المعنى:
كان إبراهيم- ﵇ أمّة، وكان من القانتين، وهو من أولى العزم وهو أبو الأنبياء، فما من نبي بعد إلا وهو من سلالته وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ [سورة الحديد آية ٢٦] .
ووهبنا له على كبر منه، وعقم امرأته ويأس، إسحاق فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ جزاء إيمانه الكامل، وإحسانه الشامل، ونجاحه في ابتلاء الله له بذبح ولده إسماعيل.
فإبراهيم من شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء فهو من سلالة نوح وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وهدينا من ذريته داود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهارون، فهي ذرية طيبة ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وإبراهيم واسطة العقد جده نوح وأولاده الأنبياء، وكذلك نجزى المحسنين.
وهدينا من ذريته كذلك زكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس وكل من الصالحين، وهدينا من ذريته إسماعيل ابنه لصلبه وجد المصطفى ﷺ إسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على عالمي زمانهم.
وهدينا بعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم، إذ لم يكن الكل مهديا إلى الخير وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ.
ولقد اجتبيناهم واخترناهم وخصصناهم بمزايا كثيرة، وهديناهم صراطا مستقيما، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، والله واسع عليم، ولو أشركوا بالله شيئا لكان جزاؤهم أن تحبط أعمالهم إذ توحيد الله- هو المزكى للنفوس، والمطهر للأرواح. وهو أساس الثواب، ومناط الأجر فإذا انهار الأساس فلا يبقى معه ثواب للعمل أصلا وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [سورة الزمر آية ٦٥] .
أولئك المذكورون جميعا ينهلون من معين واحد، ولهم رسالة واحدة هي إرساء
стр. 632
قواعد التوحيد في الدنيا لله- وإن اختلفت في الشكل وطرق الأداء والمعجزات، تبعا لظروف كل زمن وأمة، أولئك الذين آتيناهم الكتاب كصحف إبراهيم وتوراة موسى، وزبور داود وإنجيل عيسى، وآتيناهم الحكم والعلم والفهم الصادق، والنبوة ولا شك أن كل نبي كذلك إذا أساس النبوة العلم، والفقه، والفهم والفطانة، فالنبوة قيادة وزعامة في الدين والدنيا وهل تتم بدون هذا؟
أما الحكم بمعنى فصل القضاء والحكم بين الناس فلم يعط لكل نبي، وهذه مراتب الفضل فيهم، فكلهم أوتى الحكم والنبوة إذ كل من أوتى النبوة أوتى الحكم وليس كل من أوتى النبوة أوتى الكتاب.
فإن يكفر كفار قريش بالكتاب والحكم والنبوة التي أوتيت كلها لك يا محمد فقد وكلنا بعنايتها، والعمل على خدمتها، والدعوة إليها قوما كراما، ليسوا بكافرين بها، والمراد بهؤلاء القوم أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار ومن جاء بعدهم. ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين.
أولئك الذين هداهم الله، ووفقهم: أئمة الدين وأعلام الهدى فبهداهم هذا اقتد، وقد جمع نبينا خصالهم في الخير فكان خاتم النبيين وإمام المرسلين.
قل لهم: لا أسألكم على القرآن أجرا ولا منفعة خاصة، وما هو إلا ذكرى للعالمين، وهدى للمتقين.
إثبات رسالة الرسل وأثرها [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٩١ الى ٩٢]
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩٢)
стр. 633
المفردات:
وَما قَدَرُوا اللَّهَ يقال: قدرت الشيء: عرفت مقداره، والمراد ما عرفوا الله حق المعرفة. قَراطِيسَ: جمع قرطاس، وهو ما يكتب فيه من ورق أو غيره.
مباركا: كثير البركة. أُمَّ الْقُرى المراد بها: مكة المكرمة.
المعنى:
من عرف الله حقيقة، وأدرك ما يجب في حقه، وما يستحيل، وما يجوز، لا يسعه إلا أن يعترف بالرسالة والسفارة بين الخلق والخالق- ﷻ فالله لا يحده مكان، وليس له زمان وهو مخالف للحوادث يستحيل عليه أن يخاطب البشر مباشرة:
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ثم يفضى الرسول إلى الخلق بالتعليمات الإلهية، فمن أنكر الرسالة ما قدر الله حق قدره ولا عظّمه حق تعظيمه، بل ما عرفه أصلا.
والله العالم بكل شيء القادر لا يعجزه شيء، الذي وسعت رحمته كل شيء يعلم أن الخلق لا يمكن أن تصل إلى الغرض المقصود إلا بالهداة والمرشدين من الأنبياء والمرسلين، فمن ينكر رسالتهم ما عرف الله حق المعرفة، ولا قدره حق قدره.
قل لهؤلاء يا محمد: من أنزل الكتاب على موسى؟ وأنتم تعترفون بالتوراة إذا قلتم:
لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ وقد أرسلتم الوفد تسألونهم عن محمد ودينه فكيف تقولون: ما أنزل الله على بشر من شيء!!! وقيل في الآية معنى آخر ...
من أنزل التوراة على موسى نورا وهدى للناس وقد كانت التوراة كذلك حتى غيروها وحرفوها ونسوا حظا كثيرا منها، وجعلوها قراطيس مقطعة، وورقات مفرقة، ليتمكنوا مما راموا من التحريف والتبديل، وقد كان الحبر يفتي بالتوراة ويظهرها، وإذا
стр. 634
أراد كتمان الحكم أخفاها، وقد كتموا وصف النبي ﷺ وحكم البشارة، وحكم الزنا!!! فأنتم أيها المشركون لا تثقوا بأقوال اليهود خصوصا فيما يتعلق بالنبي ﷺ فهم أشد أعدائه.
وهذا المعنى ظاهر على قراءة من قرأ يجعلونه أما على قراءة تَجْعَلُونَهُ بالتاء فيكون الله قد أمر النبي ﷺ أن يقرأ هذه الآية على مسمع من اليهود وغيرهم بالخطاب لهم.
وعلمتم أيها المؤمنون من العرب ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم منه شيئا، فبالإسلام أصبح للعرب دولة، وبحث وفن وكيان علمي معترف به، بعد جهالة جهلاء وضلالة عمياء.
قل لهم: الله أرسل الرسل ومعهم الكتب أرسل مع محمد القرآن ومع موسى التوراة، ثم ذرهم واتركهم في خوضهم يلعبون.
وهذا القرآن كتاب أنزلناه يهدى إلى الحق وإلى سواء السبيل، كتاب كثير البركة والخير، مصدق لما تقدمه من الكتب، ومهيمن عليهم، أنزلناه للبركة، ولتصديق الكتب السابقة ولإنذار أم القرى مكة ومن حولها، والذين يؤمنون بالآخرة وما فيها يؤمنون به ويصدقونه، وهم على صلاتهم يحافظون، وإلى كل ما أمروا به يسارعون ...
الكذب على الله وعاقبته [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٩٣ الى ٩٤]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)
стр. 635
المفردات:
افْتَرى: اختلق الكذب. غَمَراتِ الْمَوْتِ: واحدها غمرة، وهي الشدة، وغمرات الموت: سكراته. باسِطُوا أَيْدِيهِمْ بسط اليد سبق شرحه في الجزء السادس آية ٢٨. الْهُونِ: الهوان والذل، والهون: اللين والرفق خَوَّلْناكُمْ: أعطيناكم ومنحناكم، والخول: الخدم والحشم. بَيْنَكُمْ هو بمعنى الصلة، أو هو ظرف، والاتصال مفهوم من الكلام. ضَلَّ أى: غاب.
المعنى:
شهادة ضمنية للنبي ﷺ بالصدق حيث بين عاقبة الكذب على الله لا أحد في الوجود أظلم ممن كذب على الله، وادعى أنه ما أنزل على بشر شيئا، إذ أثبت له الشريك والولد، أو قال: أوحى إلىّ ولم يوح إليه شيء، كمسيلمة الكذاب والأسود العنسي، أو قال: سأنزل مثل ما أنزل الله على رسله لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [سورة الأنفال آية ٣١] .
يا للعجب لهؤلاء ... ولو تراهم في غمرات الموت وشدائده والحال أن الملائكة قد بسطت أيديها لهم لتخرج أنفسهم من أجسادهم بمنتهى الشدة والعنف فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ «١» وتقول لهم الملائكة تأنيبا وتعنيفا:
أخرجوا أنفسكم مما هي فيه وخلصوها إن أمكنكم ذلك، وقيل: المعنى: أخرجوها كرها وقد قيل: إن روح المؤمن تخرج بسهولة وروح غيره تنتزع انتزاعا شديدا.
