وقد ذكر الدكتور (بوست) في تاريخ الكتاب المقدس: طبيعة الله ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر: الله الأب، والله الابن، والله روح القدس، فإلى الأب الخلق، وإلى الابن الفداء، وإلى روح القدس التطهير، غير أن الثلاثة أقانيم تتقاسم جميع الأعمال على السواء.
ولقد رد القرآن هذا الزعم الباطل، وأبطل تلك العقيدة الوثنية فقال: يا أيها الرسول قل لهؤلاء الذين تجرأوا على مقام الألوهية: من يملك من الله شيئا إذا أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه؟ من يمنع الله إذا أراد أن يميت المسيح وأمه؟ لا أحد يقدر على هذا!! فالله لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه!! بل لا يستطيع أحد أن يشفع عنده إلا بإذنه وأمره وها هو ذا المسيح وأمه قد حصل لهما ما حصل لبقية الخلق فهل منعا عن أنفسهما شيئا؟؟.
وإذا كان المسيح لم يستطع أن يدفع شيئا عن نفسه ولا عن أمه ولم يستطع أحد أن يدفع عن المسيح شيئا فهل يكون هو الله الذي بيده ملكوت كل شيء؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا!! ولنا أن نرد عليهم بكلامهم.
إذا كان المسيح إلها فكيف لم يرد عن نفسه الصلب الذي هو شر أنواع الهلاك؟ فقد قيل في الإنجيل: «ملعون كل من علق على خشبة» من إحدى رسائل بولس الرسول، وثبت أن المسيح استغاث بربه ضارعا خائفا وجلا ليصرف عنه ذلك الكأس فلم يجب إلى طلبه، في إنجيل متى: (إلهى إلهى لماذا تركتني؟) . (يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس. إن لم يمكن أن تعبر عنى هذه الكأس إلا أن أشربها فلتكن مشيئتك) .
فإذا عيسى- كما هو منصوص عندهم- نبي ورسول كما أنه بشر كبقية الخلق خائف وجل متضرع إلى الله- ﷻ شاعر بأن الصلب شر أنواع الهلاك، ولإخلاصه وصدقه نجاه الله من الذين مكروا به وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء ١٥٧] .
لا أحد يمكنه أن يرفع الهلاك ويمنع الموت عن عيسى وأمه ومن في الأرض جميعا وكيف يكون غير هذا؟ ولله وحده ملك السموات والأرض وما بينهما.
ولقد كان السبب في تخبط النصارى وضلالهم كثرة المتشابه عندهم في الأناجيل،
стр. 492
وأن عيسى خلق على غير السنن المألوف، وقد عمل أعمالا غريبة لم تصدر عن عامة البشر.
ولذلك رد الله عليهم هذا بقوله: يَخْلُقُ ما يَشاءُ فهو مالك الملك، وصاحب الأمر في السماوات والأرضين يخلق ما يشاء على حسب حكمته وإرادته فقد خلق أبانا آدم بلا أب ولا أم، وحواء بدون أم، وعيسى بلا أب وأصول الحيوانات جميعا من مادة لا توصف بذكورة ولا أنوثة.
ولقد أرسل رسله مبشرين ومنذرين، وأيدهم بروح من عنده وأجرى على أيديهم المعجزات المناسبة لزمانهم، فهذا موسى وعصاه السحرية لأن السحر كان أبرز علم عندهم، وهذا عيسى وإبراؤه الأكمه والأبرص وإحياؤه الميت لأن الطب كان أبرز شيء عند قومه، وهذا خاتم النبيين محمد ﷺ كانت معجزته القرآن لأنه بعث في العرب المعتزين بالفصاحة وكانت رسالته خاتم الرسالات فكان قرآنه باقيا كاملا في كل شيء، هذا القرآن الذي وقف وحده آلاف السنين يرد هجمات أعدائه على كثرتهم.
فلا يغرنكم أيها المسيحيون إحياء عيسى للميت.
أخوك عيسى دعا ميتا فقام له ... وأنت أحييت أجيالا من العدم
ولا غرابة في ذلك فالله يخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير.
وإذا كان عيسى إلها فمن كان الإله قبله؟ وعلى أى وضع كان؟
وسيأتى مزيد من الرد على ألوهية عيسى ابن مريم قريبا.
روى أن اليهود تكلموا مع النبي ﷺ فدعاهم إلى التوحيد وحذرهم من عذاب يوم القيامة، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد؟ ونحن أبناء الله وأحباؤه!! وقد قالت النصارى ذلك فنزلت هذه الآية.
والمعنى: قالت اليهود كما قالت النصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه!! فالله يعاملنا معاملة الأب لأبنائه يعطف علينا ويرحمنا، وبعض النصارى بالغوا في ذلك فقالوا:
عيسى ابن الله حقيقة ونحن أبناء مجازا.
وقد رد الله عليهم بقوله: قل لهم يا محمد: إذا كان الأمر كذلك!! فلم يعذبكم
стр. 493
بذنوبكم في الدنيا كما ترون من تخريب دياركم وهدم الوثنيين لمسجدكم في بيت المقدس، ومن لصوق العداوة والبغضاء فيكم أيها النصارى، فأنتم تتحاربون وتتقاتلون إلى الأبد، فبعضكم رأسمالي وستظل الحرب بينكم دائما حتى تفنوا جميعا إن شاء الله.
وأما في الآخرة فيكون العذاب عسيرا عليكم أهل الكتاب، والأب لا يفعل هذا مع أبنائه والأولاد لا يعصون آباءهم كما تفعلون!! بل أنتم وغيركم من جميع الطوائف والملل بشر وخلق من خلق الله لا فضل لأحد على أحد إلا بالإيمان الصادق الخالص من شوائب الوثنية.
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً [سورة النساء آية ١٢٣] .
ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير في الآخرة إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً «١» وسيعذب الكافر والعاصي ويثيب الطائع والصالح.
يا أهل الكتاب لا حجة لكم، قد جاءكم رسولنا محمد ﷺ يبين لكم ما اندثر من الأحكام، وضاع من القوانين وقد بشرت به كتبكم وهو مصدق لما معكم، جاءكم على فترة من انقطاع الرسل والوحى عليكم فيما بينه ما كنتم تخفونه وتكتمونه، ولولا أنه رسول ما أمكنه ذلك، أرسله ربه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، لئلا تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير، والله على كل شيء قدير.
وعبادتها. وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ: ترجعوا عما أمرتم به. جَبَّارِينَ:
جمع جبار، وهو الطويل القوى المتكبر العاتي، مأخوذ من قولهم: نخلة طويلة لا ينال ثمرها. يَتِيهُونَ التيه: الحيرة، ومنه صحراء تيهاء: إذا تحير سالكها لعدم الأعلام التي يهتدى بها.
المناسبة:
بعد أن أقام القرآن الدليل على صحة نبوة النبي محمد ﷺ وتعرض لأهل الكتاب في ذلك، ساق قصة لليهود تثبت عنادهم وكفرهم مع أنبيائهم لتكون تسلية للنبي ﷺ وتسجيلا عليهم.
وقد ذكرنا هذه القصة عند الكلام على الميثاق والنقباء في آية (١٢) من هذه السورة.
المعنى:
واذكر يا محمد لبنى إسرائيل ولسائر الناس الذين تبلغهم دعوتك وقت قول موسى لقومه: تذكروا نعمة الله عليكم واشكروه عليها، فقد جعل فيكم أنبياء كثيرة إذ غالب الأنبياء من سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم- ﵇ ولم يكن من ولد إسماعيل إلا النبي محمد ﷺ وبنو إسرائيل من نسل يعقوب.
وجعلكم ملوكا أحرارا عندكم ما يكفيكم ويقيكم ذل السؤال من زوجة وخادم ودار كما ورد في ذلك الآثار.
وآتاكم ما لم يؤت أحدا من عالمي زمانكم، فالمن والسلوى. وتظليلكم بالغمام، وفرق البحر، وإنجاؤكم وغرق عدوكم ... إلخ، ما هو مذكور في الجزء الأول.
