قل يا أهل الكتاب ما تنقمون منا، وما تعيبون علينا إلا إيماننا بالله ورسله إيمانا صادقا خالصا، مع وصف الله- بكل كمال وتنزيهه عن كل نقص، وكذا الرسل جميعا- ﵈ لا نفرق بين أحد منهم مع وصفهم بما يليق بهم شرعا، وكذا ما أنزل عليهم من الكتب.
وإن أكثركم لفاسقون وخارجون عن حدود العقل والرأى والدين الصحيح، يا عجبا كل العجب! أيكون مناط المدح عنوان الذم؟ ولله در الشاعر العربي حيث يقول:
ما نقموا من بنى أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا
قل يا محمد لهم: من أنبئكم أيها المستهزئون بديننا القائلون: لا نعلم شرا من دينكم- بما هو شر من ذلك الدين الذين تنقمون به علينا؟ دين من لعنه الله وغضب عليه بسبب سوء فعله، وهذا تبكيت لهم شديد بذكر جرائم آبائهم، وجزائهم عليها إذ اللعن والغضب نهاية العقاب والمؤاخذة من الله لهم.
ودين من جعل منهم القردة والخنازير وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [سورة البقرة آية ٦٥] .
أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل، وكان التعبير ب (شر) مع أن هذا الدين خير محض مجاراة لهم في اعتقادهم ومشاكلة للفظهم.
وهاك سيئة أخرى تقتضي وحدها عدم الموالاة.
وإذا جاءوكم وحضروا مجالسكم وخاصة مجلس الرسول قالوا: آمنا باللسان فقط، والحال أنهم دخلوا متلبسين بالكفر مؤتزرين به لا يفارقهم، وهم قد خرجوا به والله أعلم بما يكتمون- حين الدخول- من النفاق وعند الخروج من العزم والكيد والمكر، وما ملئت به قلوبهم من الحسد والبغضاء لكم. فاحذروهم ولا توالوهم. وترى كثيرا منهم يسارعون في ارتكاب الإثم والعدوان ويقبلون عليهما راغبين فيهما بجد ونشاط، ويقبلون على أكل السحت والدنىء من المحرم، تالله لبئس العمل عملهم.
ويا ضلال هؤلاء أما وجدوا من يرشدهم؟ أما وجدوا من ينكر عليهم؟ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم والكذب والبهتان في أمور الدين، وأكلهم السحت؟
تالله لبئس ما كان يصنع هؤلاء الأحبار.
стр. 527
ولعل سائلا يقول: لم يقال في جانب الشعب لبئس ما كانوا يعملون وفي جانب الأحبار والعلماء لبئس ما كانوا يصنعون؟
والجواب: أن الفعل ما يصدر عن الإنسان مطلقا، فإن قصد كان عملا، وإن صاحبه دوام ومرونة كان صنعة، وكان صاحبه صانعا.
على أن فاعل المعصية من الناس تدفعه شهوته ونفسه إليها، وأما الذي ينهاه من الأحبار والعلماء بالطبع لا شهوة معه تدفعه إلى العمل ولا إلى عدم الإنكار، أشد إثما وأعظم جرما من الفاعل نفسه.
روى عن ابن عباس: (ما في القرآن أشد توبيخا من هذه الآية) يريد أنها حجة على العلماء إذا هم قصروا في الهداية والإرشاد!!
من سيئات اليهود وطريق السعادة في الدارين [سورة المائدة (٥) : الآيات ٦٤ الى ٦٦]
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (٦٦)
стр. 528
المفردات:
اليد تطلق على الجارحة وتطلق مجازا على النعمة وعلى العطاء. مَغْلُولَةٌ:
ممسكة عن الإنفاق. غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ: أمسكت عن الإنفاق والخير.
مَبْسُوطَتانِ المراد: كثيرة العطاء. أَقامُوا التَّوْراةَ: عملوا بما فيها على أتم وجه وأكمله، وكذا الإنجيل. مُقْتَصِدَةٌ: معتدلة.
سبب النزول:
روى الطبراني عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود- قيل: هو النباش بن قيس، وقيل هو فنحاص كبير بنى قينقاع- قال للنبي ﷺ : إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله هذه الآية.
المعنى:
بعد أن عدد من سيئاتهم، وسجل عليهم بعض أعمالهم الموروثة، يذكر سيئة من أفظع سيئاتهم ألا وهي وصف الله- سبحانه- بما لا يتفق أبدا مع العقل، ولا يقول به رجل من أهل الكتاب.
وقالت اليهود- أى بعضهم-: يد الله مغلولة. وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود، ألا ترى إلى قوله سبحانه: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [سورة الإسراء آية ٢٩] وقول النبي: «أطولكن يدا أسر عكن لحوقا بي يوم القيامة» .
والمراد بطول اليد: الجود والكرم.
قال بعضهم: هذا لما أصابتهم أزمة مالية.
غلت أيديهم، وأمسكت عن الجود والخير، فهم القوم البخلاء الأنانيون لعنهم الله بما قالوا، فهو الكريم ويحب كل كريم، ويداه مبسوطتان للعطاء، ينفق كيف يشاء، على وفق الحكمة الإلهية فهو يعطى ويمنع، ويقبض ويبسط لحكم هو أعلم بها اللَّهُ
стр. 529
يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
[سورة الرعد آية ٢٦] ، وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ [سورة الشورى آية ٢٧] .
وتالله ليزيدن الذي ينزل عليك من الآيات البينات التي تكشف سترهم وتطلعك على أعمالهم ونواياهم، ليزيدنهم ذلك طغيانا وظلما وجحودا وبطرا، يا سبحان الله! إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. ما كان سببا في الخير يكون عندهم سببا في الشر! ولقد حكم عليهم بأن ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى، فلا يهمنك أمرهم، ولا تغتر باتفاقهم في فلسطين المنكودة، فهي سحابة صيف لهم، وتنبيه من الله لنا علّنا نثوب إلى رشدنا ونرجع إلى ديننا.
وكلما أوقدوا نارا للحرب في الخارج أو الداخل كإثارة الفتن وتشتيت الكلمة وتأليب العدو، كلما فعلوا هذا أطفأ الله نارهم، وأبطل عملهم، وهم دائما يسعون في الأرض فسادا، والله لا يحب المفسدين وسيجازيهم على ذلك بأقسى أنواع العقاب.
وفي كتب التاريخ القديم والحديث ما يشهد على هذا! ثم بعد هذا وسعت رحمته كل شيء وفتح باب كرمه للتائبين الذين يقبلون عليه ولو كانوا من أهل الكتاب أو غيرهم.
ولو أن أهل الكتاب آمنوا بكتبهم وبالقرآن ولم يحرفوا ولم يركبوا رءوسهم واتقوا الله في كل أعمالهم لكفرنا عنهم سيئاتهم التي اقترفوها ومحونا عنهم أوزارها ولأدخلناهم جنات النعيم.
ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل المنزلين من عند الله بنور التوحيد والهداية ولم يسمعوا لأحبارهم ومفترياتهم، وآمنوا بما أنزل إليهم من ربهم: لا سيما القرآن الكريم، وعملوا بما فيها على خير وجه وأتمه لبسط الله الرزق لهم وأنزل عليهم الخير والتوفيق وأكلوا من كل جهة وجانب.
وفي هذا إشارة إلى أن العمل الصالح من الإيمان الكامل مدعاة لرضا الرب وسعة الرزق، والسعادة في الدنيا والآخرة مع سلوك الطرق المعروفة والنظم المألوفة في عالم الاقتصاد!
стр. 530
من أهل الكتاب وكذا كل أمة في الوجود جماعة قليلة معتدلة في الرأى، والكثير الغالب منهم فاسقون وخارجون عن أصول الدين والعقل،
وصدق رسول الله: «الناس كإبل لا تجد فيها راحلة» .
تبليغ الرسول للدين [سورة المائدة (٥) : الآيات ٦٧ الى ٦٩]
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٦٧) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)
المفردات:
يَعْصِمُكَ: يحفظك، مأخوذ من عصام القربة، وهو ما يربط به فمها من خيط أو سير جلد. الصَّابِئُونَ الخارجون من الأديان كلها، وقيل: هم قوم عبدوا الملائكة وصلّوا إلى غير القبلة.
روى ابن مردويه عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ أى آية من السماء أنزلت أشد عليك؟ فقال: كنت بمنى أيام الموسم، واجتمع مشركو العرب وأفناء الناس فنزل علىّ جبريل فقال: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ (الآية) .
стр. 531
فقلت: أيها الناس: من ينصرني على أن أبلغ رسالات ربي ولكم الجنة؟ أيها الناس لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم تفلحوا وتنجوا ولكم الجنة. قال ﷺ : «فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون علىّ بالتراب والحجارة ويقولون: كذاب صابئ» فجاء عمه العباس فأنقذه منهم وطردهم عنه.
