← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

المفردات: أَنْشَأَ: خلق وأوجد بالتدريج. جَنَّاتٍ: بساتين الكروم والأشجار الملتفة الأغصان. سميت كذلك لأنها تجن الأرض، أى: تسترها. مَعْرُوشاتٍ: محمولات على العرائش والدعائم التي توضع عليها كالسقف مثلا. حَمُولَةً: ما أطاق الحمل والعمل من الإبل والبقر وغيرها. وَفَرْشاً: ما يفرش للذبح من الضأن والمعز وصغار الإبل وغيرها، أو ما يتخذ صوفه للفرش. حَصادِهِ: قطافه. الضَّأْنِ: ذوات الصوف من الغنم. الْمَعْزِ: وهي ذوات الأشعار والأذناب القصار من الغنم. المناسبة: لما افترى الكفار على الله الكذب، وأحلوا وحرموا، وأشركوا معه غيره، دلهم على وحدانيته تعالى، ومظاهر قدرته، وأنه مصدر التشريع والتحريم لأنه هو الخالق وحده، المبدع لهذه الكائنات، وصاحب هذه النعم الجليلة. المعنى: وربكم القادر الرحيم بكم، الرحمن، هو الذي أنشأ تلك الجنان، وأبدع هذه البساتين، سواء منها المعروش القائم على العمد والسقف كبستان العنب، وغير المعروش كبقية الفواكه والأشجار، حتى العنب نفسه فيه المعروش وغير المعروش، وأنشأ النخل، وخص بالذكر لكثرته عند العرب، وشيوعه في بلادهم وانتفاعهم بكل ما فيه، حتى ضربوه مثلا للمؤمن ينتفع بكل أجزائه، وأنشأ الزرع الشامل لكل ما يزرع ويحرث مما هو أساس القوت وغيره كالقمح والشعير وغيرهما، وهذا النخل والزرع مع أنه يسقى بماء واحد، وفي تربة واحدة متشابهة في المنظر العام، إلا أنه يختلف في الأكل، فهذا الجيد، وذاك المتوسط أو الرديء، وهذا الحلو، وذلك المر ... إلخ. فسبحانك يا رب!! أنت القادر الحكيم. وأنشأ الزيتون والرمان متشابها في المنظر العام، وغير متشابه في الطعم والأكل.

стр. 667

يا سبحان الله!! هذه التغيرات خلقت بطبعها أم لا بد لها من مغير؟ وهل هو الله سبحانه أو غيره من الشركاء والأصنام؟ أليس هو الله الرحمن الرحيم؟ ولو شاء لخلقنا ولم ينعم علينا بغذاء جميل المنظر، لذيذ الطعم، سهل التناول. أليس هذا من مظاهر القدرة الكاملة والحكمة التامة والوحدانية الشاملة للذات والصفات والأفعال؟ فهذا الماء ذو الكثافة من رفعه في العود الأخضر إلى أعلى؟ حتى انتهى إلى ورق أخضر، ولون أزهر وجنى جديد، وطعم لذيذ، وشكل جميل، وهذا غذاء النحل يصير عسلا، وغذاء الظبى يصير مسكا، وغذاء الحيوان يصير روثا!! أين من يقولون خلق الكون بالطبع؟ أين من يكفرون بالرحمن؟! أين من يعصون الله في أرضه وتحت سمائه؟!! كلوا أيها الناس من ثمر هذا الزرع والجنات إذا أثمر، واشكروا نعمه عليكم، بأن تؤتوا حقه الذي فرض عليكم يوم حصاده وقطافه، قبل أن تشح به نفوسكم. ففيه حق معلوم للسائل والمحروم، وهذه هي الزكاة المطلقة التي وجبت في صدر الإسلام، ثم كانت الزكاة المقيدة المحددة الواجبة في الآيات المدنية، وها هي الأيام تثبت أن نظرية القرآن في وجوب الزكاة على الأغنياء كانت لمصلحة الأغنياء قبل الفقراء. ولا تسرفوا فالإسراف خطأ مطلقا ولو في الشيء الحلال، ولا تسرفوا في الأكل، ولا تسرفوا في التصدق، وقد قيل: لا سرف في الخير ولا خير في السرف، والرأى هو التوسط. وأنشأ من الأنعام كبارا تصلح للحمل والعمل، وصغارا كالفصلان والغنم والمعز مثلا، تفرش على الأرض للذبح، ويتخذ من شعرها ووبرها فرشا ولباسا. كلوا مما رزقكم الله، وانتفعوا بلحمها ولبنها ووبرها وشعرها، ولا تتبعوا خطوات الشيطان، فتحرموا ما أحل الله أو تحلوا ما حرم الله، فإن الشيطان عدوكم اللدود. إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ «١» وهذه الأنعام ثمانية أزواج، فهي إبل وبقر وغنم ومعز، وكل منها ذكر وأنثى، وقد أنشأ الله من الضأن

стр. 668

اثنين: الكبش والنعجة، ومن المعز اثنين: التيس والعنزة، ومن الإبل اثنتين: الجمل والناقة، ومن البقر اثنتين: الثور والبقرة، قل لهم أيها الرسول تبكيتا وتوبيخا: أحرّم الله الذكرين من الكبش والتيس؟ أم حرم الأنثيين من النعجة والعنزة؟ نبئونى بعلم إن كنتم صادقين!! أم الله حرم الذكرين من الجمل والثور؟ أم حرم الأنثيين من الناقة والبقرة؟!! أم حرم الله ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ وقد كان المشركون في الجاهلية يحرمون بعض الأنعام كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، فاحتج- عليهم بأن لكل من الضأن والمعز والإبل والبقر ذكرا وأنثى، فإن كان قد حرم منها الذكر وجب أن يكون كل ذكورها حراما، وإن كان حرم- جل شأنه- الأنثى وجب أن يكون كل إناثها حراما، وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، وجب تحريم الأولاد كلها. والله- تعالى- ما حرم عليهم شيئا من هذه الأنواع، وإنهم لكاذبون في دعوى التحريم، وقد فصل الله ذلك أتم تفصيل، مبالغة في الرد عليهم، ثم زاد في الإنكار فقال: بل أكنتم حضورا؟ أو قد وصاكم الله بهذا؟ كلا ما حصل هذا ولا ذاك، وإنما أنتم تفترون على الله الكذب، وتقولون على الله ما لا تعلمون، وبعد أن نفى طريق العلم. وهو التلقي من الرسل، أو من الله، أثبت أنه لا أحد أظلم ممن ثبت أنه افترى على الله الكذب، فيضل الناس بغير علم. أما جزاؤكم: فإن الله لا يهدى القوم الظالمين، ولا يوفقهم إلى الخير أصلا. ما حرمه القرآن وما حرمته التوراة من المأكولات [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤٥ الى ١٤٧] قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)

стр. 669

المفردات: مُحَرَّماً: محظورا أو ممنوعا. طاعِمٍ يَطْعَمُهُ: آكل يأكله. مَسْفُوحاً: مصبوبا سائلا يجرى من المذبوح. رِجْسٌ قذر قبيح. شُحُومَهُما: المراد الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش، وكذا الشحم الذي يكون على الكلية. الْحَوايا: مجتمع الأمعاء في البطن. بَأْسُهُ: عذابه. المعنى: قل يا محمد: لا أجد فيما أوحى إلى محرما إلا هذه الأشياء، لا ما تحرمونه أنتم بشهوتكم، ووسوسة الشياطين لكم، والآية مكية، وقد أشارت إلى المحرمات بالجملة، ثم فصلت المحرمات في آية المائدة رقم (٣) وحرم رسول الله ﷺ في المدينة «أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير» على ما هو مفضل في كتاب الصيد والذبائح من كتب الفقه. لا أجد في الذي أوحى إلى شيئا محرما على طاعم وآكل يأكله إلا هذه الأربعة، والمحرم في لسان الشرع: هو المحظور الممنوع، وفي اللغة عام يشمل المكروه، ولهذا اختلف العلماء فيما حرمه النبي ﷺ .

