← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والذنب كأنه لثقله على صاحبه كالحمل الذي يثقل ظهره. لَعِبٌ: هو العمل الذي لا يقصد به جلب نفع أو دفع ضر. لَهْوٌ: ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه. المعنى: هؤلاء المشركون أمرهم عجيب حقا، فإنك تراهم في الدنيا يكفرون بالقرآن والنبي ﷺ ويستهزئون به وبدينه، ولا يؤمنون بالبعث وتوابعه ويفاخرون بذلك، ولو ترى إذ يقفون على النار حتى يعاينوا ويطلعوا عليها ويتبينوها أو يدخلوها فيعرفون كنهها ويتلظون بنارها. لرأيت شيئا عجيبا تقف العبارة دون وصفه.. وهم إذ وقفوا عليها وظنوا أنهم مواقعوها حتما. قالوا: يا ليتنا نرد إلى الدنيا ولا نكذب بهذه النار وما يتبعها من أمور البعث والجزاء أو لا نكذب بأية آية من آيات ربنا، ونكون من المؤمنين بالله المصدقين برسله وآياته (بل) إضراب إبطالى لهذا التمني السابق على معنى (لا) لا. ليسوا صادقين في هذا التمني والرغبة في الإيمان أصلا، بل لأنهم ظهر لهم وبدا ما كانوا يخفونه ويكفرون به من أمور البعث والنار التي وقفوها عليها إذ من يكفر بأمر يخفيه ولا يظهره، ومن يؤمن به يبديه ولا يكتمه، والكلام في النار والعرض عليها. ولو ردوا إلى الدنيا لعادوا لما نهوا عنه من الكفر والعناد وعدم الإيمان، وإنهم لقوم طبعهم الكذب وديدنهم العناد، ولو ردوا إلى الدنيا لقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا فقط وليست لنا حياة أخروية أبدا، وما نحن بمبعوثين وهكذا القوم الماديون لا يؤمنون بالغيب، ولا يرجى منهم خير أبدا. ولو ترى هؤلاء المشركين المكذبين حين تقفهم الملائكة، وتحبسهم ليحاسبهم ربهم، ويحكم فيهم بما أراد يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ «١» لو رأيت هؤلاء حينئذ لهالك أمرهم واستبشعت منظرهم ورأيت ما لا تؤديه عبارة ولا يحيط به وصف وكأن سائلا سأل وقال: ماذا قيل لهم حينئذ؟ فأجيب قال لهم ربهم تبكيتا وتأنيبا: أليس هذا الذي أنتم فيه من أهوال الآخرة هو الحق لا شك فيه؟ قالوا: بلى نعم هو الحق لا شك فيه وربنا، قال لهم ربهم: فذوقوا ألم العذاب المر الذي تجدونه كما يجد من يذوق الشيء من قوة الإحساس والإدراك، كل ذلك بسبب ما كنتم تكفرون به

стр. 597

وتجحدون في الدنيا، ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم هذا الإقرار منكم بأنه حق قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله، وما وعد الله به عباده الصالحين، نعم خسروا نعيم الآخرة وثوابها وسعادة الإيمان ولذته ورضوانا من الله أكبر من كل شيء. وما كان هذا إلا نتيجة لإنكارهم الحياة الأخروية فإن من ينكرها يكون ماديا شهوانيّا ليس له قلب ولا روح وهم كالأنعام بل أضل سبيلا. قد خسر الذين كذبوا حتى إذا جاءتهم منيتهم مباغتة لهم ومفاجئة قالوا: يا حسرتنا احضرى فهذا أوانك، يا حسرتنا على ما فرطنا في الحياة الدنيا التي كنا نزعم أن لا حياة بعدها ... عن رسول الله ﷺ : «من مات قامت قيامته» فتكذيبهم مستمر إلى موتهم فقط أما خسارتهم فلا حد لها ولا نهاية. وتحسرهم كذلك قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يحملون أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم، يحملونها على ظهورهم، وهذا ما كسبته أيديهم وجنته جوارحهم، ألا ساء ما يحملون وبئس ما يصنعون. وأما الحياة الدنيا التي قال عنها الكفار إنه لا حياة بعدها فهي دائرة بين عمل لا فائدة فيه كلعب الأطفال وبين عمل فائدته عاجلة سلبية كفائدة اللهو فمتاعها قليل، وأجلها قصير، وحياتها تعب، وصاحبها في كبد لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ «١» . وأما الدار الآخرة فنعم عقبى الدار! نعيمها مقيم وظلها دائم لا همّ فيها ولا نصب، ولا تعب ولا ألم وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ «٢» .

стр. 598

تسلية الله لنبيه وسنة الله في خلقه [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣٣ الى ٣٧] قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧) المفردات: لَيَحْزُنُكَ الحزن: ألم نفسي يكون عند فقد محبوب أو امتناع مرغوب أو حدوث مكروه. يَجْحَدُونَ الجحود: إنكار ما ثبت في القلب أو إثبات ما نفى فيه. نَبَإِ هو الخبر ذو الشأن العظيم. كَبُرَ يقال: كبر على فلان الأمر، أى: عظم عنده وشق عليه وقعه. إِعْراضُهُمْ الإعراض: التولي والانصراف عن الشيء رغبة عنه، أو احتقارا له. أَنْ تَبْتَغِيَ: أن تطلب ما في طلبه كلفة ومشقة من البغي وهو تجاوز الحد ويكون في الخير والشر. نَفَقاً: السرب في الأرض وهو حفرة نافذة لها مدخل ومخرج. سُلَّماً: المرقاة من السلامة لأنه هو الذي يسلمك إلى مصعدك. يَسْتَجِيبُ استجاب الدعاء: إذا لباه وقام بما دعاه إليه بالتدريج.

стр. 599

المناسبة: بعد هذا الحجاج والنقاش ذكر تأثير كفرهم وعنادهم في نفس النبي ﷺ وذكر ما يسليه ببيان ما حصل لغيره من الرسل قديما. روى ابن جرير عن السّدّىّ أن الأخنس بن شريق وأبا جهل التقيا فقال الأخنس لأبى جهل: يا أبا الحكم خبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيرى، قال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق وما كذب قط. ولكن إذا ذهب بنو قصى باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟. المعنى: قد نعلم- أيها الرسول- إنه ليحزنك ويؤلم نفسك ما عليه هؤلاء القوم، وما يقولونه لك من تكذيب وطعن، وتنفير للعرب عن دعوتك، وهذه نفسك الطاهرة تتألم، وقد رأيت عشيرتك وأهلك في ضلال وخسران، وأنت تدعوهم إلى الهدى والفلاح فلا يسمعون، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، ولا تحزن عليهم، ولا تك في ضيق مما يفعلون. فإنهم لا يكذبونك فأنت الصادق عندهم الأمين في ناديهم ما جربوا عليك كذبا ولا خيانة، ولكنهم يعاندون ويستكبرون، وتدفعهم الإحن والحسد والعصبية الحمقاء، فهذا أبو جهل يقول: إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به: فهم لا يكذبون النبي ﷺ ولكنهم يفهمون خطأ أن ما جاء به من أمور البعث والحياة الأخرى غير مطابق للواقع، ولا يقتضى هذا أن يكون هو الذي افتراه، على أنهم ما كذبوه في أنفسهم ولكنهم كذبوه أمام الناس فقط!! وكان إصرارهم على التكذيب مع ظهور المعجزات والآيات تكذيبا لآيات الله، أما أنت أيها الرسول الكريم فلا تحزن عليهم وتذرع بالصبر والسلوان، واعتبر بمن تقدمك من الرسل الكرام، فهذه طبيعة الناس قديما وحديثا، ولقد كذبت رسل من قبلك، خاصة أولى العزم منهم، فصبروا على أذاهم إلى أن نصرهم الله وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ. [سورة البقرة آية ٢١٤] . وهذه هي سنة الله في الأمم مع رسلهم، ولن تجد لسنة الله تحويلا، فاصبر كما صبر

