ترغيب وترهيب [سورة المائدة (٥) : الآيات ٩٨ الى ١٠٠]
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠)
المفردات:
الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ: الحلال والحرام، والرديء والجيد. الْأَلْبابِ:
العقول.
المعنى:
الله- سبحانه- عليم بكل شيء، وعليم بما في السموات وما في الأرض. وهو القاهر فوق عباده، الرحمن الرحيم، ومقتضى هذا كله أنه لم يخلقنا عبثا ولم يتركنا هملا، بل لا بد من جزاء العاصي، وإثابة المطيع اعلموا أن الله شديد العقاب، وسريع الحساب، وقوى العذاب لمن عصى وطغى، وتجبر وبغى، وهو رءوف بالعباد غفور للسيئات، رحيم بمن عمل سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح. وأما من نشأ طائعا ولم يدنس نفسه أبدا فهنيئا له الرضوان ثم هنيئا!.
وإذا كان الأمر كذلك فاعلموا أنه ما على الرسول إلا البلاغ وعلى الله وحده الحساب وإليه المرجع والمآب، والله يعلم ما تبدون وما تكتمون، وهو الذي يعلم السر وأخفى، والغيب والشهادة فاتقوا الله واحذروا حسابه، قل لهم: يا أيها الرسول
стр. 562
لا يستوي الخبيث والطيب، والحلال والحرام، وهل يستوي الجيد والرديء؟ وكيف يستويان؟!! أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ «١» أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
«٢» !!! قل لهم: لا يستوي الخبيث والطيب أبدا، ولو أعجبك كثرة الخبيث من العصاة والكفار وقلة الطيب من المسلمين والأبرار.
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل
فاتقوا الله يا أولى الألباب وتذكروا فإنما يتذكر أولوا العقول الصحيحة الذين يحكمون أحكاما سليمة موفقة تفرق بين النافع حقيقة وإن شابه تعب ومشقة، وبين الضار المهلك وإن ازينت له الدنيا وازّخرفت.
السؤال الضار [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠١ الى ١٠٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (١٠٢)
سبب النزول:
روى مسلم عن أبى هريرة قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم.
فأنزل الله هذه الآية.
стр. 563
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تسألوا عن أشياء من أمور الدين ودقائقه التي تركت رحمة بكم وإشفاقا عليكم، وقيل المعنى: لا تكثروا من السؤال عما لا يعنيكم من أحوال الناس، وهذا مثل قوله تعالى: «وَلا تَجَسَّسُوا [سورة الحجرات آية ١٢] .
وليس المراد النهى عن السؤال مطلقا في أمور الدين. لا، بل قد أقر الشرع سؤالهم عن توضيح أحكام العدة والخمر وغيرهما فلا حرج في مثل هذا، وإنما الحرج في التشدد في العمل وكثرة التكاليف لأن هذا قد يؤدى للإهمال وقد يؤدى إلى الخروج من الدين كما حصل في الأمم السابقة.
وقد سأل سائل منهم النبي ﷺ عن أبيه من هو؟ وهل الحج واجب في كل سنة أم لا؟ وغير ذلك من الأسئلة المحرجة التي فيها العنت والمشقة على الناس.
وإن تسألوا عن غير هذه المسائل الشائكة مما تمس الحاجة إليه من تحريم أو تحليل أو حكم جديد تجابون إلى طلبكم فإنه خير، فالنهي إذن في شيء لم يكن بهم حاجة إلى السؤال فيه، وكان في الإجابة عنه مشقة وزيادة كلفة. وقيل: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم، وعلى هذا خرج
حديث ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها» .
قد سأل مثلها قوم قبلكم فلما أجيبوا وفرضت عليهم كفروا بها وقالوا: ليست من عند الله، وما قوم صالح وأصحاب البقرة منكم ببعيد فاعتبروا يا أولى الأبصار، ولا تشددوا فيشدد الله عليكم، فإن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه الدين فسددوا وقاربوا.
стр. 564
نوع من ضلال الجاهلية [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٤]
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤)
المفردات:
بَحِيرَةٍ: هي الناقة يبحرون أذنها، أى: يشقونها شقّا واسعا إذا نتجت خمسة أبطن وكان الخامس أنثى، وكان يمنح درها للطواغيت فلا يحلبها أحد. سائِبَةٍ السائبة: الناقة التي تسيب لآلهتهم فترعى حيث شاءت، ولا يحمل عليها ولا يجز صوفها ولا يأخذ لبنها إلا ضيف. وَصِيلَةٍ الوصيلة: الشاة أو الناقة التي تصل أخاها. فقد كانوا إذا ولدت الشاة ذكرا كان لآلهتهم، وإذا ولدت أنثى كانت لهم، فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر إلا لآلهتهم. وقيل في تفسيرها غير ذلك. حامٍ الحامى: الفحل يولد من ظهره عشرة أبطن فيقولون: حمى ظهره فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى.
أخرج ابن جرير عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون: رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار (القصب: المعى، والأقصاب: الأمعاء) فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك، فقال أكثم:
أخشى أن يضرّ بي شبهه يا رسول الله، فقال رسول الله: لا إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غير دين إسماعيل وبحر البحيرة وسيب السائبة وحمى الحامى.
стр. 565
المعنى:
أيها المسلمون ما جعل الله في الدين الإسلامى من بحيرة، ولا سيّب سائبة، ولا وصل وصيلة، ولا حمى حاميا، أى: ما شرع ذلك ولا أمر به، فما كان يفعله الجاهليون فهو رد عليهم غير مقبول منهم.
ولكن الذين كفروا- إذ يفعلون ما يفعلون- إنما يفترون على الله الكذب، حيث قالوا أمرنا الله بهذا، وقالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا، ولا حرمنا من دونه من شيء!! قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن، وما تهوى الأنفس، وقد ثبت في الصحيح كما مر أن أول من سنّ هذا هو عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف ولكن أكثرهم لا يعلمون.
وإذا قيل لهم: تعالوا أيها الضالون إلى نور القرآن وإلى هدى الرسول وحكّموا عقولكم وانزعوا عنها غطاء التعامي عن آيات الله قالوا غرورا وجهلا وسفها وحمقا:
حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا فآباؤنا مصدر التشريع الصحيح!! أيتبعونهم ويتركون الدين الصحيح والتشريع القويم، ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا أبدا ولا يهتدون إلى خير أصلا، ولا غرابة فهم الذين عاشوا في العداوة والبغضاء والحروب والغارات وشرب الخمر ووأد البنات، وعمل الفحش والمنكرات!! وهل كانت هناك جاهلية جهلاء؟ وضلالة عمياء أسوأ من هذا؟
في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٥]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)
المناسبة:
بعد أن بين الله ضلال أهل الشرك وعنادهم، وتفكيرهم السقيم في اتباع آبائهم، خفف
стр. 566
الله عن المؤمنين أوزارهم، وأمر بأن يكملوا أنفسهم بالعمل الطيب، ولا عليهم شيء بعد هذا.
المعنى:
يا أيها المؤمنون عليكم أنفسكم، كملوها بالعلم والعمل وأصلحوها بالقرآن والسنن وانظروا فيما يقربها إلى الله حتى تكون في رفقة الأنبياء الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وبعد هذا لا يضركم من ضل إذا اهتديتم.
نعم لا يضركم شيء إذا قمتم بما عليكم من واجبات وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكرات، فالله يقول: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «١» ثم إلى الله وحده المرجع والمآب وسيجازى كلا على عمله، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر.
روى ابن كثير أن أبا بكر خطب في الناس فقال: «أيها الناس إنكم تقرءون وهذه الآية (عليكم أنفسكم ... الآية) وإنكم تضعونها في غير موضعها وإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقاب»
وفي حديث أبى ثعلبة الخشني قال: «لقد سألت عنها خبيرا (أى: هذه الآية) سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحّا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك العوام فإن من ورائك أياما، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون كعملكم» .
وفي رواية لابن عمر: إن هذه الآية تأويلها في غير زمن النبوة بل في القرون الآتية بعد، وعن سعيد بن المسيب: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلا يضركم من ضل إذا اهتديتم.
والخلاصة أن السلف متفقون على أن المسلم يكمل نفسه بالعمل الصالح، ويكمل غيره بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وأن هذا فرض لا يسقط إلا إذا اضمحل الزمان، وفسد الناس فسادا يؤدى إلى إيذاء الواعظ إيذاء يهلكه.
والرأى- والله أعلم- أن الله يخاطب الجماعة في مقام الأمر بالمعروف والنهى عن
стр. 567
المنكر وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ «١» وهنا لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ هذه الجماعة لا يضرها أبدا إيذاء ما دامت أمة متحدة مستمسكة بدينها.