стр. 670

إنما حرم عليكم الميتة وهي ما ماتت حتف أنفها بغير ذبح شرعي، وذلك يشمل المخنوقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ونحوها، والدم المسفوح السائل يجرى من المذبوح، أما الجامد كالكبد والطحال فحلال، وفي الحديث: «أحل لنا ميتتان: السمك والجراد، ودمان: الكبد والطحال» ولحم الخنزير وما يشبهه كالكلب فإن هذا كله رجس وقذارة، تعافها النفوس الطيبة وهو ضار بالبدن، وحرم كذلك ما أهل لغير الله به، وما ذبح على النصب والأزلام. والمعنى: إلا أن يكون ميتة ... أو فسقا أهل لغير الله به: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ... ومن أصابته ضرورة ملحة إلى أكل المحرم فهو حلال له بشرط ألا يكون باغيا له وقاصده لذاته، وبشرط ألا يكون معتديا ومتجاوزا حد الضرورة، فإن ربك غفور للذنوب رحيم بالعباد، فلا يؤاخذ شخصا يأكل ما يسد به مخمصته، أو يدفع ضرر هلاكه. هذا ما حرم في شريعة محمد ﷺ بالإجمال، وما حرمه الله على اليهود خاصة كان تحريما مؤقتا، عقوبة لهم لا لذاته: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً [سورة النساء آية ١٦٠] . وعلى الذين هادوا- خاصة- حرمنا عليهم كل ذي ظفر، أى: ما ليس منفرج الأصابع كالإبل والنعام والأوز والبط، كما ورد، وحرمنا عليهم من البقر والغنم دون غيرهما شحومها الزائدة التي تنتزع بسهولة، وهو ما على الكرش والكلى، أما الشحوم التي على الظهر وفي الذيل أو ما اختلط بعظم فحلال، بدليل قوله: إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما وإلا ما حملته الأمعاء، فتلخص أن المحرم عليهم من الشحوم هو شحم الكرش والكلى فقط. وإنما حرم الله عليهم ذلك عقوبة لهم في قتلهم الأنبياء بغير حق، وصدهم عن سبيل الله، وأخذهم الربا، واستحلالهم أموال الناس بالباطل. وفي ذكر هذا تكذيب لليهود في قولهم: إن الله لم يحرم علينا شيئا، وإنما حرمنا على أنفسنا ما حرمه إسرائيل على نفسه.

стр. 671

ولما كان هذا إخبارا عن شيء جرى قديما لم يكن للنبي ﷺ ولا لأحد من قومه علم به قال: وَإِنَّا لَصادِقُونَ ومن أصدق من الله حديثا؟ فإن كذبوك بعد هذا، وقالوا: إن الله رحيم واسع الرحمة، كريم، فكيف يحرم ما أحله؟ قل لهم: نعم ربكم ذو رحمة واسعة، ولكن من عصى وبغى لا بد من عقابه، فإنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين في حق أنفسهم وحق الله. شبهة واهية [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٤٨ الى ١٥٠] سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠) المفردات: تَخْرُصُونَ الخرص: الحزر والتخمين، والمراد: تكذبون. الْحُجَّةُ: الدلالة المبينة للدين الحق. هَلُمَّ أى: أحضروا. يَعْدِلُونَ: يتخذون له عدلا مساويا.

стр. 672

المعنى: بعد أن ألزمهم بالحجة، أخبر الله عنهم أنهم سيتمسكون بحجة أوهى من بيت العنكبوت، فقال: سيقولون ... ولما قالوا بالفعل حكى عنهم في آية أخرى: وقالوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا. لو شاء الله ألا نشرك نحن ولا آباؤنا من قبل وألا نحرم شيئا من البحيرة والسائبة والحام، لما أشركنا ولما أشرك آباؤنا من قبل، ولما حرموا شيئا، ولكن شاء أن نشرك به غيره من الأولياء والشفعاء ليقربونا إلى الله زلفى، بدليل وقوعه بالفعل، وكذلك تحريمنا بعض الأنعام والحرث، والله عالم بكل ما يحصل، قادر على تغييره بما يشاء وإتياننا إياها دليل على مشيئته تعالى، وعلى رضاه وأمره بها: وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.. [سورة النحل آية ٣٥] . مثل ذلك التكذيب الذي صدر من المشركين العرب للنبي ﷺ فيما جاء به من الوحدانية لله، وقصر التشريع عليه- كذب الذين من قبلهم رسلهم تكذيبا غير مبنى على حجة من العلم والعقل، إذ لو كانت مشيئة الله- تعالى- معناها رضاه عن عملهم، لما عاقبهم على أعمالهم حتى ذاقوا بأسه، وقال فيهم: أخذناهم بذنوبهم. قل: هل عندكم من علم وحجة تحتجون بها وتعتمدون عليها، فتخرجوها لنا حتى تقرع الحجة بالحجة، وحتى يعرف الراجح بدليله وحجته من غيره الذي لم يعتمد على حجة وبرهان؟ الواقع أنكم ما تتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، فلا يقين معكم ولا حجة عندكم، إن أنتم إلا تخرصون وتكذبون، قل لهم يا محمد: فلله الحجة البالغة، بما بيّن من الآيات، وأيد الرسل بالمعجزات، وألزم أمره كل مكلف، فأما إرادته وعلمه وكلامه فغيب لم يطلع عليه أحد. ألم تر أن العبد لو أراد أن يفعل الخير لفعل، ولا مانع يمنعه، مع العلم بأن هناك لافتات بالخط الواضح العريض كتب عليها: «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر

стр. 673

أقصر» كان، وللخير ثواب عظيم وللشر عقاب وعذاب أليم يوم القيامة، ذلك هو أساس التكليف ومناط الثواب والعقاب. ولقد ذم الله هؤلاء المشركين لتعنتهم بالباطل، والحجج الواهية، لأنهم قالوا هذا عن هزؤ وسخرية، ولم يجتهدوا وينظروا نظر عقل وتدبر، ولو شاء الله لهداكم، وجعلكم من عباده المتقين، ولكن أراد أن يخلقكم ويترككم واختياركم فلا سلطان ولا قهر فيما كلفكم به، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، قل لهم: أحضروا شهداءكم الذين يشهدون لكم أن الله حرم هذا وإن شهدوا على سبيل الفرض فلا تشهد معهم، فهم الكاذبون ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا، والذين لا يؤمنون بالآخرة وأحوالها، وما فيها من حساب أمام الله- سبحانه- وهم بربهم يعدلون.. أصول المحرمات والفضائل في الإسلام [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥١ الى ١٥٣] قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)

стр. 674

المفردات: تَعالَوْا: أقبلوا، والأصل أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه، ثم كثر واتسع فيه حتى عم. أَتْلُ: أقرأ. إِمْلاقٍ: فقر. الْفَواحِشَ: ما عظم جرمه وذنبه، كالكبائر أو الخطيئة التي بلغت الغاية في الفحش. أَشُدَّهُ : كمال رجولته، وتمام حنكته ومعرفته. المعنى: لما بيّن الله- فساد رأى المشركين فيما أحلوا وحرموا، وبين المحرمات شرعا- بالإجمال- في الطعام، أخذ في هذه الآية يبين أصول الفضائل، وأنواع البر، وأصول المحرمات والكبائر، ليعلم الناس أسس هذا الدين؟ وكيف دعا إلى الخير والبر، من أربعة عشر قرنا؟ في وقت سادت فيه الجاهلية الجهلاء، والضلالة العمياء!! أليست هذه الآيات من دلائل الإعجاز وعلامات صدق النبي ﷺ ؟ قل لهم: أقبلوا علىّ واحضروا، أقرأ عليكم الذي حرمه ربكم لتجتنبوه وتتمسكوا بضده، أقبلوا على أيها القوم. لتروا ما حرّم عليكم من ربكم، الذي له وحده حق التشريع والتحليل والتحريم، وأنا رسوله ومبلغ عنه فقط، تقدموا واقرءوا حقا يقينا لا شك فيه، كما أوحى إلىّ ربي، لا ظنّا ولا كذبا- كما زعمتم- وها هي ذي الوصايا العشر: خمس بصيغة النهى، وخمس بصيغة الأمر. ١- الإيمان بالله وعدم الإشراك به أساس الإسلام ولبه، ودعامته وروحه، ولذا بدأ به: ألا تشركوا بالله شيئا من مخلوقاته، وإن عظم في الخلق والشكل كالشمس والقمر، أو في المكانة كالملائكة والنبيين، فالكل- مهما كان- مخلوق مسخر له تعالى:

стр. 675

إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً «١» فيجب عليكم أن تخصوه وحده بالعبادة والتعظيم الحقيقي، والتقديس والدعاء والإجلال: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [سورة الإسراء آية ٤٤] . ٢- وبالوالدين إحسانا: أى أحسنوا إلى الوالدين إحسانا كاملا، بإخلاص لله سبحانه، فما بالكم بالإساءة مهما قلت؟! وأما العقوق فكبيرة من الكبائر، والقرآن الكريم قرن الأمر بعبادة الله بالإحسان للوالدين، وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً «٢» . أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ «٣» ولقد روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله ﷺ أى العمل أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها» . قلت: ثم أى؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أى؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» . وهذا دليل على عظم العناية بحقوقهما وعلى أن مكانتهما تستحق ذلك، فهما قد خلقا الجسم في الظاهر، والله سبحانه هو الخالق حقيقة وفي الواقع ... والمراد بالإحسان إليهما معاملتهما معاملة كريمة، معاملة مبنية على العطف والمحبة، لا الخوف والرهبة، فبرهما سلف لك ودين، فقد ورد في الحديث «بروا آباءكم تبركم أبناؤكم» . وأنت في شبابك قد لا تحتاج إلى الغير. ولكن في كبرك محتاج إلى من يعينك، ويقوم بأمورك، ومحبة الوالد لولده غريزة من الغرائز، فلم يوص عليها الشرع، ومحبة الولد لوالديه جزاء ومكافأة لهما، ولذا نبه القرآن عليهما وشدد، على أن عقوق الوالدين يفسد الأبناء وتكوينهم وينشئهم على الغلظة وعدم الشفقة، وعلى الوالدين حسن الرعاية والعناية والعطف عليهم، وعدم التحكم في المسائل الشخصية الخاصة إلا بقدر محدود. ٣- ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم: أليس وأد البنات، وقتل الذكور سبة وعارا؟ أليس دليلا على الجاهلية والقسوة بل ومنتهى الغلظة؟ التي تخالف غرائز الإنسان وطبائعه؟ ولم تقتلون؟ ألفقر حاصل؟ أم لفقر متوقع؟ أم لعار سيلحق؟ فالله يرزقكم وإياهم، فلا تخافوا الفقر الحاصل والله يرزقهم وإياكم، فلا تخشوا الفقر المتوقع، وأما العار خوف الفضيحة، فيرجع إلى البيئة وحسن التنشئة. ٤- ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن: نعم لا تأتوا الفواحش وما عظم جرمه وإثمه، بل ولا تأخذوا بأسبابه، ولا تقربوا من مقدماته، ومن هنا كان النظر إلى

стр. 676

الأجنبية والاختلاط بها حراما، لأنه مقدمة للزنا والباب إليه، ونحن منهيون عن القرب من الفواحش- كالزنا وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات- سواء ما ظهر منها، وما بطن، وكانوا في الجاهلية لا يرون بأسا في الزنا سرا، أما في العلانية فكانوا يعدونه قبيحا، فحرم الله النوعين، وقد ورد عن رسول الله ﷺ : «لا أحد أغير من الله، حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» . ٥- ولا تقتلوا النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، فالقتل جريمة كبرى، واعتداء شنيع على صنع الخالق الذي أتقن كل شيء خلقه، ومن هنا كان من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله- وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» ، وفي الحديث: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بثلاثة أمور: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق» فكل نفس مسلمة قتلها حرام إلا إن ارتكبت إحدى ثلاث، الزنا مع الإحصان، والقتل عمدا، والردة عن الإسلام، وأما الكافر والمعاهد المقيم بيننا فله حرمة، فلا يقتل ما دام لم تكن منه إساءة للدين من قرب أو بعد، أو إساءة للوطن كذلك، ذلكم وصاكم به الله، وأرشدكم، لتعقلوا الخير والمنفعة في فعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، إذ هو مما تدركه العقول، وفي هذا تعريض بأن ما هم عليه لا يعقل له معنى، ولا تظهر له فائدة عند ذوى العقول الراجحة. ٦- ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، ولا تأكلوا من ماله إذا تعاملتم معه إلا على الصورة التي هي أحسن في حفظ ماله وتثميره، والإنفاق منه على تربيته وتعليمه، وما به يصلح معاشه، والنهى عن القرب عن الشيء أبلغ من النهى عن الشيء نفسه، لا تقربوه حتى يبلغ أشده. أى: حتى يبلغ مبلغ الرجال. ويصير ذا حنكة وتجربة تمكنه من إدارة ماله. على وجه حسن. ويكون ذلك عادة بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة. فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [سورة النساء آية ٦] . ٧، ٨- وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، نعم أوفوا الكيل إذا كلتم، أى: إذا بعتم أو اشتريتم، وكذلك زنوا بالقسطاس المستقيم في البيع والشراء، فالتطفيف في الكيل والزيادة في الوزن والنقص فيهما كل ذلك من الكبائر، لما يترتب عليه من هضم

стр. 677

للحقوق وضياع للأموال، واعتداء على الغير بوجه غير مشروع: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ. لا نكلف نفسا إلا وسعها وجهدها وطاقتها، فهذه الوصايا كلها في مقدور المؤمن العادي، وأما خصوص الكيل والميزان، فالمأمور به ما يدخل تحت وسعه وإمكانه، وما عداه فمعفو عنه. ٩- وإذا قلتم فاعدلوا، ولو كان ذا قربى، أى: فاعدلوا في القول ولا تتجاوزوا فيه الحد المقبول شرعا، ولو كان الذي تقولون فيه من ذوى القربى. إذ بالعدل تبنى أسس الدولة، وتصلح شئون الأمم والأفراد. فهو ركن العمران، وأساس النجاح: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [سورة المائدة آية ٨] . ١٠- وبعهد الله أوفوا: أى وأوفوا بعهد الله إذا تعاهدتم، سواء أكان عهدا بين الله والناس على ألسنة الرسل في الكتب المنزلة، أو بين الناس وبعضهم: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا. أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ذلكم وصاكم الله بهذا لعلكم تذكرون وتتعظون، أى: رجاء أن يذكره بعضكم لبعض في التعليم والتواصي الذي أمر الله به. وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، نعم هذا هو القرآن الذي أدعوكم إليه. صراط الله المستقيم، الذي لا عوج فيه، بل فيه سعادة الدنيا والآخرة وهو حبل الله المتين، من تمسك به نجا، ومن اعتصم به هدى، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ولا تتبعوا السبل فتضلوا عن طريق الحق والخير: «ولقد خط رسول الله ﷺ خطا بيده ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما، ثم خط خطوطا أخرى عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: وهذه السبل، ليس فيها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ. نعم الحق واحد، والنور واحد، والإله واحد، والباطل متعدد الألوان والأشكال، والظلمات كثيرة الأنواع: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ. قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ولا تتبعوا

стр. 678

الطرق المختلفة في الدين أو غيره فتفرقكم أيدى سبأ، وتصبحوا نهبا للخلافات والأحزاب، التي تمزقكم شر ممزق: ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ تتقون الله وتخشونه في كل أوامره وفعلها، ونبذ النواهي وتركها، ولقد كرر التوجيه على سبيل التوكيد، ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع لنواحى الدين في تكاليفه، ختم ذلك بالتقوى التي هي السبيل الأقوى، واتخاذ الوقاية من النار، إذ من اتبع صراطه المستقيم نجا النجاة الأبدية وحصل على السعادة السرمدية. روى عن ابن مسعود- رضى الله عنه- أنه قال: من سره أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه، فليقرأ هؤلاء الآيات: قُلْ تَعالَوْا.. إلى قوله تعالى: تَتَّقُونَ وروى عن الربيع بن خيثم: «أيسرك أن تلقى صحيفة من محمد ﷺ بخاتمه؟ قلت: نعم. فقرأ هذه الآيات من آخر سورة الأنعام: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ.. إلى قوله: تَتَّقُونَ. القرآن مع من يؤمن به ويكفر [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥٤ الى ١٥٧] ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)

стр. 679

المفردات: طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا: هم اليهود والنصارى. دِراسَتِهِمْ: قراءتهم وعملهم. بَيِّنَةٌ البينة والبيان: ما به يظهر الحق. وَصَدَفَ عَنْها: ومنع الناس عنها. المعنى: لقد تكلم القرآن الكريم على أسس الدين وأصوله، ووصاياه، ثم قفّى ذلك بالحديث عن القرآن وأثره، ورد بعض شبه المعاندين، وافتتح ذلك بالكلام على التوراة، فهي أشبه بالقرآن من الإنجيل والزبور، لاشتمالها على الأحكام كثيرا. قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ وهو: كذا وكذا، إلى آخر الوصايا العشر السابقة، ثم أخبركم بأنا آتينا موسى الكتاب من قبل تماما للنعمة والكرامة والخير والهداية على المؤمن المحسن. نعم كان تماما على من أحسن، ويؤيد هذا المعنى قراءة من قرأ: (تماما على الذين أحسنوا) ، أى: في اتباعه والنظر فيه، والاهتداء بهديه وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء، من أحكام الشريعة: عبادتها ومعاملتها، وهدى لمن اهتدى به، ورحمة لمن تمسك به، ليجعل قومه محل رجاء للإيمان بالله، والفوز في دار الكرامة ودار السلام. أرأيت إلى القرآن وهو يصف التوراة بهذا؟ وهذا القرآن الذي تليت عليكم آياته البينات بأسلوبه العربي المعجز، هو الكتاب لا ريب فيه وأنزلناه كثير البركات عظيم الشأن، كثير الخير، في الدين والدنيا، قد جاء بأكثر مما جاءت به التوراة، فاتبعوا ما هداكم إليه واجتنبوا ما نهاكم عنه، فهو حبل الله المتين، ونوره اليقين، جمع طريق الفلاح في الدنيا والآخرة، فاعملوا به لعلكم ترحمون في حياتكم ومماتكم. أنزلنا إليكم هذا الكتاب المرشد إلى توحيد الله، والهادي إلى سبيله، والموصل إلى تزكية النفوس وتطهيرها من أدران الشرك والفسوق والعصيان، لئلا تقولوا أيها العرب

