توجيهات في الملبس والمطعم [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣١ الى ٣٢]
يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)
المفردات:
زِينَتَكُمْ: والمراد هنا الثياب الحسنة، وأخذها: التزين بها. مَسْجِدٍ:
مكان السجود، والمراد به الصلاة أو نفس السجود.
سبب النزول:
كانت العرب تطوف ليلا بالبيت عراة إلا الخمس (وهم قريش وما ولدت) ويقولون: لا نطوف في ثياب أذنبنا فيها، فجاءت امرأة فألقت ثيابها فطافت ووضعت يدها على فرجها وقالت:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله
وكانت بنو عامر في أيام حجهم لا يأكلون الطعام إلا قوتا، ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك حجهم. فقال المسلمون: فإنا أحق أن نفعل ذلك، فنزلت الآيات.
المعنى:
يا بنى آدم خذوا زينتكم، والبسوا ثيابكم إذا صليتم أو طفتم، وأقل هذه الزينة ما به يستر المرء عورته، وهل العورة ما بين السرة والركبة، أو هي القبل والدبر؟ أقوال عند
стр. 702
الفقهاء منصوصة، وستر العورة واجب في الصلاة والطواف، وما بعد العورة فستره سنة لا واجب.
وعلى العموم فالزينة تختلف باختلاف الزمان والمكان والشخص والعمل، وهذا الحكم من محاسن الدين الإسلامى التي بها نقل كثيرا من القبائل المتوحشة العريانة إلى حظيرة المدنية والحضارة، على أنه سبب في تقدم الصناعة والتجارة والزراعة.
وكلوا واشربوا ما لذ وطاب من أنواع المآكل والمشارب ولا تسرفوا، بل عليكم بالعدل والتوسط فلا تقتير ولا إسراف، والإسراف يشمل الزيادة في البخل، والزيادة في الإنفاق، وتجاوز الحلال إلى الحرام في المأكل والمشرب إن الله لا يحب المسرفين.
روى أحمد والنسائي وابن ماجة عن النبي ﷺ قال: «كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة (كبر وإعجاب بالنفس) ولا سرف، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»
، فالزينة لا بأس بها بشرط عدم الإسراف وعدم المخيلة.
والإسراف في الأكل والشرب إلى ما فوق الطاقة الجسمية ضرر، وإلى ما فوق الطاقة الاقتصادية خطر، وإلى ما فوق الحدود الشرعية حرام وهلاك.. قل لهم: من حرم زينة الله التي أخرجها لعباده؟! فالله قد خلق موادها، وهدى إلى تعليمها وطرق صنعها، وغرز حب الزينة والتمتع بالطيب في نفوس البشر.
ألست معى في أن الدين الإسلامى يدعوا إلى الكمال الروحي، والسمو الخلقي، مع العناية بالجسم وبالنفس وما تميل إليه ما دام في حدود الحلال؟
لم يجعل التقشف ولا الزهد المبالغ فيه أساسا له، وها هو ذا القرآن ينكر على من يحرم على نفسه الزينة، ويقول: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا ولغيرهم من الناس وإن كانوا هم الأصل: خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [سورة البقرة آية ١٢٩] وفي الآخرة هي خالصة للذين آمنوا.
مثل هذا التفصيل الدقيق الكامل في مسائل تخص الأفراد والأمم في حياتهما الاجتماعية نفصل الآيات الدالة على كمال ديننا وصدق رسولنا وتمام شريعتنا ولكن لقوم يعلمون لا لقوم يجهلون.
стр. 703
ما حرّمه الله على عباده [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)
المفردات:
الْفَواحِشَ: الأعمال المفرطة في القبح. وَالْإِثْمَ: اسم لجميع المعاصي.
الْبَغْيَ: الظلم وتجاوز الحقوق. أَجَلٌ: وقت مضروب الله أعلم به.
ساعَةً: أقل وقت يمكن فيه قضاء عمل من الأعمال.
المعنى:
لما لبس المسلمون الثياب، وطافوا بالبيت عيّرهم المشركون بذلك فقال الله: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين حرموا ما أحل الله من الطيبات والرزق واللباس: ما حرم ربي هذا!! وإنما حرم الفواحش، وما قبح جرمها كالزنا ما ظهر منه وما بطن، وإذاعة السوء، وخيانة الوطن، والخروج على الجماعة. وهكذا كل ذنب يكون خطره جسيما، وكذا حرم الإثم الذي يوجب الذنب، وحرم البغي وتجاوز الحقوق، وقيد البغي بغير الحق لأن التجاوز إذا كان لمصلحة ومع التراضي فلا شيء فيه.
وحرم الإشراك بالله غيره من صنم أو وثن لم ينزل به سلطانا وحجة: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [سورة المؤمنون آية ١١٧] .
وحرم كذلك أن تقولوا على الله ما لا تعلمون، أى: بغير علم ولا حجة، والقول على الله وعلى دينه يكون بتحليل حلال أو تحريم حرام، بلا سند ولا حجة، وهو القول
стр. 704
بالرأى، وهذا منشأ تحريف الأديان، واتباع الهوى والشيطان، كما فعل أهل الكتاب.
وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ «١» بل علينا ألا نتخطى أصول الدين، من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، وهذه الأصول لم تترك شيئا.
بعد ما ذكر الله- جماع المحرمات والمفاسد التي تقضى على المجتمع وتبيد الأمم ذكر هنا حال الأمم الممتثلة وغيرها.
فبين أن لكل أمة أجلا محدودا، ووقتا مضروبا يعلمه الله- وتنتهي عنده كما أن لكل شيء في الوجود أجلا، كذلك فلكل أمة زمان معلوم تكون فيه سعيدة عزيزة، أو شقية ذليلة.
وعزة الأمم وسعادتها تكون بامتثال الشرع وذيوع الفضيلة، والتمسك بأهداب الدين والمثل العليا، ولها في ذلك أجل محدود.
وشقاء الأمم وذلها يكون ببعدها عن الفضيلة، وذيوع الرذيلة، وشيوع الغش والرشوة والفساد، والإسراف والظلم، والإثم والبغي، ولها في ذلك أجل محدود.
أما فناء الأمم وهلاكها بالإبادة لمخالفتها الشرع فانتهى ببعثة الرسول ﷺ : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٢» .
وقد جرت سنته- تعالى- بذلك مع جميع الأمم فنرى في أمم الغرب أمة قوية عزيزة لأنها تتمسك بالفضيلة والاعتدال وعدم الإسراف ولها أجل محدود ما دامت متمسكة بالحق، وبجانبها أمة ذليلة مهينة لأنها تتمسك بالرذيلة والإسراف.
والأمة الإسلامية أولى بالتمسك بالمثل العليا وعدم الإسراف ومجاوزة الحد في شيء، خاصة وأن دينها يأمرها بهذا.
والله- إذا قضى على أمة بالفناء في ساعة فإنها لا تتقدم ولا تتأخر أصلا، فهذا تهديد ووعيد لمن يخالف الأمر، ويسير على غير هدى.
стр. 705
مهمة الرسل وعاقبة العمل [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٥ الى ٣٦]
يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٦)
المعنى:
يا بنى آدم إن تأتكم رسل منكم تعرفونهم، ويمكنكم الحكم على أعمالهم يقصون عليكم آياتي ويتابعونها آية بعد آية، مبشرين ومنذرين داعين إلى الفضيلة ناهين عن الرذيلة فاستجيبوا لهم، وهذه هي مهمة الرسل قديما وحديثا، فمن اتقى وأصلح نفسه بالعمل والنية الصادقة فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كذبوا بآياتنا ورفضوا كبرا وعنادا واستكبارا عن الحق وعتوا كما فعل زعماء قريش، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
عاقبة الكذب على الله مع ذكر مشهد من مشاهد يوم القيامة [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٣٧ الى ٣٩]
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (٣٧) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)
стр. 706
المفردات:
ادَّارَكُوا: تلاحقوا، وادّارك بعضهم بعضا: اجتمعوا. ضِعْفاً: هو المثل الزائد على مثله مرة أو مرات.