يا قوم: ادخلوا الأرض الطاهرة من عبادة الأوثان لكثرة الأنبياء فيها، واختلف المفسرون فيها هل هي فلسطين أم غيرها. والظاهر أنها فلسطين المنكودة، التي كتب الله لكم فيها حق السكنى ووعد بها إبراهيم وبنيه ففي سفر التكوين من التوراة:
(لنسلك أعطى هذه الأرض) على أنها لا تكون ملكا لا يزاحم فيها أحد بل لهم السكنى
стр. 496
فقط. فاستنباط اليهود من ذلك الوعد أنهم لا بد أن يعود لهم ذلك الملك ليس بصحيح، ولعل ما هم فيه من الضيق والشدة يؤذن بضياع ملكهم الذي أسسه الانجليز والأمريكان لأمور سياسية!! وقال موسى: يا قوم: لا ترجعوا عما جئتكم به من التوحيد والعدل الإلهى، إلى الوثنية والفساد في الأرض، وقيل: لا تراجعوا عما أمرتم به مطلقا من الدخول في الأرض المقدسة وغيره فتنقلبوا خاسرين.
قال النقباء الذين أرسلوا للتجسس لموسى: إن فيها قوما طوالا جبارين، أولى بأس وقوة، وإنا لا ندخلها أبدا ما داموا فيها. وكان يسكنها في هذا الوقت بنو عناق من الكنعانيين. وقد بالغ اليهود في وصفهم بما لا يصدقه عقل ولا منطق.
ولا غرابة في إحجامهم عن الدخول فيها وقتالهم الجبارين فكل قوم تربوا في أحضان الذل والاستعمار يألفونه ولا يألفون الحرية والكرامة، ولذلك قالوا معتذرين:
لن ندخلها أبدا حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون!! قال رجلان من الذين يخافون الله وقد أنعم عليهما بالتوفيق والسداد: ادخلوا يا قوم عليهم الباب فإنكم إذا دخلتموه كان الله معكم وناصركم عليهم، وعلى الله وحده فتوكلوا إن كنتم مؤمنين.
قالوا: يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فإنهم أولو قوة وبأس. وعلى ذلك فاذهب أنت وربك الذي أمرنا أن نخرج من مصر ونأتى إلى هنا فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون ومتخلفون عن الحرب.
قال موسى وقد عرف قومه وإباءهم، وخشي أن يفتنوا الرجلين الصالحين قال: رب إنى لا أملك إلا نفسي وأخى هارون الذي عرفت فيه الامتثال والطاعة، يا رب فافصل بيننا وبين هؤلاء القوم الفاسقين، قال الرب- : إذا كان الأمر كذلك فإن هذه الأرض محرمة عليهم أربعين سنة وهم في هذه المدة يتيهون في البيداء لا يعرفون لهم قرارا، وهكذا ينزل عذاب الله على كل من يخالف أمره، فهؤلاء هم اليهود وهذه أعمالهم من قديم مع أنبيائهم فلا تأس يا محمد عليهم ولا تحزن!.
المفردات:
وَاتْلُ: التلاوة القراءة. نَبَأَ: هو الخبر المهم. قُرْباناً: ما يتقرب به إلى الله- من الذبائح وغيرها. بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ: مددتها لتعتدى علىّ. تَبُوءَ: ترجع بعقاب يعادل الإثم ويساويه. يا وَيْلَتى:
يا فضيحتي احضرى، والويل: الشر، والويلة: الفضيحة والبلية.
يسوق الله هذه القصة ليبين طبائع النفوس الموروثة وما يفعله الحسد الكامن والداء الباطن، الذي يقضى على أقوى سبب وأمتن رابطة وهي الأخوة، وكيف كان السبب في أول قتيل في الأرض؟؟
فإذا لا تيأس يا محمد، ولا تعجب من فعل اليهود إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [سورة المائدة آية ١١] فهم قوم يحسدون الناس على ما آتاهم ربهم من فضله، على أن هذا طبع متأصل في أبناء آدم.
واتل يا محمد على قومك وعلى كل من تبلغه دعوتك، اتل عليهم نبأ هاما وخبرا متلبسا بالحق والصدق، لا مبالغة فيه ولا كذب كما يفعل اليهود في أخبارهم وكتبهم من التحريف والتبديل.
اتل خبر ابني آدم لصلبه- على الأصح- قيل: هما قابيل القاتل، وهابيل القتيل، وكانت عادتهم أن يتزوج ذكر البطن الأولى أنثى البطن الثانية، وبالعكس، فصادف أن قابيل معه توأم جميلة، ومع هابيل توأم دميمة رغب عنها قابيل، وطلب توأمه وحسد هابيل عليها، فلما احتكما إلى أبيهما آدم قال: كل منكم يقرب قربانا، والذي يقبله الله منه بالحريق يأخذ الجميلة، فقدم قابيل وكان زارعا قليلا من سنبل القمح، وقدم هابيل وكان راعيا للغنم كبشا سمينا، فتقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فحنق عليه أكثر، وقال: لأقتلنك، قال هابيل: ولم يا أخى؟ وما ذنبي في أن الله لم يتقبل منك؟
فأصلح نفسك، وقدم مخلصا لوجه الله، فإنما يتقبل الله من المتقين. يا أخى: لئن مددت إلىّ يدك بالسوء، أن تقتلني ظلما وعدوانا، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك أبدا.
стр. 499
وذلك لأنى أخاف الله رب العالمين، الذي تعهدنا بالعناية والرعاية، وخلقنا على أتم خلق وأكمله، فمن يتعدى على هذا الخلق السوى فقد استحق العقاب الشديد!! يا أخى: إنى لا أريد مقابلة الجريمة بالجريمة أصلا، فإنك إن فعلتها تبوء بإثم قتلى وإثمك الخاص بك الذي كان من شأنه عدم قبول قربانك، فارجع عما أنت مقدم عليه! وكيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه. والجواب أنه أراد ذلك حينما بسط إليه يده بالقتل فعلا وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها «١» .
إنك يا أخى إن فعلت هذا الجرم فستكون من أصحاب النار الملازمين لها، وذلك جزاء الظالمين!!! ترى أنه نفره من القتل بثلاث: الخوف من الله، أن يبوء بإثمه وإثم نفسه، كونه من أصحاب النار ... ومن الظالمين.
والقاتل مهما كانت نفسه ملوثة بحب الانتقام والقتل يرى في الإقدام على هذا العمل جرما وفظاعة فيتردد، ولا يزال كذلك حتى تشجعه نفسه الأمارة بالسوء فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ وهدم ما بناه الله وأتقنه فأصبح من الخاسرين، وأى خسارة أكبر من هذه الخسارة في الدنيا والآخرة؟!
روى أنه لما قتله، ولم يعرف كيف يوارى جثته، وتحير في ذلك، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض منقبا في غذائه، فحفر حفرة، فرآه قابيل ففطن إلى مثل عمله، ففعل لأخيه مثلها وواراه فيها، وقال: يا ويلتى احضرى فقد حان وقتك، أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب؟
والندم الذي حصل لم يكن على القتل بل على عجزه عن مواراة أخيه.
بسبب هذا الجرم التشنيع والفعلة القبيحة، التي فعلها أبناء آدم كتبنا على بنى إسرائيل وإنما خصهم القرآن بالذكر، وإن كان القتل محرما قبلهم في الأمم السابقة، لأن التوراة أول كتاب حرم فيه القتل كتابة بسبب طغيانهم وسفكهم الدماء وقتلهم الأنبياء بسبب الحسد الكامن في نفوسهم ...
стр. 500
كتبنا على بنى إسرائيل ومن بعدهم: أنه من قتل نفسا بغير نفس، أى: بدون قصاص أو بدون فساد في الأرض يزلزل الأمن والطمأنينة، ويهلك الحرث والنسل، وذلك مثل قطع الطريق، من يفعل شيئا من ذلك فكأنما قتل الناس جميعا، واعتدى على المجتمع البشرى كله!! أفلا يكون هذا الجرم فظيعا؟ إنه لقطيع، ولذلك كان من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً الآية من سورة النساء. آية ٩٣.
ومن هنا تعلم أن نفس القتيل ليست ملكه، بل هي ملك للمجتمع الذي يعيش فيه، فمن اعتدى على نفس ولو كانت نفسه (بالانتحار) استحق عقاب الله الشديد يوم القيامة ... ومن أحيا نفسا بأى سبب كان، فكأنما أحيا الناس جميعا إذ كل نفس عضو في المجتمع.
ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات الواضحات كالشمس أو أشد. ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون بعد هذا البيان الرائع.
وهذه الآية الكريمة تقرر بوضوح مبدأ تكافل الأمة الواحدة وتضامنها كوحدة خاصة.
حكم قطاع الطرق [سورة المائدة (٥) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)
стр. 501
المفردات:
يُحارِبُونَ الحرب: ضد السلم والأمن على النفس والمال. فَساداً الفساد: ضد الصلاح، وكل من أخرج شيئا عن وضعه الصالح له يقال: إنه أفسده.
يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ: ينقلوا من البلد أو القطر الذي أفسدوا فيه إلى غيره، وقيل:
المراد يسجنوا.
سبب النزول:
روى البخاري ومسلم عن أنس أن ناسا من عكل وعرينة قدموا على النبي ﷺ وتكلموا بالإسلام، فاستوخموا المدينة- وجدوها رديئة المناخ- فأمر لهم النبي ﷺ بزود من الإبل- الزود من ثلاثة إلى تسعة- وراع وأمرهم أن يخرجوا إلى الصحراء فيشربوا من «أبوالها وألبانها» فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلام، وقتلوا الرعي
،
وفي رواية، مثّلوا به، واستاقوا الزود من الإبل. فبلغ ذلك الرسول ﷺ فبعث في طلبهم فأتوا بهم فسملوا أعينهم (كحلوها بمسامير الحديد المحماة) وقطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف وتركوا حتى ماتوا، فنزلت الآية.
والظاهر- والله أعلم- أن هذه الآية عامة لكل من يفعل هذا العمل الشنيع في دار الإسلام سواء كان مسلما أو غيره.
والله تعالى أنزل هذه الآية بهذا التشديد في العقاب لسد ذريعة هذه المفسدة، وهي إزالة الأمن من بين ربوع الدولة، واضطراب الناس فيها، ومع هذا حرم المثلة وتشويه الأعضاء.
المعنى:
لا جزاء للذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا، إلا ما ذكره الله من التقتيل أو الصلب أو تقطيع الأيدى والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض.
ومحاربة الله ورسوله تكون بالاعتداء على شرعة الأمان والسلم والحق والعدل
стр. 502
والطمأنينة بين الناس، كما أنها تكون بالاعتداء على الحقوق الشرعية، كمنع الزكاة مثلا، كما حصل لأبى بكر فقد حارب المانعين لها بكل قواه.
هذا كله يلزمه الفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل:
وقد وضع الله للقتل والسرقة والاعتداء على المال حدودا خفيفة، فمثلا في القتل القصاص إلا إذا عفى له عن شيء، وفي السرقة قطع اليد والاعتداءات على المال بالضمان مثلا لأنها اعتداءات فردية.
أما هنا في هذه الآية فتلك حدود قطاع الطريق المجاهرين بالمعصية المجتمعين للاعتداء. لذلك شرط بعضهم شروطا ثلاثة للمحاربين:
١- أن يكون معهم سلاح يعتمدون عليه.
٢- أن يكون ذلك في صحراء أو في مكان لا تنفع فيه الاستغاثة.
٣- أن يأتوا مجاهرين معتمدين على القوة والغلب، لا على الخفية واللصوصية.
أما جزاؤهم فأخذهم بلا رحمة ولا هوادة، وإن كانوا جماعة. يشير إلى هذا قوله تعالى: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا.
وعند الجمهور أن القتل في الآية للقاتل، والصلب مع القتل لمن أخذ المال وقتل، وقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى لمن أخذ المال وأخاف.
والنفي لمن أخذ المال فقط، وليس للولي العفو في حد من هذه الحدود، فمثلا في القتل العادي يجوز للولي العفو وترك القصاص. وهنا لا بد من القصاص وإن عفا، وهذا معنى التشديد الذي يشير إليه لفظ (يقتّلوا) .
ذلك لهم خزي وأى خزي بعد هذا العقاب الصارم؟، ولهم في الآخرة بعد ذلك عذاب عظيم جدا.
إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ولم يكن للإمام عليهم من سبيل فاعلموا أن حد الله يسقط عنهم، ويؤخذون بحقوق الآدميين، أى: يقتص منهم عن النفس والجراح، وكان عليهم ما أتلفوه من مال ودم، ويجوز لولى الدم العفو كسائر الجنايات
стр. 503
من غير المحاربين، يشير إلى هذا قوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فإن توبتهم قبل القدرة دليل على أنها توبة خالصة لوجه الله.
واعلموا أن هؤلاء المحاربين لله ولرسوله بالعصيان والفساد، واجب على الإمام قتالهم، وعلى المسلمين المعونة له وكفهم عن فعلهم.
أساس الفلاح في الآخرة [سورة المائدة (٥) : الآيات ٣٥ الى ٣٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)
المفردات:
الْوَسِيلَةَ: ما يتوصل به إلى تحصيل المقصود وهي القربة، وتطلق على أعلى منزلة في الجنة.
المعنى:
يا أيها الذين اتصفتم بالإيمان، خذوا لنفسكم الوقاية من عذاب الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، وتقربوا إليه بالطاعات والعمل بما يرضيه، فإن هذه هي الوسيلة إليه أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ «١» ... وجاهدوا أنفسكم بكفها عن
стр. 504
المحرم، والتزامها الصراط المستقيم، وجاهدوا أعداء الإسلام حتى يكون الدين كله لله، وجاهدوا في سبيل الحق والحرية والخير للأمة والوطن. فكل هذا جهاد في سبيل الله.
واتقوا الله وابتغوا إليه القربى بالطاعة واجتناب المنهيات، واحتملوا الجهد والمشقة في سبيل الله، كل ذلك رجاء الفوز والفلاح في المعاش والمعاد. واعلم أن لفظ التوسل جاء بثلاث معان: القربى إلى الله بالطاعة كما مر،
دعاء النبي ﷺ وشفاعته كما ثبت عن عمر- رضى الله عنه-: «اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا»
فكان يدعو العباس وهم يؤمّنون عليه، ترى أنها الدعاء والشفاعة، وكانت في حياة النبي ﷺ أما بعد موته فبدعاء أقرب الناس إليه كعمه العباس، ويوم القيامة تكون بشفاعته.
أما المعنى الثالث فهو: الوسيلة، أى: التوسل بالإقسام على الله بالصالحين والأولياء المقربين، وهذا لم يرد به نص صحيح، بل قال أبو حنيفة وأصحابه: إنه لا يجوز.
والتوسل بهذا المعنى ينكره العقل، ويأباه الشرع ولا دليل عليه في هذه الآية ولا في غيرها.
إن الذين كفروا بالله، وجحدوا آياته، وكذبوا رسله لو فرض أن لهم ملء ما في الأرض ذهبا بل وضعفه ليفتدوا به أنفسهم من عقاب الله وعذابه، على كفرهم وعنادهم، فافتدوا به ما تقبل الله منهم ذلك، فداء وعوضا، بل هم معذبون عذابا دائما وهذا تمثيل لحالهم يوم القيامة.
يود الواحد منهم لو يفتدى نفسه من عذاب يومئذ ببنيه، ولكن هيهات له ذلك! يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها، ولهم عذاب مقيم دائم. فانظر يا أخى في أساس الفلاح في الإسلام، وأنه محصور في التقوى والطاعة لا في شفاعة ولا في غيرها.
стр. 505
السارق وجزاؤه [سورة المائدة (٥) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)
المفردات:
السَّارِقُ: من يأخذ المال خفية من حرز مثله. نَكالًا: مأخوذ من النكل، وهو القيد، ولا شك أن هذه عقوبة تمنع الناس من ارتكاب السرقة.
المعنى:
بعد أن تعرض القرآن الكريم للمحاربين الذين يسعون في الأرض فسادا وبين جزاءهم، ثم أمر الناس بعدها بالتقوى واللجوء إلى الله وحده، بين هنا جزاء من يعتدى على الناس ويسرق أموالهم خفية.
مما يتلى عليكم حكم السارق والسارقة، فمن يسرق منكم ذكرا كان أو أنثى.
فاقطعوا أيديهما جزاء لهما على ارتكاب فعلهما، وانتهاك حرمة الغير بأخذ ماله، ولأن السرقة قد تجر إلى الدفاع عن المال وإلى القتل.. ولا بد أن يكون المسروق موضوعا في مكان يحفظ فيه أمثاله (وهو حرز المثل) وهل تقطع اليد في كل سرقة ولو در هما؟ أو لا بد أن يكون المسروق ربع دينار أو ثلاثة دراهم لقول عائشة- رضى الله عنها-:
стр. 506
كان رسول الله ﷺ يقطع في دينار فصاعدا، وعند الأحناف لا قطع إلا في عشرة دراهم فصاعدا.
وتثبت السرقة بالإقرار أو الشهود، ويسقط الحد بالعفو عن السارق أو التوبة قبل رفع الأمر إلى الإمام، وأما المال المسروق فلا بد من رده إلى صاحبه بعينه أو قيمته.