стр. 680

يوم الحساب: إنما أنزل الكتاب على اليهود والنصارى من قبلنا، وإن كنا عن دراستهم وقراءة كتبهم وتفهمها لغافلين، لا ندري ما هي؟ لأنها بلسان غير عربي. ولأنا مشغولون. بغيرها ولم ندع إليها. ولئلا تقولوا كذلك: لو أنا أنزل علينا الكتاب الهادي إلى سواء السبيل لكنا أهدى منهم، وأحسن حالا لصفاء نفوسنا، وقوة عزائمنا، وذكاء عقولنا وإرهاف إحساسنا وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فرد الله عليهم بقوله تبكيتا لهم وتأنيبا: إن صدقتم فيما تقولون، فقد جاءكم كتاب بيّن الحق واضح الحجج، قوى البرهان، تام الأصول والفروع والأحكام، فهو البينة الفاصلة، والحجة الكاملة، وهو هاد لمن تدبره واتعظ به، ورحمة عامة للناس، لما فيه من الدعوة إلى المثل العليا زيادة عن الدعوة إلى الدين الحق، وإذا كان الأمر كذلك، فمن أظلم ممن كذّب بآيات الله؟. نعم لا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله! التي على هذا الوصف ومنع الناس عنها، وعن النظر فيها والإيمان بها وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ سنجزى الذين يمنعون الناس عن الإيمان بآياتنا العذاب السيئ الشديد، إذ هم يحملون أوزارهم وأوزارا مع أوزارهم: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ. تهديد وإنذار [سورة الأنعام (٦) : آية ١٥٨] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨) المفردات: يَنْظُرُونَ: ينتظرون.

стр. 681

المعنى: بعد ما وصف الله القرآن وأثره، وأنذر من يكذبه بصارم العقاب، أتبع هذا بحقيقة المشركين وما ينتظرون، هل ينتظر هؤلاء إلا أن تأتيهم الملائكة كما اقترحوا؟ أو يأتى ربك كما طلبوا وقالوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا، أو تأتيهم بعض آيات ربك التي اقترحوها بكفرهم كقولهم: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا.. ونحو ذلك، فهم في الحقيقة لا ينتظرون إلا مجيء الملائكة، أو مجيء ربك، أو مجيء بعض آيات ربك، فهم متمادون في التكذيب، ولا أمل فيهم أبدا، ولا خير فيهم أصلا، وقيل: هم لا ينتظرون إلا ملائكة الموت أو أمر الله، أى: وعده ووعيده. لْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [سورة النحل آية ٢٣] يوم يأتى بعض آيات ربك: الآيات الدالة على قرب قيام الساعة، أو بعض الآيات الموجبة للإيمان الاضطراري، لا ينفع هذا الإيمان نفسا لم تكن آمنت من قبل، فإن الإيمان تكليف وعمل واختيار، وليس في هذا الوقت واحد منها، ولا ينفع هذا الإيمان نفسا آمنت من قبل، ولم تعمل عملا صالحا. إذ ليس الإيمان وحده كافيا في سقوط العذاب عن الشخص، بل لا بد من إيمان وعمل، ولذلك كان القرآن دائما يقرن الإيمان بالعمل: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ. وقد ورد في الحديث أن بعض الآيات هي طلوع الشمس من المغرب ، واضطراب هذا الكون ... أخرج أحمد، والترمذي عن أبى هريرة: «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض» . قل لهم يا محمد: انتظروا ما تتوقعون من إماتة الدعوة، وقتل الرسول، وهلاك الدين، إنا منتظرون أمر ربنا ووعده الصادق لنا، ووعيده المتحقق لأعدائنا فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ. اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ. وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ.

стр. 682

وهذا تهديد ووعيد شديد، إذ هم ينتظرون أمرا قد قضى الله فيه، إذ أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. عاقبة الاختلاف والجزاء على العمل [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٥٩ الى ١٦٠] إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠) روى أبو داود والترمذي عن معاوية قال ما معناه: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة (ملة) وستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار، وفرقة واحدة في الجنة، وهي الجماعة» . وعلى هذا تكون الآية الكريمة شاملة لأهل الكتاب، ولغيرهم من فرق المسلمين، وهي مسوقة للتحذير من الاختلاف واتباع الآراء والبدع والمتشابهات، فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم، واختلافهم على شرع أنبيائهم وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ [سورة آل عمران آية ١٠٥] وقد ورد: اللهم إيمانا كإيمان العوام، إيمان بعيد عن الشبه والخلافات الضارة. إن الذين فرقوا دينهم واختلفوا فيه، وأقروا ببعض وكفروا ببعض، وأوّلوا نصوصه على حسب أهوائهم ونزعاتهم، وكانوا شيعا كل شيعة تدين برأى إمامهم، وتتعصب له، لست أنت يا رسول الله من قتالهم وسؤالهم وعقابهم في شيء، وإنما عليك تبليغ الرسالة، وإظهار شعائر الدين الحق الذي أمرت بالدعوة إليه، أنت يا محمد برىء منهم وهم منك براء، إنما أمرهم وحسابهم على الله وحده، ثم ينبئهم في الآخرة ويجازيهم أحسن الجزاء بما كانوا يفعلون.

стр. 683

روى البخاري ومسلم عن ابن عباس- رضى الله عنه- عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه قال: «إن الله تعالى كتب الحسنات والسيئات فمن همّ بحسنة ولم يفعلها كتبت له عند الله حسنة كاملة، فإن هو همّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة» . من جاء يوم القيامة بالخصلة الحسنة، والفعلة الطيبة، جازاه الله عليها عشر حسنات والمضاعفة بعد ذلك إلى سبعمائة أو ما شاء بعد ذلك من زيادة فالله أعلم بها، تختلف على حسب مشيئته تعالى وعلمه بأحوال المحسنين، إذ من يبذل درهما ونفسه غير راضية لا يكون كمن ينفقه طيبة به نفسه، مسرورة بعملها. ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها فقط، وهم لا يظلمون، أى: لا ينقصون من أعمالهم شيئا: وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [الأنبياء ٤٧] . التوحيد والإخلاص في العقيدة [سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٦١ الى ١٦٤] قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)

стр. 684

المفردات: دِيناً قِيَماً: يقوم به أمر الناس ونظامهم في الدنيا والآخرة، أو قائما مستقيما لا عوج فيه. حَنِيفاً: مائلا عن الضلالة إلى الاستقامة، والمراد: مائلا عن الأديان الباطلة إلى دين الإسلام. وَنُسُكِي: عبادتي من حج وغيره. وَمَحْيايَ وَمَماتِي المراد: ما آتيه في حياتي وموتى. وازِرَةٌ الوزر: الحمل الثقيل، والمراد النفس الآثمة المذنبة. المعنى: هذا ختام سورة جامعة لأصول التوحيد، شارحة للعقيدة الإسلامية وبخاصة أحوال البعث والجزاء، وإثبات الرسالة وما يتبع ذلك، ولهذا كان ختامها خلاصة لما تقدم. قل يا محمد: إننى هداني ربي، ووفقني إلى صراط مستقيم لا عوج فيه، هو الدين القيم الموصل إلى سعادة الدارين، الذي يقوم به أمر الناس في معاشهم ومعادهم، وبه يصلحون، هذا الدين هو ملة أبيكم إبراهيم الخليل، فالتزموه حال كونه حنيفا مائلا عن جميع وسائل الشرك والباطل إلى الدين الحق الذي من دعائه في كل صلاة: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، وما كان إبراهيم من المشركين أبدا، فأما من يتخذ الأصنام آلهة ويعتقد أن الملائكة بنات الله، أو عزير أو المسيح ابن الله، فهؤلاء هم المشركون، وليسوا على ملة إبراهيم: وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا «١» هذا الدين هو دين الإخلاص والعمل لله، هو الذي ارتضاه لأنبيائه ورسله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ «٢» . وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ «٣» هذا هو التوحيد الخالص في العقيدة. قل لهم يا محمد: إن صلاتي ودعائي، ونسكي وعبادتي وما آتيه في حياتي كلها! بل وحياتي وموتى، كل ذلك خالص لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين المنقادين إلى امتثال أمر الله.