المعنى:
لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، واختلق زورا وبهتانا بأن حرم حلالا أو حلل حراما، أو نسب إليه ولدا أو شريكا، أو كذب بآياته، واستكبر عنها واستهزأ بها، أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب المكتوب، والقدر المقدور في الرزق والعمر والمتاع والحظ في الدنيا، حتى إذا جاءتهم ملائكة الموت متوفين لهم، قابضين لأرواحهم. قالوا لهم تأنيبا وتوبيخا: أين ما كنتم تدعونهم من دون الله من الشركاء والشفعاء؟ قالوا:
ضلوا عنا وغابوا، ولا ندري مكانهم، ولا نرى أثرهم، فنحن لا نرجو منهم خيرا ولا نفعا، وشهدوا على أنفسهم، واعترفوا عليها بأنهم كانوا بعبادتهم ودعائهم لهم كافرين.
وهذا تحذير للكافرين الموجودين من عواقب الكفر والضلال.
ويقول الله- تعالى- يوم القيامة لأولئك الظالمين المكذبين بآيات الله وهم كفار العرب: ادخلوا مع أمم قد سبقتكم في الكفر وفي دخول النار، وهم أولياؤكم من الجن والإنس.
كلما دخلت جماعة ورأت ما حل بها من الخزي والنكال لعنت أختها في الدين
стр. 707
والملة إذ هي قد ضلت باتباعها، والاقتداء بكفرها حتى إذا تداركوا في النار جميعا واجتمعوا، قالت أخراهم في الدخول- وهم الأتباع والسفلة- لأولاهم، أى: في شأنهم وحقهم وهم السادة والزعماء قالوا مخاطبين الله: ربنا هؤلاء- أى السادة- أضلونا وأثروا علينا فآتهم ضعفنا من عذاب النار لإضلالهم لنا، زيادة على عذاب ضلالهم في أنفسهم.
قال الله لهم: لكل منكم ضعف من العذاب- بإضلاله- فوق العذاب على ضلاله ولكنكم لا تعلمون عذابهم.
وقالت أولاهم لأخراهم: إذا كان الأمر كما ذكرتم من أننا أضللناكم فما كان لكم علينا من أدنى فضل تطلبون به أن يكون عذابكم دون عذابنا، فيقول الله لهم: ذوقوا جميعا العذاب كاملا بما كنتم تكسبون.
جزاء الكافرين [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٠ الى ٤١]
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)
المفردات:
الْجَمَلُ: البعير الذي طلع نابه. سَمِّ الْخِياطِ: ثقب الإبرة.
الْمُجْرِمِينَ أجرم: قطع الثمرة من الشجر، ثم استعمل في كل إفساد.
مِهادٌ: فراش. غَواشٍ: جمع غاشية، وهي ما يغشى الشيء، أى: يغطيه كاللحاف.
стр. 708
المعنى:
إن الذين كذبوا بآياتنا الدالة على الوحدانية والبعث، وعلى صدق الرسول مع بيانها للأحكام ولأصول الدين، إن الذين كذبوا بها واستكبروا عنها لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء ولا تصعد إليها أعمالهم، فإنها هباء منثور لا خير فيه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ولا يدخلون الجنة أبدا فهم مطرودون من رحمة الله، ومثل ذلك الجزاء يجزى به كل من أجرم في حق الله وفي حق نفسه، وفي حق إخوانه من المسلمين.
لهؤلاء من نار جهنم فراش يفترشونه، ولحاف يلتحفون به، فهم- والعياذ بالله- بين طبقات جهنم ماكثون، وهي محيطة بهم، والله محيط بأعمالهم، وبئس المصير مصيرهم، لا غرابة في ذلك فكذلك نجزى الظالمين.
جزاء المؤمنين [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٢ الى ٤٣]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)
المفردات:
وُسْعَها: طاقتها وما تقدر عليه حال السعة والسهولة. نَزَعْنا: قلعنا.
غِلٍّ: حقد وحسد. أُورِثْتُمُوها: صارت إليكم كما يصير الميراث إلى صاحبه.
стр. 709
المعنى:
هذا وعد ربك للمؤمنين بالجنة بعد ما أوعد الكافرين بنار جهنم، وهكذا نظام القرآن: وعد ووعيد ليتميز الحق من الباطل والمؤمن من الكافر.
والذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا العمل الصالح الذي ارتضاه ربهم لهم، أولئك الموصوفون بما ذكر من معاني الكمال والصدق، المشار إليهم، المتميزون لعلو درجتهم، هم أصحاب الجنة الملازمون لها، وهم فيها خالدون، وقد جاء قوله تعالى:
لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها بين العمل وجزائه على سبيل الاعتراض، للإشارة إلى أن هذا العمل الصالح الذي يستحق صاحبه دخول الجنة ليس شاقا ولا فوق طاقة البشر، بل هو عمل سهل في متناول اليد متى حل في قلب الإنسان نور الإيمان وهدى القرآن.
هم في الجنة خالدون، لا يحزنهم الفزع الأكبر، ولا يكدرهم كدر، ولا يؤلمهم ألم، وليس بينهم شر، لأن الله نزع ما في صدورهم من حسد وعداوة، وغل وحقد.
وهكذا نعيم الجنة: أكلها دائم وظلها كذلك، وفيها الأنهار تجرى من تحتهم فيرونها تفيض بالماء وهم في غرفاتهم آمنون، فيزدادون حبورا وسرورا.
وقالوا شاكرين نعمه: الحمد لله الذي هدانا لهذا العمل حتى أخذنا ذلك الثواب، وما كان من شأننا ولا من مقتضى تفكيرنا أن نهتدي إليه بأنفسنا لولا أن هدانا الله ووفقنا لاتباع الرسل.
وقالوا لما رأوا كل شيء يجرى على حسب ما أخبر به الرسل: لقد جاءت الرسل بالحق وصدقنا الله وعده في الدنيا، وهذه الملائكة تناديهم: سلام عليكم طبتم، فادخلوها خالدين، فهذه هي الجنة التي أورثتموها وصارت لكم كما يصير الميراث لأصحابه، جزاء أعمالكم.
وفي الآية دليل على أن الإنسان يدخل الجنة بعمله،
وفي الحديث: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته»
والمخرج من هذا أن عمل الإنسان مهما كان لا يستحق به ذلك النعيم الواسع العريض لولا رحمة الله وفضله، ومن ثم قيل
في الحديث: «فسددوا وقاربوا»
أى: لا تبالغوا. والله أعلم.
стр. 710
حوار بين أهل الجنة والنار وأصحاب الأعراف [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٤ الى ٤٧]
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)
المفردات:
فَأَذَّنَ الأذان والتأذين: رفع الصوت بالإعلام. لَعْنَةُ اللَّهِ اللعن: الطرد من الرحمة مع الإهانة. عِوَجاً: ذات عوج، أى: غير مستقيمة ولا مستوية.
حِجابٌ: سور بين الجنة والنار. الْأَعْرافِ: جمع عرف، مأخوذة من (عرف الديك والفرس) ويطلق على أعلى الشيء وكل مرتفع. بِسِيماهُمْ السيما والسيمياء: العلامة. صُرِفَتْ: حولت.
المعنى:
هذا فريق في الجنة وهذا فريق في النار، وقد حصل بينهما حوار حكاه القرآن إظهارا للحق، وإعلانا عن خطر الكفر والإيمان وبيانا لعاقبة كل.
وما نراه الآن من مخترعات يغنينا عن الكلام في كيفية سماع الكلام ورؤية الأشخاص مع البعد في المكان، فالله على كل شيء قدير.
стр. 711
ونادى أصحاب الجنة قائلين: يا أصحاب النار يا أهل الكفر والفسوق والعصيان والضلال والبهتان، إن الحال والشأن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ولقد جاءت رسل ربنا بالحق، وصدق الله وعده. فهل وجدتم ما وعدكم ربكم من العذاب والألم؟ هل وجدتموه حقا؟ قالوا: نعم وجدنا ما وعدنا به ربنا على الكفر، فهذه هي النار تتميز غيظا وتقول: هل من مزيد؟
فأذّن مؤذن بينهم بحيث سمع صوته أصحاب النار وأصحاب الجنة، أذن قائلا: ألا لعنة الله على الظالمين، الذين ظلموا أنفسهم بعد الإيمان، وهم الذين يصدون عن سبيل الله بغيا وعدوانا، ويطلبونها معوجة غير مستقيمة، حتى ينفر الناس منها، ويبتعدون عنها وهم بالآخرة كافرون.