стр. 600

أولو العزم من الرسل، واعلم أن الله يدافع عن الذين آمنوا، وأنه لا مبدل لكلمات الله أبدا ولا مغير لوعده. ولقد جاءك من أخبار المرسلين التي تفيد تكذيب الناس لهم وصبرهم ونصر الله لهم إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [غافر ٥١] . وكانوا يقترحون على النبي آيات ويعلقون الإيمان عليها: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً إلى آخر ما ذكر في الآيات من سورة الإسراء. فرد الله عليهم بما معناه: وإن كان كبر عليك إعراضهم وما يطلبون، ورأيت أن إتيانهم بآية مما اقترحوا يدحض حجتهم ويكشف شبهتهم فيؤمنون، فإن استطعت أن تبتغى لنفسك نفقا تطلبه في الأرض فتذهب في أعماقها أو سلما في الجو فترقى إلى أطباق السماء فتأتيهم بآية مما اقترحوا فأت بها، ولكنك رسول والرسول لا يقدر على شيء أبدا مما يعجز عنه البشر، ولا يستطيع إيجاده إلا الخالق، واعلم أنه لو شاء الله لجمعهم على الهدى وما جئت به ولكنه شاء اختلافهم وتفاوتهم واختبارهم وما يترتب على ذلك. الناس فريقان، فريق في الجنة، وفريق في السعير، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى، فريق تتلى عليه آيات الله فيسمعها سماع قبول، وينظر إليه نظرة اعتبار وتذكر، نظرة خالية من الهوى والعناد والاستكبار، وهؤلاء يستجيبون لما دعاهم الله فهم كالتربة الصالحة للإنبات تقبل الماء وتنبت الكلأ. وفريق تتلى عليه الآيات فيظل متكبرا سادرا في غلوائه، لا ينظر ولا يعتبر، ولا يسمع سماع قبول، وهم موتى القلوب، وأبعد الناس من الانتفاع بما يسمعون. هؤلاء يترك أمرهم إلى الله فهو الذي يبعثهم بعد موتهم، فيحاسبهم ويجازيهم ثم إليه يرجعون، هو القادر على ذلك وحده فلا تبخع نفسك عليهم حسرات، إذ ليس في استطاعتك هدايتهم، إنما عليك البلاغ، وعلى الله الحساب، وقال المشركون المعاندون بعد نزول الآيات تترى التي لو لم يكن فيها إلا القرآن لكفى قالوا: هلا نزل عليه آية من ربه كما اقترحنا، وقد قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ

стр. 601

أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ «١» قل لهم يا محمد سبحان ربي!! كيف تطلبون منى هذه الآيات! وهل أنا إلا بشر ورسول؟ وليس يقدر الرسول على إنزال آية من الآيات وإنما القادر هو الله فقط على إجابتكم لما تطلبون. وقد مضت سنة الله في الأمم أن إجابة المعاندين إلى ما طلبوا لم تكن سببا لهدايتهم أبدا بل كانت سببا في عذابهم واستئصالهم، فإنزال آية مما اقترحوا لا يكون خيرا لهم بل هو شر، ولكن أكثرهم لا يعلمون، وطلبهم تعجيز للنبي ﷺ لا للهداية وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «٢» . من دلائل قدرة الله وكمال علمه [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٣٨ الى ٣٩] وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩) المفردات: دَابَّةٍ الدبيب: المشي الخفيف، والدابة: كل ما يدب على الأرض من الحيوان طائِرٍ: كل ذي جناح يطير في الهواء. أُمَمٌ: جمع أمة، وهي الجماعة يجمعهم أمر كدين أو لغة أو صفة أو عمل. الله- على كل شيء قدير، ينزل الآيات حسب الحكمة والمصلحة، وها هي ذي مظاهر القدرة وشمول العلم، وكمال التدبير.

стр. 602

المعنى: لا يوجد نوع من أنواع الدواب التي تدب على الأرض، ولا نوع من أنواع الطير الذي يطير في الجو إلا وهو أمم مماثلة لكم أيها الناس، لهم أرزاق وآجال ونظام محكم وطبائع تتلاءم مع خلقتهم وتكوينهم، فتبارك الله أحسن الخالقين! وقد أثبت العلماء الباحثون في طبائع الحيوان أن كثيرا من فصائله أمم لها ملك ومملكة ونظام وقيادة، وما النحل والنمل عنا ببعيد! وخص دواب الأرض بالذكر لأنها المرئية للكفار، أما ملكوت الله في السموات ففيه ما لا يعلمه إلا الله وحده، وهذه الآية توجه أنظارنا إلى البحث والدرس في طبائع الحيوان والاستفادة من ذلك فقد خلق لنا جميع ما في الأرض لننتفع منه ونسخره لمصلحتنا. وما فرطنا في الكتاب من شيء أبدا، ولا قصرنا في أى شيء أبدا، وقال ابن عباس: إن المراد بالكتاب هو أم الكتاب (وهو خلق غيبي سجل فيه كل ما كان وما سيكون على حسب السنن الإلهية) . وقيل: الكتاب هنا هو علم الله المحيط بكل شيء، شبه بالكتاب لكونه ثابتا لا ينسى. وقيل هو القرآن، والمعنى: ما تركنا في القرآن شيئا من ضروب الهداية وأصول الأحكام والقوانين: ففي القرآن السياسة العامة الإسلامية من ناحية الاقتصاد والاجتماع والدين، وفيه الأصول العامة الأخرى للدين كالسنة والقياس والإجماع، ثم إلى ربهم يحشرون ويجازون على أعمالهم. والذين كذبوا بآياتنا المنزلة الدالة على كمال القدرة، وتمام العلم والحكمة صم لا يسمعون دعوة الحق والهدى سماع قبول، وبكم لا ينطقون بما عرفوا من الحق، وهم يتخبطون في الظلمات، ظلمات الجهل والكفر والعادات القبيحة. من يشاء الله يخذله ويضله ولا يلطف به لأنه ليس من أهل اللطف حيث ثبت في علمه القديم أنه أهل لما هو فيه من شقاء وعذاب. ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم لأنه أهل لذلك في علمه، وهكذا كانت الحكمة فيما اختاره الله أزلا وفق علمه، صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بعباده بصير بخلقه.

стр. 603

إلى الله يلجأ العبد في الشدائد مع ضرب الأمثال بالأمم السابقة [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤٠ الى ٤٥] قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (٤١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٥) المفردات: أَرَأَيْتَكُمْ أسلوب عربي يفيد التعجب وأن ما بعده غريب عن الصواب، والمراد: أخبرونى. فَيَكْشِفُ أى: يزيل ما تدعونه إلى كشفه. بِالْبَأْساءِ: بالشدة والعذاب والقوة، وتطلق البأساء على الحرب والمشقة. وَالضَّرَّاءِ: من الضر ضد النفع. يَتَضَرَّعُونَ التضرع: إظهار الضراعة والخضوع بتكلف. مُبْلِسُونَ: متحسرون يائسون من النجاة. دابِرُ الْقَوْمِ: آخرهم الذي يكون في أدبارهم.

стр. 604

المعنى: يا أيها الرسول قل لأولئك المشركين: أخبرونى إن أتاكم عذاب الله الذي نزل بأمثالكم من الأمم السابقة كالخسف والريح الصرصر والغرق، أو أتتكم الساعة وهولها، والقيامة وما فيها، أخبرونى إن حصل هذا، أغير الله تدعون لينجيكم من هذا العذاب وهوله؟! إن كنتم صادقين في دعوى الألوهية لهؤلاء الأصنام الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء، ولكم شفعاء، والسؤال للتبكيت والإلزام بل- إضراب لإبطال ما تقدم- إياه وحده تدعون، وله وحده تتجهون، وبه وحده تستعينون حتى يكشف عنكم ما ألم بكم من ضر أو مسكم من شدة. يكشف ما تدعون إليه إن شاء كشفه، وكان فيه حكمة، وأنتم تنسون ما تشركون، وتتركون آلهتكم ولا تذكرون في ذلك الوقت إلا الله فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ «١» . وذلك أن الإنسان أودع في فطرته توحيده- عز اسمه- وأما الشرك فشيء عارض للإنسان بالتقليد شاغل للذهن بالفساد وقت الرخاء، حتى إذا جد الجد دعوا الله مخلصين له الدين وضل عنهم ما كانوا يعبدون فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ «٢» . ثم أخذ القرآن يضرب الأمثال بالأمم السابقة فقال: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلا مبشرين ومنذرين، ولكن أممهم عصوا وبغوا، فأخذناهم بالبأساء والشدائد، والضراء والمهالك، عسى أن يكون ذلك رادعا لهم ومؤدبا. فالشدائد قد تربى النفوس وتهذبها، وتجعل المغرور يراجع نفسه ويفكر في أمره ولذا يقول الله: لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ويلجئون، ومع هذا فكثير من الناس لا تنفعهم هذه الزواجر ولا تردعهم هذه الشدائد. فهلا تضرعوا حين جاء بأسنا وكانوا خاشعين تائبين، ولكن أنى لهم هذا؟ وقد قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة. فلم تؤثر فيهم النذر، ولم تنفعهم العبر، وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون، وبئس ما كانوا يصنعون.