وقال الكشاف: هذا تمثيل لفعل الملائكة في قبض أرواح الكفرة.
стр. 636
وتقول الملائكة لهم: اليوم تجزون عذاب الهون والخزي، وتلقونه على أفظع صورة بسبب ما كنتم تقولون على الله غير الحق كما مر.
ويقول الله لهم: لقد جئتمونا منفردين عن الأنداد والشركاء، والأولياء والشفعاء، كما خلقناكم أولا، وها أنتم أولاء تركتم كل ما خولناكم وأعطيناكم من نعم وحشم، وخدم وولد، تركتموه ولم ينفعكم في شيء أصلا، وما نرى معكم شفعاءكم- كما كنتم تدعونهم- الذين زعمتم أنهم فيكم وفي عبادتكم شركاء لله.
تبّا لكم وسحقا. لقد تقطع وصلكم بينكم، وبعد ما كان بينكم من صلات وصداقات، ضل عنكم ما كنتم تزعمون ولم تنفعكم شفاعة الشافعين يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [سورة الانفطار آية ١٩] .
من مظاهر القدرة والعلم الحكمة والرحمة [سورة الأنعام (٦) : الآيات ٩٥ الى ٩٩]
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)
стр. 637
المفردات:
فالِقُ الفلق والفتق: الشق في الشيء مع إبانة بعضه عن بعض. الْحَبِّ:
الثمر يكون في الأكمام والسنبل. وَالنَّوى: جمع نواة: ما تكون في التمر والزبيب وما شاكله. تُؤْفَكُونَ: تصرفون. سَكَناً: ما يسكن فيه الإنسان مكانا كالبيت وزمانا كالليل وهو المراد. حُسْباناً: بالحساب والعدد. يَفْقَهُونَ الفقه: الفهم مع العمق في التفكير. مُتَراكِباً: يتراكم بعضه فوق بعض.
طَلْعِها الطلع: أول ما يبدو ويظهر من الزهر قبل أن ينشق عنه الغلاف.
قِنْوانٌ: هو العذق، كالعنقود. وَيَنْعِهِ: نضجه واكتماله.
بعد إقرار مبدأ التوحيد والنبوة، وبعض مواقف البعث ذكر هنا مظاهر كمال قدرته وعلمه وآياته الكونية التي تشهد له بكل ذلك.
المعنى:
إن الإله الذي يستحق العبادة والتقديس هو الذي يتصف بهذا، ويعمل هذه الأعمال التي يعجز عن أقلها الأوثان والشركاء والأصنام بل والخلق مجتمعين متكتلين- ﷻ ..؟؟
إن الله فالق الحب والنوى يخرج الزرع كالنجم والشجر من الحب والنوى، والحياة هنا بمعنى قبول النمو والتغذية، ولا شك أن الحب والنوى ميت بهذا المعنى، وبعضهم يتوسع في الحياة، ويقول إن الحب والنوى فيهما حياة بدليل أنه لو عقما لما أنبتا ولكن
стр. 638
اللغة لا تساعدهم وكانوا يمثلون قديما بإخراج الحيوان من النطفة أو البيضة، ولكن العلم الحديث أثبت أن في النطفة حياة وكذا في البيضة، وقيل: إن الرأى الصحيح أن الحيوان يخرج بمعنى يتكون من الغذاء، وهو ميت ويخرج من الحيوان لبنه وفضلاته وهي ميتة وكون خلايا الجسم الحي تتكون من غذاء كاللبن والنبات مع عدم الحياة في الغذاء دليل على كمال القدرة.
والله مخرج الميت من الحي فيخرج الحب والنوى من النبات الحي، ويخرج اللبن والفضلات من الحيوان الحي، من قادر حكيم عليم، فكيف تؤفكون وتصرفون عن طريق الهدى والفلاح؟ والله فالق الإصباح، قد فلق ظلمة الليل وشقها بعمود الصبح عند طلوع الفجر، وجعل الليل سكنا للحيوان الحي، يستريح فيه من التعب، ويسكن جسمه من الألم وأعصابه من التفكير والنصب، والليل وقت سكون وراحة، والنهار وقت عمل ونشاط، وجعل الشمس والقمر يجريان بحساب وتقدير، وترتيب ونظام محكم لا يختل أبدا لتعلموا بهما عدد السنين والحساب.
فانظر- وفقك الله للخير- للآيات الكونية الثلاث: شق الإصباح، وسكون الليل، ونظام الشمس والقمر وحسبانهما إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [القمر ٤٩] .
وهو الذي جعل لكم النجوم والمراد بها ما عدا الشمس والقمر مما لا يعلمه إلا هو جعلها علامات للسارى، بها يهتدى للوقت من الليل أو من السنة، ويعرف المسالك والطرق والجهات، جعلها لتهتدوا بها في ظلمات الليل والماء، أو المراد ظلمة الخطأ والضلال.
ولما في عالم السماء من صنع وإحكام، وتقدير ونظام قد فصل الله الآيات القرآنية والآيات التكوينية وهما يدلان على حكم الله وتمام علمه، ولا يستخرج كل هذا ولا يهتدى به إلا أهل العلم والنظر فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ «١» ولذا اختتمت الآية بقوله تعالى: قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
هذه آيات الله الكونية في الأرض والسماء، وها هي ذي آياته في أنفسنا وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً «٢»
стр. 639
قد خلقكم من ذكر وأنثى وجعلكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، وفي هذا إرشاد إلى التّوادّ والمحبة، والتعاطف بين الخلق جميعا، وإشارة إلى كمال القدرة وتمام العلم والحكمة، خلقكم من نفس واحدة، لكلّ مستقر في الأصلاب، ومستودع في الأرحام، والاستقرار: مكث غير محدود بزمن ولا وقت وهو أقرب إلى الثبات، والاستيداع:
مكث موقوت معرض للرد والرجوع، ولهذا كان الاستقرار في الأصلاب والاستيداع في الأرحام. وبعضهم عكس، وبعضهم قال غير ذلك، والله أعلم.. قد فصلنا الآيات ووضحناها لقوم يفقهون ويقفون على الأسرار الخفية بذكائهم وعمق تفكيرهم، ولا شك أن النظر في الخلق والتكوين الإنسانى يحتاج إلى دقة ونظر وفهم.
وها هي ذي آياته التكوينية في النبات.
وهو الذي أنزل من السحاب الذي في السماء ماء فجعل منه كل شيء حي، فأخرج به المولى- جل شأنه- نبات كل صنف من الأصناف فالتربة واحدة والماء واحد ولكن الشكل والطعم مختلف سبحانك يا رب أنت القوى القادر يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ «١» في الشجرة الواحدة تمر حسن وآخر رديء، ثمر ناضج، وثمر نيئ، ثمر طعمه جميل وأخر قبيح، سبحان الله أليس هذا من دلائل الوحدانية والقدرة، فأخرج الله من النبات شيئا غضا أخضر وهو ما تشعب من أصل النبات، وذلك كورق النجم، وغصن الشجر، ويخرج من هذا الأخضر حبا جافّا صلبا متراكبا بعضه فوق بعض في السنبل.
أما الشجر فهذا النخل عنوانه يخرج من طلعها قنوان دانية القطوف سهلة التناول ويخرج من النبات الأخضر جنات من أعناب وغيره من الفواكه والثمار كالزيتون والرمان مشتبها في الشكل والورق والثمر، وغير مشتبه في لون الثمر وطعمه فمنها الحلو والحامض والمزّ، بل منها ما هي كاليوسفى والبرتقال أو كالنارنج، انظر إلى ثمر ما ذكر نظرة اعتبار وفحص إذا أثمر النبات وكيف يصير هذا الثمر من درجة إلى درجة حتى يصل إلى كمال نضجه وتمام منفعته، وكيف يكون الثمر أجوف فارغا ثم يمتلئ بالخير والبركة، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون بالله أو فيهم الاستعداد لذلك.
стр. 640
من كذبهم على الله والرد عليهم [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٣]
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)
المفردات:
خَرَقُوا خلق، وخرق، واخترق، كلها بمعنى واحد، قال الراغب: الخلق:
فعل الشيء بتدبير ورفق، والخرق: قطع الشيء على سبيل الفساد. بَدِيعُ: مبدع على غير مثال سابق، ومنه البدعة، لأنه لا نظير لها. لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ الإدراك: اللحاق والوصول إلى الشيء.