стр. 685

والآية الشريفة جامعة لكل أعمال المسلم، فيجب عليه أن يوطد العزم، ويعقد النية على صلاته وعبادته، وحياته وما يأتيه فيها، وموته وما يلاقي فيه، كل ذلك لله لا لشيء آخر، فإن عاش فلله، له الحكم، وله الأمر. ولست أبالى حين أقتل مسلما ... على أى جنب كان في الله مصرعي فالمسلم لا يحرص على الحياة، ولا يرهب الموت، بل يكون الموت في سبيل الله أسمى أمانيه، لا يقعد عن الجهاد، ولا يتوانى عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وهكذا كان جند الرحمن، الصحابة- رضوان الله عليهم- قل لهم يا محمد: أغير الله أبغى رباّ؟ وأشركه في العبادة وأتوجه إليه في الدعاء، والله سبحانه رب كل شيء، وخالق كل شيء. فالقرآن صريح جدّا في أن كل قربى أو عبادة أو دعاء لا يكون إلا لله وحده، وهذا هو الدين الخالص. ولا تكسب كل نفس إثما أو ذنبا إلا كان عليها جزاؤه ووزره، ولا تزر نفس وزر غيرها أبدا، بل كل نفس بما كسبت رهينة لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، فهذا هو الدين. دين العمل والجد لا دين الأمانى والغرور الكاذب. وهذه الوصية من أعظم دعائم الإصلاح للمجتمع البشرى، ومن أعلى مزايا الدين الإسلامى، ومن أقوى معاول الهدم للوثنية في أى صورة من صورها. ثم إلى ربكم مرجعكم لا إلى غيره، ثم هو وحده ينبئكم ويجازيكم على أعمالكم التي كنتم فيها تختلفون. سنة الله في الخلق [سورة الأنعام (٦) : آية ١٦٥] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)

стр. 686

المعنى: هذا هو الدواء ليس غير، وهذا هو العلاج فحسب، به تهدأ النفوس وتطمئن القلوب. فنحن خلائف من تقدمنا، فليس لنا بقاء، وكما وصلت إليها ستخرج منها، ونحن خلائف فلا ملك لنا ولا تصريف في الواقع: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ «١» إذا كان هذا فلم هذا التناحر، والتهالك، والتباغض، والتكالب؟ ولماذا تبخلون بما جعلكم مستخلفين فيه؟ والله- سبحانه- رفع بعضكم فوق بعض درجات في العلم، والعمل، والغنى والفقر، ليبلوكم جميعا، كل بما عنده، فيختبر الغنى. هل يؤدى زكاة ماله؟ هل يتصدق بالفضل من ماله؟ هل يعطف على الفقير والمحتاج والمسكين أم هو نهم جشع، صلد، صلب كالحجر؟ نعم ويبلو الفقير هل يصبر ويرضى أم يشكو ويكفر؟ وإذا كان الله- سبحانه- قد رفع بعضنا فوق بعض، فما علينا إلا العمل والجد والصبر والرضا بقضاء الله وقدره، واعتقاد أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ «٢» . وعلى الجملة فهذا علاج نفسي لسل السخائم والتحاسد، والعلاج الاقتصادى معروف تشير إليه الآية أيضا وهو الاشتراكية الإسلامية الممثلة في الزكاة المطلقة والمقيدة والنظم المالية المعروفة في الفقه الإسلامى فقط والذي يوحى به مجتمعنا الإسلامى العربي. إن ربك سريع العقاب، شديد العذاب، لا يهمل وإن أمهل، يمكّن للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. يخلق في الضعيف المسكين قوة يحار لها الملك الجبار، فاعتبروا بما مر بنا في هذه الأيام: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ «٣» . وإنه لغفور لكل تائب رحيم بكل محسن.

стр. 687

سورة الأعراف عدد آياتها خمس ومائتان، وهي مكية، قال القرطبي: كلها مكية إلا ثمان آيات وهو قوله تعالى: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ إلى قوله: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ. نزلت بعد سورة (ص) وهي كالأنعام بينت أصول العقائد وأسس الدين، وفيها قصص الرسل. وأحوال قومهم بالتفصيل، مع بعض الآيات والحكم القرآنية. القرآن وعاقبة المكذبين في الدنيا والآخرة [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المص (١) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (٤) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٥) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (٩)

стр. 688

المفردات: المص: هذه حروف تكتب كأنها كلمة، وعند القراءة تقرأ هكذا: ألف. لام. ميم. صاد، وهي كغيرها مما افتتح به، كسورة البقرة وآل عمران. حَرَجٌ: ضيق وألم. وَذِكْرى: تذكر نافع وموعظة حسنة. كم: كلمة وضعت للتكثير. قَرْيَةٍ: هي مكان اجتماع الناس، وقيل تطلق على الناس أنفسهم. بَياتاً: ليلا، والمراد الإغارة على العدو ليلا، والإيقاع به على غرة. بَأْسُنا: عذابنا وهلاكنا. قائِلُونَ: من القيلولة، وهي: استراحة وسط النهار، والمراد: نائمون في الظهيرة. دَعْواهُمْ: دعاؤهم وقولهم. فَلَنَقُصَّنَّ القص: تتبع الأثر بالعمل أو القول. المعنى: هكذا يبدأ الله- السور التي فيها إثبات الوحدانية والبعث، والنبوة والوحى، بهذا البدء العجيب لمعنى، الله أعلم به، وهو سر بين الله ورسوله أشبه شيء بالشفرة في العصر الحديث. هذا كتاب عظيم الشأن، جليل الخطر، أنزل إليك يا محمد من عند ربك، فيه ما فيه من الخير والهداية، لتبشر به وتنذر، ولكن ستلقى إيذاء وشدة، ومقاومة وطعنا، وإعراضا وصدّا، وتلك أمور يضيق لها الصدر، وتحتاج إلى أعلى نوع في الصبر، وإذا كان الأمر كذلك فلا يكن في صدرك حرج من الإنذار به ومن تبليغه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ وعليك بالصبر والمثابرة: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ والمراد بهذا النهى الاجتهاد: في مقاومة الشدائد، والتسلي عنها بوعد الله، والتأسى بالرسل أولى العزم السابقين. كتاب أنزل إليك لتنذر به الناس أجمعين، وتذكر به القوم الذين قدر لهم أن يكونوا مؤمنين، تذكرهم ذكرى نافعة مؤثرة. قل لهم يا أيها الرسول: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم وخالقكم، ومتولى شئونكم بالعناية والرعاية، فإنه لا ينزل عليكم إلا الخير والسداد، والهدى والرشاد، ولا تتبعوا

стр. 689

من دون الله أولياء من أنفسكم وشياطينكم، الذين يوسوسون لكم بكل ضرر وخطر وضلال في العقيدة، وبدع في الدين، ويوهمونكم أن الأصنام شفعاء لله وشركاء، وما هي إلا أحجار لا تضر ولا تنفع، إنكم قليلا ما تتذكرون الواجب عليكم نحو الله . كثير من القرى التي أرسلنا إليها رسلنا مبشرين ومنذرين، فعصوا رسلهم وخالفوا أمرهم، أردنا إهلاكهم، فجاءهم بأسنا وهلاكنا وهم في الليل آمنون، أو هم قائلون في القيلولة، أتاهم العذاب على غرة منهم، وهم آمنون مكر الله، ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. فما كان دعاؤهم وقولهم حين جاءهم البأس والهلاك، إلا إقرارهم بالذنب وقولهم: إنا كنا ظالمين، ولكن هل ينفع الندم يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [سورة غافر آية ٥٢] . وفي هذه الآية عبرة وعظة لمن يعتبر. عقاب الأفراد المذنبين قد يؤجله الله إلى أجل مسمى عنده، بمعنى أنه يمهل ولا يهمل حتى يكون انتقامه مرة واحدة، هذا إذا تمادى الشخص وأمعن في السوء والعصيان، وبالغ في الفسوق والخروج عن حدود الدين، والشخص قلما يعتبر بالحوادث وبما يصيبه من مصائب فيرعوى عن غيه ويدرك حقيقة نفسه، ويتوب إلى ربه. وأما الأمم التي تفسد فعقابها سريع، وجزاؤها قريب ورادع، ولنا في عرش الملك السابق عبرة وعظة!! ولنا في العروش التي تلت والأمم التي أبيدت وأذلت أكبر شاهد ودليل. إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد ١١] . وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً [الإسراء ١٦] . فاعتبروا يا أولى الأبصار، فإنما يتذكر أولوا الألباب!! إن ليوم القيامة مواقف تذهل فيها كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، منها أن الله- يسأل الذين أرسل إليهم الرسل ويقول لهم: ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص ٦٥] ؟.