حدّ الله هذا الحد، جزاء للسارق، ونكالا للغير ومنعا له، حتى لا يقع غيره في مثل ما وقع، فإن قطع اليد ميسم الذل والعار الذي لا يمحى أبدا، والله عزيز لا يغالب، حكيم في كل ما سنّه لنا من قوانين أما القوانين الوضعية فإنها تجعل من السجن مدرسة يتعلم فيها اللص أنواع الإجرام، ولذا نرى معها تعدد السرقات.
فمن تاب من بعد ظلمه بالسرقة وأصلح نفسه فإن الله يتوب عليه إنه هو الغفور الرحيم.
ألم تعلم أيها المؤمن: أن الله ملك السموات والأرض يتصرف فيهما بحكمته، وعدله وعلمه الواسع وفضله العميم فمن حكمته وعدله وضع حد للسرقة، حتى يشيع الأمن في ربوع الدولة وتطمئن النفوس لتنصرف إلى أعمالها، ومن فضله ورحمته أنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات وهو على كل شيء قدير.
يرى البعض أن في هذا القطع لليد شدة وغلظة وأن هذه شريعة الغاب والقفار، لا شريعة الحضارة والمدنية.
ولقد كذبوا فها هي ذي قوانينهم تحمى الرذيلة في كل ميادينها، وتساعد على ارتكابها والمفروض أن الحدود موانع وزواجر، ولا مانع أحكم وأعدل من حدود الله، أما ترى الدول التي تحكم بكتاب الله كيف استتب فيها الأمن واختفت منها السرقات ولكن أكثر الناس لا يعلمون!!
المفردات:
لا يَحْزُنْكَ: لا يؤلمك هؤلاء. يُسارِعُونَ أى: يقعون في الكفر بسرعة ورغبة، والمراد أنهم ينتقلون مسرعين من بعض فنون الكفر إلى بعض آخر.
فِتْنَتَهُ: اختباره حتى يظهر ما تنطوى عليه نفسه. لِلسُّحْتِ: الخبيث من المكاسب، وهو في اللغة: الهلاك والشدة، وسمى المال الحرام سحتا لأنه يسحت الطاعات والبركات، أى يذهبها.
سبب النزول:
روى أبو داود أنه زنى رجل وامرأة من اليهود، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيفات، فإن أفتى بفتيا دون الرجم قبلناها، واحتججنا بها عند الله، وقلنا: فتيا نبي من أنبيائك، قال: فأتوا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد مع أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم: ما ترى في رجل وامرأة زنيا، فلم يكلمهم النبي ﷺ حتى أتى بيت مدارسهم، أى: مدارسهم فقام على الباب فقال: «أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ فقالوا: يحمم وجهه، أى: يوضع عليه السواد، ويجبه- يحمل الزانيان على حمار مع تقابل أقفيتهما ويطاف بهما- ويجلدان، قال: وسكت شاب منهم يقال له ابن صوريا، فلما رآه النبي ﷺ ألظ به النشدة- ألح في سؤاله- فقال ابن صوريا: اللهم إذ أنشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم. فقال الرسول: فإنى أحكم بما في التوراة فأمر بهما فرجما- انتهى كما في القرطبي.
ورويت روايات أخرى كلها تدور حول إنكارهم الحكم، وعبثهم بالشريعة والتوراة.
المعنى:
يرشدنا الله- إلى أدب الخطاب مع النبي ﷺ بقوله: يا أيها الرسول، حتى لا نناديه، كما كان يفعل بعض الأعراب، ولقد كان نداء أفاضل الصحابة،
стр. 509
يا رسول الله، وانظر إلى تكريم الله له فإنه ينادى الأنبياء بأسمائهم وما ناداه باسمه قط.
يا أيها الرسول: لا يهمنك أمر الذين يسرعون بالوقوع في الكفر، ولا تأس عليهم فالله بهم محيط، وهو ناصرك عليهم حتما، مهما أظهروا من عداوة، وتعاونوا مع المشركين وألبوهم عليك.
والمراد من النهى عن الحزن النهى عن لوازمه التي يفعلها الشخص مختارا كتذكر المصائب وتعظيم شأنها.
ومن هم المسارعون بالوقوع في الكفر، والتنقل في أساليبه وألوانه؟ هم المنافقون الذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، وبعض اليهود الذين يبلغون في سماع الكذب من أحبارهم الذين يلقون إليهم الأخبار الكاذبة في حق النبي ﷺ وقيل: سماعون للأخبار من النبي ﷺ ثم ينقلونها إلى الأحبار فيحيكون الأكاذيب على النبي ﷺ موافقة لبعض ما يصدر عنه ﷺ فيكون عملهم التجسس على النبي.
سماعون الكذب للأخبار، وسماعون لقوم آخرين لهم رأى خاص واتجاه آخر، موصوفون بأنهم لم يأتوك من شدة الكراهة لك، والحسد عليك، وقد كان بعض زعماء اليهود، يأبون على أنفسهم أن يجلسوا مع النبي ﷺ !! وهم يحرفون الكلم من بعد مواضعه بنقل كلمة مكان أخرى، أو إخفائها وكتمانها، أو بحمل الألفاظ على غير ما وضعت له.
وهم يقولون لأتباعهم- كما ورد في سبب النزول- إن أعطاكم محمد رخصة بالجلد عوضا عن الرجم فخذوها، وإن حكم بالرجم فاحذروا قبوله، وما لك تحزن عليهم؟
والحال أنه من يرد الله أن يختبره في دينه، ويظهر أمره ويكشف سره، فلن تملك له من الله شيئا يمنع ذلك، وهؤلاء المنافقون واليهود قد أظهرت فتنة الله لهم مقدار فسادهم، فهم الذين وضعوا أنفسهم للكذب ونقله وتحريف الكلم وكتمانه اتباعا لأهوائهم، ومرضاة لرؤسائهم وذوى الجاه فيهم، فلا تحزن عليهم ولا تطمع فيهم أبدا.
أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، ويزكى نفوسهم، لأن سنة الله في خلقه
стр. 510
وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا «١» وأن النفس إذا مرنت على السوء والشر لم يعد لها طريق للخير، ولا سبيل للنور!! لهم في الدنيا خزي بفضيحتهم وهتك سترهم، وظهور الإسلام والقضاء عليهم، ولهم في الآخرة عذاب عظيم هوله شديد وقعه.
ولا غرابة في ذلك فهم قوم سماعون للكذب، مروجون له، أكالون للسحت آخذون الرشوة، سباقون للمحرم، وهكذا كل أمة في طور انحلالها ينتشر فيها الخلق الرديء خاصة الكذب والبهتان والرشوة والسحت ... فإن جاءوك فاحكم بينهم بما ترى، أو أعرض عنهم، قيل: هذا الحكم نسخ بقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ «٢» وقيل: هذا في غير أهل الذمة، أما هم فقانون الإسلام قانونهم.
وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا أبدا. وإن حكمت فاحكم بينهم بالعدل الذي لا شك فيه وهو قانون القرآن. وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ظاهر واضح، ثم هم يتولون ويعرضون من بعد ذلك. وما أولئك بالمؤمنين أبدا، ذلك أن أمرهم عجب. كيف يدّعون الإيمان بالتوراة، ولا يحكمون بها ويطلبون الحكم من غيرها؟؟ والأعجب من هذا أنهم تركوا التوراة لأنها لم توافق أهواءهم، وجاءوا يحكمون القرآن ثم تولوا وأعرضوا لأنه لم يوافق أهواءهم فهذا حالهم وديدنهم، وما أولئك بالمؤمنين أبدا.
أما نحن المسلمين فأخشى ما أخشى- وقد تركنا حكم القرآن، وجئنا نحكم أهواءنا بل وأحكام من ليسوا على ديننا وشاكلتنا- أن ينطبق علينا قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ «٣» الظالمون الفاسقون!
المفردات:
التَّوْراةَ: اسم للكتاب الذي أنزل على موسى. الرَّبَّانِيُّونَ: مفردة رباني، نسبة إلى الرب، وهو الذي يسوس الناس بالعلم ويربيهم. وَالْأَحْبارُ:
جمع حبر، هو العالم بتحبير الكلام وتحسينه. بِمَا اسْتُحْفِظُوا: بما طلب إليهم حفظه منهم. شُهَداءَ: رقباء وحفاظا. وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ: جعلنا عيسى يقفو أثرهم ويتبعهم.