داعية إلى الخير آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر.
فإن سقط الأمر بالمعروف أو خف عن الفرد في زمن من الأزمان- والحمد لله لم يحصل بعد- فلن يسقط ولن يخف عن الجماعة.
حقيقة إن الوعظ الفردى قد يكون عسيرا ولكن الوعظ الجماعى مع تقوية السناد بكثرة الأفراد الصالحين هو طريق الإصلاح والخير، وليس أجدى على الأمة من تكتل الدعاة واجتماع طلاب القرآن وحكمه ففيهم الخير فيما نعلم، وإليهم تتجه أنظار المسلمين.
الشهادة على الوصية حين الموت وأحكامها [سورة المائدة (٥) : الآيات ١٠٦ الى ١٠٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)
стр. 568
المفردات:
شَهادَةُ هي: قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة. ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ: سافرتم لأن المسافر يضرب الأرض برجليه. تَحْبِسُونَهُما:
تمسكونهما. إِنِ ارْتَبْتُمْ: شككتم في صدقهما فيما يقرّان به. عُثِرَ اطّلع، وأعثر عليه: أعلمه به.
سبب النزول:
كان تميم الداري، وعدى بن بدّاء رجلين نصرانيين يتجران إلى مكة في الجاهلية.
ويطيلان الإقامة بها، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة حولا متجرهما إلى المدينة فخرج بديل مولى عمرو بن العاص تاجرا حتى قدم المدينة، فخرجوا جميعا تجارا إلى الشام حتى إذا كانوا ببعض الطريق اشتكى بديل فكتب وصية بيده ثم دسها في متاعه وأوصى إليهما أن يوصلوا متاعه إلى أهله، فلما مات فتحوا متاعه فوجدوا كتابه وعهده وما خرج به، وفقدوا شيئا فسألوهما عنه، فقالا: هذا الذي قبضنا له، ودفع إلينا فقالوا لهما: هذا كتابه بيده، قالا: ما كتمنا له شيئا، فترافعوا إلى النبي ﷺ فنزلت هذه الآية.. فأمر رسول الله ﷺ أن يستحلفوهما دبر صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو.
ما قبضنا غير هذا ولا كتمنا، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا ثم ظهر معهما إناء من فضة منقوش مموه بالذهب، فقال أهله: هذا من متاعه، قالا: نعم ولكنا اشتريناه منه ونسينا أن نذكره حين حلفنا فكرهنا أن نكذب نفوسنا، فترافعوا إلى النبي ﷺ فنزلت الآية فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فأمر النبي ﷺ رجلين من أهل بيت الميت أن يحلفا على ما كتما وغيبا ويستحقانه.
ثم إن تميما أسلم وبايع النبي ﷺ وقال: صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء مع صاحبي.
стр. 569
المعنى:
يا أيها الذين آمنوا اعلموا أن الله- تعالى- أخبر أن حكمه في الشهادة على الموصى إذا حضرته مقدمات الموت، وأصابته مصيبته وهو في سفر فأوصى إلى اثنين عدول في ظنكم فإن لم يكونا فآخران من غيركم، أى: من الكفار للضرورة أو من غير عشيرتكم وقرابتكم، أى: من المسلمين الأجانب فأوصيتم إلى اثنين منهما، ودفعتم إليهما المال وذهبا إلى ورثتكم فارتابوا في أمرهما، وادعوا عليهما خيانة، فإن كانا أمينين وصدقوهما بلا يمين فلا شيء.
أما في حالة الشك فالحكم أن تحبسوهما، وتستوثقوا منهما حتى الفراغ من صلاة العصر كما فعل النبي ﷺ مع تميم وزميله، ولأن هذا وقت القضاء والفضل في الدعاوى، وانظر إلى اختيار الزمان والمكان وصيغة القسم ونظامه، فيقسمان بالله أنهما ما كذبا وما بدلا، وأن ما شهدا به هو الحق وما كتما من شهادتهما ولا غيّرا، ويقسمان إنا لا نشتري بيمين الله ثمنا حقيرا من متاع الدنيا الفاني. ولو كان المقسم له من أقاربنا.
إنا إذا كتمنا أو غيرنا وبدلنا لنكونن من الآثمين المستحقين عقاب الله في الدنيا والآخرة.
فإن عثر على أنهما استحقا إثما بكذبهما وخيانتهما بعد ذلك كما حصل في قصة بديل السابقة، فالواجب حينئذ أن ترد اليمين إلى الورثة بأن يقوم رجلان آخران مقامهما من أولياء الميت الوارثين له الأقربين منه الأحقين بالإرث، فيقسمان بالله لشهادتنا ويميننا أحق وأصدق من أيمان اللذين حضرا الوصية، وأنهما ما اعتديا عليهما بتهمة باطلة، إنا إذا حصل منا شيء من هذا، وتعدينا الحق وجاوزناه، فحلفنا مبطلين كاذبين لنكونن من الظالمين لأنفسنا بتعريضها لسخط الله وعقابه.
ذلك الذي شرعناه من هذا النظم جميعا أدنى الطرق وأقربها إلى أن يؤدى الشهداء الشهادة على وجهها بلا تحريف ولا تبديل، وأن يخافوا من الفضيحة التي تعقب استحقاق الإثم برد أيمان الورثة بعد أيمانهم فإنها تكون مبطلة لأيمانهم فالواجب أن يخافوا من عقاب الله أو من رد الأيمان والفضيحة.
стр. 570
واتقوا الله يا عباد الله واسمعوا وأطيعوا، والله لا يهدى القوم الظالمين الخارجين عن حدود الشرع أبدا.
من مواقف يوم القيامة [سورة المائدة (٥) : آية ١٠٩]
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩)
المعنى:
يقول الله- تعالى- ما معناه: اتقوا الله واذكروا دائما يوم يجمع الله الرسل يوم القيامة، فيقول لهم على سبيل التوبيخ والتأنيب لأممهم، كما إذا سأل الموءودة والمراد من وأدها!! يقول لهم: ماذا أجبتم.
والمعنى: أى إجابة أجبتم بها؟ أإجابة إيمان وإقرار أم إجابة كفر واستكبار؟
وليوم القيامة مواقف، فتارة تشهد الرسل على أممهم، وتارة يسأل الله الأمم فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ. «١»
والله يسأل الرسل فيقولون: لا علم لنا، أى: بالنسبة إلى علمك فأنت تعلم السر وأخفى، إنك أنت علام الغيوب، وقال ابن عباس: المعنى: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا إنك أنت علام الغيوب.
ونقل أن ما يفاجئهم من هول ذلك اليوم وفزعه يذهلهم عن الجواب، إذ ينسون أكثر الأمور. لا عِلْمَ لَنا وإذا ما هدأ روعهم، وسكنت نفوسهم بعض الشيء يشهدون على أممهم، وإذا كان هذا حال الأنبياء، فكيف يكون حالنا نحن؟ حقيقة إنه يوم الفزع الأكبر يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، ومن هنا ظهرت المناسبة بين هذه الآية والتي قبلها، فهي تخويف وبيان أن الله عالم فلا تكتموا شيئا.
стр. 571
معجزات عيسى ﵇ [سورة المائدة (٥) : الآيات ١١٠ الى ١١١]
إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١)
المفردات:
بِرُوحِ الْقُدُسِ: جبريل- ﵇ الذي يؤيد به الله رسله بالتعليم والتثبيت، وقيل: روح عيسى الطاهرة القوية. فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا: في حالتي الصغر والكبر والضعف والقوة. الْكِتابَ المراد: كل ما يكتب.
وَالْحِكْمَةَ: العلم النافع. الْأَكْمَهَ من ولد أعمى. سِحْرٌ السحر: هو التمويه والتخييل بالباطل حتى يرى الإنسان الشيء على غير حقيقته.
بعد أن ذكر الله- سؤال الأنبياء جملة وجوابهم، مع الإشارة إلى ما يفيده السؤال والجواب من الإحراج والتوبيخ، تعرض لعيسى خاصة، لعل قومه
стр. 572
يعرفون موقفه من الله- فيرجعوا عن عقائدهم الفاسدة وكل الأمم طعنوا في نبوة أنبيائهم، أما هؤلاء فتعدى طعنهم إلى الله- حيث نسبوا له الزوجة والولد.
وقد غالوا في المسيح حتى رفعوه عن درجة الأنبياء بسبب سوء فعلهم في معجزاته.
المعنى:
واذكر يا محمد وقت قول الله: يا عيسى ابن مريم: اذكر نعمتي عليك حيث اصطفيتك بالرسالة، وشرفتك بالنبوة، وكنت من غير أب، فكنت آية على قدرة الله، واذكر نعمتي على والدتك النقية الطاهرة، مريم البتول التي برأتها مما نسب إليها، وشرفتها بنسبة عيسى لها.
