الدم: والمراد به المسفوح لا المتجمد كالكبد والطحال، إذ هو مباءة للجراثيم الفتاكة، على أنه مستقذر عند الطبع السليم، مما يعسر هضمه وهو من فضلات الجسم الضار، كالبراز، فدل ذلك على أنه لا يحل أكله أبدا.
ولحم الخنزير: وهو ثالثة الأثافى، والمراد لحمه وعظمه ودهنه، وهو حيوان قذر لا يأكل إلا القاذورات والمواد العفنة، وقد أثبت الطب الحديث أن أكله يولد الدودة الشريطية، والدودة الوحيدة، والحلزونية، على أنه عسير الهضم، ضار بالمعدة ضررا بالغا، ولولا ما يستعين به بعض الغربيين من الأدوية ما أكلوه، على أن أكثر الدول حرمت ذبحه، وهل تقبل النفوس الطيبة على أكل حيوان كهذا؟ والإسلام حينما حرم
стр. 472
الكلب والخنزير لم يكن متعديا ولا متجنيا، بل لما فيهما من الضرر والخطورة، وإنما ينظر الشرع للجماهير والشعب لا لبعض أفراد يعنون بكلابهم مثلا فلا يطعمونهم إلا شهى اللحم!!! ما أهل لغير الله به: والإهلال رفع الصوت، وقد كانوا يرفعون صوتهم عند الذبح في الجاهلية بقولهم: باسم اللات والعزى ... إلخ. فما ذبح وقد ذكر عليه اسم غير الله كان حراما أكله، إذ أكله مشاركة لأهله في عبادة غير الله، وهذا مما يجب إنكاره لا المشاركة فيه.
المنخنقة: هي ما ماتت خنقا بأى شكل كان، وهي نوع من الميتة التي لم تذك ذكاة شرعية، وإنما خصها القرآن بالذكر مع اندراجها في الميتة لئلا يظن أنها ماتت حتف أنفها بل بفعل فاعل فتحل، ولكن الشرع شرط الذكاة ليتأكد الإنسان مما يأكل ويثق من أن ما يتغذى به سليما من هذا الدم الفاسد الذي يراق بالذبح.
الموقوذة: هي التي ماتت بعصا أو بحجر بلا ذكاة شرعية وكانوا يأكلونها في الجاهلية، والوقذ يحرم في الإسلام لأنه تعذيب للحيوان شديد، وليست معه ذكاة ومن هنا حرمت.
ويدخل في الموقوذة ما رمى بعصا أو حجر ليس له حد، وما رمى بالبندق «وهو كرة من الطين تجفف ويرمى بها بعد يبسها» وكذا الحصاة فإن هذا كله لا يفقأ عينا ولا ينكى عدوا ولا يحرز صيدا وليس سببا للقتل غالبا أما الرصاص المستعمل الآن في سلاح الصيد فجائز شرعا على الصحيح.
المتردية: هي ما سقطت من مكان عال كجبال، أو هوت في بئر بسبب ذلك هي كالميتة لا يحل أكلها بدون تذكية، ويجوز عقرها في أى مكان للضرورة فتحل.
النطيحة: وهي ما نطحتها بهيمة أخرى فماتت، وهي حرام كالميتة.
ما أكل السبع: وهي ما قتلت بافتراس حيوان كالسبع والذئب والنمر مثلا، والمراد ما بقي منها بعد السبع لا ما أكلت كلها، وكانوا في الجاهلية يأكلون ما بقي من السباع والوحوش.
стр. 473
إلا ما ذكيتم: أى: إلا ما أدركتموه حيا مما سبق فذكيتموه من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وما أكل السبع جزءا منه، وما أهل لغير الله به. فإذا كانت فيه حياة ولو بسيطة بأن يطرف عينا أو يضرب برجل أو يد ثم ذكيتموه ذكاة شرعية صار حلالا، وإلا فلا.
أما الميتة والدم ولحم الخنزير فلا تحل أصلا ذكيت أم لا.
ما ذبح على النصب: وهو آخر المحرمات العشر، والنصب: حجارة حول الكعبة، قيل: كان عددها ثلاثمائة وستون حجرا، وكان أهل الجاهلية يذبحون عليها تقربا للأصنام، وهو نوع مما ذكر عليه اسم غير الله فحرم أكله لهذا.
وقد أضاف القرآن الكريم إلى محرمات الطعام التي كان الجاهليون يستحلونها خرافة أخرى كانوا يعملونها وهي:
الاستقسام بالأزلام: أى معرفة ما قسم له بواسطة الأزلام وكانت ثلاثة أنواع في الجاهلية، نوع كان مع الشخص وعدده ثلاثة مكتوب على واحد (افعل) والثاني (لا تفعل) والثالث غفل.
النوع الثاني سبعة قداح، واحدها قدح، وكانت عند هبل في جوف الكعبة، مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل.
النوع الثالث قداح الميسر، وعددها عشرة، سبعة منها فيها حظوظ وثلاثة غفل ...
إلخ، ما هو معروف.
أى: حرم عليكم معرفة ما قسم لكم بالأزلام، والحكمة في هذا أنه من الخرافات والأوهام التي تعوق نشاط الفرد والأمة ومدعاة للكسل والسير على غير بصيرة وهدى، على أنها تجعل الناس ألعوبة في يد الكهان، والإسلام برىء من هذا كله.