المعنى:
أشرك الناس بالله شركاء من دونه، وأقسم إبليس: لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين، وقد عبدوا الملائكة وقالوا: إنها بنات الله، وأطاعوا الشياطين في أمور الشرك بالله، وقال المجوس: إن للخير إلها وللشر إلها هو إبليس وذلك قوله تعالى:
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ والله وحده خلقهم وما يعبدون. فكيف يعبد سواه، واختلق بعض الناس بجهلهم وحماقتهم لله بنين، وبنات، سبحانه وتعالى عما
стр. 641
يشركون!! فقد قالت اليهود: عزيز ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، وقال المشركون من العرب: الملائكة بنات الله.
كيف يكون ذلك! والله مبدع السموات والأرض وما فيهن، فهو الخالق البارئ المصور كيف يكون له ولد؟ ولم تكن له صاحبة، والولد لا بد فيه من تزاوج وتناكح، وهل يعقل أن تكون له صاحبة تجانسه وتشاكله، وهو المنزه عن المثيل والشريك: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «١» . وكيف يكون له ولد! وقد أقر الكل بأنه خلق السموات والأرض، أفيكون في حاجة إلى ولد؟ وله كل شيء!!؟ ذلكم الله ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل شيء، فاعبدوه وحده، فهو الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص، الخالق البارئ فاطر السموات والأرض ومبدعها وهو على كل شيء قدير.
والله سبحانه لا تدركه الأبصار، ولا تراه رؤية إحاطة وشمول حتى تعرف كنهه وتحيط به: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ «٢» .
والآية الكريمة لا تنفى الرؤية التي وردت بها الأحاديث الصحيحة.
والله يدرك الأبصار، يراها ويدركها ويقف على حقيقتها وكنهها، وإلى هنا لم يعرف أحد حقيقة الضوء أو حقيقة البصر ولماذا لم تر الأذن؟ ولم تسمع العين ولماذا كان عصب العين ينقل إشارة الرؤية وعصب السمع ينقل إشارة السمع ولكن الله وحده هو الذي يدرك الأبصار ويعلمها وهو اللطيف بذاته الخبير بدقائق خلقه وخفاياهم.
حقائق تتعلق بالرسالة [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٧]
قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)
стр. 642
المفردات:
بَصائِرُ: جمع بصيرة، وتطلق على العقيدة القلبية، وعلى المعرفة الثابتة والحجة البينة، ويقابلها البصر الذي يدرك به الأشياء الحسية. دَرَسْتَ أى: قرأت،
وفي الحديث: «كان يدارسه القرآن»
ومنه الدرس والمدرسة وهي تشير إلى التذليل بكثرة القراءة.
المعنى:
قد جاءكم كما يجيء الغائب المنتظر تلكم البصائر من الحجج والبراهين والآيات الكونية، والأدلة العقلية، التي تنير البصائر وتكشف الحجب والستائر، جاءتكم من ربكم الذي تعهدكم في الصغر والكبر والضعف والقوة فمن أبصر فلنفسه ومن أساء فعليها: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها «١» وما أنا عليكم بحفيظ، ولا برقيب، كل نفس بما كسبت رهينة، وما علىّ إلا البلاغ وعلى الله الحساب.
مثل ذلك البيان الشافي نصرف الآيات في القرآن لإثبات أصول الدين، ونفصلها ليهتدى بها المستعدون للاهتداء على اختلاف عقولهم وألوانهم، وليقول الجاحدون المعاندون: إنما درست هذا وقرأته على غيرك وليس وحيا من عند الله، ولقد رموا النبي ﷺ بأنه علّمه قين (حداد) كان بمكة وهو أعجمى وليس بعربي لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ «٢» وكيف يصدر هذا القرآن الكامل في كل شيء عن بيئة جاهلية؟ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «٣» ولنظهر هذا القرآن لقوم عندهم عقل وعلم.
стр. 643
اتبع يا محمد ما يوحى إليك، وبلغه فالله معك، الذي لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين، ولا يهمّنك أمرهم، واعلم أنه إلى الله المرجع والمآب، ولو شاء ما أشركوا أبدا ولكنه شاء ما وقع لحكم هو يعلمها وما جعلك عليهم حفيظا ورقيبا، ولست عليهم بوكيل.
النهى عن سب الذين يدعون من دون الله [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠٨ الى ١١٠]
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)
روى أن زعماء قريش ذهبوا إلى أبى طالب وقالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدا قد آذانا وآذى آلهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه، وقالوا للنبي ﷺ : لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتم من يأمرك. فنزلت الآية.
المعنى:
ولا تسبوا أيها المسلمون آلهتهم التي يدعونها من دون الله إذ ربما نشأ عن ذلك أنهم يسبون الله- عدوانا وتجاوزا للحد في السباب ليغيظوا بذلك المؤمنين،
стр. 644
وهم أجهل الناس بقدر الله، ومن هنا نعلم أن الطاعة إن جرّت إلى معصية تترك. مثل ذلك التزيين زينا لكل أمة من الكفار سوء أعمالهم، وهكذا سنة الله في خلقه، يستحسنون ما جرت عليه نفوسهم، وما تعودته عن تقليد أو جهل، أو عن معرفة وعناد والله يتركهم وشأنهم، وهو القادر على كل شيء، فالتزين أثر لأعمالهم بدون جبر أو إكراه، وإلا كان الثواب والعقاب وإرسال الرسل عملا لا يصح أن يكون.
وأقسموا ليؤمننّ إذا جاءتهم الآيات التي طلبوها ... كذبوا، قل لهم: الآيات عند الله، وهم لا يؤمنون أبدا.
الجزء الثامن
الرد على طلب المشركين الشهادة على الرسالة [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١١١ الى ١١٣]
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)
стр. 645
المفردات:
وَحَشَرْنا: جمعنا. قُبُلًا: جمع قبيل، كرغيف ورغف، أى: ضمناء وكفلاء، وقيل: قبلا، أى: مواجهة ومقابلة، ومنه قيل: قبل الرجل ودبره، وقرئ قبلا، أى: عيانا ومواجهة. شَياطِينَ قال ابن عباس: كل عات متمرد من الجن والإنس فهو شيطان. يُوحِي الإيحاء: الإعلام مع الخفاء والسرعة كالإيماء، والمراد ما توسوس به الشياطين من الجن والإنس. زُخْرُفَ الزخرف:
الزينة، ومنه سمى الذهب زخرفا، وجعل تمويههم زخرفا لتزيينهم إياه. غُرُوراً:
خداعا باطلا. وَلِتَصْغى صغى إليه: مال، وصغى فلان، وصغوه معك: ميله وهواه. وَلِيَقْتَرِفُوا اقترف المال: اكتسبه، والذنب: اجترحه.
روى عن ابن عباس أنه أتى جماعة من كفار مكة وزعمائها إلى النبي ﷺ وقالوا:
أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم: أحقّ ما تقول أم باطل؟ أو ائتنا بالله والملائكة قبيلا، فنزلت الآية.
وهذا تفصيل لما أجمل في قوله تعالى: وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ «١» مع تسلية للنبي ﷺ بذكر طبائع الناس وما يلاقيه الأنبياء في دعوتهم.
المعنى:
ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة فرأوهم بأعينهم المرة بعد المرة، كما قالوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ «٢» ولو كلمهم الموتى بأن نحييهم لهم فيخبروهم بما رأوا من ثواب أو عقاب كما قالوا: فَأْتُوا بِآبائِنا «٣» ولو أننا حشرنا عليهم، وجمعنا لهم من كل شيء من الآيات والدلائل غير الملائكة والموتى معاينة ومواجهة ليكون ذلك دليلا على صدق دعواك، أو جمعنا عليهم كل شيء ضمناء وكفلاء بصحة ما بشرنا به وأنذرنا.
لو حصل كل هذا لما كان من شأنهم الإيمان، ولا كان استعدادهم يقتضى ذلك، لأنهم ينظرون إلى الآيات نظرة تعنت وعداوة، بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون،
стр. 646
فلم ينظروا نظرا بريئا للهداية والعبرة حتى يتعظوا ويؤمنوا: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً «١» لكن لو شاء الله إيمانهم لآمنوا، ولكنه يتركهم وفطرتهم التي تتنافى مع سلوك طريق الخير والانتفاع بهدى القرآن: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ «٢» مع تبصرتهم وهدايتهم إلى طريق الخير والشر:
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ «٣» .