стр. 605

فلما نسوا ما ذكروا به وأعرضوا عما أنذروا به، فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ناحية ومتعناهم بالحياة الدنيا استدراجا وإملاء نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم أخذ عزيز مقتدر، بلا إنذار ولا استئذان أخذناهم بغتة فإذا هم متحسرون يائسون من رحمة الله فقطع دابر القوم عن آخره حتى لم يبق منهم أحد، والحمد لله رب العالمين، وفي هذا إشارة إلى أن إبادة القوم المفسدين نعمة من الله رب العالمين. وأن في الضراء والسراء عبرة وعظة للناس، وإنما يتذكر أولو الألباب. من أدلة التوحيد أيضا [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٤٦ الى ٤٩] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩) المفردات: نُصَرِّفُ الْآياتِ: نقلبها ونكررها على وجوه مختلفة. يَصْدِفُونَ: يعرضون عن ذلك. يَمَسُّهُمُ المس: اللمس باليد بما يسيء غالبا من ضر أو شر. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أخبرونى ماذا أنتم فاعلون؟! إن أخذ الله سمعكم،

стр. 606

وأبصاركم، وختم على قلوبكم، إذ هو الذي وهب لكم السمع والبصر والفؤاد، وإذا سلبها منكم عدتم صما وعميا لا تسمعون قولا، ولا تبصرون طريقا، ولا تعقلون نفعا ولا ضرّا ولا حقّا ولا باطلا، ماذا تفعلون مع آلهتكم التي تدعونهم وترجون شفاعتهم لو فعل الله بكم ذلك؟ من إله غير الله يأتيكم بهذا؟ لا إله إلا الله وحده فهو الذي يقدر على ذلك، ولو كان ما اتخذتموه آلهة تنفع أو تضر لردت عليكم هذا، وإن كنتم تعلمون بلا شك أنها لا تقدر على شيء أصلا بل إن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه. فلماذا تدعونهم؟ والدعاء عبادة والعبادة لا تكون إلا لله الواحد القهار، واهب الوجود، الحق المعبود، !! انظر يا من يتأتى منه النظر كيف يصرف الله القول ويكرره بألوان مختلفة، وعلى أساليب متعددة في غاية الوضوح والبيان، ثم هم بعد ذلك يعرضون ويصدفون عن النظر إليها بعين بريئة خالية من حجب التقليد، وغطاء العصبية وداء الحسد. قل لهم: أخبرونى إن أتاكم العذاب من الله كما أتى لمن قبلكم من المكذبين الضالين، عذاب الخسف والاستئصال والهلاك، أتاكم هذا العذاب بغتة بلا مقدمات، أو أتاكم العذاب جهرة وعيانا بمقدماته وأنتم تنظرونه. أخبرونى ماذا أنتم فاعلون؟ هل يهلك بهذا إلا القوم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم بسلوكهم طريق الشرك والباطل! وما نرسل المرسلين إلا مبشرين من آمن بالثواب، ومنذرين من عصى بصارم العذاب ولا عليهم شيء بعد هذا أبدا، سواء عليهم آمن الناس أم كفروا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ «١» أما الله- فهو المجازى. فمن آمن وأصلح نفسه فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ «٢» . ومن كذب وتولى، فإنه يمسه العذاب جزاء كفره وفساده. وإن أصابه خير في الدنيا فمتاع قليل، ثم يضطره الله إلى عذاب النار وبئس المصير.

стр. 607

مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتبعات الرسالة [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٠ الى ٥٣] قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) المفردات: خَزائِنُ جمع خزانة، وهي: ما يخزن فيه الشيء ويحفظ، والمراد القسم بين الخلق، وأرزاقهم. الْغَيْبَ: ما غاب عن جميع الخلق واستأثر الله بعلمه. الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ: المراد بهما الضال والمهتدى. الولي: الناصر. وَلا تَطْرُدِ الطرد: الإبعاد. بِالْغَداةِ الغداة والغدوة: ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. الْعَشِيِّ: آخر النهار، والمراد جميع الأوقات. فَتَنَّا: ابتلينا واختبرنا. مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ: أنعم الله عليهم.

стр. 608

المعنى: كان لعناد المشركين مع النبي ﷺ أثر كبير في نفسه، وكانوا يطلبون منه آيات غريبة جهلا منهم بموقف الرسول ومهمته ورسالته، فقال الله للنبي ﷺ ما معناه. قل لهؤلاء: أنا لا أدّعى لكم أن عندي خزائن الله أملكها وأقسمها بين الخلق، وأتصرف فيها، ولم أدع أنى أعلم الغيب الذي استأثر الله بعلمه فلم يطلع أحدا عليه من رسول أو ملك، اللهم إلا ما علمه الرسول عن طريق الوحى الإلهى فهو من العلم الضروري لا الكسبي، ولم أدّع أنى من الملائكة آتى بما لا يأتى به البشر. والمعنى: لست أدّعى الألوهية أو الملكية حتى تطلبوا منى ما ليس في طاقتي وقدرتي، وإنما أنا بشر قد شرفني الله بالنبوة، وما أتبع إلا ما يوحى إلىّ فقط، وهذه الرسالة ليست لي خاصة بل سبقني بها رسل كرام قبلي. واعلموا أن التصرف المطلق في الكون لله وحده الواحد القهار، القادر على أن ينزل الآيات التي تطلبونها وغيرها، وهو العليم بما كان وما سيكون، أما الرسول فيبلغ عنه أمر الدين، وليس قادر على ما لا يقدر عليه البشر من تفجير الينابيع والأنهار، وخلق الجنات والبساتين، وإسقاط السماء كسفا والإتيان بالله والملائكة قبيلا وغير ذلك مما يطلبه المعاندون. وإذا كان الأنبياء لم يؤتوا القدرة على التصرف فيما وراء الأسباب فمن باب أولى غيرهم من الأولياء الصالحين. قل لهؤلاء: هل يستوي الأعمى والبصير؟ والضال عن طريق الحق والهدى والمهتدى إلى سواء السبيل؟ وكيف يستويان؟، أعميتم فلا تتفكرون فيما أذكر لكم من الحجج وأدعوكم إليه؟! وتنظرون إلى القرآن وما فيه!! وإلى بلاغته ومعانيه! وأنه ليس في مقدوري أن آتى بمثله، فقد لبثت فيكم عمرا من قبله، بعيدا عن الإتيان بمثل ذلك عاطلا عن هذه المعرفة وتلك العلوم! وأنذر بما يوحى إليك الذين يخافون من الحشر، والحال أنهم يعتقدون بأن ليس لهم فيه ولى ولا شفيع بل الأمر كله لله! فهم الذين ينتفعون به، ولقد كرر القرآن هذا

стр. 609

المعنى وصدر سورة البقرة به ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فالذين يؤمنون بالغيب، ويؤمنون بالحياة الأخروية هم المنتفعون بالقرآن، أما الماديون الذين لا يؤمنون بغير المادة، فقد ختم الله على قلوبهم وأعمى أبصارهم وجعل في آذانهم وقرا فلا ينتفعون بنور القرآن أصلا إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ [سورة فاطر آية ١٨] . واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى، يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم، ولا تطردهم عن مجلسك، فهم المخلصون لك المؤمنون بدعوتك، يريدون بهذا وجه الله، لا نفاقا ولا رياء ولا سمعة. روى أحمد وابن جرير والطبراني في جماعة آخرين عن عبد الله بن مسعود قال: مر الملأ من قريش على النبي ﷺ وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نكون تبعا لهؤلاء؟ اطردهم عنك فلعلك إن طردتهم أن نتبعك. فأنزل الله فيهم وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إلى قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ. وفي رواية أخرى وقع في نفس عمر بن الخطاب حسن عرضهم، فلما نزلت الآية أقبل عمر فاعتذر، فأنزل الله وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ [سورة الأنعام آية ٥٤] . وقد كان من علامات النبوة أن يتبع النبي ضعفاء الناس لا أشرافهم، تذكر قصة هرقل، وقد سأل الوفد أيتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟؟ فقيل: بل ضعفاؤهم، فقال: هكذا الرسل من قبله وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ من قصة نوح في سورة هود [الآية ٢٧ وما بعدها] . ولماذا تطردهم؟ ما عليك من حسابهم من شيء إن كانوا غير مخلصين، وما عليهم من حسابك من شيء، فكل نفس بما كسبت رهينة وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما عليك أنت إلا البلاغ فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية ٢١ و ٢٢] إنك إن طردتهم تكن من الظالمين لأنفسهم بعدم امتثالهم أمر الله، ومثل ذلك الابتلاء العظيم ابتلينا بعضهم ببعض لتكون العاقبة أن يقول هؤلاء المشركون المغرورون حينما يرون

стр. 610

ضعاف الناس كبلال وصهيب من أصحاب النبي ﷺ : أهؤلاء الصعاليك من العبيد والموالي والفقراء والمساكين خصهم الله بهذه النعمة من جملتنا ومجموعنا كيف ذلك؟ إن هذا لا يكون لأنا نحن المفضلون عند الله بما آتانا من قوة وبسطة في العيش وثروة وجاه. فلو كان هذا الدين خيرا لوفقنا الله إليه وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [الأحقاف ١١] فهم يقيسون التوفيق على مظاهر الدنيا الكاذبة. يا عجبا كل العجب ... أليس الله بأعلم بالشاكرين؟؟ الذين يستحقون النعم بسبب شكرهم لله وقيامهم بالواجب عليهم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [سورة إبراهيم آية ٧] . من مظاهر رحمته بخلقه [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٤ الى ٥٥] وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) المفردات: سَلامٌ عَلَيْكُمْ السلام: السلامة من العيوب والآفات، وهو الأمان، والتحية والقبول، وهو من أسمائه- . كَتَبَ: فرض وأوجب. بِجَهالَةٍ الجهالة: السفه والخفة التي تقابل الحكمة والعقل. وَلِتَسْتَبِينَ: تتضح وتظهر. أراد الله- أن يكرم المسلمين جميعا شريفهم ووضيعهم وأن يتقبلهم النبي ﷺ بالقبول والسلام والأمان.