وبين أهل الجنة وأهل النار سور له باب، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، وعلى أعالى ذلك السور رجال يرون أهل الجنة وأهل النار، ويعرفون كلا بعلامته:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ. ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ. تَرْهَقُها قَتَرَةٌ. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [سورة عبس الآيات ٣٨- ٤٢] هؤلاء الذين على الأعراف رجال موحدون قصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، وقفوا هناك حتى يقضى الله فيهم.
ونادى أصحاب الأعراف أصحاب الجنة: أن سلام عليكم طبتم فنعم أجر العاملين، وهم لم يدخلوا الجنة ولكنهم يطمعون فيها فهم بين الخوف والرجاء.
وإذا صرفت أعين أصحاب الأعراف من النظر إلى أهل الجنة إلى النظر إلى أهل النار من غير قصد قالوا: ربنا لا تجعلنا مع هؤلاء القوم الظالمين!
حوار بين أصحاب الأعراف وأصحاب النار [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٤٨ الى ٤٩]
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)
стр. 712
المعنى:
ذلك منظر آخر فيه سؤال وتوبيخ وتأنيب للكفار المغرورين بما أوتوا في الدنيا.
ونادى بعض أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بعلاماتهم وهي سواد الوجوه وما عليها من الغبرة، وعلاماتهم التي كانوا عليها في الدنيا، وقالوا لهم: أى شيء أغناه عنكم جمعكم للمال، واستكباركم على المستضعفين والفقراء من المسلمين، لم يمنع عنكم عقابا، ولا أفادكم شيئا من ثواب، وقالوا لهم، مع الإشارة إلى أولئك المستضعفين المضطهدين في الدنيا كصهيب وبلال وآل ياسر:
أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمته أبدا إذ لم يعطوا في الدنيا مثل ما أعطيتم فلو كانوا على خير لأعطاهم؟! أشاروا لهم وهم يتمتعون في الجنة والكفار يتلظون في السعير.
وقيل لأهل الأعراف: ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون بعد هذا، وهذا حوار له مغزى عميق، وهذه الآية تشير إلى أن كل إنسان يستحق جزاء عمله بالضبط لا زيادة ولا نقصان فالسابق ليس كالمقصر ولا كالمتوسط، ولذا رأينا أصحاب الجنة وأصحاب النار، وأصحاب الأعراف كل له مكان.
من مناظر يوم القيامة [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٠ الى ٥١]
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١)
стр. 713
المفردات:
أَفِيضُوا عَلَيْنا أفاض الماء: صبه، ثم استعمل في الشيء الكثير، وقيل: أعطاه غيضا من فيض، أى: قليلا من كثير.
روى أن أهل النار لما رأوا دخول أهل الأعراف الجنة طمعوا في الفرج عنهم
،
وروى أنهم يستغيثون بأقاربهم من أهل الجنة فيقول الواحد منهم: يا أخى أغثنى فإنى قد احترقت فأفض علىّ من الماء، فيقال: أجبه، فيقول: إن الله حرمهما على الكافرين.
وقد طلبوا هذا الطلب مع يقينهم بأنهم لا يجابون أبدا، للإشارة إلى الحاجة القصوى للماء والشراب، وهكذا يفعل المضطر المحتاج.
وهؤلاء الكفار قد حرم الله عليهم نعيم الجنة ورزقها، كما حرم عليهم دخولها، لأنهم اتخذوا دينهم الذي ساروا عليه في الدنيا أعمالا لا تزكى نفسا، بل تدنسها، فهم بين عمل لهو يشغل الإنسان عن العمل النافع، وبين عمل لعب لا يفيد فائدة صحيحة كلعب الأطفال، وقد غرتهم الحياة الدنيا، وشغلتهم بزخارفها عن الآخرة، أما أهل الجنة فقد شغلوا أنفسهم بالعمل النافع المجدي الذي يزكى النفوس ويطهرها، أولئك سعوا لها سعيا، وكان سعيهم مشكورا.
فاليوم نعامل هؤلاء الكفار معاملة من ينساهم، ولا يجيب دعاءهم، والمراد يتركهم في العذاب وينساهم فيه، وذلك لأنهم نسوا لقاءنا ولم يعملوا له، وكانوا بآياتنا يجحدون، ولها منكرين.
الكفار وما يلاقونه وأمانيهم [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٢ الى ٥٣]
وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)
стр. 714
المفردات:
بِكِتابٍ: المراد القرآن. فَصَّلْناهُ: بيناه أتم بيان. تَأْوِيلَهُ: ما يئول إليه أمره، أى: عاقبته.
المعنى:
تالله لقد جئنا أهل مكة بكتاب لا يحتاج إلى تعريف ولا بيان. هو الكامل في كل شيء، ذلك الكتاب فصلنا آياته تفصيلا بالحكم والمواعظ والقصص والأحكام والوعد والوعيد: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ.
ألم يوضح القرآن أصول الدين وأسس الأحكام؟ ألم يرسم الخطوط العريضة للأمة الإسلامية في جميع النواحي: سياسية كانت أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية!! ألم يحث على النظر ويذم التقليد؟! فهو بحق الكتاب الكامل الذي فصله رب العالمين على علم ومعرفة بأسرار الكون والخلق وطبائعهم، وهو هدى ورحمة لقوم يؤمنون، أما غيرهم فلا ينتفعون منه بشيء.
هل ينظر هؤلاء الكفار إلى عاقبة أمره، وما يئول إليه من صدق وعده ووعيده وظهور آياته، روى عن ابن الربيع أنه قال: لا يزال يقع من تأويله أمر حتى يتم تأويله يوم القيامة حين يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار فيتم تأويله يومئذ. سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [سورة فصلت آية ٥٣] .
أما هؤلاء الكفار الذين نسوه ولم يهتدوا بهديه، فيقولون يوم القيامة عند ما يظهر صدقه وصدق كل ما جاء به: نعم قد جاءت رسل ربنا بالحق وصدقوا في كل ما قالوا وهم يتمنون أحد أمرين: إما شفاعة الشافعين، وإما أن يردوا إلى الدنيا فيعملوا غير ما كانوا يعملون، نعم يتمنون الخلاص ولات حين مناص!! وهل لهم شفعاء كما كانوا يفهمون؟ فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [سورة الشعراء الآيتان ١٠٠ و ١٠١]
стр. 715
هؤلاء قد خسروا أنفسهم، حيث اشتروا الضلالة بالهدى، والدنيا بالآخرة، وأى خسارة أفدح من هذا؟ هؤلاء قد خسروا كل شيء وضل عنهم ما كانوا يفترون وتختلقون كذبا من الشركاء والشفعاء!!
وحدانية الله ودعاؤه [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٤ الى ٥٦]
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)
المفردات:
رَبَّكُمُ الرب: السيد المالك والمربى. الله: علم على الذات الأقدس، والإله هو المعبود الذي منه النفع والضر، ويتقرب إليه بالعبادة والدعاء، وليس للموحدين إله إلا الله. أَيَّامٍ: جمع يوم، وهو الوقت المحدود بطلوع الشمس إلى غروبها. اسْتَوى: في اللغة بمعنى استقر. ومنه: استوى على الكرسي، وعلى ظهر الدابة، أى: استقر واستوى بمعنى قصد، واستوى بمعنى استولى وظهر.
الْعَرْشِ قال الجوهري: هو سرير الملك: نَكِّرُوا لَها عَرْشَها والعرش: سقف البيت، وهودج المرأة، وقيل: العرش: الملك والسلطان، ومنه:
ثلّ عرشه إذا ذهب ملكه. يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ: يجعل الليل كالغشاء، أى:
يذهب نور النهار. حَثِيثاً الحث والحض بمعنى واحد: وهو الإعجال والسرعة،
стр. 716
و المعنى: يطلبه من غير فتور. تَضَرُّعاً التضرع: التذلل وإظهار الخضوع.