اذكر يا عيسى ابن مريم نعم الله عليك إذ أيدك بروح القدس جبريل، علمك وثبتك، ولقنك الحجة بأمر الله وإذنه، وأيديك بروح طاهرة قوية، فصرت بهذا تكلم الناس صبيًّا في المهد، وتكلمهم كبيرا مكتمل القوى العقلية والرجولة الكاملة، تدعو الله وتبرئ أمك فكنت مؤيدا في كل وقت فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ [سورة مريم الآيات ٢٩- ٣١] .
واذكر نعمتي عليك إذا علمتك قراءة الكتاب، وعلمتك الحكمة والعلم النافع في الدنيا والآخرة. خاصة التوراة والإنجيل.
واذكر نعمتي عليك إذ تخلق من الطين صورة كصورة الطير فتنفخ فيها فتكون طيرا له روح وحركة، بإذن الله وإرادته، لا بقدرتك أنت، ولكنها المعجزة جرت على يدك بأمر الله، شأنك في هذا شأن جميع الرسل، وإذ تبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وإذ تخرج الموتى من قبورهم فيحيون بأمر الله وإذنه.
فهذا عيسى وهذه معجزاته كلها بأمر الله وإذنه وفي الإنجيل يقول عيسى: «أيها الأب أشكرك لأنك سمعت لي وأنا أعلم أنك في كل حين تسمع لي ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت، ليؤمنوا أنك أرسلتنى» .
стр. 573
واذكر يا عيسى إذ كففت ومنعت عنك بنى إسرائيل وقت أن جئتهم بالبينات الواضحات وقد حاولوا قتلك وصلبك، ومكروا ومكر الله، والله خير الماكرين، قد نجاك الله منهم، وكفهم عنك، فما قتلوك وما صلبوك ولكن توفاك ورفعك إليه وطهرك من الذين كفروا، وكل ما فعلوه قولهم: ما هذا إلا سحر مبين، وتلك حجة العاجزين.
واذكر إذ أوحيت إلى الحواريين أصحابك وألهمتهم أن يؤمنوا بي وبرسولي عيسى بن مريم، فآمنوا، وقالوا: آمنا بالله وبرسوله واشهد بأننا مسلمون ومنقادون لله في السر والعلانية.
وهكذا منّ الله على عيسى وفضّله وكرّمه، وجعل له أنصارا وأتباعا وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم.
قصة المائدة [سورة المائدة (٥) : الآيات ١١٢ الى ١١٥]
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (١١٥)
стр. 574
المفردات:
الْحَوارِيُّونَ: الأصحاب الخلّص للمسيح. مائِدَةً: هي الخوان الذي عليه الطعام أو الخوان نفسه. اللَّهُمَّ: يا الله. عِيداً: فرحا وسرورا، أو يوما يجتمع الناس فيه للعبادة كعيد الفطر مثلا يعود كل سنة.
قصة المائدة عبرة وعظة، لمن يطلب من الله آيات غير التي أنزلت، وعاقبة ذلك، وهي في الجملة تسلية للنبي ﷺ وبيان لطبائع الناس وسيرتهم مع أنبيائهم.
المعنى:
واذكر وقت قول الحواريين لعيسى بن مريم. والمراد في مثل هذا التركيب ذكر ما حصل في الوقت لا نفس الوقت.
قال الحواريون وهم المؤمنون الخلص ردّا على عيسى حين قال: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ [ال عمران آية ٥٢] ومع هذا قالوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ!! وهذا سؤال لا يليق بهم قطعا!! ولذا خرجه العلماء على وجوه أحسنها أنّ (يستطيع) بمعنى يطيع، كاستجاب بمعنى أجاب، أو المعنى: هل تستطيع أمر ربك أى: سؤاله، وقيل: إنه سؤال عن الاستطاعة على حسب الحكمة الإلهية، أى: هل ينافي الحكمة إنزال المائدة أم لا؟ فإن ما ينافي الحكمة لا يقع قطعا وإن كان ممكنا.
ولذا قالوا معتذرين عن إيراد السؤال بهذه الصورة: نريد أن نأكل منها فنحن في حاجة إليها، ونحن إذا أكلنا تطمئن قلوبنا وتهدأ نفوسنا، ونعلم أن قد صدقتنا في أن الله تعالى أرسلك نبيا، واختارنا أعوانا لك وقد رضى عنا بإجابة سؤالنا.
ونكون عليها من الشاهدين بالوحدانية، ولك بالرسالة والنبوة إذ هي كالدليل على ذلك.
قال عيسى ابن مريم: يا ربنا يا مالك أمرنا، ومتولّى شئوننا: أنزل علينا مائدة من السماء يراها هؤلاء، وتكون لنا معشر المؤمنين مصدر فرح وسرور، ويوم نزولها نتخذه عيدا نجتمع فيه للعبادة والشكر، ويعود علينا كل عام باليمن والإقبال
стр. 575
وجودا وآخرنا كذلك، وتكون آية منك، ودلالة وحجة ترشد القوم إلى صحة دعوتي، وصدق رسالتي، وارزقنا ما به نقيم أودنا، ونغذي أجسامنا وعقولنا فأنت خير الرازقين، ترزق من تشاء بغير حساب.
قال الله تعالى: إنى منزلها عليكم وقد نزلت إذ وعده الحق وقوله الصدق.
فمن يكفر بعد نزول الآية المقترحة فإنى أعذبه عذابا شديدا لا أعذب هذا العذاب لأحد من العالمين، إذ اقتراح آية بعد الآيات الكثيرة التي نزلت كهذه المائدة آية يشترك في إدراكها جميع الحواس، ثم بعد هذا يكفر بها ويستهزأ، فإنه يستحق من الله عذابا دونه عذاب الكفار جميعا.
وورد في قصة المائدة روايات كثيرة عن شكلها ولونها وطعمها. والظاهر- والله أعلم- أنه كان لخيال الإسرائيليين فيها نصيب، ونحن نلتزم حدود القرآن والسنة الصحيحة وفقنا الله إلى الصواب.
تخلص عيسى مما ادعته النصارى [سورة المائدة (٥) : الآيات ١١٦ الى ١٢٠]
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١١٦) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)
стр. 576
المفردات:
ما فِي نَفْسِي المراد: تعلم سرى ولا أعلم سرك. شَهِيداً: حفيظا بما أمرتهم. الرَّقِيبَ: من المراقبة، وهي المراعاة، والمراد الحافظ لهم والعالم بهم.
هذا سؤال من الله- لعيسى خاصة حتى يجيب فتكون إجابته توبيخا لمن ادعى غير إجابته، ودليلا على أن قومه غيروا بعده وبدلوا وادعوا عليه كذبا وبهتانا لم يقله، وإنكاره بعد سؤاله أشد في التوبيخ وأبلغ في التكذيب.
المعنى:
واذكر يا محمد وقت قول الله لعيسى بن مريم: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمى إلهين متجاوزين بذلك توحيد الله وإفراده بالعبادة والتقديس؟! فالله يسأل للإنكار والتوبيخ، أقالوا هذا القول وافتروا هذه الفرية بأمر منك أم هو افتراء واختلاق من عند أنفسهم؟
واتخاذ الآلهة من دون الله يكون بعبادتهم، أو إشراكهم في العبادة، على معنى أن لهم تصريفا أو أنهم يقربون إلى الله زلفى ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى «١» .
وقد نعى الله- على المسيحيين اتخاذهم المسيح إلها وكذا أمه، وعبادته وأمه معروفة في الكنائس الشرقية والغربية. نعم قد أنكرت فرقة البروتستانت عبادة أمه.
وما العقيدة الجديدة التي أثبتها بابا روما في هذه السنين ورد عليه بعض العلماء ببعيدة.
стр. 577
ولا أدرى أظل الدين ناقصا حتى كمل في القرن العشرين؟؟
أم أن رجال الدين عند المسيحيين لهم حق المحو والإثبات في العقائد! الله أعلم بذلك، قال عيسى: سبحانك يا رب! وتنزيها لك وتقديسا! ما يكون لي، ولا ينبغي لي أن أقول ما ليس بحق أصلا وكيف يصدر هذا منى؟
وقد عصمتني وأيدتنى بروح من عندك. إن كنت قلته فقد علمته فأنت تعلم الغيب والشهادة، وتعلم سرى وضميري، وأنا لا أعلم شيئا مما استأثرت به من بحار علمك إنك أنت علام الغيوب.
يا رب ما قلت لهم إلا ما أمرتنى به من التوحيد الخالص من شوائب الشرك والوثنية:
أن اعبدوا الله ربي وربكم فأنا عبد مثلكم إلا أنه قد خصنى الله بالرسالة إليكم.