стр. 690

امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا ؟. [سورة الأنعام آية ١٣٠] فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ [سورة الحجر الآيتان ٩٢ و ٩٣] . ومنها موقف لا يسأل فيه أحد عن ذنبه: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [سورة الرحمن آية ٣٩] . والله- كما يسأل الناس يسأل الأنبياء والمرسلين: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ يسألهم عن تبليغهم الدعوة وعن إجابة أقوامهم لهم. فلنقصن عليهم جميعا كل ما وقع وحصل للرسل منهم، وما حصل من الناس لهم، فلنقصن عليهم بعلم وإحاطة، إذ لا يعزب عنه مثقال ذرة، وإن تكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله، إن الله لطيف خبير وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً وما كان الحق- جل شأنه- غائبا في وقت من الأوقات، وفي هذا إشارة إلى أن السؤال لم يكن عن جهل أو خفاء، بل عن علم وبينة وحضور، ولكنه للتوبيخ والتأنيب. والوزن الحق والقسطاس العدل يومئذ، يوم تعرف الحقائق وتكشف الستائر ويحصّل ما في الصدور، وتبرز الأعمال كالغرض للسهام، فمن ثقلت موازينه وكثرت حسناته عن سيئاته فأولئك هم أصحاب الجنة وأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه وكثرت سيئاته عن حسناته فأولئك هم أصحاب النار، الذين خسروا أنفسهم واشتروا الضلالة بالهدى وأحبوا العمى والكفر، عن الرشاد والخير. والخلاصة: أن المؤمن وإن عصى يدخل الجنة بعد ما يأخذ عذابه على سيئاته، والكافر الذي كذب بالآيات والرسل مهما فعل مأواه جهنم وبئس القرار. وهل هناك ميزان حقيقة؟ ورد بذلك آثار كثيرة، أو هذا كناية عن تمام العلم والعدل والإحاطة والقدرة. والأولى عند الإخبار بالمغيبات أن نؤمن بها كما جاء الكتاب أو الحديث الصحيح، ثم نكل أمرها وشكلها إلى الله، والله أعلم بذلك كله، على أن العلم الحديث جعل موازين لكل شيء في الكون، أفيكون كثيرا أن يضع الله ميزانا للأعمال والنوايا؟ وهو القادر على كل شيء.

стр. 691

نعم الله على بنى آدم، وتكريمه [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠ الى ١٨] وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) المفردات: مَكَّنَّاكُمْ: من التمكين، أى: التمليك، وقيل: جعلنا لكم فيها أمكنة تتبوءونها، وتتمكنون من الإقامة بها. مَعايِشَ: جمع معيشة، وهي ما تكون به العيشة والحياة من المطاعم والمشارب. خَلَقْناكُمْ: أوجدنا أباكم بتقدير موافق للحكمة. فَاهْبِطْ الهبوط: الانحدار والسقوط من مكان إلى ما دونه، وهو إما حسّىّ أو معنوي. أَنْ تَتَكَبَّرَ: أن تجعل نفسك أكبر مما هي عليه.

стр. 692

الصَّاغِرِينَ الصغار: الذلة والهوان. أَنْظِرْنِي: أمهلنى. فَبِما أَغْوَيْتَنِي: فبما أوقعتنى في الغواية وهي ضد الرشاد. مَذْؤُماً: معيبا أو مطرودا، من: ذأم الشيء: عابه. مَدْحُوراً: مطرودا مبعدا. بعد أن أبان الله حقيقة الدين وكتابه، وأنه واجب الاتباع دون غيره من الأولياء والشركاء والأهواء، مع ذكر عقاب الدنيا والآخرة. أردف ذلك بذكر نعم الله على بنى آدم الموجبة للشكر ترغيبا في الامتثال، وبيانا لمكانة الإنسان. ذكرهم ربهم بنعمه العظيمة على آدم وذريته وهذه نعم أخرى تبين مكانتهم بالنسبة لغيرهم، وخاصة الملائكة، وهي موجبة لعبادة الله وشكره. المعنى: يقسم الله- لقد مكن لكم في الأرض، وخلق لكم ما فيها جميعا، إذ جعل أمكنة تقرون عليها وتستقرون بها في الدنيا، وجعل فيها المعايش التي تقوم عليها حياتكم من نبات وزرع، وفاكهة وثمر، وماء وسمك وجواهر، وحيوان، بل كل ما في الأرض وما عليها مذلل لكم، وهذه المخترعات التي مكنت لكم في الأرض حتى تغلبتم على كل ما فيها، فلم يعد هناك حاجز من بحار وجبال وصحارى وسهول، بل طار الإنسان حتى كاد يصل إلى القمر والكواكب. كل ذلك يقتضى الشكر، ولكن الشكر من العباد قليل وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ولذا اختتمت الآية بهذا المعنى. وشكر النعم يكون بمعرفة الله معرفة تامة، وحمده، والثناء عليه بما هو أهله، وأداء حقوق النعم وصرفها فيما خلقت له، بهذا يتحقق الخير، وتتحقق السعادة في الدارين. ولقد خلقنا أباكم آدم من الصلصال والحمأ المسنون، أى: من الماء والطين اللازب، ثم جعلنا من تلك المادة بشرا مستويا على أتم صورة، وللعلماء آراء في تخريج الآية والأحسن كما قال القرطبي: إن آدم خلق من طين، ثم صور وأكرم بالسجود، وذريته صوروا في الأرحام بعد أن خلقوا فيها وفي أصلاب الآباء.

стр. 693

ثم قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم سجود تعظيم وإجلال وتكريم لآدم وذريته حتى يعرفوا نعم الله عليهم، فيقابلوها بالشكران وليقفوا على ما فعله إبليس قديما ليكونوا على حذر منه. فسجدوا جميعا إلا إبليس اللعين أبى واستكبر، ولم يكن من الساجدين، وكان إبليس من الجن ففسق عن أمر ربه، وعلى ذلك قيل: إنه ليس من جنس الملائكة، وخوطب معهم لأنه مخالطهم، وقيل: هو من الملائكة، كما هو ظاهر الآيات. ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ؟ وفي سورة (ص) آية ٧٥ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ فدل هذا على أن (لا) في هذه الآية صلة (زائدة) للتأكيد، وقيل: المعنى ما حملك ودعاك إلى عدم السجود؟. قال إبليس معتذرا متعللا: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ لأنك خلقتني من نار وخلقته من طين، والنار عند إبليس خير من الطين لعلوها وخفتها وصعودها ونورها. والذي هو خير لا يسجد لمن هو أقل منه وإن خالف أمر ربه: هذا قياس إبليس، وهو أول قياس، لكنه باطل، إذ كيف يستدل على الخيرية بمواد الأشياء؟! الخيرية إنما تكون بالمعاني والخصائص لا بالجنس والمادة: إذ أصل المسك دم الغزال وأصل العسل براز النحل، وأصل الماس كربون، وكيف يجهل إبليس ما حبا الله آدم به من العلوم والمعارف وتكريم الله له؟! ويرى بعض العلماء أن هذه القصة تبين غرائز البشر، وطبائع الملائكة، وموقف الجن منا، ولم يكن سؤال هناك ولا جواب، ولكن هذا يخالف ظاهر الكتاب، على أن ذلك أمر غيبي يجب الإيمان به، وندع معرفة الحقيقة لله وحده، ولا نشغل أنفسنا بأمور لا تدخل تحت طاقتنا، وليس فيها جدوى. قال تعالى: إذا كان الأمر كذلك فاهبط يا إبليس من الجنة، فهي مكان المخلصين المتواضعين، فما يكون لك، ولا ينبغي منك أن تتكبر فيها، إذ هي المعدة للكرامة والتعظيم لا للتكبر والعصيان. فاخرج إنك من الصاغرين الذليلين المهانين، وجاء في بعض الآثار: «إن الله تعالى

стр. 694

يحشر المتكبرين في أحقر الصور إذ يطؤهم الناس بأرجلهم، كما أنه يبغضهم إلى الناس في الدنيا فيحتقرونهم ولو وفي أنفسهم» . قال إبليس: يا رب أمهلنى وذريتي إلى يوم يبعث آدم وذريته، فأشهد حياتهم وانقراضهم وبعثهم لأجد الفسحة الطويلة لإغوائهم، فأجابه الله إلى طلبه حيث قال: إنك من المنظرين إلى وقت النفخة الأولى حيث تصعق الخلائق. قال إبليس: فبسبب إغوائك إياى من أجل آدم وذريته أقسم لأقعدن لهم على صراطك المستقيم، فأصدّنّهم عنه وأقطعنّه عليهم، بأن أزين لهم طرقا أخرى كلها ضلال واعوجاج، ثم لأغوينهم ولآتينهم من الجهات الأربع مترصدا لهم كما يقعد قطاع الطريق للسابلة. ولا تجد أكثرهم شاكرين وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... [سورة سبأ آية ٢٠] قال: اخرج من الجنة مذموما مهينا مطرودا مبعدا. أقسم لمن يتبعك منهم ليكونن معك في جهنم: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [سورة ص آية ٨٥] . قصة سكنى آدم الجنة وخروجه منها [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٩ الى ٢٥] وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٢٤) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)