خُفْيَةً الخفية: ضد العلانية. خَوْفاً: هو توقع الشر والمكروه.
طَمَعاً: هو توقع الخير.
المعنى:
إن ربكم ومالك أمركم، ومتولى شئونكم هو الله لا إله إلا هو فاعبدوه وحده واستعينوا به وحده، فهو الذي خلق السموات وعوالمها، وقدرها وأحكم نظامها، وخلق الأرض وجعل فيها رواسى من فوقها، وبارك فيها وقدر أقواتها، كل ذلك في ستة أيام الله أعلم بمقدارها وحدودها: إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ «١» ولو أراد خلقها في لحظة لخلقها إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «٢» ولكنه ذكر هذه المدة ليعلم العباد التأنى والتثبت في الأمور، وأن خلق السموات والأرض ليس بالشيء الهين: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ «٣» .
وما ورد من أن هذه الأيام الستة هي كأيام الدنيا، وأنه بدئ الخلق يوم الأحد فروايات الله أعلم بها، وأنها إسرائيليات ... إن ربكم أيها الناس جميعا الله، الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ودبر أمورها وحده، فيجب عليكم أن تعبدوه وحده.
ثم إنه تعالى قد استوى على عرشه، واستقام أمره واستقر على هيئة الله أعلم بها مع البعد عن مشابهة الحوادث في شيء، ولقد سئل مالك- رضى الله عنه- في ذلك فقال: الاستواء معلوم، أى: في اللغة، والكيف- أى: كيفية الاستواء- مجهول، والسؤال عن هذا بدعة، وهذا القدر كاف، وهذا رأى الصحابة- رضى الله عنهم- ورأى السلف: قبول ما جاء من غير تكيف ولا تشبيه، وترك معرفة حقيقتها إلى الله، وأما الخلف فيؤولون ويقولون: استوى على عرشه بعد تكوين خلقه، على معنى أنه يدبر أمره، ويصرف نظامه، على حسب تقديره وحكمته إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ «٤» . وإلى رأى السلف أميل، إذ هو رأى الصحابة والتابعين جميعا.
стр. 717
والله- سبحانه- جعل الليل يغشى النهار بظلمته. ويستره بلباسه حتى يذهب نور النهار ليتم قوام الحياة، فالليل للسكون، والنهار للمعاش، والليل يطلب النهار دائما من غير فتور مع الإعجال والسرعة.
وخلق الشمس والقمر والنجوم التي لا يعلمها إلا الله حالة كونها مسخرات ومذللات بأمره، كلّ يدور في فلكه إلى أجل مسمى عنده، ألا له الخلق، أى:
المخلوقات كلها كبيرها وصغيرها فلا دخل لهذه الكواكب في شيء. وله الأمر والنهى والتصريف والتدبير، ليس لأحد دخل في شيء، سبحانه وتعالى عما يصفون، وتبارك الله رب العالمين.
ادعوا ربكم الذي تعهدكم وأنعم عليكم نعمه التي لا تحصى، وبخاصة ما مضى في الآية السابقة، ادعوه متضرعين، مبتهلين مخلصين، فالدعاء مخ العبادة. ادعوه مخفين الدعاء متسترين، فالإخفاء حسن مندوب إن لم يكن واجبا، إذا هو أبعد عن الرياء والسمعة، وأنت لا تدعو غائبا أو ناسيا، فالله أقرب إلينا من جبل الوريد، وهو السميع البصير، على أن الله مدح العبد الصالح زكريا فقال: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا «١» وقد كان دعاء الصحابة وعملهم في الخفاء، إنه لا يحب المعتدين المتجاوزين الحدود المرسومة، خاصة في الدعاء، فمن رفع صوته للرياء أو بالغ في الصيغة، أو طلب غير المشروع. كل هذا تجاوز في حدود الدعاء يجب ألا يكون. أما دعاء غير الله فشرك.
ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها بما خلق فيها، وما هداكم إلى الانتفاع بها وتسخيرها.
والإفساد في الأرض شامل لإفساد النفوس بالقتل والاعتداء، وإفساد المال بالسرقة والنصب، وإفساد الدين بالكفر والمعاصي، وإفساد العقل بالمسكرات.
ادعوه خائفين من عقابه فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
وادعوه طامعين في ثوابه، مؤملين في جزائه، إن رحمة الله قريب من المحسنين:
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى «٢» .
стр. 718
من أدلة البعث [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٧ الى ٥٨]
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)
المفردات:
الرِّياحَ: جميع ريح، ولها أسماء عند العرب، وإذا جمعت كانت في معنى الخير، وإذا أفردت كانت في معنى الشر، كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى: وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ. بُشْراً: مبشرات. أَقَلَّتْ: حملت.
الْبَلَدُ: الموضع من الأرض عامرا كان أو خلاء. الثَّمَراتِ: واحده ثمرة:
وهي الحمل تخرجه الشجرة. نَكِداً: لا خير فيه. نُصَرِّفُ: نغير ونبدل.
المعنى:
هذا أثر من آثار رحمة الله بالخلق، ودليل على قدرته على البعث.
إن ربكم هو الذي يرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته بقدوم المطر رحمة من الله بالخلق، حتى إذا حملت الرياح سحابا ثقالا بالماء سقناه إلى بلد ميت فأخرجنا به ثمرات مختلفة في أشكالها وألوانها وطعومها وروائحها. مثل هذا الإخراج وإيجاد أنواع النبات والثمار من الأرض الميتة بعد نزول المطر، نخرج الموتى ونبعثهم، فالله قادر على كل
стр. 719
شيء، يخرج الحي من الميت والميت من الحي، فانتبهوا رجاء أن تتذكروا وتتعظوا، فتؤمنوا بالبعث والحياة الآخرة.
ومع هذا فهناك من ينكر البعث بعد ظهور أمارته، ولا غرابة في ذلك، فالناس في الفهم والإدراك كالأرض، منها طيبة ظاهرة المعدن تخرج نباتا حسنا، ومنها خبيثة التربة كالأرض السبخة أو الحجرية لا تخرج نباتا حسنا، بل نباتها لا خير فيه، مثل ذلك التصريف البديع، يصرف الله الآيات لقوم يشكرون.
قصة نوح ﵇ [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٥٩ الى ٦٤]
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦٠) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٢) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (٦٤)
المفردات:
عَذابَ يَوْمٍ المراد به يوم القيامة. الْمَلَأُ: أشراف القوم ورؤساؤهم، لأنهم يملؤون العيون بهجة ورواء. ضَلالٍ الضلالة والضلال: العدول عن طريق الحق والذهاب عنه.
стр. 720
وَأَنْصَحُ: أرشد إلى المصلحة مع حسن النية. ذِكْرٌ أى: وعظ من ربكم.
الْفُلْكِ السفينة. عَمِينَ: واحده عم، وهو ذو العمى. قيل: المراد عمى البصيرة، وقيل: هو عام.
أنهى الله- في الآيات السابقة الكلام عن مظاهر القدرة والوحدانية، ثم ختم الكلام بذكر البعث وأنه كالخلق الأول.
ثم قفى على ذلك بذكر قصص الأنبياء السابقين، وكيف لاقوا من أممهم العنت والتكذيب، وكيف آل أمر هذه الأمم، وفي هذا عبرة وعظة لأمة محمد ﷺ وتسلية للنبي الكريم ﷺ : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [سورة هود آية ١٢٠] لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [سورة يوسف آية ١١١] .
المعنى:
أقسم الله- لأهل مكة بأنه أرسل نوحا إلى قومه، ونوح هو النبي الأول الذي أرسل إلى قومه كما
ثبت في حديث الشفاعة، فقال: يا قومي ويا أهلى وعشيرتي: اعبدوا الله ربكم الذي خلقكم فسواكم وعدلكم على أتم صورة وأكمل نظام، هو الذي خلق لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه- هو المعبود بحق، لا إله إلا هو، ما لكم من إله غيره، تدعونه وتتضرعون إليه، آمركم بهذا لأنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم وقعه، شديد هوله.