ولكن أكثر المشركين يجهلون ذلك، فيقسمون بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية مما اقترحوا ليؤمننّ بها، وما يشعرون بقلوبهم وما انطوت عليه، وبما ختم عليها حتى صارت كأنها في أكنة، وقيل: ولكن أكثر المسلمين يجهلون نفوس الكفار وما هي فيه، فيميلون إلى إنزال الآيات المقترحة علّهم يؤمنون.
وهكذا سنة الله في الخلق. منهم مهتد وكثير منهم فاسقون.
وهكذا سنته مع أنبيائه، جعل لكل منهم أعداء من الجن والإنس- خاصة أولى العزم منهم- ليحظوا بدرجات الصبر والعمل، فالنبي ﷺ يدعو إلى الخير جاهدا، والمشركون يدعون إلى ما يعتقدون جهدهم، فمن باب تنازع البقاء لا بد من حصول العداوة والبغضاء، والعاقبة للمتقين إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا «٤» .
كما جعلنا هؤلاء أعداء لك جعلنا لكل نبي جاء قبلك أعداء، هم شياطين الإنس والجن،
روى أبو ذر- رضى الله عنه- أن النبي ﷺ قال عقب صلاة: يا أبا ذر: هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟ قال: قلت يا رسول الله: هل للإنس شياطين؟ قال:
نعم وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ «٥» .
стр. 647
وقال مجاهد وقتادة والحسن: إن من الإنس شياطين ومن الجن شياطين، أما مظهر عداوة هؤلاء للنبي والمسلمين فإنه يوحى بعض شياطين الجن إلى بعض شياطين الإنس وكذلك يوحى بعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض، وعن مالك بن دينار:
إن شيطان الإنس أشد علىّ من شيطان الجن، إذا تعوذت بالله ذهب شيطان الجن عنى، وشيطان الإنس يجيئني فيجرنى إلى المعاصي عيانا.
يوحى بعضهم إلى بعض بالقول المزخرف المزين، وبالوسوسة والإغراء بالمعاصي، والتمويه والخداع بالباطل، ولو شاء ربك ما فعلوه أبدا فذرهم وما يفترون، يفعلون هذا ليغروهم بالفساد، لأنه الموافق لأهوائهم، وليترتب على ذلك أن يرضوه ويطمئنوا إليه، وأن يكتسبوا معه من الآثام والمعاصي ما هم مكتسبون.
الشهادة للنبي بالصدق وللقرآن بالحق [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١١٤ الى ١١٥]
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)
المفردات:
حَكَماً: الحاكم: من يتحاكم إليه الناس، ويحكم بينهم بالحق أو بغيره، والحكم: من يحكم بالحق فقط كما قال القرطبي. مُفَصَّلًا: مبيّنا فيه الحق والباطل، والحلال والحرام. وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ قال الراغب: تمام الشيء انتهاؤه
стр. 648
إلى حد لا يحتاج معه إلى شيء خارج عنه، والمراد هنا أن كلمة الله وافية في الإعجاز والدلالة على صدق الرسول. لا مُبَدِّلَ: لا مغيّر.
المعنى:
ما لكم تطلبون آيات دالة على صدقى، وتحكمون بها على أنى رسول الله؟
وتقسمون أنها لو نزلت لآمنتم.
عجبا! أضللت فأبتغى غير الله حكما بيننا؟! وليس لي أن أتعدى حكم الله، ولا أن أتجاوزه، إذ هو الحكم العدل، وهو الذي أنزل إليكم القرآن كتابا مفصلا فيه كل شيء، مبينا لكل حكم، جامعا لكل خير، فيه الهدى والنور، والعلم والعرفان، وهو المعجزة الباقية الدالة على صدق رسالتي لما فيه من الآيات، ولما أعجز جهابذة البلاغة وأرباب البيان، مع التحدي الصارخ لهم ... شهد لي بالصدق، وعليكم بالكذب البهتان!! والذين آتيناهم الكتاب من اليهود والنصارى، يعلمون أنه الحق المنزل من عند الله مشتملا على النور والهدى، ومتلبسا بالحق والعلم إذ هو من جنس الوحى الذي نزل عليهم، وقد جاء في كتبهم البشارة بالنبي ﷺ وصفته فهم أدرى الناس به: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ «١» وقد اعترف بذلك من أنار الله بصيرته منهم واهتدى.
والخلاصة أنكم تتحكمون في طلب المعجزات والآيات الدالة على صدق الرسول.
وقد حصل ذلك بوجهين:
(أ) القرآن وهو المعجزة الباقية القائمة مقام قوله تعالى: «صدق عبدى في كل ما يبلغه عنى» .
(ب) معرفة أهل الكتاب وشهاداتهم للنبي محمد بالصدق.
وإذا كان هذا حاصلا فلا تكونن من الشاكّين، وهذا لون من ألوان التهييج والإلهاب كقوله: فلا تكونن من المشركين.
стр. 649
وتمت كلمة ربك، وقرئ: «كلمات ربك» ، نعم تم كلام الله فلا يحتاج إلى شيء آخر، وأصبح كافيا وافيا في الإعجاز، والدلالة على الصدق، وقيل: تمت كلمة ربك فيما وعدك به من النصر على الأعداء، وأوعد به المستهزئين والكافرين من الخذلان والهلاك: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ «١» .
نعم تمت كلمة ربك صدقا فيما أخبر به، وعدلا فيما حكم به، ومن أصدق من الله قيلا؟ من أعدل من الله حكما؟
ثم كان كل ما أخبر به- جل شأنه- من أمر ونهى، ووعد ووعيد، وقصص وخبر، صادقا عادلا، لا مبدل لكلماته، ولا راد لقضائه، فهو القادر على كل شيء، الحكيم في كل صنع، السميع لكل قول، العليم بكل حال ووضع، سبحانه وتعالى عما يشركون!!
عقائد المشركين وذبائحهم [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١١٦ الى ١٢١]
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)
стр. 650
المفردات:
يَخْرُصُونَ: يحدسون ويقدّرون، والخرص: الحدس والتخمين، والخارص يقطع بما لا يجوز القطع به إذ لا يقين معه. فَصَّلَ: بيّن وأزال عنكم اللبس في المحرمات. الْإِثْمِ: القبيح، وفي لسان الشرع: ما حرمه الله. لَفِسْقٌ:
معصية وخروج عن دائرة الدين.
المعنى:
لا ينبغي الالتفات إلى ما يقوله الضالون والمشركون، فإنهم يسلكون سبل الضلال والإضلال ويتبعون الظنون الفاسدة، وإن تطع أكثر من في الأرض من الكفار والمشركين، إن تطعهم في أمور الدين، وتخالف ما أنزل الله عليك، يضلوك عن سبيل الله، سبيل الحق والعدل والصراط المستقيم، إذ هم لا يتبعون فيما يصدر عنهم إلا الهوى والظن، ويتجافون عن الحجج العقلية والبراهين الإلهية، إن يتبعون إلا الظن، وإن هم إلا يحدسون كالخارص في ثمر النخل، فاعتقادهم مبنى على الحدس والتخمين، لا على الحجة واليقين، وصدق الله: فكل النظريات المخالفة ليس مع أصحابها حجة ولا يقين وإنما كله ظن وتخمين.
стр. 651
أليس هذا من أخبار السماء الصادقة؟ فها نحن أولاء بين الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، ولم يكن النبي ﷺ يعلم من أخبار الأمم وأحوالها إلا النزر اليسير.
لا تطعهم أبدا، إن ربك هو أعلم منك ومن غيرك بمن يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين.
وإذا كان الأمر كذلك، فكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقت الذبح. إن كنتم بآياته مؤمنين.
وقد كان المشركون من العرب يجعلون الذبائح من أمور العبادات، فيتعبدون بالذبح للآلهة والأصنام، ويقولون: كيف تعبدون الله، وما قتله الله لا تأكلونه؟ أى: ما مات حتف أنفه بلا ذبح. وما قتلتموه بأيديكم تأكلونه على أنه حلال.
أىّ مانع لكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه عند الذبح، والحال أنه قد فصل لكم، وبين ما أحل وما حرم: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً [الأنعام ١٤٥] .. فقد حرم الله هذه المحرمات، وذكرها في سورة المائدة بالتفصيل، آية ٣..
إلا في حال الاضطرار والضرورة فحينئذ يزول التحريم بقدر الضرورة (فالضرورات تبيح المحظورات) وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم الزائفة، وشهواتهم الفاسدة، من غير علم منهم بصحة ما يقولون، يضلون غيرهم، ويصدونهم عن سبيل الله، إن ربك هو أعلم بالمعتدين.