المعنى:
نادى الله- حبيبه بوصف الرسول، التي تقتضي التبليغ التام الكامل، أيها الرسول: بلغ جميع ما أنزل إليك من ربك ولا تخش أحدا، ولا يهمك شيء أبدا، فإنك إن لم تبلغ الكل فما بلغت رسالته، فكأن كتمان شيء من الرسالة، ولو إلى أجل هو كتمان للكل تفظيعا لجرم الكتمان، وكيف يكتم الرسول ﷺ شيئا من الرسالة خوفا أو خشية؟ والله يعصمك من الناس أجمعين. ويعصمك من القتل والفناء، أما العذاب والشدائد والآلام والحروب والإحن فهي الحوادث التي تخلق الرجال، والبوتقة التي صهرت الناس فظهر المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، كما بينا ذلك في العزوات.
وكيف يكون رسول الله والله لا يعصمه؟ وهو المعصوم من كل سوء!! انظر كيف يضل المسيحيون حين يعتقدون صلب المسيح وقتله؟ ولعل الحكمة في هذه الآية، أن يعرف الجميع أن النبي ﷺ رسول رب العالمين، بلغ جميع ما أنزل إليه من ربه لم يكتم شيئا، ولم يخص أحدا بشيء وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [سورة الأنعام آية ١٥٣] إن الله لا يهدى القوم الكافرين الذين يؤذونك ويعاندوك.
قل لهم: يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى لستم على شيء يعتد به من أمر الدين، ولا ينفعكم الانتساب إلى موسى وعيسى والنبيين حتى تقيموا التوراة والإنجيل، وإقامتها العمل بكل ما فيها من التوحيد الخالص والبشارة بالنبي ﷺ وصفته، وحتى تقيموا ما أنزل إليكم من ربكم على لسان محمد ﷺ وهو القرآن المصدق لما تقدمه من الكتب والمكمل للرسالات السابقة، ونحن أيها المسلمون لسنا على شيء أبدا حتى نقيم القرآن ونعمل بأحكامه. ونهتدي بهديه في كل أمورنا.
стр. 532
وأقسم الله ليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك وهو القرآن طغيانا على طغيانهم وكفرا على كفرهم وذلك بسبب حسدهم الكامن حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ من ربّهم. «١»
أما القليل منهم الذين يؤمنون بالله وبكتبه فلا يزيدهم القرآن إلا هدى ورشادا وخيرا وإسعادا.
وإذا كان هذا شأن القرآن، فلا يهمنك أمرهم، ولا تأس على القوم الكافرين.
وهاك قانونا عاما وحكما شاملا للجميع على اختلاف أشكالهم وألوانهم، ولا غرابة فهي الرسالة العامة وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ «٢» إن الذين آمنوا باللسان كالمنافقين، والذين هادوا من أتباع موسى- ﵇ والذين صبئوا وخرجوا عن حدود الأديان، والنصارى من أتباع المسيح- ﵇ من آمن بالله ورسله واليوم الآخر إيمانا صادقا، وعمل عملا صالحا، فلا خوف عليهم أبدا من عذاب يوم القيامة.
ولا هم يحزنون أبدا بل هم في جنات النعيم، وعلى الأرائك ينظرون.
من قبائح اليهود أيضا [سورة المائدة (٥) : الآيات ٧٠ الى ٧١]
لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١)
стр. 533
المعنى:
لا يزال الكلام في أهل الكتاب وتعداد سوءاتهم وقبائحهم وخاصة اليهود.
تالله لقد أخذنا العهد الموثق على بنى إسرائيل ليؤمنن بالله ورسله ولا يكتمونه أبدا، وأرسلنا إليهم رسلا، يؤكدون هذا العهد، ويحددون هذا الميثاق، حتى يكونوا على ذكر منه أبدا ولكنهم اليهود، كلما جاءهم رسول من عند الله بما لا تهواه أنفسهم لأنهم لا يهوون إلا الشر، ناصبوه العداء، وساموه سوء العذاب، وكأن سائلا سأل وقال:
ماذا كانوا يفعلون؟ فأجيب: فريقا منهم كذبوا وفريقا منهم كانوا يقتلون الأنبياء من غير ذنب ولا جريرة إلا أنهم كانوا يقولون: ربنا الله..
لعنهم الله!! قد ظنوا ظنا يكاد يكون كاليقين أنهم لا تكون لهم فتنة أبدا، ولا يختبرون بالشدائد أصلا، وكيف يكون هذا وهم (كما يعتقدون) أبناء الله وأحباؤه وهم من نسل الرسل الكرام فلا يعذبون بذنوبهم أبدا.
فعموا لهذا وصموا عن آيات الله التي أنزلها في كتبه وعموا عما يحصل لهم من الإنذارات والشدائد فلم يتعظوا بشيء أبدا، وصموا عن سماع القوارع من الحجج والآيات البينات.
ثم تابوا بعد عبادتهم العجل وقبل الله توبتهم، ثم عموا وصموا مرة ثانية حيث طلبوا رؤية الله وقتلوا الأنبياء كزكريا ويحيى وحاولوا قتل عيسى ابن مريم وخالفوا أوامر الله ورسله.
وقوله تعالى: كَثِيرٌ مِنْهُمْ يفيد أن أكثرهم العصاة وأقلهم المؤمنون الصالحون.
وأما نحن- أيها المسلمون- حذار حذار من ادعائنا وغرورنا بدون العمل، حذار حذار ألا نلتفت إلى التنبيهات والقوارع التي تصيبنا، حذار من أن ينطبق علينا هذا الكلام!!
стр. 534
الإله عند المسيحيين [سورة المائدة (٥) : الآيات ٧٢ الى ٧٦]
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)
المعنى:
بعد أن عدد قبائح اليهود أخذ يذكر شيئا من عقيدة النصارى في الإله! تالله لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وكيف لا يكفرون وقد
стр. 535
ضلوا ضلالا بعيدا جدا، عن العقل والدين إذ هم يقولون: إن الله مركب من ثلاثة أقانيم، أى: أصول: الأب، والابن، وروح القدس.
وقد حل الأب والابن واتحد وكون روح القدس، وكل واحد من هذه الثلاثة عين الآخر، والثلاثة واحد والواحد ثلاثة، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا.
على أن خلاصة أقوالهم أن الله هو المسيح والمسيح هو الله.
ولقد رد القرآن عليهم: كيف تقولون هذا البهتان وقد قال المسيح ابن مريم: يا بنى إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم، فقد أمرهم بعبادة الله وحده معترفا بأنه ربه وربهم ودعاهم إلى التوحيد الخالص من كل شرك.
وهذا هو عيسى يحذرهم عاقبة الشرك والوثنية: إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين لأنفسهم باتخاذ الشركاء والآلهة من نصير ينصرهم ولا شفيع يشفع لهم وينقذهم مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة ٢٥٥] لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، أى: واحد من ثلاثة التي هي الأقانيم الثلاثة.
وما من إله في الوجود يستحق العبادة إلا إله واحد، فرد، صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، سبحانه وتعالى عما يشركون!.
وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم.
أعموا فلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه ويرجعون إليه؟ والله كتب على نفسه الرحمة وهو الغفور الرحيم.
أما حقيقة المسيح عيسى بن مريم، فهو رسول كبقية الرسل أيد بالمعجزات الخوارق للعادة كالنبيين السابقين، وكما أيد المصطفى ﷺ بالمعجزة الباقية الخالدة: القرآن.
إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ.
[سورة النساء آية ١٧١] .
стр. 536
وأما أمه فهي الصديقة الطاهرة نفخ الله فيها من روحه وصدقت بكلمات ربها فكانت من القانتين.
وأما حقيقتها الشخصية والنوعية فمساوية لسائر البشر بدليل أنهما يأكلان الطعام ليقيما به أودهما، ومرت بهما ظروف خاصة وعامة كغيرهما، وهما يذهبان إلى الخلاء ليقضيا حاجتهما فهل يكون أمثال هذين آلهة تعبد؟!! انظر يا من يتأتى منك النظر! كيف نبين لهم الآيات، ثم بعد هذا يغالون في البعد عن المنطق السليم، وكيف يصرفون عن استبانة الحق كأن عقولهم فقدت- بسبب التقاليد- وظيفتها؟!!
خلاصة نظرية القرآن في المسيح
تعرض القرآن الكريم إلى المسيح عيسى ابن مريم وقد غالى فيه أهل الكتاب، فاليهود ينكرون نبوته ويفترون عليه الكذب، ويقولون عليه وعلى أمه البهتان.