المناسبة:
بعد أن نعى الله على اليهود عدم رضائهم بحكم التوراة وطلب حكم النبي ﷺ إن وافق هواهم ثم إعراضهم عن حكمه ﷺ ذكر هنا التوراة وما فيها من الهدى والنور والحكم والقانون مسجلا عليهم جرمهم.
المعنى:
إنا أنزلنا التوراة على موسى الكليم، فيها هدى يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام والحق، وفيها نور يستضاء به ويكشف ما تشابه عليهم وأظلم، هذا في التوراة المنزلة من عند الله لا في صحفهم المبدلة المحرفة التي سموها توراة.
هذه التوراة قانون يحكم بها النبيون الذين نزلوا بعد موسى حتى عيسى ابن مريم، وأسلموا وجوههم لله قانتين مخلصين، حكموا بها بين اليهود، فهي شريعتهم الخاصة بهم، حتى نزل عيسى ابن مريم، وكان آخر نبي نزل على بنى إسرائيل، وقد نقل عن عيسى- ﵇ في الإنجيل: (ما جئت لأنقض الناموس- شريعة موسى- وإنما جئت لأتمم..) فالإنجيل مكمل لها وقد حكم بها عيسى- ﵇.
وحكم بها وحافظ عليها الربانيون والأحبار وهم الصالحون من ولد هارون في الأزمنة التي لم يكن بها أنبياء، وذلك بسبب ما أخذه الأنبياء عليهم من العهد المؤكد، وسألوهم حفظها والعناية بها، وكانوا على كتاب الله شهودا ورقباء يحمونه من التغيير والتحريف، وشاهدين عليه أنه الحق لا مرية فيه.
стр. 513
فأين أنتم أيها اليهود؟ وأين علماؤكم الآن من الربانيين والأحبار السابقين؟ فهؤلاء يحافظون عليها، وأنتم تحرفون وتكتمون!! وإذا كان الأمر كذلك فلا تخشوا الناس أيها الأحبار المعاصرون فتكتموا الحق، من صفة النبي والبشارة بها، طمعا في الدنيا وعرضها الزائل، واخشوا الله ربكم واقتدوا بالصالحين السابقين من أمتكم، واحفظوا التوراة، وإياكم والتحريف، روى عن الحسن: أخذ الله على الحكام ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس، وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا، ولا تشتروا بآياتنا ثمنا قليلا، ومنفعة حقيرة تأخذونها، من رشوة أو جاه أو رئاسة كاذبة! وكيف تستبدلون الثمن القليل والعرض الزائل بالآيات البينات التي استحفظتم عليها وكنتم عليها شهودا؟!! واعلموا أن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون وقد حكم اليهود في الزاني المحصن بالجلد وتركوا الرجم، وفي القتل بالتفريق بين بنى قريظة والنضير وتركوا العدل والقصاص.
والله في التوراة قد سوى بين الجميع لا فرق بين أمير وخفير، ولا بين شريف ووضيع.
ومن لم يحكم بما أنزل الله مستحلا له، منكرا بالقلب حكم الله، وجاحدا باللسان فهو من الكافرين، ومن لم يحكم وهو معتقد أنه مخطئ ومذنب فهو خارج عن الدين ومؤاخذ على شهادته ورضائه الحكم بغير حكم الله، وتقصيره في طلب تحكيم ما أنزل وهذا حكم عام في كل من يترك كتاب الله والحكم به.
إنا أنزلنا التوراة، وفرضنا عليهم فيها أن النفس تقتل بالنفس والعين بالعين، والسن بالسن وهكذا بقية الأعضاء بالقياس، وكذا الجروح على تفصيل فيها وبيان لحدها بالضبط. فيها القصاص، وهذا الحكم في القتل أو التعدي العمد، أما الخطأ ففيه الدية، وأن تصدقوا خيرا لكم فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ يكفر الله بها ذنوبه ويعفو عنه وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [البقرة ٢٣٧]
روى عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ قال: «من تصدق من جسده بشيء كفر الله تعالى عنه بقدره من ذنوبه» .
ومن لم يحكم بما أنزل الله، ويعرض عما شرعه الله من القصاص والعدل والتساوي بين الأفراد فهو من الظالمين الذين يغمطون الناس حقوقهم المشروعة.
стр. 514
وقفينا على آثار أنبياء بنى إسرائيل بعيسى بن مريم فكان آخر نبي لبنى إسرائيل، مصدقا لما بين يديه من التوراة حاكما بها. حافظا لها لم يغير منها شيئا، وإنما أتى متمما لها كما نقل عنه في الإنجيل.
وآتيناه الإنجيل الذي نزل عليه، فيه الهدى والنور. والإرشاد والوعظ الذي يهدى إلى طريق الحق، وكان مصدقا للتوراة، مؤيدا لها مع اشتماله على الهدى والموعظة الحسنة: ومن الثابت الذي لا يقبل الشك أنه كان في التوراة والإنجيل نور البشارة بمحمد ﷺ ووصفه وأن شريعته تامة كاملة عامة، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، ولكن لا ينتفع بهذا كله إلا المتقون.
وقلنا لأهل الإنجيل: احكموا بما أنزل الله فيه من الأحكام والمواعظ، ومما كان فيه اتباع التوراة وأحكامها حتى يرسل النبي العربي خاتم الأنبياء ولكن النصارى غيروا الإنجيل وحرفوا كلمه من بعد مواضعه ولم يحكموا به ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون والخارجون عن حدود الدين والعقل.
يروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بنى إسرائيل؟ قال: نعم هي فيهم، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل، والأوصاف الثلاثة باعتبارات مختلفة: فلإنكارهم وصفوا بالكفر، ولوضعهم الحكم في غير موضعه وصفوا بالظلم، ولخروجهم عن الحق وصفوا بالفسق، وقيل في تخريج الأوصاف: إن من يترك حكم الله معتقدا أنه لا يصلح فهو الكافر، ومن يترك لسبب آخر من ضياع الحقوق فهو ظالم، وإلا فهو فاسق.
الحكم بكتاب الله ودستور القرآن [سورة المائدة (٥) : الآيات ٤٨ الى ٥٠]
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)
стр. 515
المفردات:
مُهَيْمِناً: رقيبا حافظا لما تقدّمه من الكتب وشاهدا عليه. شِرْعَةً الشرعة في اللغة: الطريق الذي يتوصل به إلى الماء. والطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى النجاة، وفي لسان الشرع: ما شرعه الله لعباده من الدين وأحكامه. وَمِنْهاجاً:
طريقا مستمرا واضحا. فَاسْتَبِقُوا: تسابقوا وسارعوا إلى الطاعات. أَنْ يَفْتِنُوكَ: أن يميلوا بك من الحق إلى الباطل.
المناسبة:
فيما مضى تكلم القرآن عن التوراة والإنجيل وما فيهما من نور وهدى وموعظة للمتقين، أما القرآن الكريم والدستور المبين الذي نزل على الرسول الأمين خاتم الأنبياء والمرسلين فها هو ذا.
المعنى:
وأنزلنا إليك يا محمد الكتاب الكامل، الذي يحق أن يطلق عليه اسم الكتاب فقط،
стр. 516
ذلك الكتاب، لا ريب فيه، هدى للمتقين، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. أنزلناه عليك ملتبسا بالحق داعيا إليه، مؤيدا به مشتملا عليه، مقرا له، مصدقا لما بين يديه من الكتب كالتوراة والإنجيل. إذ قال: هما من عند الله، وإن موسى وعيسى رسولان من عنده، لم يفتريا على الله كذبا وبهتانا، وإنما حرفتم أنتم وآباؤكم، وكتمتم ونسيتم كثيرا مما أوتيتم. حالة كونه مهيمنا على جنس الكتاب المنزل على الرسل السابقين رقيبا عليه. حيث بين حقيقة هذه الكتب وشهد لها بالصحة وبين عمل أصحابها فيها من نسيان وتحريف، فها هو ذا قد حفظها وهيمن عليها وأظهر حقيقتها للناس.
وإذا كان هذا شأن القرآن ومنزلته. فاحكم يا محمد وكذا كل حاكم. احكم بينهم بما أنزل الله، فهو واحد لم يتغير في القرآن والإنجيل والتوراة. على أن ما في القرآن كان ناسخا للكل متمما شاملا وما قبله كان كالمقدمة.
ولذلك قال: احكم بينهم بما أنزل الله، فإنه الحق الذي لا محيص عنه. والمشتمل على جميع الأحكام الشرعية التي تصلح للعالم إلى يوم القيامة.