وذروا الإثم واتركوه، سواء منه ما ظهر للناس واكتسبته الجوارح، أو ما خفى عن الناس وكان من عمل القلب، فالله يعلم الغيب والشهادة، إن الذين يكسبون الإثم، ويجترحون الذنب سيجزون بما كانوا يقترفون. أما من يعمل السوء بجهالة ويتوب إلى الله من قريب فأولئك يتوب الله عليهم، فرحمته وسعت كل شيء.
ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، بأن ذبح للصنم، أو ذكر عليه غير اسم الله، أو مات حتف أنفه ولم يذكر عليه شيء، وإنه- أى: الأكل من هذا- لفسق ومعصية وخروج عن الدين وحدوده.
وقال مالك: كل ما لم يذكر اسم الله عليه بأن ترك سهوا أو عمدا فهو حرام، أخذا
стр. 652
بظاهر الآية، وقال الأحناف: إن ترك الذكر عمدا فهو حرام. وقال الشافعى: إذا كان الذابح مسلما فهو حلال ترك سهوا أو عمدا.
وإن الشياطين من الإنس والجن ليوحون إلى أوليائهم من الإنس والجن ويوسوسون لهم بالقول المزخرف، والغرور الباطل، ليجادلوكم على أساس باطل خال من الحكمة والعقل، مثلا يقولون للمسلمين: كيف تحرمون ما قتله الله وتحلون ما قتلتم بعد هذا تدعون عبادة الله؟!! وإن أطعتموهم مطلقا في أى شيء وبخاصة فيما نحن فيه من استحلال الميتة، إنكم لمشركون معهم، وفيه دليل على أن من أحل حراما أو من حرم حلالا فهو كافر ومشرك، لأنه أثبت مشرعا سوى الله، وهذا هو الشرك بعينه.
مثل المؤمن والكافر [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢٢ الى ١٢٣]
أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (١٢٣)
المفردات:
أَكابِرَ أكابر القوم: رؤساؤهم. مُجْرِمِيها الإجرام: ما فيه الفساد والضرر من الأعمال، والمجرمون: الفاعلون لهذه الأعمال. قَرْيَةٍ: البلد الذي يجمع الناس كالعاصمة مثلا، وقد تطلق على الشعب والأمة. لِيَمْكُرُوا المكر: صرف الغير عما يقصده بحيلة.
стр. 653
المعنى:
بعد أن أبان الله أن من الناس المهتدى، وكثير منهم الفاسقون، ضرب مثلا للمؤمن وآخر للكافر، فبين فيه أن المؤمن المهتدى بعد الضلالة، الموفق إلى الخير والهدى، المميز بين الحق والباطل: كمن كان ميتا فأحياه الله، وجعل له نور القرآن والحكمة يمشى به في الناس: يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ «١» له نور يستضئ به في ظلمات الحياة، فيميز بين الخير والشر، وأما الكافر الذي بقي على الضلالة يتخبط في ظلمات الكفر والفساد فكمن استقر في الظلمات الحسية لا ينفك عنها، وليس بخارج منها، فهو لا يهتدى إلى سواء السبيل ولا يسير على الطريق المستقيم.
أيستوى المؤمن والكافر؟ نعم لا يستويان أبدا، وهل يستوي الظلمات والنور؟
مثل هذا التزيين السابق، للمؤمن إيمانه وللكافر كفره، قد زين للكافرين ما كانوا يعملون، والذي زين هذا هو الشيطان الذي أقسم لأغوينهم أجمعين، أو هو الله- نظرا إلى قوله: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [سورة النمل آية ٤] .
وكما جعلنا في مكة صناديدها وأشرافها ليمكروا ويصدوا عن سبيل الله فيها، كذلك جعلنا في كل قرية مجرميها وفساقها، أكابرها وأشرافها، لأنهم أقدر على المكر والخداع وترويج الباطل بين الناس لرئاستهم وسيادتهم. وهكذا سنة الله مع أنبيائه، يتبعهم الضعفاء ويكفر بهم الأشراف، ومع هذا فالعاقبة للمتقين، وما يمكر هؤلاء إلا بأنفسهم، لأن عاقبة مكرهم عليهم، وما يشعرون.
غرور المشركين وعاقبته [سورة الأنعام (٦) : آية ١٢٤]
وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)
стр. 654
المفردات:
صَغارٌ الصغار والصغر: الذل والهوان، والصغر: القلة في المحسوسات.
أَجْرَمُوا: ارتكبوا ما فيه جرم.
كان الوليد بن المغيرة يقول للنبي ﷺ لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أولى بها منك، لأنى أكبر منك سنّا، وأكثر منك مالا، فأنزل الله هذه الآية، وقيل: نزلت في شأن أبى جهل.
المعنى:
أراد أكابر قريش أن تكون لهم النبوة والرسالة، وأن يكونوا متبوعين لا تابعين وقالوا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ «١» !! وذلك حسدا منهم وغرورا، وظنّا منهم أن الرسالة مركز دنيوى، فكما بسط الله الرزق لهم وآتاهم مالا ممدودا- أى: كثيرا- وبنين شهودا- أى: حضورا للمجالس- وكبارا في القوم. يؤتيهم النبوة، ويمنحهم الرسالة.
ولهذا إذا جاءتهم آية دالة على صدق محمد، وأنه رسول الله، قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل الله من الآيات والمعجزات: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً «٢» . أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ «٣» أهم يقيسون الرسالة على مظاهر الدنيا الكاذبة؟ وما علموا أن الله يعلم أهل رسالته ومكان نبوته، ومن هو أهل لأداء الرسالة والقيام بالأمانة على الوجه الذي يرضاه، على أن الرسالة فضل من الله يمنحها لمن يشاء من عباده، لا ينالها أحد بكسبه، والله لا يعطيها إلا لمن هو أهل لها لسلامة فطرته، وطهارة قلبه، وقوة روحه، ومناعة نفسه، حتى يمكنه القيام بأعبائها، أما من يطلبها ويرغب فيها فليست له، ولا هو يصلح لها، ولا هي تصلح له.
وها هي ذي عاقبة هؤلاء الذين أجرموا في حق الله، وطمعوا فيما لا طمع فيه سيصيبهم صغار وذلة، وعذاب ومهانة من عند الله، جزاء بما كانوا يمكرون، ويفسدون في الأرض ولا يصلحون.
стр. 655
سنة الله في الخلق ودينه الحق [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢٥ الى ١٢٨]
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (١٢٥) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)
المفردات:
يَشْرَحْ صَدْرَهُ يقال: شرح الله صدره فانشرح، أى: وسّعه لقبول الإيمان والخير، وقيل: الشرح: الفتح والبيان، وقيل: هو نور يقذفه الله- تعالى- في القلب. ضَيِّقاً الضيق: ضد الواسع. حَرَجاً: هو أضيق الضيق.
الرِّجْسَ: العذاب، وقيل: الشيطان. دارُ السَّلامِ: دار السلامة وهي الجنة.
المعنى:
ما تقدم كان جزاء للمشركين وعنادهم وغرورهم. وأما أنت يا رسول الله
стр. 656
فلا يهمنك أمرهم ولا تحزن عليهم، فالأمر كله لله. فمن يرد الله أن يهديه للحق ويوفقه للخير يشرح صدره للقرآن، ويوسع قلبه للإيمان، فعند ذلك يستنير الإسلام في قلبه ويتسع صدره للقرآن،
وقد سئل رسول الله ﷺ عن شرح الصدر فقال-: «هو نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح، قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟
قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت» .
وهذا يكون عند من حسنت فطرته وطهرت نفسه وكان فيها استعداد للخير وميل إلى اتباع الحق.
ومن فسدت فطرته، وساءت نفسه، إذا طلب إليه أن ينظر إلى الدين ويدخل فيه لما استحوذ وامتلأ قلبه من باطل التقاليد والاستكبار، والعناد والحسد والغرور، إذا طلب إليه أن ينظر في الدين ويدخل فيه، يجد في صدره ضيقا- وأى ضيق؟ - وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً وهذا الصنف تكون إجابة الداعي عنده ثقيلة على نفسه جدّا، فيشعر بضيق شديد، وحرج كثير، كأنه كلف من الأعمال ما لا يطيق، أو أمر بصعود السماء، وأصبح حالهم كحال الصاعد في طبقات الجو، والمرتفع في السماء كلما ارتفع وخف الضغط عنه شعر بضيق في النفس وحرج في القلب.