والمسيحيون يغالون في رفع عيسى عن البشر، فتارة يجعلونه إلها، أو الآلهة ثلاثة والمسيح بن مريم واحد منهم، وتارة يقولون: هو ابن الله.
فقال القرآن القول الحق، والرأى الوسط في عيسى ابن مريم ذلك في الآيات ٧١، ١٧٢ من سورة النساء وقد مر تفسيرهما، وفي آية ١٧ من سورة المائدة والآيات ٧٢، ٧٣، ٧٤، ٧٥، ٧٦ من السورة نفسها (هذه الآيات كلها مفسرة في هذا الجزء) .
وخلاصته أن المسيح عيسى ابن مريم نبي من الأنبياء ورسول الله إلى بنى إسرائيل، وقد خلق بكلمة الله التكوينية، ومؤيد بروح منه تعالى، وهو عبد الله وخاضع له ولن يستنكف من هذا بل ظل يدعو إليه كما في الإنجيل.
وعيسى رسول كبقية الرسل أيد بالمعجزات الموافقة لعصره كأى نبي أرسل، والله يخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير.
ولا غرابة في شأن ولادته فهذا آدم وهذه حواء، وهذه أصول الحيوانات جميعا!!! والله- هو الدائم الباقي القوى القادر، لا راد لقضائه ولا معقب
стр. 537
لحكمه، إذا أراد أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا، فهل يمنعه مانع! والمسيح نفسه يقول: يا بنى إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم، ثم يحذرهم الشرك وعاقبته، ويبين القرآن أن التثليث خطأ، وما من إله إلا إله واحد، لا إله إلا الله سبحانه وتعالى عما يشركون ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة ١١٧] .
على أن المسيح وأمه بشر كبقية البشر إلا أن عيسى رسول من الله وأمه صديقة طاهرة كانا يأكلان الطعام ويذهبان إلى الخلاء، ولهما كل عوارض البشر وصفاتهم، وهما لا يملكان لأنفسهما نفعا ولا ضرا فكيف يعبدان!! هذه هي خلاصة لما في هذه الآيات القرآنية بالنسبة لعيسى ابن مريم. ولقد قرأنا الكثير من الأناجيل فوجدنا فيها آيات متشابهة جعلت النصارى يقولون بالتثليث تارة، وبأن الله هو المسيح مرة أخرى، أما الآيات المحكمة في الإنجيل فلإثبات الوحدانية لله تعالى، ولبيان حقيقة المسيح وهي كما في القرآن مع فارق بسيط جدا (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) وكان للوثنية عند اليونان والرومان والمصريين أثر كبير في انحراف النصارى عن تعاليم المسيح المحكمة، ففي إنجيل مرقص الإصحاح السابع الآية ٧، ٨ (وباطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليم هي وصايا الناس. لأنكم تركتم وصية الله وتتمسكون بتقليد الناس) .
المتشابه في الإنجيل:
في إنجيل يوحنا الإصحاح الأول العدد ١ (في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله والكلمة الله) وعندهم أن الكلمة هي المسيح، ينتج أن الله هو المسيح كما وصفهم القرآن وكما جاء في الرسالة الأولى ليوحنا الرسول بالإصحاح الخامس والعدد ٧، ٨ (فإن الذين يشهدون في السماء هم الأب والكلمة والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد، والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم الواحد) هذا صريح في عقيدة التثليث.
стр. 538
فيم يشهد الثالوث الأول والثالوث الثاني؟ وما هذا الثالوث الثاني، وما الفرق بين الاثنين؟ بأيهما نؤمن وكيف نستسيغ أن الأب والابن وروح القدس والماء والدم يشهدون؟ وما معنى أن الثلاثة هم واحد أو في الواحد أو بالعكس؟ إن هذا لشيء عجاب، ويمكننا أن نرد على دعواهم ألوهية المسيح من الإنجيل نفسه وهي الآيات المحكمة فيه.
١- في إنجيل متى الرابع والعدد ١٠: (لما جاء الشيطان للمسيح وهو يجربه وقال له:
إن خررت وسجدت لي أعطيك هذه الممالك جميعا، حينئذ قال يسوع: اذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد) .
وهذه شهادة المسيح بأن الله هو بارئ السموات والأرض وله وحده السجود والعبادة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة) .
٢- في إنجيل يوحنا الإصحاح السابع عشر العدد ٣ يقرر المسيح بأنه رسول الله وأنه رسول الإله الحقيقي (وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك، إنك الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته) .
وفي الآية الرابعة من الإصحاح نفسه يقول المسيح: (أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتنى لأعمل قد أكملته) إذا هو عبد خاضع لله قدم له العبادة والتمجيدنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ
[سورة النساء آية ١٧٢] .
٣- والمسيح رسول قد خلت من قبله الرسل له رسالة خاصة ومهمة خاصة إذا أتمها انتهى، يقول بولس الرسول في الرسالة الأولى لأهل كورنثوس الإصحاح الخامس عشر العدد ٢٨: (ومتى أخضع له الكل فحينئذ الابن نفسه سيخضع للذي أخضع له الكل كي يكون الله الكل في الكل) .
٤- المسيح وأمه كانا يأكلان الطعام، ويذهبان إلى الخلاء ولهما أعراض البشر، وهذا هو المسيح عند إحيائه العازر بعد موته بأربعة أيام وقد ذهب إلى القرية التي مات فيها وتقابل مع أختيه مريم ومرثا ورأى مريم تبكى (فلما رآها يسوع تبكى واليهود الذين جاءوا معها يبكون انزعج بالروح واضطرب وقال: أين وضعتموه؟ قالوا له: يا سيد تعال وانظر، بكى يسوع) .
стр. 539
فهل يتصور إنسان يدرك أن الإله يضطرب وينزعج، وكان يجهل الموضع الذي فيه دفن الميت، ويبكى ويضعف، وهذه كلها علامات البشرية ولا يتصور أن فيه لاهوتا وناسوتا زيادة على ما في البشر ثم يحصل منه هذا.
وفي الآية ٤٢ نرى أن المسيح يصلى إلى الله: (أيها الأب أشكرك لأنك سمعت لي، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا: إنك أرسلتنى) نرى أن منتهى الأمل الذي كان يرجوه أن يعرفوا أنه الرسول فقط.
وبعد: فهذا شيء يحار له كل إنسان عاقل!!! إذ كيف يقبل هذا ويدين به أناس يعتقدون هذه العقائد؟؟
وأختتم كلمتي بقرار اللجنة الخاصة لوضع التسابيح والتراتيل للكنائس الإنجيلية البروتستانتية فقد وضعت إحدى الترنيمات وهذا مطلعها:
للواحد الرحمن الخالق الأكوان تسبيحنا للأب بارينا- والابن فادينا- والروح محيينا نهدي الثنا
السبب في استشراء الفساد فيهم [سورة المائدة (٥) : الآيات ٧٧ الى ٨١]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١)
стр. 540
المفردات:
لا تَغْلُوا الغلو: الإفراط وتجاوز الحد. أَهْواءَ: آراء قوم دعت إليها الشهوة دون الحجة والبرهان. لُعِنَ اللعن: الطرد من الرحمة.
المعنى:
يا أيها الرسول قل لهؤلاء النصارى: أتعبدون عيسى متجاوزين الله، وعيسى وكذا كل معبود من دون الله لا يملك ضرا ولا نفعا لأعدائه وأوليائه على السواء، فهذا عيسى مع أعدائه اليهود هل أمكنه أن يصيبهم بضر، لا. بل حاولوا قتله وصلبه، والصلب أحقر أنواع القتل وأشده وملعون صاحبه، هل فعل شيئا، وهل دفع عن نفسه ضرا؟
هل أوقع عذابا على أعدائه؟ كل الذي فعله التجأ إلى الله وفوض أمره إليه.
وهذا عيسى كذلك مع أنصاره وأتباعه وقد كانوا مطرودين معذبين، هل أوصل نفعا لهم؟
والله هو السميع لكل صوت بل لكل همس في القلوب، العليم بكل شيء فهو الذي يستحق العبادة وحده دون سواه.
قل لهم يا محمد: لا تغلوا يا أهل الكتاب ولا تتجاوزوا الحدود في عيسى بين إفراط
стр. 541
وتفريط، فاليهود يبالغون في إهانته هو وأمه، والنصارى يرفعونه إلى مقام الألوهية بل يعبدونه.
فالوسط الوسط. والحق الحق، في المسيح وأمه الذي ذكر في القرآن!! يا أهل الكتاب لا تتبعوا أهواء قوم وآراءهم المدفوعة بالشهوة لا بالحجة والبرهان، هؤلاء القوم ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا من غيرهم، وهذا خطاب لأهل الكتاب المعاصرين.