стр. 611

المعنى: وإذا جاءك يا محمد الذين يؤمنون بآياتنا ويصدقون بها تصديقا مصحوبا بالعمل الطيب فقل لهم: سلام عليكم، وأمنة لكم من أن يعاقبكم ربكم على ذنب تبتم عنه ورجعتم بعده إليه. قل لهم يا محمد: سلام الله عليكم وإكرامه لكم، قد فرض على ذاته الكريمة الرحمة بعباده فهو واسع الفضل والمغفرة كبير العفو والرحمة، وفيما منحنا الله من الخلق السوى والغرائز، ونعمة السمع والبصر والفؤاد والعقل وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ «١» وفيما خلق لنا مما في الأرض جميعا، وما آتانا من العلوم الكسبية التي بها ذللنا الطبيعة: الدليل على تمام رحمته وكمال نعمته وأنه الرحمن الرحيم بخلقه وعباده، ثم بين الله أصلا من أصول الدين في الرحمة بعباده فقال: إنه من عمل منكم أيها المؤمنون عملا سيئا يتنافى مع الدين والخلق حالة كونه متلبسا بجهالة دفعته إلى ذلك السوء، كغضب شديد أو شهوة جامحة ثم تاب ورجع إلى الله فإن الله يتوب عليه. وقيل: من عمل منكم سوءا وهو جاهل بما يتعلق به من المكروه والضرر، ثم تاب من بعده من قريب بمعنى أنه أنب نفسه، ولم يستمر على عزمه السيئ، بل ثابت نفسه إلى رشدها، وأدركت أن الشيطان مسها، فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب، وأصلح نفسه بالعمل الطيب دليلا على صدقه وخروج نفسه من حيز الشر والضلال إلى دائرة النور والعرفان بالذات الأقدس. إذا كان هذا فاعلموا أنه غفور رحيم يقبل التوبة من عباده، ويعفو عن السيئات، وقد شرطوا في التوبة الصادقة الندم الحقيقي، والعزم على عدم الرجوع، ورد المظالم إلى أهلها وإتباعها بالعمل الصالح. مثل ذلك التفصيل المحكم المبين لأحكام الدين وأصوله نفصل الآيات كلها ليهتدى بها أولو العقل الرشيد والفكر السليم وليستبين ويظهر طريق المجرمين حيث وضح طريق الصالحين.

стр. 612

موقف النبي ﷺ من المشركين [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٦ الى ٥٨] قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) المفردات: نُهِيتُ: صرفت وزجرت. بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي البينة: كل ما يتبين به الحق من الحجج العقلية والآيات الحسية. يَقُصُّ: يذكر. الْفاصِلِينَ الفصل: القضاء والحكم. المعنى: يا أيها الرسول: قل لهؤلاء المشركين: إنى نهيت وصرفت عن عبادة ما تدعونهم وتطلبون منهم الخير ودفع الضر، من صنم أو وثن أو عبد مهما كان شأنه، صرفت عن هذا كله بالآيات القرآنية والآيات الحسية، وما ركب الله فىّ من عقل رشيد، وروح طيبة طاهرة وفطرة سليمة بعيدة عن أسر التقليد وقيد الجهل وداء الحسد. قل لهم: لا أتبع أهواءكم فإن عبادتكم غير الله سندها وحجتها الهوى فقط. إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ «١» . أما عبادة الله فلها الحجة البالغة والبرهان الساطع.

стр. 613

وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد وعبادة غير الله ضلال وشرك. فإن اتبعتكم فقد ضللت إذا، وما أنا في عداد المهتدين، وفي هذا تعريض بأنهم ليسوا من الهداية في شيء وهم في ضلال مبين. قل لهم: إنى فيما أخالفكم فيه من عبادة غير الله، وفيما أدعوكم إليه من عبادة الله على بينة من ربي وحجة واضحة، لا تقبل شكا ولا جدلا ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ فالقرآن هو الحجة البينة والمعجزة الخالدة، والآية الباقية التي تقوم مقام قول الله: «صدق عبدى في كل ما يبلغه عنى» وأما أنتم فلقد كذبتم بالقرآن واتبعتم الشيطان وكفرتم بالرحمن ... ويا للعجب تكذبون بالقرآن وما دعا إليه، وتدعون إلى اتباع الهوى والضلال والتقليد الأعمى، فبئس ما تصنعون. وكانوا يشتبهون في القرآن ورسالة النبي ﷺ لأن الله لم ينزل عليهم ما طلبوا فأزال القرآن هذا بقوله للنبي ﷺ . قل لهم ما عندي ما تستعجلون به وتطلبونه على عجل من الله، ولم أقل لكم إنى أقدر على هذا!! وما الحكم في هذا إلا لله الواحد القهار، وكل شيء عنده بمقدار، والله يقص القصص الحق في وعده ووعيده وهو خير الحاكمين. قل لهم: لو عندي ما تستعجلون به، ولو أن الله أمكننى من إيقاع العذاب بكم، وجعله من قوتي الكسبية لأوقعته عليكم، ولقضى الأمر بيني وبينكم، والله قد وعدني النصر، ووعده الحق، وقد تحقق ما وعد. وهناك حديث عن أبى هريرة يفيد: أن ملك الجبال ناداه وقال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وقد بعثني ربك لك لتأمرنى بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، فقال النبي ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يؤمن بالله. والمخلص في هذا أن الآية دلت على سؤالهم العذاب، وجوابه ﷺ والحديث ليس فيه سؤال بل عرض عليه ملك الجبال فلهذا استأنى بهم وترفق عليهم، والله أعلم بالظالمين كيف يعاقبهم؟ ومتى يعاقبهم، وعلى أي صورة يكون جزاؤهم؟ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ. [سورة الأعراف آية ٣٤] .

стр. 614

كمال علمه [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٥٩ الى ٦٢] وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٥٩) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (٦٢) المفردات: مَفاتِحُ: جمع مفتح، وهو المخزن، أو جمع مفتح وهو المفتاح الذي تفتح به الأقفال. يَتَوَفَّاكُمْ التوفي: أخذ الشيء وافيا كاملا، والتوفية: إعطاء الشيء تامّا وافيا، وهو يطلق على الموت والنوم. جَرَحْتُمْ: كسبتم بالجوارح، ويستعمل اللفظ في الشر والخير، والاجتراح: فعل الشر خاصة. يَبْعَثُكُمْ: يوقظكم من النوم. حَفَظَةً: هم الكرام الكتبة من الملائكة. المناسبة: طلبوا من النبي آيات خاصة- كما تقدم- واستعجلوه بها فرد القرآن عليهم بأن الكل