سبحانك ربي هذه نظرية علمية لم يقف عليها الناس إلا قريبا. وقد أخبر بها القرآن من أربعة عشر قرنا.
وهذا الإسلام الذي شرح الله صدر بعض عباده له، هو صراط ربك المستقيم، صراط الله العزيز الحميد الذي يعلم خلقه وما هم عليه، فهو العلاج الوحيد، والدواء المفيد الناجع لكل داء، فعليكم به أيها المسلمون إن أردتم النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة.
قد فصلنا الآيات، وبيناها على أتم وجه، لقوم يتذكرون ويتعظون، لهؤلاء السالكين طرق الهداية، المنتفعين بنور القرآن وآياته، لهؤلاء دار السلامة والسلام، والأمان والنعيم وهي دار الجنة، والله- وليهم ومتولى أمرهم، وهو حسبهم من كل ما يعنيهم وذلك بسبب ما كانوا يعملون من صالح الأعمال في الدنيا.
стр. 657
واذكر يوم يحشر ربك المخلوقات جميعا إنسهم وجنهم، ويقول لهم: يا معشر الجن قد أكثرتم من إغوائكم للإنس حتى حشروا معكم، وقال أولياؤهم وأتباعهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض، فاستمتع الإنس بالجن حيث دلوهم على المعاصي وإرضاء الشهوات النفسية، واستمتع الجن بالإنس حيث كانوا قادة لهم ورؤساء فامتثلوا أمرهم، وسرّ الجن بذلك، وقالوا متحسرين: قد بلغنا أجلنا الذي أجلته لنا وحددته لنا، وهو يوم القيامة. قال الله لهم عند ذلك: النار مأواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله، إن ربك حكيم عليم.
من سنن الله في الكون مع ذكر بعض مواقف الآخرة [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٢٩ الى ١٣٢]
وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)
المفردات:
نُوَلِّي: من الولاية والإمارة، أو: نجعل بعضهم أنصارا وأولياء لبعض.
ُصُّونَ
: يتلونها مع التوضيح والتبيين، وفي المصباح: قصصت الخبر قصّا من باب رد: حدثته على وجهه. دَرَجاتٌ: مراتب من أعمالهم وجزائها.
стр. 658
المعنى:
ومثل الذي ذكر من استمتاع أولياء الإنس والجن بعضهم ببعض في الدنيا لأنهم متشابهون ومتحدون في الاتجاه والعمل، نولي بعض الظالمين بعضا بسبب ما كانوا يكسبون من أعمال الظلم المشتركة بينهم.
نولي بعضهم بعضا، ونجعلهم أنصارا وأولياء لبعض وأصدقاء. فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، والكافرون بعضهم أولياء بعض، وكل يقع على شاكلته، إذ الأرواح جنود مجندة.
وأما ولاية المشركين لبعض فبمقتضى السنن الكونية، إذ ولايتهم لبعض مترتبة على اتفاقهم في الخلق والعقيدة والمنفعة والتحزب، مع أن الله لم يأمرهم بشيء من ذلك.
وفي المأثور قيل: سمعتهم يقولون: إذا فسد الناس أمر عليهم شرارهم، وكما تكونون يولى عليكم. وعن ابن عباس «إذا رضى الله على قوم ولى أمرهم خيارهم، وإذا سخط على قوم ولى أمرهم شرارهم» فيكون الحاكم وبطانته مثلا في السوء يقلدهم غيرهم فيعم الفساد البلد، والمعنى: إنا نكل بعض الظالمين إلى بعض، ونسلطهم على أنفسهم، وهذا تهديد عام شامل لكل ظالم في الحكم أو غيره، وقال فضيل بن عياض: «إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجبا» .
يا معشر الجن والإنس اقرّوا واعترفوا بإرسال الرسل لكم، وقد قاموا بمهمة الرسالة خير قيام، يقصون عليكم الآيات، ويوضحون الحجج والبينات، وينذرونكم لقاء يومكم هذا، ويبشرون من آمن بالله وعمل صالحا بالثواب العظيم، وينذرون من خالف وعصى بهذا اليوم الشديد وقعه، البالغ أثره، وهذه الرسل منكم، أى: من جنسكم في الخلق والتكليف والمخاطبة، أى: من مجموعكم.
وهنا بحث: هل للجن رسل من أنفسهم كما للإنس؟ أم الرسل من الإنس فقط؟
وقوله منكم من باب التغليب، كقوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ وهما يخرجان من الماء الملح فقط، أو المراد برسل الجن من كان يستمع إلى النبي ﷺ ثم ينذر قومه بما سمع: وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ والثابت عن ابن عباس: كانت الرسل تبعث إلى الإنس، وإن محمدا ﷺ بعث إلى الجن والإنس، فقد قال الجن: إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى [سورة الأحقاف آية ٣٠] .
стр. 659
فماذا قالوا عند ما قيل لهم: ألم يأتكم رسل منكم في الدنيا؟! قالوا: نعم ... أتتنا الرسل وقصت علينا أحسن القصص، وبشرتنا وأنذرتنا ببليغ الكلم، يا عجبا لهم شهدوا على أنفسهم بهذا، وقد كانوا في الدنيا مخدوعين بها، مغرورين بمالها وجاهها وبريقها!!! فهم قد شهدوا على أنفسهم بأنهم كانوا كافرين.
وللقيامة مواقف، فتارة يعترفون بإرسال الرسل إليهم، وتارة لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون، وتارة تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم بما كانوا يعملون وتارة يكذبون ويقولون: ما كنا مشركين.
ذلك الذي ذكر من إرسال الرسل للخلق، تقص الآيات، وتتلوا البينات، لإصلاح حال الأفراد والجماعات، في شئونهم الدنيوية والأخروية، كل ذلك بسبب أن الله لم يكن من سنته أن يهلك الأمم ظالما وهم غافلون عما يجب عليهم، بل لا بد من إرسال الرسل لتنير الطريق، وتهدى السبيل فمن عصى بعد ذلك استحق العقاب، ومن آمن وعمل صالحا استحق الثواب: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فالله لا يظلم أحدا من خلقه، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، فاعتبروا أيها المسلمون، واعلموا أن ما نزل بكم إنما هو نتيجة لترك الدين وما فيه، واعلموا أن لكل عامل درجات ومراتب مما عمل، وجزاء عليه إن خيرا فخير وإن شرّا فشر، وما ربك بغافل عما تعملون.
تهديد وإنذار [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٥]
وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)
стр. 660
المفردات:
يُذْهِبْكُمْ: يهلككم. مِنْ ذُرِّيَّةِ: من نسل قوم آخرين.
مَكانَتِكُمْ: حالكم التي أنتم عليها.
المعنى:
وربك الغنى عن خلقه وعن عبادتهم، والكل فقير إلى رحمته وعفوه، يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ «١» وهو ذو الرحمة بأوليائه وأهل طاعته، رحمته وسعت كل شيء، إذ كل ما عداه محتاج إليه في وجوده وبقائه.
إن يشأ يذهبكم يا أهل مكة ويأت بخلق غيركم أفضل منكم وأطوع، وإن يشأ يستخلف من بعدكم من يشاء من الأقوام فإنه هو الغنى القادر على إهلاككم وإنشاء قوم آخرين من ذريتكم أو ذرية غيركم، يكونون أسمى منكم روحا وأصفى منكم نفسا، وقد صدق الله وعده، فأذهب المستكبرين المعاندين الجاحدين من زعماء الشرك، واستخلف من بعدهم قوما آخرين هم الصحابة والسابقون من الأنصار والمهاجرين، وبعد هذا الإنذار في الدنيا، إنذار في الآخرة، وهو: إن ما توعدون من جزاء وثواب آت لا شك فيه، وما أنتم بمعجزين الله بهرب ولا بمنع، وهو القاهر فوق عباده.
قل لهم يا محمد: يا قوم اعملوا على مكانتكم وطريقتكم التي أنتم عليها، إنى عامل على طريقتي ومكانتى التي هداني إليها ربي، ورباني عليها، ولسوف تعلمون من تكون له العاقبة الحسنة والنهاية العظمى. قال الزمخشري في تفسيره «الكشاف» : اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ تحتمل وجهين: اعملوا على تمكنكم وأقصى استطاعتكم.