وكنت يا رب قائما عليهم أراقبهم وأشهد على ما يقولون وما يفعلون فأقر الحق وأقاوم الباطل، وقد كانت هذه العقائد الخطيرة غير موجودة في حياتي، فلما توفيتني ورفعتني كنت يا رب الحفيظ عليهم دوني، ولا يخفى عليك شيء.
وقد تقدم ما يثبت أن عيسى برىء من التثليث والحلول والإشراك كما وضحنا في الجزء السادس وهذا عيسى في الإنجيل يقول: «وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته» .
وقد فوض أمر هذه الأمة لله فقال: وإن تعذبهم بمعصيتهم التي لم يتوبوا عنها فهم عبادك.
وإن تغفر لهم سيئاتهم بعد توبتهم وصلاح أمرهم فهم عبادك وأنت العزيز الحكيم في كل صنع.
قال الله: هذا اليوم هو اليوم الذي ينفع الصادقين صدقهم في إيمانهم وشهاداتهم، لهم في الآخرة جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضى الله عنهم، ورضوانه أكبر من كل نعمة وفضل، ورضوا عنه، ذلك هو الفوز العظيم.
وكيف لا يكون هذا؟ ولله ملك السماوات والأرض وما فيهن من عوالم، والله أعلم بها وهو على كل شيء قدير، سبحان ربك رب العزة عما يصفون.
стр. 578
سورة الأنعام
آياتها ١٦٥ آية وهي سورة مكية إلا بعض آيات قلائل، وهي سورة جامعة لأصول التوحيد شارحة للعقيدة الإسلامية وخاصة أحوال البعث وإثبات الرسالة وما يتبع ذلك.
وقد تضافرت الروايات على أنها نزلت جملة واحدة،
فقد روى نافع عن ابن عمر- رضى الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «نزلت علىّ سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفا من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد»
ولا مانع في أن يكون بعض آياتها مدنيا ثم وضعه النبي ﷺ في موضعه من السورة.
وقال القرطبي: هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعة ومن كذب بالبعث والنشور، وهذا يؤيد نزولها جملة واحدة.
أما مناسبتها: ففي المائدة محاجة أهل الكتاب وفي هذه محاجة المشركين، والمائدة ذكرت المحرمات بالتفصيل لأنها من آخر القرآن نزولا، والأنعام ذكرت ذلك جملة.
دلائل الوحدانية والبعث مع شمول العلم [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣)
стр. 579
المفردات:
الْحَمْدُ: هو الثناء الحسن والذكر الجميل. خَلَقَ الخلق في اللغة:
التقدير، أى: جعل الشيء بمقدار معين على حسب علمه، وفي أبى السعود: الجعل الإنشاء والإبداع كالخلق، غير أن الخلق مختص بالإنشاء التكويني وفيه معنى التقدير والإبداع، والجعل عام للإنشاء كما في قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ.
وللتشريع والتقنين كما مر في قوله: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ ويختص الجعل بأن فيه معنى التضمين كإنشاء شيء من شيء. يَعْدِلُونَ: يجعلون له عدلا مساويا وشريكا له منافسا. أَجَلًا الأجل: المدة المضروبة للشيء، وقضى أجلا بمعنى حكم به وضربه. تَمْتَرُونَ: تشكّون في دلائل البعث والتوحيد.
المعنى:
أثنى الله- على نفسه، مما علّم به عباده الثناء عليه، فالحمد لله، وكل ثناء ثابت له، إذ هو متصف بكل كمال ومنزه عن كل نقص، وثابت له الخلق والإيجاد، والإنشاء والإبداع.
وقد وصف- هنا بصفتين من موجبات الحمد والثناء، وهما خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور.
أما خلق السموات والأرض، وما فيهما من العوالم والنظام، والتقدير والإحكام فشيء يعترف به المشركون والمؤمنون على السواء وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ «١» فهذه السموات وما فيها من نجوم وأفلاك وشموس وكواكب، كل له مدار، وله شروق وأفول، وهذا الهواء المحيط بالأرض، وهذا الأثير الذي ينقل الصوت، أليس هذا كله يدل على الوحدة والكمال! الحمد لله الذي خلق السموات وما فيها وسخر الشمس والقمر كل يجرى إلى أجل مسمى!! أما الأرض وما أدراك ما هي، كوكب سيار وفلك دوار، كانتا رتقا ففتقناهما وهي معلقة في الفضاء، وتدور حول الشمس، وعليها الجبال الرواسي وفيها الأنهار والبحار وعليها نسير وفيها نعيش وهي كروية، ولا يقع الماء من جوانبها،
стр. 580
ولا يتدفق عند قطبيها، من الذي خلق هذا وقدره؟؟ إنه هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد.
الحمد لله قد جعل الظلمات والنور!! وهل الظلمات والنور في المحسوسات أم هما في المعقولات، أم اللفظ عام للجميع؟.
والقرآن الكريم جرى على جمع الظلمات وإفراد النور لأن ظلمات الشرك والكفر أسبابها وأشكالها وألوانها مختلفة وكثيرة، أما نور الحق والهدى فطريقهما واحد، وللظلمات الحسية أسباب لأن الظلمة تحصل بحجب النور بالجسم والأجسام مختلفة وكثيرة، وللنور مصدر واحد وإن اختلف قوة وضعفا، وشكلا وصورة.
ثم الذين كفروا بعد هذا كله يعدلون بالوحدانية إلى الشرك، ويجعلون لمن خلق وأوجد وأنشأ وأبدع شريكا مساويا له كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا، أبعد هذا يكون شك في وحدانية الله وكماله؟!! ثم استأنف القرآن كلاما خاطب به المشركين والمعاندين مذكّرا لهم بما هو ألصق بهم، وهو خلقهم من طين أو من ماء مهين، فهذا أبونا آدم خلق من طين وها نحن أولاء نتكون من منىّ وبويضة، وهما من دم الذكر والأنثى، والدم من الغذاء، والغذاء من الحيوان والنبات وهما يرجعان إلى الأرض، وقيل: المعنى: خلق أباكم آدم من طين. ثم ضرب لنا أجلا نعيش به في الدنيا إلى وقت محدود فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ «١» وهناك أجل آخر مسمى عنده هو أجل الدنيا وانتهاؤها، ومصيرها إلى الحياة الآخرة لا يعلم به إلا هو، ولم يطلع عليه ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ [سورة الأعراف آية ١٨٧] .
ثم أنتم بعد هذا تمترون وتشكّون في خلقكم مرة ثانية، أى: في البعث؟ فالذي خلق الجنين في بطن أمه من ماء مهين وجعله يتنفس ولو تنفس بالهواء العادي لمات، وجعله يتغذى بالدم القذر القاتل، أليست هذه حياة عجيبة؟!!! حقا إنها لعجيبة، والذي أحيانا على هذا الوضع قادر على إحياء الموتى يوم القيامة.
стр. 581
وهو الله في السموات والأرض، نعم هو الله الموصوف بكل كمال، وخالق السماء والأرض وما فيهما، هذه حقائق معروفة، وأمر شهد به الخلق جميعا، وفي ابن كثير:
معنى هذه الآية: المدعو الله في السموات والأرض، أى: يعبده ويوحده ويقر له بالألوهية من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله ويدعونه رغبا ورهبا إلا من كفر، وهذه الآية كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ أى: هو إله من في السماء وإله من في الأرض، وعلى هذا فقوله تعالى: يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ خبر بعد خبر وصفة أخرى، وقيل: المعنى: هو الله يعلم سركم وجهركم في السموات والأرض ويعلم ما تكسبون، فهو سبحانه العليم الخبير.
سبب كفرهم وشبهاتهم والرد عليها [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤ الى ٩]
وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٦) وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨)
وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (٩)
стр. 582
المفردات:
مُعْرِضِينَ الإعراض: التولي عن الشيء. بِالْحَقِّ أى: بالأمر الثابت المتحقق في نفسه، والمراد به هنا الدين. أَنْباءُ جمع نبأ: وهو الخبر المهم. مِنْ قَرْنٍ القرن من الناس: القوم المقترنون في زمن واحد، ومدته من الزمن مائة سنة، وقيل غير ذلك. السَّماءَ المراد: المطر. مِدْراراً: مبالغا فيه في الكثرة والغزارة. كِتاباً: صحيفة مكتوبة. قِرْطاسٍ: الورق الذي يكتب فيه.
وَلَلَبَسْنا اللبس: الستر والتغطية، والمراد: جعلنا أمرهم يلتبس عليهم فلا يعرفونه.
ما تقدم من الآيات كان في إثبات الوحدانية، وكمال الربوبية لله- وإثبات البعث، وأن الله الذي يعترفون له بخلق السموات والأرض هو الإله المعبود بحق، المحيط علما بكل شيء لا إله إلا هو!!! ولكنهم أشركوا بالله وكذبوا رسله، ولم يؤمنوا بهذه الآيات الكونية ولا الآيات القرآنية التي تناديهم ليصدقوا بها ويصدقوا برسولها ﷺ وهذه الآيات تشير إلى سبب التكذيب والكفر!!