وفي هذه الأيام شاعت معرفة الحظ والاستقسام بأوراق (الكوتشينة) و (الودع) و (الفنجان) وهذا كله منكر شرعا لا يليق بعقل المسلم.
على أن معرفة الحظ والنصيب بواسطة المسبحة أو المصحف شيء لا يعرفه الشرع ولا القرآن.
стр. 474
والاستخارة الواردة شرعا: أن يصلى الإنسان ركعتين نفلا للاستخارة ثم يدعو الله بدعاء يشرح به صدره لما يريده إن كان خيرا له في دينه ودنياه، وللنبي ﷺ دعاء في الاستخارة موجود في كتب الحديث.
كل المحرمات التي ذكرت لكم فسق وخروج عن الدين والمألوف من الحكمة والعقل.
اليوم وهو يوم عرفة في حجة الوداع يئس الكفار من التغلب على دينكم ويئس الشيطان من أن يعبد غير الله في أرضكم، وعلى ذلك فلا تخشوا أحدا إلا الله، ولا يهمنكم أمر الكافرين فقد عصمكم الله منهم، واخشوا الله واتقوه ولا تخالفوه في شيء أبدا.
اليوم أكملت لكم دينكم بإحلال الحلال وتحريم الحرام حتى صار كل شيء بينا واضحا لا لبس فيه ولا غموض، وكفيتكم أمر عدوكم وجعلت اليد العليا لكم، وأتممت عليكم نعمتي فلم يحج معكم مشرك أبدا، وقد تحقق الوعد، وفتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وجاءكم النصر ورضيت لكم الإسلام دينا، واخترته لكم وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ «١» .
كل ما ذكر من المحرمات العشر حرام على المسلمين جميعا إلا المضطر الذي حمل قهرا على تناول ما يضره كأن يكون في مخمصة تخمص لها البطون، أى: تضمر، فمن اضطر إلى أكل شيء مما ذكر من المحرمات بشرط أن يكون غير مائل إليه لذاته ولا جائر فيه ولا متجاوز قدر الضرورة، فإن الله غفور له ولمثله رحيم بخلقه.
стр. 475
الحلال من المطعومات [سورة المائدة (٥) : الآيات ٤ الى ٥]
يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)
المفردات:
الطَّيِّباتُ: جمع طيب، وهو ضد الخبيث. الْجَوارِحِ: جمع جارحة، وهي الصائدة من الكلاب والفهود والطيور. مُكَلِّبِينَ: من التكليب وهو: تعليم الكلاب ثم استعمل في تعليم الجوارح مطلقا. وَالْمُحْصَناتُ قيل: هن الحرائر، وقيل: العفيفات عن الزنا. مُسافِحِينَ: مجاهرين بالزنا. مُتَّخِذِي أَخْدانٍ:
مسرين بالزنا، والخدن: الصديق. حَبِطَ عَمَلُهُ: بطل ثواب عمله.
سبب النزول:
روى أن عدى بن حاتم وزيد بن مهلهل الطائيين سألا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله قد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا؟ فنزلت
،
وروى أن عدى بن حاتم الطائي أتى رسول الله ﷺ فسأله عن صيد الكلاب فلم يدر ما يقول حتى أنزل الله هذه الآية.
стр. 476
المعنى:
الله- سخر لنا ما في السموات والأرض لننتفع به في وجوه النفع من الأكل والشرب واللباس والزينة ... إلخ. ولذا كان الأصل في الأشياء الحل إلا أن هناك نفوسا حرمت الطيب وأحلت المحرم وخاصة في المطعومات فبين الله لنا ما حرم وما أحل لا سيما بعد سؤال الناس عن هذا.
يسألك المؤمنون أيها الرسول: ماذا أحل لهم من الطعام واللحوم؟ قل: أحل لكم الطيبات، أى: غير الخبيثات، وصيد ما علمتم من الجوارح المعلمة، وما هي الطيبات؟ هي: كل ما لم يرد نص بتحريمه واستطابته النفوس الطيبة المعتدلة المزاج، والمتوسطة في المعيشة.
فقد ورد نص بتحريم المحرمات العشر الماضية في القرآن، وورد عن ابن عباس (نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير) والسبع عند الشافعى ما يعدو على الناس والحيوان، وعند أبى حنيفة كل ما أكل اللحم ويمكن أن يقال: ما لم يرد فيه نص قسمان: حلال طيب، وحرام خبيث. وهل العبرة في التميز ذوق أصحاب الطباع السليمة من العرب أو يعمل كل أناس وجماعة بحسب أذواقهم؟
قولان.
وقد ثبت أن النبي ﷺ عاف أكل الضب وأجاز أكله لمن سأله كما في حديث خالد ابن الوليد في الصحيحين وغيرهما.
هذا في صيد البر وحيوانه، أما حيوان البحر فكله حلال أكل العشب أو أكل اللحم، أما ما يعيش في البر والبحر كالضفدع والتمساح فلا يحل أكله، وكذا الثعبان والسلحفاة للاستخباث والسم الذي في الثعبان.
أما صيد الجوارح فقد اشترط أن تكون الجارحة معلمة ومرسلة من الصائد حتى يكون قتل الجارح للصيد ذكاة شرعية. وإن أتى به حيا ذكاه صاحبه، وضابط التعليم أن تكون الجارحة إذا أغراها صاحبها بالصيد ذهبت إليه، وإذا كفها انكفت وتمسك عليه الصيد فلا تأكل منه شيئا.