стр. 615

في قبضته وهو القاهر فوق عباده، ولا يملك الرسول شيئا، ثم بين هنا أن ما استعجلوه به ليس فيما يدخل في علم النبي حتى يخبرهم في أى وقت يقع وإنما هو مما استأثر الله بعلمه، وهو العليم بكل شيء. المعنى: عنده وحده- سبحانه- ما يوصل به إلى الغيب المحجوب عن الكل، أى: عنده علم الغيب. إذ العلم صفة تنكشف بها لله- معلومات الغيب والشهادة، وإنما أطلق المفتاح وأراد العلم للإشارة إلى أن الغيب المستور في أماكن بعيدة لا يصل إليها أى مخلوق كالخزائن المغلقة بالأبواب والأغلاق، ولها مفاتيح محكمة، وقيل المعنى: وعنده خزائن الغيب، على أن المراد بالمفاتيح الخزائن. لا يعلمها إلا هو وحده الذي يعلم السر وأخفى، فهذه الجملة إذن توكيد للجملة السابقة. وهو يعلم كل ما في البر وكل ما في البحر، فهو يعلم المشاهدات كما يعلم المغيبات، والله يعلم ما تسقط من ورقة في أى زمان أو مكان، فهو يعلم الأحوال كلها المتعلقة بالذوات السابقة إذ سقوط الورق حال من الأحوال، وذكره إشارة إلى جميع الأحوال. وليست هناك حبة في ظلمات الأرض السحيقة. وأغوارها البعيدة، ولا شيء رطب، ولا شيء يابس، أى: ولا حي بالمعنى العام، ولا يابس إلا في مكنون علمه الثابت الذي لا يمحى، كما أن الشيء المسجل المكتوب كتابة لا يمحى، وقيل المعنى: كل ذلك في اللوح المحفوظ، والله أعلم بكتابه. والخلاصة أنه- سبحانه- يعلم الغيب والشهادة، والأحوال الظاهرة والباطنة. أما أنتم أيها الناس ... فالله يتوفاكم بالليل، أى: ينيمكم فيه، ويقبض أرواحكم إليه، فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، ويعلم ما كسبتم في النهار علما سابقا على عملكم، فهو يعلم أن منكم من يكفر، ومنكم من يعصى ربه ثم بعد هذا الموت الأصغر الذي فيه يقبض أرواحكم إليه ويعلم أعمالكم بعد ما يبعثكم في الدنيا نهارا ليعمل كل عمله، وليقضى أجل مسمى عنده وعمر محدود

стр. 616

لكل منكم، ثم إليه مرجعكم بالموت الأكبر لا إلى غيره، ثم ينبئكم، والمراد: يجازيكم على أعمالكم إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر. وهو القاهر فوق عباده المتسلط عليهم، المتصرف فيهم، يفعل بهم ما يشاء إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة. وهو يرسل عليكم حفظة من الملائكة يحفظون أعمالكم ويحصونها عليكم وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ. كِراماً كاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ [سورة الانفطار الآيتان ١٠ و ١٢] . سبحان الله!! ما أعجب شأننا، علينا رقيب وعتيد يحصون علينا أعمالنا، ويكتبون وهم لا يغفلون، ومع هذا نعصى الله جهرا وسرّا؟!!! سبحانك أنت أرحم الراحمين!!. ولعل سائلا يقول: ما الحكمة في الحفظة الكتبة والله أعلم بكل شيء؟ والجواب أن المكلف إذا عرف هذا كان أهدى له وأبعد عن الفحشاء والمنكر، وأقرب إلى عقل بعض الناس وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ [سورة الكهف آية ٤٩] . يرسل الحفظة الكرام البررة يحصون الأعمال مدة الحياة حتى إذا انتهى الأجل وحم القضاء، وجاءت أسباب الموت ومقدماته، توفته رسلنا- وهم ملك الموت وأعوانه- والحال أنهم لا يفرطون ولا يقصرون بزيادة أو نقصان، ثم ردوا بعد هذا جميعا إلى الله وإلى حكمه، وما الحكم الحق الذي يعطى بالعدل إلا له، له الحكم وإليه الأمر، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، وهو أسرع الحاسبين: يحاسب الكل في أقل وقت وأسرعه لا يشغله شأن عن شأن. وفي الحديث: «إن الله يحاسب الكل في مقدار حلب شاة» . من مظاهر القدرة والرحمة [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٦٣ الى ٦٧] قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)

стр. 617

المفردات: ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ: ظلمات الليل والسحب والمطر، وقيل: المراد ظلمات معنوية. تَضَرُّعاً التضرع: المبالغة في الضراعة والتذلل والخضوع. وَخُفْيَةً بالضم والكسر: الخفاء والاستتار. كَرْبٍ الكرب: الغم الشديد. يَلْبِسَكُمْ: من اللبس، والمراد: يخلط أمركم عليكم خلط اضطراب واختلاف، وأصل التركيب: يلبس عليكم أمركم. شِيَعاً: جمع شيعة، وهم كل قوم اجتمعوا على أمر واتفقوا فيه. نُصَرِّفُ: نحوّلها من نوع إلى آخر من فنون الكلام. يَفْقَهُونَ: يفهمون. المعنى: يسلك القرآن المسالك المتعددة لغرس شجرة التوحيد في قلوب العرب ببيان مظاهر القدرة والعلم والرحمة، فقال ما معناه: من ينجيكم من ظلمات البر والبحر؟ ومن ينقذكم من شدائد الأيام وهولها؟ ومن ينير لكم السبيل إذا غم الطريق وأظلم، ومن يسكن البحر الهائج والبركان الثائر؟ هو الله الرحمن الرحيم القاهر فوق عباده، القادر على كل شيء، تدعونه متضرعين متذللين، مع رفع الصوت والبكاء، وقد يكون الصوت في السر والخفاء. لئن أنجيتنا من هذه الظلمات لنكونن ممن يوحدك ويشكرك هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ

стр. 618

وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ «١» قل لهم: الله ينجيكم من هذه الأهوال، ومن كل كرب وغم ثم أنتم بعد هذا تشركون بالله غيره، ومن هنا نفهم أن الإنسان بطبيعته يلجأ إلى الله في الشدة والمكروه، وفي النجاة ينسى نفسه ويعود إلى جهله. قل لهؤلاء المشركين: الله هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا لا يعرف كنهه ولا يقف على حقيقته إلا الله- ينزل عليكم من فوقكم كالرجم بالحجارة والآفات أو يصعد إليكم من تحتكم كالزلازل والبراكين والخسف المعهود في الأمم السابقة، أو يخلط أمركم عليكم خلط اضطراب واختلاف، حتى تكونوا فرقا وشيعا، وأحزابا وجماعات، كل فرقة لها اتجاه خاص، تتقاتلون وتتحاربون، ويذيق بعضكم بأس بعض، حتى يقتل بعضكم بعضا. وعن ابن عباس: المراد بمن فوقكم في الآية: أمراؤكم، ومن تحت أرجلكم، أى: عبيدكم وسفلتكم. انظر يا من يتأتى منه النظر كيف نصرف الآيات ونقلبها على وجوهها المختلفة، لعلهم بهذا يفقهون الحق ويدركون السر، ولا شك أن التنويع في الآراء وطرق الأبواب في الحجج، سبيل إلى الفهم وإدراك الحقائق، ولكن عند من ينظر النظر البريء الخالي من الحجب الكثيفة الموروثة كالتقليد الأعمى. وقد كذب بالقرآن قومك، وهو الذي لا شك فيه ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. قل لهم: لست عليكم بوكيل. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ «٢» لكل نبأ مستقر، تظهر فيه حقيقته، ولكل أمة أجل، ولكل أجل كتاب تعلمون به صدق الوعد والوعيد سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ «٣» .

стр. 619

والعذاب في الآية ورد منكّرا فيشمل المجاعة والقحط، والصيحة والرجفة، والريح الصرصر والزلازل والحجارة من سجيل والبراكين، ويشمل ما تلقيه الطائرات وما تقذفه المدافع وما في السفن والغواصات من الطروبيد والألغام التي تنفجر فتبيد الناس وما القنابل الذرية عنكم ببعيد. روى عن ابن عباس من طريق أبى بكر بن مردويه عن النبي ﷺ قال: «دعوت الله أن يرفع عن أمتى أربعا، فرفع عنهم اثنتين، وأبى أن يرفع اثنتين: دعوت الله أن يرفع عنهم الرجم من السماء، والخسف من الأرض، وألا يلبسهم شيعا وألا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع عنهم الخسف والرجم، وأبى أن يرفع عنهم الأخريين» . وقد تأكد كلام الرسول ﷺ فها هي ذي الأمة المحمدية قد وقاها الله من الخسف والرجم كرمها لأجل نبيها فلم يعذبها بعذاب الاستئصال. أما الخلافات الحزبية والفرق والشيع، وقتال بعضنا لبعض فظاهر للعيان، ولا يزال الشر يأتينا من هذا الباب وأن بعضنا سبب الويل بنفاقه مع المستعمر واتحاده معه واستخدام الأجنبى له، وما الحوادث التي تترى علينا ونشاهدها ببعيدة!؟ وفي الحديث حديث ثوبان «وإنى أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبى بعضهم بعضا» . أما زال ملك المسلمين بسبب نزاعهم وخلافهم واتصال بعضهم بالأجنبى العدو اللدود؟! تنبهوا يا قوم وارجعوا إلى دينكم وقرآنكم فالخير لا يمكن أن يكون إلا فيه وتذكروا إنما يتذكر أولوا الألباب. المستهزئون بالقرآن وجزاؤهم [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٦٨ الى ٧٠] وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)