المعنى:
وما تأتيهم أية آية من آيات ربهم الذي رباهم، وتعهدهم في حالتي الضعف والقوة، وكفل لهم الرزق، وآتاهم من كل شيء، وكفل لهم جميع ما في الأرض، ما تأتيهم آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [سورة الأنبياء آية ٢] .
فهم لم ينظروا نظرة اعتبار وتأمل، ولم يجردوا أنفسهم من قيد التقليد، وحمى العصبية، وحماقة الجاهلية، فهم إذا أتتهم آية أعرضوا وقالوا: سحر مستمر وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. [سورة الأعراف آية ١٣٢] .
فبسبب هذا قد كذبوا بالحق والدين الصدق، الذي دعا إليه القرآن الكريم وجاء به النبي الأمين: من الدعوة إلى العقائد الصحيحة، والآداب الكريمة، والمثل العليا، ولكون الإعراض طبيعة فيهم وغريزة كذبوا بسرعة فائقة عقب الدعوة مباشرة، وكانت
стр. 583
عاقبة أمرهم خسرا، وسوف يأتيهم أخبار وأحوال الذين كذبوا به وهو القرآن، سيأتيهم نبأ هذا التكذيب وعاقبته وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ «١» وقد أتى حيث هزموا بغزوة بدر، وجاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجا، هذا في الدنيا!! وقال الرازي في تفسيره: كان حال هؤلاء في كفرهم على ثلاث مراتب: إعراض عن التأمل، ثم تكذيب، وثالثة الأثافى استهزاء بآيات الله وكلامه.
عجبا لهؤلاء!! ألم يعلموا نبأ من كان قبلهم، وكيف كان مآلهم؟! .. كم أهلكنا من قبلكم من قوم أعطيناهم ما لم نعط لكم ومكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم، وأرسلنا السماء عليهم مدرارا، أفكان هذا كله مانعا لنا من إنزال العقوبة الصارمة بهم لما أعرضوا وكذبوا واستهزءوا؟؟ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ «٢» لا هذا ولا ذاك!! ألم تروا قوم عاد وثمود، وقوم فرعون وإخوان لوط؟!! إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ. إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ. وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ «٣» والمسلمون اليوم أخوف ما أخاف عليهم هذا الإعراض عن آيات الله والتكذيب لها عمليا، أخاف عليهم أن يحيق بهم عاقبة أمرهم فتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
كان النبي ﷺ يضيق ذرعا بقومه من جراء تكذيبهم وعنادهم فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ «٤» وكانوا يكثرون في طلب الآيات الخاصة، فرد الله عليهم بما ألزمهم.
ولو نزلنا عليك يا محمد كتابا مكتوبا من السماء في قرطاس وفيه دعوتهم إلى الدين بالحجة لما آمنوا به ولما صدقوك في ذلك بل ولقالوا: ما هذا إلا سحر وخيال ظاهر ليس فيه حقيقة، وانظر إلى تعبير القرآن الكريم: نَزَّلْنا بالتشديد، وقوله كِتاباً فِي قِرْطاسٍ والكتاب لا يكون إلا فيه، ثم قوله: فلمسوه بأيديهم، وقلبوا فيه وبالغوا في
стр. 584
ذلك، كل هذه أساليب تفيد المبالغة وتأكيد النزول وتأكدهم منه، ومع هذا يقولون:
إن هذا إلا سحر مبين.
وكان الكفار قد اقترحوا اقتراحين، أولهما: أن ينزل على الرسول ملك من السماء يرونه ويكون معه نذيرا ومؤيدا له ونصيرا، وذلك أنهم يفهمون أن الرسول بشر والرسالة تتنافى مع البشرية ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ «١» . وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً [سورة الفرقان آية ٧] .
وقد حكى الله عنهم هذا كثيرا في سورة هود وإبراهيم وغيرهما.
وقد رد الله اقتراحهم هذا بأنه لو أنزل ملكا كما اقترحوا لقضى الأمر وهلكوا ثم لا ينظرون ولا يمهلون إذ جرت سنة الله في خلقه، إذا تعصب قوم وطلبوا آية غير التي أنزلت إليهم، وأجيبوا إلى طلبهم، ثم لم يؤمنوا، يهلكهم الله بعذابه ويقضى عليهم.
وهؤلاء من أمة الدعوة المحمدية، وقد قضى الله ألا يهلكهم بعذاب الاستئصال تكريما للنبي ﷺ وعسى أن يأتى من نسلهم من يعبد الله حقا، وقد كان هذا.
الاقتراح الثاني: هلا نزّلت الملائكة علينا بالرسالة، وكان الرسول ملكا لا بشرا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً «٢» فأنت ترى أن اقتراحهم الثاني مبنى على الغرور الكاذب والجهل الفاضح وأن هذا النبي الأمين الصادق الكريم لا يستحق هذه الرسالة فإن كان ولا بد من إرسال بشر فنحن أولى منه وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا «٣» .
فيرد الله عليهم: لو جعلنا الرسول ملكا لجعلناه رجلا حتى يمكن التفاهم معه والأنس به ومخاطبته، ولو جعلناه بشرا لعاد الأمر كما كان وللبسنا عليهم واختلط الأمر عندهم، فإن هذا الرجل سيقول لهم: إنى رسول الله كما يقول محمد ﷺ أما اختصاص محمد دون غيره بالرسالة وتشريفه بالنبوة فالله أعلم حيث يجعل رسالته.
стр. 585
تسلية للنبي ﷺ [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠ الى ١١]
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)
المفردات:
اسْتُهْزِئَ الاستهزاء: السخرية والاستخفاف والاحتقار، ويتبع ذلك غالبا الضحك. فَحاقَ: أحاط بهم فلم يكن لهم منه مخرج.
المعنى:
يخبر الله- نبيه الكريم بصيغة القسم، أن الكفار قد استهزءوا قديما برسل كثير عددهم، عظيم شأنهم، رسل من قبلك، فليس استهزاؤهم بك بدعا، بل أنت مسبوق في ذلك، فلا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق مما يفعلون، فهذا شأن الكفار قديما وحديثا.
واعلم أنه قد أحاط بهم فلم يكن لهم منه مخرج، وليس لهم مفر ولن يفلتوا من عاقبة فعلهم أبدا.
فالآية إرشاد للنبي ﷺ ببيان سنة الله في الخلق وأن العاقبة للمتقين، وأن العذاب والخزي للكافرين والمستهزئين إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ. [سورة الحجر آية ٩٥] .
وإن ارتاب المشركون في ذلك فقل لهم: سيروا في الأرض، وتنقلوا فيها لتقفوا بأنفسكم على تاريخ من سبقكم من عاد وثمود وطسم وجديس وقوم فرعون وإخوان لوط (فما راء كمن سمعا) سيروا في الأرض ثم انظروا واعتبروا، كيف كان عاقبة المكذبين؟؟
стр. 586
أسلوب آخر في إثبات الوحدانية والبعث [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢ الى ١٦]
قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)
المفردات:
كَتَبَ: فرض وأوجب على نفسه. لَيَجْمَعَنَّكُمْ المراد: ليحشرنكم.
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ المراد بالخسارة هنا: ترك ما يقتضيه العقل والعلم.
ما سَكَنَ من السكون أو السكنى، والمراد: عدم الحركة. فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: منشئهما ومبدعهما على غير مثال سابق. يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ:
يبعد عنه. رَحِمَهُ: أنجاه من الهول الأكبر.
ها هو ذا القرآن الكريم يعود إلى إثبات الوحدانية لله والكمال له. وإثبات البعث والجزاء بأسلوب آخر، ونمط عال في الأداء، طرقا للسمع من جميع الأنحاء حتى لا يمل السامع مع زيادة التكرير والتثبيت فهذا هو المقصود المهم والهدف المرجو للقرآن الكريم.
стр. 587
المعنى:
قل لهم يا محمد: لمن ما في السموات والأرض؟ ولمن هذا الكون وما فيه؟ ولمن هذا الوجود وما يحويه؟ لمن هذه السماء وقد ازينت! وهذه الكواكب وقد انتثرت!! ولمن هذه الأرض وقد مدت وفيها الأنهار الجواري والجبال الرواسي والعوالم التي لا يحيط بها إلا خالقها!! قل لهم: هذا كله لله واهب الوجود، الكبير المعبود. مالك الملكوت، ذو الرحمة والجبروت، الواحد الأحد، الفرد الصمد، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
وهذا سؤال، وجوابه قد أمر به ﷺ في القرآن لأنه هو الجواب المتعيّن، ولا يمكن لمنصف أن ينكر هذا أبدا وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ «١» فهم معترفون بهذا ولكن لسوء تفكيرهم يقولون في الأصنام: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى «٢» فبئس ما يصنعون، على أن السؤال وجوابه كان تبكيتا لهم وتوبيخا، وقد بنى عليه شيء آخر من لوازمه، وقد يجهله المسئولون أو ينكرونه لعنادهم وحماقتهم.