стр. 477
فإن أكلت منه فالجمهور على أنه لا يحل لأنه مثل فريسة السبع المحرمة سابقا، وذلك
لحديث عدى بن حاتم: أن النبي ﷺ قال: «إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل، فإنى أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه»
وفي رواية أخرى: «وإذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن أدركته قد قتله ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاة» .
وبعضهم يرى حل ما بقي من الكلب لظاهر الآية
ولحديث أبى ثعلبة الخشني: «فكل وإن أكل منه»
وبعضهم لا يأكل بقية الكلب ويأكل بقية الطائر.
وفي رواية: سئل رسول الله ﷺ عن صيد القوس فقال: «ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل»
وفي رواية أخرى: ذكى أو لم يذك
(ذبح أو لم يذبح) وصيد البندقية كالقوس، وبعضهم يشترط في حله الذبح إن أدرك حيا. وما علمتم من الجوارح مكلبين، تعلمونهن مما علمكم الله من أنواع الحيل والتأديب فكلوا مما أمسكن عليكم، واذكروا اسم الله عليه، أى: عند إرسال الكلب، وقيل: عند الأكل، وعلى ذلك فهل التسمية في الآية سنة إن نسيها الشخص فلا حرج؟ روى ذلك عن ابن عباس، وبعضهم يرى أنها واجبة.
واتقوا الله في هذه الحدود، وقفوا عندها: إن الله سريع الحساب، لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض.
روى أنه يحاسب الناس جميعا في مقدار نصف يوم.
أحل لكم الطيبات على سبيل التفضيل، وذبائح الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى حلال لكم دون ذبائح المشركين عبدة الأصنام والأوثان، والتسمية عند الذبح قيل:
لا بد منها، والأرجح إن ذكر اسم غير الله فلا تأكل من المذبوح، هذا إن سمعته، فإن لم تسمعه يذكر شيئا فكل وهو حلال.
وطعامكم أيها المؤمنون حل لهم، فلا جناح عليكم أن تطعموهم أو تبيعوهم شيئا.
والمحصنات، أى: الحرائر العفيفات من المؤمنات، والذين أوتوا الكتاب من قبلكم حلال لكم، بشرط أن تؤتوهن مهورهن بقصد الإحصان والإعفاف، لا سفح الماء على طريق الزنا العلنى، ولا عن طريق الزنا السرى وهو اتخاذ الأخدان.
стр. 478
ومن يكفر بالإيمان وفروعه وأصوله، وأحكامه وقوانينه، فقد حبط عمله وبطل أجره وهو في الآخرة من الخاسرين.
وعلى العموم: للصيد والذبائح باب واسع في كتب الفقه والحديث يحسن الرجوع إليه لمن أراد المزيد.
الوضوء والغسل والتيمم [سورة المائدة (٥) : الآيات ٦ الى ٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)
المفردات:
وُجُوهَكُمْ: جمع وجه، وهو ما تقع به المواجهة، وحدّه طولا ما بين منبت
стр. 479
شعر الرأس إلى منتهى اللحيين، وعرضا ما بين الأذنين. الْمَرافِقِ: جمع مرفق، وهو أعلى الذراع وأسفل العضد. الْكَعْبَيْنِ: العظمين الناتئين عند اتصال الساق بالقدم من الجانبيين. جُنُباً أى: أصابتكم جنابة بمجامعة النساء، أو إنزال المنى.
بِذاتِ الصُّدُورِ: بصاحبة الصدور، والمراد بها: السر الذي لم يبارح الصدور.
المناسبة:
بعد أن بين الله- عهوده الخاصة بالحلال والحرام في الطعام والنكاح، أخذ يبين ما يقتضيه هذا من الشكر لله والصلاة، ومفتاحها الوضوء والغسل والتيمم، وختم الآية ببيان الحكمة في الطهارة وتذكيرنا بالعهود والمواثيق التي التزمناها،
روى عن النبي ﷺ : «مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور» .
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا: إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون وهذا التقيد بالحدث أتى من السنة الشريفة، فعليكم بالوضوء، فالوضوء واجب عند كل صلاة على المحدث حدثنا أصغر، وإنما يستحب على غير المحدث عند كل صلاة.
فقد روى عن النبي ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»
وروى البخاري عن عمر ابن عامر الأنصارى: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف تصنعون؟ قال: كنا نصلى الصلوات بوضوء واحد ولم نحدث» .
فرائض الوضوء:
إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم، واغسلوا أيديكم إلى المرافق، فالمرافق تغسل من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وامسحوا برءوسكم، امسحوا ولو شعرة واحدة عند الشافعى- رضى الله عنه- وربع الرأس عند الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان، وعلى كل الرأس عند مالك للاحتياط وقد فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم
стр. 480
هذا كله، والآية تحتمل كل هذا. إذ الباء في قوله تعالى: بِرُؤُسِكُمْ هل هي للإلصاق أو للتبعيض أو زائدة صلة؟؟ ولا تنس أن خلافهم رحمة، ومن هنا كانت دراسة الأزهر للغة دراسة حرفية أمرا واجبا حتى يتسنى استخلاص الأحكام أو فهمها فهما صحيحا! وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ أى: واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، وهما داخلان كالمرفقين. ومن فرائض الوضوء النية عند الشافعى، واستدل بقوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ
وبحديث «إنما الأعمال بالنيات»
والترتيب كذلك
لقوله ﷺ : «أبدأ بما بدأ الله به»
وتوسط مسح الرأس بين غسل اليدين والرجلين يدل على الترتيب، وعلى ذلك فتكون فروض الوضوء: النية، وغسل الوجه، وغسل اليدين، ومسح بعض الرأس، وغسل الرجلين، والترتيب، وله سنن كثيرة مذكورة في كتب الفقه.