стр. 620

المفردات: يَخُوضُونَ أصل الخوض: الدخول في الماء، ثم استعمل في غمرات الأشياء، أى: اتجاهها تشبيها لها بغمرات الماء، والمراد: الاندفاع في الحديث والاسترسال فيه والدخول في الباطل مع أهله. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ: انصرف عنهم. الذِّكْرى: التذكر. وَلكِنْ ذِكْرى المراد: تذكيرا. تُبْسَلَ نَفْسٌ البسل: حبس الشيء ومنعه بالقوة، ومنه أسد باسل، وشجاع باسل، أى: يحمى نفسه ويمنعها، المراد: حبسهم في النار ومنعهم من الثواب. روى عن سعيد بن جبير أن هذه الآية نزلت في المشركين المستهزئين بالقرآن والنبي ﷺ . المعنى: وإذا رأيت يا محمد وكذا كل مسلم الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والاستهزاء فأعرض عنهم، ولا تجالسهم حتى يخوضوا في غير حديث الكفر والاستهزاء ومثلهم من يخوضون في القرآن بتأويله تأويلا يوافق أهواءهم واتجاههم، لا تجالسهم وابتعد عنهم،

стр. 621

وقد روى هذا الرأى عن ابن عباس- رضى الله عنه- ولعل السر في ذلك أنك إذا أعرضت عنهم، وقمت من مجلسهم كان أدل على عدم مشاركتهم فيما يقولون وعلى عدم الرضا عما يفعلون! وهذه بلا شك أدعى للكف عن الخوض والاستهزاء غالبا وإذا خاضوا في غير ذلك الحديث فلا مانع من مجالستهم والتحدث إليهم. قال القرطبي: «ودل بهذا على أن الرجل إذا علم من الآخر منكرا، وعرف أنه لا يقبل منه وعظا ولا نصيحة فعليه أن يعرض عنه إعراض منكر ولا يقبل عليه» . وإن أنساك الشيطان قبح مجالستهم والنهى عنها، ثم تذكرتها فلا تقعد بعدها مع هؤلاء القوم الذين ظلموا أنفسهم بالتكذيب والاستهزاء. وهنا بحث بسيط: هل يجوز على النبي ﷺ النسيان؟ وإذا جاز فهل في كل شيء أم في شيء خاص؟ والجواب عن الأول يجوز النسيان عليه بغير وسوسة من الشيطان وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وقد ثبت وقوعه من آدم فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ومن موسى لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ سها في الصلاة وقال: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني» . وإنساء الشيطان للإنسان بعض الشيء ليس من قبيل السلطان عليه والتصرف فيه إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [سورة النحل آية ٩٩] . والجواب عن الثاني: أن الصحيح أن النبي ﷺ لا ينسى فيما يبلغه عن ربه لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ وقيل: يجوز أن ينسى والله ينبهه حتما، وما على الذين يتقون الله ويتركون غيرهم يخوضون في الباطل ويستهزئون بالقرآن من شيء أبدا، ولكن إذا تركوهم بعد الموعظة وأعرضوا عنهم فهم يذكرونهم بهذا لعلهم يتقون الله فلا يخوضون في غمرات الشرك مرة ثانية حياء ممن يجالسهم أو كراهة إساءتهم. وقيل المعنى: ولكن عليهم أن يذكروهم فلعلهم يتقون الله. يا أيها الرسول: دع الذين اتخذوا دينهم الذي كان يجب أن يتبعوه، ويهتدوا به اتخذوه لعبا ولهوا، فإنهم لما عملوا هذه الأعمال التي ختم الله بها على قلوبهم ودس بها

стр. 622

نفوسهم، ولم يعملوا ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، فقد أضاعوا عمرهم فيما لا يفيد، وهذا هو اللعب، وشغلوا أنفسهم عن الجد والعمل المفيد وهذا هو اللهو. وغرتهم الدنيا، وغرهم بالله الغرور، يا أيها الرسول أعرض عنهم، ولا تبال بأمثال هؤلاء، وذكّر به من يخاف وعيدي خوف أن تبسل نفس في الآخرة بما كسبت، وترهن بما عملت، وتحبس بما قدمت كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ليس لكل نفس من دون الله ولى يلي أمرها، ويدفع عنها شرها، وليس لها شفيع يشفع لها: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [سورة غافر آية ١٨] . وكيف يكون غير هذا وإن تفد النفس نفسها بكل فدية وعدل يتساوى مع الذنب لا يقبل منها أصلا وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ، وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ [سورة البقرة آية ٤٨] . أولئك الذين اتخذوا القرآن هزءا وسخرية واتخذوا دينهم لعبا ولهوا قد حرموا الثواب، وأسلموا أنفسهم للعذاب، وحبسوا في نير العقاب، ولهم شراب من حميم وغساق، جزاء من ربك وفاق، ولهم عذاب أليم. الإسلام والشرك [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧١ الى ٧٣] قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)

стр. 623

المفردات: أَعْقابِنا: جمع عقب، وهو مؤخر الرجل، ويقول العرب فيمن أحجم بعد إقدام: رجع على عقبيه ونكص، وارتد على عقبه ورجع القهقرى، ثم صار يطلق على كل تحول مذموم. اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ: ذهبت بعقله وهواه، وكانت العرب تزعم أن الجنون من تأثير الجن. حَيْرانَ: تائها ضالا عن الجادة لا يدرى ما يصنع. الصُّورِ: القرن، وهو كالبوق ينفخ فيه فيصعق من في السموات والأرض، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون! المعنى: قل لهم يا محمد: أتدعو من دون الله ما لا ينفعنا إذا دعوناه، ولا يضرنا إذا تركناه، وكيف نرد على أعقابنا، ونترك ديننا بعد إذ أسلمنا لله ربنا؟! أنعود إلى الكفر والشرك والضلال بعد الإسلام والهدى والنور؟ أنعود إلى ملة الكفر بعد إذ هدانا الله، ووفقنا إلى صراط مستقيم صراط الله العزيز الحكيم! إن هذا لشيء عجيب. إننا إذا فعلنا ذلك كنا كالذي استهوته الشياطين وذهبت بعقله، وأطارت صوابه ولبّه، وأصبح حيران تائها لا يدرى كيف يسير، والحال أن له أصحابا يدعونه إلى الطريق الحق ويقولون له: ائتنا، ولكن أين هو منهم؟ فقد ختم على قلبه وجعل على بصره غشاوة، فمن يهديه من بعد الله؟ نعم، من يرتد مشركا والعياذ بالله بعد إيمانه كمن أصبح هائما على وجهه، لا يلوى على شيء تاركا رفاقه على الطريق الحق وهم ينادونه: الهدى والفلاح والخير والرشاد والطريق الحق هنا. عد إلينا فلا يستجيب لهم لانغماسه فيما يضره ولا ينفعه، وفيما ظن أنه خير والواقع أنه شر.

стр. 624

ادعهم أيها الرسول وقل لهم: إن هدى الله هو الهدى، وطريق الإسلام هو الحق وهو الصراط المستقيم وقل لهم: إنا أمرنا بأن نسلم لرب العالمين فأسلمنا وجوهنا له وانقدنا لأمره إذ فيه الخير في الدنيا والآخرة، وأمرنا بأن نقيم الصلاة وأن نتقي الله في السر والعلن، فهو الذي إليه تحشرون وإليه وحده المرجع والمآب، وهو الذي خلق السموات والأرض خلقا متلبسا بالحق الذي لا شك فيه خلقا للسنن الكونية المشتملة على الحكم البالغة وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ. ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ واذكر يوم يقول للشيء أيا كان: كُنْ فَيَكُونُ ومن كان أمره التكويني (كن) مطاعا وحاصلا (فيكون) كان أمره التكليفي كذلك أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ وله الملك وحده، يوم ينفخ في الصور فيصعق من في السموات والأرض، ويهلك، حتى الملك الذي نفخ فيه، ثم ينفخ مرة أخرى، فإذا الكل قيام ينتظرون ماذا يفعل الله بهم وهو عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير. فالله الموصوف بهذا، أندعو من دونه ما لا ينفع ولا يضر بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. كيف ترك إبراهيم الشرك؟ [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٧٤ الى ٧٩] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)

стр. 625

المفردات: إِبْراهِيمُ: خليل الرحمن، وأب إسماعيل، وجد العرب، وأبو الأنبياء- ﵈ جميعا. آزَرَ: أبو إبراهيم أو عمه، وقيل غير ذلك. مَلَكُوتَ: ملك الله وسلطانه فيهما. جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ: ستره بظلمته. كَوْكَباً: نجما مضيئا. أَفَلَ الأفول: غيبوبة الشيء بعد ظهوره. بازِغاً البزوغ: ابتداء الطلوع. فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ: أخرجهما إلى الوجود لا على مثال سابق. حَنِيفاً: مائلا عن الشرك والضلال. كان العرب يدينون لإبراهيم الخليل، ويعترفون به، ويدعون أنهم على ملته، وها هو ذا إبراهيم يجادل قومه ويراجعهم في عبادة الأوثان المرة بعد المرة، فهل من معتبر؟ ولقد أمر ﷺ بأن يذكر هذا الوقت، والمراد ما حصل فيه لعل العرب يرجعون عن غيهم ويدركون خطأهم في عبادة الأوثان. المعنى: واذكر إذ قال إبراهيم لأبيه آزر: أتتخذ أصناما وأوثانا تعبدهم من دون الله؟ إنى أراك وقومك في ضلال مبين واضح، وأى ضلال أوضح وأكثر من عبادتكم صنما تتخذونه من حجر أو شجر أو معدن؟ تنحتونه بأيديكم، وتعبدونه، إن هذا لضلال مبين. أتعبدون ما تنحتون؟ والله خلقكم وما تعملون فأنتم أرفع من الصنم شأنا، وأعلى مكانا، ثم تتخذونهم آلهة معبودة مقدسة.