فالله الذي برأ السموات والأرض، وله كل ما فيهما مما لا نعلم عنه إلا قليلا، وكالذرة بالنسبة للجبال الشم، وقد أوجب على نفسه، وقوله عَلى نَفْسِهِ لتأكيد الوعد وتحقيقه. أوجب الرحمة على عباده إذ هو الرحمن الرحيم، ليجمعنكم ليوم القيامة جمعا لا شك فيه ولا ريب، أو أنه ليجمعنكم ليوم لا ريب فيه ولا شك، نعم يجمعنا ويحشرنا لنأخذ الجزاء على أعمالنا فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ «٣» ، وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى «٤» والثواب والعقاب على الأعمال من مظاهر الرحمة بالخلق، حتى يعرف الخلق ذلك، ومتى علم هذا كف باغي الشر عن شره، وأسرع باغي الخير في عمله، مع أنه ليس من العدل والرحمة ألا يجازى المحسن على إحسانه وألا يعاقب المسيء على إساءته. وكذلك من مظاهر الرحمة هدايتنا إلى معرفته ونصب الأدلة على توحيده بما أنتم مقرون به من خلق السموات والأرض.
стр. 588
وقد سبقت رحمته غضبه وزادت عليه فهو يجازى الحسنة بعشر أمثالها وقد تضاعف أضعافا لمن يشاء، والسيئة بمثلها فقط مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [سورة الأنعام آية ١٦٠] .
وأخص هؤلاء الذين خسروا أنفسهم ممن يجتمعون ليوم القيامة، وهم من فسدت فطرتهم، وساءت نفوسهم فلم يهتدوا بنور الدين، وحرموا أنفسهم من النظر والتفكير في هذا الكون وآياته. بعين العقل والحكمة، وإنما أعماهم التقليد وسوء الرأى وحمى العصبية وداء الحسد عن النظر الصحيح والفهم السليم، ولم تكن لهم عزيمة صادقة وإرادة حازمة، تجعلهم يتركون ما كان عليه الآباء إلى ما وافق العلم والعقل والرأى، نعم هؤلاء الذين خسروا أنفسهم، فهم لا يؤمنون أبدا بالبعث والثواب والعقاب.
لله ما في السموات وما في الأرض، وله ما سكن في الليل والنهار ولم يتحرك، وله ما تحرك ولم يسكن، فهو المتصرف تصرفا كاملا في كل شيء خاصة ما سكن وخفى في الليل ومن باب أولى ما تحرك وظهر في النهار.
فأنت معى أن القرآن الكريم تعرض لجميع الأمكنة في السموات والأرض ولكل الأزمنة في الليل والنهار وهذه إشارة إلى كما إحاطته وتمام تصرفه، وهو السميع لكل قول ودعاء العليم بكل فعل ونية.
وهذا يقتضى عدم اتخاذ الأولياء من دون الله.
قل لهم يا محمد: أغير الله أتخذ وليّا ينصرني؟ أو يدفع ضررا عنى، أو يجلب خيرا لي؟ والاستفهام لإنكار اتخاذ غير الله وليّا من الأصنام والشفعاء، أما اتخاذ الأصحاب والأصدقاء من المؤمنين فلا شيء ما دام في حدود كسبه وتصرفه الذي منحه الله لبنى جنسه.
قل لهم: أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجاهلون؟ أغير الله فاطر السموات والأرض ومبدعهما لا على مثال سابق، أغير الله أتخذه وليّا يلي أمورى؟ فإن من فطر السماء والأرض وأبدعهما من غير تأثير ولا شفيع يجب أن يخص بالعبادة وحده إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ والله- يطعم ويرزق الناس وليس في حاجة إلى أحد ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [الذاريات ٥٧] وفي هذا تعريض بمن يتخذون من
стр. 589
العبادة آلهة وهم محتاجون إلى الطعام وما يتبعه من الحاجة إلى الخلاء، أما من يعبد غير الإنسان فعبادته ضرب من الخبل والجنون، أما وقد ظهرت هذه الحقائق بادية للعيان، فقل لهم يا محمد: إنى أمرت أن أكون أول من أسلم وجهه لله وانقاد، حيث ثبت أن له ما سكن وما تحرك، وهو السميع البصير، فاطر السموات والأرض واهب الرزق والحياة، غير محتاج لأحد، ليس كمثله شيء، ولهذا أمرت أن أكون أول من أسلم، ونهيت عن الشرك بالله، وإنى أخاف إن عصيت ربي عذابا عظيما يوم القيامة يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله.
وإذا كان هذا حال النبي ﷺ الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر المعصوم خاتم الأنبياء والمرسلين.
فما بالنا نحن وما بالك يا بن آدم؟ إنك لمسكين مغرور حيث تتعلق بالأوهام والالتجاء لغير الله.
من يدفع عنه يومئذ ذلك العذاب فقد ﵀ ونجا فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ [سورة آل عمران آية ١٨٥] وذلك الفوز هو الواضح العظيم.
من مظاهر القدرة وشهادة الله للنبي ﷺ [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٧ الى ١٩]
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩)
стр. 590
المفردات:
الضر: ضد النفع، هو ما يسوء الإنسان في نفسه أو بدنه أو عرضه أو ماله.
بِخَيْرٍ: هو ما يرغب فيه الكل وتطمع إليه النفس كالعقل والعلم والعدل. وضده الشر. الْقاهِرُ القهر: الغلبة والإذلال معا. شَهادَةً: هي إخبار عن علم ومعرفة واعتقاد مبنى على المشاهد بالبصر أو البصيرة.
المعنى:
يقول الله- ما معناه: وإن يمسسك الله بضر من ألم أو فقر أو مرض أو أى مصيبة تحصل للإنسان فلا كاشف له ولا مزيل إلا هو- إذ هو القادر على كل شيء، فيجب على المسلم ألا يتوجه لغيره إذ بيده وحده إزالة الضر وجلب النفع، والضر يزيله الله بتوفيق عبده لسلوك الطرق المنتجة المعروفة، وقد يزيله بلا عمل من الإنسان أصلا، وهو الحكيم الخبير بخلقه، وإن يمسسك بخير من غنى أو صحة أو مال، فهو من عنده وحده إذ لا يقدر على ذلك إلا هو- وهو على كل شيء قدير، وفي مقابلة الخير بالضر إشارة إلى أن ما يصيب الإنسان في الدنيا ليس شرّا بل قد يكون فيه نفع.. وبعد أن أثبت الله لنفسه كمال القدرة وعظيم التصرف أثبت له كمال السلطان وتمام القهر والغلبة لعباده حتى يلجأ إليه الكل ويدعونه رغبا ورهبا فقال: وهو القاهر فوق عباده، والفوقية هنا فوقية استعلاء بالقهر والغلبة لا فوقية مكان، كما تقول: السلطان فوق رعيته، والمراد فوقهم بالأمر والغلبة، وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة وهو منع غيره من بلوغ المراد إلا بأمره وهو الحكيم في أمره الخبير بخلقه- .
وكان المشركون يقولون للنبي ﷺ من يشهد لك بأنك رسول الله؟ فنزلت الآية وأمر رسول الله أن يسألهم أى شيء أكبر شهادة وأعظمها وأصدقها؟
ثم أمره بالإجابة فقال: أكبر الأشياء شهادة الذي لا يجوز أن يقع في شهادته كذب ولا زور ولا خطأ هو الله- تعالى- الشهيد بيني وبينكم، وأوحى إلىّ هذا القرآن من لدن الله لأنذركم به عقاب تكذيبي فيما جئت به. وأنذر من بلغه هذا القرآن في أى
стр. 591
مكان أو زمان حتى تقوم الساعة، ولهذا كانت رسالته عامة، وشهادة الله للرسول كانت بإخباره بها في كتابه بنحو قوله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وبتأييده بالآيات الكثيرة التي من أعظمها القرآن فهو المعجزة الخالدة الدالة على صدق النبي فيما يبلغه عن ربه، وكذا شهادة الكتب السابقة للنبي وبشارتها له، ولا تزال هذه البشارة في كتب اليهود والنصارى، والخلاصة أن شهادة الله- تعالى- هي شهادة آياته في القرآن وآياته في الأكوان ودلالة العقل والوجدان اللذين أو دعا في الإنسان.