روى الترمذي وغيره عن بعض الصحابة قال: رأيت عليا توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما، ثم مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، وذراعه ثلاثا، ومسح رأسه مرة ثم غسل قدميه إلى الكعبين ثم قال: «أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله ﷺ » أى: وضوءه.
وفي هذا الحديث فروض الوضوء وبعض السنن، وصح أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وأما التثليث فهو السنة التي جرى عليها العمل في الكثير.
نواقض الوضوء:
ما خرج من السبيلين، النوم على غير هيئة المتمكن، وتلاقى بشرتي ذكر وأنثى، وعند الأحناف: اللمس لا ينقض مطلقا، وقيل: بالشهوة ينقض فقط، وعند الإمام مالك: اللمس ينقض إذا كان بشهوة مقصودة أو وجدها بدون قصد، فإن لم يقصد اللذة ولم يجدها، فلا ينتقض وضوؤه، ومس فرج الآدمي بباطن الكف، وخالف بعضهم في هذا، وليست نواقض الوضوء في الآية ولكن تعميما للفائدة ذكرت، وعلى العموم فللوضوء أحكام كثيرة في كتب الفقه.
стр. 481
الغسل:
هو تعميم البدن بالماء الطاهر، وله أسباب منها: الجنابة وتكون بإيلاج الحشفة أو قدرها من الذكر في فرج، أو بنزول المنى، وكذا الولادة، وكذا الحيض والنفاس، فمن كان جنبا أو عنده سبب من أسباب الغسل المتقدمة وأراد الصلاة فعليه الغسل مع النية وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا.
التيمم:
هو ضربتان للوجه واليدين بنية من تراب طاهر له غبار، وقيل: لا يشترط، وله أسباب: وهي تعذر استعمال الماء لمرض أو سفر أو أحدث الشخص حدثا أصغر أو حدثا أكبر (كما تقدم في الغسل) وطلب الماء فلم يجده أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ جامعتم فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً.
حكمة مشروعية الوضوء والغسل:
غسل البدن كله أو أطرافه مما يبعث النشاط والهمة فيقف العبد بين يدي ربه نشيطا حاضر القلب صافى الروح، وعند حصول سبب من أسباب الغسل كالجنابة أو الجماع مثلا وهو ما يسمى بالحدث الأكبر يعترى الجسم استرخاء وفتور يزولان بالغسل، على أن النظافة من الإيمان (وهي أمر لازم للمسلم من حيث كونه مسلما. ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج حيث أوجب الغسل والوضوء للصلاة وعند فقد الماء أوجب التيمم، ولكن يريد ليطهركم ماديا من الدنس والرجس، ومعنويا من الكسل والفتور ويبعث النفس صافية مشرقة لتناجى ربها، وليتم نعمته برسمه طريق العبادة لكم، بهذا تقومون بالشكر الواجب عليكم.
واذكروا نعمة الله عليكم الذي وفقكم للإسلام وهداكم للقرآن، واذكروا ميثاقه الذي أخذه عليكم وأنتم في عالم الذرة، وحين الإيمان بالرسول والشهادة لله (إذ قلتم بلسان الحال: سمعنا وأطعنا) .
واتقوا الله في كل شيء ولا تنقضوا الميثاق إن الله عليم بذات الصدور.
стр. 482
إتقان العمل والشهادة بالقسط مع التذكير بنعم الله [سورة المائدة (٥) : الآيات ٨ الى ١١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)
المفردات:
قَوَّامِينَ: جمع قوّام، وهو المبالغ في القيام بالشيء والإتيان به مقوما تاما كاملا. بِالْقِسْطِ: بالعدل. يَجْرِمَنَّكُمْ: يحملنكم ويكسبنكم. خَبِيرٌ الخبرة: العلم الدقيق الذي يؤيده الاختبار. يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ يقال: بسط إليه لسانه: إذا شتمه، وبسط إليه يده: إذا بطش به.
стр. 483
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا: كونوا من أصحاب النفوس الطيبة والأرواح العالية الذين يتقنون أعمالهم، ويخلصون فيها إخلاصا لله ولرسوله، سواء منها الأعمال الدينية والدنيوية، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، والإتقان والإخلاص أساس النجاح، وأما الشهادة بالقسط وتحرى العدل فهي الدعامة الأولى لسعادة الأمم، وبناء المجتمع وانتشار الطمأنينة، وانصراف كل إلى عمله.
وأنت إذا لم تحاب أحدا في شهادتك، وقمت بها عادلا. لم تراع قرابة ولا صداقة ولم تخش في قول الحق لومة لائم، ولم تحملك عداوة قوم لك ولا بغضهم على الجور وعدم العدل، كنت من القوامين لله والشهداء بالقسط ولو على أنفسهم.