وبعد أن بيّن الله أنهم ضلوا وأضلوا كثيرا، وضلوا عن السبيل الوسط والرأى المعتدل، بين سبب ذلك فقال:
لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل في الزبور على لسان داود، وفي الإنجيل على لسان عيسى بن مريم. وذلك اللعن بسبب عصيانهم، فقد لعن داود من اعتدى منهم يوم السبت وكذلك عيسى، وما كان هذا إلا بسبب تماديهم في العصيان والمخالفة: فاحذروا أيها المعاصرون ذلك.
وقد بين الله سبب استمرارهم في المعاصي بقوله:
كان من دأبهم ألا ينهى أحد منهم أحدا عن منكر ارتكبه، وذنب اقترفه، بل العاصي منهم لا يجد من يأخذ على يديه، والظالم لا يجد من يمنعه فانتشرت الفوضى وعم سوء الخلق، وهذا نذير الفناء ودليل الهلاك، تالله لبئس الفعل فعلهم وما كانوا يعملونه.
والمنكر إذا فشا في قوم ولم يجد من ينكره. ورأى العامة ذلك زالت الهيبة من النفوس والحياة من الضمائر. وصار عادة للناس، وبالطبع زال سلطان الدين من القلوب.
والنهى عن المنكر هو حفاظ الدين وسياجه، وتركه جريمة خصوصا من رجال الدين وأهله، وفي هذا الوقت العصيب لا يدفع السوء الذي استشرى وبلغ الغاية إلا تكتل القوى، وتضافر الأفراد والجماعات حتى تستأصل شأفة الفساد.
وإنى نذير لقومي أن يطبق عليهم هذا الجزاء الطبعي لكل جماعة يموت بينهم التناهى عن المنكر والأمر بالمعروف، ولعل هذا هو السبب في سياق هذه الآيات تحذيرا وإنذارا لنا.
روى أبو داود والترمذي عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول
стр. 542
ما دخل النقص على بنى إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوبهم بعضهم ببعض، ثم تلا قوله:
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ إلى قوله فاسِقُونَ ثم قال ﷺ : «كلا، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذون على يد الظالم ولتأطرنه (تعطفنه) على الحق أطرا ولتقسرنه على الحق قسرا أو ليضربن قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما يلعنهم» «١» .
والأحاديث في خطر ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كثيرة.
وإلى متى يا قوم؟ إلى متى نعرض عن ديننا ولا نرعوى عن غينا؟ ... هذه هي أحوال أسلافهم أما المعاصرون منهم فهاك حديثا عنهم: ترى كثيرا من أهل الكتاب خصوصا اليهود منهم يتولون الذين كفروا من مشركي مكة ويتحالفون معهم بل ويؤلبونهم على النبي ﷺ .
إنه لعجب وأى عجب يتحالف أهل الكتاب مع من لا كتاب له ولا رسول على النبي ﷺ وصحبه!!!
وقد روى أن كعب بن الأشرف وأصحابه ذهبوا إلى مكة واستجاشوا المشركين على الرسول ﷺ ومع هذا لم يتم لهم ما أرادوا.
لبئس شيئا قدموه لأنفسهم في الآخرة وهو الأعمال التي أوجبت سخط الله وغضبه عليهم، ولعنه لهم وهم في العذاب خالدون.
ولو كانوا، أى: اليهود يؤمنون بالله والنبي موسى كما يدعون، ويؤمنون بما أنزل إلى موسى من التوراة ما اتخذوا المشركين من قريش وغيرهم أولياء وحلفاء ضد النبي ﷺ .
ولكن كثيرا منهم فاسقون وخارجون عن حدود الدين ويريدون رئاسة كاذبة وعرضا زائلا.
وفقنا الله للخير، والاهتداء بهدى القرآن والسنة المطهرة إنه سميع الدعاء.
стр. 543
اليهود والنصارى وعلاقتهم بالمؤمنين [سورة المائدة (٥) : الآيات ٨٢ الى ٨٦]
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٨٦)
المفردات:
عَداوَةً العداوة والمحبة: صفتان من صفات النفس، يظهر أثرهما في القول والعمل. قِسِّيسِينَ واحده: قسّ وقسيس، وهو رئيس من رؤساء النصارى، والأصل فيه أن يكون عالما بدينهم وكتبهم. وَرُهْباناً واحده: راهب، وهو العابد المنقطع للعبادة. تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ: تفيض دمعا حتى يتدفق من جوانبها لكثرته.
فَأَثابَهُمُ: جازاهم.
стр. 544
سبب النزول:
اختار ابن جرير أن هذه الآيات نزلت في قوم من النصارى، صفتهم كما ذكر القرآن، أما كونهم من الحبشة أو من نجران، وكون عددهم كذا أو كذا فالله ورسوله أعلم بذلك، والغرض المهم ما تشير إليه الآيات.
المناسبة:
بعد أن تعرض القرآن الكريم لليهود وأعمالهم، وللنصارى وعقائدهم، ذكر هنا أحوالهم في عداوتهم ومحبتهم للمؤمنين، وتعرض للمشركين كذا بالتبع.
المعنى:
تالله لتجدن أشد الناس عداوة للمؤمنين اليهود، وما ذلك إلا أنهم أهل عناد وجحود، وغمط للحقوق يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، خاصة أهل العلم ورجال الدين، ولذا نراهم قتلوا الأنبياء بغير حق، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، ووقفوا مع النبي ﷺ مواقفهم المشهورة. فقد هموا بقتله، وحاولوا ذلك مرارا فسمّوه، وسحروه، وألّبوا عليه القبائل، وكانوا مصدر النفاق والشغب، هذا شأنهم دائما، فهم أهل مكر وخيانة، غلبت عليهم الأنانية وحب المادة، ولؤم الطبع وسوء الصنع، ويقاربهم في هذا أهل الشرك وعبّاد الأوثان، فهم مشتركون معهم في أخص الصفات وإن فاقهم اليهود. وأشد ما لاقى النبي ﷺ من العداوة والإيذاء كان من يهود الحجاز في المدينة وما حولها، ومن مشركي العرب ولا سيما أهل مكة وما قرب منها.
والتاريخ قديما وحديثا ملئ بالشواهد على ذلك، وإن مالأ اليهود المسلمين في بعض الظروف فلأمور سياسية عارضة دفعهم إليها حب المادة وعدل المسلمين.
ولتجدن- أيها الرسول- أقرب الناس مودة وأكثرهم محبة للذين آمنوا بك وصدقوك، الذين قالوا: إنا نصارى وهم أتباع المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، لما
стр. 545
غرست تعاليمه فيهم من الرقة والرأفة والبعد عن التعصب الديني نوعا ما بالنسبة إلى اليهود وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها «١» وفي تعاليمهم: «من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر» . ولقد أشار القرآن الكريم إلى سبب المودة فقال:
ذلك بأن منهم قسيسين يقومون بالتعليم وتهذيب الخلق، وتربية الفضائل وغرس المثل العليا، ومنهم رهبانا يعبدون الله رهبة منه وخوفا، وطمعا وأملا في ثوابه، فهم بعلمهم هذا يعوّدون الناس الزهد والتقشف والبعد عن الدنيا وغرورها، وبأنهم متواضعون لا يستكبرون.
وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول من القرآن ترى أعينهم تفيض من الدمع حتى يتدفق من كل جانب، فيضانا مما عرفوا من الحق الذي نزل على محمد ﷺ إذ هو مصدق لما معهم من الكتاب، ومطابق لما وصف عندهم، ولم يمنعهم عن ذلك عتوّ وعناد متأصل فيهم.
هذا حالهم، أما مقالهم فيقولون: ربنا آمنا بك وبرسلك خاصة محمدا ﷺ فاكتبنا مع الشاهدين، الذين يشهدون يوم القيامة للأنبياء والرسل وهم أمة محمد ﷺ :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «٢» .
أىّ مانع يمنعنا من الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو؟ ويصدنا عن اتباع ما جاءنا من الحق على لسان ذلك الرسول المبشّر به في كتابنا إذ هو روح الحق، وإنا لنطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الذين صلحت نفوسهم، وطهرت أرواحهم بالعقائد الصحيحة والمثل العليا وهم أتباع هذا النبي الكريم.
والمعنى: لا مانع من الإيمان بعد أن ظهرت الحجة ووضح الطريق، ونحن نطمع في أن نكون في عداد الأبرار والأخيار من أصحاب النبي ﷺ . فأثابهم الله وجازاهم بما قالوا عن عقيدة راسخة ونفس مطمئنة راضية، وآتاهم جنات تجرى من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار، هؤلاء هم المسيحيون الأحرار الذين نظروا في تعاليم المسيح الحقيقية فوقفوا على سرها وتكشفت لهم جنباتها،
стр. 546
ورزقوا فكرا حرّا وعقلا رشيدا وروحا طيبة بعيدة عن التعصب تدين بمبدأ (الحكمة ضالة المؤمن يأخذها من أى وعاء خرجت) .