ثم أمره بالشهادة له بالوحدانية والتبرؤ من الشرك والوثنية.
أإنكم لتشهدون وتقرون أن مع الله آلهة أخرى؟ قل لهم: لا أشهد بهذا أبدا، قل لهم: إنما إله واحد. وإننى برىء ممّا تشركون به من الأصنام والأوثان وغيرهما!!
كتمان الشهادة والافتراء على الله [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٠ الى ٢٤]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)
المفردات:
فِتْنَتُهُمْ الفتنة: الاختبار، والمراد عاقبة الشرك.
стр. 592
روى أن كفار قريش سألوا أهل الكتاب عن رأيهم في النبي ﷺ وفي دينه. فقالوا:
ليس في التوراة والإنجيل شيء يدل على نبوته
، وقد شهدوا له بالرسالة والصدق قبل أن يثبت كذب أهل الكتاب في شهادتهم ومن هنا كانت المناسبة.
وقد روى أن عمر بن الخطاب لما قدم المدينة سأل عبد الله بن سلام عن هذه المعرفة فقال: يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني.. وأشهد أنه حق من عند الله. واستطرد الكلام إلى بعض مواقف المشركين.
المعنى:
الذين آتيناهم الكتاب قديما وهم اليهود والنصارى يعرفون محمدا ﷺ وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين كما يعرفون أبناءهم أو أشد، يعرفونه بما عندهم من نعته، وما ثبت من صدقه، وبالدلائل التي ظهرت معه. ولكنهم أنكروا كما أنكر المشركون والسبب أنهم خسروا أنفسهم واشتروا الضلالة بالهدى، لم تكن عندهم عزيمة صادقة تدفعهم إلى الإيمان وترك العصبية الجاهلية ولذلك فهم لا يؤمنون أبدا بالقرآن وبالنبي ﷺ لعنادهم وحسدهم لا لجهلهم به، ولا أحد أظلم من شخص افترى على الله كذبا، واختلق بهتانا حيث قال: إن لله شريكا وله ولد، والملائكة بنات الله، وحرم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وكذب بالقرآن، وآياته البينات، وكذب بالآيات الكونية التي تدل على وحدانية الصانع وأن الدنيا لم تخلق عبثا، أما جزاء هؤلاء فإنه لا يفلح الظالمون أبدا في الدنيا والآخرة.
وذكّرهم أيها الرسول يوم نحشرهم جميعا لا فرق بين ملة وملة إذ الكفر ملة واحدة ثم نقول للذين أشركوا: أين شركاؤكم؟! الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء لله، وتدعونهم كما تدعون الله، وتلجئون إليهم كما تلجئون إلى الله.
والسؤال للتبكيت والتأنيب!! ثم لم تكن عاقبة الشرك ونتيجته التي رأوها ماثلة للعيان يوم القيامة إلا قولهم: والله ربنا ما كنا مشركين أبدا. نعم وصلت حالهم إلى الإنكار والكذب بعد ما كانوا معتزين بالشرك وبدين الآباء والأجداد.
стр. 593
عجبا لهؤلاء! أيكذبون على ربهم يوم القيامة؟ أم هي الدهشة والحيرة والخزي والوبال؟ فتارة يكذبون وتارة يصدقون ولا يكتمون الله حديثا.
انظر كيف كذبوا على أنفسهم؟ يا له من كذب وخزي وعار! بعد الافتخار والاعتداد بدين الشرك والأوثان، تعجب كيف كذبوا وضل عنهم ما كانوا يفترونه ويختلقونه؟
بعض أعمال المشركين [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٥ الى ٢٦]
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦)
المفردات:
أَكِنَّةً الأكنّة: جمع كنان، وهو الغطاء والستر. وَقْراً: صمما وثقلا في السمع. آيَةٍ: علامة دالة على صدق الرسول. أَساطِيرُ: جمع أسطورة، وهي الخرافة. وَيَنْأَوْنَ: يبعدون عنه ويعرضون.
سبب النزول:
روى أنه اجتمع أبو سفيان والوليد والنضر وعقبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم، يسمعون تلاوة رسول الله ﷺ للقرآن فقالوا للنضر- وكان صاحب أخبار-: يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟! فقال النضر: والذي جعلها بيته ما أدرى ما يقول إلا أنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما حدثتكم به عن القرون الماضية، فقال أبو سفيان:
стр. 594
إنى لأراه حقا، فقال أبو جهل: كلا، فنزلت
... ولكنا قلنا فيما مضى: إن الصحيح أن سورة الأنعام نزلت دفعة واحدة ... ولعلهم يذكرون حوادث وقعت تتفق مع الآيات.
المعنى:
ومن هؤلاء الكفار فريق يستمع إليك وأنت تقرأ القرآن المحكم الآيات البين المعجزات، والحال أنا جعلنا على قلوبهم أغطية وستائر تحول دون فهم القرآن الكريم وتدبر معانيه وجعلنا في آذانهم صمما حتى لا يسمعوا آياته سماع قبول وتدبر.
وهذا تمثيل وتصوير لموقفهم من القرآن والنبي حيث قالوا: أساطير الأولين، وسحر وشعر والنبي ساحر كذاب، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً «١» إذ حالهم وما نشئوا فيه وبيئتهم وحبهم للرياسة والجاه وحسدهم للنبي ﷺ كل ذلك كان بمثابة غطاء وحجاب يمنع القلب والسمع من أن يتقبل كلام الله وكلام رسوله بقلب فاهم وسمع واع.
ولذلك يقول القرآن فيهم: وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها فهم كفروا بكل آية ومعجزة وذلك لصرف الله قلوبهم عن الخير لما أعماهم التقليد عن النظر الصحيح والفهم السليم. وهذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا، حتى إذا جاءوك مجادلين يقول الذين كفروا منهم وكذبوا: ما هذا إلا خرافات وترهات فهم لم يكتفوا بالتكذيب بل وصفوه بأحط الأوصاف حيث قالوا: أساطير الأولين.
وهم ينهون الناس عن القرآن حتى لا يسمعه أحد، ويصدون عن سبيل الله. وهم ينأون عنه ويبتعدون بأنفسهم إظهارا لغاية نفورهم منه وتأكيدا لنهيهم عنه، وما يهلكون إلا أنفسهم فقط وما يشعرون.
стр. 595
من مواقف المشركين يوم القيامة [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٢٧ الى ٣٢]
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٢٨) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١)
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٣٢)
المفردات:
وُقِفُوا عَلَى النَّارِ يقال: وقف على الشيء: عرفه وتبينه، ووقف نفسه على الشيء: حبسها، ومنه: وقف العقار على الفقراء. بَدا لَهُمْ: ظهر ووضح.
السَّاعَةُ: هي الوقت المحدد المعروف، وتطلق في لسان الشرع على الوقت الذي ينقضي به أجل الدنيا وتبدأ به الحياة الأخرى. بَغْتَةً: فجأة يا حَسْرَتَنا الحسرة: الندم على ما فات كأن المتحسر قد انحسر وانكشف عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه. ما فَرَّطْنا التفريط: التقصير في الشيء مع القدرة على فعله.
أَوْزارَهُمْ: جمع وزر، وهو الحمل الثقيل، ويطلق في لسان الشرع على الإثم
стр. 596
والذنب كأنه لثقله على صاحبه كالحمل الذي يثقل ظهره. لَعِبٌ: هو العمل الذي لا يقصد به جلب نفع أو دفع ضر. لَهْوٌ: ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه.
المعنى:
هؤلاء المشركون أمرهم عجيب حقا، فإنك تراهم في الدنيا يكفرون بالقرآن والنبي ﷺ ويستهزئون به وبدينه، ولا يؤمنون بالبعث وتوابعه ويفاخرون بذلك، ولو ترى إذ يقفون على النار حتى يعاينوا ويطلعوا عليها ويتبينوها أو يدخلوها فيعرفون كنهها ويتلظون بنارها. لرأيت شيئا عجيبا تقف العبارة دون وصفه.. وهم إذ وقفوا عليها وظنوا أنهم مواقعوها حتما. قالوا: يا ليتنا نرد إلى الدنيا ولا نكذب بهذه النار وما يتبعها من أمور البعث والجزاء أو لا نكذب بأية آية من آيات ربنا، ونكون من المؤمنين بالله المصدقين برسله وآياته (بل) إضراب إبطالى لهذا التمني السابق على معنى (لا) لا. ليسوا صادقين في هذا التمني والرغبة في الإيمان أصلا، بل لأنهم ظهر لهم وبدا ما كانوا يخفونه ويكفرون به من أمور البعث والنار التي وقفوها عليها إذ من يكفر بأمر يخفيه ولا يظهره، ومن يؤمن به يبديه ولا يكتمه، والكلام في النار والعرض عليها.