стр. 626

وكما أرينا إبراهيم الحق في شأن أبيه وقومه، وأنهم على ضلال مبين أريناه المرة بعد المرة ملكوت السموات والأرض، فاطلع على أسرار الخلق وخفايا الكون، وهل يعرف ملكوته إلا هو، وهل وقف العلماء بمراصدهم ومكبراتهم وآلاتهم الحديثة إلا على ما يوازى حبة في صحراء بالنسبة إلى ملكوت الله؟ أرينا إبراهيم الملكوت وما فيه من أسرار العظمة، وبديع النظام، وقوة التدبير، وعظمة الخلق صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ليعرف إبراهيم نواحي العظمة وسنن الله في خلقه، وحكمه في تدبير خلقه، ليقيم بها الحجة على المشركين الضالين، وليكون في خاصة نفسه من الراسخين والموقنين بالتوحيد الخالص. وهكذا أنار الله بصيرته، وأراه ملكوته، ولما جن عليه الليل، وستره بلباسه رأى كوكبا ممتازا عن الكواكب أنار الوجود وأفاض على العالم ضوءا خافتا، قال إبراهيم حينئذ في مقام المناظرة والمحاجة: هذا ربي تمهيدا لإقامة الحجة على قومه، فلما أفل وغاب وأسدل الليل عليه ستاره قال إبراهيم: ما هذا إله أبدا ... يظهر ثم يختفى؟ أنا لا أحب الآفلين، ولا أثق بهم فضلا عن كوني أعتقد فيهم الربوبية، وكيف يفيد ما يغيب ويستتر؟ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً وأراد إبراهيم أن يسلك طريقا آخر، فلما رأى القمر بازغا قد عم ضوؤه الكون، وهو أقوى من الكوكب، قال: هذا ربي، وهو أحق من الكوكب السابق، فلما أفل القمر وغاب كذلك، قال إبراهيم: ما هذا؟ تالله لئن لم يهدني ربي خالق الأكوان، والكواكب والأقمار لأكونن من القوم الضالين، وهذا تعريض بأن عبدة الكواكب والأصنام في ضلال مبين. فلما رأى الشمس بازغة وهي أعظم الكواكب المرئية لنا وأعمها نفعا، إذ هي مصدر الحياة والدفء ومبعث النور والحركة قال إبراهيم: نعم هذا ربي. هذا أكبر من القمر والكوكب نفعا وضوءا وجرما، وفي هذا مجاراة لقومه في أفكارهم واستدراج لهم حتى يسمعوا حجته. فلما أفلت واحتجبت ولفها الليل بأستاره بعد ما أدركها الاصفرار والذبول، وملأت الأفق بدم الشفق، وجاء الليل بجحافله قال: ما هذا يا قوم؟ إنى برىء مما تشركون بالله، فهذا حال الشمس والقمر والكوكب، وفيهن شيء من النفع ظاهر

стр. 627

فكيف حال الصنم من شجر أو مدر أو معدن أو طعام؟ ولعلكم يا كفار مكة تتعظون. قال إبراهيم بعد هذا: إنى أسلمت وجهى مخلصا لله متوجها لذاته الكريمة بالعبادة والتقديس إذ هو الواحد الأحد الفرد الصمد، خالق الأكوان صاحب الملك والملكوت فاطر السماء والأرض، فالق الإصباح والنور، خالق الليل والنهار، رب الشمس والقمر. ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، وإسلام الوجه: هو توجه الذات والقلب لله، وعبر به لأن الوجه أشرف عضو في الجسم وهو الشرفة التي تطل منها الروح. وانظر في قصة إبراهيم حيث حاور وتلطف في القول، وهكذا الحكمة مع الخصم العنيد، فقال: لا أحب الآفلين، ثم قال ثانيا: لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين، وثالثا صرح بالبراءة من الشرك ومن المشركين إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ «١» ثم ذكر عقيدته بعد ما هدم أساس الشرك بالدليل حيث قال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. محاجة إبراهيم لقومه [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٨٠ الى ٨٣] وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)

стр. 628

المفردات: حاجَّهُ المحاجة تطلق على محاولة الخصم في إثبات الدعوى، وعلى رد دعوى الخصم، وهي بهذا حجة دامغة أو شبهة واهية. بِظُلْمٍ المراد به: الشرك لأنه الظلم الأكبر. المعنى: ها هو ذا إبراهيم قد جاء قومه بالحق، وأورد البينات من الحجج الدامغة والأدلة القاطعة، حيث تمشى معهم ونزل إلى مستواهم، وفي النهاية أثبت أن الذي فطر السموات والأرض هو المعبود بحق لا إله إلا هو. وحاجة قومه بأوهى الحجج، وأتوا بشبهات هزيلة، لا تنهض دليلا إلا عند من ختم الله على قلوبهم وجعل على سمعهم وبصرهم غشاوة. فقد قالوا: إنا نتخذهم آلهة تقربنا إلى الله، وتشفع عنده ونحن قد وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، وإياك يا إبراهيم والآلهة، احذرهم فإنا نخاف عليك منهم. قال إبراهيم: أتحاجّونّي في الله؟! إن هذا لشيء عجيب، كيف ذلك؟ والله خلق السموات والأرض وله ملكوت لا يحيط به إلا هو، وهو القادر على كل شيء، وهذه الأصنام لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا ترى، بل هي مخلوقة لكم وإن يسلبها الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب.

стр. 629

أتحاجوني في الله وقد هداني إلى سواء السبيل، ولا أخاف هذه الأصنام أبدا فهي لا تنفع نفسها ولا غيرها ولا تضر، وكيف أخاف ما تشركون به ولا حول ولا قوة إلا بالله وأنا لا أخافهم في وقت من الأوقات إلا أن يشاء الله ربي وربكم لي شيئا من الضر فينزل بي ما يشاء كأن يقع علىّ صنم فيصيبني أو ينزل شهاب من السماء فيحرقنى، كل ذلك بمشيئة الله وحده! أما أن لهذه الأصنام شيئا في أنفسها أو في غيرها فهذا شيء لا يدور بخلد عاقل، ولا ينطق به إنسان كامل. أعميتم فلا تتذكرون شيئا أصلا، حتى تسووا بين الخالق والمخلوق، وبين الإله واهب الوجود وبين الحجر أو الكوكب المخلوق. عجبا لكم!! كيف أخاف آلهتكم التي ينادى العقل الحر بأنها لا تنفع ولا تضر، ولا تخافون إشراككم بالله غيره وقد قامت الحجج العقلية والنقلية على أنه الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد. وإذا كان هذا هو الواقع، فأينا أهدى سبيلا، وأحسن رأيا، وأقوم قيلا؟! وأحق بالأمن وعدم الخوف؟ إن كنتم من أهل العلم والعقل والفكر الحر فالذين آمنوا أحق الناس بالأمن والطمأنينة، لأنهم آمنوا بالله ورسله وسلكوا طريق العقل والحكمة ولم يخلطوا إيمانهم بظلم كالشرك، أولئك لهم الأمن الكامل التام في الدنيا والآخرة، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، روى البخاري ومسلم أنه لما نزلت هذه الآية شق ذلك على الصحابة «١» - رضوان الله عليهم أجمعين- وقالوا: أيّنا لم يظلم؟ فقرئ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «٢» . وتلك حجتنا القوية آتيناها إبراهيم حجة له على قومه، ولا غرابة في ذلك فالله يرفع من يشاء من عباده درجات بعضها فوق بعض، فهذه درجة الإيمان وأخرى درجة العلم وثالثة درجة الحكمة والتوفيق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء إن ربك عليم بخلقه.

стр. 630

إبراهيم أبو الأنبياء ومكانتهم [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٨٤ الى ٩٠] وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (٩٠) المفردات: اجْتَبَيْناهُمْ: اخترناهم واصطفيناهم. لَحَبِطَ: بطل عنهم عملهم. الْحُكْمَ: العلم النافع والفقه في الدين، وقيل: القضاء بين الناس.