قال الملأ من قومه- وهكذا أشراف الأمم ورؤساؤهم، دائما أعداء للهداة والمرشدين- قالوا: إنا لنراك في غمرة من الضلال، أحاطت بك، إذ كيف تنهانا عن عبادة آلهتنا: ود، سواع، يغوث، يعوق، ونسر، إن هذا لضلال بين ظاهر!! قال نوع مجيبا لهم: يا قوم ليس بي ضلالة، وليس بي خروج عن الحق والرشاد إذ أمرتكم بتوحيد الله، وعبادته وحده دون الآلهة، ولكني رسول من رب العالمين أهديكم إلى سبيل الرشاد، وأدعوكم إلى ما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة، أبلغكم
стр. 721
رسالات ربي من التوحيد الخالص، والإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وما فيه من جنة ونار، وثواب وعقاب، وأبلغكم الأحكام العامة، من عبادات ومعاملات..
وأنصح لكم وأحذركم عقاب الله، وأذكركم به.
وأعلم من الله ما لا تعلمون، فوعظى لم يكن عن جهل، وأنذركم عاقبة الشرك، كل ذلك عن علم.. أكذبتم وعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم، على لسان رجل منكم؟ وذلك أنهم يتعجبون من نبوة نوح- ﵇ ويقولون: ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، وكيف يكون الرسول بشرا! ولو شاء ربك لأنزل ملائكة؟ ومهمتى لكم أنى أحذركم عاقبة الكفر وأنذركم بين يدي عذاب شديد، لينذركم، ولتتقوا عذاب يوم عظيم.
أما هؤلاء الكفار فقد كذبوه وأصروا على تكذيبه وخالفوا أمر ربهم ولجوا في طغيانهم يعمهون، ولم يؤمن معه إلا قليل، وكان عاقبتهم أنه نجى نوحا والذين آمنوا معه برحمة منه، فركبوا في السفينة ونجوا من الغرق.
وأغرق الذين كذبوا بآيات الله، وكفروا بها، ولا غرابة في ذلك فهم قوم عمون عن الهدى والرشاد، قد طمس الله على قلوبهم وختم عليها.
فإياكم يا أمة الدعوة أن تكونوا مثلهم، حذار ثم حذرا أن تسيروا على منوالهم، وفي سورة هود تفصيل أوسع لهذه القصة.
قصة هود ﵇ [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٦٥ الى ٧٢]
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)
قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)
стр. 722
المفردات:
أَخاهُمْ المراد: واحد من أشرافهم، كما قالوا: يا أخا العرب. فِي سَفاهَةٍ السفاهة: خفة حلم وسخافة عقل. خُلَفاءَ المراد: خلفتموهم في الأرض. آلاءَ واحدها: إلى، وهي النعمة. رِجْسٌ
: عذاب، من الارتجاس: وهو الاضطراب. وَقَعَ عَلَيْكُمْ: حق عليكم ووجب.
غَضَبٌ: انتقام. أَتُجادِلُونَنِي المجادلة: المماراة والمخاصمة. دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا: آخرهم، والمراد استئصالهم جميعا.
عاد: قبيلة كبيرة كانت تسكن الأحقاف: (الرمل) فيما بين عمان إلى حضر موت باليمن وكانت لهم أصنام يعبدونها، وكانوا ذوى قوة وشدة، قالوا مَنْ
стр. 723
أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
؟ وقد بعث الله إليهم هودا، وكان من أوسطهم نسبا، وأشرفهم حسبا، وقد دعاهم إلى عبادة الله، فكفروا وعصوا وأفسدوا في الأرض، فأمسك الله عنهم القطر، وأرسل إليهم ريحا فيها عذاب أليم. تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [سورة الأحقاف آية ٢٥] .
المعنى:
وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، وهو واحد من أنفسهم! ليفهموه، ويفهم منهم، ويعرفوا شمائله وأخلاقه، فيكون ذلك أقرب إلى تصديقه.
ماذا قال لهم؟ قال: يا قوم اعبدوا الله وحده، لا تعبدوا غيره، فما لكم من إله غيره، أعميتم فلا تتقون ربكم؟ وتبتعدون عما يسخطه من الشرك والمعاصي، ولعله قال في مرة أخرى: أَفَلا تَعْقِلُونَ؟ كما في سورة هود.
وماذا قالوا له؟ قال الملأ الذين كفروا من قومه خاصة: إنا لنراك في سفاهة وحماقة، خفة وسخافة عقل حيث تهجر دين قومك إلى دين آخر، مهما كان ذلك الدين، عجبا لهم!! حيث جعلوا السفاهة ظرفا له للإشارة إلى تمكنه فيها، كما قال قوم نوح: إنا لنراك في ضلال مبين، وقالوا له: إنا لنظنك ونعلم أنك واحد من الكاذبين الذين يكذبون على الله!! ماذا أجابهم هود؟ قال: يا قومي ويا أهلى، ليس بي سفاهة ولا حماقة، حيث دعوتكم إلى دين التوحيد الخالص، والعبادة الصادقة، ولكني رسول من رب العالمين، قد اختارني الله لأداء هذه المهمة واللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام ١٢٤] وفي إجابته- ﵇ لهم، حيث نفى عن نفسه السفاهة فقط ولم ينسبها لهم- مع أنهم أضل الناس، وأسفه الناس، بل وأحقر الناس- أدب حسن، وخلق عظيم، صنعه الله على عينه، ليكون مثلا أعلى يحتذيه عباده الصالحون، يا قوم أنا رسول رب العالمين، مهمتى أبلغكم رسالات ربي، في التكاليف وأمور الدين، وأنا لكم ناصح أمين كما عرفتموني من قبل، ما كذبتكم في شيء فكيف أكذب على الله؟
стр. 724
أكذبتم وعجبتم لأن جاءكم ذكر من ربكم ووعظ على لسان رجل منكم لينذركم بأسه ويخوفكم عقابه؟! واذكروا فضل الله عليكم ونعمه، إذ جعلكم ورثة نوح، وزادكم بسطة في أجسامكم، وقوة في أبدانكم-
روى أنهم كانوا طوالا أقوياء- اذكروا هذا واتقوا الله واحذروا أن يقع عليكم العذاب، مثل ما وقع على قوم نوح فأهلكهم.
فاذكروا نعمة الله واشكروه واعبدوه وحده، واهجروا الأوثان والأصنام لعلكم تفلحون.
ماذا ردوا عليه؟ قالوا: أجئتنا لأجل أن نعبد الله وحده ونترك ما كان يعبد آباؤنا؟
إن هذا لشيء عجاب!! فجئنا بما تعدنا من العذاب- فنحن مستعجلون- إن كنت من الصادقين في دعواك، وهذا منتهى الغرور، فأجابهم هود بقوله:
قد قضى عليكم ربكم بعذاب شديد، وقد كان عذابهم ريحا صرصرا (شديدة الصوت) عاتية تنزع الناس وترميهم صرعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ «١» .
عجبا لكم!! أتخاصمونني في أشماء لا مسميات لها ولا حقائق، وضعتموها أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بها من سلطان، ولا حجة لكم فيها ولا برهان، وتتركون عبادة الرحيم الرحمن؟
وإذا سرتم على هذا المنوال ولم تغيروا طريقكم فانتظروا عذابا من الله شديدا إنى معكم من المنتظرين، وقد نزل بهم كما مر، ونجاه الله والذين معه برحمة منه، واستأصل الكافرين وقطع دابرهم: الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ.
المفردات:
ثَمُودَ: قبيلة من العرب كانت تسكن الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى قرب تبوك وهم من ولد سام بن نوح، وصالح نبيهم، وكان من أشرفهم نسبا وأعلاهم حسبا. وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ: أنزلكم فيها وجعل لكم فيها منازل.
وَتَنْحِتُونَ النحت: النحر في الشيء الصلب. وَلا تَعْثَوْا العثى والعثو:
الفساد. فَعَقَرُوا النَّاقَةَ: نحروها بالذبح، وأصل العقر: الجرح. وَعَتَوْا:
تمردوا واستكبروا، ومنه نخلة عاتية إذا كانت عالية يمتنع جناها على من يريدها.