ولا تتبع أهواءهم فيما حرفوا وبدلوا. من حكم الرجم والقصاص في القتل، والمعنى: لا تعدل عما جاءك من الحق متبعا لأهوائهم لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً قال الآلوسي ما معناه: وهذا استئناف مسوق لحمل أهل الكتاب المعاصرين للنبي ﷺ على الانقياد لحكمه. واتباع شرعه. ذلك أنهم كلفوا بالعمل بالقرآن دون غيره من الكتب، لكل أمة منكم أيها الناس- الشاملون للموجودين أيام النبي ﷺ والسابقين لهم أيام موسى وعيسى- وضعنا شرعة ومنهاجا خاصين بتلك الأمة لا تكاد تتخطاهما، فالأمة من بنى إسرائيل التي كانت موجودة من مبعث موسى إلى مبعث عيسى شرعتها التوراة، وهم من مبعث عيسى إلى مبعث محمد شرعتهم الإنجيل، والأمة من الناس أجمعين من مبعث محمد ﷺ إلى يوم القيامة شرعتها ومنهاجها القرآن لأن محمدا خاتم الأنبياء، وأرسل للناس جميعا إلى يوم القيامة ودستوره أتم دستور وكتابه أكمل كتاب، وليست هذه دعوة، وإنما الواقع يؤيد ذلك.
ولو شاء الله أن يجعلكم أمة واحدة، لها دين واحد وكتاب واحد ورسول واحد
стр. 517
لجعلكم كذلك، ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء غيره. ليعاملكم- معاملة من يبتليكم فيما آتاكم من الشرائع لحكم إلهية يقتضيها كل عصر.
إذا كان الأمر كذلك فسارعوا إلى مغفرة من ربكم وتسابقوا في عمل الطاعات، واعلموا أن المرجع إلى الله وحده وإليه المصير! فينبئكم بما كنتم تختلفون، وسيجازيكم على ذلك كله.
وأنزلنا إليك الكتاب: وأنزلنا أن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، وقد كرر الأمر بالحكم بالقرآن لأن الاحتكام إلى النبي ﷺ كان في حادثة الرجم وحادثة القصاص في القتلى.
أخرج ابن جرير عن ابن عباس: قال كعب بن أسد وعبد الله بن صوريا وشاش بن قيس من اليهود: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد إنك عرفت أنا أحبار يهود وأشرفهم وسادتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قوم خصومة، فنخاصمهم إليك، فتقضى لنا عليهم ونؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله ﷺ ، وأنزل الله- وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك ... الآية.
فكانت إقرارا للنبي ﷺ على ما فعل، وأمرا بالثبات على الحق وعدم الانخداع بأقوال هؤلاء وأمثالهم.
فإن تولوا وأعرضوا، فلا يهمنك أمرهم ولا تبال بهم، واعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وهو التولي والإعراض. أما بقية ذنوبهم وما أكثرها فلهم عذاب أليم، والله أعلم به، وإن كثيرا منهم لفاسقون وخارجون عن حدود العقل والدين والمروءة.
عجبا لهؤلاء! أيتولون عن قبول حكمك بما أنزل الله وهو الحكم العدل والرأى الوسط الرشيد. فيبغون حكم الجاهلية؟ لعجب وأى عجب هذا؟! أهناك من يترك دستور الرحمن وهدى القرآن لرأى الجاهلية الحمقاء؟ وما كانوا عليه من التفاصيل وضياع الحقوق.
ولعمري نحن الآن وقد تركنا ديننا ونبذنا دستورنا، لأنّا أشدّ من هؤلاء! إذ هم خارجون عن الإسلام لا يعترفون به كدين إلهى أو على الأقل لا يعرف حقيقته إلا أحبارهم، أما نحن فندعى الإسلام، ونأمل في الجنة وثواب الله، ومع هذا تركنا حكم
стр. 518
القرآن إلى رأى هو كرأى الجاهلية بل أشد ميوعة ومحاباة، فالقانون الوضعي يحمى الجرائم والمجرمين! هذا الخطاب في الآية وهذا الاستفهام والتعجب والإنكار إنما هو لقوم يوقنون أنه لا أعدل من الله ولا أحسن حكما منه..!
موالاة اليهود والنصارى وعاقبتها [سورة المائدة (٥) : الآيات ٥١ الى ٥٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (٥٣)
المفردات:
مَرَضٌ: شك ونفاق. دائِرَةٌ: ما يدور به الزمان من المصائب والإحن التي تحيط بالمرء إحاطة الدائرة بما فيها. حَبِطَتْ: بطلت أعمالهم.
سبب النزول:
روى الرواة أنه جاء عبادة بن الصامت من بنى الخزرج إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثيرا عددهم، وإنى أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبى: إنى رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من
стр. 519
موالاة موالي. فقال الرسول ﷺ لعبد الله بن أبى: «يا أبا الحباب: أرأيت الذي نفست به من ولاء يهود على عبادة، فهو لك دونه» قال: إذن أقبل، فنزلت هذه الآية
. المعنى:
يا من اتصفتم بهذا الوصف وهو الإيمان بالله ورسوله، سواء كان هذا باللسان فقط ولا إخلاص معه. أو كان إيمانا صادقا ومعه الإخلاص. لا يليق بكم أن تفعلوا ما نهاكم الله عنه من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء تلقون إليهم بالمودة، وتسرون إليهم بما أخفيتم وما أعلنتم، وتتحابون إليهم وتصادقونهم، إذ بعض اليهود أولياء بعض، وبعض النصارى أولياء بعض، والكل متفق على كلمة واحدة هي بغضكم بغضا شديدا.
ومن يتولهم منكم فإنه منهم، أى: من جملتهم، وحكمه حكمهم. وهذا تشديد على المنافقين الذين يتخذون صداقات، ويربطون صلات باليهود والنصارى وأعداء الدين. إن الله لا يهدى الظالمين أنفسهم بموالاة الكفار أيا كان السبب.
فترى يا محمد وكذا كل من تصح منه الرؤية. ترى الذين في قلوبهم مرض: الشك والنفاق كعبد الله بن أبى وأضرابه، يسارعون في موالاتهم، ويرغبون فيها رغبة أكيدة خاصة للشيطان، وانظر إلى تعبير القرآن (يسارعون فيهم) بدل (يسرعون إلى موالاتهم) للإشارة إلى أنهم منتقلون من بعض مراتبها إلى بعض فهم مستقرون فيها.
يقولون متعللين: نخشى أن تصيبنا دائرة تدور علينا من دوائر الدهر. ودولة من دولة، بأن ينقلب الأمر للكفار واليهود وتدول الدولة على المسلمين فنحتاج إليهم فلا يسعفوننا بالميرة والطعام- أرأيت كيف لا يثق المنافقون بوعد الله؟ وأن حزب الله هم المفلحون.
وعسى الله أن يأتى بالفتح، و (عسى) في القرآن وعد محتوم فإن الكريم متى أطمع أطعم، وإذا وعد حقق، فما ظنك بأكرم الأكرمين؟ وهو على كل شيء قدير. والمراد بالفتح: فتح مكة، أو فتح من عنده شامل لتأسيس الدولة، وانتظام شؤونها
стр. 520
واستقرارها في الوجود، أو أمر من عنده يفضح حال المنافقين، ويهتك سترهم، ويرد كيدهم في نحورهم وقد صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده فيصبح أولئك المنافقون نادمين على ما أسروا وكتموا!! ويقول الذين آمنوا تعجبا وتعريضا وشماتة بهم مخاطبين اليهود، ومشيرين إلى المنافقين الذين كانوا يوالونهم، وقد بدت الأمور على غير ما كانوا يرجون:
أهؤلاء (المنافقون) الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم أيها اليهود؟ حبطت أعمالهم التي كانوا ينافقون بها من صلاة وصوم ... إلخ. فأصبحوا خاسرين دنيا وأخرى.
وهذا مرض خطير ينتشر في الأمم الضعيفة المستعبدة، ترى الكثير من أبنائها الذين في قلوبهم ضعف وفي نفوسهم مرض يلجئون إلى الأعداء من الأجانب يتخذون عندهم يدا لأنهم ليسوا مؤمنين بالنصر وأن الدولة لهم.
يا قوم: اسمعوا وعوا واعتبروا. فإنما يتذكر أولوا الألباب!!