стр. 631

المعنى: كان إبراهيم- ﵇ أمّة، وكان من القانتين، وهو من أولى العزم وهو أبو الأنبياء، فما من نبي بعد إلا وهو من سلالته وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ [سورة الحديد آية ٢٦] . ووهبنا له على كبر منه، وعقم امرأته ويأس، إسحاق فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ جزاء إيمانه الكامل، وإحسانه الشامل، ونجاحه في ابتلاء الله له بذبح ولده إسماعيل. فإبراهيم من شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء فهو من سلالة نوح وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وهدينا من ذريته داود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، فهي ذرية طيبة ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وإبراهيم واسطة العقد جده نوح وأولاده الأنبياء، وكذلك نجزى المحسنين. وهدينا من ذريته كذلك زكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس وكل من الصالحين، وهدينا من ذريته إسماعيل ابنه لصلبه وجد المصطفى ﷺ إسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على عالمي زمانهم. وهدينا بعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، إذ لم يكن الكل مهديا إلى الخير وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ. ولقد اجتبيناهم واخترناهم وخصصناهم بمزايا كثيرة، وهديناهم صراطا مستقيما، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، والله واسع عليم، ولو أشركوا بالله شيئا لكان جزاؤهم أن تحبط أعمالهم إذ توحيد الله- هو المزكى للنفوس، والمطهر للأرواح. وهو أساس الثواب، ومناط الأجر فإذا انهار الأساس فلا يبقى معه ثواب للعمل أصلا وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [سورة الزمر آية ٦٥] . أولئك المذكورون جميعا ينهلون من معين واحد، ولهم رسالة واحدة هي إرساء

стр. 632

قواعد التوحيد في الدنيا لله- وإن اختلفت في الشكل وطرق الأداء والمعجزات، تبعا لظروف كل زمن وأمة، أولئك الذين آتيناهم الكتاب كصحف إبراهيم وتوراة موسى، وزبور داود وإنجيل عيسى، وآتيناهم الحكم والعلم والفهم الصادق، والنبوة ولا شك أن كل نبي كذلك إذا أساس النبوة العلم، والفقه، والفهم والفطانة، فالنبوة قيادة وزعامة في الدين والدنيا وهل تتم بدون هذا؟ أما الحكم بمعنى فصل القضاء والحكم بين الناس فلم يعط لكل نبي، وهذه مراتب الفضل فيهم، فكلهم أوتى الحكم والنبوة إذ كل من أوتى النبوة أوتى الحكم وليس كل من أوتى النبوة أوتى الكتاب. فإن يكفر كفار قريش بالكتاب والحكم والنبوة التي أوتيت كلها لك يا محمد فقد وكلنا بعنايتها، والعمل على خدمتها، والدعوة إليها قوما كراما، ليسوا بكافرين بها، والمراد بهؤلاء القوم أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار ومن جاء بعدهم. ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين. أولئك الذين هداهم الله، ووفقهم: أئمة الدين وأعلام الهدى فبهداهم هذا اقتد، وقد جمع نبينا خصالهم في الخير فكان خاتم النبيين وإمام المرسلين. قل لهم: لا أسألكم على القرآن أجرا ولا منفعة خاصة، وما هو إلا ذكرى للعالمين، وهدى للمتقين. إثبات رسالة الرسل وأثرها [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٩١ الى ٩٢] وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)

стр. 633

المفردات: وَما قَدَرُوا اللَّهَ يقال: قدرت الشيء: عرفت مقداره، والمراد ما عرفوا الله حق المعرفة. قَراطِيسَ: جمع قرطاس، وهو ما يكتب فيه من ورق أو غيره. مباركا: كثير البركة. أُمَّ الْقُرى المراد بها: مكة المكرمة. المعنى: من عرف الله حقيقة، وأدرك ما يجب في حقه، وما يستحيل، وما يجوز، لا يسعه إلا أن يعترف بالرسالة والسفارة بين الخلق والخالق- ﷻ فالله لا يحده مكان، وليس له زمان وهو مخالف للحوادث يستحيل عليه أن يخاطب البشر مباشرة: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ثم يفضى الرسول إلى الخلق بالتعليمات الإلهية، فمن أنكر الرسالة ما قدر الله حق قدره ولا عظّمه حق تعظيمه، بل ما عرفه أصلا. والله العالم بكل شيء القادر لا يعجزه شيء، الذي وسعت رحمته كل شيء يعلم أن الخلق لا يمكن أن تصل إلى الغرض المقصود إلا بالهداة والمرشدين من الأنبياء والمرسلين، فمن ينكر رسالتهم ما عرف الله حق المعرفة، ولا قدره حق قدره. قل لهؤلاء يا محمد: من أنزل الكتاب على موسى؟ وأنتم تعترفون بالتوراة إذا قلتم: لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ وقد أرسلتم الوفد تسألونهم عن محمد ودينه فكيف تقولون: ما أنزل الله على بشر من شيء!!! وقيل في الآية معنى آخر ... من أنزل التوراة على موسى نورا وهدى للناس وقد كانت التوراة كذلك حتى غيروها وحرفوها ونسوا حظا كثيرا منها، وجعلوها قراطيس مقطعة، وورقات مفرقة، ليتمكنوا مما راموا من التحريف والتبديل، وقد كان الحبر يفتي بالتوراة ويظهرها، وإذا

стр. 634

أراد كتمان الحكم أخفاها، وقد كتموا وصف النبي ﷺ وحكم البشارة، وحكم الزنا!!! فأنتم أيها المشركون لا تثقوا بأقوال اليهود خصوصا فيما يتعلق بالنبي ﷺ فهم أشد أعدائه. وهذا المعنى ظاهر على قراءة من قرأ يجعلونه أما على قراءة تَجْعَلُونَهُ بالتاء فيكون الله قد أمر النبي ﷺ أن يقرأ هذه الآية على مسمع من اليهود وغيرهم بالخطاب لهم. وعلمتم أيها المؤمنون من العرب ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم منه شيئا، فبالإسلام أصبح للعرب دولة، وبحث وفن وكيان علمي معترف به، بعد جهالة جهلاء وضلالة عمياء. قل لهم: الله أرسل الرسل ومعهم الكتب أرسل مع محمد القرآن ومع موسى التوراة، ثم ذرهم واتركهم في خوضهم يلعبون. وهذا القرآن كتاب أنزلناه يهدى إلى الحق وإلى سواء السبيل، كتاب كثير البركة والخير، مصدق لما تقدمه من الكتب، ومهيمن عليهم، أنزلناه للبركة، ولتصديق الكتب السابقة ولإنذار أم القرى مكة ومن حولها، والذين يؤمنون بالآخرة وما فيها يؤمنون به ويصدقونه، وهم على صلاتهم يحافظون، وإلى كل ما أمروا به يسارعون ... الكذب على الله وعاقبته [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٩٣ الى ٩٤] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)

стр. 635

المفردات: افْتَرى: اختلق الكذب. غَمَراتِ الْمَوْتِ: واحدها غمرة، وهي الشدة، وغمرات الموت: سكراته. باسِطُوا أَيْدِيهِمْ بسط اليد سبق شرحه في الجزء السادس آية ٢٨. الْهُونِ: الهوان والذل، والهون: اللين والرفق خَوَّلْناكُمْ: أعطيناكم ومنحناكم، والخول: الخدم والحشم. بَيْنَكُمْ هو بمعنى الصلة، أو هو ظرف، والاتصال مفهوم من الكلام. ضَلَّ أى: غاب. المعنى: شهادة ضمنية للنبي ﷺ بالصدق حيث بين عاقبة الكذب على الله لا أحد في الوجود أظلم ممن كذب على الله، وادعى أنه ما أنزل على بشر شيئا، إذ أثبت له الشريك والولد، أو قال: أوحى إلىّ ولم يوح إليه شيء، كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي، أو قال: سأنزل مثل ما أنزل الله على رسله لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [سورة الأنفال آية ٣١] . يا للعجب لهؤلاء ... ولو تراهم في غمرات الموت وشدائده والحال أن الملائكة قد بسطت أيديها لهم لتخرج أنفسهم من أجسادهم بمنتهى الشدة والعنف فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ «١» وتقول لهم الملائكة تأنيبا وتعنيفا: أخرجوا أنفسكم مما هي فيه وخلصوها إن أمكنكم ذلك، وقيل: المعنى: أخرجوها كرها وقد قيل: إن روح المؤمن تخرج بسهولة وروح غيره تنتزع انتزاعا شديدا. وقال الكشاف: هذا تمثيل لفعل الملائكة في قبض أرواح الكفرة.
следующие страницы →