فالعدل العدل!!! فهو أقرب طريق إلى التقوى، والخلوص من المهالك والمعاصي، واحذروا عقاب الله فإنه بكم خبير وبعملكم بصير، وسيجازيكم عليه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
فهذه الآية الكريمة والآية التي تقدمت في سورة النساء كلاهما يعالج داء خطيرا من أكبر الكبائر وهو كتمان الشهادة، وشهادة الزور، والله قد وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات مغفرة وأجرا عظيما لا يقدر قدره ولا يعرف كنهه إلا هو .
وأما الذين كفروا، وكذبوا بآيات الله الكونية، وآياته المنزلة على رسله مع العلم بأن من يؤمن بالبعض ويكفر بالبعض فقد كفر بالكل، فهؤلاء أصحاب النار الملازمون لها، وهي بئس المأوى وبئس المصير.
يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعم الله عليكم التي لا تحصى، ومن نعمه السابغة أن دفع عنكم كيد أعدائكم ورده في نحورهم، على كثرتهم وقوتهم، وضعفكم وقلتكم، وقد هموا وعزموا بل وأنفقوا جهدهم أن يمدوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ولكن الله مؤيد رسله وناصر دينه ومتمّ نوره ولو كره الكافرون، ولقد صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده!!! وقد روى في أسباب النزول لهذه الآية روايات كثيرة كلها تدور حول رجل هم بقتل
стр. 484
النبي ﷺ ثم حفظه الله منه مع أنه مسلح. وكان النبي أعزل، ولقد منّ الله على المؤمنين عامة بحفظ النبي- ﵊ والصحابة من أعدائهم ولا شك أن ذلك حفظ للدين، وذكرهم بهذا ليقتفى المؤمنون آثار من تقدمهم والله ناصرهم ما نصروه، وحافظهم من أعدائهم إن كانوا قوامين لله شهداء بالقسط عدولا.
واتقوا الله أيها الناس وعلى الله وحده فليتوكل المؤمنون، لا على قوتهم وبأسهم، ولا يغرنهم الذين كفروا مهما كثروا وتفننوا في أساليب الخراب والدمار، فالله معهم وناصرهم ما داموا مؤمنين.
كيف نقض اليهود والنصارى المواثيق؟ [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٢ الى ١٤]
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)
стр. 485
المفردات:
نَقِيباً نقيب القوم: كبيرهم الذي يعنى بهم وبمصالحهم ويعرف دخائلهم وهو الضامن لهم. وَعَزَّرْتُمُوهُمْ: نصرتموهم ومنعتموهم من الأعداء. لَعَنَّاهُمْ:
طردناهم من رحمتنا. قاسِيَةً: شديدة مغلقة لا تقبل خيرا. خائِنَةٍ أى:
خيانة، أو نفس خائنة. فَأَغْرَيْنا: ألزمهم وألصقنا بهم.
المناسبة:
بعد أن أمرنا بالوفاء بالعهود وذكرنا بموجب هذا الوفاء من إحلال الحلال وتحريم الحرام، وتبصيرنا بالاستعداد للصلاة وإقامة الشهادة بالعدل، وقد ذكرنا بنعمه والمواثيق التي أخذها علينا. بعد هذا كله أخذ يعرض لنا حال أهل الكتاب وقد نقضوا الميثاق.
وكيف كان جزاؤهم في الدنيا والآخرة، لعل المسلمين يتعظون بمن سبقهم من الأمم.
روى أنه لما نجا بنو إسرائيل من فرعون وصحبه، أمرهم الله بالسير إلى بيت المقدس وكان يسكنها الكنعانيون الجبابرة، وقال لهم: إنى جعلتها لكم وطنا، فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها، وإنى ناصركم، وأمر نبيه موسى- ﵇ أن يأخذ من كل سبط نقيبا يكون كفيلا بتنفيذ ما أمروا به، فاختار النقباء، وأخذ الميثاق على بنى إسرائيل وتكفل النقباء بما طلب وسار بهم فلما دنا من بيت المقدس بعث النقباء يتحسسون الأخبار، فرأوا أجساما قوية، وشوكة وقوة، فهابوهم ورجعوا وحدثوا
стр. 486
قومهم بما رأوا. وكان موسى قد أمرهم ألا يخبروا أحدا بما يرون فنقضوا العهد إلا نقيبين منهم
وهما اللذان قال فيهم القرآن: قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ وسيأتي خبرهما بعد في الآية ٢٣.
المعنى:
ولقد أخذ الله العهود والمواثيق على بنى إسرائيل بواسطة نبيهم موسى ليعملن بالتوراة وليقبلنها بجد ونشاط خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [سورة البقرة الآيات ٦٣ و ٩٣] ولا يزال هذا العهد موجودا في التوراة، وأمرناه أن يختار اثنى عشر نقيبا منهم، يتولون أمور الأسباط، ويقومون على رعايتهم، وبعثناهم يتحسّسون العدو ليقاتلوه، وقال الله على لسان موسى: إنى معكم وناصركم على عدوكم ومطلع عليكم ومجازيكم على أعمالكم.
ثم أعطاهم العهد الموثق: لئن أقمتم الصلاة وأديتموها تامة كاملة الأركان مستوفية الشروط، وأنفقتم بعض المال الذي به تزكو نفوسكم وتطهر. وآمنتم برسلي التي سترسل لكم بعد موسى- ﵇ كداود وسليمان ويحيى وزكريا وعيسى ومحمد- عليهم الصلاة والسلام- ونصرتموهم، ومنعتموهم من الأعداء، ووقفتم إلى جانبهم في السراء والضراء، وأقرضتم الله قرضا حسنا طيبة به نفوسكم، مع أنكم تقرضون ربّا له خزائن السموات والأرض قادرا كريما، يضاعف الحسنة إلى عشرة أمثالها بل إلى سبعمائة.