المرتدون والمحاربون لهم [سورة المائدة (٥) : الآيات ٥٤ الى ٥٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (٥٦)
стр. 521
المفردات:
يَرْتَدَّ الارتداد: الخروج من الإسلام والدخول في الكفر مطلقا، أو بسبب ترك ركن كالزكاة جهارا وعنادا. يُحِبُّهُمْ: يجازيهم على أعمالهم أحسن الجزاء وأتمه. وَيُحِبُّونَهُ: يخلصون له في العمل، يطيعونه في كل أمر ونهى. أَذِلَّةٍ:
جمع ذليل، بمعنى عاطفين عليهم. أَعِزَّةٍ: جمع عزيز، بمعنى أنهم متعالون عليهم.
راكِعُونَ: خاشعون وخاضعون. حِزْبَ اللَّهِ: الجماعة المجتمعة التي حزبها أمر من الأمور وألمّ بها اتجاه خاص.
روى أنه ارتد عن الدين إحدى عشرة قبيلة: ثلاث أيام النبي ﷺ وسبع أيام أبى بكر- رضى الله عنه- وجبلة بن الأيهم أيام عمر- رضى الله عنه- فالذين ارتدوا أيام النبي ﷺ :
(أ) بنو مدلج ورئيسهم الأسود العنسي تنبأ باليمن، وكان كاهنا وأهلكه الله على يد فيروز الديلمي.
(ب) بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب، الذي تنبأ وأرسل كتابا إلى النبي ﷺ وفيه:
أنه شريك وأن الأرض قسمان،
فكتب له النبي ﷺ : من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، والسلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين
، وقاتله أبو بكر- رضى الله عنه- والذي قتله وحشي قاتل حمزة.
(ج) بنو أسد وزعيمهم طلحة بن خويلد ارتد أيام النبي ﷺ وقاتله أبو بكر في خلافته، ففر إلى الشام وأسلم وحسن إسلامه.
المرتدون أيام أبى بكر:
(١) غطفان وزعيمهم قرة بن سلمة.
(٢) فزارة قوم عيينة بن حصن.
(٣) بنو سليم قوم الفجاءة عبد ياليل.
(٤) بنو يربوع قوم مالك بن نويرة.
стр. 522
(٥) بعض بنى تميم وزعيمتهم سجاح بنت المنذر الكاهنة.
(٦) كندة قوم الأشعث بن قيس.
(٧) بنو بكر بن وائل.
وقد ارتد أيام عمر جبلة بن الأيهم من الغسانيين تنصر ولحق بالشام، وله في ذلك شعر وحوادث، وسبب ارتداده أنه كان بمكة يطوف فوطئ إزاره رجل من بنى فزارة فلطمه جبلة فهشم أنفه، فاستعدى الفزاري عليه عمر- رضى الله عنه- فحكم إما بالعفو أو القصاص، فقال جبلة: أتقتص منى وأنا ملك وهو سوقة؟ ... إلخ ما هو مذكور في كتب التاريخ.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه في المستقبل- والعياذ بالله- كالقبائل التي ذكرناها، فسوف يأتى الله بقوم هو أعلم بهم، قيل: هم من اليمن أو فارس، والظاهر أنهم أبو بكر والصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين- وقد وصفهم القرآن بصفات:
أنهم يحبون الله باتباع أمره واجتناب نهيه، ويحبهم الله بعطفه وتوفيقه ورضوانه ومجازاتهم أحسن الجزاء.
وهم أذلة عاطفون على المؤمنين، مكانتهم عالية ولكنهم متواضعون يرأفون بالمؤمنين ويخفضون لهم جناح الذل من الرحمة، وعلى الكافرين أعزة، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، غلاظ شداد عليهم إذا حاربوهم، لا يقبلون الدنية في دينهم.
يجاهدون في سبيل الله وفي سبيل نصرة الحق والفضيلة والدين وإعلاء كلمته وفي سبيل خدمة الوطن وأهله، يجاهدون ببذل النفس والنفيس ولا يخافون في الحق وإظهاره لومة لائم. ولا يرجون ثوابا من أحد، ولا يخافون عذابا من أحد، بل تصدر أعمالهم بإخلاص لله ورسوله.
وفي هذا تعريض بالمنافقين في كل عصر وزمان.
وذلك فضل الله وتوفيقه وهدايته وإرشاده يؤتيه من يشاء من عباده الذين فيهم الاستعداد للخير والميل بطبعهم وفطرتهم.
стр. 523
وأحسن ما قيل في مثل هذا الموضوع أن القوى النفسية والبدنية التي في العبد من الله قطعا، والاتجاه بها إلى الخير أو الشر من العبد، وهذا مناط الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة.
وهب أنك تقود سيارة لشخص وقد حذرك مرارا من المخالفات وأمرك بطاعة أوامر الحكومة، وعلى كل طريق لافتة واضحة تعلن الثواب والعقاب، فقدتها مرة في الطريق السهل وحافظت على الأوامر فلم يهلك حرثا ولا نسلا، ومرة خالفت الأوامر فأهلكت الحرث والنسل، أمن العدل أن تترك في الحالتين؟ أمن العدل أن تحاسب صاحب السيارة أم قائدها؟؟ المعقول أننا نحاسب القائد ونجازيه في الحالتين، وهكذا نحن في الدنيا!! والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم، والله ذو الفضل العظيم.
وإنما وليكم الواجب الاتجاه إليه هو الله ومعه رسوله والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة كاملة تامة ويؤتون الزكاة في ركوع وخشوع وخضوع، بلا نفاق وبلا رياء.
ومن يتول الله ورسوله والمؤمنين فإنه هو الناجي الفائز، لأن حزب الله وجماعته هم الغالبون إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ «١» .
النهى عن موالاة الكفار والسبب في ذلك [سورة المائدة (٥) : الآيات ٥٧ الى ٦٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (٥٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١)
وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)
стр. 524
المفردات:
هُزُواً سخريا. وَلَعِباً اللعب: ضد الجد. نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ:
دعوتهم لها بالأذان والإقامة. تَنْقِمُونَ نقم ينقم: أنكر وعاب عليه قولا أو عملا.
مَثُوبَةً: جزاء وثوابا، من ثاب إليه: إذا رجع، ولا شك أن الجزاء يرجع إلى صاحبه. الطَّاغُوتَ: كل ما عبد من دون الله، وعبادته مجاز عن طاعته.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وكذا المشركين. لا تتخذوهم أولياء أبدا فإنهم يودون عنتكم ومشقتكم، وقد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفى صدورهم أكبر، بعضهم أولياء بعض، مع أن موالاتهم تغضب الله ورسوله.
стр. 525
وهم الذين اتخذوا دينكم ومشاعره هزؤا وسخرية، ومظهرا من مظاهر اللعب والضحك ولا شيء أشق على النفس من استهزاء المعاند له وسخريته به وبرأيه وشعاره، واتقوا الله أيها الناس واخشوا عذابه ووعيده على الموالاة إن كنتم مؤمنين.
كرر الله نهى المؤمنين عن موالاة أعدائهم من الكفار تنفيرا لهم عنها، وتسجيلا على الكفار فعلهم.
وبعد أن أثبت الله استهزاءهم بالدين على وجه العموم وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ «١» سجل عليهم استهزاءهم بنوع خاص هو عماد الدين وأساسه: هو الصلاة.
وإذا ناديتم إلى الصلاة بالأذان والإقامة اتخذوا هذه المناداة والصلاة هزؤا ولعبا، ما ذلك الاستهجان القبيح إلا لأنهم قوم لا عقل لهم يرشدهم ولا رأى يهديهم بل هم في ضلالهم يعمهون.
إذا ما أروع هذا النداء الذي يهز القلوب ويجلوها، ويطهر النفوس ويزكيها، يا سبحان الله!! أهذا النداء يضحك؟
الله أكبر. الله أكبر. نعم، الله أكبر من كل شيء في الوجود، استفتاح يا له من استفتاح! وانظر إلى إتباعه بالشهادتين لله ورسوله وهما ركنا الإيمان ودعامته! وما أروع قول المؤذن: حي على الصلاة! أقبلوا عليها بجد ونشاط ونفس راضية مطمئنة، حي على الفلاح: وهل هناك فلاح أكثر من هذا وأعلى؟! قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها. وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [سورة الشمس الآيتان ٧ و ٨] الله أكبر، لا إله إلا الله!