الرَّجْفَةُ: المرة من الرجف، وهو الحركة والاضطراب. جاثِمِينَ جثم الناس: قعدوا لا حراك بهم، والمراد أنهم جثث هامدة ميتة لا حراك بها.
كانت قبيلة ثمود من قبائل العرب البائدة، وقد كانوا خلفاء لقوم عاد بعد أن أهلكهم الله، فورثوا أرضهم وديارهم. وآتاهم الله نعما كثيرة، وأرسل إليهم صالحا نبيا فيهم يهديهم إلى الصراط السوى، ولكنهم عصوا وتكبروا وكفروا وطالبوا صالحا بآية، فبعث الله إليهم ناقة تصديقا له، ولكنهم عقروها وعتوا عن أمر ربهم، فقال لهم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، بعدها نزل عذاب الله ووعده، ونجى الله صالحا والذين آمنوا معه، وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا أثرا بعد عين، أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ وتلك عقبى الظالمين ومآل الفاسقين.
المعنى:
ولقد أرسلنا إلى بنى ثمود أخاهم صالحا، قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها، وجعلكم خلفاء لعاد فاستغفروه وتوبوا إليه، إن ربي قريب مجيب.
يا قوم قد جاءتكم حجة من ربكم وآية منه دالة على صدقى، وكأنهم قالوا له ما هذه البينة؟ فقال: هذه ناقة الله لكم آية، وإنما أضاف الناقة إلى الله تعظيما لشأنها وتكريما، ولأنها جاءت من عنده مكونة من غير فحل وناقة، بل من صخرة صلبة، والله على كل شيء قدير، هذه الناقة آية لكم يا بنى ثمود خاصة، لأنكم المشاهدون لها
стр. 727
وحدكم، هذه الناقة من الله، فذروها تأكل في أرض الله، ولا تحولوا بينها وبين ما تطلب، ولا تتعرضوا لها بسوء، وكانت هذه الناقة تشرب جميع مياههم، ثم تحيلها لبنا لهم: هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [سورة الشعراء آية ١٥٥] .
ثم ذكرهم بنعم الله التي توجب الشكر والعبادة لله وحده، وبخاصة بعد ما قامت الحجج على صدق رسالته فقال: واذكروا نعم الله عليكم إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم عاد، في الحضارة والعمران، وأورثكم أرضهم، وأنزلكم منازلهم تجعلون بدل سهولها قصورا زاهية. ودورا عالية، بما ألهمكم من صناعة اللّبن والآجر (الطوب الأخضر والأحمر) وتنحتون من الجبال بيوتا، فقد علمكم صناعة النحت وآتاكم القوة والصبر.
روى أنهم كانوا يسكنون الجبال في الشتاء، والسهول في باقى الفصول، فاذكروا هذه النعم الجليلة، واشكروا الله واعبدوه حق العبادة، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.
قال الملأ الذين استكبروا من قومه، وكفروا بالله ورسوله، قالوا للمستضعفين الذين آمنوا منهم: أتعلمون أن صالحا مرسل من عند ربه؟ وهكذا جرت سنة الله مع أنبيائه، يتبعهم الضعفاء، ويكفر بهم الرؤساء.
قال المستضعفون المؤمنون: نعلم أنه مرسل من عند ربنا علما لا يحتاج إلى بيان، وإنا بما أرسل به مؤمنون ومصدقون.
قال الذين استكبروا: إنا بما آمنتم به كافرون، ولم يقولوا: إنا بما أرسل به صالح كافرون، خوفا من أن يقروا له بالرسالة ولو ظاهرا.
أما أفعالهم الدالة على الكفر: فقد عقروا الناقة: نعم أجمعوا أمرهم ونادوا صاحبهم، فتعاطى هذا الفعل الشنيع، فعقر الناقة، وصاحبهم هذا هو قدار بن سالف، أشقى القبيلة، وإنما نسب العقر إليهم جميعا لأنهم بين راض عن هذا الفعل، وبين آمر به.
فعقروا الناقة وتمردوا واستكبروا عن امتثال أمر ربهم الذي أمرهم به على لسان نبيه صالح، من قوله: فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ [الأعراف ٧٣] .
وقالوا يا صالح: ائتنا بما تعدنا به من العذاب، إن كنت رسولا من عند الله،
стр. 728
وتدعى أن وعيدك تبليغ عنه، وأن الله ناصرك على أعدائه، إن كان هذا صحيحا فعجل ذلك لنا!! فأخذتهم الرجفة فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ كما في سورة هود فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ كما في سورة السجدة، والمراد أنه نزلت بهم صيحة شديدة القوة، ارتجفت لها الأفئدة واضطربت من حولها الأرض، وتصدع ما فيها من بنيان: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ فأصبحوا في دارهم جثثا هامدة لا حراك بها، وسقطوا صرعى الصاعقة.
قال لهم صالح- بعد أن جرى ما جرى-: لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، ولم أدخر وسعا في ذلك، ولكنكم لا تحبون الناصحين، فحقت عليكم كلمة العذاب.
ونداؤه لهم بعد الموت، كنداء النبي ﷺ لقتلى بدر بعد أن دفنوا في القليب:
«هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟» .
قصة لوط ﵇ [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٠ الى ٨٤]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)
стр. 729
المفردات:
لوط: هو ابن أخى إبراهيم ﵇. وكان يسكن قرب البحر الميت بشرق الأردن في قرية من قرى خمس اسمها (سدوم) كانت تعمل الخبائث التي حكاها القرآن. لَتَأْتُونَ الرِّجالَ: مأخوذ من قولهم: أتى الرجل المرأة: إذا غشيها. مِنَ الْغابِرِينَ أى: الباقين في عذاب الله، يقال: غبر الشيء: إذا مضى، وغبر: إذا بقي.
المعنى:
واذكر لوطا حين قال لقومه بعد أن دعاهم إلى عبادة الله: أتأتون الفعلة التي بلغت الغاية في الفحش والقبح، هذه الفعلة ما عملها قبلكم أحد من الناس فأنتم قادة لغيركم في هذا الجرم الشنيع، إنكم لتأتون الرجال لقصد الشهوة فقط وسفح الماء، فقد نزلتم عن مستوى الحيوان، فإن ذكره يأتى أنثاه بقصد الشهوة وبقاء النسل، أما أنتم فقد أعماكم الضلال وأصبح لا غرض لكم إلا إرضاء شهواتكم، وفي هذا تقريع وتوبيخ لهم شديد!! وفي قوله: مِنْ دُونِ النِّساءِ إشارة إلى أنهم تركوهن وهن محل الشهوة عند الفطر السليمة.
بل أنتم قوم مسرفون متجاوزون الحد عادون، قد تجاوزتم حدود العقل والطبع السليم والصحة والأدب.
وما كان جواب قومه عن هذا الإنكار وذلك النصح شيئا من الحجج المقنعة، أو رجوعا عن ذلك الغي، أو اعتذارا يخفف حدة الغضب، لم يكن شيء من هذا، بل كان جوابهم الأمر بإخراجه هو ومن آمن معه من قريتهم الظالم أهلها، وقالوا لهم مفتخرين متعللين على سبيل السخرية والتهكم: إنهم أناس يتطهرون.
وكان من نبأ لوط أن أرسل الله إليه ملائكة الرحمة به، ورسل العذاب إلى قومه، استجابة لدعائه عليهم، بعد أن ضاق صدره وعيل صبره. وقالت الملائكة يا لوط: إنا رسل ربك جئنا لإنقاذك ودفع العدوان عنك، فأصبح لوط وقد كشف الله عنه الغمة وأنجاه الله وأهله المؤمنين معه إلا امرأته، فإنها كانت موالية للكفار، فكانت من الباقين في عذاب الله.
стр. 730
خرج لوط وأهله وفارق تلك القرية، حتى إذا صار بعيدا عنها جاءها أمر الله وزلزلت الأرض زلزالها، فصار عاليها سافلها. وأمطر عليهم نوعا من المطر عظيما يقال: هو حجارة من سجيل.