تالله إنكم إن فعلتم هذا (إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالرسل ونصرتهم والقرض الحسن) لأكفرن عنكم سيئاتكم، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وأنتم بذلك تستحقون الرضوان ودخول الجنات التي تجرى من تحتها الأنهار، ومن يكفر بعد ذلك منكم، وينقض الميثاق فقد ضل السبيل الواضح وأخطأ الطريق المستقيم الذي رسمه الله لعباده الأبرار.
وهؤلاء اليهود- كما وصفهم القرآن غير مرة- دأبهم العناد، وديدنهم الكفر والعصيان، وجزاؤهم الطرد والحرمان، فبنقضهم الميثاق، وكفرهم بالله ورسله وعدم نصرتهم لهم وعدم تعظيمهم وتوقيرهم، استحقوا المقت والغضب واللعن والطرد من
стр. 487
رحمة الله، وكان نقضهم الميثاق مفسدا لفطرتهم مدنسا لنفوسهم، فإن الذنب الذي يرتكبه الإنسان يترك نكتة سوداء في القلب. فإذا كثرت المعاصي اسود القلب وأصبح في أكنة، لا يصل إليه النور والهدى خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ «١» ولذلك رأيناهم يقتلون الأنبياء بغير حق، ويفترون على مريم البتول وابنها عيسى الذي أرسل لهم يهديهم سواء السبيل، بل حاولوا قتله وافتخروا بذلك وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ «٢» فبسبب هذا بعدوا عن رحمة الله وطردوا منها شر طردة وأصبحت قلوبهم قاسية كالحجارة أو أشد قساوة، وصاروا يحرفون الكلم عن مواضعه فيقدمون ويؤخرون، ويحذفون منه، ويغيرون معناه ويبدلون، ليّا بألسنتهم وطعنا في الدين، وقد نسوا حظا من التوراة كبيرا.
ذلك أن موسى- ﵇ توفى والتوراة التي كتبها وأمر بحفظها نسخة واحدة قد فقدت باتفاق المؤرخين من اليهود والنصارى عند سبى البابليين لهم وإغارتهم عليهم، ولم يكن عندهم غيرها وما كانوا حفظوها كلها، نعم هناك أسفار خمسة تنسب إلى موسى- ﵇ فيها أخبار عن موته وحياته وأنه لم يقم أحد بعده مثله، كتبت بعد موته بزمن طويل، قيل: كتبها عزرا الكاهن معتمدا على ما بقي عند شيوخهم الذين بقوا بعد الأسر والقتل.
أفلا تراهم نسوا حظا كبيرا، وكما يقول القرآن في موضع آخر: أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ «٣» ومن العلماء من يرى أن معنى الآية أنهم تركوا أحكاما كثيرة من التوراة.
والله أعلم بكتابه.
ألا ترى أن هذا من أعظم المعجزات على صدق الرسول محمد ﷺ حيث أخبرهم بدخائل نفوسهم!! وأما أنت يا محمد فلا تأس عليهم، ولا تعجب من عنادهم فها هم قديما قد فعلوا كل شيء، ولا تزال تطلع منهم على خيانة تصدر منهم على سبيل المبالغة، إلا قليلا منهم ممن آمن وحسن إيمانه.
وإذا كان الأمر كذلك فاعف عنهم واصفح إذا تابوا، أو بذلوا الجزية، إن الله يحب المحسنين.
стр. 488
ولقد أخذ الله ميثاق الذين أتوا الكتاب من النصارى، فنسوا حظا عظيما مما ذكروا به ولذلك كان جزاؤهم أن الله ألزمهم العداوة والبغضاء حتى صارت صفة لازمة لهم لاصقة بهم إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون.
والمنصف للتاريخ يعرف أن المسيح توفى، ولم يكن هناك إنجيل مكتوب، وقد اضطهد اليهود أتباعه وتلاميذه وشردوهم حتى قتلوا أكثرهم فلما هدأت الأحوال ودخل الملك قسطنطين الديانة المسيحية أخذوا يكتبون الأناجيل، ولذلك كانت كثيرة ومختلفة ومتباينة.
وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون في الدنيا، ويجازيهم عليه حتما.
القرآن وما يخفيه أهل الكتاب [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٥ الى ١٦]
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)
المعنى:
يا أهل الكتاب. قد جاءكم محمد ﷺ مؤيدا بمعجزة القرآن المعجزة الباقية الخالدة، فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله. هذا النبي قد بين لكم كثيرا من الأحكام والآيات التي كنتم تخفونها عن العوام،
فقد روى أن هذه الآية نزلت حينما كتموا
стр. 489
حكم الزاني المحصن وأقسم النبي ﷺ على حبرهم ابن صوريا وناشده الله حتى اعترف به.
وقد أنكروا غير ذلك من بشارة النبي ووصفه فبينه القرآن لهم، ولقد كان بيان القرآن لما كتموه سببا في إسلام كثير من أحبارهم وعلمائهم.
يبين الله بواسطة رسوله كثيرا مما يخفون، ويعفو عن كثير مما لا تمس الحاجة إليه، ولا يفيد الدعوة في شيء، وهم يعلمون أنهم يخفون غير الذي أبداه الرسول ...