أما السواد الأعظم من المسيحيين الذين غرقوا في بحار التعصب، ولم ينظروا ولم يكفروا وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة، أو من عرفوا الحق وأعرضوا عنه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ «١» فهؤلاء وهؤلاء يقول الله فيهم:
والذين كفروا وكذبوا بآياتنا الدالة على صدق نبينا أولئك هم أصحاب الجحيم الملازمون لها.
التشدد في الدّين [سورة المائدة (٥) : الآيات ٨٧ الى ٨٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)
المفردات:
طَيِّباتِ الطيب: ما تستلذه النفس ويميل إليه القلب. لا تَعْتَدُوا:
لا تتجاوزوا الحدود المرسومة لكم. طَيِّباً: غير مستقذر حسّا أو معنى.
سبب النزول:
روى أن رسول الله ﷺ وصف القيامة يوما لأصحابه فبالغ وأشبع الكلام في الإنذار، فرق فريق من الصحابة، واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون- وكان منهم على بن أبى طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالم مولى أبى حذيفة، وقدامة- واتفقوا على أن يظلوا صائمين قائمين وألا يناموا على الفراش، وألا يأكلوا
стр. 547
اللحم وألا يقربوا النساء وأن يرفضوا الدنيا ويلبسوا المسوح، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا على قيام الليل وصيام النهار. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لهم:
«إنى لم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وقوموا وأفطروا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم، وآتى النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منى» فنزلت الآية.
وعن ابن مسعود أن رجلا قال: إنى حرمت الفراش، فتلا هذه الآية وقال: نم على فراشك وكفر عن يمينك.
كان وصف النصارى بالرهبنة ربما يفيد أنها خير، فكانت هذه الآية القول الفصل والحكم العدل.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا ما طاب ولذ من الحلال فإنه مما تستلذه النفس ويميل إليه القلب، ولا تمنعوا أنفسكم من الطيبات منع تحريم، أو لا تقولوا: حرمنا على أنفسنا كذا وكذا مما هو حلال لكم ومباح.
لا تفعلوا هذا تنسكا وتقربا إلى الله، فإن الله لا يرضى عن ذلك بل ينهى عنه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ «١» ولا تجاوزوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرم فقد حرم عليكم الخبائث وحرم عليكم الإسراف والتقتير، وجعلكم أمة وسطا فلا إفراط ولا تفريط: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ «٢» وكلوا مما رزقكم الله حالة كونه حلالا لا إثم فيه كالربا والرشوة والسحت فإنها إثم وفسوق، وكلوا الطيب الذي ليس مستقذرا في نفسه كالمحرمات العشر السابقة في أول السورة، أو لطارئ كالفساد والتغير بطول المكث.
إن الله لا يحب المعتدين المتجاوزين حدود الشرع، على أن الأكل في الآية يراد به التمتع الشامل للشرب والأكل.
стр. 548
واتقوا الله في الأكل واللباس والنساء وغيرها فلا تحرموا ما أحل الله، ولا تحلوا ما حرم الله ظنا منكم أن هذا خير، لا بل هو تشديد في الدين لا يرضى الله ورسوله، وكذلك لا تسرفوا في التمتع، فمن جعل شهوة بطنه وفرجه أكبر همه فهو من المسرفين إخوان الشياطين، ومن أنفق أكثر من طاقته واستدان ولم يقتصد فهو من المبذرين، ومن قتّر على نفسه وبخل عليها وقد بسط الله له الرزق فهو من المعتدين المذمومين.
والناظر إلى هذه الآية الكريمة يمكنه أن يدرك أن الدين الإسلامى ينظر إلى الروح والجسد نظرة اعتبار واعتدال، «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» ، وبذا كنا أمة وسطا عدولا، وخير الأمور أوسطها، على أن تحريم الطيبات وتعذيب النفس، وإيلام الجسد عبادة مأثورة عن قدماء الهنود واليونان، قلدهم فيها أهل الكتاب خاصة النصارى. والمعروف أن سيرة الرسول ﷺ أنه كان يأكل ما وجد، فتارة يأكل أطيب الطعام كلحوم الأنعام والطير والدجاج، وتارة يأكل أخشنه كخبز الشعير بالملح أو الزيت أو الخل، فكان ﷺ قدوة للغنى والفقير، والصحابة والخلفاء منهم الغنى والفقير فكل ينفق على قدر حاله بلا تقتير ولا إسراف لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ [سورة الطلاق آية ٧] .
الأيمان وكفارتها [سورة المائدة (٥) : آية ٨٩]
لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)
стр. 549
المفردات:
بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ اليمين اللغو: هو ما لا قصد فيه للحلف. عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ عقد الأيمان: توكيدها بالقصد، وتعقيدها: المبالغة في توكيدها.
فَكَفَّارَتُهُ الكفارة: من الكفر وهو الستر، وهي أعمال تكفر بعض الذنوب، أى: تغطيها وتسترها. مِنْ أَوْسَطِ: المراد الوسط في الطعام بلا مبالغة في التقتير أو الإسراف. أَوْ تَحْرِيرُ عتق رقبة.
المناسبة:
روى ابن جرير عن ابن عباس قال: لما نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم قالوا: يا رسول الله: كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
المعنى:
لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم التي لا يتعلق بها حكم شرعي، كلا والله وبلى والله، أى: التي تلقى بلا قصد ولكن لتأكيد الكلام، فهذه لا مؤاخذة فيها، وهذا رأى الشافعى، وعن مجاهد: هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كما ظن، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، ولكن قوله تعالى: عَقَّدْتُمُ يؤيد رأى الشافعى.
ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان وأكدتموها بالقصد وصممتم عليها إذا حنثتم فيها، وكانت بالله أو بصفة من صفاته، أما غير ذلك فليس بيمين:
«سمع رسول الله ﷺ عمر- رضى الله عنه- يحلف بأبيه فقال: من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» .
أما الحلف بغير الله من مخلوق كنبي أو ولى فليس بيمين بل إنه حرام.
ويحرم الحنث في اليمين إذا حلفت على فعل واجب، وإذا حلفت على فعل مندوب أو مباح يندب الوفاء ويكره الحنث، وإذا حلفت على محرم وجب الحنث في اليمين والكفارة.
فقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» .
стр. 550
أما كفارة اليمين إذا حنثت فيه:
فكفارته: إطعام عشرة مساكين طعاما وسطا بلا إسراف ولا تقتير، كما تطعم أهلك في الظروف المعتدلة، ومن زاد في الخير فلا بأس به، وقدر بنصف صاع من برّ أو صاع من غيره لكل مسكين، والصاع بالكيل المصرى قدحان وثلث. أو تغديهم وتعشيهم بخبز ولحم أو لبن، أو خضار، أو زيت، كل على قدر طاقته.
فإن لم يكن طعام لعشرة فكسوتهم لكل فقير (جلابية) متوسطة الثمن أو قميص أو سروال أو طاقية، أو تحرير رقبة مؤمنة، فهو مخير بين الإطعام والكسوة والعتق، فمن لم يجد ذلك ولم يستطع إطعام أو كسوة أو عتقا، فعليه صيام ثلاثة أيام متتالية على الصحيح، وقد فسروا الاستطاعة بأن يكون عنده ما يزيد على إطعام أهله يوما وليلة.
فإن عجز عن ذلك كله استقر الحق في ذمته حتى يستطيع، ذلك المذكور كفارة أيمانكم، إذا حلفتم حلفا شرعيّا وحنثتم، واحفظوا أيمانكم، فلا تبذلوها لأتفه الأسباب، ولا تجعلوها عرضة، وإن حنثتم فاحفظوها بالكفارة، وإن حلفتم فلا تنسوا ما حلفتم عليه، ولا تحشوا إلا لضرورة، ويكون الحنث فيها أفضل من السير مع اليمين الكاذبة. مثل هذا البيان الشافي الواضح يبيّن الله لكم آياته وأحكامه ليعدّكم ويؤهلكم لشكره على نعمه جل شأنه.
واليمين الغموس: التي يضيع بها حق المسلم، أو يقصد بها غش أو خيانة، فلا يكفرها عتق ولا صدقة ولا صيام، بل لا بد فيها من توبة ورجوع إلى الله مع أداء الحقوق لأربابها، قال رسول الله: «من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان» (رواه البخاري ومسلم) ، ويقول الله: وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [سورة النحل آية ٩٤] .