روى ابن جرير عن ابن عباس قال: أتى رسول الله ﷺ نفر من اليهود: أبو ياسر ابن أخطب، ورافع بن أبى رافع في جماعة فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ فقال:
آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ «٢» فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: لا نؤمن بمن آمن به، وروى أنهم قالوا: لا نعلم شرا من دينكم
، فنزلت الآيات الآتية:
стр. 526
قل يا أهل الكتاب ما تنقمون منا، وما تعيبون علينا إلا إيماننا بالله ورسله إيمانا صادقا خالصا، مع وصف الله- بكل كمال وتنزيهه عن كل نقص، وكذا الرسل جميعا- ﵈ لا نفرق بين أحد منهم مع وصفهم بما يليق بهم شرعا، وكذا ما أنزل عليهم من الكتب.
وإن أكثركم لفاسقون وخارجون عن حدود العقل والرأى والدين الصحيح، يا عجبا كل العجب! أيكون مناط المدح عنوان الذم؟ ولله در الشاعر العربي حيث يقول:
ما نقموا من بنى أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا
قل يا محمد لهم: من أنبئكم أيها المستهزئون بديننا القائلون: لا نعلم شرا من دينكم- بما هو شر من ذلك الدين الذين تنقمون به علينا؟ دين من لعنه الله وغضب عليه بسبب سوء فعله، وهذا تبكيت لهم شديد بذكر جرائم آبائهم، وجزائهم عليها إذ اللعن والغضب نهاية العقاب والمؤاخذة من الله لهم.
ودين من جعل منهم القردة والخنازير وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [سورة البقرة آية ٦٥] .
أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل، وكان التعبير ب (شر) مع أن هذا الدين خير محض مجاراة لهم في اعتقادهم ومشاكلة للفظهم.
وهاك سيئة أخرى تقتضي وحدها عدم الموالاة.
وإذا جاءوكم وحضروا مجالسكم وخاصة مجلس الرسول قالوا: آمنا باللسان فقط، والحال أنهم دخلوا متلبسين بالكفر مؤتزرين به لا يفارقهم، وهم قد خرجوا به والله أعلم بما يكتمون- حين الدخول- من النفاق وعند الخروج من العزم والكيد والمكر، وما ملئت به قلوبهم من الحسد والبغضاء لكم. فاحذروهم ولا توالوهم. وترى كثيرا منهم يسارعون في ارتكاب الإثم والعدوان ويقبلون عليهما راغبين فيهما بجد ونشاط، ويقبلون على أكل السحت والدنىء من المحرم، تالله لبئس العمل عملهم.
ويا ضلال هؤلاء أما وجدوا من يرشدهم؟ أما وجدوا من ينكر عليهم؟ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم والكذب والبهتان في أمور الدين، وأكلهم السحت؟
تالله لبئس ما كان يصنع هؤلاء الأحبار.
стр. 527
ولعل سائلا يقول: لم يقال في جانب الشعب لبئس ما كانوا يعملون وفي جانب الأحبار والعلماء لبئس ما كانوا يصنعون؟
والجواب: أن الفعل ما يصدر عن الإنسان مطلقا، فإن قصد كان عملا، وإن صاحبه دوام ومرونة كان صنعة، وكان صاحبه صانعا.
على أن فاعل المعصية من الناس تدفعه شهوته ونفسه إليها، وأما الذي ينهاه من الأحبار والعلماء بالطبع لا شهوة معه تدفعه إلى العمل ولا إلى عدم الإنكار، أشد إثما وأعظم جرما من الفاعل نفسه.
روى عن ابن عباس: (ما في القرآن أشد توبيخا من هذه الآية) يريد أنها حجة على العلماء إذا هم قصروا في الهداية والإرشاد!!
من سيئات اليهود وطريق السعادة في الدارين [سورة المائدة (٥) : الآيات ٦٤ الى ٦٦]
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦)
стр. 528
المفردات:
اليد تطلق على الجارحة وتطلق مجازا على النعمة وعلى العطاء. مَغْلُولَةٌ:
ممسكة عن الإنفاق. غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ: أمسكت عن الإنفاق والخير.
مَبْسُوطَتانِ المراد: كثيرة العطاء. أَقامُوا التَّوْراةَ: عملوا بما فيها على أتم وجه وأكمله، وكذا الإنجيل. مُقْتَصِدَةٌ: معتدلة.
سبب النزول:
روى الطبراني عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود- قيل: هو النباش بن قيس، وقيل هو فنحاص كبير بنى قينقاع- قال للنبي ﷺ : إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله هذه الآية.
المعنى:
بعد أن عدد من سيئاتهم، وسجل عليهم بعض أعمالهم الموروثة، يذكر سيئة من أفظع سيئاتهم ألا وهي وصف الله- سبحانه- بما لا يتفق أبدا مع العقل، ولا يقول به رجل من أهل الكتاب.
وقالت اليهود- أى بعضهم-: يد الله مغلولة. وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ألا ترى إلى قوله سبحانه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [سورة الإسراء آية ٢٩] وقول النبي: «أطولكن يدا أسر عكن لحوقا بي يوم القيامة» .
والمراد بطول اليد: الجود والكرم.
قال بعضهم: هذا لما أصابتهم أزمة مالية.
غلت أيديهم، وأمسكت عن الجود والخير، فهم القوم البخلاء الأنانيون لعنهم الله بما قالوا، فهو الكريم ويحب كل كريم، ويداه مبسوطتان للعطاء، ينفق كيف يشاء، على وفق الحكمة الإلهية فهو يعطى ويمنع، ويقبض ويبسط لحكم هو أعلم بها اللَّهُ
стр. 529
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
[سورة الرعد آية ٢٦] ، وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ [سورة الشورى آية ٢٧] .
وتالله ليزيدن الذي ينزل عليك من الآيات البينات التي تكشف سترهم وتطلعك على أعمالهم ونواياهم، ليزيدنهم ذلك طغيانا وظلما وجحودا وبطرا، يا سبحان الله! إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. ما كان سببا في الخير يكون عندهم سببا في الشر! ولقد حكم عليهم بأن ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، فلا يهمنك أمرهم، ولا تغتر باتفاقهم في فلسطين المنكودة، فهي سحابة صيف لهم، وتنبيه من الله لنا علّنا نثوب إلى رشدنا ونرجع إلى ديننا.
وكلما أوقدوا نارا للحرب في الخارج أو الداخل كإثارة الفتن وتشتيت الكلمة وتأليب العدو، كلما فعلوا هذا أطفأ الله نارهم، وأبطل عملهم، وهم دائما يسعون في الأرض فسادا، والله لا يحب المفسدين وسيجازيهم على ذلك بأقسى أنواع العقاب.
وفي كتب التاريخ القديم والحديث ما يشهد على هذا! ثم بعد هذا وسعت رحمته كل شيء وفتح باب كرمه للتائبين الذين يقبلون عليه ولو كانوا من أهل الكتاب أو غيرهم.
ولو أن أهل الكتاب آمنوا بكتبهم وبالقرآن ولم يحرفوا ولم يركبوا رءوسهم واتقوا الله في كل أعمالهم لكفرنا عنهم سيئاتهم التي اقترفوها ومحونا عنهم أوزارها ولأدخلناهم جنات النعيم.
ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل المنزلين من عند الله بنور التوحيد والهداية ولم يسمعوا لأحبارهم ومفترياتهم، وآمنوا بما أنزل إليهم من ربهم: لا سيما القرآن الكريم، وعملوا بما فيها على خير وجه وأتمه لبسط الله الرزق لهم وأنزل عليهم الخير والتوفيق وأكلوا من كل جهة وجانب.
وفي هذا إشارة إلى أن العمل الصالح من الإيمان الكامل مدعاة لرضا الرب وسعة الرزق، والسعادة في الدنيا والآخرة مع سلوك الطرق المعروفة والنظم المألوفة في عالم الاقتصاد!
стр. 530
من أهل الكتاب وكذا كل أمة في الوجود جماعة قليلة معتدلة في الرأى، والكثير الغالب منهم فاسقون وخارجون عن أصول الدين والعقل،
وصدق رسول الله: «الناس كإبل لا تجد فيها راحلة» .
تبليغ الرسول للدين [سورة المائدة (٥) : الآيات ٦٧ الى ٦٩]
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)
المفردات:
يَعْصِمُكَ: يحفظك، مأخوذ من عصام القربة، وهو ما يربط به فمها من خيط أو سير جلد. الصَّابِئُونَ الخارجون من الأديان كلها، وقيل: هم قوم عبدوا الملائكة وصلّوا إلى غير القبلة.
روى ابن مردويه عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ أى آية من السماء أنزلت أشد عليك؟ فقال: كنت بمنى أيام الموسم، واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس فنزل علىّ جبريل فقال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ (الآية) .