يا أهل الكتاب: قد جاءكم من الله نور هو النبي محمد، أو هو القرآن، أو دينه، وجاءكم كذلك كتاب مبين بين الحق وأظهر المكنون، يهدى به الله من اتبع رضوانه طريق الخير التي تنجيه من العذاب الأليم، ويخرج من اتبعه من ظلمات الشرك والخبث والخرافة والأوهام الباطلة إلى نور الإسلام وهدى القرآن الذي أنزل بعلمه ومشيئته وتوفيقه، ويهدى من اتبعه صراطا مستقيما يوصل إلى خير الدنيا والآخرة.
مناقشة النصارى في عقائدهم [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٧ الى ١٩]
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)
стр. 490
المفردات:
يَمْلِكُ: يدفع ويمنع، وأصل الملك: الضبط والحفظ التام. يُهْلِكَ:
يميت ويعدم. فَتْرَةٍ: سكون وهدوء من الرسل، والمراد انقطاع الوحى، وعدم ظهور الرسل مدة من الزمن.
المعنى:
المسيحيون في هذا العصر طوائف أشهرها ثلاث: البروتستانت، والكاثوليك، والأرثوذكس. يقولون بألوهية المسيح وأن الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وقد كان المسيحيون القدامى لا يصرحون بهذا الرأى وإن كان لازما لأقوالهم بالحلول والاتحاد، على أن فرقة منهم هي اليعقوبية كانت تقول: إن المسيح هو الله.
والمسيحيون المعاصرون خصوصا الكاثوليك والأرثوذكس لا يعدون الموحد مسيحيا، وأساس هذه العقيدة عبارة وردت في إنجيل يوحنا (في البدء كانت الكلمة والكلمة كان عند الله: والله هو الكلمة) وقد أطلقوا لفظ الكلمة على المسيح، فصار معنى الفقرة: الله هو المسيح، كما وصفهم القرآن الكريم.
على أن الثابت أن يوحنا كتب إنجيله في آخر حياته وكتبه بإلحاح عليه. فإذا المسيح برىء منها ولم يدع إليها أبدا بل سيأتى أنه دعا إلى التوحيد وإلى تمجيد الله فقط كما نقل عنه في الإنجيل.
стр. 491
وقد ذكر الدكتور (بوست) في تاريخ الكتاب المقدس: طبيعة الله ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر: الله الأب، والله الابن، والله روح القدس، فإلى الأب الخلق، وإلى الابن الفداء، وإلى روح القدس التطهير، غير أن الثلاثة أقانيم تتقاسم جميع الأعمال على السواء.
ولقد رد القرآن هذا الزعم الباطل، وأبطل تلك العقيدة الوثنية فقال: يا أيها الرسول قل لهؤلاء الذين تجرأوا على مقام الألوهية: من يملك من الله شيئا إذا أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه؟ من يمنع الله إذا أراد أن يميت المسيح وأمه؟ لا أحد يقدر على هذا!! فالله لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه!! بل لا يستطيع أحد أن يشفع عنده إلا بإذنه وأمره وها هو ذا المسيح وأمه قد حصل لهما ما حصل لبقية الخلق فهل منعا عن أنفسهما شيئا؟؟.
وإذا كان المسيح لم يستطع أن يدفع شيئا عن نفسه ولا عن أمه ولم يستطع أحد أن يدفع عن المسيح شيئا فهل يكون هو الله الذي بيده ملكوت كل شيء؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!! ولنا أن نرد عليهم بكلامهم.
إذا كان المسيح إلها فكيف لم يرد عن نفسه الصلب الذي هو شر أنواع الهلاك؟ فقد قيل في الإنجيل: «ملعون كل من علق على خشبة» من إحدى رسائل بولس الرسول، وثبت أن المسيح استغاث بربه ضارعا خائفا وجلا ليصرف عنه ذلك الكأس فلم يجب إلى طلبه، في إنجيل متى: (إلهى إلهى لماذا تركتني؟) . (يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس. إن لم يمكن أن تعبر عنى هذه الكأس إلا أن أشربها فلتكن مشيئتك) .
فإذا عيسى- كما هو منصوص عندهم- نبي ورسول كما أنه بشر كبقية الخلق خائف وجل متضرع إلى الله- ﷻ شاعر بأن الصلب شر أنواع الهلاك، ولإخلاصه وصدقه نجاه الله من الذين مكروا به وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء ١٥٧] .
لا أحد يمكنه أن يرفع الهلاك ويمنع الموت عن عيسى وأمه ومن في الأرض جميعا وكيف يكون غير هذا؟ ولله وحده ملك السموات والأرض وما بينهما.
ولقد كان السبب في تخبط النصارى وضلالهم كثرة المتشابه عندهم في الأناجيل،
стр. 492
وأن عيسى خلق على غير السنن المألوف، وقد عمل أعمالا غريبة لم تصدر عن عامة البشر.
ولذلك رد الله عليهم هذا بقوله: يَخْلُقُ ما يَشاءُ فهو مالك الملك، وصاحب الأمر في السماوات والأرضين يخلق ما يشاء على حسب حكمته وإرادته فقد خلق أبانا آدم بلا أب ولا أم، وحواء بدون أم، وعيسى بلا أب وأصول الحيوانات جميعا من مادة لا توصف بذكورة ولا أنوثة.