стр. 551
الخمر والميسر وخطرهما [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٠ الى ٩٣]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)
المفردات:
الْخَمْرُ: كل شراب مسكر. الْمَيْسِرُ في أصل اللغة: القمار بالقداح في كل شيء، ثم غلب في كل مقامرة، وقد مضى الكلام عليه في آية البقرة ٢١٩.
الْأَنْصابُ: حجارة كانت حول الكعبة يذبحون قرابينهم عندها. الْأَزْلامُ:
قطع رقيقة من الخشب كالسهم كانوا يستقسمون بها، وقد مر أول هذه السورة في آية (٣) تفصيلها. رِجْسٌ: مستقذر حسا ومعنى. طَعِمُوا طعم الشيء يطعمه:
ذاق طعمه عن طريق الأكل أو الشراب.
المناسبة:
بعد أن نهى الله- عن تحريم الطيبات من الرزق، وأمر بأكل
стр. 552
الحلال الطيب بلا إسراف ولا تقتير، وكانوا يستطيبون الخمر والميسر ناسب أن يتعرض القرآن لبيان حقيقتهما.
روى أن عمر كان يدعو الله تعالى قائلا: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فلما نزلت آية البقرة ظل على دعائه، ولما نزلت آية النساء ظل كذلك على دعائه، فلما نزلت آية المائدة، وسمع قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال: انتهينا! وكانت هذه الآية هي الفاصلة القاضية.
روى أن عمر قال حين سمع إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الآية: أقرنت بالميسر والأنصاب والأزلام؟ بعدا لك وسحقا!!! وتركها الناس وأراقوها في الطرقات.
وروى عن ابن عباس قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شربوا، وثملوا، واعتدى بعضهم على بعض، فلما صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه ولحيته، فيقول: صنع بي أخى فلان هذا، ولو كان رءوفا بي ورحيما ما صنع هذا!!! وقد وقعت بينهم ضغائن فأنزل الله هذه الآية إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ فقال ناس: هي رجس وهي في بطن فلان كحمزة مثلا وقد قتل يوم أحد، وفي بطن فلان وقد قتل يوم بدر، فأنزل الله لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ الآية.
ولعلك تسأل ما الحكمة من تحريم الخمر تدريجياّ؟؟ وما علمت أنها الحكمة العالية والدواء الناجع لهذا الداء المتأصل، الذي أدمنت العرب على شربه، فلو حرمت الخمر دفعة واحدة لكان ذلك أدعى لتنفير الناس من الدين كله.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله: اعلموا أن هذا الوصف يوجب عليكم الامتثال لأمر الله والتزام حدود الشرع، واعلموا أنما الخمر وهي: ما خامر العقل، أى: ستره فأسكره رجس من عمل الشيطان وصنعه، وهو عدوكم اللدود، الذي لا يعمل إلا للشر ولا يزيّن إلا للهلاك!!! ولقد خطب عمر بن الخطاب يوما على منبر الرسول ﷺ فقال: «قد نزل تحريم
стр. 553
الخمر يوم نزل وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر:
ما خامر العقل» ، وهذا أبين بيان في حقيقة الخمر، يخطب عمر بالمدينة على مرأى ومسمع من صحابة رسول الله ﷺ ، وهم أهل اللسان والبيان، وأعلم الناس بلغة القرآن، فلا ينكر أحد عليه ولا يستفسر أحد عن نوع دون نوع!!! ولا تنس
قوله ﷺ : «كل مسكر خمر وكل خمر حرام»
فإن كل مادة مغيبة للعقل مهلكة للصحة فهي خمر وإن تعددت الأسماء، وإذا ثبت هذا بطل رأى القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب وما كان من غيره لا يسمى خمرا.
والنبيذ قديما: عبارة عن تمر أو زبيب ينقع في ماء حتى يحلو الماء فيشرب، وهذا حلال حيث لم يختمر ولم يسكر، وأقرب الأشياء به ما يسمى بالخشاف في مصر، أما النبيذ المستعمل الآن فخمر وحرام ومسكر ... وفي آية ٢١٩ من سورة البقرة بيان واضح متمم لما هنا.
إنما الخمر والميسر والأنصاب المنصوبة من حجارة حول الكعبة وكانوا يعظمونها والأزلام وكانوا يستقسمون بها إنما ذلك رجس وقذارة!! وأى رجس أكبر من هذا؟
فالخمر والميسر مستقذران حسا ومعنى، من ناحية الشرع والعقل، وهما من عمل الشيطان وصنعه، فاجتنبوا هذا الرجس واتركوه، واجعلوه في جانب وأنتم في جانب، رجاء أن تفلحوا وتفوزوا بما فرض عليكم من تزكية أنفسكم وسلامة أبدانكم إذ هما من أخطر الأمراض اجتماعيا ودينياّ واقتصادياّ.
أما الخطر الاجتماعى فالشيطان يريد لكم- بشرب الخمر ولعب الميسر- أن تقع بينكم العداوة والبغضاء فيقضى على جماعتكم، ويشتت شملكم ويهدم كيانكم، والإسلام حريص جدّا على أخوتكم واتحادكم وتضامنكم وإزالة أسباب الشقاق والنزاع فيما بينكم.
والشواهد على هذا كثيرة واضحة، ولا غرابة فالخمر تذهب العقل الواعي وتستره، وهو الذي يدرك قواعد العرف والدين التي تمنعنا عن الشر والوقوع فيه، فإذا ضاع واستتر، ظهر الإنسان بشهواته وطبيعته الحيوانية يأتى الدنية، ويقوم بأحط الأعمال وأقذرها!!
стр. 554
والميسر وما فيه من ربح وخسارة، بلا عمل وتجارة، مثار العداوة والبغضاء في نفوس اللاعبين.
أما ضياع الشخصية وفناء الشباب وهلاك الصحة، والانغماس في تيار الرذيلة فشيء لا ينكره عاقل، ولا يحتاج إلى نص.
وأما الناحية المالية فحدث عنها ولا حرج، فكم من بيوت هدمت وكم من أموال بددت، على الموائد الخضراء والحمراء في الليل والنهار؟؟
وأما الخطر الديني وما أدراك ما هو؟!! فهما يصدان عن ذكر الله، الذي يجلو القلوب ويزكيها، ويطهر النفوس ويهديها، وهما يمنعان من الصلاة التي هي عماد الدين إذ السكران لا عقل له ولا قلب فكيف يهتدى إلى الخير وإلى الصلاة؟؟ ولاعب الميسر يجلس الساعة والساعات بل يواصل ليله ونهاره ولا يدرى ما حوله ولا يشعر بنفسه، قد نسى بيته وأهله وولده، وإنه ليقضى الوقت بين الأوراق والنار تشتعل في بيته فلا يغيث أهله مع الناس فكيف يفكر في الصلاة؟ على أنه إذا صلّى بلا روح وبلا قلب.
فهل أنتم يا من اتصفتم بوصف الإيمان وتحليتم به منتهون بعد هذا البيان اللاذع والقول الفاضح؟! وهذا أمر بالانتهاء جاء على أسلوب بليغ جدّا يدركه من يقف على أسرار بلاغة القرآن.
وكيف لا يكون هذا شأن الخمر والميسر؟ وقد نفر الله منهما، وأكد تحريمهما بوجوه من التأكيد أهمها.
سماهما رجسا من عمل الشيطان (الخمر أم الخبائث) بل قصرهما على الرجس لا يتعديانه إلى غيره، وقرنهما بالأنصاب والأزلام، وأنت تعرف أنهما من أعمال الشرك وخرافات الوثنية (مدمن الخمر كعابد الوثن) .
وعلق الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة على اجتنابهما.
وجعلهما مثار العداوة والبغضاء، ومبعث الشقاق والشحناء.
стр. 555
وهما يصدان عن ذكر الله، والله يقول: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد ٢٨] .
وكان ختام الآية بقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ على ما فيه من البلاغة والبيان أتم صارف للمسلمين عنهما وصادّ.
وأطيعوا الله- تعالى- فيما أمركم به، وأطيعوا الرسول فيما بينه لكم، واحذروا عاقبة المخالفة وما تجر من الخيبة والندامة فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [سورة النور آية ٦٣] .
فإن توليتم بعد هذا فلا تلومنّ إلا أنفسكم، واعلموا أنما على رسولنا البلاغ فقط، وعلينا الحساب والجزاء يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار ١٩] .