ولو ردوا إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والعناد وعدم الإيمان، وإنهم لقوم طبعهم الكذب وديدنهم العناد، ولو ردوا إلى الدنيا لقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا فقط وليست لنا حياة أخروية أبدا، وما نحن بمبعوثين وهكذا القوم الماديون لا يؤمنون بالغيب، ولا يرجى منهم خير أبدا.
ولو ترى هؤلاء المشركين المكذبين حين تقفهم الملائكة، وتحبسهم ليحاسبهم ربهم، ويحكم فيهم بما أراد يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ «١» لو رأيت هؤلاء حينئذ لهالك أمرهم واستبشعت منظرهم ورأيت ما لا تؤديه عبارة ولا يحيط به وصف وكأن سائلا سأل وقال: ماذا قيل لهم حينئذ؟ فأجيب قال لهم ربهم تبكيتا وتأنيبا: أليس هذا الذي أنتم فيه من أهوال الآخرة هو الحق لا شك فيه؟ قالوا: بلى نعم هو الحق لا شك فيه وربنا، قال لهم ربهم: فذوقوا ألم العذاب المر الذي تجدونه كما يجد من يذوق الشيء من قوة الإحساس والإدراك، كل ذلك بسبب ما كنتم تكفرون به
стр. 597
وتجحدون في الدنيا، ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم هذا الإقرار منكم بأنه حق قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله، وما وعد الله به عباده الصالحين، نعم خسروا نعيم الآخرة وثوابها وسعادة الإيمان ولذته ورضوانا من الله أكبر من كل شيء.
وما كان هذا إلا نتيجة لإنكارهم الحياة الأخروية فإن من ينكرها يكون ماديا شهوانيّا ليس له قلب ولا روح وهم كالأنعام بل أضل سبيلا.
قد خسر الذين كذبوا حتى إذا جاءتهم منيتهم مباغتة لهم ومفاجئة قالوا: يا حسرتنا احضرى فهذا أوانك، يا حسرتنا على ما فرطنا في الحياة الدنيا التي كنا نزعم أن لا حياة بعدها ...
عن رسول الله ﷺ : «من مات قامت قيامته»
فتكذيبهم مستمر إلى موتهم فقط أما خسارتهم فلا حد لها ولا نهاية. وتحسرهم كذلك قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يحملون أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم، يحملونها على ظهورهم، وهذا ما كسبته أيديهم وجنته جوارحهم، ألا ساء ما يحملون وبئس ما يصنعون.
وأما الحياة الدنيا التي قال عنها الكفار إنه لا حياة بعدها فهي دائرة بين عمل لا فائدة فيه كلعب الأطفال وبين عمل فائدته عاجلة سلبية كفائدة اللهو فمتاعها قليل، وأجلها قصير، وحياتها تعب، وصاحبها في كبد لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ «١» . وأما الدار الآخرة فنعم عقبى الدار! نعيمها مقيم وظلها دائم لا همّ فيها ولا نصب، ولا تعب ولا ألم وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ «٢» .
стр. 598
تسلية الله لنبيه وسنة الله في خلقه [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٧]
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧)
المفردات:
لَيَحْزُنُكَ الحزن: ألم نفسي يكون عند فقد محبوب أو امتناع مرغوب أو حدوث مكروه. يَجْحَدُونَ الجحود: إنكار ما ثبت في القلب أو إثبات ما نفى فيه. نَبَإِ هو الخبر ذو الشأن العظيم. كَبُرَ يقال: كبر على فلان الأمر، أى: عظم عنده وشق عليه وقعه. إِعْراضُهُمْ الإعراض: التولي والانصراف عن الشيء رغبة عنه، أو احتقارا له. أَنْ تَبْتَغِيَ: أن تطلب ما في طلبه كلفة ومشقة من البغي وهو تجاوز الحد ويكون في الخير والشر. نَفَقاً: السرب في الأرض وهو حفرة نافذة لها مدخل ومخرج. سُلَّماً: المرقاة من السلامة لأنه هو الذي يسلمك إلى مصعدك. يَسْتَجِيبُ استجاب الدعاء: إذا لباه وقام بما دعاه إليه بالتدريج.
стр. 599
المناسبة:
بعد هذا الحجاج والنقاش ذكر تأثير كفرهم وعنادهم في نفس النبي ﷺ وذكر ما يسليه ببيان ما حصل لغيره من الرسل قديما.
روى ابن جرير عن السّدّىّ أن الأخنس بن شريق وأبا جهل التقيا فقال الأخنس لأبى جهل: يا أبا الحكم خبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيرى، قال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق وما كذب قط. ولكن إذا ذهب بنو قصى باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟.
المعنى:
قد نعلم- أيها الرسول- إنه ليحزنك ويؤلم نفسك ما عليه هؤلاء القوم، وما يقولونه لك من تكذيب وطعن، وتنفير للعرب عن دعوتك، وهذه نفسك الطاهرة تتألم، وقد رأيت عشيرتك وأهلك في ضلال وخسران، وأنت تدعوهم إلى الهدى والفلاح فلا يسمعون، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق مما يفعلون. فإنهم لا يكذبونك فأنت الصادق عندهم الأمين في ناديهم ما جربوا عليك كذبا ولا خيانة، ولكنهم يعاندون ويستكبرون، وتدفعهم الإحن والحسد والعصبية الحمقاء، فهذا أبو جهل يقول: إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به:
فهم لا يكذبون النبي ﷺ ولكنهم يفهمون خطأ أن ما جاء به من أمور البعث والحياة الأخرى غير مطابق للواقع، ولا يقتضى هذا أن يكون هو الذي افتراه، على أنهم ما كذبوه في أنفسهم ولكنهم كذبوه أمام الناس فقط!! وكان إصرارهم على التكذيب مع ظهور المعجزات والآيات تكذيبا لآيات الله، أما أنت أيها الرسول الكريم فلا تحزن عليهم وتذرع بالصبر والسلوان، واعتبر بمن تقدمك من الرسل الكرام، فهذه طبيعة الناس قديما وحديثا، ولقد كذبت رسل من قبلك، خاصة أولى العزم منهم، فصبروا على أذاهم إلى أن نصرهم الله وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. [سورة البقرة آية ٢١٤] .
وهذه هي سنة الله في الأمم مع رسلهم، ولن تجد لسنة الله تحويلا، فاصبر كما صبر
стр. 600
أولو العزم من الرسل، واعلم أن الله يدافع عن الذين آمنوا، وأنه لا مبدل لكلمات الله أبدا ولا مغير لوعده.
ولقد جاءك من أخبار المرسلين التي تفيد تكذيب الناس لهم وصبرهم ونصر الله لهم إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [غافر ٥١] .
وكانوا يقترحون على النبي آيات ويعلقون الإيمان عليها: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى آخر ما ذكر في الآيات من سورة الإسراء.
فرد الله عليهم بما معناه: وإن كان كبر عليك إعراضهم وما يطلبون، ورأيت أن إتيانهم بآية مما اقترحوا يدحض حجتهم ويكشف شبهتهم فيؤمنون، فإن استطعت أن تبتغى لنفسك نفقا تطلبه في الأرض فتذهب في أعماقها أو سلما في الجو فترقى إلى أطباق السماء فتأتيهم بآية مما اقترحوا فأت بها، ولكنك رسول والرسول لا يقدر على شيء أبدا مما يعجز عنه البشر، ولا يستطيع إيجاده إلا الخالق، واعلم أنه لو شاء الله لجمعهم على الهدى وما جئت به ولكنه شاء اختلافهم وتفاوتهم واختبارهم وما يترتب على ذلك.
الناس فريقان، فريق في الجنة، وفريق في السعير، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى، فريق تتلى عليه آيات الله فيسمعها سماع قبول، وينظر إليه نظرة اعتبار وتذكر، نظرة خالية من الهوى والعناد والاستكبار، وهؤلاء يستجيبون لما دعاهم الله فهم كالتربة الصالحة للإنبات تقبل الماء وتنبت الكلأ.
وفريق تتلى عليه الآيات فيظل متكبرا سادرا في غلوائه، لا ينظر ولا يعتبر، ولا يسمع سماع قبول، وهم موتى القلوب، وأبعد الناس من الانتفاع بما يسمعون.
هؤلاء يترك أمرهم إلى الله فهو الذي يبعثهم بعد موتهم، فيحاسبهم ويجازيهم ثم إليه يرجعون، هو القادر على ذلك وحده فلا تبخع نفسك عليهم حسرات، إذ ليس في استطاعتك هدايتهم، إنما عليك البلاغ، وعلى الله الحساب، وقال المشركون المعاندون بعد نزول الآيات تترى التي لو لم يكن فيها إلا القرآن لكفى قالوا: هلا نزل عليه آية من ربه كما اقترحنا، وقد قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