стр. 695

المفردات: فَوَسْوَسَ الوسوسة: الصوت الخفى المكرر، ومنه قيل لصوت الحلي: وسوسة، والمراد هنا ما يجدونه من الخواطر التي تزين ما يضر. ما وُورِيَ: ما ستر وغطى. مِنْ سَوْآتِهِما السوءة: ما يسوء الإنسان ويؤلمه، فإذا قيل: سوأة الإنسان كان المراد عورته لأنه يسوؤه ظهورها. وَقاسَمَهُما: أقسم لهما بجد ونشاط. فَدَلَّاهُما: حطهما عن منزلتهما من الجنة. ذاقَا الشَّجَرَةَ: أكلا منها. وَطَفِقا: أخذا وشرعا. بِغُرُورٍ الغرور: الخداع بالباطل. يَخْصِفانِ: يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة. المعنى: قال الله- : يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وهل هي المعدة للجزاء يوم القيامة أم غيرها؟ الله أعلم بذلك، وإن كان الظاهر أنها ليست دار الجزاء، لأنها ليست دار تكليف ولا عصيان، ولا يدخل فيها إبليس. وخاطب آدم أولا لأنه الأصل في تلقى الوحى، وتعاطى الأمور، ثم خاطبهما معا لتساويهما في الأكل، فكلا منها أكلا رغدا، لا تعب فيه ولا مشقة، أكلا كثيرا هنيئا. من أى مكان شئتما، ومن أى ثمر أردتما، ولا تقربا هذه الشجرة الخاصة (والله أعلم

стр. 696

بها) ولو كان في معرفتها خير لعرفها لنا، وانظر كيف يوسع الله على عباده في الحلال وفي الأكل ثم يحرم عليهم القليل الضار، اختبارا لهم وامتحانا. فإنكما إن قربتما منها، وأكلتما من ثمرها تكونا من الظالمين لأنفسكما الخارجين عن حدود الله. أما الشيطان إبليس العدو المبين فلم يترك آدم وزوجه يتمتعان بالنعيم، بل وسوس وزين لهما الأكل المحرم من الشجرة. فوسوس لهما الشيطان ليكون عاقبة تلك أن يبدي لهما ما ورى عنهما وستر من عورتهما، وهل هذه كناية عن شهوتهما التي ظهرت فجأة بعد استتارها. أو هي العورة الحقيقية؟ فكان عمل إبليس عمل من يثير الغرائز، ويظهر الدفائن المكنونة في الإنسان من عوامل الفساد. وقال إبليس: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين، لكما من الخصائص ما للملائكة في القوة والبطش وطول الأجل، أو تكونا من الخالدين فيها. ثم أقسم لهما قسما مغلظا: إنى لكما لمن الناصحين المخلصين، ثم بعد هذا ما زال يخدعهما بالترغيب، وبالوعد، وبالقسم، حتى نسيا موقفهما من الله وأمره إليهما، وأسقطهما عما كانا فيه من مكانة ومنزلة وطبيعة. وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [سورة طه آية ١١٥] . فلما ذاقا الشجرة، وأكلا منها، بدت لهما عوراتهما، وكانت مستورة، وأحسا بالغريزة الجنسية. ونادهما ربهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة؟ وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين، فاحذروه، واجتنبوه: فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى [سورة طه آية ١١٧] . قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا بمخالفتك وطاعة الشيطان عدونا وعدوك وإن لم تغفر لنا وتستر ذنبنا، لنكونن من الخاسرين الذين خسروا الدنيا والآخرة: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [سورة البقرة آية ٣٧] .

стр. 697

قال: اهبطوا- والخطاب لآدم وحواء وإبليس- اهبطوا بعضكم لبعض عدو في الدنيا، ولكم فيها استقرار وسكون إلى أجل مسمى عند الله. ولكم فيها متاع إلى أجل محدود. قال الله- وحكم: في هذه الأرض تحيون وفيها تموتون. ومنها تخرجون إلى البعث والجزاء: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [سورة طه آية ٥٥] . الغرض من القصة: ذكر في الجزء الأول ص ٣٣. من نعم الله وفضله علينا [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٦ الى ٢٧] يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧) المفردات: رِيشاً ريش الطائر: ما ستره الله به، والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة. لا يَفْتِنَنَّكُمُ الفتنة: الابتلاء والاختبار، من قولهم: فتن الصائغ الذهب أو الفضة في البوتقة ليعرف الجيد من الرديء. قَبِيلُهُ: جماعته كالقبيلة.

стр. 698

المعنى: يا بنى آدم: تذكروا نعم الله عليكم وعلى أبيكم من قبل، وإياكم والمعاصي، وعليكم بتقواه في السر والعلن، فهو قد أنزل عليكم من السماء مطرا أنشأ منه نبات القطن والكتان، والصوف والوبر، وغير ذلك مما يتخذ لباسا للضرورة كستر العورة أو لباسا لستر البدن أو للزينة والتجمل، يا سبحان الله! دين الإسلام ودين الفطرة والطبيعة، لا يمنع من اتخاذ اللباس للزينة والتجمل إلا الحرير الذي يكسر قلوب الفقراء ويكون لبسه إرضاء للنفس وغرائزها. ولباس التقوى ذلك خير وأجدى وهو لباس معنوي، لباس العمل الصالح والإيمان الخالص، ولا شك أنه خير من الرياش واللباس. وخير لباس المرء طاعة ربه ... ولا خير فيمن كان لله عاصيا وذلك اللباس من آيات قدرة الله ودلائل إحسانه وفضله على بنى آدم وهذه النعم تؤهل بنى آدم لتذكر ذلك الفضل، والقيام بما يجب عليهم من الشكر، والابتعاد من فتنة الشيطان وإبداء العورات. يا بنى آدم: لا تغفلوا عن أنفسكم، ولا تتركوها غير محصنة بالتقوى، واجلوها بذكر الله دائما فإن القلب ليصدأ كما يصدأ الحديد، حتى تقوى النفس على مقاومة الشيطان وغروره، وتنجح في ابتلائه واختباره، واحذروه فإنه أخرج أبويكم من الجنة، ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما. احذروه إنه يراكم هو وجماعته وبنو جنسه وأنتم لا ترونه، ولا شك أن العدو المباغت الذي لا يرى أشد من العدو المبارز الظاهر. والوقاية منه تكون بتقوية الروح والصلة بالله، وبمعالجة الوساوس بعد طروئها، والاستعاذة بالله منه. احذروه لأن الله جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ [سورة الحجر آية ٤٢] وهذا تحذير شديد.

стр. 699

شبهات المشركين وأعذارهم الواهية [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٢٨ الى ٣٠] وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) المفردات: فاحِشَةً: هي الفعلة المتناهية في القبح، والمراد بها طوافهم بالبيت عرايا، أو شركهم. بِالْقِسْطِ: بالعدل والتوسط. وُجُوهَكُمْ: جمع وجه، وهو العضو المعروف، أو هو كناية عن توجه القلب وصحة القصد. المعنى: هذا أثر من آثار ولاية الشيطان للذين لا يؤمنون. وإذا فعلوا فعلة قبيحة ينكرها الشرع، ويأباها العقل والطبع السليم، كطوافهم عرايا بالبيت، قالوا معتذرين عن ذلك العمل: إنا وجدنا آباءنا هكذا يفعلون، وإنا على آثارهم مقتدون، وإن الله أمرنا بها. عجبا لكم وأى عجب!! قل لهم: إن الله لا يأمر بالفحشاء أصلا، وإنما الذي

стр. 700

يأمركم بهذا هو الشيطان، ويدعوكم إليه: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ [سورة البقرة آية ٢٦٨] . وكيف تعتذرون باتباعكم آباءكم؟ وهل آباؤكم حجة في التشريع؟ وهل عملوا بوحي من الله وإرشاد؟ أم كانت أعمالهم بوسوسة الشيطان وزخرفته؟!! أم أنتم تقولون على الله ما لا تعلمون؟ أما تشريع الله فلا يكون إلا بوحي منه إلى رسوله. فإذا: هم فعلوا بوحي الشيطان فقط، وافتروا الكذب على الله. قل لهم: أمر ربي بالقسط والعدل وعدم تجاوز الحد. ومن هنا كان الإسلام وسطا بين الإفراط والتفريط: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [سورة النحل آية ٩٠] . وأقيموا وجوهكم، وأحسنوا وجهتكم: وأخلصوا عملكم لله عند كل مسجد تدخلونه للصلاة، أو الذكر أو الطواف والمعنى: اجعلوا توجهكم وقصدكم لله فقط. وهذا يظهر في الوجه، إذ هو المرآة التي تطل منها الروح، وادعوه دعاء أو عبادة مخلصين له الدين. واذكروا دائما أنكم كما بدأكم وخلقكم أول مرة ستعودون إليه يوم الجزاء والحساب وأنتم بين فريقين: فريق هداه الله ووفقه للعبادة والإخلاص، وفريق حقت عليه كلمة العذاب، لاتباعه الشيطان وتركه القرآن، وكل فريق سيموت على ما عاش عليه، وسيبعث على ما مات عليه. ولا غرابة في ضلال الفريق الثاني، لأنهم اتخذوا الشياطين قادة وأولياء من دون الله، وهم الأخسرون أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ومن خطل الرأى وضعف العقل أن ينغمس الشخص في الضلال، ثم لا يلبث بغروره وحماقته أن يدّعى أنه على حق وأنه في عداد المهديين.