فانظر كيف كان عاقبة المجرمين، في حق أنفسهم وفي حق مجتمعهم، وفي حق ربهم؟ وهذا هو العقاب الطبيعي للترف والفسق الذي يفسد الخلق، ويبيد الأمم، وهذه سنة الله ولن تجد لسنته تبديلا.
عقاب هذه الفعلة:
قال الإمام مالك- رضى الله عنه-: يرجم، أحصن أو لم يحصن، وكذلك يرجم المفعول به إن كان بالغا، وروى عنه أيضا: يرجم إن كان محصنا «متزوجا» ويحبس ويؤدب إن كان لم يتزوج، وعند أبى حنيفة: يعزّر وعند الشافعى: يحد حد الزنا قياسا عليه، إلى آخر ما هو مذكور في كتاب القرطبي عند تفسير هذه الآية.
قصة شعيب ﵇ [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٧]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٧)
стр. 731
المفردات:
مَدْيَنَ: قبيلة عربية كانت تسكن أرض معان من أطراف الشام، وكانوا يكفرون بالله، وقد عبدوا الأيكة من دونه، وكانوا يبخسون الناس أشياءهم، في الكيل والوزن، وقد بعث الله فيهم شعيبا. وَلا تَبْخَسُوا بخسه حقه: نقصه.
تُوعِدُونَ: تخوفون الناس. تَبْغُونَها عِوَجاً: تطلبون اعوجاجها.
فَكَثَّرَكُمْ: بارك الله فيكم.
المعنى:
ولقد أرسلنا إلى قبيلة مدين شعيبا نبيا فيهم، وهو من أشرفهم، فقال: يا قوم اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، ما لكم من إله غيره، هو الذي خلقكم وخلق كل شيء لكم. قد جاءتكم بينة من ربكم، وآية دالة على صدقى.
فأوفوا الكيل إذا كلتم، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تنقصوا الناس شيئا من حقوقهم، في بيع أو شراء أو حق مادى أو معنوي، وقد أمرهم شعيب بالوفاء في الكيل والوزن، ونهاهم عن نقص الناس شيئا من حقوقهم بعد الأمر بعبادة الله مباشرة وذلك لأن هذه الخصلة كانت فاشية فيهم، كما فشا في قوم لوط الفاحشة، فقد كانوا من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس وأخذوا حقهم يستوفون، وإذا كالوهم وباعوا إليهم شيئا ينقصون ويبخسون، وهذا مرض نفسي وداء إذا تفشى في أمة قضى عليها وأزال ملكها وعزها.
стр. 732
وقال شعيب: يا قوم لا تفسدوا في الأرض بأى نوع من أنواع الفساد، كالظلم والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، وارتكاب الإثم والفواحش، وإفساد المجتمع بشيوع الانحلال الخلقي.
ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، وقد أصلحها، وقد أصلحها الله بما فطر الناس على حب الخير، وبما أودع فيهم من الميل إلى الرشاد، وبما أرسل فيهم من الرسل والهداة والمرشدين.
فعليكم ألا تفسدوا فيها بالبغي والعدوان على الأنفس والمال والعقول والأعراض.
ذلكم الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم في الدنيا والآخرة، وهو مجلبة للسعادة في الدارين إن كنتم مؤمنين حقا بي وبرسالتي، وهكذا العلم وحده لا ينفع في قمع النفس وردها عن الشر بل لا بد معه من إيمان قلبي وتصديق روحي خالص، ومخالفة للنفس والهوى. وقال شعيب لهم: لا تقعدوا يا قوم في الطرقات تنهون الناس عن الإيمان وتخوفونهم عاقبته، وتعدونهم بالشر إن آمنوا- وقد كانت قريش تفعل ذلك، كما ورد في حديث ابن عباس- ولا تصدوا عن سبيل الله من آمن به من الناس.
ولا تطلبوا اعوجاجا لسبيل الله ودينه، بما تصفون وبما تكذبون وبما تشوهون الحقائق، وتفترون على الله الكذب.
واذكروا نعم الله عليكم وقت أن كنتم قلة في المال والرجال والسطوة فبارك فيكم، وزاد مالكم ونما، وكثر عددكم وربا، مع الجاه والقوة، وانظروا نظرة عبرة وعظة كيف كان عاقبة المفسدين الظالمين من قوم عاد وثمود وقوم لوط.
وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وصدقوا، وكانت هناك طائفة لم يؤمنوا، وهذا شأن الناس قديما وحديثا.
إن كان هذا فاصبروا أيها المؤمنون حتى يحكم الله ويقضى بيننا، وهو الحكم العدل، وقد حكم بنصرة عباده المؤمنين وهلاك الظالمين المفسدين، وهو خير الحاكمين.
стр. 733
شعيب ﵇ وقومه [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٨ الى ٨٩]
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)
المفردات:
افْتَحْ: احكم، والفاتح: الحاكم على المبالغة.
المعنى:
أمر شعيب قومه بعبادة الله وحده، والوفاء بالكيل والميزان، وعدم الفساد في الأرض، فما كان من أشراف قومه الذين استكبروا عن الإيمان بالله ورسله وعاثوا في الأرض الفساد، إلا أن قالوا: تالله لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من بلادنا حتى تسكن الفتنة، وتهدأ الثورة التي أثرتموها باتخاذكم دينا غير دين الآباء والأجداد.
ليكونن أحد الأمرين: إما إخراجكم من القرية، وإما عودتكم في ملتنا، ودخولكم في زمرتنا وجماعتنا.
قال شعيب: عجبا لكم!! إذ تأمروننا أن نعود في ملتكم، أنعود ولو كنا كارهين؟! إنكم تجهلون موقفنا، وتأثير العقيدة في نفوسنا، فطلبتم منا هذا الطلب..
стр. 734
رد شعيب عليهم في الأمر الثاني المهم فقال: قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم ملة الكفر والضلال، إذ الكافر يختلق على الله الكذب حيث يدعى أن له شريكا وولدا بل المرتد أعظم جرما، وأكثر كذبا حيث يوهم غيره أنه رجع بعد معرفة الحقيقة والواقع.
أنعود إلى ديانتكم بعد أن نجانا الله منها؟ إن هذا لشيء عجيب!! ما أعظم كذبنا وكفرنا إن عدنا فيها بعد أن نجى الله أصحابى منها وأنا معهم، وما ينبغي أن نعود فيها أبدا، ولا يقدر أحد على تحويلنا إليها في حال من الأحوال إلا في حال مشيئة ربنا إذ هو المتصرف في أمرنا، وهذا رفض أبلغ.
والله واسع العلم كثير الفضل، أعلم بخلقه، لا يشاء إلا الخير لهم، هذا اعتقادهم في الله، على أنهم قوم مؤمنون حقا لا يهمهم تهديد ولا يخوفهم وعيد، ويقولون: على الله وحده توكلنا، وإليه أنبنا وما عداه فشيء لا يعبأ به أبدا، وهذا رفض آخر بالدليل.
ثم دعا عليهم لما يئس منهم فقال: ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق الذي مضت به سنتك في التنازع بين المرسلين والكافرين، بل وبين كل محق ومبطل، وأنت خير الحاكمين عدلا وإحاطة ونزاهة، سبحانك أنت الحكم العدل..
مآل الكافرين [سورة الأعراف (٧) : الآيات ٩٠ الى ٩٥]
وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (٩٢) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (٩٣) وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥)
стр. 735
المفردات:
الرَّجْفَةُ: الحركة والاضطراب، والمراد: الزلزلة والعذاب. يَغْنَوْا غنى بالمكان: أقام به. آسى الأسى: الحزن الشديد. قَرْيَةٍ: مدينة جامعة تجمع الزعماء كالعاصمة. بِالْبَأْساءِ: الشدة والمشقة من حرب أو فقر أو غيره.
الضَّرَّاءِ: ما يضر الإنسان في بدنه أو معيشته. يَضَّرَّعُونَ: يظهرون الضراعة والخضوع. عَفَوْا: كثروا ونموا، من قولهم: عفا النبات: إذا كثر.