وإمكانكم واعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، والمراد اثبتوا على كفركم وعداوتكم فإنى ثابت على الإسلام، فسوف تعلمون الذي تكون له العقبى يوم القيامة، وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ «٢» وهذا إنذار لطيف المسلك دقيق المآخذ، مع التوجيه إلى النظر والفكر وحسن الأدب وبيان السبب في الحكم للنبي ﷺ إذ لا يفلح الظالمون لأنفسهم بالكفر.
المفردات:
ذَرَأَ أى: خلق وأبدع. أَوْلادِهِمْ الولد: يطلق على الذكر والأنثى.
لِيُرْدُوهُمْ: ليهلكوهم بالإغواء. وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ: يخلطوا عليهم دينهم.
حِجْرٌ الحجر: أصله المنع، ومنه سمى العقل حجرا لمنعه صاحبه، والمراد الحرام.
وَصْفَهُمْ أى: جزاء وصفهم.
المعنى:
أثر من آثار وسوسة الشيطان للإنسان وعمل من أعمال إبليس، وصورة من صور الجاهلية الجهلاء، التي كان عليها العرب قبل الإسلام.
وجعلوا لله مما خلق من الحرث والأنعام نصيبا مفروضا وقدرا محدودا، وجعلوا كذلك نصيبا لمن أشركوهم مع الله من الأوثان والأصنام، فقالوا: هذا لله بزعمهم وبقولهم الذي لا بينة معه ولا حجة فيه. وهذا لشركائنا ومعبوداتنا، نتقرب به إليها.
والمروي أنهم كانوا يجعلون في مالهم نصيبا لله ينفقونه لإطعام الفقراء والمساكين وإكرام الضيفان والصبيان، ونصيبا للآلهة يعطى لسدنتهم وخدمهم، وما ينفق على معابدهم، وما كان لشركائهم خاصة لا يصرف إلى الوجوه التي جعلوها لله، بل يجعلونه للسدنة وخدمة الأصنام والأوثان، وما كان لله فهو واصل إلى شركائهم، ألا ساء الحكم حكمهم وبئس ما يصنعون!؟؟
إذ هم اعتدوا على الله بالتشريع الفاسد، وأشركوا به غيره، وفضلوه عليه. والحال أن الله هو الذي خلق كل شيء، وما عملوه لا سند له من عقل أو شرع، أليست هذه جاهلية جهلاء وضلالة عمياء؟؟
ومثل ذلك التزيين لقسمة القرابين من الحرث والأنعام بين الله والآلهة زين لكثير من المشركين شركاؤهم قتل أولادهم. وكان مظهر التزين أنهم خوفوهم الفقر في الحاضر والمستقبل وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ «١» وخوفوهم العار، فقتلوا البنات خوف العار والفقر والزواج من غير الكفء.
стр. 663
وثالثة الأثافى أنهم كانوا يمنّونهم بأن قتلهم أولادهم قربى إلى الآلهة كما فعل عبد المطلب حين نذر قتل ابنه عبد الله.
وقد سمى الله المزينين لهم من شياطين الإنس كالسدنة، أو شياطين الجن سماهم الله شركاء، لأنهم أطاعوهم طاعة الله مع التبجيل والاحترام، كما فعل أهل الكتاب مع رجال الدين:
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ «١» ، زين هؤلاء قتل الأولاد ليردوا المشركين ويهلكوهم بالإغواء. وليخلطوا عليهم أمر دينهم الذي يدعونه وهو دين إسماعيل وملة إبراهيم. والواقع أنه ليس فيه شيء من هذا، ولو شاء الله ما فعلوا هذا أبدا، ولكن مشيئة الله للناس جميعا أن يكونوا واختيارهم وما جبلوا عليه من اختيار أى الطريقين بدون جبر ولا قهر.
أما أنت يا رسول الله فذرهم ولا يهمنك أمرهم ودعهم وما يفترون في حقك وحقنا. فعلى الله حسابهم.
ثم ذكر صورة ثالثة من صور الجاهلية المشوهة.
أنهم قسموا أموالهم وأقواتهم إلى ثلاثة أقسام:
(أ) فتارة أنعام وأقوات تكون محبوسة على معبوداتهم وأوثانهم، ويقولون هي محجوزة للآلهة لا يطعمها إلا من نشاء من رجال ونساء، وقولهم هذا بزعمهم وادعائهم الخالي من الحجة والبرهان.
(ب) أنعام حرمت ظهورها، فلا تركب ولا يحمل عليها، وهي البحيرة والسائبة والحامى.
(ج) أنعام لا يذكرون اسم الله عليها عند الذبح بل يهلون بآلهتهم وحدها عند الذبح، وقد قسموا هذا التقسيم مفترين على الله كاذبين عليه، والله من ذلك برىء قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ «٢» ؟ والله سيجزيهم الجزاء الذي يستحقونه بما كانوا يفترون.
стр. 664
وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا، والمراد بها البحائر المشقوقة الآذان والسوائب، وخالصة خلوصا مبالغا فيه لذكورنا فقط ومحرم على نسائنا، وكانت السوائب إذا ولدت ذكرا جعلوه للذكور خاصة، وإذا ولدت أنثى جعلت للنتاج، وإن كان ما في بطنها ميتا جعل شركة بين الذكر والأنثى، سيجزيهم الله جزاء وصفهم، إنه حكيم عليم.
ولقد نعى الله- على مشركي العرب أمرين عظيمين: هما قتل الأولاد، ووأد البنات، وتحريم ما رزقهم الله من الطيبات، وحكم عليهم بالخسران والسفه، وعدم العلم والافتراء على الله، والضلال وعدم الاهتداء، إذ كيف تقتل ابنتك أو ابنك خشية الفقر أو العار، وتحرم طيبات أحلت لك؟
فأما الخسران فالولد نعمة من الله وزينة في الدنيا، فإذا سعى لإزالتها استحق الغضب من الله لاعتدائه، وقال الناس: إنه قتل ابنه خوف أن يأكل طعامه، وخسر عاطفة الأبوة، التي هي مصدر الرحمة والحنان. وجعلها مصدر الاعتداء والفناء ... وأما السفه فهل هناك سفه أكثر من قتله ابنه وفلذة كبده خوف الفقر أو خوف العار؟ وربما كان الولد مصدر الخير لأهله، وهل من يفعل هذا لا يعد في مصاف الجهلاء؟ أعوذ بالله من عادات الجاهلية.
وأما الافتراء على الله، والكذب عليه، فقد جعلوه دينا وهم كاذبون، وأما ضلالهم فهم لم يرشدوا إلى الخير أصلا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولم يسيروا وراء عقل ولا شرع.
أخرجه البخاري: «إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام» .
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ.. إلى قوله.. وَما كانُوا مُهْتَدِينَ.
المفردات:
أَنْشَأَ: خلق وأوجد بالتدريج. جَنَّاتٍ: بساتين الكروم والأشجار الملتفة الأغصان. سميت كذلك لأنها تجن الأرض، أى: تسترها. مَعْرُوشاتٍ:
محمولات على العرائش والدعائم التي توضع عليها كالسقف مثلا. حَمُولَةً:
ما أطاق الحمل والعمل من الإبل والبقر وغيرها. وَفَرْشاً: ما يفرش للذبح من الضأن والمعز وصغار الإبل وغيرها، أو ما يتخذ صوفه للفرش. حَصادِهِ:
قطافه. الضَّأْنِ: ذوات الصوف من الغنم. الْمَعْزِ: وهي ذوات الأشعار والأذناب القصار من الغنم.
المناسبة:
لما افترى الكفار على الله الكذب، وأحلوا وحرموا، وأشركوا معه غيره، دلهم على وحدانيته تعالى، ومظاهر قدرته، وأنه مصدر التشريع والتحريم لأنه هو الخالق وحده، المبدع لهذه الكائنات، وصاحب هذه النعم الجليلة.
المعنى:
وربكم القادر الرحيم بكم، الرحمن، هو الذي أنشأ تلك الجنان، وأبدع هذه البساتين، سواء منها المعروش القائم على العمد والسقف كبستان العنب، وغير المعروش كبقية الفواكه والأشجار، حتى العنب نفسه فيه المعروش وغير المعروش، وأنشأ النخل، وخص بالذكر لكثرته عند العرب، وشيوعه في بلادهم وانتفاعهم بكل ما فيه، حتى ضربوه مثلا للمؤمن ينتفع بكل أجزائه، وأنشأ الزرع الشامل لكل ما يزرع ويحرث مما هو أساس القوت وغيره كالقمح والشعير وغيرهما، وهذا النخل والزرع مع أنه يسقى بماء واحد، وفي تربة واحدة متشابهة في المنظر العام، إلا أنه يختلف في الأكل، فهذا الجيد، وذاك المتوسط أو الرديء، وهذا الحلو، وذلك المر ... إلخ. فسبحانك يا رب!! أنت القادر الحكيم.