ولقد أرسل رسله مبشرين ومنذرين، وأيدهم بروح من عنده وأجرى على أيديهم المعجزات المناسبة لزمانهم، فهذا موسى وعصاه السحرية لأن السحر كان أبرز علم عندهم، وهذا عيسى وإبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الميت لأن الطب كان أبرز شيء عند قومه، وهذا خاتم النبيين محمد ﷺ كانت معجزته القرآن لأنه بعث في العرب المعتزين بالفصاحة وكانت رسالته خاتم الرسالات فكان قرآنه باقيا كاملا في كل شيء، هذا القرآن الذي وقف وحده آلاف السنين يرد هجمات أعدائه على كثرتهم.
فلا يغرنكم أيها المسيحيون إحياء عيسى للميت.
أخوك عيسى دعا ميتا فقام له ... وأنت أحييت أجيالا من العدم
ولا غرابة في ذلك فالله يخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير.
وإذا كان عيسى إلها فمن كان الإله قبله؟ وعلى أى وضع كان؟
وسيأتى مزيد من الرد على ألوهية عيسى ابن مريم قريبا.
روى أن اليهود تكلموا مع النبي ﷺ فدعاهم إلى التوحيد وحذرهم من عذاب يوم القيامة، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد؟ ونحن أبناء الله وأحباؤه!! وقد قالت النصارى ذلك فنزلت هذه الآية.
والمعنى: قالت اليهود كما قالت النصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه!! فالله يعاملنا معاملة الأب لأبنائه يعطف علينا ويرحمنا، وبعض النصارى بالغوا في ذلك فقالوا:
عيسى ابن الله حقيقة ونحن أبناء مجازا.
وقد رد الله عليهم بقوله: قل لهم يا محمد: إذا كان الأمر كذلك!! فلم يعذبكم
стр. 493
بذنوبكم في الدنيا كما ترون من تخريب دياركم وهدم الوثنيين لمسجدكم في بيت المقدس، ومن لصوق العداوة والبغضاء فيكم أيها النصارى، فأنتم تتحاربون وتتقاتلون إلى الأبد، فبعضكم رأسمالي وستظل الحرب بينكم دائما حتى تفنوا جميعا إن شاء الله.
وأما في الآخرة فيكون العذاب عسيرا عليكم أهل الكتاب، والأب لا يفعل هذا مع أبنائه والأولاد لا يعصون آباءهم كما تفعلون!! بل أنتم وغيركم من جميع الطوائف والملل بشر وخلق من خلق الله لا فضل لأحد على أحد إلا بالإيمان الصادق الخالص من شوائب الوثنية.
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً [سورة النساء آية ١٢٣] .
ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير في الآخرة إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً «١» وسيعذب الكافر والعاصي ويثيب الطائع والصالح.
يا أهل الكتاب لا حجة لكم، قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ يبين لكم ما اندثر من الأحكام، وضاع من القوانين وقد بشرت به كتبكم وهو مصدق لما معكم، جاءكم على فترة من انقطاع الرسل والوحى عليكم فيما بينه ما كنتم تخفونه وتكتمونه، ولولا أنه رسول ما أمكنه ذلك، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، لئلا تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير، والله على كل شيء قدير.
وعبادتها. وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ: ترجعوا عما أمرتم به. جَبَّارِينَ:
جمع جبار، وهو الطويل القوى المتكبر العاتي، مأخوذ من قولهم: نخلة طويلة لا ينال ثمرها. يَتِيهُونَ التيه: الحيرة، ومنه صحراء تيهاء: إذا تحير سالكها لعدم الأعلام التي يهتدى بها.
المناسبة:
بعد أن أقام القرآن الدليل على صحة نبوة النبي محمد ﷺ وتعرض لأهل الكتاب في ذلك، ساق قصة لليهود تثبت عنادهم وكفرهم مع أنبيائهم لتكون تسلية للنبي ﷺ وتسجيلا عليهم.
وقد ذكرنا هذه القصة عند الكلام على الميثاق والنقباء في آية (١٢) من هذه السورة.
المعنى:
واذكر يا محمد لبنى إسرائيل ولسائر الناس الذين تبلغهم دعوتك وقت قول موسى لقومه: تذكروا نعمة الله عليكم واشكروه عليها، فقد جعل فيكم أنبياء كثيرة إذ غالب الأنبياء من سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- ﵇ ولم يكن من ولد إسماعيل إلا النبي محمد ﷺ وبنو إسرائيل من نسل يعقوب.
وجعلكم ملوكا أحرارا عندكم ما يكفيكم ويقيكم ذل السؤال من زوجة وخادم ودار كما ورد في ذلك الآثار.
وآتاكم ما لم يؤت أحدا من عالمي زمانكم، فالمن والسلوى. وتظليلكم بالغمام، وفرق البحر، وإنجاؤكم وغرق عدوكم ... إلخ، ما هو مذكور في الجزء الأول.
يا قوم: ادخلوا الأرض الطاهرة من عبادة الأوثان لكثرة الأنبياء فيها، واختلف المفسرون فيها هل هي فلسطين أم غيرها. والظاهر أنها فلسطين المنكودة، التي كتب الله لكم فيها حق السكنى ووعد بها إبراهيم وبنيه ففي سفر التكوين من التوراة:
(لنسلك أعطى هذه الأرض) على أنها لا تكون ملكا لا يزاحم فيها أحد بل لهم السكنى