ومن مات قبل التحريم فلا شيء عليه إذ هناك قانون عام وهو: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات كحمزة الذي استشهد قبل تحريم الخمر وغيره، ليس عليهم جناح فيما طعموه إذا ما اتقوا الله وعملوا الصالحات الباقيات التي شرعت في حياتهم كالصلاة والصيام وغيرهما، ثم اتقوا ما حرم عليهم، وآمنوا بما نزل فيه وفي غيره ثم استمروا على التقوى والإحسان وعمل الصالحات، والله يحب المحسنين المتقنين أعمالهم المخلصين فيها.
التداوى بالخمر:
قال النبي ﷺ : «إنه ليس بدواء ولكنه داء» ... «وما جعل الله شفاء أمتى فيما حرم عليها»
ولقد ناقشت طبيبا من كبار الأطباء في ذلك فقال: ليس هناك مرض يتعين علاجه بالخمر وحدها
وقول النبي ﷺ : «إنه داء»
أكده رأى الطب إذ إن الخمر تولد أمراضا كثيرة يموت بها كل عام عدد لا يحصى من الناس، وفكرة التداوى بالخمر حيلة شيطانية حتى تتمكن من النفس وتصبح عادة يصعب انتزاعها.
وحكم شارب الخمر الحد أربعين جلدة، وقيل ثمانين،
فقد روى أن النبي ﷺ جلد أربعين
، وفعل أبو بكر مثله، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن:
أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر. والرأى أنه لا يقل عن أربعين ولا يزيد عن ثمانين.
ومثل الميسر كل لعب على مال، أما الشطرنج والنرد والألعاب الأخرى فإن أورثت العداوة وصدت عن ذكر الله وعن الصلاة فهي كالميسر، وإلا فإنها مكروهة مطلقا.
стр. 556
ومثل الخمر كل مادة يحصل منها ضرر مالي أو جسمانى أو خطر اجتماعي أو خطر ديني كالحشيش والأفيون.
الصيد في الإحرام وجزاؤه [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٤ الى ٩٦]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٩٥) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)
المفردات:
لَيَبْلُوَنَّكُمُ: ليعاملنكم معاملة من يختبركم. تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ: يكون في متناول اليد. حُرُمٌ: محرمون بحج وعمرة، أو في مكان الحرم. عَدْلٍ:
مساو له. وَبالَ أَمْرِهِ: عاقبة أمره الثقيلة. لِلسَّيَّارَةِ: جمع سيار، وهو المسافر.
стр. 557
المناسبة:
أحل الله لنا أكل الطيبات من الرزق واستثنى الخمر وما شاكلها، وهنا أضاف لها الصيد في الإحرام وبيّن جزاءه.
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله: ليبلونكم الله، وليعاملنكم معاملة من يختبركم بشيء من الصيد، أى: بعض منه وهو صيد البر لا صيد البحر، اختبركم بإرساله بحيث يسهل تناول بعضه بالأيدى، وبعضه بالرماح، وكيف لا يكون هذا اختبارا وابتلاء؟
والمصيد طعامه لذيذ، واصطياده حبيب إلى النفس في الأسفار، فإذا أضيف إلى ذلك كثرته وعدم تأبّيه، كان هذا اختبارا وأى اختبار؟ يفعل الله هذا، ليعلم علم ظهور وانكشاف من يخافه بالغيب، ومن يخافه أمام الناس فقط، كالمنافقين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم والله عالم بكل شيء، ولكن يريد ليطهركم، وليتم نعمته عليكم بالامتثال.
فمن اعتدى منكم بعد ذلك البيان، فله عذاب شديد في الدنيا والآخرة.
يا أيها الذين اتصفتم بالإيمان، وصدقتم الرسول، وآمنتم بالقرآن، لا تقتلوا صيد البر، وهذا النهى هو الابتلاء المذكور في الآية السابقة، لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحج أو عمرة أو في مكان الحرم وإن لم تحرموا، وذلك إجلالا للحج وشعائره، واحتراما للمكان وهيبته، إذ هو مباءة للناس والطير وأمن لهم، وهذا في الحرم المكي، أما الحرم المدني فلا يجوز فيه الاصطياد لأحد ولا قطع الشجر كحرم مكة فإن فعل هذا أحد أثم ولا جزاء عليه عند مالك والشافعى،
ورد عن رسول الله في الصحيح «اللهم إن إبراهيم حرم مكة وإنى أحرم المدينة مثل ما حرم به مكة لا يختلى خلاها (الخلى:
النبات الرقيق ما دام رطبا، ويختلى: يقطع) ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها» .
ومن قتله منكم عامدا قاصدا له، فعليه جزاء من النّعم مماثل له في هيئته وصورته، إن وجد المثل وإلا فقيمته، وقيل: يقوّم من أول الأمر، واعلم أن ما يجزى من الصيد شيئان دواب وطير، فيجزى ما كان من الدواب بنظيره في الخلقة والصورة ففي النعامة
стр. 558
بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، وفي الظبى شاة ... إلخ على ما هو مذكور في كتب الفقه وفي الطير قيمته إلا حمام مكة فإن الحمامة شاة اتباعا للسلف في ذلك.
وقد ورد عن جابر عن النبي ﷺ قال: «في الضبع إذا أصابه المحرم كبش، وفي الظبى شاة، وفي الأرنب عناق» «١»
والعناق: الأنثى من المعز لم تبلغ سنة.
واعلم أن الآية الكريمة، أفادت أن القتل العمد فيه الجزاء، والسنة النبوية أفادت أن الخطأ كذلك، عن سعيد بن جبير: لا أرى في الخطأ شيئا. أخذا بظاهر الآية والله أعلم بكتابه.
والصيد الذي نهت عنه الآية: كل حيوان وحشي يؤكل لحمه، فلا شيء في قتل الحمار الأهلى مثلا، ولا ما لا يؤكل لحمه من السباع، والحشرات، والفواسق كالحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور، وألحق مالك بالكلب الذئب والأسد والنمر.
ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم: يحكم به اثنان ذوا عدل منكم من أهل المعرفة والعدل من المؤمنين، وإنما احتجنا للتحكيم لأن المماثلة بين النعم والصيد، ما تخفى على كثير خصوصا في هذه الأيام، وقد توالدت أشكال وأصناف من الحيوان والطيور، وما لا مثل له يحكم فيه بالقيمة.
فجزاء مثل ما قتل من النعم هديا بالغ الكعبة، وأصلا إليها، يذبح عندها ويفرق على مساكين الحرم.
نعم عليه جزاء مماثل لما قتل أو كفارة هي أن يقوّم الصيد الذي أصابه فينظركم ثمنه من الطعام؟ فيطعم لكل مسكين مدّا أو يصوم مكان كل مد يوما.
وعند أبى حنيفة يقوّم الصيد أوّلا وجد له مثل أولا والآية لا تمنع هذا. روى ابن جرير عن ابن عباس قال: إذا قتل المحرم شيئا من الصيد فعليه فيه الجزاء، فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه ذبح شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام.
أوجبنا هذا ليذوق عاقبة أمره وسوء فعله، حيث هتك حرمة الإحرام وعفا الله عما سلف قبل نزول الآية.
стр. 559
ومن عاد بعد هذا فينتقم الله منه أشد الانتقام في الآخرة، والله عزيز الانتقام، لا يغلبه عاص أو مذنب.
أيها المسلمون أحل لكم صيد البحر سواء كان حيا أو ميتا، قذفه البحر أو طفا على وجهه، أو انحسر عنه الماء فهو الحل ميتته، الطهور ماؤه، أحله الله متاعا لكم وللسيارة المسافرين، فمن كان مقيما فليأكل من صيده الطازج، ومن كان مسافرا فعنده السمك المحفوظ، وحرم عليكم صيد البر من الوحش والطير ما دمتم حرما، أى: فلا مانع من أكل ما صاده غيركم، أو صدتموه في غير الإحرام،
عن النبي ﷺ قال: «صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصد لكم» «١»
واتقوا الله الذي إليه تحشرون.
البيت الحرام والشهر الحرام ومكانتهما [سورة المائدة (٥) : آية ٩٧]
جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)
المفردات:
جَعَلَ يصح أن تفسر بالجعل التكويني الخلقي أو التشريعي الْكَعْبَةَ:
البيت المربع، وقيل: المرتفع، وقد غلب اسمها على البيت المقدس الذي بناه إبراهيم وإسماعيل بمكة ﵉. قِياماً لِلنَّاسِ: ما به يقوم أمرهم ويصح شأنهم.
وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ تقدم تفسير ذلك أول السورة.
قال الرازي: الله تعالى حرم في هذه الآية المتقدمة الاصطياد على المحرمين، فكان الطير والوحش آمنا على نفسه وولده، وفي هذه الآية أفاد أن الحرم سبب لأمن الناس وهدايتهم لحصول الخيرات والسعادة في الدنيا والآخرة لهم.