وأنشأ الزيتون والرمان متشابها في المنظر العام، وغير متشابه في الطعم والأكل.
стр. 667
يا سبحان الله!! هذه التغيرات خلقت بطبعها أم لا بد لها من مغير؟ وهل هو الله سبحانه أو غيره من الشركاء والأصنام؟ أليس هو الله الرحمن الرحيم؟ ولو شاء لخلقنا ولم ينعم علينا بغذاء جميل المنظر، لذيذ الطعم، سهل التناول.
أليس هذا من مظاهر القدرة الكاملة والحكمة التامة والوحدانية الشاملة للذات والصفات والأفعال؟ فهذا الماء ذو الكثافة من رفعه في العود الأخضر إلى أعلى؟ حتى انتهى إلى ورق أخضر، ولون أزهر وجنى جديد، وطعم لذيذ، وشكل جميل، وهذا غذاء النحل يصير عسلا، وغذاء الظبى يصير مسكا، وغذاء الحيوان يصير روثا!! أين من يقولون خلق الكون بالطبع؟ أين من يكفرون بالرحمن؟! أين من يعصون الله في أرضه وتحت سمائه؟!! كلوا أيها الناس من ثمر هذا الزرع والجنات إذا أثمر، واشكروا نعمه عليكم، بأن تؤتوا حقه الذي فرض عليكم يوم حصاده وقطافه، قبل أن تشح به نفوسكم. ففيه حق معلوم للسائل والمحروم، وهذه هي الزكاة المطلقة التي وجبت في صدر الإسلام، ثم كانت الزكاة المقيدة المحددة الواجبة في الآيات المدنية، وها هي الأيام تثبت أن نظرية القرآن في وجوب الزكاة على الأغنياء كانت لمصلحة الأغنياء قبل الفقراء.
ولا تسرفوا فالإسراف خطأ مطلقا ولو في الشيء الحلال، ولا تسرفوا في الأكل، ولا تسرفوا في التصدق، وقد قيل: لا سرف في الخير ولا خير في السرف، والرأى هو التوسط.
وأنشأ من الأنعام كبارا تصلح للحمل والعمل، وصغارا كالفصلان والغنم والمعز مثلا، تفرش على الأرض للذبح، ويتخذ من شعرها ووبرها فرشا ولباسا.
كلوا مما رزقكم الله، وانتفعوا بلحمها ولبنها ووبرها وشعرها، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، فتحرموا ما أحل الله أو تحلوا ما حرم الله، فإن الشيطان عدوكم اللدود.
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ «١» وهذه الأنعام ثمانية أزواج، فهي إبل وبقر وغنم ومعز، وكل منها ذكر وأنثى، وقد أنشأ الله من الضأن
стр. 668
اثنين: الكبش والنعجة، ومن المعز اثنين: التيس والعنزة، ومن الإبل اثنتين: الجمل والناقة، ومن البقر اثنتين: الثور والبقرة، قل لهم أيها الرسول تبكيتا وتوبيخا: أحرّم الله الذكرين من الكبش والتيس؟ أم حرم الأنثيين من النعجة والعنزة؟ نبئونى بعلم إن كنتم صادقين!! أم الله حرم الذكرين من الجمل والثور؟ أم حرم الأنثيين من الناقة والبقرة؟!! أم حرم الله ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ وقد كان المشركون في الجاهلية يحرمون بعض الأنعام كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، فاحتج- عليهم بأن لكل من الضأن والمعز والإبل والبقر ذكرا وأنثى، فإن كان قد حرم منها الذكر وجب أن يكون كل ذكورها حراما، وإن كان حرم- جل شأنه- الأنثى وجب أن يكون كل إناثها حراما، وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، وجب تحريم الأولاد كلها.
والله- تعالى- ما حرم عليهم شيئا من هذه الأنواع، وإنهم لكاذبون في دعوى التحريم، وقد فصل الله ذلك أتم تفصيل، مبالغة في الرد عليهم، ثم زاد في الإنكار فقال: بل أكنتم حضورا؟ أو قد وصاكم الله بهذا؟ كلا ما حصل هذا ولا ذاك، وإنما أنتم تفترون على الله الكذب، وتقولون على الله ما لا تعلمون، وبعد أن نفى طريق العلم. وهو التلقي من الرسل، أو من الله، أثبت أنه لا أحد أظلم ممن ثبت أنه افترى على الله الكذب، فيضل الناس بغير علم.
أما جزاؤكم: فإن الله لا يهدى القوم الظالمين، ولا يوفقهم إلى الخير أصلا.
ما حرمه القرآن وما حرمته التوراة من المأكولات [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤٥ الى ١٤٧]
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)
стр. 669
المفردات:
مُحَرَّماً: محظورا أو ممنوعا. طاعِمٍ يَطْعَمُهُ: آكل يأكله.
مَسْفُوحاً: مصبوبا سائلا يجرى من المذبوح. رِجْسٌ قذر قبيح.
شُحُومَهُما: المراد الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش، وكذا الشحم الذي يكون على الكلية. الْحَوايا: مجتمع الأمعاء في البطن. بَأْسُهُ: عذابه.
المعنى:
قل يا محمد: لا أجد فيما أوحى إلى محرما إلا هذه الأشياء، لا ما تحرمونه أنتم بشهوتكم، ووسوسة الشياطين لكم، والآية مكية، وقد أشارت إلى المحرمات بالجملة، ثم فصلت المحرمات في آية المائدة رقم (٣) وحرم رسول الله ﷺ في المدينة «أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» على ما هو مفضل في كتاب الصيد والذبائح من كتب الفقه.
لا أجد في الذي أوحى إلى شيئا محرما على طاعم وآكل يأكله إلا هذه الأربعة، والمحرم في لسان الشرع: هو المحظور الممنوع، وفي اللغة عام يشمل المكروه، ولهذا اختلف العلماء فيما حرمه النبي ﷺ .
стр. 670
إنما حرم عليكم الميتة وهي ما ماتت حتف أنفها بغير ذبح شرعي، وذلك يشمل المخنوقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ونحوها، والدم المسفوح السائل يجرى من المذبوح، أما الجامد كالكبد والطحال فحلال،
وفي الحديث: «أحل لنا ميتتان:
السمك والجراد، ودمان: الكبد والطحال»
ولحم الخنزير وما يشبهه كالكلب فإن هذا كله رجس وقذارة، تعافها النفوس الطيبة وهو ضار بالبدن، وحرم كذلك ما أهل لغير الله به، وما ذبح على النصب والأزلام.
والمعنى:
إلا أن يكون ميتة ... أو فسقا أهل لغير الله به: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ... ومن أصابته ضرورة ملحة إلى أكل المحرم فهو حلال له بشرط ألا يكون باغيا له وقاصده لذاته، وبشرط ألا يكون معتديا ومتجاوزا حد الضرورة، فإن ربك غفور للذنوب رحيم بالعباد، فلا يؤاخذ شخصا يأكل ما يسد به مخمصته، أو يدفع ضرر هلاكه.
هذا ما حرم في شريعة محمد ﷺ بالإجمال، وما حرمه الله على اليهود خاصة كان تحريما مؤقتا، عقوبة لهم لا لذاته: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً [سورة النساء آية ١٦٠] .
وعلى الذين هادوا- خاصة- حرمنا عليهم كل ذي ظفر، أى: ما ليس منفرج الأصابع كالإبل والنعام والأوز والبط، كما ورد، وحرمنا عليهم من البقر والغنم دون غيرهما شحومها الزائدة التي تنتزع بسهولة، وهو ما على الكرش والكلى، أما الشحوم التي على الظهر وفي الذيل أو ما اختلط بعظم فحلال، بدليل قوله: إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما وإلا ما حملته الأمعاء، فتلخص أن المحرم عليهم من الشحوم هو شحم الكرش والكلى فقط.
وإنما حرم الله عليهم ذلك عقوبة لهم في قتلهم الأنبياء بغير حق، وصدهم عن سبيل الله، وأخذهم الربا، واستحلالهم أموال الناس بالباطل.
وفي ذكر هذا تكذيب لليهود في قولهم: إن الله لم يحرم علينا شيئا، وإنما حرمنا على أنفسنا ما حرمه إسرائيل على نفسه.