المعنى:
وقال الملأ الذين كفروا- وهم عيون مدين وأشرافهم- قالوا للمستضعفين المؤمنين: تالله لئن اتبعتم شعيبا وآمنتم به إنكم إذا لخاسرون شرفكم حيث تركتم دين آبائكم إلى دين لم تعرفوه ولم تألفوه، وخاسرون دنياكم حيث تركتم ما به ينمو مالكم ويزيد من التطفيف في الكيل، وأكل أموال الناس.
ولقد كان وصفهم بالاستكبار أولا لمناسبة التهديد بالإخراج من الديار، ووصفهم هنا بالكفر يناسب الضلال والصد عن سبيل الله، أما جزاؤهم فأخذتهم الرجفة وعمتهم الصيحة، وزلزلوا زلزالا شديدا، حتى أصبحوا جثثا هامدة، جاثمين في مكانهم لا حراك بهم.
وكان قوله تعالى: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا بمعنى أنهم حرموا من ديارهم، وأخرجوا من أوطانهم كأن لم يقيموا فيها: ردّا عليهم في قولهم: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك.
стр. 736
وكان قوله تعالى: الذين كذبوا هم الخاسرون على سبيل الحصر ردّا عليهم في قولهم:
لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ... «١» وحقا الكافرون هم الذين خسروا في الدنيا والآخرة دون سواهم.
وأما شعيب فقد تولى عنهم وأعرض قائلا: يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي، وبلغتكم ما فيه صلاحكم في المعاش والمعاد، ونصحت لكم، ومن بشر وأنذر فقد أعذر، ومن أعذر فكيف يحزن على قوم عصوه ولم يؤمنوا؟ وكانوا كافرين!! وما أرسلنا في قرية من القرى ولا مدينة من المدن، ما أرسلنا فيها رسولا ثم كذب أهلها وعصوا إلا أخذناهم بالشدة والمكروه وأصابتهم سنين عجاف، لعلهم بهذا يتضرعون، ويلتجئون إلى ربهم وهكذا سنة الله في الخلق، ولن تجد لسنة الله تبديلا، يرسل الشدائد لعلها ترجع الإنسان إلى ربه، وترده عن غيه، ولكن كثيرا من الناس لا تردعهم الروادع، فهؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ «٢» .
ثم أعطيناهم بدل الشدة سعة، ومكان الفقر والضيق غنى وفضلا، حتى عفوا وكثروا في المال والعدد، فالله- سبحانه- يريهم الحالتين ويمكن لهم في الجهتين لعلهم يعتبرون، ولكن العصاة يقولون: هؤلاء آباؤنا قد مستهم الضراء والسراء، وحل بهم الضيق والفرج والعسر واليسر. وما نحن إلا مثلهم، وهذا قول من لم يعتبر ويتعظ بأحداث الزمن، أليس ما هم فيه ابتلاء واستدراجا؟ ألم يعلموا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؟ وهم مع ذلك قد أعرضوا ونأوا، واستكبروا وبغوا فكان جزاؤهم ما يأتى:
فأخذناهم بغتة وحل بهم العذاب فجأة، وهم في غيهم سادرون، وفي عمايتهم لاهون فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ «٣» .
فاعتبروا يا أولى الأبصار، واتعظوا بما حل بغيركم فتلك سنة الله ولن تجد لسنته تبديلا!!!
العهد: الوصية، وقد يكون بين طرفين كالمعاهدة أو طرف واحد. بأن يعهد إليك بشيء، أو تلتزم به، والميثاق: العهد المؤكد.
المعنى:
هكذا نظام الله في الكون، وتلك سنته مع الخلق قديما وحديثا فاعتبروا واتعظوا أيها الناس خاصة أنتم يا زعماء الشرك من العرب، ولو أن أهل القرى التي كذبت رسلها، ولم تؤمن بربها. لو أنهم بدل الكفر آمنوا ومكان العصيان اتقوا لفتح الله عليهم أنواع الخير من السماء والأرض كالعلوم والهداية والوحى والإلهام، وكذا المطر والسحاب وسهل عليهم خير الأرض من نبات ومعادن، وخصب وكنوز. والمعنى: أنهم لو آمنوا ليسر الله لهم كل خير من كل جانب.
ولكن كذبوا وكفروا فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر بما كانوا يكسبون ... فعلوا ما فعلوا فأخذهم الله بغتة، وعلى غرة منهم، أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا، وينزل بهم عذابنا وهم بائتون ونائمون؟!! أو أمن أهل القرى أن يأتيهم العذاب ضحى وهم يلعبون، فإن من يأتى من الأعمال ما لا فائدة فيه فهو لاعب ولاه!!!
والمعنى:
إن أمنتم ضربا منها لم تأمنوا الآخر.
أفأمنوا مكر الله؟ وقد كرر الاستفهام الإنكارى لزيادة التوبيخ، وهو معطوف على قوله: أفأمن أهل القرى، ولذا كان بالفاء، ومكر الله عبارة عن جزائه، وأخذه العبد إذا طغى من حيث لا يشعر مع استدراجه والإملاء له، فعلى العاقل ألا يأمن مكر الله ولو كانت إحدى رجليه في الجنة، ومعنى الآية: أيأخذهم ربك بغتة في الليل أو الضحى فأمنوا مكر الله؟! إن كان الأمر كذلك فقد خسروا أنفسهم فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
أجهل هؤلاء الناس (خاصة قريشا) الذين يرثون الأرض من بعد أهلها- بعد هذا البيان الكامل- أن سنة الله في الخلق لا تتغير؟ أكان ما ذكر ولم يتبين لهم أن شأننا معهم
стр. 739
كشأننا مع من سبقهم؟! فلو نشاء أصبناهم بذنوبهم، وعذبناهم على أعمالهم، كما أصبنا أمثالهم من قبل بغتة وهم لا يشعرون.
ونحن نطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون الحكم والنصائح سماع قبول وتدبر وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [سورة يونس آية ١٠١] .
تلك القرى التي مر عليك ذكرها نقص عليك بعض أنبائها وأخبارها، مما فيه عبرة وعظة وتسلية، ولقد جاءتهم رسلهم بالآيات البينات، والمعجزات الخارقات ولكنهم لم يؤمنوا بما كذبوا به من قبل مجيء المعجزات، أى: في بدء الدعوة، فهم قد ظلوا على حالهم، ولم تنفعهم الآيات الدالة على صدق الرسل.
مثل ذلك الطبع الذي طبعه الله على قلوب الكافرين من تلك الأمم يطبع الله على قلوب الكافرين من أمة الدعوة، إن هذا الجمود والعناد الذي تراه عند كفار مكة قد سبقوا بمثله عند الأمم السابقة، فلا تأس عليهم، ولا تحزن على كفرهم.
وما وجدنا لأكثرهم عهدا وفوا به، سواء كان عهد فطرة أو عهد شرع أو عرف، وإننا وجدنا أكثرهم خارجين على كل عهد، وفي التعبير (بأكثرهم) إيماء إلى أن البعض قد آمن ووفى بعهده.
قصة موسى ﵇ [سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٣ الى ١١٦]
ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (١٠٧)
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (١١٠) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)
وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)
стр. 740
المفردات:
مُوسى: هو موسى بن عمران نبي بنى إسرائيل. فِرْعَوْنَ: لقب كل ملك لمصر في العهد القديم، وقيل: كان اسمه منفتاح. حَقِيقٌ: جدير وخليق.
تَأْمُرُونَ: تشيرون علىّ، من قولهم: مرني بكذا، أى: أشر على به. أَرْجِهْ وفي قراءة أرجئ بمعنى: أخر ولا تفصل في شأنه. حاشِرِينَ جامعين لك السحرة.
أفردت قصة موسى- ﵇ عن قصص الأنبياء السابقين، لأن قصصهم جميعا طبع على غرار واحد إذ كلهم أرسل لأمته وقد كذبته وحل بها العذاب، وأما موسى فقد أرسل لغير قومه، وكانت معجزته ظاهرة واضحة، وآمن به أكثر قومه، وشريعته أقرب الشرائع لشريعة محمد- ﵊ لاشتمالها على أمور دينية