стр. 560
المعنى:
جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس الذين يسكنونها، حيث يجلب إليهم الخيرات، ويرزقهم من الثمرات ويجعل قلوب الناس تهوى إليهم، وتعطف عليهم وبذلك يقوم أمرهم، ويصلح شأنهم، وكذا من حج إليها واعتمر يجدون فيها الخير والسعادة، والراحة والطمأنينة، وكل ذلك إجابة لدعاء إبراهيم- ﵇:
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [ابراهيم ٣٧] .
وجعلها الله قياما للناس في أمر دينهم المهذّب لأخلاقهم المزكّى لأنفسهم، أليست مكان الحج الذي هو ركن من أركان الدين؟ فيه يعقد المؤتمر العام للمسلمين الذين يهرعون إليه من كل فج عميق كبارهم وزعماؤهم. وأغنياؤهم، يتباحثون ويقفون على أمور دينهم، وتنبعث القوة في نفوسهم، ويتجدد الإسلام في أعماقهم، وتتأكد الرابطة بينهم إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ «١» وجعل الله الشهر الحرام قياما للناس كذلك فهو مثابة للناس وأمن في الجاهلية والإسلام، فيه يأمنون على أنفسهم وتجارتهم وأموالهم، فيه يلقى السلاح، وتهدأ النفوس، وتسكن الفتن، وتخمد نار الحرب المستعرة، ألست معى في أنه قيام للناس؟ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ «٢» وكان الهدى والقلائد قياما للناس فمن بذلها قوّمت له دينه، وكفرت عن ذنبه، وطهرت له نفسه، وزكّت ماله، وجعلته آمنا على نفسه وهي عند من يأخذها قوام حياته.
كل ذلك لتعلموا أن هذه الأمور لحكم، الله يعلمها، ولا يمكن أن تصدر إلا من عالم بما في السموات وما في الأرض، وأنه بكل شيء عليم.
والناظر إلى الحج يجده دعامة من أقوى الدعائم للإسلام، يعرفه الغربيون ويعرفون أثره في نفوس المسلمين، وما يحصل بسببه من تقوية أواصر الصلات، وإذكاء روح الدين بين المؤمنين.
стр. 561
ترغيب وترهيب [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٨ الى ١٠٠]
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)
المفردات:
الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ: الحلال والحرام، والرديء والجيد. الْأَلْبابِ:
العقول.
المعنى:
الله- سبحانه- عليم بكل شيء، وعليم بما في السموات وما في الأرض. وهو القاهر فوق عباده، الرحمن الرحيم، ومقتضى هذا كله أنه لم يخلقنا عبثا ولم يتركنا هملا، بل لا بد من جزاء العاصي، وإثابة المطيع اعلموا أن الله شديد العقاب، وسريع الحساب، وقوى العذاب لمن عصى وطغى، وتجبر وبغى، وهو رءوف بالعباد غفور للسيئات، رحيم بمن عمل سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح. وأما من نشأ طائعا ولم يدنس نفسه أبدا فهنيئا له الرضوان ثم هنيئا!.
وإذا كان الأمر كذلك فاعلموا أنه ما على الرسول إلا البلاغ وعلى الله وحده الحساب وإليه المرجع والمآب، والله يعلم ما تبدون وما تكتمون، وهو الذي يعلم السر وأخفى، والغيب والشهادة فاتقوا الله واحذروا حسابه، قل لهم: يا أيها الرسول
стр. 562
لا يستوي الخبيث والطيب، والحلال والحرام، وهل يستوي الجيد والرديء؟ وكيف يستويان؟!! أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ «١» أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
«٢» !!! قل لهم: لا يستوي الخبيث والطيب أبدا، ولو أعجبك كثرة الخبيث من العصاة والكفار وقلة الطيب من المسلمين والأبرار.
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل
فاتقوا الله يا أولى الألباب وتذكروا فإنما يتذكر أولوا العقول الصحيحة الذين يحكمون أحكاما سليمة موفقة تفرق بين النافع حقيقة وإن شابه تعب ومشقة، وبين الضار المهلك وإن ازينت له الدنيا وازّخرفت.
السؤال الضار [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠١ الى ١٠٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢)
سبب النزول:
روى مسلم عن أبى هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم.
فأنزل الله هذه الآية.
стр. 563
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تسألوا عن أشياء من أمور الدين ودقائقه التي تركت رحمة بكم وإشفاقا عليكم، وقيل المعنى: لا تكثروا من السؤال عما لا يعنيكم من أحوال الناس، وهذا مثل قوله تعالى: «وَلا تَجَسَّسُوا [سورة الحجرات آية ١٢] .
وليس المراد النهى عن السؤال مطلقا في أمور الدين. لا، بل قد أقر الشرع سؤالهم عن توضيح أحكام العدة والخمر وغيرهما فلا حرج في مثل هذا، وإنما الحرج في التشدد في العمل وكثرة التكاليف لأن هذا قد يؤدى للإهمال وقد يؤدى إلى الخروج من الدين كما حصل في الأمم السابقة.
وقد سأل سائل منهم النبي ﷺ عن أبيه من هو؟ وهل الحج واجب في كل سنة أم لا؟ وغير ذلك من الأسئلة المحرجة التي فيها العنت والمشقة على الناس.
وإن تسألوا عن غير هذه المسائل الشائكة مما تمس الحاجة إليه من تحريم أو تحليل أو حكم جديد تجابون إلى طلبكم فإنه خير، فالنهي إذن في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه، وكان في الإجابة عنه مشقة وزيادة كلفة. وقيل: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم، وعلى هذا خرج
حديث ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» .
قد سأل مثلها قوم قبلكم فلما أجيبوا وفرضت عليهم كفروا بها وقالوا: ليست من عند الله، وما قوم صالح وأصحاب البقرة منكم ببعيد فاعتبروا يا أولى الأبصار، ولا تشددوا فيشدد الله عليكم، فإن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه الدين فسددوا وقاربوا.
стр. 564
نوع من ضلال الجاهلية [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٤]
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤)
المفردات:
بَحِيرَةٍ: هي الناقة يبحرون أذنها، أى: يشقونها شقّا واسعا إذا نتجت خمسة أبطن وكان الخامس أنثى، وكان يمنح درها للطواغيت فلا يحلبها أحد. سائِبَةٍ السائبة: الناقة التي تسيب لآلهتهم فترعى حيث شاءت، ولا يحمل عليها ولا يجز صوفها ولا يأخذ لبنها إلا ضيف. وَصِيلَةٍ الوصيلة: الشاة أو الناقة التي تصل أخاها. فقد كانوا إذا ولدت الشاة ذكرا كان لآلهتهم، وإذا ولدت أنثى كانت لهم، فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر إلا لآلهتهم. وقيل في تفسيرها غير ذلك. حامٍ الحامى: الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن فيقولون: حمى ظهره فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى.
أخرج ابن جرير عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون: رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار (القصب: المعى، والأقصاب: الأمعاء) فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك، فقال أكثم:
أخشى أن يضرّ بي شبهه يا رسول الله، فقال رسول الله: لا إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غير دين إسماعيل وبحر البحيرة وسيب السائبة وحمى الحامى.
стр. 565
المعنى:
أيها المسلمون ما جعل الله في الدين الإسلامى من بحيرة، ولا سيّب سائبة، ولا وصل وصيلة، ولا حمى حاميا، أى: ما شرع ذلك ولا أمر به، فما كان يفعله الجاهليون فهو رد عليهم غير مقبول منهم.
ولكن الذين كفروا- إذ يفعلون ما يفعلون- إنما يفترون على الله الكذب، حيث قالوا أمرنا الله بهذا، وقالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، ولا حرمنا من دونه من شيء!! قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن، وما تهوى الأنفس، وقد ثبت في الصحيح كما مر أن أول من سنّ هذا هو عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف ولكن أكثرهم لا يعلمون.
وإذا قيل لهم: تعالوا أيها الضالون إلى نور القرآن وإلى هدى الرسول وحكّموا عقولكم وانزعوا عنها غطاء التعامي عن آيات الله قالوا غرورا وجهلا وسفها وحمقا:
حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا فآباؤنا مصدر التشريع الصحيح!! أيتبعونهم ويتركون الدين الصحيح والتشريع القويم، ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا أبدا ولا يهتدون إلى خير أصلا، ولا غرابة فهم الذين عاشوا في العداوة والبغضاء والحروب والغارات وشرب الخمر ووأد البنات، وعمل الفحش والمنكرات!! وهل كانت هناك جاهلية جهلاء؟ وضلالة عمياء أسوأ من هذا؟
في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)
المناسبة:
بعد أن بين الله ضلال أهل الشرك وعنادهم، وتفكيرهم السقيم في اتباع آبائهم، خفف