стр. 701

توجيهات في الملبس والمطعم [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣١ الى ٣٢] يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) المفردات: زِينَتَكُمْ: والمراد هنا الثياب الحسنة، وأخذها: التزين بها. مَسْجِدٍ: مكان السجود، والمراد به الصلاة أو نفس السجود. سبب النزول: كانت العرب تطوف ليلا بالبيت عراة إلا الخمس (وهم قريش وما ولدت) ويقولون: لا نطوف في ثياب أذنبنا فيها، فجاءت امرأة فألقت ثيابها فطافت ووضعت يدها على فرجها وقالت: اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله وكانت بنو عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك حجهم. فقال المسلمون: فإنا أحق أن نفعل ذلك، فنزلت الآيات. المعنى: يا بنى آدم خذوا زينتكم، والبسوا ثيابكم إذا صليتم أو طفتم، وأقل هذه الزينة ما به يستر المرء عورته، وهل العورة ما بين السرة والركبة، أو هي القبل والدبر؟ أقوال عند

стр. 702

الفقهاء منصوصة، وستر العورة واجب في الصلاة والطواف، وما بعد العورة فستره سنة لا واجب. وعلى العموم فالزينة تختلف باختلاف الزمان والمكان والشخص والعمل، وهذا الحكم من محاسن الدين الإسلامى التي بها نقل كثيرا من القبائل المتوحشة العريانة إلى حظيرة المدنية والحضارة، على أنه سبب في تقدم الصناعة والتجارة والزراعة. وكلوا واشربوا ما لذ وطاب من أنواع المآكل والمشارب ولا تسرفوا، بل عليكم بالعدل والتوسط فلا تقتير ولا إسراف، والإسراف يشمل الزيادة في البخل، والزيادة في الإنفاق، وتجاوز الحلال إلى الحرام في المأكل والمشرب إن الله لا يحب المسرفين. روى أحمد والنسائي وابن ماجة عن النبي ﷺ قال: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة (كبر وإعجاب بالنفس) ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» ، فالزينة لا بأس بها بشرط عدم الإسراف وعدم المخيلة. والإسراف في الأكل والشرب إلى ما فوق الطاقة الجسمية ضرر، وإلى ما فوق الطاقة الاقتصادية خطر، وإلى ما فوق الحدود الشرعية حرام وهلاك.. قل لهم: من حرم زينة الله التي أخرجها لعباده؟! فالله قد خلق موادها، وهدى إلى تعليمها وطرق صنعها، وغرز حب الزينة والتمتع بالطيب في نفوس البشر. ألست معى في أن الدين الإسلامى يدعوا إلى الكمال الروحي، والسمو الخلقي، مع العناية بالجسم وبالنفس وما تميل إليه ما دام في حدود الحلال؟ لم يجعل التقشف ولا الزهد المبالغ فيه أساسا له، وها هو ذا القرآن ينكر على من يحرم على نفسه الزينة، ويقول: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ولغيرهم من الناس وإن كانوا هم الأصل: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [سورة البقرة آية ١٢٩] وفي الآخرة هي خالصة للذين آمنوا. مثل هذا التفصيل الدقيق الكامل في مسائل تخص الأفراد والأمم في حياتهما الاجتماعية نفصل الآيات الدالة على كمال ديننا وصدق رسولنا وتمام شريعتنا ولكن لقوم يعلمون لا لقوم يجهلون.

стр. 703

ما حرّمه الله على عباده [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) المفردات: الْفَواحِشَ: الأعمال المفرطة في القبح. وَالْإِثْمَ: اسم لجميع المعاصي. الْبَغْيَ: الظلم وتجاوز الحقوق. أَجَلٌ: وقت مضروب الله أعلم به. ساعَةً: أقل وقت يمكن فيه قضاء عمل من الأعمال. المعنى: لما لبس المسلمون الثياب، وطافوا بالبيت عيّرهم المشركون بذلك فقال الله: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين حرموا ما أحل الله من الطيبات والرزق واللباس: ما حرم ربي هذا!! وإنما حرم الفواحش، وما قبح جرمها كالزنا ما ظهر منه وما بطن، وإذاعة السوء، وخيانة الوطن، والخروج على الجماعة. وهكذا كل ذنب يكون خطره جسيما، وكذا حرم الإثم الذي يوجب الذنب، وحرم البغي وتجاوز الحقوق، وقيد البغي بغير الحق لأن التجاوز إذا كان لمصلحة ومع التراضي فلا شيء فيه. وحرم الإشراك بالله غيره من صنم أو وثن لم ينزل به سلطانا وحجة: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [سورة المؤمنون آية ١١٧] . وحرم كذلك أن تقولوا على الله ما لا تعلمون، أى: بغير علم ولا حجة، والقول على الله وعلى دينه يكون بتحليل حلال أو تحريم حرام، بلا سند ولا حجة، وهو القول

стр. 704

بالرأى، وهذا منشأ تحريف الأديان، واتباع الهوى والشيطان، كما فعل أهل الكتاب. وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ «١» بل علينا ألا نتخطى أصول الدين، من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، وهذه الأصول لم تترك شيئا. بعد ما ذكر الله- جماع المحرمات والمفاسد التي تقضى على المجتمع وتبيد الأمم ذكر هنا حال الأمم الممتثلة وغيرها. فبين أن لكل أمة أجلا محدودا، ووقتا مضروبا يعلمه الله- وتنتهي عنده كما أن لكل شيء في الوجود أجلا، كذلك فلكل أمة زمان معلوم تكون فيه سعيدة عزيزة، أو شقية ذليلة. وعزة الأمم وسعادتها تكون بامتثال الشرع وذيوع الفضيلة، والتمسك بأهداب الدين والمثل العليا، ولها في ذلك أجل محدود. وشقاء الأمم وذلها يكون ببعدها عن الفضيلة، وذيوع الرذيلة، وشيوع الغش والرشوة والفساد، والإسراف والظلم، والإثم والبغي، ولها في ذلك أجل محدود. أما فناء الأمم وهلاكها بالإبادة لمخالفتها الشرع فانتهى ببعثة الرسول ﷺ : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٢» . وقد جرت سنته- تعالى- بذلك مع جميع الأمم فنرى في أمم الغرب أمة قوية عزيزة لأنها تتمسك بالفضيلة والاعتدال وعدم الإسراف ولها أجل محدود ما دامت متمسكة بالحق، وبجانبها أمة ذليلة مهينة لأنها تتمسك بالرذيلة والإسراف. والأمة الإسلامية أولى بالتمسك بالمثل العليا وعدم الإسراف ومجاوزة الحد في شيء، خاصة وأن دينها يأمرها بهذا. والله- إذا قضى على أمة بالفناء في ساعة فإنها لا تتقدم ولا تتأخر أصلا، فهذا تهديد ووعيد لمن يخالف الأمر، ويسير على غير هدى.

стр. 705

مهمة الرسل وعاقبة العمل [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٥ الى ٣٦] يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦) المعنى: يا بنى آدم إن تأتكم رسل منكم تعرفونهم، ويمكنكم الحكم على أعمالهم يقصون عليكم آياتي ويتابعونها آية بعد آية، مبشرين ومنذرين داعين إلى الفضيلة ناهين عن الرذيلة فاستجيبوا لهم، وهذه هي مهمة الرسل قديما وحديثا، فمن اتقى وأصلح نفسه بالعمل والنية الصادقة فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كذبوا بآياتنا ورفضوا كبرا وعنادا واستكبارا عن الحق وعتوا كما فعل زعماء قريش، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. عاقبة الكذب على الله مع ذكر مشهد من مشاهد يوم القيامة [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٧ الى ٣٩] فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)
следующие страницы →